Полный текст (6 133 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
وَالْعَدَدُ فِي الشَّهَادَةِ شَرْطٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِقَوْلِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ الْمُزَكِّيُّ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْمُقَوِّمُ.
وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ تَزْكِيَةَ الْوَاحِدِ، قَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا فَاتَّهَمَنِي عُمَرُ، فَقَالَ: عريفي: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ: كَذَاكَ؟! اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
стр. 4027
فَأَمَّا الْقَائِفُ، فَوَاحِدٌ كَالْقَاضِي، وَإِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْقَاضِي لِسَانَ الْخَصْمِ، فَهَلْ يَكْتَفِي بِمُتَرْجِمٍ وَاحِدٍ؟ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُتَرْجِمَيْنِ كَالشَّاهِدِ وَالْمُزَكِّيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَكْتَفِي بِمُتَرْجِمٍ وَاحِدٍ، «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لِيَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ، فَيَكْتُبُ إِلَيْهِمْ، وَيَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ».
стр. 4028
وَقَالَ عُمَرُ، وَعِنْدَهُ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَاذَا تَقُولُ هَذِهِ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ: فَقُلْتُ: نُخْبِرُكَ بِصَاحِبِهَا الَّذِي صَنَعَ بِهَا، وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْخَارِصِ وَالْقَاسِمِ: هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ؟ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي الْمَسْمَعِ إِذَا كَانَ الْقَاضِي أَصَمَّ.
بَابُ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ السُّؤَالِ
٢٥١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ.
ح، وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ،
стр. 4029
أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنيِّ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أَلا أُخْبِرَكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا»
هَذَا حَدِيثٌ اخْتُلِفَ عَلَى مَالِكٍ فِي رِوَايَتِهِ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةِ هَكَذَا، وَقَالَ: عَنْ أَبِي عَمْرَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا أَصَحُّ، لأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِد الْجُهَنِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَأَبُو عَمْرَةَ هُوَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ.
قَالَ الإِمَامُ: وقَدْ صَحَّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
قَالَ عِمْرَانُ: فَلا أَدْرِي أَقَالَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَحْلِفُونَ، وَلا يُسْتَحْلَفُونَ».
стр. 4030
قَالَ الإِمَامُ: إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ حَقًّا عَلَى آخَرَ، فَشَهِدَ بِهِ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَسْتَشْهِدَهُ الْحَاكِمُ بِطَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَلا حُكْمَ بِشَهَادَتِهِ، وَلا يَحْكُمُ بِهَا الْحَاكِمُ كَمَا لَا تُحْسَبُ يَمِينُهُ فِي قَطْعِ الْحُقُوقِ قَبْلَ اسْتِحْلافِ الْحَاكِمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، قِيلَ: أَرَادَ «بِخَيْرِ الشُّهَداءِ» أَنْ يَكُونَ عِنْدَ رَجُلٍ شَهَادَةٌ لِرَجُلٍ، وَلا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُ الْحَقِّ، فَيُخْبِرُهُ بِهَا، وَلا يَكْتُمُهُ.
وَقَوْلُهُ: «يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ» أَرَادَ بِهِ: إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَالِمًا بِهِ، فَشَهِدَ الشَّاهِدُ بِهِ قَبْلَ الاسْتِشْهَادِ، وَقِيلَ: الأَوَّلُ فِي الأَمَانَةِ تَكُونُ لِلْيَتِيمِ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهَا غَيْرُهُ، فَيُخْبِرُهُ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالأَوَّلِ سُرْعَةَ إِجَابَةِ الشَّاهِدِ إِذَا اسْتُشْهِدَ لَا يَمْنَعُهَا وَلا يُؤَخِّرُهَا، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٢]، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الَّذِي عِنْدَهُ الشَّهَادَةِ، فَكُلُّ مَنْ تَحَمَّلَ شَهَادَةَ، فَدُعِيَ لأَدَائِهَا وَلا عُذْرَ لَهُ فِي التَّخَلُّفِ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [
стр. 4031
الْبَقَرَة: ٢٨٣] وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ : وَ ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النِّسَاء: ١٣٥] أَيْ: لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فِرَارًا مِنْ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى لِتَعْدِلُوا، كَمَا يُقَالُ: لَا تتَّبِعَنَّ الْهَوَى لِتُرْضِيَ رَبَّكَ، أَيْ: أَنْهَاكَ عَنْهُ لِتُرْضِي رَبَّكَ.
فَأَمَّا إِذَا دُعِيَ لِلتَّحَمُّلِ، وَثَمَّ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَلا يَجِب، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا، فَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَرَدِّ السَّلامِ، وَالصَّلاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَالْجِهَادِ.
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: «يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ» أَرَادَ بِهِ شَهَادَةَ الزُّورِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «يَحْلِفُونَ وَلا يُسْتَحْلَفُونَ» أَرَادَ أَنْ يَحْلِف عَلَى شَيْءٍ هُوَ فِيهِ آثِمٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «ثُمَّ يَفْشُوا الْكَذِبُ» وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الشَّهَادَاتِ الَّتِي يَقْطَعُ بِهَا عَلَى الْمُغَيَّبِ، فَيُقَالُ: فُلانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفُلانٌ فِي النَّارِ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّأَلِّي عَلَى اللَّهِ، وَقَدْ زُجِرَ عَنْهُ.
قَالَ الإِمَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ، مِنَ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ، وَالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لِلَّهِ ، وَالطَّلاقِ، وَالْعِتَاقِ، وَنَحْوِهَا.
وَقَوْلُهُ: «يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ» فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ مِنَ الْبُيُوعِ، وَالأَقَارِيرِ، وَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَنَحْوِهَا، فَلا تَصِحُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ فِيهِ إِلا بَعْدَ تَقَدُّمِ الدَّعْوَى، وَمُسَأَلَةِ الْحَاكِمِ شَهَادَتَهُ بَعْدَ طَلَبِ الْمُدَّعِي.
بَابُ الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ
٢٥١٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُسْلِمِ
стр. 4032
بْنِ الْحَجَّاجِ، نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ إِلا مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ هُوَ أَخُو سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنْ مُسْلِمٍ.
٢٥١٥ - نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ»
قَالَ أَبُو عِيسَى: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ ظَالِمًا، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ.
стр. 4033
وَقَوْلُهُ: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ صَاحِبُكَ»، أَيْ: يَجِبُ أَنْ تَحْلِفَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ إِذَا حَلَفْتَ.
بَابُ تَغْلِيظِ اليَمينِ
٢٥١٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: " ثَلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بعدَ الْعَصْرِ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجلٍ مُسلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلَ يَدَاكَ ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
стр. 4034
قِيلَ: إِنَّمَا خُصَّ بَعْدَ الْعَصْرِ بِالذِّكْرِ، لأَنَّ اللَّهَ قَدْ عَظَّمَ شَأْنَ هَذَا الْوَقْتِ، فَقَالَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٨]، فَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ الصَّلاةَ الْوُسْطَى صَلاةُ الْعَصْرِ، وَيَجْتَمِعُ فِيهَا مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتُرْفَعُ فِيهَا الأَعْمَالُ الَّتِي اكْتَسَبَهَا الْعَبْدُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ.
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ تَعْظِيمَ حُرْمَةِ هَذَا الْوَقْتِ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [الْمَائِدَة: ١٠٦] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ صَلاةَ الْعَصْرِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ التَّاجِرِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُنْفِقُ مِنْ رِبْحٍ رَبِحَهُ، أَوْ فَضْلٍ اسْتَفْضَلَهُ فِي بَيَاضِ نَهَارِهِ، وَقَدْ يَتَّفِقُ أَنْ لَا يَرْبَحَ رِبْحًا وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَقْتُ مُنْصَرَفِهِ، فَإِذَا اتَّفَقَتْ لَهُ صَفْقَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ، حَرَصَ عَلَى إِمْضَائِهَا بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، لِيُنْفِقَ مِنَ الرِّبْحِ، وَلا يَنْصَرِفَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
قَالَ الإِمَامُ: إِذَا تَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَى رَجُلٍ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ خَطَرَهُ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ عُقُوبَةٍ، أَوْ نِكَاحٍ، أَوْ طَلاقٍ، أَوْ عِتَاقٍ، أَوْ مَالٍ بَلَغَ نِصَابًا، فَتُغَلَّظُ تِلْكَ الْيَمِينِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَالْمَكَانُ أَنْ يَحْلِفَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ إِنْ كَانَ بِمَكَّةَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهَا، فَتَحْتَ الْمِنْبَرِ فِي الْجَامِعِ، وَفِي الزَّمَانِ أَنْ يَحْلِفَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَيُخَوَّفُ بِاللَّهِ، وَيُقْرَأُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمرَان: ٧٧] لِيَرْتَدِعَ إِنْ كَانَ فِيهَا مُبْطَلا.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [الْمَائِدَة: ١٠٦]، أَيْ: صَلاةِ الْعَصْرِ عَلَى تَأْكِيدِ الْيَمِينِ عَلَى الْحَالِفِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا قَوْلُ الْحُكَّامِ الْمَكِّيِّينَ وَمُفْتِيهِمْ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِيهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَأَى قَوْمًا يَحْلِفُونَ بَيْنَ الْمَقَامِ، وَالْبَيْتِ، فَقَالَ: أَعَلَى دَمٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَفَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ
стр. 4035
الأَمْرِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَبْهَأَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَارِيَتَيْنِ ضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَكَتَبَ: أَنِ احْبِسْهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ اقْرَأْ عَلَيْهِمَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمرَان: ٧٧] فَفَعَلْتُ، فَاعْتَرَفَتْ.
وَكِتَابُ أَبِي بَكْرٍ الصِّديقِ: يَحْلِفُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَاتَّقَاهَا، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُوَافِقَ قَدَرٌ بَلاءً فَيُقَالُ بِيَمِينِهِ.
стр. 4036
٢٢ - كِتَابُ الْقِصَاصِ
بَابُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الْإِسْرَاء: ٣٣].
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النِّسَاء: ٩٣] قَالَ: «لَا تَوْبَةَ لَهُ»، وَعَنْ قَوْلِهِ : ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الْفرْقَان: ٦٨] فَقَالَ: كانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فيِ قَوْلِهِ : ﴿فَجَزَاؤُهُ
стр. 4037
جَهَنَّمُ﴾ [النِّسَاء: ٩٣].
قَالَ: «إِلا مَنْ نَدِمَ».
وَقَالَ : ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٣١]، يُقَالُ: خَطِئَ فِي مَعْنَى أَخْطَأَ، قَالَ الأَزْهَرِيُّ: الْخَطِيئَةُ وَالْخَطَأُ: الإِثْمُ، يُقَالُ: خَطِئَ: إِذَا تَعَمَّدَ، وَأَخْطَأَ: إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَالْخَطَأُ: الاسْمُ يَقُومُ مَقَامَ الإِخْطَاءِ، وَهُوَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: الْقَصْرُ، وَهُوَ جَيِّدٌ، وَالْمَدُّ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ [
стр. 4038
الحاقة: ٩] أَيْ: بِالْخَطَإِ الْعَظِيمِ، مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَاعِلَةٍ، وَالْخَطِيئَةُ عَلَى فَعِيلَةٍ، كَالنَّفِيعَةِ: بِمَعْنَى النَّفْعِ، وَالْعَذِيرَةِ: بِمَعْنَى الْعُذْرِ.
وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : " الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ".
٢٥١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ،
стр. 4039
عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٍ، كُلٌّ عَنِ الأَعْمَشِ
٢٥١٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزنِيُّ، نَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَفِيدُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ، نَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي الدَّارِ، قَالَ: وَبِمَ تَقْتُلُونِي؟! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: رَجُلٍ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيُقْتَلَ بِهَا "، فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِليَّةٍ، وَلا إِسْلامٍ قَطُّ، وَوَاللَّهِ مَا أَحْبَبْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلا مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ لَهُ، وَلا قَتَلْتُ نَفْسًا، فَبِمَ تَقْتُلُونِي؟!
٢٥١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَاكِمِ الطُّوسِيُّ بِهَا، أَنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْرَفِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، نَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصّغانِيُّ، نَا أَبُو يَحْيَى
стр. 4040
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى الأَسَدِيُّ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَزَالُ الْمُؤمِنُ مُعْنِقًا صَالِحًا مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا، فَإِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا بَلَّحَ».
أَرَادَ بِالْمُعْنِقِ: خَفِيفَ الظَّهْرِ، يُعْنِقُ فِي مَشْيِهِ سَيْرَ الْمُخِفِّ، وَالْعَنَقُ: ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ وَسِيعٍ.
وَقَوْلُهُ: «بَلَّحَ» مَعْنَاهُ: أَعْيَا وَانْقَطَعَ، يُقالُ: بَلَّحَ الْفَرَسُ: إِذَا انْقَطَعَ جَرْيُهُ، وَبَلَحَتِ الرَّكِيَّةُ: انْقَطَعَ مَاؤُهَا.
قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ يُقَالُ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا، وَأَحْيَا نَفْسًا، فَلَعَلَّهُ.
٢٥٢٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى
стр. 4041
بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ
٢٥٢١ - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِ اخْتَلَفْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ضَرْبَتَيْنِ، فَقَطَعَ يَدِي، فَلَمَّا أهْوَيْتُ إِلَيْهِ لأَضْرِبَهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ: أَقْتُلُهُ أَمْ أَدَعُهُ؟ قَالَ: «بَلْ دَعْهُ» قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ قَطَعَ يَدِي؟ قَالَ: «وَإِنْ فَعَلَ»، فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : " إِنْ قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فأَنْتَ مِثْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا، وَهُوَ مِثْلُكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ".
стр. 4042
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ
قَالَ الإِمَامُ: يَتَمَسَّكُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمَ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ، وَهُمُ الْخَوَارِجُ، وَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْكُفْرِ، وَوَجْهُهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي إِبَاحَةِ الدَّمِ، لَا فِي الْكُفْرِ، لأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ مُسْلِمًا يَكُونُ دَمُهُ مُبَاحًا بِحَقِّ الْقِصَاصِ، كَمَا أَنَّ دَمَ الْكَافِرِ يَكُونُ مُبَاحًا بِحَقِّ الدِّينِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِفُ الإِيمَانَ، وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُ، سَوَاءُ كَانَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، أَوْ قَبْلَهُ.
بَابُ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا
٢٥٢٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبي بَكْرةَ، أَنّ النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ
стр. 4043
لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ يَقْتُلُ نَفْسًا مُعَاهَدَةً إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَرَائِحَتَهَا أَنْ يَجِدَهَا».
قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَصَمَّ اللَّهُ أُذُنَيَّ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا.
أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»، وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: «مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
قَوْلُهُ: «لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مِنْ رِحْتُ أَرَاحَ: إِذَا وَجَدَ الرِّيحَ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: لَمْ يَرِحْ بِكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ رِحْتُ، أُرِيحُ: إِذَا وَجَدَ الرِّيحَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: لَمْ يُرِحْ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ قَوْلِكِ: أَرَحْتُ الشَّيْءَ، فَأَنَا أُرِيحُهُ: إِذَا وَجَدْتُ رِيحَهُ.
стр. 4044
بَابُ وَعِيدِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ
٢٥٢٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا يَعْلَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جِهنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
стр. 4045
الْوَهَّابِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ، كِلاهُمَا عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ
٢٥٢٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَحْمَدَ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ
٢٥٢٥ - نَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْحَنَفِيُّ الْهَرَوِيُّ بِهَا، أَنا أَبُو مُعَاذٍ الشَّاهُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَأْمُونِ الْمُزْنِيُّ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ الْقَاضِي، إِمْلاءً، نَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، نَا
стр. 4046
جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَلا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أُرَابٌ فَجَزِعَ مِنْهُ، فَأَخْرَجَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ عَنْهُ الدَّمُ حتَّى مَاتَ، فَقَالَ اللَّهُ : بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجنَّةَ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ جَرِيرٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ وَهْبِ
стр. 4047
بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ: «خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَّاجٌ»
٢٥٢٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حِبَّانُ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ ممَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ، قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَأَثْبَتَتْهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الَّذي تُحَدِّثُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَمَا إِنَّهُ مِن أَهْلِ النَّارِ»، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا، فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلانٌ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا بِلالُ قُمْ فَأَذِّنْ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا
стр. 4048
مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ".
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: شَهِدْنَا حُنَيْنًا.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ »
بَابُ القِصَاصِ
قَالَ اللَّهُ : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٨] قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ القِصَاصُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي
стр. 4049
الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٨]، أَيْ: تُرِكَ لَهُ، وَصُفِحَ عَنْهُ، فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، وَيَتْرُكَ الْقِصَاصُ.
وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٨]، أَيْ: مَنْ جُعِلَ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ، يَعْنِي: الْقَاتِلَ دِيَةٌ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٨]، يَعْني: يَتَّبعُ الطَّالِبُ بِالْمَعْرُوفِ، فَلا يَطْلُبُ أَكْثَرَ مِمَّا أُوجِبَ لَهُ مِنَ الدِّيةِ، وَيُؤَدِّي الْمَطْلُوبَ بِإِحْسَانٍ، وَقِيلَ: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٨] يَعْنِي بَدَلَ أَخِيهِ الْمَقْتُولِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ﴾ [الزخرف: ٦٠]، أَيْ: بَدَلَكُمْ.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٨] مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٨] قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ.
وَقَوْلُهُ : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٩]، أَرَادَ أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ يُقَصُّ مِنْهُ، كَفَّ عَنِ الْقَتْلِ، فَفِيهِ حَيَاتُهُ وَحَيَاةُ الْمَقْصُودِ قَتْلُهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
стр. 4050
حَيَاةُ مَنْفَعَةٍ، يُقَالُ: لَيْسَ بِفُلانٍ حَيَاةٌ، أَيْ: لَيْسَ عِنْدَهُ خَيْرٌ وَلا شَرٌّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبي شُرَيْحٍ الْكَعْبيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ ".
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخِيارَ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ بَيْنَ الْقِصَاصِ، أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَلا يُعْتَبَرُ رِضَا الْقَاتِلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الاخْتِلافَ فِيهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ عَلَى حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ.
٢٥٢٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِيرْبَنْدُ كُشَائِيُّ، أَنا أَبُو سَهْلٍ السِّجْزِيُّ، أَنا أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، نَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْجَشْمِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفٍ، نَا حَمْزَةُ أَبُو عُمَرَ الْعَائِدِيُّ، حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، حَدَّثَنِي وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إِذْ جِيءَ بِرَجُلٍ قَاتِلٍ فِي عُنُقِهِ النّسعة، قَالَ: فَدَعَا وَلِيَّ الْمَقْتُولِ،
стр. 4051
فَقَالَ: «تَعْفُو؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَفَتَقْتُلُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ بِهِ»، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: «أَتَعْفُو؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَفَتَأْخُذُ الدِّيَةَ»، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَفَتَقْتُلُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ بِهِ»، فَلَمَّا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: «أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ صَاحِبِهِ»، قَالَ: فَعَفا عَنْهُ، قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَجُرُّ النِّسْعَةَ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ
стр. 4052
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ، وَبَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ مَجَّانًا.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا لَوْ عَفَا مُطْلَقًا هَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ أَمْ لَا؟ أَصَحُّ قَوْلَيْهِ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ الدِّيَةُ إِلا أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ حَالَةٌ فِي مَالِ الْجَانِي، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَتَشَفَّعَ إِلَى وَلِيِّ الدَّمِ فِي الْعَفْوِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا رأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «رُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إِلا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ».
وَفِيهِ إِبَاحَةُ الاسْتِيثَاقِ وَالرِّبَاطِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إِذَا خِيفَ انْفِلاتُهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا عُفِيَ عَنْهُ يُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَلا يُعَزَّزُ، حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يُضْرَبُ بَعْدَ الْعَفْوِ مِائَةً، وَيُحْبَسُ سَنَةً.
وَقَوْلُهُ: «يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ صَاحِبِهِ»، يَقُولُ: يَبُوءُ، أَيْ: يَتَحَمَّلُ إِثْمَهُ فِيمَا قَارَفَ مِنَ الذُّنُوبِ سِوَى الْقَتْلِ، وَلَوْ قُتِلَ رُبَّمَا كَانَ الْقَتْلُ كَفَّارَةً لَهُ، وَ «إِثْمُ صَاحِبِهِ»، أَيْ: يَتَحَمَّلُ إِثْمَهُ فِي قَتْلِ صَاحِبِهِ، فَأَضَافَ الإِثْمَ إِلَى صَاحِبِهِ، لِكَوْنِ قَتْلِهِ سَبَبًا لإِثِمْهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشُّعَرَاء: ٢٧] أَضَافَ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ،
стр. 4053
وَإِنَّمَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ.
وَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلرَّجُلِ: «خُذْهُ» فَخَرَجَ بِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا إِنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ كَانَ مِثْلَهُ».
قِيلَ: مَعْنَاهُ كَانَ مِثْلَهُ فِي حُكْمِ الْبَوَاءِ، أَيْ: صَارَا مُتَسَاوِيَيْنِ، لَا فَضْلَ لِلْمُقْتَصِّ إِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ رَدْعَهُ عَنْ قَتْلِهِ، لأَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ، فَلَوْ قَتَلَهُ الْوَلِيُّ، كَانَ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ لَوْ ثَبَتَ مِنْهُ الْقَصْدُ فِي الْقَتْلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدُفِعَ الْقَاتِلُ إِلَى وَلِيِّهِ، فَقَالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا إِنْ كَانَ صَادِقًا، فَقَتَلْتَهُ، دَخَلْتَ النَّارَ»، فَخَلاهُ الرَّجُلُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ قَتْلٌ، هُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ فِيهِ، لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَتَلَهُ وَلِيُّ الدَّمِ، كَانَ آثِمًا وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَالْقَتْلُ عَلَى ثَلاثَةِ أَنْوَاعٍ: عَمْدٌ مَحْضٌ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ كُفْئِهِ، بِمَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا، فَيَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ مُغلَّظةً فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً.
وَالثَّانِي: شِبْهُ الْعَمْدِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَمُوتَ مِثْلُهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الضَّرْبِ غَالِبًا، بِأَنْ ضَرَبَهُ بِعَصًا خَفِيفٍ، أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ ضَرَبَةً أَوْ
стр. 4054
ضَرْبَتَيْنِ، فَمَاتَ، لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً عَلَى عَاقِلَتِهِ مُؤَجَّلَةً إِلَى ثَلاثِ سِنِينَ، فَإِنْ كَانَ الْمَضْرُوبُ صَغِيرًا، أَوْ مَرِيضًا يَمُوتُ مِنْهُ غَالِبًا، لَوْ كَانَ قَوِيًّا، وَلَكِنَّ الضَّارِبَ وَالَى عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ حَتَّى مَاتَ، يَجِبُ الْقَوَدُ.
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: الْخَطَأُ الْمَحْضُ هُوَ أَنْ لَا يَقْصِدَ ضَرْبَهُ، إِنَّمَا قَصَدَ غَيْرَهُ، فَأَصَابَهُ، أَوْ حَفْرَ بِئْرَ عُدْوَانٍ، فَتَرَدَّى فِيهَا إِنْسَانٌ، أَوْ نَصَبَ شَبَكَةً حَيْثُ لَا يَجُوزُ، فَتَعَلَّقَ بِهَا رَجُلٌ وَمَاتَ، فَلا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلاثِ سِنِينَ.
بَابُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى مَنْ قَتَلَ بِالْحَجَرِ
٢٥٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الزُّرَقِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، أَنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ، فأَخَذَهَا يَهُودِيٌّ، فَرَضَخَ رَأْسَهَا، وَأَخَذَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ
стр. 4055
فأُدْرِكَتْ وَبِهَا رَمَقٌ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلانٌ؟»، قَالَتْ: بِرَأْسِهَا: لَا، قَالَ: «فُلانٌ؟ حتَّى سَمَّى الْيَهُودِيَّ»، فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا: نَعَمْ، فَأُخِذَ فَاعْتَرَفَ، فأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرُضِخَ رأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ، كِلاهُمَا عَنْ همَّامٍ
قَوْلُهُ: «عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ»، قَالَ أَبُو عُبَيْدِ: يَعْنِي: حُلِيَّ فِضَّةٍ.
قَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتْ أَوْضَاحًا لِبَيَاضِ لَوْنِهَا، وَالْوُضُحُ: الْبَيَاضُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، كَمَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلا مَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءٍ، أَنَّهُمَا قَالا: لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالْحَجَرِ الْمُثَقَّلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يُوجِبْ بَعْضُهُمُ الْقِصَاصَ، إِذَا كَانَ الْقَتْلُ بِالْمُثَقَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
стр. 4056
وَلَوْ أَوْجَرَهُ سُمًّا قَاتِلا يَجِبُ الْقَوَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ، بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ.
وَلَوْ جَعَلَ السُّمَّ فِي طَعَامٍ، فَأَطْعَمَهُ الْغَيرَ، فَأَكَلَهُ جَاهِلا بِالْحَالِ، فَمَاتَ، أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْقَوَدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، أَمَا إِذَا وَضَعَ الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ: كُلْ، فَأَكَلَهُ، فَمَاتَ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اعْتِبَارِ جِهَةِ الْقَتْلِ، فَيُقْتَصُّ مِنَ الْقَاتِلِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، فَإِنْ قُتِلَ بِحَجَرٍ، أَوْ رُمِيَ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ، أَوْ تَحْرِيقٌ، أَوْ تَغْرِيقٌ يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ فِعْلِهِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ إِلا بِالسَّيْفِ، هُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهَذَا إِذَا قَتَلَهُ بِطَرِيقٍ، أَذِنَ الشَّرْعُ فِي اسْتِعْمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، كَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ، وَالتَّحْرِيقِ، أَذِنَ الشَّرْعُ فِي فِعْلِهِ بِالْكُفَّارِ إِذَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَكَذَلِكَ إِجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ، وَهَدْمُ الْبِنَاءِ، وَالرَّمْيُ مِنَ الشَّوَاهِقِ، وَنَحْوُهَا، فَأَمَّا إِذَا قَتَلَ رَجُلا بِإِيجَارِ الْخَمْرِ، أَوِ ارْتَكَبَ مِنْهُ فَاحِشَةً، فَكَانَ فِيهَا هَلاكُهُ، أَوْ بِالسِّحْرِ فَلا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، بَلْ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، لأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُرِدْ بِإِبَاحَتِهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَسَائِرُ الأَفْعَالِ تَحْرِيمُهَا مِنْ أَجْلِ الْجِنَايَةِ، وَالتَّعَدِّي عَلَى الْغَيْرِ، فَإِذَا فَعَلَ، جُوزِيَ بِمِثْلِهِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٤].
стр. 4057
بَابُ الْقِصَاصِ فِي الأَطْرَافِ
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الْمَائِدَة: ٤٥].
٢٥٢٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ السَّهْمِيَّ، نَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبَوْا إِلا الْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ لَا وَالَّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ».
فَرَضِيَ الْقَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ».
стр. 4058
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَحَتْ إِنْسَانًا
قَوْلُهُ: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ»، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [الْمَائِدَة: ٤٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [الْمَائِدَة: ٤٥] وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ شَرَائِعَ الأَنْبِيَاءِ ﵈ لازِمَةٌ لَنَا مَا لَمْ يُرِدِ النَّسْخُ فِي شَرْعِنَا، وَقِيلَ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْل: ١٢٦] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الْمَائِدَة: ٤٥]، عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ يَقْرَؤُهُ مَرْفُوعًا عَلَى طَرِيقِ الابْتِدَاءِ.
وَقِيلَ: كِتَابُ اللَّهِ، مَعْنَاهُ: فَرْضُ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ .
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ طَرَفٍ لَهُ مَفْصِلٌ مَعْلُومٌ، قَطَعَهُ مِنْ مَفْصِلِهِ مِنْ إِنْسَانٍ يَقْتَصُّ مِنْهُ كَالأُصْبُعِ يَقْطَعُهَا، أَوِ الْيَدِ يَقْطَعُهَا مِنَ الْكُوعِ، أَوْ مِنَ الْمِرْفَقِ، أَوِ الرِّجْلِ يَقْطَعُهَا مِنَ الْمَفْصِلِ، يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَلَعَ سِنَّهُ، أَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ، أَوْ قَطَعَ أَنْفَهُ، أَوْ أُذُنَهُ، أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ، أَوْ جَبَّ ذَكَرَهُ، أَوْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَو شَجَّهُ مُوضِحَةً
стр. 4059
فِي رَأْسِهِ أَوْ وَجْهِهِ، يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَلَوْ جَرَحَ رَأْسَهُ دُونَ الْمُوضِحَةِ، أَوْ جَرَحَ مَوْضِعًا آخَرَ مِنْ بَدَنِهِ، أَوْ هَشَمَ الْعَظْمَ، فَلا قَوَدَ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُرَاعَاةُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْكُوعِ، وَيَأْخُذَ حُكُومَةً مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ.
لَا قَوَدَ فِي اللَّطْمَةِ، وَالْخَمْشَةِ، إِنَّمَا فِيهَا التَّعْذِيرُ تَأْدِيبًا، وَالْحُكُومَةُ إِنْ بَقِيَ لَهَا أَثَرٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا: الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُقَادُ مِنَ اللَّطْمَةِ، وَالضَّرْبَةِ بِالسَّوْطِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ أَقَادَ مِنْ لَطْمَةٍ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ، وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلاثَةٍ أَسْوَاطٍ، وَحَمَلَ هَذَا مَنْ لَمْ يُوجِبْ بِهِ الْقَوَدَ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ.
وَاقْتَصَّ
стр. 4060
شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ، وَخَمُوشٍ، وَأَقَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْمُنَقِّلَةِ، وَأَقَادَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مِنْ كَسْرِ الْفَخِذِ، وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى فِيهِ الْقَوَدَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حضير، " بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ يُضْحِكُهُمْ وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ، فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ، فَقَالَ: أَصْبِرْنِي.
فَقَالَ: اصْطَبِرْ.
فَقَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا، وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ.
فَرَفَعَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ،
стр. 4061
فَاحْتَضَنَهُ، وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ".
قَوْلُهُ: «أَصْبِرْنِي»، أَيْ: أَقِدْنِي، وَاصْطَبِرْ: أَيِ: اسْتَقِدْ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ قَسْمًا أَقْبَلَ رَجُلٌ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ، فَجُرِحَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَالَ فَاسْتَقِدْ».
فَقَالَ: بَلْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، فَمَنْ فَعَلَ، فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ أُقِصَّهُ مِنْهُ».
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَوْ أَنَّ رَجُلا أَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتَهُ أَتُقِصُّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: «إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَلا أُقِصُّهُ مِنْهُ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ».
стр. 4062
بَابُ لَا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ
٢٥٣٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح،، وَأَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا هَلْ عِنْدَكُمْ مِنَ النَّبيِّ ﷺ شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: " لَا وَالَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِلا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بِكَافِرٍ».
стр. 4063
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ
٢٥٣١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ، أَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عبادٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ».
٢٥٣٢ - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو مُحَمَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَامُوَيْهِ الأَصْبَهَانِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ السِّجْزِيُّ، أَنا أَبُو سُلَيْمَانَ الْقَزَّازُ، نَا هَانِئُ بْنُ يَحْيَى، نَا قَزْعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَقِيَ دَرَجَ الْبَيْتِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، هِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ، لَا يُخْتَلَى
стр. 4064
خَلاهَا، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ لُقَتَطُهَا إِلا لِمُنْشِدٍ»، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا وَمَوْتَانَا.
فَقَالَ: «إِلا الإِذْخِرَ، الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَلا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، وَلا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ».
قَوْلُهُ: «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ»، فَمَعْنَى الْيَدِ: النُّصْرَةُ، وَالْمَعُونَةُ بِالْمُحَارَبَةِ مَعَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَالْمُعَاوَنَةُ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإِذَا اسْتُنْفِرُوا، فَعَلَيْهِمُ النَّفِيرُ، وَلا يَسَعُهُمُ التَّخَلَّفُ، وَالتَّخَاذُلُ.
قَوْلُهُ: «تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ»، يُرِيدُ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْقِصَاصِ، يُقَادُ الشَّرِيفُ مِنْهُمْ بِالْوَضِيعِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ، وَالرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ شَرِيفًا، أَوْ عَالِمًا، وَالْقَاتِلُ وَضِيعًا جَاهِلا، لَا يُقْتَلُ بِهِ غَيْرُ قَاتِلِهِ عَلَى خِلافِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا
стр. 4065
لَا يَرْضَوْنَ فِي دَمِ الشَّرِيفِ بِالاسْتِقَادَةِ مِنْ قَاتِلِهِ الْوَضِيعِ حَتَّى يَقْتُلُوا عِدَّةً مِنْ قَبِيلَةِ الْقَاتِلِ.
وَقَوْلُهُ: «وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»، مَعْنَاهُ: أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا آمَنَ كَافِرًا، حَرُمَ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ دَمُهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُجِيرُ أَدْنَاهُمْ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، أَوِ امْرَأَةً، أَوْ عَسِيفًا تَابِعًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلا تُخْفَرُ ذِمَّتُهُ.
وَقَوْلُهُ: «وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»، مَعْنَاهُ: أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ قَاصِيَ الدَّارِ عَنْ بِلادِ الْكُفْرِ، إِذَا عَقَدَ لِلْكَافِرِ عَقْدَ الأَمَانِ، لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ مِنْهُمْ نَقْضُهُ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ دَارًا مِنَ الْمَعْقُودِ لَهُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِم عَلَى قَاعِدِهِمْ»، فَالْمُشِدُّ: الْقَوِيُّ، وَالْمُضْعِفُ: مَنْ كَانَتْ دَوَابُّهُ ضِعَافًا، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ الْمُضْعِفُ: أَمِيرِ الرُّفْقَةِ يُرِيدُ أَنَّ النَّاسَ يَسِيرُونَ بِسَيْرِ الضَّعِيفِ لَا يَتَقَدَّمُونَهُ، فَيَتَخَلَّفُ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى بِمَضْيَعَةٍ.
وَالْمُتَسَرِّي: الَّذِي يَخْرُجُ فِي السَّرِيَّةِ، مَعْنَاهُ: أَنْ يَخْرُجَ الْجَيْشُ، فَيُنِيخُوا بِقُرْبِ دَارِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ تَنْفَصِلُ مِنْهُمْ سَرِيَّةٌ، فَيَغْنَمُوا، يَرُدُّونَ مَا غَنِمُوهُ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ هُمْ ردء لَهُمْ، لَا يَنْفَرِدُونَ بِهِ، بَل يَكُونُونَ جَمِيعًا شُرَكَاءَ فِيهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَيَرُدُّ عَلَيْهمْ أَقْصَاهُمْ»، فَأَمَّا مَنْ أَقَامَ بِبَلَدَةِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ، فَلا شِرْكَةَ لَهُ فِيهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ، سَوَاءٌ كَانَ الْكَافِرُ ذِمِّيًّا لَهُ عَهْدٌ مُؤَبَّدٌ، أَوْ مُسْتَأْمِنًا وَعَهْدَهُ إِلَى مُدَّةٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ
следующие страницы →