Полный текст (6 133 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ»
قوْله: «اسْتَحْيوا»، أَي: اتركوهم أَحيَاء، قَالَ الله : ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٤٩]، أَي: يتركونهنّ أَحيَاء، وَأَرَادَ بالشرخ: الصّبيان، وبالشيوخ: الشبَّان، والشرخ: جمع شارخ، وهُو الْحدِيث السن، وشرخ الشَّبَاب: أَوله.
٢٦٩٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، ﵁، بَعَثَ جَيْشًا إِلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ أَمِيرَ رَبْعٍ مِنْ تِلْكَ الأَرْبَاعِ، فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: " مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ، وَلا أَنَا بِرَاكِبٍ، إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ، فَدَعْهُمْ، وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ،
стр. 4342
وَسَتَجِدُ قَوْمًا فَحَصُوا عَنْ أَوَاسِطِ رُءُوسِهِمْ مِنَ الشَّعْرِ، فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ، وَإِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً، وَلا صَبِيًّا، وَلا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلا تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلا تُغْرِقَنَّ نَخْلا، وَلا تُحَرِّقَنَّهُ، وَلا تَغْلُلْ، وَلا تَجْبُنْ "
قوْله: «فحصُوا عنْ أواسِطِ رُؤُوسِهِمْ»، أَي: حَلقُوا مَوَاضِع مِنْهَا كأُفحوص القطا، وهُم الشمامسة.
بابُ الْبياتِ
٢٦٩٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا الأَصَمُّ، نَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ، أَنَّهُ " سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، يُسْأَلُ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ،
стр. 4343
فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُمْ مِنْهُمْ ".
وَزَادَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى، وَغَيْرِهِ، كُلٌّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ
قوْله يحْيى: «يبيّتُون»، أَي: يُهجم عَلَيْهِم لَيْلًا، يُقال بيّتهُم العدوُّ: إِذا جَاءَهُم لَيْلًا.
٢٦٩٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا عُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، أَنَّ نَافِعًا، كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ، أَنّ النَّبيَّ ﷺ «أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ فِي نِعَمِهِمْ بِالْمُرَيْسِيعِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ
стр. 4344
شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَقَالَ: «وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُويْرِية»، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، أَنا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ قَدْ «أَغَارَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ».
الْحَدِيثَ
قَالَ الإِمامُ: وفِيهِ دلِيلٌ على جَوَاز البيات، وَقتل أهل الشّرك على الغِرّةِ والغفلةِ، وَإِن كَانَ فِيهِ إصابةُ ذَرَارِيهمْ وَنِسَائِهِمْ، وَأَن النَّهْي عنْ قتل نِسَائِهِم وصبيانهم فِي حَال التميُّز والتفرُّد، وكذلِك إِذا كانُوا فِي حصنٍ، جَازَ نصبُ المنجنيق عَلَيْهِم، والرميُ إِليْهِ بالنَّار، وتغريقُهم، فقدْ «نصب النّبِي ﷺ على أهل الطَّائِف منجنيقًا أوْ عرّادة، وشنّ الْغَارة على بني المُصطلِق غارِّين، وَأمر بالبيات وَالتَّحْرِيق»، فإِن كَانَ فيهم مُسلمون أُسارى، أوْ مُستأمنون، فيُكره أَن يُفعل بِهِمْ مَا يعُمُّ من التحريق والتغريق، وَنصب المنجنيق، إِلَّا أَن يكُون فِي حَال التحام الْقِتَال، وَالْخَوْف مِنْهُم على الْمُسْلِمِين، فَلهم أَن يَفْعَلُوا ذلِك.
وَلَو تترّسوا بأطفالهم، جَازَ الرميُ إِن كَانَ فِي حَال التحام، وَإِن لمْ يَكُونُوا مُلتحمين، فقدْ قِيل: يكفُّ، وقِيل: يضرِبُ قَاصِدا إِلى المتترس، وَلَو تترّسوا بِمُسلم، فإِن لمْ يعلم بِهِ، فَرمى، فَأصَاب الْمُسلم، فَلَا قَود وَلَا دِيَة، وَتجب الكفارةُ، وَإِن علمه مُسلما، فإِن قصد الْكَافِر، فَأصَاب الْمُسلم، تجب الدِّية وَالْكَفَّارَة، وَلَا قَود، وَإِن ضرب الْمُسلم، إِذا لمْ يتَوَصَّل إِلى الْكَافِر إِلَّا بضربه، فَفِي الْقود قَولَانِ.
стр. 4345
بابُ الشِّعارِ فِي الحرْبِ
٢٦٩٩ - حَدَّثَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ، أَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، نَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: «كَانَ شِعَارُ النَّبِيِّ ﷺ أَمِتْ أَمِتْ» وَيُرْوَى كَانَ شِعَارُ النَّبِيِّ ﷺ : «يَا مَنْصُورُ، أَمِتْ»
قَالَ الإِمامُ: وإِذا وَقع البياتُ، وَاخْتَلَطَ الْمُسلمُونَ بالعدو، فيجعلُ الإمامُ للْمُسلمين شعارًا يَقُولُونَهُ يتميزون بِهِ عنِ الْعَدو، رُوِي أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: «إِن بيّتكُم العدوُّ، فَلْيَكُن شعارُكم حم لَا يُنصرون».
стр. 4346
رُوِي عنِ ابْنِ عبّاسٍ أنّهُ قَالَ: «حم» اسْم من أَسمَاء الله ، فَكَأَنَّهُ حلف بِاللهِ تَعَالَى: أَنهم لَا ينْصرُونَ، وقدْ قَالَ أهل التَّفْسِير مثله فِي حواميم الْقُرْآن.
قَالَ أبُو عُبيْد: كَأَن الْمَعْنى: اللهُمّ لَا يُنصرون، وَعَن أبِي الْعبّاس أحْمد بْن يحْيى أنّهُ قَالَ: هُو إِخْبَار مَعْنَاهُ، واللهُ أعْلمُ، لَا ينْصرُونَ، وَلَو كَانَ دُعَاء لَكَانَ مَجْزُومًا، وسمعتُ من يرْوِي «حُمّ»، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْمِيم، أَي: قُضِي وقُدِّر.
ورُوِي عنْ سمُرة بْن جُندب، قَالَ: كَانَ شعارُ الْمُهَاجِرين عبْد اللهِ، وشعارُ الْأَنْصَار عبْد الرّحْمنِ.
وَعَن إِيَاس بْن سَلمَة، عنْ أبِيهِ، قَالَ: غزونا مَعَ أبِي بكْر زمن رسُول اللهِ ﷺ ، فَكَانَ شعارنا: «أمِتْ، أمِتْ».
بابُ تحْرِيقِ أمْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ
٢٧٠٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا
стр. 4347
عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ النَّبيَّ ﷺ «قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَحَرَّقَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ»
هَذَا حدِيثٌ مُتّفقٌ على صِحّتِهِ، أخْرجاهُ عنْ قُتيبة، عنْ لَيْث، عنْ نافِعٍ، عنِ ابْن عُمر، وَزَادا: فَأنْزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الْحَشْر: ٥]، الْآيَة.
اللينةُ من النخيل: مَا خلا البرني والعجوة، تَسْمِيَة أهل الْمدِينة الألوان قَالَ الإِمامُ: اخْتلف أهلُ الْعلم فِي قطع أَشجَار أهل الْحَرْب، وتحريقِ أَمْوَالهم، وتخريب دُورهمْ، وفِي تَأْوِيل مَا فعله رسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذهب قوم إِلى جَوَازه نكايةً لهُمْ، وإِليْهِ ذهب مالِك، والشّافِعِيّ، وَإِسْحَاق، وأصْحاب الرّأْيِ، وكرِهَهُ أحْمد إِلَّا من حَاجَة.
وَذهب قوْمٌ إِلى أنّهُ لَا يجوز، وهُو قوْل الأوْزاعِي، وَاحْتج بِأَن أَبَا بكْر نهى عنْ قطع الْأَشْجَار، وتخريب العامر، وتأوّل من كرههُ الحَدِيث على أَن أَشجَار بني النَّضِير كَانَت فِي مقَاتل الْقَوْم، فَأمر بقطعها ليتسع مَكَان الْقِتَال، وتأوّل الشّافِعِي نهي أبِي بكْر عنْ قطع الْأَشْجَار
стр. 4348
على أنّهُ كَانَ سمع من النّبِي ﷺ أنّهُ وعد لهُمْ فتح الشَّام، فَأَرَادَ إبقاءها لأهل الإِسْلام، فَأَما تحريق الْكَافِر بَعْدَمَا وَقع فِي الْأسر، وتحريق الْمُرْتَد، فَذهب عامتهُم إِلى أنّهُ لَا يجوز، إِنّما يقْتله بجزِّ الرَّقَبَة، لما رُوِي عنْ حَمْزَة الْأَسْلَمِيّ أنّ رسُول اللهِ ﷺ أمّره على سَرِيَّة، وَقَالَ: «إِن وجدْتُم فُلانًا فأحرِقوه بالنَّار»، فولّيْتُ فناداني، فرجعتُ إِليْهِ، فَقَالَ: «إِنْ وجدْتُمْ فُلانًا، فاقْتُلُوه، وَلَا تُحرِّقُوهُ، فإِنّهُ لَا يُعذِبُ بالنّارِ إِلّا ربُّ النّارِ».
وَلَو قاتلونا على خيلهم، فَوَجَدنَا السَّبِيل إِلى قَتلهمْ بعقرِ دوابِّهم، فعلنَا، قدْ عقر حنظلةُ بْن الراهب بِأبي سُفْيان بْن حَرْب يوْم أُحد، فاكتسعت بِهِ فرسُه، فَسقط عنْها، فَجَلَسَ على صَدره ليذبحه، فَرَآهُ ابْن شعوب، فَرجع إِليْهِ فَقتله، واستنقذ أَبَا سُفْيان من تَحْتَهُ.
قوْله: «عقر فرسهُ»، أَي: عرْقبها.
стр. 4349
وَلَو أدركونا وفِي أَيْدِينَا أمْوال لنا أوْ لهُم استولينا عليْها، جَازَ تحريقُها وإتلافها إِن لمْ يكن حَيَوَانا، وَإِن كَانَ حَيَوَانا لنا أوْ لهُمْ، أوْ وقف الْفرس على صَاحبه، فَاخْتَلَفُوا فِي عقرهَا، فَرخص فِيها قومٌ، لِئَلَّا يظفر بِهِ العدوُّ، ورُوِي أَن جعْفر بْن أبِي طالِب اقتحم عنْ فرس لهُ شقراء فِي غزَاة مُؤتة، فعقرها، ثُمّ قَاتل الْقَوْم حتّى قُتِل، وإِليْهِ ذهب مالِك، وأصْحاب الرّأْيِ، حتّى قَالَ أبُو حنِيفة: لَو ظفر الْمُسلمُونَ بدواب ومواشٍ، فعجزوا عنْ حملهَا، ذبحوها، وحرقوا لحومها.
وَذهب جمَاعَة إِلى أنّهُ لَا يحلُّ عقرُها «لنهي النّبِي ﷺ عنْ قتل الْحَيَوَان إِلَّا لمأكلةٍ»، وإِليْهِ ذهب الأوْزاعِي، والشّافِعِي، وأحْمد، قَالَ الشّافِعِيُّ: وَلَو جَازَ لنا ذلِك لغيظهم، طلبنا غيظهم بقتل أطفالهم.
٢٧٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمُ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْرَفِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، نَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا أَسَدٌ هُوَ ابْنُ مُوسَى، نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ»، وَكَانَ بَيْتًا فِي الْيَمَنِ يُعْبَدُ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ، قَالَ: فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، فَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ،
стр. 4350
وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا»، قَالَ: فَأَتَاهَا، فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، وَكَسَرَهَا، ثُمَّ بَعَثَ رَجُلا مِنْ أَحْمَسَ يُكَنَّى: أَبَا أَرْطَأَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، قَالَ: «فَبَرَّكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَحْمَسَ، وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ».
وَقَالَ جَرِيرٌ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».
قَالَ: وَقَالَ جَرِيرٌ: «مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ، وَلا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ
стр. 4351
بابُ الكفِّ عَن القِتالِ إِذا رأى شِعار الإِسْلامِ
قَالَ الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النِّسَاء: ٩٤]، قَالَ ابنُ عبّاسٍ: كَانَ رجُلٌ فِي غنِيمةٍ لهُ، فلحِقُهُ المُسْلِمُون، فَقَالَ: السّلامُ عليْكُمْ، فقتلْوهُ، وأخذُوا غنِيمتهُ، فَأنْزل الله ذلِك إِلى قوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النِّسَاء: ٩٤] تِلْك الغنِيمةُ، قَرَأَ ابنْ عبّاس: السَّلامَ.
٢٧٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، نَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يَغْزُ
стр. 4352
بِنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَيَنْظُرُ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا، رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجُوا عَلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ، وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، فَلَمَّا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَالْخَمِيس: الْجَيْش سمي خميسًا، لِأَنَّهُ مقسوم على خَمْسَة: الْمُقدمَة، والساقة، والميمنة، والميسرة، وَالْقلب، قَالَه الْأَزْهَرِي.
وَقَالَ غَيره: لِأَنَّهُ تخمّس فِيهِ الْغَنَائِم.
قَالَ الْخطّابِيُّ: فِيهِ بَيَان أَن الْأَذَان شعار لدين
стр. 4353
الإِسْلام لَا يجوز تركُه، وَلَو أَن أهل بلد اجْتَمعُوا على تَركه، كَانَ للسُّلْطَان قتالُهم عليْهِ.
٢٧٠٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقٍ، عَنِ ابْنِ عِصَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ النَّبيَّ ﷺ ، كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا، أَوْ سَمِعْتُمْ أَذَانًا، فَلا تَقْتُلُنَّ أَحَدًا».
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ
فَفِي الْحدِيث دلِيل على أَن إِظْهَار شعار الإِسْلام فِي الْقِتَال عِنْد شنّ الْغَارة يحقنُ الدَّم، وَترك الإغارة بِاللَّيْلِ ليْس على وَجه التَّحْرِيم، وَلَكِن على سَبِيل الِاحْتِيَاط حتّى لَا يؤتوا من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ.
وقدْ تختلطُ الْحَرْب إِذا أَغَارُوا لَيْلًا فَيقْتل بعضُ الْمُسْلِمِين بَعْضًا.
فإِذا أمِن ذلِك فَلَا بَأْس، فقدْ أغار النّبِي ﷺ على بني المصطلق وهُمْ غارُّون وأنْعامُهُمْ على المَاء تُسْقى، وَقَالَ لأسامة: «أغِرْ على أُبْني صباحًا وحرِّقْ».
стр. 4354
بابُ الصَّفّ فِي الْقِتَال والتعبئة
قَالَ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصَّفّ: ٤]، وَقَالَ الله : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمرَان: ١٢١].
٢٧٠٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ، وَصَفُّوا لَنَا: «إِذَا أَكْثَبُوكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قوْله: «أكثبوكم» أَي: قاربوكم، والكثبُ: القُربُ، يقُول: ارموهم إِذا دنوا مِنْكُم، وَلَا ترموهم على بُعد، وقدْ جَاءَ فِي الْحدِيث: «إِذا أكْثبُوكُمْ»، يعْنِي: أكثروكم، فارموهم، واستبقوا نبلكم، ويُرْوى: «إِذا أكْثبُوكُمْ، فارْمُوهُمْ وَلَا تسُلُوا السُّيوُف حتّى يغْشوْكُمْ».
стр. 4355
والنبل: السِّهَام الْعَرَبيَّة، وهِي لِطاف لَيست بطوال كسهام النّشاب، والحسبان أَصْغَر من النّبل، وهِي الّتِي يُرمى بِها على القسي الْكِبَار فِي مجار من خشب، وَاحِدهَا حُسبانة.
ورُوِي عنْ عبْد الرّحْمنِ بْن عَوْف، قَالَ: «عبّأنا النّبيُّ ﷺ بِبدْرٍ ليْلا».
٢٧٠٥ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يُحَدِّثُ، قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: «إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ، فَلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ، وَأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ»، فَهَزَمَهُمْ، قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يُسْنِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلاخِلُهُنَّ، وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ، أَيْ قَوِّمِ الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ،
стр. 4356
فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً: سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَسَبْعِينَ قَتِيلا، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلاءِ فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِي عَدَدْتَ لأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ، قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبَلُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلا تُجِيبُونَهُ»؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى، وَأَجَلُّ " قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلا عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلا تُجِيبُونَهُ»؟
стр. 4357
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانَا، وَلا مَوْلَى لَكُمْ ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قوْله: «تخطفنا الطير»، يقُول: إِن رَأَيْتُمُونَا وقدْ ولّينا منهزمين فاثبتوا أَنْتُم، تَقول الْعَرَب: فلانٌ سَاكن الطير: إِذا كَانَ وقورًا ركينًا، ثَابت الجأش، وقدْ طَار طير فلانٍ: إِذا طاش وخفّ.
وقوْله: «فَلَا تَبْرَحُوا»، أَي: لَا تفارقوا مَكَانكُمْ، قَالَ الله : ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ﴾ [يُوسُف: ٨٠]، يُرِيد الْإِقَامَة، وقوْله : ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الْكَهْف: ٦٠]، أَي: لَا أَزَال سائرًا.
قَالَ الإِمامُ: فَالْأول مُلَازمَة الْمَكَان، وَالثَّانِي: مُلَازمَة السّير، وقوْله: «وأوْطأْناهُمْ»، أَي: غلبناهم وقهرناهم.
وقوْله: رأيْتُ النِّساء يُسْنِدْن، مَعْنَاهُ: يصعدن فِي الْجَبَل، يُقال: أسْند الرجل فِي الْجَبَل: إِذا صعد فِيهِ، والسّند: مَا ارْتَفع من الأرْض.
وقوْله: والحرْبُ سِجالٌ، يُرِيد مرّة لنا، وَمرَّة عليْنا، وَأَصله أَن المستقيين بالسّجل يكُون لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا سجلٌ.
٢٧٠٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ:
стр. 4358
سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَكُنْتُمْ فَرَرْتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِه، وَأَخْفَافُهُمْ حُسَّرًا، فَأَتَوْا قَوْمًا رُمَاةً جَمْعَ هَوَازِنَ، وَبَنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ، وَاسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ
قوْله: «أخْفافهُمْ»، ويُرْوى: أخفاؤهم، هِي جمع خِفٍّ، وهُو الْخَفِيف، والحسر: جمع حاسِرٍ، وهُو الّذِي لَا سلَاح لهُ.
قوْله: «فرشقُوهُمْ»، أَي: رموهم.
بابُ المُبارزةِ
٢٧٠٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 4359
النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ " يُقْسِمُ قَسَمًا إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الْحَج: ١٩]، نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةَ، وَعَلِيٍّ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ
ورُوِي عنْ أبِي إِسْحاق، عنْ حَارِثَة بْن مُضرِّب، عنْ علِي، قَالَ: تقدّم عُتبة بْن ربيعَة، وَمَعَهُ ابْنه وَأَخُوهُ، فَنَادَى: من يبارز؟ فَانْتدبَ لهُ شبابٌ من الْأَنْصَار، فَقَالَ: من أَنْتُم؟، فأخبروه، فَقَالَ: لَا حَاجَة لنا فِيكُم، إِنّما أردنَا بني عمنَا، فَقَالَ رسُول اللهِ ﷺ : «قُمْ يَا حمْزةُ، قُمْ يَا علِيُّ، قُمْ يَا عُبيْدةُ بن الحارِثِ»، فَأقبل حَمْزَة إِلى عتبَة، وأقبلتُ إِلى
стр. 4360
شيبَة، واخْتلف بيْن عُبيْدة والوليد ضربتان، فأثخن كُل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه، ثُمّ مِلنا على الْولِيد، فقتلناه واحتملنا عُبيدة.
قَالَ الإِمامُ: فِيهِ إباحةُ المبارزة فِي جِهَاد الْكفَّار، ولمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازهَا إِذا أذن الإِمام، وَاخْتلفُوا فِيها إِذا لمْ يكن عنْ إذنٍ من الإِمام، فجوّزها جمَاعَة، لِأَن الأنصاريين كانُوا قدْ خَرجُوا قبل حَمْزَة، وَعلي، وعُبيدة، من غيْر إِذن، وإِليْهِ ذهب مالِك، والشّافِعِي، وكِره ذلِك جماعةٌ إِلَّا بِإِذن الإِمام، وإِليْهِ ذهب سُفْيان، وأحْمد، وَإِسْحَاق، وحُكِي عنِ الأوْزاعي كُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ.
وفِيهِ دلِيلٌ على أَن مَعُونَة المبارز جَائِزَة إِذا ضعُف، أوْ عجز عنْ قِرنه، وبِهِ قَالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمد، وَإِسْحَاق، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: لَا يُعينونه، لِأَن المبارزة إِنّما تكون هَكَذَا، فَأَما إِذا بارز مُسْلِم مُشْركًا، وشرطا أَن لَا يُقاتله غَيره، لمْ يكن لإحدى الطَّائِفَتَيْنِ أَن يعين مبارزه، مَا داما يتقاتلان، فإِذا ولّى الْكَافِر مُنْهَزِمًا، أوْ بَعْدَمَا قتل الْمُسلم، أوْ أثخنه، فَيجوز قتلُه، لِأَن الْقِتَال قد انْقَضى بيْنهُما، إِلَّا أَن يكُون شَرط عليْهِ أنّهُ آمِنٌ حتّى يرجِع إِلى الصَّفّ، فليْس لهُمْ أَن يتَعَرَّضُوا لهُ إِلَّا أَن يُثخن الْمُسلم، وَيُرِيد قَتله، فَعَلَيْهِم استنقاذ الْمُسلم من يَده من غيْر أَن يقتلُوا الْمُشرك، فإِن أعَان العدوُّ مبارزهم، كَانَ حَقًا على الْمُسْلِمِين إعانةُ صَاحبهمْ، ثُمّ إِن اسْتَعَانَ الْمُشرك بِهِمْ، فقدْ نقض أَمَانه، فللمسلمين قتل المبارز والأعوان جَمِيعًا، وَإِن لمْ يستعِن بِهِمْ، فيقتلون الأعوان دُون المبارز، لِأَنَّهُ لمْ ينقُض أَمَانه بالاستعانة.
стр. 4361
بابُ الفِرارِ مِن الزّحْفِ
قَالَ الله سُبْحانهُ: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الْأَنْفَال: ١٥]، أيْ: زاحِفين، وهُو أَن يزْحفُوا إِليْهِمْ قَلِيلا قَلِيلا، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الْأَنْفَال: ١٦]، وَقَالَ جلّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الْأَنْفَال: ٦٥]، قوْله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الْأَنْفَال: ١٦]، أيْ: يصيرُ إِلى حيِّزِ فِئةٍ مِن المُسْلِمين يسْتنْجِدُ بِهِمْ، يُقالُ: تحيّز وتحوّز وانْحاز بِمَعْنى واحدٍ، والحيِّزُ: النّاحِيةُ، يُقالُ: فُلانٌ مانِعٌ لِحوْزتِهِ، أيْ: لما فِي حيِّزهِ، والفِئةُ: الفِرْقةُ، وجمْعُها فِئاتٌ وفِئُون.
٢٧٠٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: نَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ،
стр. 4362
وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْفَرَّارُونَ، قَالَ: «بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ، وَأَنَا فِئَتُكُمْ».
قَالَ أبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَقَالَ زُهَيْرٌ عَنْ يَزِيدَ، قَالَ: «لَا بلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ» قَالَ: فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ، فَقَالَ: «أَنا فِئةُ المُسْلِمين»
وقوْله: «فَحَاص»، أَي: حاد عنْ طَرِيقه، وَعدل عنْ وَجهه إِلى جِهَة أُخْرَى، وقوْله: «أنْتُمُ العكّارُون»، يُرِيد العائدون إِلى الْقِتَال والكرّارون، يُقال: عكرتُ على الشَّيْء: إِذا عطفت عليْهِ وانصرفت إِليْهِ.
وقوْله: «وَأَنا فِئتُكُمْ»، يمهدِّ بِذلِك عذرهمْ، وذلِك أَن الله حرّم التولِّي عنِ الزَّحْف إِلَّا متحرفًا لقِتَال، أوْ متحيزًا إِلى فِئَة، وَكَانَ فِي ابْتِدَاء الإِسْلام يجب على الْمُسْلِمِين مصابرةُ الْعَدو إِذا كَانَ بِمُقَابلَة كُل مُسْلِم عشرَة من الْمُشْركين، كَمَا قَالَ جلّ ذكرهُ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الْأَنْفَال: ٦٥]، ثُمّ خفف الله عَنْهُم، فَأوجب المصابرة إِذا كَانَ بِإِزَاءِ كُل مُسْلِم مُشْرِكَانِ فَأَقل، فَقَالَ ﷻ وعظُم كبرياؤه: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الْأَنْفَال: ٦٦].
قَالَ ابْن عبّاس:
стр. 4363
فَلَمَّا خفّف الله عَنْهُم من الْعدَد، نقّص من الصَّبْر بِقدر مَا خفف عَنْهُم.
قَالَ ابْن عبّاس: من فرّ من ثَلَاثَة، فَلم يفرّ، وَمن فرّ من اثْنَيْنِ، فقدْ فرّ: يُرِيد إِذا فر مُسْلِم من كَافِرين غير متحرفٍ لقِتَال، أوْ متحيزًا إِلى فِئَة، يسْتَحق الْوَعيد الّذِي أوعده الله فِي قوْلِهِ : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الْأَنْفَال: ١٦]، وَإِن كانُوا أكْثر من اثْنَيْنِ بِإِزَاءِ كُل مُسْلِم، فَلَا عتب على من فرّ، وَمن فرّ من اثْنَيْنِ، فليْس لهُ أَن يصلى بِالْإِيمَاءِ فِي الْفِرَار، لِأَنَّهُ عاصٍ كقاطع الطَّرِيق، وهُو من الْكَبَائِر.
قَالَ الْحسن: ليْس الْفِرَار من الزَّحْف من الْكَبَائِر، إِنّما كَانَ ذلِك يوْم بدرٍ.
بابُ حُكْمِ الجاسُوسِ
٢٧٠٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ
стр. 4364
النَّبِيُّ ﷺ : اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، وفِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ الرّجُلَ؟»، قَالُوا: ابْنَ الأَكْوَعِ، قَالَ: «لَهُ سلبُهُ أجْمعُ»
وفِيهِ دلِيلٌ على أَن من دخل دَار الإِسْلام من أهل الْحَرْب من غيْر أَمَان حلّ قتلُه، وَمن تجسّس للْكفَّار من أهل الذِّمَّة، كَانَ ذلِك مِنْهُ نقضا للْعهد، وَإِن فعله مُسْلِم، فَلَا يحلُّ قَتله، بل يُعزّر، فإِن ادّعى جَهَالَة بِالْحَال، ولمْ يكن مُتَّهمًا، يُتجافى عَنهُ، هَذَا قوْل الشّافِعِي، وَقَالَ الأوْزاعِي: عاقبهُ الإمامُ عُقُوبَة مُنكِّلةً، وغرّبهُ إِلى بعْض الْآفَاق،
стр. 4365
وَقَالَ أصْحاب الرّأْيِ: عاقبه، وَأطَال حَبسه، وَقَالَ مالِك: ذلِك إِلى اجْتِهَاد الإِمام.
٢٧١٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا، وَالزُّبَيْرُ، وَالْمِقْدَادُ، فَقَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ»، فَخَرَجْنَا تُعَادِي بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِظَعِينَةٍ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا لَهَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَوْ لَتُلْقِنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِمَّنْ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟»، فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ،
стр. 4366
إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِها، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَاتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِمَكَّةَ قَرَابَةٌ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا، وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُهُ شَكًّا فِي دِينِي، وَلا رِضًى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ قَدْ صَدَقَ»، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، وَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١].
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ
стр. 4367
وَغَيْرِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ، كُلٌّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ
قَالَ الإِمامُ: فِي الْحدِيث دليلٌ على أنّهُ يجوز النظرُ فِي كتاب الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه، وَإِن كَانَ سرا إِذا كَانَ فِيهِ ريبةٌ وضررٌ يلْحق الْغَيْر، أما مَا رُوِي عنِ ابْنِ عبّاسٍ، أنّ رسُول اللهِ ﷺ قَالَ: «منْ نظر فِي كِتابِ أخيهِ بِغيْرِ إِذْنِهِ فإِنّما ينْظُرُ فِي النّارِ»، فهُو فِي الْكتاب الّذِي فِيهِ أَمَانَة، أوْ سر بيْن الْكَاتِب والمكتوب إِليْهِ لَا رِيبَة فِيهِ، وَلَا ضَرَر بأحدٍ من أهل الإِسْلام، فَأَما كتبُ الْعلم، فقدْ قِيل: يجوز النظرُ فِيهِ بِغَيْر إِذن صَاحبه، لِأَن الْعلم لَا يحلُّ مَنعه، وَلَا يجوز كتمانُه، وقِيل: لَا يجوز لظَاهِر الْحدِيث، وَلِأَن صَاحب الشَّيْء أولى بِمَنْفَعَة مِلكه، وَإِنَّمَا يَأْثَم بكتمان الْعلم الّذِي سُئل عَنهُ، فَأَما منع الْكتاب عنْ غَيره، فَلَا إِثْم فِيهِ.
وقوْله: «فإِنّما ينظر فِي النَّار»، أَرَادَ بِالنّظرِ إِلى النَّار: الدنوّ مِنْهَا، والصِّلى بِها، لِأَن النّظر إِلى الشَّيْء إِنّما يتَحَقَّق عِنْد الدنو مِنْهُ.
واللهُ أعْلمُ.
وفِي حَدِيث حَاطِب دلِيل على أَن حكم المتأول فِي اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور
стр. 4368
خلاف حكم المتعمِّد لاستحلاله من غيْر تَأْوِيل، وَأَن من تعاطى شيْئًا من الْمَحْظُور، ثُمّ ادّعى لهُ تَأْوِيلا مُحْتملا، لَا يقبل مِنْهُ، وَأَن من تجسّس للْكفَّار، ثُمّ ادّعى تَأْوِيلا، وجهالة يُتجافى عَنهُ.
وفِيهِ جَوَاز النّظر إِلى مَا ينكشِف من النِّساء لإِقَامَة حدٍّ، أوْ إِقَامَة شَهَادَة فِي إِثْبَات حقٍّ إِلى مَا أشبه ذلِك من الْأُمُور.
وفِيهِ دلِيلٌ على أَن من كفّر مُسلما، أوْ نفّقه على التَّأْوِيل، وَكَانَ من أهل الِاجْتِهَاد لَا يُعَاقب، فإِن النّبِي ﷺ لمْ يعنِّف عُمر بْن الْخطّاب على قوْله: دعْنِي أضْرِب عُنُق هَذَا المُنافِقِ بعد مَا صدّقه الرّسُول ﷺ فِيمَا ادَّعَاهُ، لِأَن عُمر لمْ يقل ذلِك على سَبِيل الْعدوان، إِذْ كَانَ ذلِك الصنيعُ من حَاطِب شَبِيها بِأَفْعَال الْمُنَافِقين، إِلَّا أَن النّبِي ﷺ قدْ أخبر أَن الله قدْ غفر لهُ ذلِك وَعَفا عَنهُ، فَزَالَ عنِ اسْم النِّفَاق.
بابُ الأسيرِ يُقيّدُ والحُكْم فيهِ
قَالَ الله : ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٥]، قوْلُهُ: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٥]، أَي ائْسِرُوهُمْ، ويُقالُ للأسيرِ: الأخيذْ، ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٥]، أَي: احْبِسُوهُمْ، والحصيرُ: السِّجْنُ الّذي يُحْبسُ فِيهِ، ومِنْهُ قوْلُهُ : ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٨]، وقوْلُهُ : ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التَّوْبَة: ٥]،
стр. 4369
أيْ: على كُلِّ طريقٍ، أيْ: كُونُوا لهُمْ رصدًا، لِتأْخُذُوهُمْ مِنْ أيِّ وجْهٍ توجّهُوا، ومِنْهُ قوْلُهُ ﵎: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الْفجْر: ١٤]، أيْ: بالطّريقِ الّذي ممرُّك عليْهِ، وقِيل: يرْصُدُ كُلّ إِنْسانٍ حتّى يُجازيهُ بِعملِهِ، وَقَالَ جلّ ذِكْرُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [مُحَمَّد: ٤]، قِيل: الإثخانُ: المُبالغةُ فِي الحرْبِ، وَقيل: القهْرُ والقتْلُ، وَقيل: معنى قوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الْأَنْفَال: ٦٧]، أيْ: حتّى يُكْثِر القتْل، والإيقاع بالعدوِّ، وَقيل: حتّى يتمكّن فِي الأرْضِ.
٢٧١١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّد بْنُ بَشَّارٍ، نَا غُنْدَرٌ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلاسِلِ»
هَذَا حدِيثٌ صحِيحٌ، وقِيل فِي قوْلِهِ: «عجِب الله»، مَعْنَاهُ:
стр. 4370
الرضى، وكذلِك الْفَرح والاستبشار الْوَارِد فِي صِفَات الله مَعْنَاهُ: الرضى، وَقُرِئَ ٠ بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ ٠، بِضَم التَّاء.
قِيل: «قل فِيهِ» مُضْمر، وقِيل: مَعْنَاهُ: جازيتهم على عجبهم، وذلِك أَن الله أخبر عَنْهُم فِي غيْر مَوضِع بالعجب من الْحق، فَقَالَ: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، وَهَذَا كَقَوْلِه : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٥]، أَي: يجازيهم على استهزائهم، وَقَالَ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٧٩]، أَي جازاهم على سخريتهم، وقدْ يكُون الْعجب بِمَعْنى وُقُوع ذلِك الْعَمَل عِنْد الله عَظِيما، فَيكون معنى قوْله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ [الصافات: ١٢]، أَي: عظم عِنْدِي فعلهم قَالَ الإِمامُ: فِيهِ دلِيلٌ على جَوَاز الاستيثاق من الْأَسير الْكَافِر بالرِّباط، والغُلِّ والقيد إِذا خيف انفلاتُه، ولمْ يُؤمن شرُّه، وَمن وَقع فِي الْأسر من نسَاء أهل الْحَرْب وذراريهم، صَارُوا أرقاء، وَكَانُوا من جملَة الْغَنَائِم، فَأَما الرِّجَال العاقلون البالغون مِنْهُم إِذا وَقَعُوا فِي الْأسر فالإمام فيهم بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ قَتلهمْ من غيْر أَن يمثل بِهِمْ، وَإِن شَاءَ استرقّهُم، وَإِن شَاءَ منّ عَلَيْهِم، وَإِن شَاءَ فاداهم بِالْمَالِ، أوْ بأسرى الْمُسْلِمِين، وَإِن وقف بِهِ الرأيُ فيهم، حَبسهم إِلى أَن يرى فيهم رَأْيه،
стр. 4371
قَالَ الله : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩١]، أَي وَجَدْتُمُوهُمْ، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الْأَنْفَال: ٥٧]، أَي افْعَل بِهِمْ من الْعقُوبَة تخيف من وَرَاءَهُمْ من أعدائك فتشردهم وتفرقهم.
وَمن أشكل بُلُوغه مِنْهُم، كُشف عنْ عَوْرَته، فإِن أنبت، جُعِل فِي البالغِين، وَمن لمْ يُنبت فَفِي الذُّرِّيَّة، ورُوِي عنْ عبْد الْملِك بْن عميرٍ، عنْ عَطِيَّة القُرظي، قَالَ: «عرضنَا على النّبِي ﷺ يوْم قُريظة، فَكَانَ من أنبت قُتِل، وَمن لمْ يُنبت خُلِّي سبيلُه، فَكنت مِمَّن لمْ ينْبت، فخُلِّي سبيلي».
قَالَ الشّافِعِيُّ: «أسر رسُول اللهِ ﷺ أهل بدرٍ، فَقتل عقبَة بْن أبِي مُعيط، وَالنضْر بْن الْحارِث، ومنّ على أبِي عزّة الجُمَحِي على أَن لَا يُقاتله»، فأخفره وقاتله يوْم أحد، فَدَعَا أَن لَا يفلت، فَمَا أسر غَيره، «ثُمّ أسِر ثُمَامَة بْن أثالٍ الْحَنَفِيّ فمنّ عليْهِ»، فَأسلم وحسُن إِسْلَامه، «وفادى رجلا برجلَيْن».
ورُوِي عنِ ابْن مسْعُود، أنّ رسُول اللهِ ﷺ ، " لما أَرَادَ قتل عقبَة بْن أبِي معيطٍ، فَقَالَ: من للصبية؟، قَالَ: النّارُ ".
стр. 4372
وَذهب إِلى مَا ذكرْنا من التَّخْيِير بْن الْقَتْل، والمنِّ، وَالْفِدَاء، والاسترقاق، أكثرُ أهْل الْعِلْمِ من أصْحاب النّبِي ﷺ ، وَأهل الْعلم بعدهمْ، وهُو قوْل الشّافِعِي، والثّوْرِي، وأحْمد، وَإِسْحَاق، وَذهب قوْمٌ إِلى أنّهُ لَا يجوز الْفِدَاء والمنُّ، وهُو قوْل الأوْزاعِي، وأصْحاب الرَّأْي، حُكي عنِ الأوْزاعِي، قَالَ: بَلغنِي أَن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة قوْله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [مُحَمَّد: ٤]، نسخهَا قوْله : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩١].
وَذهب قوْمٌ إِلى أَن المنّ كَانَ خَاصّا للنَّبِي ﷺ دُون غَيره، وَهَذَا لَا يَصح، لِأَن قوْله : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [مُحَمَّد: ٤]، عَام وخطابٌ لجَمِيع الْأمة لَا تَخْصِيص فِيهِ، وحُكِي عنْ مالِك أنّهُ جوّز المفاداة بِالرِّجَالِ، ولمْ يجوِّز بِالْمَالِ
بابُ المنِّ والفِداء
قَالَ الله : ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [مُحَمَّد: ٤]، أيْ: سِلاحها، وأصْلُ الوِزْرِ: مَا يحْمِلُهُ الإنسانُ، وسُمِّي السِّلاحُ أوْزارًا، لأنّهُ
стр. 4373
يُحْملُ، ومِنُهُ قوْلُهُ : ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ [الْأَنْعَام: ٣١]، أيْ: ثِقل ذُنْوبِهِمْ.
وَقَالَ سعيدُ بْنُ جُبيْرٍ فِي قوْلِهِ : ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [مُحَمَّد: ٤]، قَالَ: لَا يُفادى أسِيرُهُمْ، وَلَا يُمنّ عليْهِمْ حتّى يُثْخِن فِيهمُ القتْلُ، وَقَالَ فِي قوْلِهِ : ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [مُحَمَّد: ٤]: خرُوجُ عِيسى ﵇.
٢٧١٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، نَا اللَّيْثُ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ، فَرَبَطُوهُ فِي سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، «
стр. 4374
مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ»؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، قَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ «فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ»، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ
стр. 4375
مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
هَذَا حَدِيثٌ مُتّفقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ لَيْثٍ
وفِيهِ دلِيلٌ على جَوَاز المنِّ على الْكَافِر، وإطلاقه بِغَيْر المَال، وَجَوَاز دُخُول الْمُشرك الْمسْجِد، وربط الْأَسير فِي الْمسْجِد.
٢٧١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاعِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانِ بْنِ مِهْرَانَ الْمُقْرِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ الْبَزَّازُ، نَا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ الْمَكِّيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كَانَ مُطْعِمٌ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاءِ، لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ»، يَعْنِي: أُسَارَى بَدْرٍ، قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ، وَكَانَ أَجْزَى النَّاسِ بِالْيَدِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: «لوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بنْ
стр. 4376
عدِيٍّ حيًّا، ثُمّ كلّمنِي فِي هؤُلاءِ النّتْنى، لتركْتُهُمْ لهُ»، والنَّتْنَى جَمْعُ النَّتِنِ، مِثْلُ زَمِنٍ وَزَمْنَى
قَالَ الإِمامُ: المُطعم بْن عدي بْن نَوْفَل بْن عبْد منَاف أبُو جُبير بْن مطعم، كَانَ معظّمًا فِي قُرَيْش، وهُو الّذِي قَامَ بِنَقْض الصَّحِيفَة الّتِي كتبتها قُرَيْش على بني هَاشم وَبني الْمطلب، قَامَ بنقضها هُو وَهِشَام بْن عمْرو بْن الْحارِث، وَزُهَيْر بْن أبِي أُميَّة بْن الْمُغِيرة المَخْزُومِي، وَأَبُو البخْترِي بْن هِشَام، وزمعةُ بْن الْأسود بْن عبْد الْمطلب.
ذكره ابْن إِسْحاق.
٢٧١٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، فَأَوْثَقُوهُ، فَطَرَحُوهُ فِي الْحَرَّةِ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ مَعَهُ، أَوْ قَالَ: أَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، وَتَحْتَهُ قَطِيفَةٌ، فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ»؟ فَقَالَ: فِيمَ أُخِذْتُ، وَفِيمَ أُخِذَتْ سَابِقَةُ الْحَاجِّ؟ قَالَ: «أُخِذْتَ بِجَرِيرَةِ
стр. 4377
حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفَ»، وَكَانَتْ ثَقِيفُ قَدْ أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَرَكَهُ، وَمَضَى، فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ»؟ قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ: «لَوْ قُلْتَهَا، وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلاحِ»، قَالَ: فَتَرَكَهُ، وَمَضَى، فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي جَائِعٌ، فَأَطْعِمْنِي، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَإِنِّي عَطْشَانُ، فَاسْقِنِي، قَالَ: «هَذِهِ حَاجَتُكَ»، «فَفَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفُ، وَأَخَذَ نَاقَتَهُ تِلْكَ»، قَالَ عِمْرَانُ: سُبِيَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَتِ النَّاقَةُ قَدْ أُصِيبَتْ قَبْلَهَا، فَكَانَتْ تَكُونُ فِيهِمْ، وَكَانُوا يَجِيئُونَ بِالنَّعَمِ إِلَيْهِمْ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوِثَاقِ، فَأَتَتِ الإِبِلَ، فَجَعَلَتْ كُلَّمَا أَتَتْ بَعِيرًا مِنْهَا، فَمَسَّتْهُ رَغَا، فَتَتْرُكُهُ حَتَّى أَتَتْ تِلْكَ النَّاقَةَ، فَمَسَّتْهَا، فَلَمْ تَرْغُ، وَهِيَ نَاقَةٌ هَدِرَةٌ، فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا، ثُمَّ صَاحَتْ بِهَا، فَانْطَلَقَتْ، فَطُلِبَتْ مِنْ لَيْلَتِهَا، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهَا، فَجَعَلَتْ لِلَّهِ عَلَيْهَا إِنِ اللَّهُ أَنْجَاهَا عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ، عَرَفُوا النَّاقَةَ، وَقَالُوا: نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ جَعَلَتْ لِلَّهِ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَقَالُوا:
стр. 4378
وَاللَّهِ لَا تَنْحَرِيهَا حَتَّى نُؤْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ فُلانَةً قَدْ جَاءَتْ عَلَى نَاقَتِكَ، وَإِنَّهَا قَدْ جَعَلَتْ لِلَّهِ عَلَيْهَا إِنْ أَنْجَاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سُبْحَانَ اللَّهِ! بِئْسَ مَا جَزَتْهَا إِنْ أَنْجَاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ، أَوْ قَالَ: ابْنُ آدَمَ ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أخْرجهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الْعتكِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَانَتِ الْعَضْباءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، وَقَالَ: كَانَ ثَقِيفُ حَلِيفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ. . . . . وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ
قوْله: «ناقةٌ هدِرةٌ»، يُقَال: هدر الْبَعِير: إِذا صَاح، ويُرْوى: كَانَت ناقةٌ مُنوّقةً، أَي: مذللة مُروّضة، ويُرْوى: كَانَت مُجرّسة، أَي مجربة فِي الرّكُوب وَالسير.
قَالَ الإِمامُ: فِيهِ دلِيلٌ على جَوَاز شدّ الْأَسير بِالْوَثَاقِ، وَأَن الْكَافِر إِذا قَالَ: أَنا مُسْلِم، لَا يُحكم بِإِسْلَامِهِ بِهذِهِ اللَّفْظَة حتّى يشْهد بالوحدانية،
стр. 4379
والرسالة، لِأَنَّهُ يُرِيد بِهِ أَنا مُنقاد، وَلَو كَانَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ، لما ردّه إِلى الْكفَّار.
وفِي قوْله: «لوْ قُلْت وأنْت تمْلِكُ أمْرك، لأفْلحْت»، دلِيل على أَن الْكَافِر إِذا وَقع فِي الْأسر، فَادّعى أنّهُ كَانَ قدْ أسلم قبله، لَا يُقبل قوْله إِلَّا ببيِّنةٍ تقوم عليْهِ، وإِذا أسلم بَعْدَمَا وَقع فِي الْأسر، حُرِم قتلُه، وَجَاز استرقاقُه، وإِذا قبِل الْجِزْيَة بعد الْأسر هَل يحرم قَتله؟ فعلى قَوْلَيْنِ، وفِيهِ دلِيلٌ على جَوَاز الْفِدَاء، ورُوِي عنِ ابْنِ عبّاسٍ، أَن النّبِي ﷺ «جعل فدَاء أهل الْجاهِلِيّة يوْم بدر أَربع مائَة».
وَلَو وَقع فِي أسر الْمُسْلِمِين صبيٌّ من أهل الْحَرْب يُحكم بِإِسْلَامِهِ تبعا للسابي، وَلَا يجوز رده إِلَيْهِم، وكذلِك لَو أسلم أحدُ أَبَوي الصَّغِير الْكَافِر يُحكم بِإِسْلَام الْوَلَد، وَيكون مَعَ الْمُسلم مِنْهُمَا، كَانَ ابْن عبّاس مَعَ أمه من الْمُسْتَضْعَفِينَ، ولمْ يكن مَعَ أبِيهِ على دين قومه، فإِن الإِسْلام يَعْلُو، وَلَا يُعلى.
بابُ الكافِرِ إِذا جَاءَ مُسْلِمًا بعْد مَا غنم مالُهُ لَا يجِبُ الرّدُّ عليْهِ
٢٧١٥ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
ح قَالَ مُحَمَّدُ
стр. 4380
بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ مَرْوَانَ، والْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ "، وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَل مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ»، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ»،.
فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ
следующие страницы →