Полный текст (140 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم عونك اللَّهُمَّ
بعد حمد الله الَّذِي بِهِ ترعى النِّعْمَة وتستبقى وتبغى الرَّحْمَة وتستدعي وَيُؤَدِّي الْحق وَيقْضى ويمتري الْمَزِيد ويستقضى وَالصَّلَاة على مُحَمَّد رَسُوله بإخلاص من السرائر واستغراق الِاجْتِهَاد فِي الابتهال وَالدُّعَاء للموقف الْأَعْظَم النَّبَوِيّ وَالْمقَام الأطهر الزكي بإطالة الْبَقَاء وإدامة الْعَلَاء واكبار الْقدر واغزار النَّصْر وحراسة الْحَوْزَة وحياطة الدعْوَة وتثبيت الْوَطْأَة وتوطيد الدولة فَمَا زَالَت الصَّنَائِع معروضة على أولي الْمَعْرُوف بهَا والبضائع مجلوبة إِلَى ذَوي الرَّغْبَة فِيهَا وأعلاق المضنة مزفوفة إِلَى أكفائها وخطابها وموقوفة على أوليائها من طلابها وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالعلوم أَعلَى البضائع قدرا وأوفى البضائع ربحا وَأقوى الذرائع حبلاً وأوضح المسالك سبلا وأعلق الْأَسْبَاب بالقلوب وأوسع الْأَبْوَاب إِلَى الْقبُول بذلك حكم الْعقل وَجرى الْعرف وَوَقع الْإِجْمَاع وَزَالَ الْخلف وَلما تَأَمَّلت أهل الزَّمَان مِمَّن رمقته الْعُيُون بنواظرها وعلقته الظنون بخواطرها وقدمته المآثر بتكاثرها وميزته المفاخر بتكاملها وَوجدت سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله لَا زَالَ جده صاعدا وسعده طالعا وعزه راهنا
стр. 2
وسلطانه قاهرا الإِمَام الْمُقدم غير مدافع وَخَلِيفَة الله الْمُعظم غير مُنَازع وَأجل من رام أمدا فملكه وَرمى غَرضا فأدركه وَجرى لبلوغ غَايَة فحازها وسعى لإحراز نِهَايَة فجازها وَصَارَ بذلك أولى من نصت عَلَيْهِ الرِّجَال بالتفضيل ونصت إِلَيْهِ الرّحال بالتأميل وَأثْنى عَلَيْهِ المثنون فعجزوا عَن تَحْدِيد صفته وقرظه المقرظون فقصروا عَن تَحْصِيل حَقِيقَته وَمَا كَانَ الله ليجعل رسالاته إِلَّا بِحَيْثُ هُوَ أعرف وَأعلم ويولي نعْمَته إِلَّا من كَانَ بهَا أنهض وأقوم وَيُؤْتى خِلَافَته إِلَّا من كَانَ عَلَيْهَا أقوى وأقدر وَيُعْطى كرامته إِلَّا من كَانَ بهَا أَحْرَى وأجدر ليعلم ان أَفعاله تبَارك اسْمه وَاقعَة على الْعدْل وَالصِّحَّة وَجَارِيَة على الْحِكْمَة والمصلحة وان من أثبت ذَلِك قَاعِدَة على التدبر وأفضله عَائِدَة على التبين ان جعل استكفاءه من استكفاءه من عرض بريته واصطفاءه من اصطفاه من بَيت نبوته أولي النَّهْي والحجى وَذَوي الدّين والتقى لتَكون الْحَيَاة باختيارهم مقرونة والسيرة لِمَكَانِهِمْ مَأْمُونَة والاستقامة بتدبيرهم وعَلى أَيْديهم مَوْجُودَة والسلامة فِي مبادئهم وعواقبهم مرجوة وَالدّين بمحافظتهم محوطا وَالْأَمر بملاحظتهم مضبوطا فَالْحَمْد لله على ان جمع للحضرة المقدسة لَا زَالَت بالنصر مكنوفة وبعين الله مكلوءة شرف الْقَدِيم والْحَدِيث وكرم التليد والطريف حَتَّى اتَّصَلت الْأَوَاخِر بالمبادي واطردت الإعجاز على الهوادي وَطَابَتْ الْأُصُول والفصول وزكت الْعُرُوق وَالْفُرُوع فان امْرَءًا كَانَ من شَجَرَة النُّبُوَّة منزعة وَفِي بحبوحة الْإِمَامَة متربعة وَمن أسرة النُّبُوَّة مخرجة وَفِي بَيت الْخلَافَة مدرجة لحقيق ان يكون خَليفَة لله طَاهِرا نقيا وأمينا على دينه برا تقياً وراعياً لخلقة مخلصا ناصحا وَقَائِمًا بِحقِّهِ مُسْتقِلّا ناهضا وملجأ للعائذين دافعا حَافِظًا وموئلا للائذين مَانِعا عَاصِمًا وخليق ان يكون لرضى الله حائزا وبالزلفى لَدَيْهِ فائزاً وبالنعمى
стр. 3
مِنْهُ مغمورا وبالحسنى مشمولا وان تكون الموهبة من كَامِلَة وبنزول الرَّحْمَة كافلة والصدور بموالاته مترعة والألسن بالثناء عَلَيْهِ مجتمعة وَالْأَيْدِي بِالدُّعَاءِ لَهُ مُرْتَفعَة وَالله يُجيب فِيهِ أفضل ذَلِك مستمعا ومقبولا وأخلصة مُعْتَقدًا ومقولا ويحرس على الدّين وَالدُّنْيَا محاسنه الزاهرة ومناقبه الباهرة وَمَا مده عَلَيْهِمَا من ظلّ دولته وأجراه لَهما من بَرَكَات إيالته حَتَّى يمْلَأ الْخَافِقين عدلا شَائِعا كَمَا ملأهما فضلا بارعاً ويعم المشرقين فعلا جميلا كَمَا عَمهمَا طولا جزيلاً انه على مَا يَشَاء قدير وَبِحسن الْإِجَابَة جدير.
وَلما كَانَت الْخلَافَة من النُّبُوَّة وَكَانَ لَهَا من جلالة الْقدر وفخامة الْأَمر أَعْلَاهَا مراقب وَأَشْرَفهَا مَرَاتِب وَمن أس الإعمال وقوانين الْأَفْعَال أوضحها معالم وأثبتها دعائم وَمن شُرُوط المكاتبات ورسوم الترتيبات أحْسنهَا طرائق وأحكمها وثائق وَمن حُقُوق الْخدمَة وحدود الحشمة أولاها بأولي الْعقل والمسكة وَذَوي الحزم والحنكة وأحراها بِأَن يتداول ويتفاوض ويتناقل ليَكُون تذكرة للناسي وتبصرة للناشي وطريقا إِلَى معرفَة مَا عظمه الله من شَأْن الدعْوَة الهاشمية وأعزه من سُلْطَان الْإِمَامَة العباسية فَوجدت أَكثر ذَلِك قد درس بتقادم عهوده وَتغَير وضوعه وَلَيْسَ كل من مر على عهد اخْتَار أخباره أَو أَمر شَاهده فألفه ووجدتني قد سَمِعت من إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي فِيهِ مَا لم يكن بَقِي فِي وقته من يُشَارِكهُ فِي كثير من علمه وَعلل مَا وَقع الِاصْطِلَاح
стр. 4
عَلَيْهِ مِنْهُ وَلَا بَقِي الْآن من يشاركني فِي إِسْنَاده وَرِوَايَته عَنهُ وَخفت ان تلْحق هَذِه الْبَقِيَّة بِتِلْكَ المواضي المنسية وَرَأَيْت حُقُوق النِّعْمَة الَّتِي غمرتني وغمرت أسلافي للدولة العباسية ثَبت الله أَرْكَانهَا تَقْتَضِي الْعِنَايَة بهَا ان انشر أَعْلَام سننها الْقَدِيمَة وأوضح آثَار سَيرهَا القويمة جمعت من ذَلِك مَا ضبطته بالتأليف، وحفظته بالتصنيف وَجَعَلته من القربات الَّتِي أراعي الفرص فِيهَا وأحافظ على مَا وفر الْحَظ مِنْهَا وَأَرْجُو ان يَقع الْخَادِم مِمَّا اعْتمد وَفعل الْموقع الَّذِي لحظيه بِمَا رجا وأمل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
وسأورد مَا أوردهُ أبوابا أبين فِيهَا مَا كَانَت الْأُمُور جَارِيَة عَلَيْهِ وَمَا تأدت وآلت على الْأَيَّام إِلَيْهِ ليعرف من ذَلِك السالف والانف والمتبع والمبتدع.
стр. 5
وأبدأ بِذكر أَحْوَال الدَّار العزيزة
كَانَت دَارا عَظِيمَة السعَة وعَلى أَضْعَاف مَا هِيَ عَلَيْهِ الان من هَذِه الْبَقِيَّة الرائعة وَدَلِيل ذَلِك انها كَانَت مُتَّصِلَة بالحير والثريا ومسافة مَا بَينهمَا الْيَوْم بعيدَة وَإِنَّمَا انفصلا عَنْهَا وَطَالَ مداهما مِنْهَا بِمَا أَتَى عَلَيْهِ الْحَرِيق وَالْهدم من الدّور والمنازل والبنيان والعمران فِي الْفِتْنَة عِنْد خلع المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ وَعوده وَالْقَبْض على القاهر بِاللَّه وَقتل المكنى أَبَا الهيجاء بن حمدَان وَمَا بعْدهَا من الْفِتَن المترادفة بِالْأَيْدِي المتخالفة فَإِن ذَلِك اسْتهْلك الشّطْر الْأَكْبَر مِنْهَا وَمن بعض أمورها ان كَانَ فِيهَا مزارع وأكره وعوامل
стр. 6
برسمها وَأَرْبَعمِائَة حمام لمن تحويه من أَهلهَا وحواشيها فَأَما فِي أَيَّام المكتفى بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ فَإِنَّهَا اشْتَمَلت على عشْرين ألف غُلَام دارية وَعشرَة آلَاف خَادِم سُودًا وصقالبة وَأما فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ فالإجماع وَاقع على انه كَانَ فِيهَا أحد عشر ألف خَادِم مِنْهُم سَبْعَة سُودًا وَأَرْبَعَة صقالبة بيضًا وَأَرْبَعَة آلَاف امْرَأَة بَين حرَّة ومملوكة وألوف من الغلمان الحجرية وَكَانَت النّوبَة مِمَّن يرسم بِحِفْظ الدَّار من الرجالة المصافية خَمْسَة آلَاف رجل وَمن الحراس أَربع مائَة حارس وَمن الفراشين ثَمَانمِائَة
стр. 7
فرَاش وَكَانَت شحنة الْبَلَد برسم نازوك صَاحب المعونة أَرْبَعَة عشر ألف فَارس وراجل.
حِكَايَة
وَحدث الْحُسَيْن بن هَارُون الضَّبِّيّ القَاضِي قَالَ: حَدثنِي مَنْصُور بن الْقَاسِم القنائي قَالَ: كَانَ من عادتي فِي أَيَّام الأعياد ان أغلس فِي الرّكُوب إِلَى دَار عَليّ بن عِيسَى الْوَزير على مَا يَقْتَضِيهِ اختصاصي بِهِ لأركب مَعَه إِلَى الْمصلى وَمِنْه إِلَى دَار السُّلْطَان
стр. 8
ثمَّ أَعُود فِي صحبته إِلَى دَاره وأجلس بَين يَدَيْهِ إِلَى ان يتقوض موكبه وأحضر طَعَامه فأتفق فِي يَوْم من أَيَّام الأعياد ان تصبحت قَلِيلا ثمَّ ركبت مسرعا وصادف خروجي من بعض الدروب اجتياز نازوك فِي موكبه وَبَين يَدَيْهِ أَكثر من خمس مائَة فرَاش بالشموع الموكبية سوى أَصْحَاب النفط وهم عدد أَكثر فَاحْتَجت ان أَقف إِلَى ان يعبروا فازددت تصبحا ووافيت إِلَى دَار الْوَزير وَكَانَ قد ركب وتبعته إِلَى الْمصلى فَلم أتمكن من خدمته لِكَثْرَة من مَعَه وَلَحِقتهُ إِلَى دَار السُّلْطَان فَكَانَت الصُّورَة وَاحِدَة فِي ذَاك وَجئْت مَعَه إِلَيّ دَاره فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: وَلم أوحشتنا الْيَوْم يَا أَبَا الْفرج فشرحت لَهُ صُورَتي وَمَا عاقني من اجتياز موكب نازوك فَلَمَّا فرغت من قولي نَدِمت على تعظيمي من أَمر نازوك مَا عَظمته لِأَن الْوَزير كَانَ متنكرا عَلَيْهِ وَغير جميل الرَّأْي فِيهِ وَمن عَادَته أَيْضا كَرَاهِيَة هَذَا البذخ والتخرق لما كَانَ عَلَيْهِ من التشدد والتصعب وَخفت ان يتَّصل الْمجْلس بنازوك فيحمله مني على السّعَايَة بِهِ وَبعث الْوَزير عَلَيْهِ وَبينا انا مُتَرَدّد فِي الْفِكر وَسُوء الظَّن دخل نازوك فَقبل يَد الْوَزير ووقف فَقَالَ لَهُ الْوَزير: مد الله فِي عمرك يَا أَبَا مَنْصُور وَكثر فِي أَوْلِيَاء الدولة مثلك فَإِن أَبَا الْفرج عرفني من ركبتك الْيَوْم مَا جملت بِهِ الدولة وَالْإِسْلَام وأرغمت فِيهِ انوف أهل الْكفْر والعناد فَبَارك الله فِيك وَأحسن عَن السُّلْطَان جزاءك فَلم يبْق من شُيُوخ دولته وحاشيته من يجْرِي مجراك امْضِ إِلَى دَارك وَلَا تقف واجلس هُنَاكَ حَتَّى يهنئك النَّاس قَالَ مَنْصُور بن الْقَاسِم: فسررت بذلك سُرُورًا شَدِيدا وَصَارَ غمي فَرحا وانزعاجي سكونا ونهض الْوَزير من مَجْلِسه وَخرجت فَوجدت
стр. 9
نازوك جَالِسا فِي حجرَة الْحجاب ينتظرني فَلَمَّا رَآنِي نَهَضَ عَن كرسيه وتلقاني وَقبل بَين عَيْني وَقَالَ لي: قد ملكت رقي وَمَا أوليتك مَا يَدْعُو إِلَى مَا فعلته من جميل النِّيَابَة عني وَعقد الْمِنَّة الجليلة عَليّ فانني مَا أملت قطّ ان أسمع من الْوَزير بعض مَا سمعته الْيَوْم وسألني ان أَصْحَبهُ إِلَى دَاره فأعلمته عادتي فِي حُضُور طَعَام الْوَزير وأنني انكفىء مِنْهُ إِلَيْهِ وَركبت وعدت وَجَلَست مَعَ الْوَزير على الْمَائِدَة وجددت إِجْرَاء ذكره فجدد اطراءه فوصفه وَخرجت فَإِذا رسل نازوك على الْبَاب يراعونني وينتظرونني وصرت مَعَهم إِلَيْهِ فتلقاني واستأنفت الْأكل عِنْده وانتقلت إِلَى مجْلِس للأنس فَلَمَّا عزمت على الإنصراف حمل معي مَا قدره ألف دِينَار من كل شَيْء.
وَلَقَد ورد رَسُول لصَاحب الرّوم فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ ففرشت الدَّار بالفروش الجميلة وزينت بالآلات الجليلة ورتب الْحجاب وخلفاؤهم والحواشي على طبقاتهم على أَبْوَابهَا وَفِي دهاليزها وممراتها ومخترقاتها وصحونها ومجالسها ووقف الْجند على اخْتِلَاف أجيالهم صفّين بالثياب الْحَسَنَة وتحتهم الدَّوَابّ بالمراكب الذَّهَب وَالْفِضَّة وَبَين أَيْديهم الجنائب على مثل هَذِه
стр. 10
الصُّورَة وَقد أظهرُوا الْعدَد والأسلحة الْكَثِيرَة فَكَانُوا من أَعلَى بَاب الشماسية وَإِلَى قريب من دَار الْخلَافَة وبعدهم الغلمان الحجرية والخدم والخواص والبرانية إِلَى حَضْرَة الْخلَافَة بالبزة الرائقة وَالسُّيُوف والمناطق المحلاة وأسواق الْجَانِب الشَّرْقِي وشوارعه وسطوحة ومسالكه مَمْلُوءَة بالعامة النظارة وَقد اكتري كل دكان وغرفة مشرفة بِدَرَاهِم كَثِيرَة وَفِي دجلة الشذاءات والطيارات والزبازب والشبارات والزلالات والسميريات بِأَفْضَل زِينَة وعَلى أحسن تعبئة وَسَار الرَّسُول وَمن مَعَه من المواكب إِلَى أَن وصلوا دَار الْخلَافَة وَدخل فأجيز على دَار نصر القشوري فَرَأى ضففا كثيرا ومنظرا هائلا فَظَنهُ الْخَلِيفَة
стр. 11
وداخلته لَهُ هَيْبَة وخيفة حَتَّى قيل لَهُ أَنه الْحَاجِب وَحمل من بعد ذَلِك إِلَى الدَّار الَّتِي كَانَت برسم الوزارة (١) ، وفيهَا عَليّ (٢) بن مُحَمَّد بن الْفُرَات، الْوَزير يَوْمئِذٍ فَرَأى أَكثر مِمَّا رَآهُ لنصر الْحَاجِب وَلم يشك فِي أَنه الْخَلِيفَة حَتَّى قيل لَهُ: هَذَا الْوَزير ابْن الْفُرَات فَسلم عَلَيْهِ وخدمه وأجلس فِي مجْلِس بَين دجلة والبساتين قد اختيرت لَهُ الفروش وعلقت عَلَيْهِ الستور ونصبت فِيهِ الدسوت وأحاط بِهِ الخدم والغلمان بالطبر زينات وَالسُّيُوف ثمَّ استدعى بعد سَاعَات إِلَى حَضْرَة المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ وَقد جلس مَجْلِسا عَظِيما مهيبا فخدم خدمه مثله وَشَاهد من الْأَمر مَا راعه وهاله وَانْصَرف إِلَى دَار قد أعدت لَهُ وَحصل فِيهَا من الْفرش مَا يصلح لَهُ والحواشي والألاف والإقامات كل مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ مِمَّا أظهرت فِيهِ
стр. 12
الْمُرُوءَة والتوسعة فَكَانَت الْحَال إِذْ ذَاك وَقَبله على هَذَا الْوَصْف وَمَا هُوَ فَوْقه.
وَلَقَد شاهدت فِي أَيَّام صمصام الدولة وَسنة سِتّ وَسبعين وثلثمائة حُضُور ورد عَظِيم الرّوم فِي دَار المملكة وَكَانَ انهزم من بَين يَدي بسيل ولجأ إِلَى عضد الدولة مستنجدا بِهِ
стр. 13
فَقبض عَلَيْهِ بميافار قين وَحمله إِلَى بَغْدَاد فاعتقل إِلَى أَن مَاتَ عضد الدولة وَأقر على الاعتقال إِلَى آخر أَيَّام صمصام الدولة. ثمَّ سَأَلَ فِيهِ زيار بن شهراكوية صَاحب الْجَيْش إِذْ ذَاك بِإِطْلَاقِهِ وتسريحة إِلَى بَلَده فَأطلق وفسح لَهُ فِي التَّوَجُّه بعد ان شرطت عَلَيْهِ شُرُوط وعقدت مَعَه عُقُود وَكَانَ شرح الْحَال فِي حُضُوره
стр. 14
ان فرشت دَار المملكة بالفروش العضدية المستعملة لمجالسها وعلقت الستور الديباج على جَمِيع أَبْوَاب بيوتها وصحونها وممراتها ودهاليزها وأقيم الديلم من دجلة وَإِلَى حَضْرَة صمصام الدولة على مَرَاتِبهمْ صفّين بأجمل لِبَاس وأبهى عدد وَسلَاح وَفِي أَيْديهم وأيدي غلمانهم الزوبينات والتراس والغلمان الدارية والخدم برسمهم وقُوف فِي طول الروشن بالبزة الجميلة وَجلسَ صمصام الدولة فِي السدلي الْمَذْهَب على سدة كَبِيرَة من تحتهَا نهر مرصص يجْرِي فِيهِ المَاء وَقد وضعت بَين يَدَيْهِ الكوانين الذَّهَب فِيهَا قطع الْعود تتقد وتبخر ووافى ورد وَأَخُوهُ وَابْنه بَين
стр. 15
السماطين وعَلى ورد القباء والمنطقة وَبَين يَدَيْهِ الْحجاب بِالسُّيُوفِ والمناطق المخروزة وَسلم على صمصام الدولة سَلاما لم يزده فِيهِ على الانحناء قَلِيلا وتقبيل يَده لَهُ وَطرح لَهُ كرْسِي من فَوْقه مخدة وتخاطبا خطابا كَانَ الترجمان يفسره لكل مِنْهُمَا وَانْصَرف من بَاب غير الْبَاب الَّذِي دخل فِيهِ وَقد أقيم فِي الدَّار الْأُخْرَى من الْجند مثل مَا كَانَ فِي الأولى فَإِن عدَّة الديلم كَانَت يَوْمئِذٍ نَحْو عشرَة آلَاف رجل وَكَانَ ذَاك مَعَ جلالته فِي وقته لَا يُقَاس بِبَعْض مَا كَانَ فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ وَكَانَ مَا تقدمه من مثله فِي أَيَّام الْخُلَفَاء الْمُتَقَدِّمين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لَا ينقاس بِهِ لعظم الْأَمر سالفا وتناقصه آنِفا.
وَلَقَد انْتَهَت مُرَاعَاة الْأُمُور قَدِيما إِلَى ان كَانَت خريطة الْمَوْسِم ترد فِي الْيَوْم الرَّابِع وخرائط مصر فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر. وَكَانَ
стр. 16
الهليون يحمل إِلَى المعتصم بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ من دمشق فِي المراكن الرصاص فتصل فِي الْيَوْم السَّادِس وَأقرب عهد من ذَاك ان كَانَت ترد خرائط فَارس فِي أَيَّام عضد الدولة فِي ثَمَانِيَة أَيَّام.
فَأَما بَغْدَاد فِي أَيَّام الْعِمَارَة فَإِنَّهُ وَقع فِي يَدي كتاب يذكر مَا فِي أَيَّام المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ وَذَلِكَ بعد فتْنَة الْأمين رحمت الله عَلَيْهِ الَّتِي أحرقت وهدمت صَدرا كَبِيرا مِنْهَا وأثرت الإثارة القبيحة فِيهَا تَرْجَمته كتاب فَضَائِل بَغْدَاد الْعرَاق تأليف يزدجرد بن مهبندار الْفَارِسِي لأمير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ قَالَ فِيهِ: قد أَكثر النَّاس فِي بَغْدَاد الْعرَاق إكثارا لم يعطونا فِيهِ دَلِيلا وَلَا أفادونا بِهِ محصولا واقتصروا على ان يَقُولُوا: بلد لَا يشبه الْبلدَانِ
стр. 17
وَلَا كَانَ مثله فِي قديم الإزمان فَإِن من أقل مَا فِيهِ انه يشْتَمل على مِائَتي ألف حمام إِلَى الضعْف. وَمن الْمَسَاجِد والطرازات كَذَاك إِلَى مَا هُوَ متضاعف فَإِذا أخذُوا أَو أَكْثَرهم بإيراد الْحجَّة وَإِقَامَة الدّلَالَة لم يَأْتُوا بقول مُحَصل وبرهان معول وَنحن نفتتح القَوْل بِاتِّبَاع أعدل الإحكام وَأقرب الْأُمُور إِلَى الإفهام وَلَا نقُول كَالَّذي قَالُوهُ فِي عدد الحمامات واعتقدوه فِي الْمنَازل والمساجد والطرازات إشفاقا من هجنة الْإِسْرَاف على السامعين فانا وجدنَا كثيرا من الْخَاصَّة والعامة مذعنين بعدة الحمامات وَإِنَّهَا مِائَتَا ألف حمام دون مَا فَوْقهَا من الزِّيَادَات ثمَّ قَالَ آخَرُونَ: بل هِيَ مائَة وَثَلَاثُونَ ألف حمام كَمَا قَالُوا مائَة وَعِشْرُونَ ألف وَبِه قَالَ الشاه بن ميكال وطاهر بن مُحَمَّد الطاهري ثمَّ قَالُوا من قبل وَمن بعد بِمَا زَاد على الْمِائَة ألف وَبِمَا انْتقصَ مِنْهَا قَررنَا اخْتلَافهمْ على حد نرجوه عدلا متوسطا وَحكما متقبلا واقتصرنا من عدد الحمامات على سِتِّينَ ألف حمام استظهارا وَجَعَلنَا الْعلَّة فِي ذَلِك ان نَأْخُذ وسط مَا ذَكرُوهُ من أعدادها وَمَا وجدنَا الْخَاصَّة وَأَكْثَرهم يَدعِيهِ فِي اعتقادها وَهُوَ مائَة وَعِشْرُونَ ألف حمام فاقتصرنا على النّصْف من الْمِائَة وَالْعِشْرين لِئَلَّا يقبح فِي التَّقْدِير أَو تضيق عَن قبُوله الصُّدُور ثمَّ نَظرنَا فِي قدر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ كل حمام من القوام الَّذين لَا قوام لَهُ إِلَّا بهم فَوَجَدنَا الْحمام مُحْتَاجا إِلَى سِتَّة نفر هم: صَاحب الصندوق والقيم والوقاد والزبال والمزين والحجام وَرُبمَا أطاف بالحمام ضعف هَذَا الْعدَد وَلَكنَّا ركبنَا سنَن الإستظهار فِي معنانا هَذَا فَإِذا فَرضنَا عدَّة الحمامات سِتِّينَ ألف حمام فقد حصل عدد مَا فِيهَا من القوام والمزينين والحجامين ثلثمِائة وَسِتِّينَ ألف انسان ثمَّ فَرضنَا بِهَذَا التَّقْرِيب لكل حمام مِائَتي منزل قِيَاسا على مَا حصل
стр. 18
من الْمنَازل على عدَّة الحمامات بِمَدِينَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور صلوَات الله عَلَيْهِ وَهُوَ لكل حمام أَربع مائَة منزل واستظهارا بِأخذ النّصْف من ذَاك فَاجْتمع من عدد الْمنَازل على هَذِه الْفَرِيضَة اثْنَا عشر ألف ألف منزل ثمَّ وجدنَا قد يجْتَمع فِي الْمنزل الْوَاحِد عشرُون نفسا وَفِي غَيره نفسان اَوْ ثَلَاثَة وَمَا هُوَ أقل من ذَلِك وَأكْثر فاحتجنا إِلَى ان نفرض عددا متوسطا يعتدل بِهِ الْأَمر وَيَزُول مَعَه الشَّك فنقصنا من الْعشْرين نصفهَا وزدنا على الثَّلَاثَة ضعفها وجمعنا مَا بَقينَا وزدنا فَكَانَ سِتَّة عشر وأخذنا النّصْف فَكَانَ ثَمَانِيَة نفر بَين رجال وَنسَاء وأكابر وأصاغر فَاجْتمع لنا من عدد من تضمه هَذِه الْمنَازل سِتَّة وَتسْعُونَ ألف ألف انسان.
ثمَّ ركب مُصَنف هَذَا الْكتاب من هَذِه الْقَاعِدَة قِيَاسا، فِيمَا يُريدهُ هَذَا الْعدَد من النَّاس من أَصْنَاف الْمَأْكُول والمستعمل واللباس وَحكى فِي عرض مَا أوردهُ ان عبيد الله الطاهري حَدثهُ ان إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي اخبره انه رفع إِلَيْهِ ان قدر ثمن مَا يبع من الباقلي الْمَطْبُوخ فِي كل يَوْم فِي أحد جَانِبي بَغْدَاد سِتُّونَ ألف دِينَار وَحقّ ذَاك ان يكون فِي الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا مائَة وَعشْرين ألف دِينَار إِلَى غير هَذَا مِمَّا أوردهُ وفصله واستقصى القَوْل فِيهِ ولخصة وانما أوردنا هَذِه الْجُمْلَة من أَمر بَغْدَاد مَعَ خُرُوجهَا عَن الْغَرَض الَّذِي قصدناه لِئَلَّا يستكثر فِي دَار الْخلَافَة مَا ذَكرْنَاهُ وحَدثني إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي ان الحمامات أحصيت فِي أَيَّام معز الدولة فَكَانَت سَبْعَة عشر ألف حمام وَأَنَّهُمْ عجبوا من انتهائها إِلَى هَذِه الْعدة مَعَ كَونهَا فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ سَبْعَة وَعشْرين ألف حمام وَلَقَد عدت فِي أَيَّام عضد الدولة فَكَانَت خَمْسَة آلَاف وكسرا وَفِي أَيَّام بهاء الدولة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثلثمائة فَكَانَت ألفا وَخمْس مائَة حمام ونيفا وَهِي الْآن مائَة ونيف وَخَمْسُونَ حَماما وَلَقَد كنت أعجب من الحكايات الْمُخْتَلفَة فِي ذَلِك وَمَا كَانَ يُقَال قَدِيما فِيهِ حَتَّى قَامَ عِنْدِي برهَان مِنْهُ وَهُوَ أَنه قد اتخذ بِبَاب
стр. 19
الْمَرَاتِب الْمَعْمُور فِي ثَلَاثِينَ دَارا مسكونة مِنْهُ بَعْدَمَا أَهله غيب عَنهُ خَمْسَة عشر حَماما فَإِذا كَانَ ذَلِك فِي هَذِه الدّور القليلة وَالْعدة من الْخَواص الْقَرِيبَة فَمَا كَانَت عدَّة خَواص النَّاس فِي أَيَّام المعتضد بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ من الوزراء وَالْكتاب والحواشي وَالْأَصْحَاب والأمراء والقواد والإشراف والقضاة وَالشُّهُود والتناء والتجار وأولي المروات وَالْأَحْوَال الوافرات لتنقص عَن خمسين ألف انسان إِذا استظهرنا بالاقتصار على ذَاك وَلَا تَخْلُو دَار كل وَاحِد مِنْهُم من حمام على التقليل وَإِلَّا فَفِي دور كثير مِنْهُم الحمامات وَإِذا ثَبت هَذَا القَوْل اطردت بِهِ تِلْكَ الدَّعْوَى وَوَجَب ان يكون قَول المكثر أغلب من قَول المقتصر وَمَعْلُوم أَيْضا ان بَلَدا كَانَت على نهره الَّذِي يخترقه أَعنِي دجلة ثَلَاثَة جسورة لَا يستبعد كَون ساكنيه الْعدة الْمَذْكُورَة.
وَذكر عَليّ بن عِيسَى فِي الْعَمَل الَّذِي عمله لارْتِفَاع المملكة فِي سنة سِتّ وثلثمائة ونعى بِهِ الدُّنْيَا بتقاصر موادها وتناقص أموالها وَاسْتثنى فِيهِ بالحرمين واليمن وبرقة وشهرزور والصامغان وكرمان وخراسان وَكَانَت جملَته معقودة على:
стр. 20
أَرْبَعَة عشر ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَتِسْعَة وَعشْرين ألفا وَثَمَانمِائَة وَأَرْبَعين دِينَارا.
فمما أوردهُ فِي جملَة الخرج والنفقات الْخَاصَّة مَا حكايته:
وَمن ذَلِك للأتراك فِي المطابخ الْخَاصَّة والعامة وَمَا يُقَام خَارج الدَّار وعلوفة الكراع وَالطير والوحش على مَا اسْتَقر عَلَيْهِ الْأَمر فِي أصُول الإقامات والإسفار على المقاطعات مياومات ومشاهرات: لشهر: أَرْبَعَة وَأَرْبَعين ألفا وَسبعين دِينَارا.
ولاثني عشر شهرا: خَمْسمِائَة ألف ثَمَانِيَة [و] عشْرين الْفَا وَثَمَانمِائَة وَأَرْبَعين دِينَارا.
وَمن ذَلِك الْجَارِي برسم المشاهرة للسيدة أيدها الله والأمراء أعزهم الله وَالْحرم صانهن الله والخدم.
لشهر: أحد وَسِتِّينَ ألفا وَتِسْعمِائَة وَثَلَاثِينَ دِينَارا.
ولاثني عشر شهرا: سَبْعمِائة ألف وَثَلَاثَة وَأَرْبَعين ألفا وَمِائَة وَسِتَّة وَتِسْعين دِينَارا.
стр. 21
وَمن ذَلِك أُجْرَة ساسة الكراع فِي سَائِر الإصطبلات وأرزاق المرتزقة فِيهِ وَثمن العلاج وجاري من برسم خَزَائِن السُّرُوج وَمَا يجْرِي مجْرى ذَلِك على مَا اسْتَقر عَلَيْهِ الْأَمر مِمَّا يقبض فِي كل سَبْعَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا:
لشهر: ثَمَانِيَة آلَاف ومائتي دِينَار.
وقسط ثَلَاثِينَ يَوْمًا: مئتا ألف وَمِائَة وَثَمَانُونَ سعس دِينَارا.
ولاثني عشر شهرا: تِسْعَة وَسبعين ألفا وَسَبْعمائة وَسِتَّة وَسبعين دِينَارا.
وَمن ذَلِك مَا يُطلق من الْجَارِي فِي كل شهر أَيَّامه أَرْبَعُونَ يَوْمًا للرِّجَال فِي شذاة الْخَاصَّة وَأَرْبع شذات مرتبطة بالحضرة:
مائَة دِينَار قسط ثَلَاثِينَ يَوْمًا ودينارين.
ولاثني عشر شهرا: ألف ومائتان وَثَمَانُونَ دِينَارا.
وَمن ذَلِك مَا يُطلق فِي كل شهر أَيَّامه خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا لأرزاق الجلساء وَمن يجْرِي مجراهم:
" خَمْسمِائَة وَثَلَاثَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَأحد عشر " دِينَارا.
قسط ثَلَاثِينَ يَوْمًا: مائَة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ألفا وَخَمْسمِائة وَسَبْعُونَ دِينَارا.
стр. 22
ولاثني عشر شهرا: مِائَتي ألف واثنين وَثَلَاثِينَ ألفا وثلثمائة وَخَمْسَة عشر دِينَارا.
وَمن ذَلِك النَّفَقَات الَّتِي تطلق دَائِما فِي كل سنة لثمن الْجَوَارِح وَكِسْوَة الكراع وهناء الْإِبِل وَكِسْوَة المحتسبين فِي الدَّار والطبالين وعلوفة الْغنم السوادية وصلات الإئمة وَثمن النعاج وَالْبَقر الحبشية وعلوفتها وصلَة الفراشين بِسَبَب القلنداس وَالنَّفقَة على سماطي الْعِيدَيْنِ وَثمن الْأَضَاحِي والثلج وَمَا يُطلق لصَاحب الشرطة لحمل الْإِعْلَام
стр. 23
فِي الْعِيدَيْنِ وَثمن الرطاب والقصيل وَثمن سروج الوهاقين وَثمن القلوس للمأصر الْأَسْفَل وَثمن الكمأة المقددة:
اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين ألفا وَسَبْعَة دَنَانِير وَمن ذَلِك مَا يُطلق فِي كل شهر أَيَّامه خَمْسُونَ يَوْمًا لجاري الغلمان الحجرية وَأَوْلَاد المتشهدين والموكبية فِي نَاحيَة شَفِيع والصناع فِي خَزَائِن الْكسْوَة وخزائن السِّلَاح وخزائن الْفرش:
سَبْعَة وَثَلَاثِينَ ألفا وسِتمِائَة وَأَرْبَعَة دَنَانِير.
قسط ثَلَاثِينَ يَوْمًا: أَرْبَعَة عشر ألفا وَخَمْسمِائة وَسِتُّونَ دِينَارا.
ولاثني عشر شهرا: مِائَتَا ألف وَاحِد وَسبعين ألفا وَخَمْسمِائة وَعشْرين دِينَارا.
وَمن ذَلِك مَا قدر انفاق أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه الله فِي الجوائز والهبات بقسط شهر من ثَلَاثَة أشهر جمع ذَلِك فِيهَا:
أحد وَعشْرين ألف دِينَار.
стр. 24
ولاثني عشر شهرا: مِائَتي ألف واثنين وَخمسين ألف دِينَار.
وَمن ذَلِك مَا يُقَام لأمير الْمُؤمنِينَ أيده الله من الْكسْوَة والفرش فِي الطرز بالأهواز وتستر وجهرم وَدَار أبجرد ثَمَانمِائَة وَأَرْبَعَة عشر ألف دِينَار.
وَمن ذَلِك مَا قدر لحوادث النَّفَقَات:
لشهر: سِتَّة عشر ألفا وَخَمْسمِائة وَثَلَاثِينَ دِينَارا.
ولاثني عشر شهرا: مائَة ألف وَثَمَانِية وَسبعين ألفا وَتِسْعمِائَة وَأَرْبَعين دِينَارا. وَمن ذَلِك مَا ينْفق على الْبناء والمرمات:
أحد وَخمسين ألفا وَمِائَة دِينَار.
وَمن ذَلِك من الشّعير الْمَحْمُول من النواحي لقضيم الكراع ومبلغه:
سِتَّة عشر ألفا وَثَمَانمِائَة وَخَمْسَة وَخمسين دِينَارا.
مَعَ أُجْرَة محملة:
ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألفا وَتِسْعمِائَة دِينَار.
فَذَلِك:
стр. 25
ألفا ألف وَخَمْسمِائة ألف وَسِتُّونَ ألفا وَتِسْعمِائَة وَسِتِّينَ دِينَارا.
وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى فضل الخرج الَّذِي جمعه على الدخل الَّذِي صَدره:
بِأَلف ألف وَأَرْبَعمِائَة ألف وَسِتَّة وَثَلَاثِينَ ألفا وَأَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَسبعين درهما.
وَذَاكَ كَانَ غَرَضه الَّذِي رَمَاه ومقصده الَّذِي نحاه.
وَحدث عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى قَالَ: حَدثنِي أحد الخدم الْخَاصَّة قَالَ: حضر الْوَزير عَليّ بن عِيسَى دَار السُّلْطَان فِي يَوْم شَدِيد الْبرد وَلَيْسَ بِيَوْم موكب وَعرف المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ فَجَلَسَ لَهُ فِي بعض الصحون على كرْسِي وَرَأسه مَكْشُوف فخاطبه بِمَا أَرَادَ. فَلَمَّا فرغ قَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تبرز فِي مثل هَذِه الْغَدَاة الْبَارِدَة وتجلس فِي مثل هَذَا الصحن الْوَاسِع ورأسك بِغَيْر غطاء وَالنَّاس فِي مثلهَا يَجْلِسُونَ فِي الْمَوَاضِع الكنينة ويستعملون الدثار ويصطلون النَّار وأحسبك تسرف فِي أَخذ الْأَشْرِبَة الحارة والأطعمة الْكَثِيرَة الْمسك فَقَالَ لَهُ المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ: لَا وَالله مَا أفعل هَذَا وَلَا آكل طَعَاما فِيهِ مسك.
стр. 26
وَلَا يطْرَح لي فِي شَيْء إِلَّا يسير يكون فِي الخشكنانج وَرُبمَا أكلت فِي الْأَيَّام وَاحِدَة مِنْهَا فَقَالَ لَهُ عَليّ بن عِيسَى: فَانِي اطلق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي كل شهر فِي جملَة نفقات المطبخ لثمن الْمسك نَحْو ثلثمِائة دِينَار وانقضى كَلَامهمَا ونهض المقتدر بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ وَخرج عَليّ بن عِيسَى فَلَمَّا صَار فِي الصحن وقف المقتدر بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ وَأمر برده فَعَاد وَقَالَ لَهُ: أَظُنك تَنْصَرِف السَّاعَة وتفتح نظرك باحضار الْمُتَوَلِي للمطبخ وتواقفه على مَا جرى بَيْننَا فِي معنى الْمسك وتسقطه قَالَ: كَذَاك هُوَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَضَحِك وَقَالَ: أحب ان لَا تفعل فَلَعَلَّ هَذِه الدَّنَانِير تَنْصَرِف فِي أقوات ونفقات قوم لَا أُرِيد قطعهَا عَنْهُم فَقَالَ لَهُ: السّمع وَالطَّاعَة.
فَأَما ارْتِفَاع الممالك كَانَت فِي أَيَّام الرشيد صلوَات الله عَلَيْهِ فَذكر الريان بن الصَّلْت ان أَبَا الْوَزير ابْن هانىء الْمروزِي الْكَاتِب وَكَانَ عَليّ ديوَان الْخراج قَالَ: ان يحيى بن خَالِد بن برمك أمره بِأَن يخرج وظائف الْآفَاق فِي سنة تسع وَسبعين وَمِائَة فَكَانَت جملَة ذَلِك على تَفْصِيل فَصله بالورق:
стр. 27
ثلثمِائة ألف ألف وَثَمَانِية وَثَلَاثِينَ ألف ألف وَتِسْعمِائَة ألف وَعشرَة آلَاف دِرْهَم
وبالعين: خَمْسَة آلَاف ألف وَثَمَانمِائَة ألف ونيف وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار.
واحترقت الدَّوَاوِين فِي فتْنَة الْأمين وَسنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وَكَانَ مَا ارْتَفع من طساسيج السوَاد وعدة بلدان وكور الْمشرق وَالْمغْرب لسنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة على مَا وجد فِي الدِّيوَان المستأنف وَمَا اشْتَمَلت جملَته على تسعير الْغلَّة ورد الْعين إِلَى الْوَرق بالورق:
أَرْبَعمِائَة ألف ألف وَسِتَّة عشر ألف ألف وَتِسْعمِائَة ألف وأثنين وَعشْرين ألف دِرْهَم.
وَحدث إِسْمَاعِيل بن صبيح. قَالَ: سَأَلَني الرشيد يَوْمًا عَن مبلغ مَا لَهُ فَقلت: ثَمَانمِائَة ألف ألف وَثَلَاثَة وَسَبْعُونَ ألف ألف دِرْهَم. فَقَالَ: أحب ان تبلغ بنورا والبنور ألف ألف ألف. فَقلت: لَا أَرَانِي الله ذَلِك وَلَا كَانَ فَضَحِك ثمَّ قَالَ: كَأَنَّك تذْهب إِلَى أَن الانسان إِذا أعطي أمْنِيته أَتَتْهُ منيته.
قلت: مَا خطر لي هَذَا ببال لكنني احب ان يكون أَمِير الْمُؤمنِينَ
стр. 28
أبدا فِي زِيَادَة من المَال وَالدُّنْيَا. قَالَ: فكم كَانَ مَال أبي يُرِيد الْمَنْصُور صلوَات الله عَلَيْهِ قلت مَالك أَكثر مِنْهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
وَحدث عَليّ بن عِيسَى وَعلي المستولين وَأَصْحَاب الإطراف المتغلبين فَإِن الناظرين فِي أَيَّام الراضي بِاللَّه رضوَان الله عَلَيْهِ اجْتَمعُوا على ان قدرُوا وقرروا النَّفَقَة فِي كل يَوْم على الْحَذف والاقتصار وَالتَّخْفِيف والاقتصاد: ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وأفردوا لَهُ من السوَاد وواسط وَالْبَصْرَة ومصر وَالشَّام من عُيُون الضّيَاع مَجْمُوع ذَاك لسنة فَكَانَت تغل أَكثر مِنْهُ. وَبَقِي الْأَمر على هَذَا التَّرْتِيب إِلَى أَيَّام الْمُطِيع صلوَات الله عَلَيْهِ حَتَّى انْتَشَر النظام وَوَقع التغلب على مصر وَالشَّام وَخرجت الْيَد عَن أَكثر ذَاك وعَلى هَذِه الْحَال فَحَدثني عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن حَاجِب النُّعْمَان ان قدر مَا كَانَ يرْتَفع للمطيع رحمت الله عَلَيْهِ ثلثمِائة ألف دِينَار وللطائع قريب من ذَاك.
стр. 29
آدَاب الْخدمَة
إِذا دخل الدَّاخِل إِلَى حَضْرَة الْخَلِيفَة من أَمِير أَو وَزِير أَو ذِي قدر كَبِير فَلم يكن من الْعَادة الْقَدِيمَة ان يقبل الأَرْض لكنه إِذا دخل وَرَأى الْخَلِيفَة قَالَ: السَّلَام عَلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ ورحمت الله وَبَرَكَاته بكاف الْمُخَاطب فَإِنَّهُ أشفى وأبلغ وَأولى وأوقع. وَمَتى سلم بِالْكِنَايَةِ جَازَ ان يكني فِي قَوْله فَمن هَا هُنَا وَجَبت الْكَاف وَرُبمَا تقدم الْوَزير أَو الْأَمِير فَأعْطَاهُ الْخَلِيفَة يَده مغشاة بكمه إِكْرَاما لَهُ بتقبيلها واختصاصا بِهَذِهِ الْحَال الْكَبِير محلهَا. وَالْعلَّة فِي ان يغشيها بكمه لِئَلَّا يُبَاشِرهَا فَم أَو شفة وَقد عدل عَن ذَاك إِلَى تَقْبِيل الأَرْض واشترك الْيَوْم فِيهِ كل النَّاس فَأَما وُلَاة العهود من أَوْلَاد الْخُلَفَاء والأهل من بني هَاشم والقضاة وَالْفُقَهَاء والزهاد والقراء فَمَا كَانُوا يقبلُونَ يدا وَلَا أَرضًا لكِنهمْ يقتصرون على السَّلَام كَمَا ذكرنَا وَرُبمَا خطب قوم مِنْهُم بثناء وَدُعَاء وَقد اختلطوا الْآن بالطائفة الَّتِي تقبل الأَرْض إِلَّا الْأَقَل مِمَّن أَقَامَ على التورع من هَذَا الْفِعْل وَأما أوساط الْجند وَمن
стр. 30
دونهم وعوام النَّاس وَمن لَا رُتْبَة لَهُ مِنْهُم فمنكر مِنْهُم تَقْبِيل الأَرْض لِأَن مَنْزِلَتهمْ تقصر عَن ذَاك وَمن أولى الْأَفْعَال بالوزراء وَمن هُوَ فِي طبقتهم ان يدْخل إِلَى حَضْرَة الْخَلِيفَة نظيفا فِي بزته وهيئته وقوراً فِي خطْوَة ومشيته متبخراً بالبخور الَّذِي تفوح روائحه مِنْهُ وينفح طيبه من أردانه وأعطافه وَأَن يتَجَنَّب مِنْهُ مَا يعلم أَن السُّلْطَان يكرههُ ويأبى شمه كَمَا لحق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي مَعَ المعتصم بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِمَا فَإِن إِبْرَاهِيم كَانَ يكثر اسْتِعْمَال الغالية ويتغلف مِنْهَا فِي كل يَوْم بِمِقْدَار أُوقِيَّة فِي رَأسه ولحيته ويسرح شعره فتختبىء فِي أثيابه وَبَين طاقاته وَكَانَ المعتصم يجتوي رائحتها وَلَا يَسْتَطِيع الصَّبْر عَلَيْهَا ويقاسي من اجلاسه إِلَى جَانِبه مَا يتكلفه وَلَا يبوح بِهِ فَلَمَّا زَاد ذَلِك عَلَيْهِ أَجْلِس عَليّ بن الْمَأْمُون فِيمَا بَينه وَبَينه فثقل فعله على إِبْرَاهِيم وضاق صَدره بِهِ وَلم يعرف السَّبَب فِيهِ إِلَى ان جَاءَهُ مُخَارق الْمُغنِي فَأعلمهُ ان
стр. 31
وصيفا دخل على المعتصم بِاللَّه وأكب على رجله يقبلهَا فَدفعهُ وَقَالَ لَهُ: أردْت ان تتشبه بإبراهيم وَعم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الغالية وَوَاللَّه مَا احتملت ذَلِك مِنْهُ حَتَّى باعدت مَجْلِسه مني فَعرف حِينَئِذٍ الْعلَّة فِيمَا عَامله بِهِ وتمارض نَحْو شهر ثمَّ ركب وَدخل على المعتصم بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن حَالَة وَأَقْبل يجِيبه بانكسار فَقَالَ لَهُ: أَرَاك معافى فَمَا هَذَا الإنكسار قَالَ: من فعل الغالية يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا كنت أتغلف بِهِ مِنْهَا وَقد نهاني الطِّبّ الْآن عَنْهَا فَقَالَ لَهُ: اقبل قَوْلهم فلك فِي غَيرهَا من الطّيب مندوحه وَتركهَا وَرجع إِلَى منزله فِي الْجُلُوس وان يواصل السِّوَاك ويحفظ لهواته عِنْد الْمُنَاجَاة والمحاورة وَيجْعَل بَين ثِيَابه شتاء وصيفا جُبَّة فِيهَا قطن يمْنَع من ظُهُور الْعرق.
وَلَيْسَ للوزير وَلَا حَاضر فِي ذَلِك الْموقف ان يذكر شَيْئا إِلَّا مَا يسْأَل عَنهُ أَو يُورد قولا فِي أَخْبَار أَو مطالعة إِلَّا مَا اسْتَأْذن فِيهِ وسبيله ان يخْفض صَوته فِي حَدِيثه ومحاورته وَلَا يرفعهُ إِلَّا بِقدر السماع الَّذِي لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى استفهامه واستعادته وحَدثني إِبْرَاهِيم بن
стр. 32
هِلَال جدي قَالَ: دخل الْحسن بن مُحَمَّد المهلبي يَوْمًا فِي وزارته لمعز الدولة إِلَى حَضْرَة الْمُطِيع صلوَات الله عَلَيْهِ وَجرى بَينهمَا خطاب علا صَوت المهلبي فِيهِ فَغَضب الْمُطِيع وَقَالَ لَهُ: يَا كلب ترفع صَوْتك بَين يَدي وَأمر بِهِ فَأخْرج مجذوبا بِيَدِهِ ومدفوعا فِي ظَهره وَجلسَ فِي الدهليز وَقَالَ: انا خَادِم وَلم يكن مَا أنكر مني عَن عمد أَو سوء أدب وانما صوتي جهير وَكَانَ مَا كَانَ من كَلَامي على هَذَا الأَصْل وَمَتى انصرفت على هَذِه الْجُمْلَة الَّتِي لَا تخفى وَهن جاهي ووقف أَمْرِي وتنكر لي صَاحِبي وَلم يزل يسْأَل ويضرع إِلَى ان أذن لَهُ فِي الْعود إِلَى حَضْرَة الْمُطِيع صلوَات الله عَلَيْهِ وَدخل وَاعْتذر وخاطبه بِمَا سكن بِهِ مِنْهُ وسبيله ان يقل الِالْتِفَات إِلَى جانبيه وورائه والتحريك ليده أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ أَو رفع رجل للاستراحة عِنْد اعيائه وَأَن يغض طرفه عَن كل مرأى إِلَّا شخص الْخَلِيفَة وَحده ومخارج لَفظه وَألا يسَار أحدا فِي مَجْلِسه وَلَا يُشِير إِلَيْهِ بِيَدِهِ وَلَا عَيْنَيْهِ وَلَا يقْرَأ رقْعَة وَلَا كتابا يوصلان إِلَيْهِ بَين يَدَيْهِ إِلَّا مَا احْتَاجَ إِلَى قِرَاءَته عَلَيْهِ وَأذن لَهُ فِيهِ وَلَا يُخَاطب من يخاطبه فِي تعرف أَمر مِنْهُ أَو إِقَامَة حجَّة عَلَيْهِ إِلَّا بأخف الْأَلْفَاظ وَأَشد الِاسْتِيفَاء وان يَجْعَل وُقُوفه من أول مدخله وَإِلَى حِين مخرجه فِي مَوضِع رتبته من غير أَن يتجاوزه إِلَى مَا فَوْقه أَو دونه اللَّهُمَّ إِلَّا ان يَدعُوهُ الْخَلِيفَة إِلَى سر
стр. 33
يقرب مِنْهُ فِيهِ وَلَا يبرح مَا دَامَ مكلما لَهُ ومقبلا عَلَيْهِ وَلَا يُقيم إِذا فرغ مِمَّا بَينه وَبَينه وَإِذا خرج وَهُوَ يُشَاهِدهُ جعل خُرُوجه تراجعا إِلَى وَرَائه لِئَلَّا يوليه ظَهره فَإِذا غَابَ عَن طرفه استقام فِي مَشْيه وان يمْتَنع من الضحك وان جرى مَا يُوجِبهُ فان من كثر ضحكة سخفت هَيئته وَمن زَاد مرحة سَقَطت هيبته وَمن فضل كَلَامه على قدر الْحَاجة أُصِيبَت غرته وَكَثُرت عثرته وَأَن يتَجَنَّب المخاط والبصاق على الْجُمْلَة وَالْإِطْلَاق والسعال والعطاس على قدر مَا اسْتَطَاعَ وأطاق فَإِن اجل مَا يكون الْإِنْسَان فِي عين صَاحبه إِذا كَانَ شخصا صمتا وجسما صدى لَا يخرج مِنْهُ شَيْء كالبصاق والمخاط وَلَا يدْخل إِلَيْهِ شَيْء كالطعام وَالشرَاب وَمَتى استرسل فِي ذَاك مَعَ سُلْطَانه فَهبت بهجته من عينه وَقَلبه وَظَهَرت نبوته فِي طرفَة وَلَفظه فَأَما الثَّانِيَة فَتجوز مَعَ الأخوان والجلساء وَتحرم مَعَ الْأَصْحَاب والرؤساء وَأما الأولى فَتحرم مَعَ الْكل وتقبح مَعَ الْجَمِيع وَأَن يتحرز من الْحَاجة إِلَى استثبات الْخَلِيفَة فِي أَمر يَأْمُرهُ بِهِ أَو قَول يُورِدهُ عَلَيْهِ بِفضل الإصغاء والإصاخة إِلَى مَا يخاطبه بِهِ فَإِنَّهُ بَين أَلا يفهمهُ فقد استعجم عَلَيْهِ مَا يُرَاد مِنْهُ أَو يستعيده فقد كلفه من الْإِعَادَة مَا فَارق فِيهِ الْآدَاب اللائقة وَأَن يتَجَنَّب أيراد حِكَايَة تستمحل أَو لفظ يسترذل فقد قيل ان بعض وزراء الْبِلَاد الَّتِي لَا يعرف أَهلهَا النعام وصف لصَاحبه طائرا يبتلع الْجَمْر وَالْحَدِيد الَّذِي توقد عَلَيْهِ النَّار وعنى النعام فكذب
стр. 34
قَوْله واستبعد ان يكون صَادِقا فِيهِ وان الْوَزير خرج من بَين يَدَيْهِ واجما مِمَّا سَمعه مِنْهُ منكسرا بِمَا قابله بِهِ ثمَّ انفق المَال الْكثير وَغرم الْغرم الثقيل فِي طلب النعام وَحمله إِلَى ذَلِك الْبَلَد حَتَّى إِذا حملت مِنْهُ عدَّة بعد الكلفة الشَّدِيدَة مَاتَت فِي الطَّرِيق فَلم يسلم مِنْهَا إِلَّا وَاحِدَة وأحضرها الْوَزير للْملك وأحضر الْجَمْر وَالْحَدِيد حَتَّى ابتلعته فَلَمَّا رأى الْملك ذَلِك وَشَاهد سرُور الْوَزير بِهِ وبدفعه عَن نَفسه مَا دَفعه فِيهِ قَالَ لَهُ: ان جهلك عِنْدِي الْيَوْم أَكثر مِنْهُ عِنْد حكايتك مَا حكيت ودعواك مَا ادعيت لانه يَنْبَغِي للعاقل إِلَّا يحدث حَدِيثا يُنكره السَّامع وَيحْتَاج فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ إِلَى مثل مَا تكلفته من الْفِعْل وَالْغُرْم أوليس لَو مَاتَت هَذِه النعامة الْبَاقِيَة لتحَقّق عَلَيْك الْكَذِب وخسرت المَال والتعب وَلَو منعت لسَانك مَا كنت غَنِيا عَنهُ لكفيت مَا وَقعت فِيهِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي: سَأَلَ الْمَأْمُون صلوَات الله عَلَيْهِ جِبْرِيل عَن المَاء وَكم يلبث لَا يتَغَيَّر فَأعلمهُ أَن المَاء إِذا كَانَ على غَايَة الصفاء لم يتَغَيَّر قطّ فصدقت قَول جِبْرِيل وَقلت: عِنْدِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من مَاء القيسرة دساتيج مُنْذُ بضع عشْرين سنة وَمَا أَظُنهُ تغير فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ الله مَا أعجب مَا ذكرت وأنفذ رَسُولا إِلَى أُمِّي يَسْتَدْعِي مِنْهَا الدساتيج وَمن ظَنّه أَنه يعود بتكذيبي فَلَمَّا أَتَاهُ بالدساتيج وعَلى أغطيتها ذكر السّنة الَّتِي أَخذ المَاء فِيهَا من القيسرة
стр. 35
أطرق خجلا وغيظا وخلع عَليّ خلع التصنع والتجمل وَمضى على ذَاك نَحْو شَهْرَيْن واستزارني وَجرى بَين يَدَيْهِ حَدِيث الْبُسْر وَكبره وَصغر نَوَاه فَقلت: فِي بُسْتَان دَاري نخل معقلي وزنت قشرة من بسرة فَكَانَت عشرَة دَرَاهِم وَفِي نواتها أقل من دانقين فَقَالَ لي: اتَّقِ الله يَا عَم وَلَا تفضح أَمِير الْمُؤمنِينَ بَان ينْسب عَمه إِلَى الْكَذِب ثمَّ بعث من أحضرهُ من الْبُسْتَان عشر بسرات فَأول بسره وَقعت فِي يَده وَزنهَا فَصحت تِسْعَة دَرَاهِم وَفِي نواتها أقل من دانق فاستحيا وَأظْهر الْعجب من ذَاك وَحصل إِبْرَاهِيم فِي قَوْله مَا قَالَ بَين الْكَذِب لَو لم تُوجد تِلْكَ الدساتيج وَيخرج وزن البسرة مَا خرج أَو مَا كَانَ من غيظ الْمَأْمُون.
وسبيل الانسان ان يكف لِسَانه عَن غيبَة سُلْطَانه أَو الْغَيْبَة عِنْده فَإِنَّهُ بَين ان يبلغهُ مَا قَالَ فِيهِ فيحفظ عَلَيْهِ ان لم يسخطه سخطا يَدعُوهُ إِلَى بطشه بِهِ أَو يتصوره فِيمَا قَالَ عِنْده بِصُورَة من سَاءَ بمحضره أما لشر غلب على طبعه أَو حسد استكن فِي صَدره وَقَالَ الْمَأْمُون صلوَات الله عَلَيْهِ لحميد الطوسي: ان الصّديق يحول بالجفاء عدوا والعدو يحول بالصلة صديقا وأراك رطب اللِّسَان بعيوب إخوانك فَلَا تزدهم فِي أعدائك والعاقل قَلِيل الْعَيْب مَا كَانَ الْعَيْب عَارِف بِنَفسِهِ وَمَا اعتادت نَفسِي غيبَة وَلَا رِيبَة.
стр. 36
وَحدث مُفْلِح الْأسود قَالَ: كَانَ سُلَيْمَان بن الْحسن عِنْد تقلده وزارة المقتدر صلوَات الله عَلَيْهِ يكثر من ذكرعلي بن مُحَمَّد بن الْفُرَات والطعن عَلَيْهِ وأتبين من المقتدر بِاللَّه كَرَاهِيَة لما يسمعهُ مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام أعَاد سُلَيْمَان ذكر ابْن الْفُرَات والوقيعة فِيهِ فَقَالَ لَهُ المقتدر بِاللَّه:
(أقلوا عَلَيْهِم لَا أَبَا لأبيكم ... من اللوم أَو سدوا الْمَكَان الَّذِي سدوا)
قَالَ: فتأملت سُلَيْمَان وَقد امتقع لَونه وكادت الأَرْض تخيس بِهِ وَلم يعد لَهُ ذكرا من بعد.
وَأورد فِي هَذَا الْموضع خَبرا فِي الشَّرّ وَعوده على أَهله وَالْمَكْر ورجوعه على فَاعله وجدته لائقا وعجيبا فِي فنه وباعثا على الْخَيْر وان وَقع الإستقرار فِي بعض الْأَوْقَات بِهِ.
حدث مَيْمُون بن هرون بن مخلد بن أبان الْكَاتِب قَالَ: كَانَ بَين جدي مخلد وَبَين فرج بن زِيَاد الرخجي من التعادي لأجل
стр. 37
الإعمال وَولَايَة الأهواز والمجاورة بِبَغْدَاد أَمر مَشْهُور وَكَانَ فِي فرج شَرّ وغدر ونفاق ومكر وَجَرت الْحَال بَينهمَا على ذَاك أَيَّام الرشيد والأمين والمأمون رحمت الله عَلَيْهِم واحترقت الدَّوَاوِين فِي فتْنَة الْأمين وفيهَا على فرج الْأَمْوَال الجليلة وَقد احتال فِي اسْتِهْلَاك مَا تعلق بِهِ مِنْهَا بضروب التَّوَصُّل وَالْحِيلَة وَاتفقَ أَن اجْتمعَا يَوْمًا بِحَضْرَة الْمَأْمُون وأخذا فِي المناظرة والمهاترة وجدي يتَوَلَّى يَوْمئِذٍ الضّيَاع الْعَامَّة وَكَانَ إِذْ ذَاك فرج يتَوَلَّى الضّيَاع الْخَاصَّة فَاعْترضَ الْمَأْمُون إِذْ ذَاك بِأَن قَالَ لجدي انا أعلم ان جَمِيع حِسَاب فرج عنْدك وَأَنه قد احتال فِيمَا كَانَ فِي الدَّوَاوِين مِنْهُ وَمَا يقنعني مِنْك إِلَّا إحضاري كل مَا تعرفه وَعمل مشاهرة لَهُ بِمَا يلْزمه فَقَالَ لَهُ: لست أعرف من ذَلِك إِلَّا قدر مَا أتذكره وأرجع إِلَى أثبات عِنْدِي فِيهِ وأطالع أَمِير الْمُؤمنِينَ بِهِ قَالَ: افْعَل واجمع كل مَا يمكنك جمعه ويتحقق عنْدك وُجُوبه وَانْصَرف جدي إِلَى دَاره وَكَانَ عِنْده سَائِر حسابه. وأحضر كاتبين لَهُ يُقَال لَهما يُونُس بن زِيَاد وَيحيى بن رَاشد وحجب النَّاس عَنهُ وَتفرد
стр. 38
مَعَهُمَا بِإِخْرَاج مَا يُخرجهُ وَتَحْصِيل مَا يحصله واحتاجوا إِلَى من يكْتب بَين أَيْديهم فاستعانوا بِابْن حدث ليحيى بن رَاشد وَلم يَدعُوهُ ينْصَرف إِلَى منزله فِي الْيَوْم الأول وَلَا الثَّانِي وَأَقَامُوا على أَمرهم يَوْمَيْنِ وليلتين فأخرجوا على فرج مَالا جَلِيلًا وَجعل مخلد جدي يبطل كل مَا يقدر ان لَهُ حجَّة فِيهِ واشتمل مَا حققوه وصححوه على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم وَانْصَرف ابْن يحيى فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة إِلَى منزله وَكَانَ لَهُ خَال فِي جملَة فرج ينزل مَعَهم فِي دَارهم فَقَالَ لَهُ: يَا بني فيمَ أَنْتُم وَلم لم تَنْصَرِف مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ وَلم يزل يتسقطه ويستخرجه ويعده عَن فرج الصِّلَة وَالْإِحْسَان حَتَّى أقرّ لَهُ بِالْأَمر كُله وَأخْبرهُ بِمَا خرج على فرج بعد ترك مَا ترك وَإِسْقَاط مَا أسقط فبادر الرجل إِلَى فرج وحدثه بِمَا حَدثهُ بِهِ ابْن أُخْته فَقَامَتْ قِيَامَته مِنْهُ وتصور زَوَال نعْمَته بِهِ وَصَارَ فِي اللَّيْل إِلَى بَاب جدي رَاجِلا غير رَاكب وَمَعَهُ غُلَام وَاحِد فِي ظلمَة بِغَيْر شمعة فَوَجَدَهُ مغلقا ونادى بخادم كَانَ لنا يُقَال لَهُ طريف نِدَاء خفِيا يَا با فلَان انا بِالْبَابِ وَسمع الْخَادِم صَوته فَعرفهُ وَقَالَ: أَبُو الْفضل قَالَ: نعم وَأُرِيد ان أُكَلِّمك فِي سر فَلَا ترفع صَوْتك وَخرج إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: مَا لَك يَا سَيِّدي وَمَا هَذِه الصُّورَة فَقَالَ: احتل لي فِي الْوُصُول إِلَى مَوْلَاك السَّاعَة. فَقَالَ: قد صعد إِلَى السَّطْح وَحصل مَعَ الْحرم وَإِذا كَانَ ذَاك لم يمكني لقاؤه وَلَا خطابه. فَقَالَ: فتلطف توصل. فَأعْطَاهُ كيساً فِيهِ دَنَانِير وَقَالَ لَهُ هَذِه أَرْبَعمِائَة دِينَار خُذْهَا واجتهد فَحملت الْخَادِم الرَّغْبَة فِي الدَّنَانِير على ان صعد الدرجَة قَالَ طريف: فَلَمَّا قربت من مَوضِع مولَايَ تنحنحت. فَقَالَ لي وَهُوَ مذعور: مَا جَاءَ بك فِي وَقت لم تجر عَادَة مِنْك وَلم اجترأت على مَا لم يكن لَك رخصَة فِيهِ قلت: أردْت ان أذكر لَك شَيْئا هُوَ خير فَقَامَ إِلَى رَأس الدرجَة وَقَالَ لي: مَا عنْدك قلت: ان
стр. 39
فرجا على بابك وَمَعَهُ غُلَام وَاحِد بِغَيْر شمعة فَأَطْرَقَ سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه إِلَيّ وَقَالَ لي: أَعْطَاك وأرغبك فأقدمت على مَا كَانَ مِنْك اصدقني عَن أَمرك قلت: نعم، وأريته الْكيس. قَالَ: رده وَخذ مثل مَا فِيهِ من تَحت يدك وَأدْخلهُ الي الدَّار قَالَ الْخَادِم: وعدت إِلَى فرج فعرفته مَا جرى ورددت الْكيس عَلَيْهِ فساءه ذَاك وغمه وَنزل مولَايَ وَجلسَ فِي مَوْضِعه وَدخل فرج فَلَمَّا قرب مِنْهُ قَامَ إِلَيْهِ واستقبله فاستعفاه من فعله وَطرح نَفسه على حَصِير بَين يَدَيْهِ ثمَّ على الأَرْض وَبكى طَويلا وَقَالَ لَهُ: الله الله يَا بالْحسنِ فِي وَفِي نعمتي وَوَلَدي وَلَا تقتلني وتفقرني واعف لي عَن كل مَا تقدم مني فَقَالَ لَهُ: معَاذ الله ان أفعل ذَاك وَمَا الَّذِي جرى واحوجك إِلَى هَذَا القَوْل فَقَالَ: قد سَمِعت مَا أَمرك أَمِير الْمُؤمنِينَ بِهِ وَعرفت مَا كَانَ مِنْك فِي إِخْرَاج حسابي وَإِسْقَاط كل مَا كَانَت فِيهِ حجَّة لي وتحصيلك عَليّ بعد ذَلِك مَا فِيهِ هلاكي وفقري وَذَهَاب حَالي بَقِيَّة عمري فراقب الله فِي وفيمن ورائي فانك عَالم بكثرتهم وَلم يزل القَوْل مترددا بَينهمَا إِلَى ان قَالَ لَهُ جدي: أما فعلت بِي كَذَا فاحتملت وسعيت عَليّ فِي الْأَمر الْفُلَانِيّ فَصَبَرت وعرضتني للْقَتْل وَذَهَاب النِّعْمَة فِي الْوَقْت الْفُلَانِيّ وَمَا أبقيت وَحلفت لي يَمِينا بعد يَمِين وَمَا وفيت وَعدد ذَلِك شَيْئا شَيْئا وواقفه عَلَيْهِ أمرا أمرا فَقَالَ لَهُ: قد صدقت فِي كل مَا قلت وأسأت فِي كل مَا فعلت فَخذ عَليّ بِالْفَضْلِ وقابلني بالصفح وَوَاللَّه واستتم يَمِينا غموسا لَا قُمْت بعد مقَامي هَذَا مقَاما يسوءك ولأكونن كَأحد أوليائك فِي الْإِخْلَاص لَك. فأقلني العثرة وَاسْتعْمل معي الفتوة فَقَالَ لَهُ جدي: وَالله لاقابلن نعْمَة الله عِنْدِي فِيك وَفِيمَا كفانية مِنْك بِالزِّيَادَةِ فِي الْإِحْسَان إِلَيْك وَالْأَخْذ بوثائق الْحجَّة عَلَيْك على تصوري وتحققي انك لَا تنْزع عَن عادتك وَلَا ترجع عَن عداوتك وَأَن الَّذِي
стр. 40
يأتيني آنِفا من قبيحك أَكثر مِمَّا أبدته الْأَيَّام أَولا مِنْك فَقَالَ: أكون إِذن لغير رشدة وبحيث استدعي من الله الْعقُوبَة والنقمة فَقَالَ: فَمَا تشَاء قَالَ: قد علمت مَا دَار بَيْنك وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنَّك لَا تَجِد بدا من إبرائي شَيْئا فَقَالَ لَهُ: قد خرج عَلَيْك فِي عَاجل التصفح كَذَا وَكَذَا بعد إِسْقَاط كل مَا لَك فِيهِ حجَّة مَقْبُولَة أَو مدفوعة وَعَلَيْك بعده من الْبَاب الْفُلَانِيّ كَذَا وَمن الْبَاب الْفُلَانِيّ كَذَا وواقفه على وَجه وَجه وَهُوَ يَقُول هَذَا صَحِيح وانت فِيهِ منصف إِلَّا ان للاستسلام حكما وَهَذَا الْمقَام بَين يَديك حَقًا فألطف فِي ان تقرر عَليّ عشْرين ألف ألف دِرْهَم. قَالَ فان جَعلتهَا خَمْسَة عشر ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: تَأْخُذ بيَدي وتتمم مننك عِنْدِي قَالَ: فان جَعلتهَا عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم قَالَ: تسترقني وتستعبدني قَالَ: فان جَعلتهَا خَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم قَالَ: هَذَا مَا لَا يبلغهُ أملي وَلَا ينْهض بِهِ شكري قَالَ: فان أسقطت الْكل عَنْك قَالَ: لَا أقدر على مُقَابلَة هَذَا التفضل مِنْك قَالَ: فان الله قد وَضعه عَنْك قَالَ فَكيف تفعل مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا عَلَيْك وكل مَا لزمك بعد وقتي هَذَا فَهُوَ عَليّ دُونك وَلست أدعك تَنْصَرِف بعد ان جِئْت على هَذِه الصُّورَة وسلكت فِيمَا بَيْننَا سَبِيل الاستصفاح والاستقالة أَو أخرق حِسَابك بَين يَديك وأحلف لَك انني لَا اُسْتُبْقِيَ مِنْهُ سحاة وَاحِدَة ودعا الْحساب فأحرقه وَأظْهر فرج من السرُور مَا لم تقله الأَرْض مَعَه وَأورد من الشُّكْر مَا استغرق فِيهِ طوقه ووسعه ثمَّ قَالَ لَهُ جدي: قد شهد الله مَا عاملتك بِهِ وَهُوَ الْمُسلم مِنْك والمجازي لكل منا على قدر نِيَّته وَوَاللَّه لَا تركت غَايَة فِي النكث والغدر وركوب الشَّرّ وَالْبَغي إِلَّا بلغتهَا فَبكى فرج وَقَالَ: أكون إِذن ولد زنا وَجعل يحلف ويتألى على الْإِخْلَاص والصفاء
следующие страницы →