Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقِيلَ: أَيْ أَحْضِرْ قَلْبَكَ وَانْوِ وَكَبِّرْ فَأَقِمِ الصَّلَاةَ أَوْ أَحْضِرْ قَلْبَكَ وَاسْتَقِمْ، (فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ) : سَوَاءٌ كَانَ أُمَّ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرَهَا (فَاقْرَأْ) ، أَيْ: مَا تَيَسَّرَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَاقْرَأْ أَيْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ إِنْ حَفِظْتَهَا، وَإِلَّا فَسَبْعِ آيَاتٍ بَدَلَهَا بِقَدْرِ حُرُوفِهَا مُتَفَرِّقَةً كَانَتْ أَوْ مُتَوَالِيَةً، ثُمَّ أَغْرَبَ وَقَالَ: وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ: " «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا " وَقَالَ: وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا» اهـ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ بِظَاهِرِهِ فَتَأَمَّلْ، (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ قُرْآنٌ (فَاحْمَدِ اللَّهَ) ، أَيْ: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ (وَكَبِّرْهُ) : أَيْ قُلْ (اللَّهُ أَكْبَرُ) (وَهَلِّلْهُ) ، أَيْ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ هَذَا الْمَبْحَثِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَئِمَّتُنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ يَلْزَمُهُ الذِّكْرُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الذِّكْرِ بِقَدْرِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ؟ وَالْأَصَحُّ نَعَمْ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِيَكُونَ كُلُّ نَوْعٍ مَكَانَ آيَةٍ، وَقَالَ جَمْعٌ: لَا لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ كَالنَّصِّ فِي عَدَمِ وُجُوبِ سَبْعَةِ أَنْوَاعٍ؛ وَيُرَدُّ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وُجُوبُ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أُولَئِكَ فَالْحَدِيثُ إِذَا لَيْسَ فِيهِ تَمَسُّكٌ لِإِحْدَى الْمَقَالَتَيْنِ اهـ.
وَهُوَ تَقْرِيرٌ عَجِيبٌ وَتَحْرِيرٌ غَرِيبٌ، مُشْتَمِلٌ عَلَى تَدَافُعٍ وَتَنَاقُضٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ - لَكِنْ بَيَّنَ النَّوَوِيُّ ضَعْفَهُ - «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُ مِنْهُ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» "، وَهَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ، بَلْ سَبْعَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الْبَسْمَلَةَ، فَهُوَ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ دَلِيلٌ لِلرَّاجِحِ الْمَذْكُورِ قُلْتُ: وَبِتَقْدِيرِ وُجُودِ السَّادِسِ أَيْضًا، (ثُمَّ ارْكَعْ) .
стр. 1262
٨٠٥ - وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهُّدٌ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَتَخَشُّعٌ وَتَضَرُّعٌ وَتَمَسْكُنٌ، ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ - يَقُولُ: تَرْفَعُهُمَا - إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ، وَتَقُولُ يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَهُوَ خِدَاجٌ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٨٠٥ - (وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى) : قِيلَ: الصَّلَاةُ مُبْتَدَأٌ، وَمَثْنَى مَثْنَى خَبَرُهُ، وَالْأَوَّلُ تَكْرِيرٌ، وَالثَّانِي تَوْكِيدٌ وَقَوْلُهُ: (تَشَهُّدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) : خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَالْبَيَانِ لِمَثْنَى مَثْنَى أَيْ: ذَاتُ تَشَهُّدٍ، وَكَذَا الْمَعْطُوفَاتِ، وَلَوْ جُعِلَتْ أَوَامِرَ اخْتَلَّ النَّظْمُ، وَذَهَبَ الطَّرَاوَةُ وَالطَّلَاوَةُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَجَدْنَا الرِّوَايَةَ فِيهِنَّ بِالتَّنْوِينِ لَا غَيْرُ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالرِّوَايَةِ يَسْرُدُونَهَا عَلَى الْأَمْرِ، وَنَرَاهَا تَصْحِيفًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا فِي النَّوَافِلِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، إِذِ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا اهـ، وَصَاحِبَاهُ مَعَهُ فِي النَّهَارِ، وَمَعَ الشَّافِعِيِّ فِي اللَّيْلِ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثُ أَنَّ أَقَلَّ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ، فَيُفِيدُ نَهْيَ الْبُتَيْرَاءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَتَشَهُّدٌ بَعْدَهُمَا وَاجِبٌ، وَلَا مَنْعَ لِلزِّيَادَةِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى سَلَامٍ بَعْدَهُمَا لِيَصْلُحَ مَوْضِعًا لِلْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَإِبْقَاءُ الْجِنْسِ عَلَى أَصْلِهِ أَوْلَى مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالنَّافِلَةِ الْمُوهِمِ أَنْ تَكُونَ الْأَوْصَافُ الْآتِيَةُ مِنْ مُخْتَصَّاتِهَا، (وَتَخَشُّعٌ) : التَّخَشُّعُ: السُّكُونُ وَالتَّذَلُّلُ، وَقِيلَ الْخُشُوعُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الْخُضُوعِ إِلَّا أَنَّ الْخُضُوعَ فِي الْبَدَنِ، وَالْخُشُوعَ فِي الْبَصَرِ وَالْبَدَنِ وَالصَّوْتِ، وَقِيلَ: الْخُضُوعُ فِي الظَّاهِرِ، وَالْخُشُوعُ فِي الْبَاطِنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى لِقَوْلِهِ ﵇: " «لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» "، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهُوَ أَيِ: الْخُشُوعُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ طُمَأْنِينَةُ الرَّجُلِ، بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا اهـ.
стр. 1263
وَالْخُشُوعُ مِنْ كَمَالِ الصَّلَاةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وَفِي قَوْلِهِ: " تَخَشُّعٌ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُشُوعٌ، فَيَتَكَلَّفُ وَيَطْلُبُ مِنْ نَفْسِهِ الْخُشُوعَ وَيَتَشَبَّهُ بِالْخَاشِعِينَ، (وَتَضَرُّعٌ) : أَيْ إِلَى اللَّهِ، فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: التَّضَرُّعُ التَّذَلُّلُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي السُّؤَالِ (وَتَمَسْكُنٌ) : وَهُوَ إِظْهَارُ الرَّجُلِ الْمَسْكَنَةَ مِنْ نَفْسِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ مَعْنَاهُ طَلَبُ السُّكُونِ إِلَى اللَّهِ وَأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوِ اطْمِئْنَانُهُ بِذِكْرِهِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: قَوْلُهُ: " تَمَسْكُنٌ " مِنَ الْمِسْكِينِ مِفْعِيلٍ مِنَ السُّكُونِ؛ لِأَنَّهُ يَسْكُنُ إِلَى النَّاسِ، وَزِيَادَةُ الْمِيمِ، فِي الْفِعْلِ شَاذٌّ، وَلَمْ يَرْوِهَا سِيبَوَيْهِ إِلَّا فِي هَذَا، وَفِي تَمَدْرَعَ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ تَمَسْكَنَ مِنَ السَّكِينَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ فِيهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ (ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ) : مِنْ إِقْنَاعِ الْيَدَيْنِ رَفْعُهُمَا فِي الدُّعَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] ، أَيْ: تَرْفَعُ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَدَيْكَ لِلدُّعَاءِ فَعُطِفَ عَلَى مَحْذُوفٍ، أَيْ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْهَا فَسَلِّمْ، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَيْكَ سَائِلًا حَاجَتَكَ، فَوُضِعَ الْخَبَرُ مَوْضِعَ الطَّلَبِ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ جَعَلْتَهَا أَوَامِرَ وَعَطَفْتَ أَمْرًا عَلَى أَمْرٍ، وَقَطَعْتَ تَشَهُّدٌ عَنِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى لِاخْتِلَافِ الْخَبَرِ وَالطَّلَبِ، لَكَانَ لَكَ مَنْدُوحَةٌ عَنْ هَذَا التَّقْدِيرِ، قُلْتُ: حِينَئِذٍ خَرَجَ الْكَلَامُ الْفَصِيحُ إِلَى التَّعَاظُلِ فِي التَّرْكِيبِ، وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ تَوَارُدَ الْأَفْعَالِ تَعَاظُلٌ، وَنَقَلْنَا عَنْهُ فِي التِّبْيَانِ شَوَاهِدَ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَوْلُهُ: تَعَاظُلٌ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ: تَعَظَّلُوا عَلَيْهِ اجْتَمَعُوا، وَيَوْمُ الْعُظَالَى كَحُبَارَى مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ رَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ؛ لِأَنَّهُ رَكِبَ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ دَابَّةً، (يَقُولُ) : أَيِ الرَّاوِي مَعْنَاهُ (تَرْفَعُهُمَا) ، أَيْ: لِطَلَبِ الْحَاجَةِ. وَقَوْلُهُ (إِلَى رَبِّكَ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: تُقْنِعُ، وَقِيلَ: (يَقُولُ) فَاعِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَتَرْفَعُهُمَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ (مُسْتَقْبَلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ) ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الدُّعَاءُ اسْتِعَاذَةً (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ!) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْرِيرِ التَّكْثِيرُ (وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي الصَّلَاةِ (فَهُوَ) ، أَيْ: فَعَلَ صَلَاتَهُ (كَذَا وَكَذَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ صَلَاتَهُ نَاقِصَةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ، بَيَّنَ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَعْنِي قَوْلَهُ: فَهُوَ خِدَاجٌ، (وَفِي رِوَايَةٍ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعِ بْنِ أَبِي الْعَمْيَاءِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ، كَذَا فِي التَّخْرِيجِ (فَهُوَ خِدَاجٌ) : بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: نَاقِصٌ فِي الْأَجْرِ وَالْفَضِيلَةِ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فَهُوَ ذَاتُ خِدَاجٍ، أَيْ: صَلَاتُهُ ذَاتُ خِدَاجٍ، أَوْ وَصَفَهَا بِالْمَصْدَرِ نَفْسِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا نَاقِصَةٌ، وَفِي الْفَائِقِ: الْخِدَاجُ مَصْدَرُ خَدَجَتِ الْحَامِلُ إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ وَقْتِ النِّتَاجِ فَاسْتُعِيرَ، وَالْمَعْنَى ذَاتُ نُقْصَانٍ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَصَفَهَا بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً كَقَوْلِهِ: فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدَهُ حَسَنٌ.
стр. 1264
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٨٠٦ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ «صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ » ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٨٠٦ - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى) : اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّعْلِيَةِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، يُقَالُ: إِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى قَاضِي الْمَدِينَةِ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ (قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ) : لِكَوْنِهِ إِمَامًا (وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) : لِيُعْلِمَ وَيُتَابَعَ عَلَيْهِ (حِينَ سَجَدَ) ، أَيْ: ثَانِيًا (وَحِينَ رَفَعَ) ، أَيْ: رَأَسَهُ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: حِينَ قَامَ (مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) ، أَيِ: الْأُولَيَيْنِ (وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 1265
٨٠٧ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، فَقَالَ: ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ » ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٨٠٧ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ) : قَالَ مِيرَكُ: هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا جَاءَ مُسَمًّى فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ (فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْعَدَدُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي صَلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِإِضَافَةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ) ، أَيْ: جَاهِلٌ (فَقَالَ: ثَكَلَتْكَ) ، أَيْ: فَقَدَتْكَ (أُمُّكَ) : قَدْ سَبَقَ أَنَّهَا كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، وَظَاهِرُهَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تُذْكَرُ فِي مَوْضِعِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، وَهَاهُنَا مَحْمُولٌ عَلَى هَلَاكِهِ رَدًّا لِقَوْلِهِ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، أَيْ: أَتَقُولُ فِي حَقِّ مَنِ اقْتَفَى سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ أَنَّهُ أَحْمَقُ؟ (سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ: الْخَصْلَةُ الَّتِي أَنْكَرْتَهَا مِنْهُ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ : وَقَدْ طَبَّقَ ذِكْرَ الْكُنْيَةِ هُنَا مُفَصِّلُ الْبَلَاغَةِ وَمُحَرِّرُهَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الْكُنْيَةَ إِلَى عَظِيمِ التَّسْجِيلِ عَلَى عِكْرِمَةَ، وَأَنَّ مَا حَصَلَ لِوَرَثَتِهِ ﵇ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً إِنَّمَا هُوَ لِقِسْمَتِهِ ﵇ لِخَبَرِ: " «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي» "، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 1266
٨٠٨ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، مُرْسَلًا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمْ يَزَلْ تِلْكَ صَلَاتُهُ ﷺ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى» ، رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٨٠٨ - (وَعَنْ عَلِيِّ) ، أَيْ: زَيْنِ الْعَابِدِينَ (ابْنِ الْحُسَيْنِ ﵄ مُرْسَلًا) : لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مُرْسَلًا. حَالٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا اهـ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَضْبُوطَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرْسِلًا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ حَالًا مُتَأَخِّرَةً عَنْ صَاحِبِهَا، (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ) ، أَيْ: أَرَادَ الْخَفْضَ إِلَى الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ (وَرَفَعَ) ، أَيْ: وَكُلَّمَا رَفَعَ إِلَى الْقَوْمَةِ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يُسَمِّعُ وَيَحْمَدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْخَفْضِ (فَلَمْ يَزَلْ) : بِالتَّذْكِيرِ وَقِيلَ بِالتَّأْنِيثِ (تِلْكَ) ، أَيْ: تِلْكَ الصَّلَاةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِذَلِكَ التَّكْبِيرِ (صَلَاتُهُ) : بِالرَّفْعِ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ ﷺ : قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ (لَمْ يَزَلْ) مُسْتَكِنًّا عَائِدًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ خَبَرُهَا، وَأَنْ يَكُونَ (تِلْكَ) اسْمَهَا، وَ (صَلَاتَهُ) خَبَرَهَا إِذَا رُوِيَتْ مَنْصُوبَةً، وَبِالْعَكْسِ إِذَا رُوِيَتْ مَرْفُوعَةً (حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى، رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 1267
٨٠٩ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَلَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَصَلَّى وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
ــ
٨٠٩ - (عَنْ عَلْقَمَةَ) : تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: «قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَلَا أُصَلِّيَ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَصَلَّى، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ وَفَى الْبَابِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَحَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ حَسَنٌ، وَبِهِ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ
стр. 1268
الْكُوفَةِ (وَأَبُو دُوَادَ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَّا عِنْدَ اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَفْعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ لَا يَعُودُ، (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى) : يَعْنِي: وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَى عَنْهُ ﵇ الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَالِاعْتِدَالِ، وَالْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نَسِيَ الرَّفْعَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا قِيلَ إِنَّهُ ﵁ كَانَ قَصِيرًا؛ إِذْ طُولُهُ قَدْرُ ذِرَاعٍ، وَإِنَّهُ لِكَمَالِهِ كَانَ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاةٍ، فَلَمْ يَعْلَمِ الرَّفْعَ إِلَّا عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا فِيهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَطِ اهـ.
وَقَدِ اسْتَوْعَبَ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَعَلَيْكَ بِشَرْحِهِ لِلْهِدَايَةِ إِنْ كَانَ لَكَ عِنَايَةٌ إِلَى النِّهَايَةِ.
стр. 1269
٨١٠ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٨١٠ - (وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اعْتِبَارِ الْجِهَةِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلِ اسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ (وَرَفَعَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: إِلَى حِذَاءِ أُذُنَيْهِ (قَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ "، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 1270
٨١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، وَفِي مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ رَجُلٌ، فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا فُلَانُ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ أَلَا تَرَى كَيْفَ تُصَلِّي؟ إِنَّكُمْ تُرَوْنَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا تَصْنَعُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٨١١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَفِي مُؤَخِّرِ الصُّفُوفِ رَجُلٌ، فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ يَعْنِي: أَنَّ تَأَخُّرَهُ كَانَ سَبَبًا لِإِسَاءَةِ الصَّلَاةِ؛ وَلِذَا عَنَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: إِنِّي لَأَرَى اهـ، وَفِيهِ بَحْثٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَوْلُهُ: فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ، أَيْ: أَتَى فِيهَا بِمَا يُبْطِلُهَا، كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ، وَالْفَاءُ هُنَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ لِتَزْيِينِ اللَّفْظِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَفِي مُؤَخِّرِ الصُّفُوفِ رَجُلٌ صَلَّى مَعَنَا فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ (فَلَمَّا سَلَّمَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَوِ الرَّجُلُ (نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا فُلَانُ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟) ، أَيْ: مُخَالَفَتَهُ أَوْ مُعَاقَبَتَهُ، وَهُوَ إِبْهَامٌ وَيُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ: " أَلَا تَرَى "، أَيْ: تَنْظُرُ وَتَتَأَمَّلُ (كَيْفَ تُصَلِّي؟) : بِالْخِطَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنُونِ الْمُتَكَلِّمِ (إِنَّكُمْ تُرَوْنَ) : بِضَمِّ التَّاءِ، أَيْ: تَظُنُّونَ (أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا تَصْنَعُونَ) ، أَيْ: فِي صَلَاتِكُمْ، أَوْ مُطْلَقًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ (وَاللَّهِ) : قَسَمٌ (إِنِّي لَأَرَى) ، أَيْ: أُبْصِرُ أَوْ أَعْلَمُ (مِنْ خَلْفِي) : بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِمَنِ الْمَوْصُولَةِ (كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ) : بِكَسْرِ (مِنْ) ، وَجَرِّ (بَيْنِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ مَنْ وَنَصْبِ بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي حَالِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا قُرَّةَ الْعَيْنِ
стр. 1271
بِمَا يُفَاضُ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ غَايَاتِ الْقُرْبِ، وَخَوَارِقِ التَّجَلِّيَاتِ، فَتَنْكَشِفُ لَهُ حَقَائِقُ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَيُدْرِكُ مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يُدْرِكُ مِنْ أَمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لِبَاهِرِ كَمَالِهِ لَا يَشْغَلُهُ جَمْعُهُ عَنْ فَرْقِهِ، فَهُوَ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا هُنَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﵇: " «إِنِّي لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي» " عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَارِجِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ لَهُ عَيْنَانَ بَيْنَ كَتِفِهِ كَسَمِّ الْخِيَاطِ يَرَى بِهِمَا كَمَا يَرَى بِعَيْنَيْهِ الْأَصْلِيَّتَيْنِ، مَعَ أَنَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ الْمُثْبَتَ هُنَا الرُّؤْيَةُ الْبَصَرِيَّةُ، وَالْمَنْفِيَّ ثَمَّةَ الْعِلْمُ أَيْ بِالْمُغَيَّبَاتِ، فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَفِي مَعْنَى هَذَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، " «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ إِنِّي لَأَرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» " وَفِيهِ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: " «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» " وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَوَقُّفَ الرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ عَلَى حَاسَّةٍ وَشُعَاعٍ وَمُقَابَلَةٍ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ مَحِلَّهُ فِي غَيْرِ الْمُعْجِزَةِ، وَخَالِقُ الْبَصَرِ فِي الْعَيْنِ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِهِ فِي غَيْرِهَا، قِيلَ سَبَبُ رُؤْيَتِهِ لِمَنْ وَرَاءَهُ أَنَّ صُوَرَهُمْ كَانَتْ مُنْطَبِعَةً فِي قِبْلَتِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُتَجَاسَرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ، وَقِيلَ: هِيَ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، قِيلَ: وَحْيٌ أَوْ إِلْهَامٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهَا رُؤْيَةُ مُشَاهَدَةٍ بِبَصَرٍ كَمَا مَرَّ، وَخَبَرُ ( «لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي» ) ، لَا يُنَافِي بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ إِخْبَارُهُ ﵇ بِمُغَيَّبَاتٍ لَا تُحْصَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ عَلَى الْأَصْلِ، وَهَذَا عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ بِوَحْيٍ أَوْ إِلْهَامٍ.
قُلْتُ: هَذَا مُنَاقَضَةٌ بَلْ مُضَادَّةٌ فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ «أَنَّهُ ﵇ لَمَّا ضَلَّتْ نَاقَتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِخَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، قَالَ ﵇: " وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي، وَقَدْ دَلَّنِي رَبِّي عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِخِطَامِهَا» " فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهَا كَمَا أَخْبَرَ ﷺ اهـ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مُخْتَلِفَةٌ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَرَ يَعْقُوبُ وَلَدَهُ يُوسُفَ فِي الْبِئْرِ مَعَ قُرْبِهَا إِلَى بَلَدِهِ، وَوَجَدَ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ مِنْ حِينِ فَصَلَتِ الْعِيرُ مِنْ مِصْرَ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 1272
[بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٨١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: " أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(١١)
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ.
الْأَوْلَى بَابُ مَا يُقَالُ بَعْدَهُ، لِيَشْمَلَ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّغْلِيبَ، وَالْمُرَادُ التَّكْبِيرُ الَّذِي لِلْإِحْرَامِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٨١٢ -: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُتُ) : مِنَ الْإِسْكَاتِ وَهُوَ لَازِمٌ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ مِنَ السُّكُوتِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مِنَ الْإِسْكَاتِ، قُلْتُ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النُّسَخِ وَجُمْهُورُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلْمَصْدَرِ الْآتِي، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ: تَكَلَّمَ الرَّجُلُ ثُمَّ سَكَتَ بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَإِذَا انْقَطَعَ كَلَامُهُ، قُلْتُ: أَسْكَتَ، نَقَلَهُ الْقَسْطَلَانِيُّ (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةٌ) : إِفْعَالَةٌ، السُّكُوتُ، وَلَا يُرَادُ بِهِ تَرْكُ الْكَلَامِ بَلْ تَرْكُ رَفْعِ الصَّوْتِ لِقَوْلِهِ: مَا تَقُولُ فِي إِسْكَاتِكَ؟ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: أَوِ الْمُرَادُ بِهِ السُّكُوتُ عَنِ الْقِرَاءَةِ لَا عَنِ الذِّكْرِ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، (قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، قِيلَ: هُوَ اسْمٌ فَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ مَرْفُوعًا تَقْدِيرُهُ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي وَأُمِّي، وَقِيلَ: هُوَ فِعْلٌ أَيْ فَدَيْتُكَ وَمَا بَعْدَهُ مَنْصُوبٌ، وَحُذِفَ هَذَا الْمُقَدَّرُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَعِلْمِ الْمُخَاطَبِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، (إِسْكَاتَكَ) :
стр. 1273
بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ، وَ (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَيْنَ هَذَا زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى مُتَعَدِّدٍ (مَا تَقُولُ؟) ، أَيْ: فِي وَقْتِ سُكُوتِكَ مِنَ الْجَهْرِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: أَسْأَلُكَ إِسْكَاتَكَ مَا تَقُولُ فِيهِ، أَوْ فِي إِسْكَاتِكَ مَا تَقُولُ؟ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ بِالرَّفْعِ فِي رِوَايَتِنَا عَلَى الِابْتِدَاءِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَضَمِّ السِّينِ (قَالَ " أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) : أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُغَالَبَةِ فَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَقِيلَ بِكَ تُفِيدُ الْبُعْدَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، وَبَاعِدْ بَيْنَ خَطَايَايَ وَبَيْنِي، وَالْخَطَايَا إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا اللَّاحِقَةُ، فَمَعْنَاهُ إِذَا قُدِّرَ لِي ذَنْبٌ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَالْمَقْصُودُ مَا سَيَأْتِي، أَوِ السَّابِقَةُ فَمَعْنَاهُ الْمَحْوُ وَالْغُفْرَانُ لِمَا حَصَلَ لِي مِنْهَا، وَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُبَاعَدَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْتِقَاءَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مُسْتَحِيلٌ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَبْقَى لَهَا مِنْهُ اقْتِرَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَرَّرَ لَفْظَ بَيْنَ هُنَا، وَلَمْ يُكَرِّرْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ يُعَادُ فِيهِ الْجَارُّ، بِهَذَا قَالَهُ مِيرَكُ، (اللَّهُمَّ نَقِّنِي) ، أَيْ: طَهِّرْنِي (مِنَ الْخَطَايَا) ، أَيِ: الَّتِي تُدَنِّسُ الْقُلُوبَ وَتُسَوِّدُهَا (كَمَا يُنَقَّى) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) ، أَيِ: الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ، وَفِي تَقْيِيدِ الثَّوْبِ بِالْأَبْيَضِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ) : بِالسُّكُونِ (وَالْبَرَدِ) : بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَكَرَ أَنْوَاعَ الْمُطَهِّرَاتِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حُصُولُ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ إِلَّا بِأَحَدِهَا تِبْيَانًا لِأَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ الَّتِي لَا مَخْلَصَ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَّا بِهَا، أَيْ: طَهِّرْنِي مِنَ الْخَطَايَا بِأَنْوَاعِ مَغْفِرَتِكَ الَّتِي هِيَ فِي تَمْحِيصِ الذُّنُوبِ بِمَثَابَةِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي إِزَالَةِ الْأَرْجَاسِ، وَالْأَوْزَارِ، وَرَفْعِ الْجَنَابَةِ، وَالْأَحْدَاثِ، قِيلَ: خَصَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَاءَانِ مَقْطُورَانِ عَلَى خِلْقَتِهِمَا لَمْ يُسْتَعْمَلَا، وَلَمْ تَنَلْهُمَا الْأَيْدِي، وَلَمْ تَخُضْهُمَا الْأَرْجُلُ، كَسَائِرِ الْمِيَاهِ الَّتِي خَالَطَتِ التُّرَابَ، وَجَرَتْ فِي الْأَنْهَارِ، وَجُمِعَتْ فِي الْحِيَاضِ، فَهُمَا أَحَقُّ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: الْغُسْلُ الْمُبَالَغُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ فَلِمَ ذَكَرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: مَعْنَاهُ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ، وَذَكَرَهَا مُبَالَغَةً فِي التَّطْهِيرِ، لَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أَمْثَالٌ وَلَمْ يُرِدْ أَعْيَانَ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا التَّأْكِيدَ فِي التَّطْهِيرِ وَالْمُبَالَغَةَ فِي مَحْوِهَا عَنْهُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عَبَّرَ بِهَا عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَةٍ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَجَازٌ عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ الْمَحْوُ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَطْلُوبُ مِنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَاءِ لِطَلَبِ شُمُولِ الرَّحْمَةِ، وَأَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْعَفْوِ لِإِطْفَاءِ حَرَارَةِ عَذَابِ النَّارِ الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ، أَيْ: رَحِمَهُ وَوَقَاهُ عَذَابَ النَّارِ، قَالَ مِيرَكُ: وَأَقُولُ: الْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ نَارِ جَهَنَّمَ، فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ تَأْكِيدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلَاثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ، فَالْمُبَاعَدَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَالْغَسْلُ لِلْمَاضِي، وَالتَّنْقِيَةُ لِلْحَالِ، وَكَانَ تَقْدِيمُ الْمُسْتَقْبَلِ لِلِاهْتِمَامِ بِدَفْعِ مَا سَيَأْتِي قَبْلَ دَفْعِ مَا حَصَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمُبَاعَدَةُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا وَالتَّنْقِيَةُ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَالْغَسْلُ فِيمَا وَقَعَ مُطْلَقًا، وَتَعَدُّدُ آلَةِ الْغَسْلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذُّنُوبِ وَمَرَاتِبِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا كُلُّهُ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ، أَوْ دُعَاءٌ لَهُمْ، أَوْ بِاعْتِبَارِ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتِ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1274
٨١٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ - وَفِي رِوَايَةً: كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ - كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أَمَرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي "، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ " وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصُوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ: " «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، وَلَا مَنْجَى مِنْكَ وَلَا مَلْجَأَ إِلَّا إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ» .
ــ
٨١٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) : قِيلَ أَيِ النَّافِلَةِ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: " إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا " الْآتِيَةِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ كَانَ إِذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ الْفَرِيضَةَ، إِطْلَاقُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِذَا أَجَابَ الْبَعْضُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ، (وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: " وَجَّهْتُ) : وَفِي حَذْفِ إِنِّي إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِرَاءَةَ (وَجْهِي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ تَوَجَّهْتُ بِالْعِبَادَةِ بِمَعْنَى أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي لِلَّهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: صَرَفْتُ وَجْهِي وَعَمَلِي وَنِيَّتِي، أَوْ أَخْلَصْتُ قَصْدِي وَوُجْهَتِي، وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْحُضُورِ وَالْإِخْلَاصِ، وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا، وَأَقْبَحُ الْكَذِبِ مَا يَكُونُ وَالْإِنْسَانُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) : أَيْ إِلَى الَّذِي خَلَقَهُمَا وَعَمِلَهُمَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَأَعْرَضْتُ عَمَّا سِوَاهُ، فَإِنَّ مَنْ أَوْجَدَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ الَّتِي هِيَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْإِبْدَاعِ وَالْإِتْقَانِ حَقِيقٌ بِأَنْ تَتَوَجَّهَ الْوُجُوهُ إِلَيْهِ، وَأَنْ تُعَوِّلَ الْقُلُوبُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهَا عَلَيْهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا دَوَامَ رِضَاهُ وَخَيْرَهُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ السَّمَاوَاتِ لِسَعَتِهَا، أَوْ لِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِهَا، أَوْ لِتَقَدُّمِ وَجُودِهَا، أَوْ لِشَرَفِ جِهَتِهَا، أَوْ لِفَضِيلَةِ جُمْلَةِ سُكَّانِهَا، أَوْ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَإِلَّا فَالْأَرْضُ سَبْعٌ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وَلِمَا وَرَدَ: وَرَبُّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ (حَنِيفًا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ وَجَّهْتُ، أَيْ: مَائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ ثَابِتًا عَلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ غَلَبَ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَقِيلَ هُوَ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَقِيمُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَائِلًا عَنِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَالْآرَاءِ الزَّائِغَةِ مِنَ الْحَنَفِ، وَهُوَ الْمَيْلُ يَعْنِي أَصْلُهُ الْمَيْلُ الْمُطْلَقُ، ثُمَّ نُقِلَ فِي الْعُرْفِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ، عَكْسُ الْإِلْحَادِ، فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ لِمُطْلَقِ الْمَيْلِ، وَمِنْهُ اللَّحْدُ، وَفِي الْعُرْفِ الْمَيْلُ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، أَوْ مَائِلًا عَنْ كُلِّ جِهَةٍ وَقَصْدٍ إِلَى الْحُضُورِ وَالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَةِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَتِهِ مُسْلِمًا بَعْدَ حَنِيفًا، أَيْ: مُنْقَادًا مُطِيعًا لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) : فِيهِ تَأْكِيدٌ وَتَعْرِيضٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ تَأْسِيسٌ بِجَعْلِ النَّفْيِ عَائِدًا إِلَى سَائِرِ الشِّرْكِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ، لَكِنْ لَا يَسُوغُ هَذَا إِلَّا لِلْخَوَاصِّ فِي بَعْضِ الْمُنَازَلَاتِ (إِنَّ صَلَاتِي) ، أَيْ: عِبَادَتِي وَصَلَاتِي، وَفِيهِ شَائِبَةُ تَعْلِيلٍ لِمَا قَبْلَهُ (وَنُسُكِي) ، أَيْ: دِينِي، وَقِيلَ: عِبَادَتِي، أَوْ تَقَرُّبِي، أَوْ حَجِّي، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] (وَمَحْيَايَ) : بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ، أَيْ: حَيَاتِي (وَمَمَاتِي) : بِالسُّكُونِ وَالْفَتْحِ، أَيْ: مُوتِي (لِلَّهِ) ، أَيْ: هُوَ خَالِقُهُمَا وَمُقَدِّرُهُمَا، وَقِيلَ: طَاعَاتِ الْحَيَاةِ وَالْخَيْرَاتِ الْمُضَافَةَ إِلَى الْمَمَاتِ كَالْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ أَوْ حَيَاتِي وَمَوْتِي لِلَّهِ لَا تَصَرُّفَ لِغَيْرِهِ فِيهِمَا، أَوْ مَا أَنَا عَلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ فِي حَيَاتِي، وَمَا أَمُوتُ خَالِصَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ أَوْ إِرَادَتِي مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ خَالِصَةٌ لِذِكْرِهِ وَحُضُورِهِ وَقُرْبِهِ، وَلِلرِّضَا بِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوْ جَمِيعَ أَحْوَالِي حَيَاتِي وَمَمَاتِي وَمَا بَعْدَهُ لِلَّهِ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، أَيْ: مَالِكِهِمْ وَمُرَبِّيهِمْ وَهُمْ مَا سِوَى اللَّهِ عَلَى الْأَصَحِّ (لَا شَرِيكَ لَهُ) : فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ (وَبِذَلِكَ) ، أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ الْكَامِلِ وَالشَّامِلِ لِلْإِخْلَاصِ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا (أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، أَيِ: الْمُنْقَادِينَ وَالْمُطِيعِينَ لِلَّهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَيَأْتِي رِوَايَةُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ﷺ يَقُولُ تِلْكَ تَارَةً وَهَذِهِ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مُسْلِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ جَاءَ أَنَّ النُّورَ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ سَبَقَ إِيجَادُهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ وَالسُّنَةُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ الْأُولَى لَا غَيْرُ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْآيَةَ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ لِحَمْلِهِ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوْ إِرَادَةِ الْأَشْخَاصِ (اللَّهُمَّ) ، أَيْ: يَا اللَّهُ، وَالْمِيمُ
стр. 1275
بَدَلٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ؛ وَلِذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ (أَنْتَ الْمَلِكُ) : لَا مُلْكَ وَلَا مِلْكَ لِغَيْرِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) ، أَيْ: أَنْتَ الْمُنْفَرِدُ بِالْأُلُوهِيَّةِ (أَنْتَ رَبِّي) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَقَالَ مِيرَكُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْمُلْكِ لَهُ كَذَلِكَ فِي أَنْتَ الْمَلِكُ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْخَبَرِ بِاللَّامِ تَرَقِّيًا مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى طِبْقَ قَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢ - ٣] ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ الرُّبُوبِيَّةَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ رَبِّي لِتَخْصِيصِ الصِّفَةِ وَتَقْيِيدِهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ وَإِخْرَاجِهَا عَنِ الْإِطْلَاقِ (وَأَنَا عَبْدُكَ) : اعْتِرَافٌ لَهُ تَعَالَى بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلِنَفْسِهِ، بِالْعُبُودِيَّةِ (ظَلَمْتُ نَفْسِي) ، أَيْ: بِالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أَوْ بِوَضْعِ مَحَبَّةِ الْغَيْرِ فِي قَلْبِي (وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي) : أَيْ بِعَمَلِي خِلَافَ الْأَوْلَى أَوْ بِوُجُودِي الَّذِي مَنْشَأُ ذَنْبِي، كَمَا قِيلَ: وَجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبٌ (فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي) ، أَيْ: تَقْصِيرَاتِي (جَمِيعًا إِنَّهُ) : بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) ، أَيْ: جَمِيعَهَا (إِلَّا أَنْتَ) : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفَّارُ الْغَفُورُ (وَاهْدِنِي) ، أَيْ: دُلَّنِي وَوَفِّقْنِي وَثَبِّتْنِي وَأَوْصِلْنِي (لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ) : فِي عِبَادَتِكَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْهَادِي الْمُطْلَقُ وَعَجْزُ الْخَلْقِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ (وَاصْرِفْ عَنِّي) ، أَيْ: أَبْعِدْنِي وَامْنَعْنِي وَاحْفَظْنِي (سَيِّئَهَا) : أَيْ: سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ (لَا يَصْرِفُ عَنِّي) : لَا عَنْ غَيْرِي (سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ) : فَإِنَّ غَيْرَكَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى شَيْءٍ (لَبَّيْكَ) ، أَيْ: أَدُومُ عَلَى طَاعَتِكَ دَوَامًا بَعْدَ دَوَامٍ، وَقِيلَ أُقِيمُ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ، مِنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اتِّجَاهِي إِلَيْكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: دَارِي تُلِبُّ دَارَكَ، أَيْ: تُوَاجِهُهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُثَنًّى مِنْ لَبَّ أَوْ أَلَبَّ بَعْدَ حَذْفِ الزَّوَائِدِ، مُضَافٌ إِلَى الْمُخَاطَبِ وَحُذِفَ النُّونُ بِالْإِضَافَةِ، وَأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] ، أَيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ (وَسَعْدَيْكَ) ، أَيْ: سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ يَا رَبِّ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ، وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُسَارَعَةُ، أَوْ أَسْعَدُ بِإِقَامَتِي عَلَى طَاعَتِكَ وَإِجَابَتِي لِدَعْوَتِكَ سَعَادَةً بَعْدَ سَعَادَةٍ (وَالْخَيْرُ كُلُّهُ) ، اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا (لَيْسَ إِلَيْكَ) ، أَيْ: فِي تَصَرُّفِكَ، وَقِيلَ: هُمَا كِنَايَةٌ عَنْ سَعَةِ طُولِهِ وَكَثْرَةِ فَضْلِهِ، أَوْ عَنْ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ شَيْءٌ إِلَّا عَنْهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ: الْكُلُّ عِنْدَكَ كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْثُوقُ بِهِ الْمَقْبُوضُ عَلَيْهِ يَجْرِي بِقَضَائِكَ لَا يُدْرَكُ مِنْ غَيْرِكَ مَا لَمْ تَسْبِقْ بِهِ كَلِمَتُكَ (وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) ، أَيْ: لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ، أَوْ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ، بَلْ إِلَى مَا اقْتَرَفَتْهُ أَيْدِي النَّاسِ مِنَ الْمَعَاصِي، أَوْ لَيْسَ إِلَيْكَ قَضَاؤُهُ فَإِنَّكَ لَا تَقْضِي الشَّرَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ شَرٌّ، بَلْ لِمَا يَصْحَبُهُ مِنَ الْفَوَائِدِ الرَّاجِحَةِ، فَالْمَقْضِيُّ بِالذَّاتِ هُوَ الْخَيْرُ، وَالشَّرُّ دَاخِلٌ فِي الْقَضَاءِ بِالْعَرَضِ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرَّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ، وَقِيلَ: الشَّرُّ لَا يَصْعَدُ إِلَيْكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وَقِيلَ: الشَّرُّ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ بِحُسْنِ التَّأَدُّبِ؛ وَلِذَا لَا
стр. 1276
يُقَالُ: يَا خَالِقَ الْخَنَازِيرِ وَإِنْ خَلَقَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ مُضِيفًا الْمَرَضَ إِلَى نَفْسِهِ وَالشِّفَاءَ إِلَى رَبِّهِ، وَالْخَضِرُ أَضَافَ إِرَادَةَ الْغَيْبِ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الرَّحْمَةِ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا، وَفِي هَذَا إِرْشَادٌ إِلَى تَعْلِيمِ الْأَدَبِ كَذَا قَالُوا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَمَسَّكَ الْمُعْتَزِلَةُ بِهِ فِي نِسْبَةِ الشَّرِّ لِلْعَبْدِ لِتَقْدِيرِهِمْ مُتَعَلِّقَ الْجَارِ مَنْسُوبًا وَهُوَ تَحَكُّمٌ؛ إِذْ هُوَ كَمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ تَقْدِيرَهُ مُقَرَّبًا أَوْ مُضَافًا أَوْ صَاعِدًا أَوْ مَنْسُوبًا، وَالْمُرَادُ غَيْرُ مَا فَهِمُوهُ، أَيْ: لَيْسَ الشَّرُّ مَنْسُوبًا إِلَيْكَ عَلَى انْفِرَادِهِ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْأَدَبِ أَنْ لَا تُضَافَ الْمُحَقَّرَاتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْتِقْلَالًا بَلْ تَبَعًا (أَنَا بِكَ) : أَيْ أَعُوذُ وَأَعْتَمِدُ وَأَلُوذُ وَأَقُومُ بِكَ (وَإِلَيْكَ) : أَتَوَجَّهُ وَأَلْتَجِئُ وَأَرْجِعُ وَأَنُوبُ أَوْ بِكَ وَحَّدْتُ وَإِلَيْكَ انْتَهَى أَمْرِي، فَأَنْتَ الْمَبْدَأُ وَالْمُنْتَهَى، وَقِيلَ: أَسْتَعِينُ بِكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ، وَقِيلَ: أَنَا مُوقِنٌ بِكَ وَبِتَوْفِيقِكَ عَلِمْتُ، وَالْتِجَائِي وَانْتِمَائِي إِلَيْكَ، أَوْ بِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، أَوْ أَنَا بِكَ إِيجَادًا وَتَوْفِيقًا وَعَلَيْكَ أَلْتَجِئُ وَأَعْتَصِمُ (تَبَارَكْتَ) ، أَيْ: تَعَظَّمْتَ وَتَمَجَّدْتَ أَوْ جِئْتَ بِالْبَرَكَةِ أَوْ تَكَاثَرَ خَيْرُكَ وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ لِلدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ (وَتَعَالَيْتَ) : عَمَّا أَوْهَمَهُ الْأَوْهَامُ وَيَتَصَوَّرُ عُقُولُ الْأَنَامِ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَهُ مِيرَكُ، وَكَذَا ابْنُ حَجَرٍ (أَسْتَغْفِرُكَ) ، أَيْ: أَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ لِمَا مَضَى (وَأَتُوبُ) ، أَيْ: أَرْجِعُ عَنْ فِعْلِ الذَّنْبِ فِيمَا بَقِيَ مُتَوَجِّهًا (إِلَيْكَ) : بِالتَّوْفِيقِ وَالثَّبَاتِ إِلَى الْمَمَاتِ.
(وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ) : وَفِي تَقَدُّمِ الْجَارِّ إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْصِيصِ (وَلَكَ أَسْلَمْتُ) ، أَيْ: لَكَ ذَلَلْتُ وَانْقَدْتُ، أَوْ لَكَ أَخْلَصْتُ وَجْهِي، أَوْ لَكَ خَذَلْتُ نَفْسِي وَتَرَكْتُ أَهْوَاءَهَا (خَشَعَ) ، أَيْ: خَضَعَ وَتَوَاضَعَ أَوْ سَكَنَ (لَكَ سَمْعِي) : فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مِنْكَ (وَبَصَرِي) : فَلَا يَنْظُرُ إِلَّا بِكَ وَإِلَيْكَ تَخْصِيصُهُمَا مِنْ بَيْنِ الْحَوَاسِّ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْآفَاتِ بِهِمَا، فَإِذَا خَشَعَتَا قَلَّتِ الْوَسَاوِسُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ النَّقْلِيِّ وَالْعَقْلِيِّ بِهِمَا، وَقَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الشَّرْعِ، وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ فَضَّلَ السَّمْعَ، وَنَسَبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبَعْضُهُمْ فَضَّلَ الْبَصَرَ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قُتَيْبَةَ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَتَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ كَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّيْسَابُورِيُّ: الِاشْتِغَالُ بِالتَّفْضِيلِ مِمَّا لَا طَائِلَ فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ، (وَمُخِّي) : فَلَا يَعِي إِلَّا عَنْكَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (وَعَظْمِي وَعَصَبِي) : فَلَا يَقُومَانِ وَلَا يَتَحَرَّكَانِ إِلَّا بِكَ فِي طَاعَتِكَ، وَهُنَّ عَمَدُ الْحَيَوَانِ وَأَطْنَابُهُ، وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ غَادٍ وَرَائِحٌ (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) ، أَيْ: مِنَ الرُّكُوعِ (قَالَ) ، أَيْ: حَالَ الرَّفْعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الِاعْتِدَالِ قَالَ: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) : وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: وَلَكَ الْحَمْدُ، وَسَبَقَ أَنَّهَا الْأَفْضَلُ لِدَلَالَتِهَا عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا حَذْفُهَا (مِلْءَ السَّمَاوَاتِ) : بِالنَّصْبِ هُوَ أَشْهَرُ كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَقِيلَ: حَالٌ، أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مَالِئًا لِتِلْكَ الْأَجْرَامِ عَلَى تَقْدِيرِ تَجَسُّمِهِ وَبِالرَّفْعِ صِفَةُ الْحَمْدِ (وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) ، أَيْ: بَعْدَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ صِفَةٌ لِشَيْءٍ كَالْكُرْسِيِّ وَالْعَرْشِ وَمَا فَوْقَهُ، وَمَا تَحْتَ أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ إِلَّا خَالِقُهُ وَمُوجِدُهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا
стр. 1277
الْجُسْمَانِيَّاتُ الْعُلْوِيَّاتُ وَالسُّفْلِيَّاتُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا غَايَةُ الْحَمْدِ لِلَّهِ تَعَالَى حَيْثُ حَمِدَهُ مِلْءَ كُلِّ مَخْلُوقَاتِهِ الْمَوْجُودَةِ، وَمِلْءَ مَا يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ مِنَ الْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَةِ الْمُغَيَّبَةِ، وَقَالَ مِيرَكُ: هَذَا يُشِيرُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ الْحَمْدِ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْجُهْدِ، فَإِنَّهُ حَمِدَهُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ ارْتَفَعَ فَأَحَالَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ لِلْحَمْدِ مُنْتَهًى؛ وَلِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ.
(وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي) : بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ: خَضَعَ وَذَلَّ وَانْقَادَ (لِلَّذِي خَلَقَهُ) أَيْ أَوْجَدَهُ مِنَ الْعَدَمِ (وَصَوَّرَهُ) أَحْسَنَ صُورَةٍ (وَشَقَّ سَمْعَهُ) أَيْ طَرِيقَ سَمْعِهِ إِذِ السِّمْعُ لَيْسَ فِي الْأُذُنَيْنِ، بَلْ فِي مَقْعَرِ الصِّمَاخِ (وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ) : أَيْ: تَعَالَى وَتَعَظَّمَ، وَالرِّوَايَةُ بِحَذْفِ الْفَاءِ (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) : أَيِ: الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ، فَإِنَّهُ الْخَالِقُ الْحَقِيقِيُّ الْمُنْفَرِدُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ، وَغَيْرُهُ إِنَّمَا يُوجِدُ صُوَرًا مُمَوَّهَةً لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
(ثُمَّ يَكُونُ) : أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ) : مِنْ سَيِّئَةٍ (وَمَا أَخَّرْتُ) : مِنْ عَمَلٍ أَيْ جَمِيعَ مَا فَرَطَ مِنِّي قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: مَا قَدَّمْتُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَمَا أَخَّرْتُ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: مَا أَخَّرْتُهُ فِي عِلْمِكَ مِمَّا قَضَيْتَهُ عَلَيَّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ وَقَعَ مِنِّي فِي الْمُسْتَقْبَلِ ذَنْبٌ فَاجْعَلْهُ مَقْرُونًا بِمَغْفِرَتِكَ (وَمَا أَسْرَرْتُ) : أَيْ: أَخْفَيْتُ (وَمَا أَعْلَنْتُ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ كَعَكْسِهِ فِي قَوْلِهِ (وَمَا أَسْرَفْتُ) : أَيْ: جَاوَزْتُ الْحَدَّ مُبَالَغَةً فِي طَلَبِ الْغُفْرَانِ بِذِكْرِ أَنْوَاعِ الْعِصْيَانِ (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) : أَيْ: مِنْ ذُنُوبِي الَّتِي لَا أَعْلَمُهَا عَدَدًا وَحُكْمًا (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) : أَيْ: بَعْضَ الْعِبَادِ إِلَيْكَ بِتَوْفِيقِ الطَّاعَاتِ (وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) : أَيْ بَعْضَهُمْ بِالْخِذْلَانِ عَنِ النُّصْرَةِ، أَوْ أَنْتَ لِمَنْ شِئْتَ فِي مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَغَايَاتِ الْجَلَالِ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لِمَنْ شِئْتَ عَنْ مَعَالِي الْأُمُورِ إِلَى سَفَاسِفِهَا، فَنَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَنَا مِمَّنْ قَدَّمْتَهُ فِي مَعَالِمِ الدِّينِ، وَنَعُوذُ بِكَ أَنْ تُؤَخِّرَنَا عَنْ طَرِيقِ الْيَقِينِ، أَوْ أَنْتَ الرَّافِعُ وَالْخَافِضُ وَالْمُعِزُّ وَالْمُذِلُّ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) : فَلَا مَطْلُوبَ سِوَاكَ وَلَا مَحْبُوبَ إِلَّا إِيَّاكَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: " حَنِيفًا " " مُسْلِمًا ".
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ: " وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) : هَذَا الْكَلَامُ إِرْشَادٌ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْأَدَبِ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ فِي مَحَاسِنِ الْأَشْيَاءِ دُونَ مَسَاوِيهَا، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ نَفْيَ شَيْءٍ عَنْ قُدْرَتِهِ، يَعْنِي أَوْ إِثْبَاتَ شَيْءٍ لِغَيْرِهِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْقَاضِي، قَالَ مِيرَكُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ، (وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ) : أَيْ لَا مَهْدِيَّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتَهُ وَتَرَكَ مُقَابِلَهُ، وَهُوَ لَا ضَالَّ إِلَّا مَنْ أَضْلَلْتَهُ، لِمَا تَقَدَّمَ، مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ بِمُقَابِلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] فَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] ، (أَنَا بِكَ) : أَيْ: وُجِدْتُ (وَإِلَيْكَ) : أَنْتَهِي أَيْ أَنْتَ الْمَبْدَأُ وَالْمُنْتَهَى قَالَهُ الطِّيبِيُّ (لَا مَنْجَى) بِالْقَصْرِ لَا غَيْرُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: (لَا مَنْجَى) مَقْصُورٌ لَا يَجُوزُ مَدُّهُ وَلَا قَصْرُهُ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: لَا يَجُوزُ هَمْزُهُ لَا مَدًّا وَلَا قَصْرًا وَهُوَ مَصْدَرٌ
стр. 1278
مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ مَكَانٍ، أَيْ: لَا مَوْضِعَ يَنْجُو بِهِ اللَّائِذُ (مِنْكَ) ، أَيْ: مِنْ عَذَابِكَ (وَلَا مَلْجَأَ) : الْأَصْلُ فِيهِ الْهَمْزُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلَيِّنُ هَمْزَتَهُ لِيَزْدَوِجَ مَعَ مِنْ مَنْجًى، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْقَاضِي، أَيْ: لَا مَلَاذَ عِنْدَ نُزُولِ النَّوَائِبِ وَحُصُولِ الْمَصَائِبِ (إِلَّا إِلَيْكَ) : فَإِنَّ الْمُفَرِّجَ عَنِ الْمَهْمُومِينَ الْمُعِيذَ لِلْمُسْتَعِيذِينَ، أَوِ الْمُرَادُ لَا مَهْرَبَ وَلَا مَخْلَصَ وَلَا مَلَاذَ لِمَنْ طَالَبْتَهُ إِلَّا إِلَيْكَ، وَفِيهِ مَعْنًى مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] ، وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (تَبَارَكْتَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: (وَتَعَالَيْتَ) ، أَيْ: تَعَاظَمْتَ عَنْ أَنْ تَحْتَاجَ إِلَى أَحَدٍ، أَيْ: عَنْ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي كُلِّ شُئُونِهِ إِلَيْكَ.
стр. 1279
٨١٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ " فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا، فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفْسُ فَقَلْتُهَا، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٨١٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ) : بِالْفَاءِ وَالزَّايِ أَيْ جَهَدَهُ وَضَاقَ بِهِ (النَّفَسُ) : يَعْنِي: حَرَكَةَ النَّفَسِ مِنْ كَثْرَةِ السُّرْعَةِ فِي الطَّرِيقِ إِلَى الصَّلَاةِ لِإِدْرَاكِهِ كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيِ اشْتَدَّ بِهِ، وَالْحَفَزُ: تَحْرِيكُ الشَّيْءِ مِنْ خَلْفِهِ يُرِيدُ النَّفَسَ الشَّدِيدَ الْمُتَتَابِعَ كَأَنَّهُ يَحْفِزُهُ، أَيْ: يَدْفَعُهُ مِنَ السِّبَاقِ إِلَى الصَّلَاةِ اهـ، فَفِي كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ لَا إِشْكَالَ.
وَأَمَّا كَلَامُ الطِّيبِيِّ أَنَّ سَبَبَهُ شِدَّةُ عَدْوِهِ حَذَرًا مِنْ أَنْ تُفُوتَهُ الْجَمَاعَةُ فَيُنَافِيهِ قَوْلُهُ ﵇: ( «إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، بَلِ ائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَأَتِمُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» " فَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ لَوْ لَمْ يَسْعَ، أَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا أَنْ يَسْعَى فَلَا يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَرْجَحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ ﵇ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ بِالْعَدْوِ، إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا هِيَ فَيَجِبُ السَّعْيُ إِذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ إِدْرَاكُهَا، وَهُوَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِإِدْرَاكِ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اهـ.
(فَقَالَ) ، أَيِ: الرَّجُلُ (اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا) ، أَيْ: يَتَرَادَفُ مَدَدُهُ وَلَا تَنْتَهِي مُدَدُهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدَلُّ عَلَيْهِ الْحَمْدُ، وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْهُ جَارِيًا عَلَى مَحَلِّهِ، وَقَوْلُهُ " طَيِّبًا ": وَصْفٌ لَهُ، أَيْ: خَالِصًا عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَقَوْلُهُ " مُبَارَكًا فِيهِ ": يَقْتَضِي بَرَكَةً وَخَيْرًا كَثِيرًا يَتَرَادَفُ إِرْفَادُهُ وَيَتَضَاعَفُ إِمْدَادُهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ حَمْدًا جُعِلَتِ الْبَرَكَةُ فِيهِ يَعْنِي حَمْدًا كَثِيرًا غَايَةَ الْكَثْرَةِ، وَقِيلَ: مُبَارَكًا بِدَوَامِ ذَاتِهِ وَكَمَالِ غَايَاتِهِ (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ أَدَّى (صَلَاتَهُ قَالَ: " أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ) ، أَيِ: الْمَذْكُورَاتِ الْمَسْمُوعَةِ آنِفًا (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ) : قَالَ مُحْيِيِ السُّنَّةِ: هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: سَكَتُوا، وَفِي النِّهَايَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِالزَّايِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الْأَزْمِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ، وَهُوَ صَحِيحٌ مَعْنًى اهـ، وَهُوَ كَذَا فِي نُسْخَةٍ وَأَخْطَأَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِالرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الْأَرْمِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ اهـ، (قَالَ: " أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَقَالَ: " أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ قَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا) : اعْلَمْ أَنَّ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ عَفِيفِ الدِّينِ الْكَازَرُونِيِّ بِلَفْظِ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَفْظُ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا، وَفِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ نُورِ الدِّينِ الْإِيجِيِّ " بِالْكَلِمَاتِ " بَدَلَ " بِهَا "، وَفِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ مَذْكُورٌ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ
стр. 1280
فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا (فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، أَيْ: لَمْ يَتَفَوَّهْ بِمَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، أَيْ: مَا قَالَ قَوْلًا يُشَدَّدُ عَلَيْهِ (فَقَالَ رَجُلٌ) : الظَّاهِرُ فَقَالَ الرَّجُلُ: (جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا) ، أَيِ: الْكَلِمَاتِ (فَقَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا) ، أَيْ: ثَوَابَ هَذَا الْكَلِمَاتِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي يَسْبِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي كَتْبِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَرَفْعِهَا إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ لِعِظَمِهَا وَعِظَمِ قَدْرِهَا، وَتَخْصِيصُ الْمِقْدَارِ يُؤْمَنُ بِهِ، وَيُفَوَّضُ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى عَدَدِ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ: يَبْتَدِرُونَهَا وَيَسْتَعْجِلُونَ أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا، قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] أَيُّهُمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ: يَقْتَرِعُونَ أَيُّهُمْ، فَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ يُلْقُونَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا أَوَّلُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1281
الْفَصْلُ الثَّانِي
٨١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٨١٥ - (عَنْ عَائِشَةَ " ﵂ " قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ) ، أَيْ: بِالتَّكْبِيرِ (قَالَ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ) ، أَيْ: وَفِّقْنِي، قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ: وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: سُبْحَانَ اسْمٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ التَّسْبِيحُ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا، أَيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مِنْ كُلِّ السُّوءِ وَالنَّقَائِصِ، وَأُبْعِدُكَ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِحَضْرَتِكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَالْمَعْنَى اعْتَقَدْتُ بَرَاءَتَكَ مِنَ السُّوءِ وَنَزَاهَتَكَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ ذَاتِكَ وَكَمَالِ صِفَاتِكَ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا مُتَلَبِّسًا وَمُقْتَرِنًا بِحَمْدِكَ، فَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ الْوَاوُ بِمَعْنَى " مَعَ "، أَيْ: أُسَبِّحُكَ مَعَ التَّلَبُّسِ بِحَمْدِكَ، وَحَالُهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَإِثْبَاتُ النُّعُوتِ الثُّبُوتِيَّةِ أَوْ بِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ أَيِ اعْتَقَدْتُ نَزَاهَتَكَ حَالَ كَوْنِي مُتَلَبِّسًا بِالثَّنَاءِ عَلَيْكَ، أَوْ بِسَبَبِ ثَنَاءِ الْجَمِيلِ عَلَيْكَ اعْتَقَدْتُ نَزَاهَتَكَ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا مَقْرُونًا بِشُكْرِكَ؛ إِذْ كُلُّ حَمَدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِ يَسْتَجْلِبُ نِعْمَةً مُتَجَدِّدَةً وَيَسْتَصْحِبُ تَوْفِيقًا إِلَهِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ رُوِيَ عَنْ دَاوُدَ ﵇: يَا رَبِّ كَيْفَ أَقْدِرُ أَنْ أَشْكُرَكَ وَأَنَا لَا أَقُومُ بِشُكْرِ نِعْمَتِكَ إِلَّا بِنِعْمَتِكَ؛ وَلِذَا قِيلَ: الْعَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ شُكْرٌ، أَوْ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى تَوْفِيقِكَ إِيَّايَ عَلَى تَسْبِيحِكَ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْخَلَّادِ، قَالَ: سَأَلْتُ الزَّجَّاجَ عَنِ الْوَاوِ فِي وَبِحَمْدِكَ؟ قَالَ: مَعْنَاهُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، قِيلَ: قَوْلُ الزَّجَّاجِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ عَطْفَ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلَى مِثْلِهَا إِذِ التَّقْدِيرُ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا وَأُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا مُقَيَّدًا بِشُكْرِكَ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ " اللَّهُمَّ " مُقْتَرِضَةٌ، وَالْبَاءُ فِي وَبِحَمْدِكَ إِمَّا سَبَبِيَّةٌ، وَالْجَارُّ مُتَّصِلٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَوْ إِلْصَاقِيَّةٌ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِهِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
(وَتَبَارَكَ اسْمُكَ) ، أَيْ: كَثُرَتْ بَرَكَةُ اسْمِكَ إِذْ وُجِدَ كُلُّ خَيْرٍ مِنْ ذِكْرِ اسْمِكَ، وَقِيلَ: تَعَاظَمَ ذَاتُكَ أَوْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّعَاظُمَ إِذَا ثَبَتَ لِأَسْمَائِهِ تَعَالَى، فَأَوْلَى لِذَاتِهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] (وَتَعَالَى جَدُّكَ) ، أَيْ: عَظَمَتُكَ أَيْ مَا عَرَفُوكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، وَلَا عَظَّمُوكَ حَقَّ عَظَمَتِكَ، وَلَا عَبَدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَقَالَ مِيرَكُ: تَعَالَى تَفَاعُلٌ مِنَ الْعُلُوِّ، أَيْ: عَلَا وَرُفِعَتْ عَظَمَتُكَ عَلَى عَظَمَةِ غَيْرِكَ، الْعُلُوُّ الرِّفْعَةُ اهـ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَعَالَى غِنَاؤُكَ عَنْ أَنْ يَنْقُصَهُ إِنْفَاقٌ أَوْ يَحْتَاجَ إِلَى مُعِينٍ وَنَصِيرٍ (وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1282
٨١٦ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ [حَدِيثِ] حَارِثَةَ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
ــ
٨١٦ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) .
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَارِثَةَ) ، أَيِ: ابْنِ أَبِي الرِّجَالِ (وَقَدْ تُكُلِّمَ) ، أَيْ: طَعَنَ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي حَارِثَةَ (مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ) ، أَيْ: لَا مِنْ قِبَلِ عَدَالَتِهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ مَشْهُورٌ، وَأَخَذَ بِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ عُمَرُ ﵁، وَالْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى الضَّعْفِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُلَّةُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ؟ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَهُوَ كَلَامٌ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ إِسْنَادَهُ مَدْخُولٌ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ، مَعَ أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ يَقَعُ فِي حَقِّ أَقْوَامٍ عَلَى وَجْهِ الْخِلَافِ، فَرُبَّمَا ضُعِّفَ الرَّاوِي مِنْ قِبَلِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ وَوُثِّقَ مِنْ قِبَلِ آخَرِينَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْأَعْلَامُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَأَخَذُوا بِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي جَامِعِهِ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ فِيهِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ رِجَالُهُ مَرْضِيُّونَ، فَعُلِمَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، كَذَا فِي شَرْحِ الطِّيبِيُّ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ كَالَّذِي بَعْدَهُ وَغَيْرِهِ أَنَّ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، وَنَفَى مَالِكٌ نَدْبَهُ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَلِخَبَرِ: كَانَ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) عَجِيبٌ؛ إِذْ لَا جَوَابَ لَهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَخَبَرُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا بَعْضَ الْفَرَائِضِ وَبَعْضَ النَّوَافِلِ، وَمَعْنَى الْخَبَرِ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ، بَلْ لَوْ صَرَّحَ صَحَابِيٌّ بِنَفْيِهِ لَكَانَ مَحْجُوجًا بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ أَدْعِيَةِ الِافْتِتَاحِ بِأَنْ يَخُصَّ الْفَرَائِضَ بِمَا وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَقْرَأُ فِي النَّفْلِ بِمَا شَاءَ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ مَذْهَبِنَا، أَوِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ، وَاخْتُلِفَ أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ، وَالْمُخْتَارُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِجَمْعٍ عَلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِلَخْ، لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيِّ: «كَانَ ﵇ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ» " إِلَخْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَرُدَّ بِأَنَّ طُرُقَهُ كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ، قَلْتُ: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ضَعْفِهِ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّهُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَرَدُّهُ مَرْدُودٌ وَجَمْعُنَا مَحْمُودٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1283
٨١٧ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ ﵁، «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي صَلَاةً قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ". أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثَهِ وَهَمْزَهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ: " مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁: نَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ.
ــ
٨١٧ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ) : بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ (أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةً قَالَ) ، أَيْ: عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ عَيْنُ التَّحْرِيمَةِ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (اللَّهُ أَكْبَرُ) : بِالسُّكُونِ وَيُضَمُّ (كَبِيرًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَقِيلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وَقِيلَ بِإِضْمَارِ " أُكَبِّرُ "، وَقِيلَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ تَكْبِيرًا كَبِيرًا (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا) : لَعَلَّ التِّكْرَارَ لِلتَّأْكِيدِ، أَوِ الْأَوَّلُ لِلذَّاتِ، وَالثَّانِي لِلصِّفَاتِ، وَالثَّالِثُ لِلْأَفْعَالِ، وَأَفْعَلُ لِمُجَرَّدِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ مَعْنَاهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُعْرَف عَظَمَتُهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ أَفْعَلَ وَفَعِيلًا فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِأَكْبَرَ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ فِي صِفَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الْمُشَارَكَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِيهِ أَحَدٌ فِي أَصْلِ الْكِبْرِيَاءِ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا) : صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: حَمْدًا كَثِيرًا (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا) : عَلَى النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى وَمَا بَيْنَهُمَا (وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) : أَيْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَآخِرِهِ مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْعَامِلُ سُبْحَانَ، وَخَصَّ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِاجْتِمَاعِ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِيهِمَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَصَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ التَّخْصِيصِ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ التَّغَيُّرِ فِي أَوْقَاتِ تَغَيُّرِ الْكَوْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الدَّوَامُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] (ثَلَاثًا) : قَيْدًا لِكُلٍّ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْأَخِيرِ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِاسْتِغْنَاءِ الْأَوَّلِينَ عَنِ التَّقْيِيدِ لَهُمَا بِتَلَفُّظِهِ ثَلَاثًا وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثَلَاثًا كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ عَقِبَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: " عَجِبْتُ لَهَا فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ " اهـ.
стр. 1284
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَفْلَاكُ التِّسْعَةُ عَلَى وَفْقِ عَدَدِ الْمَرَّاتِ الْمَذْكُورَةِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ نَفْخِهِ) : بَدَلُ اشْتِمَالٍ أَيْ: مِنْ كِبْرِهِ الْمُؤَدِّي إِلَى كُفْرِهِ (وَنَفْثِهِ) ، أَيْ: سِحْرِهِ (وَهَمْزِهِ) ، أَيْ: وَسْوَسَتِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: النَّفْخُ كِنَايَةٌ عَنِ الْكِبْرِ، كَانَ الشَّيْطَانُ يَنْفُخُ فِيهِ بِالْوَسْوَسَةِ فَيُعَظِّمُهُ فِي عَيْنِهِ وَيُحَقِّرُ النَّاسَ عِنْدَهُ، وَالنَّفْثُ عِبَارَةٌ عَنِ الشِّعْرِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفُثُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ فِيهِ كَالرُّقْيَةِ اهـ، وَقِيلَ: " مِنْ نَفْخِهِ "، أَيْ: تَكَبُّرِهِ يَعْنِي: مِمَّا يَأْمُرُ النَّاسَ بِهِ مِنَ التَّكَبُّرِ، " وَنَفْثِهِ " مِمَّا يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِنْشَاءِ الشِّعْرِ الْمَذْمُومِ مِمَّا فِيهِ هَجْرُ مُسْلِمٍ أَوْ كُفْرٌ أَوْ فِسْقٌ، " وَهَمْزِهِ "، أَيْ: مِنْ جَعْلِهِ أَحَدًا مَجْنُونًا بِنَخْسِهِ وَغَمْزِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ (وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُ) ، أَيِ: ابْنُ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرْ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا) : وَلَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ لَا تُعَارِضُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ فَتُقْبَلَ (وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ: " مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) : وَهِيَ زِيَادَةٌ يُعْمَلُ بِهَا كَذَلِكَ بِأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِلُحُوقِ الزِّيَادَاتِ أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّارَاتِ، (وَقَالَ عُمَرُ) : قَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ عَمْرٌو بِالْوَاوِ (نَفْخُهُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْإِعْرَابِ وَبِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَاتِ (الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ) ، أَيِ: الْمَذْمُومُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً، أَيْ: مَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا، وَفِي الْبُخَارِيِّ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً، أَيْ: قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، «أَنَّهُ ﵇ اسْتَنْشَدَ مِنَ الشَّرِيدِيِّ شِعْرَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، فَأَنْشَدَهُ مِائَةَ قَافِيَةٍ» وَرَدُّوا بِهَذَا عَلَى مَنْ كَرِهَ الشِّعْرَ مُطْلَقًا، وَاحْتِجَاجُهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الشِّعْرُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ، وَالْخَبَرِ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ لِي قُرْآنًا، قَالَ: قُرْآنُكَ الشِّعْرُ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ فِيهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ تُحْمَلُ اللَّامُ عَلَى الْعَهْدِ وَهُوَ الشِّعْرُ الْمَذْمُومُ، أَوْ عَلَى الْجِنْسِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَحْمُودُ جَمْعًا بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ) : بِالضَّمِّ وَفَتْحِ التَّاءِ، نَوْعٌ مِنَ الْجُنُونِ وَالصَّرَعِ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ، فَإِذَا أَفَاقَ عَادَ عَلَيْهِ كَمَالُ عَقْلِهِ كَالنَّائِمِ وَالسَّكْرَانِ قَالَ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْجُنُونُ سَمَّاهُ هَمْزًا؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنَ الْهَمْزِ وَالنَّخْسِ، وَكُلُّ شَيْءٍ دَفَعْتَهُ فَقَدْ هَمَزْتَهُ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ كَانَ هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ، فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَالْأَنْسَبُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّفْثِ السِّحْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾ [الفلق: ٤] وَأَنْ يُرَادَ بِالْهَمْزِ الْوَسْوَسَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] وَهِيَ خَطَرَاتُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُغْرُونَ النَّاسَ عَلَى الْمَعَاصِي كَمَا تُهْمَزُ الرَّكْضَةُ وَالدَّوَابُّ بِالْمِهْمَازِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذِ السِّحْرُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَوْلٍ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا شَاهِدَ لَهُ فِي الْآيَةِ لِابْنِ حَجَرٍ، وَهُوَ ظُلْمٌ فِي حَقِّ الطِّيبِيِّ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ أَنَّ النَّفْثَ جَاءَ بِمَعْنَى السِّحْرِ فِي الْآيَةِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْمُرَادِ مِنَ الْقَوْلِ بِالشِّعْرِ، فَإِنَّهُ مَا جَاءَ مُطْلَقًا بِمَعْنَى الشِّعْرِ لَا فِي الْآيَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَمْ يَدَّعِ الطِّيبِيُّ أَنَّ السِّحْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالنَّفْثِ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَظَرِهِ، هَذَا وَأَصْلُ النَّفْثِ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ بِالْفَمِ شَبِيهَ النَّفْخِ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ، وَهَذَا بِمَعْنَى السِّحْرِ أَظْهَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ: وَنَفْثُ الشَّيْطَانِ الشِّعْرُ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ؛ وَلِذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فُسِّرَ النَّفْثُ فِي الْحَدِيثِ بِالشِّعْرِ؛ لِأَنَّهُ يُنْفَثُ مِنَ الْفَمِ اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى السِّحْرِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بِسِحْرِهِ يَلْقَى الشَّاعِرَ فِي شِعْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ إِسْنَادَ الشِّعْرِ إِلَى الشَّيْطَانِ مَجَازِيٌّ بِخِلَافِ إِسْنَادِ السِّحْرِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1285
٨١٨ - «وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] » ، فَصَدَّقَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
٨١٨ - (وَعَنْ سَمُرَةَ) ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَانِيهِ (ابْنِ جُنْدُبٍ) ، بِضَمِّهِمَا وَبِفَتْحِ الدَّالِ (أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ) ، أَيْ: لِلْإِحْرَامِ (وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ، السَّكْتَةُ الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ كَالسَّكْتَةِ الْأُولَى، وَمَكْرُوهَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ السَّكْتَةَ الْأُولَى لِلثَّنَاءِ، وَالثَّانِيَةَ لِلتَّأْمِينِ قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: سُكُوتُهُ ﵇ سَكْتَتَيْنِ: إِحْدَاهَا كَانَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وَفَائِدَتُهُ أَنْ يَفْرُغَ الْمَأْمُومُ مِنَ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ سَمَاعُ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ وَثَانِيَتُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الْفَاتِحَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهَا أَنْ يَقْرَأَ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ وَيَرْجِعَ الْإِمَامُ إِلَى التَّنَفُّسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ اهـ.
وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ إِذِ السَّكْتَةُ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَةً خَالِيَةً عَنِ الذِّكْرِ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَانَ سُكُوتًا عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وَكَوْنُ السَّكْتَةِ الثَّانِيَةِ لِلتَّنَفُّسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ كَوْنُهَا لِيَقْرَأَ الْمَأْمُومُ قَلْبٌ لِلْمَوْضُوعِ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، (فَصَدَّقَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) ، أَيْ: وَافَقَهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ، قَالَ مِيرَكُ: مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ وَسَاقَهُ قَالَ: فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: فَكَتَبُوا ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أُبَيٍّ فَصَدَّقَ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ، وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ سَمُرَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ بَلْ صَحِيحٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكَّتَتَانِ إِذْ قَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، أَيْ: أَرَادَ قِرَاءَتَهَا بِدَلِيلِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا، وَفِي أُخْرَى إِذَا فَرَغَ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا، بَلْ يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا إِثْبَاتُ ثَلَاثِ سَكَتَاتٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَ السُّورَةِ اهـ.
وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّكَتَاتِ الزِّيَادَةُ عَلَى حَدِّ التَّنَفُّسِ فِي أَوَاخِرِ الْآيَاتِ إِذْ ثَبَتَ عَنْهُ ﵇ كَانَ يَقْرَأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَيَقِفُ، وَهَكَذَا عَلَى رُءُوسِ الْآيِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْقُرَّاءِ السَّكْتَةَ عَلَى الْوَقْفِ بِلَا تَنَفُّسٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى إِصْلَاحِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاسْتَحَبَّ أَئِمَّتُنَا أَيْضًا السَّكْتَةَ بَيْنَ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَبَيْنَ التَّعَوُّذِ وَالْفَاتِحَةِ، وَبَيْنَ آمِينَ وَالسُّورَةِ، وَبَيْنَ السُّورَةِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، وَكُلُّهَا سَكَتَاتٌ خَفِيفَةٌ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِهَا، وَقِيَاسُهُ الْبَاقِي إِلَّا الَّتِي بَيْنَ آمِينَ وَالسُّورَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيهَا بِذِكْرٍ أَوْ قُرْآنٍ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ لِيَسْمَعَ الْإِمَامَ اهـ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ فِي الْحَدِيثِ عَلَى سُنِّيَّةِ هَذِهِ السَّكْتَةِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَرَأَ فِي هَذِهِ السَّكْتَةِ شَيْئًا مَعَ مُخَالَفَةِ ظَاهِرِ السَّكْتَةِ لِلْقِرَاءَةِ، وَأَيْضًا سَمَاعُ الْإِمَامِ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ لَمْ يَرِدْ فِي أَصْلٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ، بَلْ وَرَدَ نَهْيُ الْمَأْمُومِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ، بَلْ عَنْ نَفْسِ الْقِرَاءَةِ فِي مَحَلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) : أَيْ مَعْنَاهُ.
стр. 1286
٨١٩ - وَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، وَلَمْ يَسْكُتْ، هَكَذَا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي أَفْرَادِهِ، وَكَذَا صَاحِبُ " الْجَامِعِ " عَنْ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ.
ــ
٨١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَهَضَ) ، أَيْ: قَامَ (مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) ، أَيْ مِنْ أَجْلِهَا (اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ) : الْمُرَادُ السُّورَةُ الْمُخْتَصَّةُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُسِرُّهَا (وَلَمْ يَسْكُتْ) ، أَيْ: لِلثَّنَاءِ هَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي أَفْرَادِهِ، أَيْ: فِي مُفْرَدَاتِ مُسْلِمٍ وَمُخْتَصَّاتِهِ، (وَكَذَا صَاحِبُ الْجَامِعِ) ، أَيْ لِلْأُصُولِ هُوَ ابْنُ الْأَثِيرِ (عَنْ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ) : فَإِيرَادُ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي دُونَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِقَاعِدَتِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ فَلَمْ يَسْتَدْرِكْهُ، قُلْتُ: لَعَلَّ الْحَاكِمَ رَوَاهُ بِسَنَدٍ غَيْرِ سَنَدِ مُسْلِمٍ وَكَانَ رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا.
стр. 1287
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٨٢٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: " «إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الْأَعْمَالِ، وَسَيِّئَ الْأَخْلَاقِ، لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٨٢٠ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ) ، أَيْ: بِالِاسْتِقْبَالِ وَالنِّيَّةِ (كَبَّرَ) : لِلتَّحْرِيمَةِ (ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) ، أَيْ: بَقِيَّةَ عِبَادَتِي (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) ، أَيْ: أَحْوَالِي فِيهِمَا (لِلَّهِ) : أَيْ خَالِصَةٌ لِلَّهِ (رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ) : أَيِ الْإِخْلَاصِ (أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَفْظُ التَّنْزِيلِ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَإِنَّمَا قَالَ: أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ كُلِّ نَبِيٍّ مُقَدَّمٌ عَلَى إِسْلَامِ أُمَّتِهِ اهـ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّ نَبِيَّنَا ﵊ مَأْمُورٌ بِهَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] الْآيَةَ لَكِنْ كَانَ يَقُولُ هَذَا تَارَةً، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُخْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ تَوَاضُعًا حَيْثُ عَدَّ نَفْسَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَمَا قَالَ: " «وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» " وَفِي الْأَزْهَارِ قَوْلُهُ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَقْرَأُ كَذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، قُلْتُ: وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا مَا لَمْ يُرِدْ لَفْظَ الْآيَةِ، يَعْنِي: لَا يَكُونُ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ، بَلْ تَالِيًا لِلْقُرْآنِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، قِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِلْكَذِبِ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَالٍ لَا مُخْبِرٌ ( «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ» ) ، أَيِ الظَّاهِرَةِ ( «وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ» ) ، أَيِ الْبَاطِنَةِ ( «لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا» ) : أَيِ الْمَذْكُورَاتِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ( «إِلَّا أَنْتَ وَقِنِي سَيِّئَ الْأَعْمَالِ، وَسَيِّئَ الْأَخْلَاقِ، لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» ) : وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْأَسْوَأِ الْمُقَابِلِ لِلْأَحْسَنِ إِلَى السَّيِّئِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 1288
٨٢١ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا قَالَ: " «اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» "، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " «وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» "، ثُمَّ قَالَ: " «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ» "، ثُمَّ يَقْرَأُ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٨٢١ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ) : أَنْصَارِيٌّ، أَوْسِيٌّ، شَهِدَ الْمُشَاهِدَ كُلَّهَا إِلَّا تَبُوكَ، وَكَانَ مِنَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى يَدِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا) : ظَاهِرُهُ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا الْمُخْتَارَ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِوَجَّهْتُ وَجْهِي فِي النَّوَافِلِ أَوِ السُّنَنِ (قَالَ: " اللَّهُ أَكَبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِي) : بِالْوَجْهَيْنِ، أَيْ: وَجَّهْتُ قَصْدِي أَوْ ذَاتِي (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ، أَيْ: أَبْدَعَهُمَا (حَنِيفًا) : مَائِلًا عَمَّا سِوَاهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ لَفْظُ " مُسْلِمًا " بَعْدَ " حَنِيفًا "، وَهُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) : تَأْكِيدٌ وَتَعْرِيفٌ وَإِظْهَارٌ لِلتَّلَذُّذِ بِهَذِهِ الْمِنَّةِ، وَتَحَدُّثٌ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، (وَذَكَرَ) ، أَيْ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (الْحَدِيثَ مِثْلَ جَابِرٍ، إِلَّا أَنَّهُ) ، أَيْ: مُحَمَّدًا (قَالَ: " وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) : بَدَلَ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ» "، ثُمَّ يَقْرَأُ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 1289
[بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ]
стр. 1290
(١٢) بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٨٢٢ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَصَاعِدًا» ".
ــ
(١٢) بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٨٢٢ - (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (لَا صَلَاةَ) ، أَيْ: كَامِلَةً كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا أَوْ صَحِيحَةً كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَمْ يَبْدَأِ الْقِرَاءَةَ بِهَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَعْنِي عَدَّى يَقْرَأُ بِالْبَاءِ مَعَ تَعْدِيَتِهِ بِنَفْسِهِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى يَبْدَأُ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ فَسَادٌ عَلَى مَذْهَبِهِ لِانْحِلَالِهِ إِلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ عَمَّنِ ابْتَدَأَ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ خَتَمَ بِالْفَاتِحَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا نَعْلَمُ، فَالصَّوَابُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَسُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لِافْتِتَاحِهِ بِهَا، وَالْفَاتِحَةُ لِذَلِكَ وَلِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَا اهـ، أَوْ يُقَالُ: لِأَنَّهَا تَفْتَحُ عَلَى قَارِئِهَا أَبْوَابَ الْخَيْرِ فِي أَعْضَائِهِ السَّبْعَةِ، وَتُغْلِقُ عَلَيْهِ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ، وَيَنْفَتِحُ بِهَا آخِرُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَوِ السَّبْعَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهَا، كَمَا اخْتُلِفَ فِي آيِ الْفَاتِحَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» ) : سُمِّيَتْ بِهَا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَقَاصِدِهِ مِنْ إِثْبَاتِ مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَمَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ كَذَلِكَ، وَعَلَى أَحْوَالِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَعَلَى الْخَبَرِ وَالطَّلَبِ، وَعَلَى الْقَصَصِ، وَعَلَى مَدْحِ الْمُهْتَدِينَ وَذَمِّ ضِدِّهِمْ وَانْقِسَامِهِمْ إِلَى مَغْضُوبٍ عَلَيْهِمْ وَضَالِّينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: جَمِيعُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَمِيعُ الْقُرْآنِ مُجْمَلٌ فِي الْفَاتِحَةِ، وَجَمِيعُ الْفَاتِحَةِ فِي الْبَسْمَلَةِ، وَجَمِيعُ الْبَسْمَلَةِ فِي بَائِهَا، وَجَمِيعُ بَائِهَا فِي نُقْطَتِهَا، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالنُّقْطَةِ الْمَعْنَى التَّوْحِيدِيَّ؛ وَلِذَا قِيلَ: الْعِلْمُ نُقْطَةٌ كَثَّرَهَا الْجَاهِلُونَ، أَيْ: صَارُوا سَبَبًا لِلْكَثْرَةِ حَيْثُ مَا فَهِمُوا إِجْمَالًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَصَاعِدًا) ، أَيْ: فَمَا زَادَ عَلَيْهَا مِنَ الصُّعُودِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ زَائِدًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، أَوْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ حَالَ كَوْنِ قِرَاءَتِهِ زَائِدًا عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمَا مَفْهُومَانِ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ: قِيلَ: فِي الْحَدِيثَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَوْلَهُ: فَصَاعِدًا يَدْفَعُهُ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْفَاتِحَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
قُلْتُ: بَلْ قَوْلُهُ فَصَاعِدًا يَدُلُّ عَلَى تَأْوِيلِنَا أَنَّ الْمُرَادَ نَفِيُ الْكَمَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْفَاتِحَةَ مُتَعَيِّنَةٌ أَمْ لَا لَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْفَاتِحَةَ مَعَ غَيْرِهَا وَاجِبَةٌ، قَالَ: فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ الْفَاتِحَةِ لَا عَلَى الزَّائِدِ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ قِيلَ: الْفَاتِحَةُ وَاحِدَةُ حَالٍ كَوْنِهَا مَقْرُونَةً بِشَيْءٍ مِمَّا هُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ اهـ، وَهُوَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَصْحِيحِ جُلِّ كَلَامِهِ مَحْمُولٌ عَلَى زَعْمِهِ الْفَاسِدِ؟ فَإِنَّ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَاجَبَتَانِ عَلَى مَذْهَبِ سَادَاتِنَا الْحَنَفِيَّةِ، غَايَتُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُمْ دُونَ الْمَرْتَبَةِ الْفَرْضِيَّةِ لِتَخْصِيصِ الْفَرَائِضِ بِوُرُودِ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ دُونَ الظَّنِّيَّةِ.
стр. 1291
٨٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ " ثَلَاثًا - غَيْرُ تَمَامٍ "، فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٨٢٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى صَلَاةً) : قَالَ مِيرَكُ: التَّنْكِيرُ فِيهِ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْضِيَّةُ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَغَيْرِهِمَا كَانَ مَفْعُولًا بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ اسْمًا لِتِلْكَ الْهَيْئَاتِ الْمَخْصُوصَةِ، وَالْفِعْلُ وَاقِعٌ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُرِيدَ الْجِنْسُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا ( «لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» ) : فِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْمٍ كَرِهُوا تَسْمِيَتَهَا بِذَلِكَ (فَهِيَ) : أَيْ: صَلَاتُهُ (خِدَاجٌ) : أَيْ نَاقِصَةٌ أَوْ مَنْقُوصَةٌ أَوْ ذَاتُ نُقْصَانٍ، مِنْ
стр. 1292
خَدَّجَتِ النَّاقَةُ وَلَدَهَا قَبْلَ أَوَانِ خُرُوجِهِ وَإِنْ كَمُلَ خَلْقُهُ فَهِيَ مُخَدِّجَةٌ أَوْ ذَاتُ خِدَاجٍ (ثَلَاثًا) ، أَيْ: قَالَهَا ثَلَاثًا (غَيْرُ تَمَامٍ) : بَيَانُ خِدَاجٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، وَفِي نُسْخَةٍ غَيْرُ تَامٍّ، أَيْ: غَيْرُ كَامِلٍ، قِيلَ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَفْسِيرٌ لِلْخِدَاجِ، ذِكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، بَلْ مِنْ كَلَامِ أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ نُقْصَانِ صَلَاتِهِ، فَهُوَ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ ﵇: " لَا صَلَاةَ " أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا نَفْيُ الْكَمَالِ لَا الصِّحَّةِ، فَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَبِنَفْيِ لَا صَلَاةَ نَفْيُ صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَحَادِيثُ لَا تُقْبَلُ تَأْوِيلًا مِنْهَا مَا صَحَّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَمَرَنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ، وَفِيهِ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا؛ لِأَنَّهُمْ مَا يَقُولُونَ بِوُجُوبِ السُّورَةِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى: " مَعَ " أَوْ بِمَعْنَى: " أَوْ " وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْفَاتِحَةِ إِجْمَاعًا، وَمُجْزِئٌ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فِي مَذْهَبِنَا، قَالَ: وَمِنْهَا خَبَرُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ فِي صِحَاحِهِمْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ الْكَامِلِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهَا مَا صَحَّ أَيْضًا أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقَالَ لَهُ: ثُمَّ افْعَلْ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا، وَفِيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ السَّابِقَ لَفْظُهُ: ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِهِ، مَعَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ وَرَدَ بَعْضُ الْأَوَامِرِ لَا يَصِحُّ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ إِجْمَاعًا، قَالَ: وَمِنْهَا مُدَاوَمَتُهُ ﵇ قِرَاءَتَهَا فِي صَلَاتِهِ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ مَعَ خَبَرِ الْبُخَارِيِّ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» "، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْلَا مُوَاظَبَتُهُ ﵇ عَلَى قِرَاءَتِهَا لَقُلْنَا بِسُنِّيَّتِهَا لَا بِوُجُوبِهَا وَبِعِصْيَانِ تَارِكِهَا، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ، فَمَخْصُوصُ الْبَعْضِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ ﵇ سُنَنٌ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ: وَأَمَّا خَبَرُ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَضَعِيفٌ، عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَقَلُّ مُجْزِئٍ الْفَاتِحَةُ كَصُمْ وَلَوْ يَوْمًا.
قُلْتُ: لَوْ صَحَّ ضَعْفُهُ فَهُوَ يُقَوِّي الْمَعْنَى الْمُرَادَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ عِنْدَنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ، وَجَعْلُهُ الْحَدِيثَ نَظِيرَ مَا ذَكَرْنَا فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، بَلْ نَظِيرُهُ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ: " «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» " فَيُفِيدُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا مُجْزِئَةٌ، مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ ضَمُّ سُورَةٍ مَعَهَا، قَالَ: وَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ مِمَّا يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ مِنْ أَصْلِهَا ضَعِيفٌ أَيْضًا.
قُلْتُ: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْفَاتِحَةِ دُونَ وُجُوبِهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، قَالَ: وَقَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ أَيْ طَرِيقَةٌ مُتَّبَعَةٌ، وَإِنْ خَالَفَتْ مَقَايِيسَ الْعَرَبِيَّةِ، قُلْنَا: وَالْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ ثَبَتَ فَرْضِيَّتُهَا بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] بِظَاهِرٍ مُطْلَقٍ، قَالَ: وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْعَصْرَيْنِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ، عَلَى أَنَّ رُوَاةَ الْأَوَّلِ وَمَا بِمَعْنَاهُ أَكْبَرُ سِنًّا وَأَقْدَمُ صُحْبَةً، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَكَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا، وَغَيْرُهُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ جَزَمُوا بِالْقِرَاءَةِ، فَكَانُوا أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنْ يُحْمَلَ نَفْيُهُ عَلَى مَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، أَوْ عَلَى إِخْفَائِهِ الْقِرَاءَةَ بِحَيْثُ إِنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ أَمْ لَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْيِيدُهُ بِالْعَصْرَيْنِ، قَالَ: وَخَبَرُ: أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَسَبَّحَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ضَعِيفٌ، قُلْتُ: عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ كَمَا قَالَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا، لَكِنْ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ، وَأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَصَاحِبُهُ مُسِيءٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ) ، أَيْ: فَهَلْ نَقْرَأُ أَمْ لَا؟ قَالَ: اقْرَأْ بِهَا) ، أَيْ: بِأُمِّ الْقُرْآنِ (فِي نَفْسِكَ) : سِرًّا غَيْرَ جَهْرٍ، وَبِهِ أَخْذَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ مَعَ احْتِمَالِ التَّقْيِيدِ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ كَمَا قَالَ بِهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَالْإِمَامُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَوْ فِي السَّكَتَاتِ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ كَمَا قِيلَ لِلْمَسْبُوقِ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ، أَوْ مَعْنَاهُ فِي قَلْبِكَ بِاسْتِحْضَارِ أَلْفَاظِهَا أَوْ مَعْنَاهُ أَوْ مَعَانِيهَا دُونَ مَبَانِيهَا، (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
стр. 1293
يَقُولُ) : وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَّمْتُ الصَّلَاةَ) ، أَيِ: الْفَاتِحَةَ وَسُمِّيَتْ صَلَاةً لِمَا فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَكَوْنُهَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: أَيِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَرْكَانِهَا، أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ: قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ: ( «بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» ) : وَالصَّلَاةُ خَالِصَةٌ لِلَّهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْقُرْآنُ اهـ.
وَتَتِمَّةُ الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَالتَّنْصِيفُ يَنْصَرِفُ إِلَى آيَاتِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ، ثَلَاثٌ ثَنَاءٌ، وَثَلَاثٌ سُؤَالٌ، وَالْآيَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ نِصْفُهَا ثَنَاءٌ وَنِصْفُهَا دُعَاءٌ، فَإِذَنْ لَيْسَتِ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّنْصِيفَ رَاجِعٌ إِلَى جُمْلَةِ الصَّلَاةِ لَا إِلَى الْفَاتِحَةِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، وَبِأَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى مَا يُخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ مِنَ الْآيَاتِ الْكَامِلَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُتَابِعُوهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ يَذْكُرُ التَّسْمِيَةَ فِيمَا حَكَاهُ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: " «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ذَكَرَنِي عَبْدِي» " كَذَا ذِكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِيهِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ضَعِيفَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّهَا لَمْ تَنْزِلْ إِذْ ذَاكَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَا بِالنِّسْبَةِ لِكَوْنِهَا تُذْكَرُ أَوَّلَ سُورَةِ: اقْرَأْ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلْ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَذَلِكَ لِكَوْنِ الرَّاوِي أَبَا هُرَيْرَةَ، وَهُوَ إِنَّمَا أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ غَيْرِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرُوِيَ: «أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ عَدَمَ ذِكْرِهَا لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِالْفَاتِحَةِ مَعَ اسْتِقْلَالِهَا، قُلْتُ: الِاسْتِقْلَالُ مَمْنُوعٌ مُحْتَاجٌ بِمَا بِهِ الِاسْتِدْلَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَقِيلَ: التَّنْصِيفُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ الدُّعَاءُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ الثَّنَاءِ وَهُوَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ (نِصْفَيْنِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ بَعْضَ آيَاتِهَا يُعُودُ عَلَيْهِ أَظْهَرُ فَائِدَةٍ وَنَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ وَأُخْرَوِيٍّ، كَالِامْتِنَانِ عَلَيْهِ بِمَسْئُولَةٍ وَمَرْغُوبَةٍ، وَبَعْضُهَا لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ غَيْرُ مَحْضِ التَّعَبُّدِ وَالِامْتِثَالِ، فَجُعِلَ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا أَنَّ ذَاكَ رَاجِعٌ إِلَى الْعَبْدِ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ يَرْجِعُ إِلَى الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ، وَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ الْإِعْظَامِ وَالْإِجْلَالِ، (وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) ، أَيْ: أَحَدُ النِّصْفَيْنِ دَعَاهُ عَبْدِي إِيَّايَ وَلَهُ مَا سَأَلَ أَيْ بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ وُقُوعُهُ مُعَلَّقًا عَلَى السُّؤَالِ، وَإِلَّا فَمِثْلُهُ مِنْ رَفْعِ دَرَجَةٍ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ وَنَحْوِهَا بِهَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ لِذَاتِي مَا وَصَفَ مِنَ الثَّنَاءِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ مِنَ الدُّعَاءِ؛ وَلِذَا قَالَ: (فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ) ، أَيِ: الْمَذْكُورُ أَوَّلًا مَعَ التَّشْرِيفِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى رَبِّهِ لِتَحَقُّقِهِ بِصِفَاتِ الْعُبُودِيَّةِ وَقِيَامِهِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ وَشُهُودِهِ لِآثَارِهِمَا وَأَسْرَارِهِمَا فِي صَلَاتِهِ الَّتِي هِيَ مِعْرَاجُ الْأَرْوَاحِ وَرُوحُ الْأَشْبَاحِ، وَغَرْسُ تَجَلِّيَاتِ الْأَسْرَارِ الَّتِي يَنْجَلِي بِهَا الْأَحْرَارُ عَنِ الْأَغْيَارِ؛ وَلِذَا زِيدَ فِي تَشْرِيفِهِ بِتَكْرِيرِ هَذَا الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْأَوْصَافِ الَّذِي خَلَقَ لَهُ الْأَوْضَاعَ وَالْأَشْرَافَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وَهَذَا هُوَ غَايَةُ كَمَالِ الْإِنْسَانِ، وَنِهَايَةُ جَمَالِ الْإِحْسَانِ؛ وَلِذَا وُصِفَ نَبِيُّنَا ﵊ بِهِ فِي مَقَامِ الْفَخَامَةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْكَرَامَةِ، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] ، ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] ، وَفِي كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ لَا مَقَامَ أَشْرَفُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ إِذْ بِهَا يَنْصَرِفُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] : بِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ (قَالَ اللَّهُ) : قِيلَ لَعَلَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِمَلَائِكَتِهِ مُبَاهَاةً (أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي) : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ الثَّنَاءُ
стр. 1294
بِجَلَائِلِ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَدَقَائِقِ الْعَوَاطِفِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي أَخْرَجَتِ الْخَلْقَ مِنْ ظُلْمَةِ الْعَدَمِ إِلَى نُورِ الْوُجُودِ؛ لِيَتَسَارَعُوا إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَلِيَتَزَوَّدُوا فِي الْمَسِيرِ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ وَدَرَجَاتِ جَنَّاتِهِ (وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ، أَيِ: الْجَزَاءِ (قَالَ: مَجَّدَنِي) ، أَيْ: عَظَّمَنِي (عَبْدِي) : وَالتَّمْجِيدُ نِسْبَتُهُ إِلَى الْمَجْدِ وَهُوَ الْكَرَمُ أَوِ الْعَظَمَةُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: التَّمْجِيدُ الثَّنَاءُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ، وَوَجْهُ مُطَابَقَتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ، هُوَ أَنَّهُ تَضَمَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْمُلْكِ فِيهِ كَمَا فِي الدُّنْيَا، وَفِي هَذَا الِاعْتِرَافِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالتَّفْوِيضِ لِلْأَمْرِ مَا لَا يَخْفَى (وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، أَيْ: نَخُصُّكَ بِالْعِبَادَةِ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، أَيْ: نَخُصُّكَ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا (قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) : لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَانَةَ مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] لِلْعَبْدِ (وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) ، أَيْ: بَعْدَ هَذَا (فَإِذَا قَالَ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ، أَيْ: ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ طَرِيقِ مُتَابَعَةِ الْحَبِيبِ ﵊ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] : مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ فِي الْوُقُوفِ، مِنْ أَنَّ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آيَةٌ، بِخِلَافِ الْكُوفِيِّينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَسْمَلَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ، أَيِ: الْيَهُودِ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ، أَيِ: النَّصَارَى ( «قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» ) ، أَيْ: غَيْرُ هَذَا أَوِ الْمَعْنَى هَذَا وَنَحْوُ هَذَا، فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ لَا فَائِدَةَ فِي الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَدْعُوَّ إِنْ قَدَّرَ وُقُوعَهُ، فَهُوَ وَاقِعٌ، وَإِنْ فُقِدَ الدُّعَاءُ، وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ، وَإِنْ وَقَعَ الدُّعَاءُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يُرْشِدُ إِلَى سُرْعَةِ إِجَابَتِهِ قُلْتُ: وَإِلَى الرَّجَاءِ إِلَى إِجَابَةِ سَائِرِ حَاجَتِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: اللَّفْظُ لَهُ وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
стр. 1295
٨٢٤ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، ﵃، كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] » ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٨٢٤ - ( «وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] » ) : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُسِرُّونَ بِالْبَسْمَلَةِ كَمَا يُسِرُّونَ بِالتَّعَوُّذِ، ثُمَّ يَجْهَرُونَ بِـ " الْحَمْدُ لِلَّهِ "، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَوَّلَ الشَّافِعِيُّ الْحَدِيثَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ كَانُوا يَبْتَدِئُونَ الصَّلَاةَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ السُّورَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] كَمَا يُقَالُ: قَرَأَتُ الْبَقَرَةَ، وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] " لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَ﴾ [الفاتحة: ١] فِي أَوَّلِ قِرَاءَتِهِ، وَلَا فِي آخِرِهَا، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ بَيْنَهُ مَا صَحَّ عَنْ أَنَسٍ نَفْسِهِ كَمَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا، أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَيَقُولُ: لَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، قُلْتُ: هُوَ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ مُعَارَضٌ بِمَا هُوَ أَصَحُّ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى تَلَوُّنِهِ وَاضْطِرَابِهِ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي، وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ قَالَ: كَبِرْتُ وَنَسِيتُ، وَأَنَّهُ سُئِلَ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] أَوْ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ وَمَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْجَهْرِ يُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ عَلَى الْإِعْلَامِ تَعْلِيمًا كَمَا فِي سَمَاعِ الْقِرَاءَةِ أَحْيَانًا فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ، وَيَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ «عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِهِ أَيْضًا: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] » ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْقِرَاءَةِ، بَلِ السَّمَاعَ لِلْإِخْفَاءِ بِدَلِيلِ مَا صُرِّحَ بِهِ عَنْهُ، فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ ﴿بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: أَنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» اهـ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعَارِضٍ لَهُ إِذِ الْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ إِخْفَاؤُهَا، وَبِالنَّفْيِ جَهْرُهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّنْزِيلِ فِي إِقَامَةِ الْمُعَارَضَةِ كَيْفَ تُعَارِضُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ صِحَّتُهَا حَدِيثَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﵇ فِي الْجَهْرِ شَيْءٌ، وَأَمَّا مَا أَجَابَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ رِوَايَتَيْ مُسْلِمٍ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رِوَايَةٌ لِلَّفْظِ الْأَوَّلِ
стр. 1296
بِالْمَعْنَى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِمَا ذَكَرَ بِحَسْبِ فَهْمِهِ، وَلَوْ بَلَّغَ الْغَيْرَ بِلَفْظِهِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ لَأَصَابَ فَهُوَ طَعْنٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَإِنَّهُ لَوِ انْفَتَحَ هَذَا الْبَابُ انْسَدَّ بَابُ الْخِطَابِ، ثُمَّ يُقَالُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ رُوَاةَ الْبُخَارِيِّ نَقَلُوا بِاللَّفْظِ، وَرُوَاةَ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَقَلُوا بِالْمَعْنَى، مَعَ أَنَّ الْإِسْنَادَيْنِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادٍ وَاحِدٍ، وَزِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ إِجْمَاعًا فَتَأَمَّلَ فَإِنَّهُ مَحَلُّ زَلَلٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثٌ أَنَسٍ هُنَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ: مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ بِهَذَا اللَّفْظِ بِلَا تَفَاوُتِ حَرْفٍ، فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ فِي آخِرِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ تَأَمَّلْ اهـ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَلَفْظُهُ عَنْهُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] » ) اهـ، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، بَلْ لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَفَظُهُ لِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْخِلَافِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَيِّزِ الِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ اللَّفْظِيَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ اخْتِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ فِي الْجُمْلَةِ.
стр. 1297
٨٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: " «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ، هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.
وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ، قَالَ: " «إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ".
ــ
٨٢٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: قَالَ: آمِينَ (فَأَمِّنُوا) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ قُولُوا آمِينَ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْخِيرِ كَمَا فِي قَوْلِكَ: إِذَا رَحَلَ الْأَمِيرُ فَارْحَلُوا، يَعْنِي: إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ فَأَمِّنُوا مَعَهُ لِلرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَعَيِّنٌ عَلَى مَذْهَبِنَا؛ لِأَنَّهُ يُسِرُّ فِي آمِينَ (فَإِنَّهُ) ، أَيِ: الشَّأْنُ (مَنْ وَافَقَ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ: فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ عُطِفَ عَلَى مُضْمَرٍ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ: إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ. الْحَدِيثَ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مَنْ طَابَقَ (تَأْمِينُهُ) ، أَيْ: فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ، وَقِيلَ: فِي الْإِجَابَةِ، وَقِيلَ فِي الْوَقْتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ (تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ) : قِيلَ: الْمُرَادُ الْحَفَظَةُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقِيلَ: غَيْرُهُمْ؛ لِخَبَرِ " مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ " وَنَقَلَ الْعَسْقَلَانِيُّ اخْتِيَارَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، لَكِنَّهُ قَالَ: وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ، وَتَأْمِينُهُمُ اسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ اخْتِلَافٌ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ هُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَلَوْ كَانُوا فِي الْأَرْضِ حَفَظَةً أَوْ غَيْرَهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَأْمِينَهُمْ عَلَى قَوْلِ الْمُصَلِّي: اهْدِنَا إِلَخْ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ، أَوِ اللَّهُمَّ افْعَلْ (غُفِرَ) : مَجْهُولٌ، وَقِيلَ: مَعْلُومٌ، وَفِي نُسْخَةٍ: غَفَرَ اللَّهُ (لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ، أَيْ: مِنَ الصَّغَائِرِ، وَيَحْتَمِلُ الْكَبَائِرَ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ زِيَادَةٌ: وَمَا تَأَخَّرَ، وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ لَهَا طُرُقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ، قَالَ مِيرَكُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ) ، أَيْ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، (قَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ ( «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ» ) : مَدًّا، وَيَجُوزُ قَصْرُهُ، وَفِي شَرْحِ الْأَبْهَرِيِّ، قَالَ الشَّيْخُ: هِيَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَعَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ اهـ، وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ أَوْ مَعْنَاهُ كَذَلِكَ، فَلْيَكُنْ، أَوِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الْأَبْهَرَيُ: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ أَمِّنَا بِخَيْرٍ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَأَمَّا آمِّينَ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ فَهُوَ خَطَأٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَاخْتُلِفَ فِي فَسَادِ صَلَاةِ مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ فَسَادِهَا لِمَجِيئِهِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] ، أَيْ: قَاصِدِينَ، أَوْ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَمَّنَا بِخَيْرٍ أَيْ قَصَدَنَا بِخَيْرٍ، حَالَ كَوْنِنَا قَاصِدِينَ طَاعَتَكَ أَوْ رِضَاكَ أَوْ بَابَكَ أَوْ سُؤَالَكَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَقُولَ: " ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ، فَقُولُوا: آمِينَ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ، ( «فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» " هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ) : بِمَعْنَاهُ.
(وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ، قَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا «أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) : وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: " «وَكَانَ إِذَا قَالَ آمِينَ يَسْمَعُ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ» "، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ: " «فَيَرْتَجُّ بِهَا الْمَسْجِدُ» "، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ أَنَّهُ ﵇ لَمَّا قَالَ: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] " قَالَ: " «رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ» "، وَرَوَى أَيْضًا أَنَّهُ ﵇ أَمَّنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ سِرًّا.
стр. 1298
٨٢٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ "، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَتِلْكَ بِتِلْكَ "، قَالَ: وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٨٢٧ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَتَادَةَ: " «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» ".
ــ
٨٢٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا صَلَّيْتُمْ) ، أَيْ: أَرَدْتُمُ الصَّلَاةَ (فَأَقِيمُوا) ، أَيْ: سَوُّوا (صُفُوفَكُمْ) : فَيُسَنُّ تَسْوِيَتُهَا بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا اعْوِجَاجٌ وَلَا فُرَجٌ (ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَسُكَّنُ (أَحَدُكُمْ) : وَالْأَفْضَلُ أَفْضَلُ، فَلَا يُنَافِيهِ رِوَايَةُ: أَكْبَرُكُمْ؛ لِأَنَّهَا لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ، وَتِلْكَ لِبَيَانِ حُصُولِ أَصْلِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ مَحْمُولَةٌ عَلَى اسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي السِّنِّ وَالْفَضِيلَةِ (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) : يُرِيدُ أَنَّ مُوَافَقَةَ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ، فَمَتَى تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ بِهَا عَلَى الْإِمَامِ أَوْ قَارَنَهُ فِيهَا أَوْشَكَّ فِي ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى السُّكُوتِ وَالِاسْتِمَاعِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْتُفِيدَ مِنْهُ نَدْبُ مُقَارَنَةِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ تَأْمِينَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ يُنْدَبُ لَهُ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنَ الْفَاتِحَةِ التَّأْمِينُ، وَالْمَأْمُومُ أُمِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْ يُؤَمِّنَ عَقِبَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَيْضًا، فَوَقَعَ تَأْمِينُهُمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، فَتَعِيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الْخَبَرِ السَّابِقِ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، أَيْ: أَرَادَ مُقَارَنَةَ التَّأْمِينِ لِيَجْتَمِعَ الْحَدِيثَانِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ السَّابِقَةِ، حَيْثُ أَنَّ الْأُولَى أَفَادَتِ الْوُجُوبَ، وَالثَّانِيَةَ النَّدْبَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ (يُجِبْكُمُ اللَّهُ) : بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ (فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا، وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ) : وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعْلِيلٌ لِتَرْتِيبِ الْجَزَاءِ عَلَى الشَّرْطِ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مُسَبَّبٌ عَلَى الشَّرْطِ وَالسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ (فَقَالَ) : أَيْ بَعْدَ مَا قَالَ مِنَ التَّعْلِيلِ قَالَ: (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَضْبُوطَةِ بِالتَّصْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ الْقَائِلَ هُوَ ﵇، وَقَدْ أَخْطَأَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّاوِيَ أَبُو مُوسَى: (فَتِلْكَ بِتِلْكَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّحْظَةَ الَّتِي سَبَقَكُمُ الْإِمَامُ بِهَا فِي تَقَدُّمِهِ إِلَى الرُّكُوعِ تَنْجَبِرُ بِتَأَخُّرِكُمْ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ رَفْعِهِ لَحْظَةً فَتِلْكَ اللَّحْظَةُ بِتِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَصَارَ قَدْرُ رُكُوعِكُمْ كَقَدْرِ رُكُوعِهِ (قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ : (وَإِذَا قَالَ) : أَيِ الْإِمَامُ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) : بِالضَّمِّ وَيُسَكَّنُ (فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ الْمَأْمُومُ عَلَى قَوْلِهِ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ؛ وَلِأَنَّهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ، وَالْمُنْفَرِدُ؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَالَ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " اهـ، وَفِيهِ أَنَّ الدَّلِيلَ الْقَوْلِيَّ أَقْوَى مِنَ الدَّلِيلِ الْفِعْلِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَشْرِيعٌ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ بِخِلَافِ فِعْلِهِ، وَأَيْضًا يُحْمَلُ جَمْعُهُ عَلَى حَالَةِ الِانْفِرَادِ، وَإِفْرَادُهُ عَلَى حَالَةِ الْجَمْعِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ وَيُوَافِقُ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ لَكَ الْحَمْدُ بِلَا وَاوٍ، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْوَاوِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ جَائِزَانِ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ اهـ.
وَقَالَ مَوْلَانَا أَبُو الْمَكَارِمِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ: جَاءَ فِي التَّحْمِيدِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فِي الْقِنْيَةِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ هُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي الْقِنْيَةِ الْأَظْهَرُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَاللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فِي الْمُحِيطِ هُوَ الْأَفْضَلُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَالْكُلُّ مَنْقُولٌ عَنِ النَّبِيِّ كَذَا فِي الْكَافِي اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي هَدْيِهِ: صَحَّ عَنْهُ ﵇ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّهُمَّ وَالْوَاوِ فَلَمْ يَصِحَّ اهـ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا بَعْدَ لَفْظِ الْحَدِيثِ أَوْ وَلَكَ الْحَمْدُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، قَالَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ: عَلَى إِثْبَاتِ الْوَاوِ يَكُونُ قَوْلُهُ: رَبَّنَا مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَا رَبَّنَا فَاسْتَجِبْ حَمْدَنَا وَدُعَاءَنَا وَلَكَ الْحَمْدُ اهـ.
وَتَقَدَّمَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ (يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ يَقْبَلْهُ، وَكَانَ مَجْزُومًا لِجَوَابِ الْأَمْرِ فَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ: يَكْتَفِي الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ تَقْطَعُ الشَّرِكَةَ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ
стр. 1299
٨٢٧ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) ، أَيْ: لِمُسْلِمٍ، قَالَ مِيرَكُ: وَلِابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَتَادَةَ) ، أَيْ: وَعَنْ قَتَادَةَ فَيَكُونُ أَثَرًا لَا حَدِيثًا، قَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا أَصْلًا، فَإِنَّ فِي كِتَابِهِ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قِيلَ لِمُسْلِمٍ، فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا أَصَحِيحٌ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَلِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَاهُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هُنَا إِنَّمَا وَضَعْتُ هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ، قَالَ الْحُفَّاظُ: جُمْلَةُ فَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا لَيْسَتْ صَحِيحَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَطْنَبَ الْبَيْهَقِيُّ فِي بُطْلَانِهَا، وَذَكَرَ عِلَلَهَا، وَنَقَلَ بُطْلَانَهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَأَبِي عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ وَغَيْرِهِمْ، (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) ، أَيِ: اسْكُتُوا، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْنِي عِنْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى السُّورَةِ اهـ، وَهُوَ حَمْلٌ بَعِيدٌ مَعَ عَدَمِ بَيَانِ مُرَادِهِ أَنَّهُ إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ السُّورَةَ فَأَنْصِتُوا أَوْ إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا عَنِ السُّورَةِ، وَفِيهِ مِنَ الْمَفَاهِيمِ مَا لَا يَصِحُّ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ فَتَدَبَّرْ وَأَنْصِفْ وَلَا تَتَكَدَّرْ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ قَوْلُهُ: وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ زِيَادَةً فِي حَدِيثِ: إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبِّرُوا، وَقَدْ ضَعَّفَهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ صِحَّةِ طَرِيقِهَا وَثِقَةِ رُوَاتِهَا، وَهَذَا هُوَ الشَّاذُّ الْمَقْبُولُ وَمِثْلُ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي حَدِيثِ مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ اهـ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَطُرُقِهِ، فَعَلَيْكَ بِهِ إِنْ أَرَدْتَ الْبَسْطَ، وَسَتَجِيءُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ حَدِيثًا مُسْتَقِلًّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1300
٨٢٨ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٨٢٨ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) ، يَعْنِي فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ (وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ) ، أَيْ: فَقَطْ، فَلَا تُسَنُّ قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الْمَغْرِبِ، وَالنَّسَائِيُّ فِيهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقِيلَ يُسَنُّ ذَلِكَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أَيْضًا لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَمَالِكٌ فِي الْمَغْرِبِ، وَيُقَاسُ بِهِ الْعِشَاءُ (وَيُسْمِعُنَا) ، مِنَ الْإِسْمَاعِ (الْآيَةَ) ، أَيْ: مِنَ الْفَاتِحَةِ مُطْلَقًا أَوِ السُّورَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ (أَحْيَانًا) ، يَعْنِي نَادِرًا مِنَ الْأَوْقَاتِ مَعَ كَوْنِ الظُّهْرِ صَلَاةً سِرِّيَّةً قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِبَعْضِ الْكَلِمَاتِ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، بِحَيْثُ يُسْمِعُ حَتَّى يُعْلَمُ مَا يَقْرَأُ مِنَ السُّورَةِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَيَقْرَأُ نَحْوَهَا مِنَ السُّورَةِ فِي نَحْوِهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لِغَلَبَةِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي التَّدَبُّرِ يَحْصُلُ الْجَهْرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ لِبَيَانِ جَوَازِهِ، أَوْ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ يَقْرَأُ أَوْ يَقْرَأُ سُورَةً بِهَذَا لِيَتَأَسَّوْا بِهِ اهـ.
وَقَوْلُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاءَ وَاجِبَانِ عَلَى الْإِمَامِ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِبَيَانِ الْجَوَازِ أَنَّ سَمَاعَ الْآيَةِ، أَوِ الْآيَتَيْنِ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ السِّرِّ (وَيُطَوِّلُ) : بِالتَّشْدِيدِ (فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطِيلُ) ، نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أَيْ: إِطَالَةً لَا يُطِيلُهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) ، أَوْ مَصْدَرِيَّةً، أَيْ: غَيْرَ إِطَالَتِهِ فِي الثَّانِيَةِ، فَتَكُونُ هِيَ مَعَ مَا فِي حَيِّزِهَا صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحِكْمَتُهُ أَنَّ النَّشَاطَ فِي الْأُولَى أَكْثَرُ، فَيَكُونُ الْخُشُوعُ وَالْخُضُوعُ فِيهَا كَذَلِكَ، فَطَوَّلَ فِيهَا لِذَلِكَ وَخَفَّفَ فِي غَيْرِهَا حَذَرًا مِنَ الْمَلَلِ، وَأَيْضًا لِيُدْرِكَهَا النَّاسُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ رَاوِي الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَاخْتُلِفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ هَلْ يُسَنُّ إِطَالَةُ الْأُولَى أَمْ لَا (وَهَكَذَا) ، أَيِ: الْمَذْكُورُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَطْ وَتَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ (فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا) ، أَيِ الْمَسْطُورُ مِنْ إِطَالَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ، قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِطَالَةَ بِاعْتِبَارِ زِيَادَةِ الثَّنَاءِ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ، وَسَيَجِيءُ مَا يَرُدُّهُ (فِي الصُّبْحِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْجَزْرِيِّ: أَنَّ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ فَتَأَمَّلْ.
следующие страницы →