Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
١٢٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ - تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْيِي آخِرَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ جُنُبًا، وَثَبَ فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٢٢٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ - تَعْنِي) : تَفْسِيرٌ لِضَمِيرِ كَانَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: تُرِيدُ عَائِشَةُ بِذَلِكَ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : بِالنَّصْبِ وَهُوَ مَفْعُولُ (تَعْنِي) فِي الظَّاهِرِ، وَاسْمُ (كَانَ) فِي الْمَعْنَى (يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِي آخِرَهُ، ثُمَّ) : قِيلَ: يُمْكِنُ إِنَّ (ثُمَّ) هُنَا لِتَرَاخِي الْأَخْبَارِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: وَبَعْدَ صَلَاتِهِ وَفَرَاغِهِ مِنْ وِرْدِهِ، (وَإِنْ كَانَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: كَانَ (لَهُ حَاجَةٌ) ، أَيْ: بَعْدَ إِحْيَاءِ اللَّيْلَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (إِلَى أَهْلِهِ) : الْمُرَادُ مُبَاشَرَةُ زَوْجَتِهِ (قَضَى حَاجَتَهُ) ، أَيْ: فَعَلَهَا (ثُمَّ يَنَامُ) ، أَيْ: لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْعِبَادَةِ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ لَفْظَةَ (ثُمَّ) لِيُعْلَمَ أَنَّ الْجَدِيرَ بِهِ ﵊ تَقْدِيمُ الْعِبَادَةِ عَلَى الشَّهْوَةِ وَأُمُورِ الْعَادَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَأْخِيرُ الْوَطْءِ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ أَوْلَى ; لِأَنَّ أَوَّلَ اللَّيْلِ قَدْ يَكُونُ مُمْتَلِئًا، وَالْجِمَاعُ عَلَى الِامْتِلَاءِ مُضِرٌّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الْغُسْلُ فَيَنَامُ عَلَى جَنَابَةٍ وَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَنَوْمُهُ ﵊ بَعْدَ الْوَطْءِ قَبْلَ الْغُسْلِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ الَّذِي لَوْلَاهُ لَفُهِمَ مِنْ نَهْيِ الْجُنُبِ عَنِ النَّوْمِ قَبْلَ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ حُرْمَتُهُ. اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَقَدَ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، وَالْأَوْلَى حَمْلُ فِعْلِهِ عَلَى الْكَمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (فَإِنْ كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ) : قِيلَ، أَيْ: أَذَانُ بِلَالٍ إِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ، وَالنِّدَاءُ الثَّانِي أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عِنْدَ الصُّبْحِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ الْأَذَانُ، وَبِالثَّانِي الْإِقَامَةُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ نَسَبَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ إِلَى غَلَطٍ فَاحِشٍ (جُنُبًا) ، أَيْ: مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ آخِرِهِ (وَثَبَ) ، أَيْ: قَامَ بِسُرْعَةٍ مِنَ النَّوْمِ (فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) ، أَيِ: اغْتَسَلَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ) : وَإِمَّا لِلتَّجْدِيدِ أَوْ لِسَبَبٍ آخَرَ (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: سُنَّةَ الْفَجْرِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ يَبْتَدِئُ بِهِمَا كَمَا ذُكِرَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَهُوَ يُنَاقِضُ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ أَعْنِي بَعْدَ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِحْيَاءَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا سُنَّةُ الْوُضُوءِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَذْهَبِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
قُلْتُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مُفَصَّلًا عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى تَمَامِ نِصْفِهِ الْأَوَّلِ» ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ يَقُومُ، أَيِ: السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ لِلتَّهَجُّدِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَوْتَرَ ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ، أَيْ: لِلنَّوْمِ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي السُّدُسِ السَّادِسِ لِيَقْوَى بِهِ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ وَظَائِفِ الطَّاعَاتِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ، أَيْ: قَرُبَ مِنْهُمْ لِذَلِكَ، فَإِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ، ظَاهِرُهُ الْأَذَانُ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَ تَبَيُّنِ الصُّبْحِ، وَثَبَ فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ مُلَّا حَنَفِي: وَهَذَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. اهـ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1822
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٢٢٧ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٢٢٧ - (عَنْ أَبِي أُمَامَةُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؟ ") ، أَيِ: الْزَمُوا الْقِيَامَ بِالْعِبَادَةِ فِي اللَّيْلِ، (" فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ ") : بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ وَيُحَرَّكُ، أَيْ: عَادَتُهُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الدَّأْبُ: الْعَادَةُ وَالشَّأْنُ وَقَدْ يُحَرَّكُ، وَأَصْلُهُ مِنْ دَأَبَ فِي الْعَمَلِ: إِذَا جَدَّ وَتَعِبَ. اهـ. وَهُوَ مَا يُوَاظِبُونَ عَلَيْهِ وَيَأْتُونَ بِهِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ آلَ دَاوُدَ كَانُوا يَقُومُونَ بِاللَّيْلِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّكُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَا يَقُومُ اللَّيْلَ لَيْسَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْكَامِلِينَ، بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُزَكَّى عَلَنًا لَا سِرًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِمُ الْأَنْبِيَاءُ الْمَاضُونَ. (" قَبْلَكُمْ ") ، أَيْ: وَهِيَ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ (" وَهُوَ ") ، أَيْ: مَعَ كَوْنِهِ اقْتِدَاءً بِسِيرَةِ الصَّالِحِينَ (" قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ") ، أَيْ: مَحَبَّةُ مَوْلَاكُمْ مِمَّا تَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: " «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» . (" وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ ") : مَصْدَرَانِ مِيمِيَّانِ كَالْمَحْمَدَةِ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، أَيْ: سَاتِرَةٌ لِلذُّنُوبِ وَمَاحِيَةٌ لِلْعُيُوبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَنَاهِيَةٌ (" عَنِ الْإِثْمِ ") ، أَيِ: ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ، وَالشَّيْخُ مُحْيِي السُّنَّةِ كِلَاهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ يَرْفَعُهُ بِزِيَادَةٍ: " وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ مِنَ الْجَسَدِ "، وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ رَكْعَةً» . اهـ. يَعْنِي: وَلَوْ وَقَعَتْ رَكْعَةٌ فِي اللَّيْلِ.
стр. 1823
١٢٢٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثَةٌ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ: الرَّجُلُ إِذَا قَامَ بِاللَّيْلِ يُصَلِّي، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا فِي الصَّلَاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
١٢٢٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلَاثَةٌ ") ، أَيْ: ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَالْأَوْلَى أَشْخَاصٌ، وَيُرَادُ بِهَا الْأَنْوَاعُ، أَوَّلًا ثُمَّ الْقَوْمُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَصْنَافٌ. وَفِي الْمَصَابِيحِ: ثَلَاثَةٌ، أَيْ: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، قَالَهُ فِي الْمَفَاتِيحِ. (" يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ ") ، أَيْ: يَرْضَى عَنْهُمْ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ نَظَرَ عِنَايَةٍ بَالِغَةٍ وَيَرْحَمُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً سَابِغَةً. (" الرَّجُلُ ") : خَصَّ ذِكْرَهُ نَظَرًا لِغَالِبِ الْحَالِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ عَمَلُ الرِّجَالِ (" إِذَا قَامَ بِاللَّيْلِ يُصَلِّي ") : وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقُلِ الْقَوْمَ إِذَا قَامُوا مَعَ أَنَّهُ الْمُطَابِقُ لِمَا بَعْدَهُ مِنَ الْمُتَعَاطِفِينَ، لِئَلَّا يُوهِمَ قَيْدَ الْجَمَاعَةِ وَالِاجْتِمَاعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، وَهُوَ بَدَلٌ عَنِ الرَّجُلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ [مريم: ١٦] . اهـ. وَفِي كَوْنِهِ بَدَلًا نَظَرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ (" وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا فِي الصَّلَاةِ ") : لِلْجِهَادِ الْأَكْبَرِ (" وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ ") : لِلْجِهَادِ الْأَصْغَرِ، وَالتَّرْتِيبُ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى فَضِيلَةً وَمَشَقَّةً ; لِأَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ، ثُمَّ الْجَمَاعَةُ لِلِاخْتِلَافِ فِي فَرْضِيَّتِهَا (رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَعَ بَعْضِ تَغْيِيرٍ فِي اللَّفْظِ.
стр. 1824
١٢٢٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا.
ــ
١٢٢٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) : بِالْحَرَكَاتِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ ") ، أَيْ: رِضَاهُ (" مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ") : خَبَرُ أَقْرَبُ، أَيْ: أَقْرَبِيَّتُهُ تَعَالَى مِنْ عِبَادِهِ كَائِنَةٌ فِي اللَّيْلِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّجَلِّي الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنُّزُولِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا حَالٌ مِنَ الرَّبِّ، أَيْ: قَائِلًا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ) : الْحَدِيثَ. سَدَّتْ مَسَدَّ الْخَبَرِ، أَوْ مِنَ الْعَبْدِ، أَيْ: قَائِمًا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ دَاعِيًا مُسْتَغْفِرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ الْأَقْرَبِ، وَمَعْنَاهُ سَبَقَ فِي بَابِ السَّجْدَةِ مُسْتَقْصًى.
فَإِنْ قُلْتَ: الْمَذْكُورُ هَاهُنَا أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ وَهُنَاكَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ: يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَخْ. أَنَّ رَحْمَتَهُ سَابِقَةٌ، فَقُرْبُ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنَ الْمُحْسِنِينَ سَابِقٌ عَلَى إِحْسَانِهِمْ، فَإِذَا سَجَدُوا قَرُبُوا مِنْ رَبِّهِمْ بِإِحْسَانِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وَفِيهِ أَنَّ لُطْفَ اللَّهِ وَتَوْفِيقَهُ سَابِقٌ عَلَى عَمَلِ الْعَبْدِ وَسَبَبٌ لَهُ، وَلَوْلَاهُ، لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الْعَبْدِ خَيْرٌ قَطُّ. اهـ.
وَقَالَ مِيرَكُ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ السُّجُودِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ؟ قُلْتُ: الْمُرَادُ هَاهُنَا بَيَانُ وَقْتِ كَوْنِ الرَّبِّ أَقْرَبَ مِنَ الْعَبْدِ، وَهُوَ جَوْفُ اللَّيْلِ، وَالْمُرَادُ هُنَا بَيَانُ أَقْرَبِيَّةِ أَحْوَالِ الْعَبْدِ مِنَ الرَّبِّ وَهُوَ حَالُ السُّجُودِ. تَأَمَّلْ. اهـ. يَعْنِي فَإِنَّهُ دَقِيقٌ وَبِالتَّأَمُّلِ حَقِيقٌ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ هَذَا وَقْتُ تَجَلٍّ خَاصٌّ بِوَقْتٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْعَبْدِ لِوُجُودِهِ لَا عَنْ سَبَبٍ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ أَدْرَكَهُ أَدْرَكَ ثَمَرَتَهُ، وَمَنْ لَا فَلَا. غَايَتُهُ أَنَّهُ مَعَ الْعِبَادَةِ أَتَمُّ مَنْفَعَةً وَنَتِيجَةً، وَأَمَّا الْقُرْبُ النَّاشِئُ مِنَ السُّجُودِ فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى فِعْلِ الْعَبْدِ وَخَاصٌّ بِهِ، فَنَاسَبَ كُلَّ مَحَلٍّ مَا ذُكِرَ فِيهِ. (" الْآخِرِ ") : صِفَةٌ لِجَوْفِ اللَّيْلِ عَلَى أَنَّهُ يُنَصِّفُ اللَّيْلَ، وَيَجْعَلُ لِكُلِّ نِصْفٍ جَوْفًا، وَالْقُرْبُ يَحْصُلُ فِي جَوْفِ النِّصْفِ الثَّانِي، فَابْتِدَاؤُهُ يَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَهُوَ وَقْتُ الْقِيَامِ لِلتَّهَجُّدِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ. (" فَإِنِ اسْتَطَعْتَ ") ، أَيْ: قَدَرْتَ وَوُفِّقْتَ (" أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ ") : فِي ضِمْنِ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا (" فِي تِلْكَ السَّاعَةِ ") : إِشَارَةٌ إِلَى لُطْفِهَا (" فَكُنْ ") ، أَيِ: اجْتَهِدْ أَنْ تَكُونَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، فَلَعَلَّكَ تَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِبَرَكَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ مِمَّنْ نُظِمَ فِي سِلْكِ الذَّاكِرِينَ لِتَقَدُّمِهِمْ، وَيُفَاضُ عَلَيْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ. نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ لِمَنِ الصَّالِحِينَ أَبْلَغُ مِنْ إِنَّهُ لِصَالِحٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادُهُ) : تَمْيِيزٌ عَنِ الْغَرِيبِ، أَيْ: غَرِيبٌ إِسْنَادُهُ لَا مَتْنُهُ، وَيُعْرَفُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْغَرَابَةِ وَالصِّحَّةِ.
стр. 1825
١٢٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ. رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٢٣٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ ") ، أَيْ: بَعْضَهُ (" فَصَلَّى ") ، أَيِ: التَّهَجُّدَ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَهُوَ أَوْلَى بِالْأَدَاءِ (" وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ ") : بِالتَّنْبِيهِ أَوِ الْمَوْعِظَةِ وَفِي مَعْنَاهَا مَحَارِمُهُ (" فَصَلَّتْ ") : مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ (" فَإِنْ أَبَتْ ") ، أَيِ: امْتَنَعَتْ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ وَكَثْرَةِ الْكَسَلِ (" نَضَحَ ") ، أَيْ: رَشَّ (" فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ ") : وَالْمُرَادُ التَّلَطُّفُ مَعَهَا وَالسَّعْيُ فِي قِيَامِهَا لِطَاعَةِ رَبِّهَا مَهْمَا أَمْكَنَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِكْرَاهَ أَحَدٍ عَلَى الْخَيْرِ يَجُوزُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ. (" رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ ") ، أَيْ: وُفِّقَتْ بِالسَّبْقِ (" فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا ") : وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَفِي التَّرْتِيبِ الذَّكَرِيِّ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ لَا تَخْفَى (" فَصَلَّى ") ، أَيْ: بِسَبَبِهَا (" فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ") : وَفِيهِ بَيَانُ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَكَمَالِ الْمُلَاطَفَةِ وَالْمُوَافَقَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
стр. 1826
١٢٣١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: " جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٢٣١ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟) ، أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَسْمَعَهُ اللَّهُ، أَيْ يَقْبَلُهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ ; لِأَنَّ الْمَسْمُوعَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا يَقْتَرِنُ بِالْقَبُولِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُقَدَّرٍ إِمَّا فِي السُّؤَالِ، أَيْ: أَيُّ أَوْقَاتِ الدُّعَاءِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ؟ وَإِمَّا فِي الْجَوَابِ، أَيْ دُعَاؤُهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ (قَالَ: " جَوْفُ اللَّيْلِ ") : رُوِيَ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ، وَقَوْلُهُ: (" الْآخِرُ ") : صِفَتُهُ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ مِيرَكُ: جَوْفُ اللَّيْلِ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، أَيِ: الدُّعَاءُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ. مَنْصُوبٌ صِفَةٌ لِلْجَوْفِ، وَالرَّفْعُ مُحْتَمَلٌ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، أَيْ: دُعَاءُ جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، وَهُوَ الْخَامِسُ مِنْ أَسْدَاسِ اللَّيْلِ. (" وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ") : بِنَصْبِ دُبُرٍ وَرَفْعِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: حَسَّنَهُ.
стр. 1827
١٢٣٢ - وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رِضَى اللَّهِ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا، يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
١٢٣٢ - (وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا ") ، أَيْ: عَلَالِيَ فِي غَايَةٍ مِنَ اللَّطَافَةِ، وَنِهَايَةٍ مِنَ الصَّفَاءِ وَالظَّرَافَةِ. (" يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ") : وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى. (" أَعَدَّهَا اللَّهُ ") ، أَيْ: هَيَّأَهَا (" لِمَنْ أَلَانَ ") ، أَيْ: أَطَابَ (" الْكَلَامَ ") : كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَرُوِيَ: أَلْيَنَ كَأَجْوَدَ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ لَفْظُ الْمَصَابِيحِ، وَرُوِيَ لَيِّنٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَالْمَعْنَى لِمَنْ لَهُ خُلُقٌ حَسَنٌ مَعَ الْأَنَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فَيَكُونُ مِنْ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا الْمَوْصُوفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] (" وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ ") : بِالْكَرَمِ التَّامِّ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ (" وَتَابَعَ الصِّيَامَ ") ، أَيْ: أَكْثَرَ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ بِحَيْثُ تَابَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَلَا يَقْطَعُهَا رَأْسًا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: أَقَلُّهُ أَنْ يَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّوْمِ (" وَصَلَّى بِاللَّيْلِ ") ، أَيْ: لِمَنْ لَا يَنَامُ (" وَالنَّاسُ ") ، أَيْ: غَالَبُهُمْ (" نِيَامٌ ") : جَمْعُ نَائِمٍ أَوْ غَافِلُونَ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا رِيَاءَ يَشُوبُ عَمَلَهُ وَلَا شُهُودَ غَيْرٍ؛ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] الْمُنْبِئُ وَصْفُهُمْ بِذَلِكَ عَنْ أَنَّهُمْ فِي غَايَةٍ مِنَ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ نَحْوَهُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَيُرَى بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ". فَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطَيْهِمَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ نَحْوَهُ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ، وَفِيهِ: " «أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» ".
стр. 1828
١٢٣٣ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَفِي رِوَايَتِهِ: ". «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ» ".
ــ
١٢٣٣ - (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ) : وَقَالَ: غَرِيبٌ. نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَفِي رِوَايَتِهِ) ، أَيِ التِّرْمِذِيِّ، أَوْ عَلِيٍّ: (" لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ ") : قَالَ مِيرَكُ: لَفْظُ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي التِّرْمِذِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا " فَقَامَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» ".
стр. 1829
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٢٣٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٢٣٤ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ لِي) ، أَيْ: خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعِيَ أَحَدٌ
(رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَبْدَ اللَّهِ! لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ ") ، أَيْ: فِي هَذِهِ الْخَصْلَةِ الَّتِي أَذْكُرُهَا لَكَ وَهِيَ: (" أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ ") ، أَيْ: بَعْضَهُ لِلتَّهَجُّدِ فِيهِ (" فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ") ، أَيْ: لَا عَنْ عُذْرٍ بَلْ دَعَةً وَرَفَاهِيَةً، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُوفِينَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَانْتَظَمَ فِي سِلْكِ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ تَارِكَ الْوِرْدِ مَلْعُونٌ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الْوِرْدِ مَلْعُونٌ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُرَائِي، وَالْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِ فُلَانٍ لِيَسْمَعَ هَذَا الْكَلَامَ وَيَتَنَبَّهَ مِنَ النِّيَامِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْعِبَادَةِ وَالرُّجُوعَ إِلَى الْعَادَةِ قَهْقَرَى فِي السَّيْرِ وَنُقْصَانٌ بَعْدَ الزِّيَادَةِ، وَفِي الدُّعَاءِ: " «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ» " إِذْ يَنْبَغِي لِلسَّالِكِ، وَالْمُرِيدِ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لِلْمَزِيدِ، وَلِذَا قِيلَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي زِيَادَةٍ فَهُوَ فِي نُقْصَانٍ، وَمَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ، وَالْمُرَادُ زِيَادَةُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لَا الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْأَهْلِ، كَمَا قَالَ، وَنِعْمَ مَنْ قَالَ:
زِيَادَةُ الْمَرْءِ فِي دُنْيَاهُ نُقْصَانٌ ... وَرِبْحُهُ غَيْرُ مَحْضِ الْخَيْرِ خُسْرَانُ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 1830
١٢٣٥ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «كَانَ لِدَاوُدَ ﵇ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ يُوقِظُ فِيهَا أَهْلَهُ يَقُولُ: يَا آلَ دَاوُدَ قُومُوا فَصَلُّوا، فَإِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ يَسْتَجِيبُ اللَّهُ فِيهَا الدُّعَاءَ إِلَّا لِسَاحِرٍ أَوْ عَشَّارٍ» ) : رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٢٣٥ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " كَانَ لِدَاوُدَ ﵇ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ ") : اسْمُ كَانَ، وَ (مِنْ) بَيَانِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ (" يُوقِظُ فِيهَا أَهْلَهُ ") : لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ، أَيِ الْقَائِمُ بِاللَّيْلِ، يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] (" يَقُولُ: يَا آلَ دَاوُدَ! قُومُوا فَصَلُّوا ") ، أَيْ: مِنَ اللَّيْلِ وَلَوْ قَلِيلًا (" فَإِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ يَسْتَجِيبُ اللَّهُ فِيهَا الدُّعَاءَ ") : وَالصَّلَاةُ نَفْسُهَا دُعَاءٌ ; لِأَنَّ الثَّنَاءَ وَالْقِيَامَ فِي خِدْمَةِ الْمَوْلَى تَعَرُّضٌ لِلْعَطَاءِ، أَوْ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ الْمَحْفُوفِ بِالذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ، (" إِلَّا لِسَاحِرٍ ") ، أَيْ: لِمُخَالَفَتِهِ الْخَالِقَ (" أَوْ عَشَّارٍ ") ، أَيْ: آخِذِ الْعُشُرِ وَهُوَ الْمَكَّاسُ، وَإِنْ أَخَذَ أَقَلَّ مِنَ الْعُشُرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ أَحْوَالِ الْمَكَّاسِينَ، وَذَلِكَ لِمَضِرَّتِهِ الْخَلْقَ. وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْعُبُودِيَّةُ هِيَ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. فَـ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَثْنَى مِنْ جَمِيعِ خَلْقِ اللَّهِ السَّاحِرَ وَالْعَشَّارَ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ وَتَغْلِيظًا، أَنَّهُمْ كَالْآيِسِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الْعَامَّةِ لِلْخَلَائِقِ. اهـ. يَعْنِي: فَإِنَّهُمْ وَإِنْ قَامُوا وَدَعَوْا لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُمْ لِغِلَظِ مُصِيبَتِهِمْ وَصُعُوبَةِ تَوْبَتِهِمْ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ مَا يُوَفَّقُونَ لِهَذَا الْخَيْرِ لِمَا ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ الْكَثِيرِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ مُتَّصِلٌ، وَعَلَى الثَّانِي مُنْفَصِلٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 1831
١٢٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٢٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ ") ، أَيْ: وَرَوَاتِبُهَا. وَوَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ، أَيِ: الْمَفْرُوضَةُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ. (" صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَفِي الْحِصْنِ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، عَلَى أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الرَّوَاتِبَ أَفْضَلُ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى لِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ مِنْ أَفْضَلِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ خِلَافُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: التَّهَجُّدُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةِ مَشَقَّتِهِ عَلَى النَّفْسِ وَبُعْدِهِ عَنِ الرِّيَاءِ. وَالرَّوَاتِبُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ الْآكَدِيَّةِ فِي الْمُتَابَعَةِ لِلْمَفْرُوضَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ، أَوْ يُقَالُ: صَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْوَتْرِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ.
стр. 1832
١٢٣٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، فَقَالَ: " إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
١٢٣٧ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا) ، أَيْ: رَجُلًا مُعَيَّنًا (يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ) ، أَيْ: قَارَبَ الصُّبْحُ (سَرَقَ) : أَوْ سَرَقَ بِالنَّهَارِ وَلَوْ بِالتَّطْفِيفِ وَنَحْوِهِ، (فَقَالَ: " إِنَّهُ ") ، أَيِ: الشَّأْنُ (" سَتَنْهَاهُ ") : بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَالْفَاعِلُ إِمَّا ضَمِيرٌ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى الصَّلَاةِ، أَيْ: هِيَ تَنْهَاهُ عَمَّا تَقُولُ، أَوْ مَا فِي قَوْلِهِ: (" مَا تَقُولُ ") ; لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ، وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ فَالْفَاعِلُ " مَا " وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَالصَّحِيحُ مِنَ النُّسَخِ (مَا تَقُولُ) بِالْخِطَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْغَيْبَةِ، أَيِ: الرَّجُلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى السِّينِ لِلتَّأْكِيدِ فِي الْإِثْبَاتِ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَدَمِهَا، كَمَا أَنَّ (لَنْ) لِلتَّأْكِيدِ فِي النَّفْيِ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى " لَا "، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَمِثْلُ هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا مَحَالَةَ تَنْهَاهُ فَيَتُوبُ عَنِ السَّرِقَةِ قَرِيبًا، فَالسِّينُ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ التَّنْفِيسِ ; إِذْ لَا بُدَّ مِنْ مُزَاوَلَةِ الصَّلَاةِ زَمَنًا حَتَّى يَجِدَ مِنْهَا حَالَةً فِي قَلْبِهِ تَمْنَعُهُ مِنَ الْإِثْمِ. اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 1833
١٢٣٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّيَا أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٢٣٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا، أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ ") ، أَيِ: امْرَأَتَهُ أَوْ نِسَاءَهُ وَأَوْلَادَهُ وَأَقَارِبَهُ وَعَبِيدَهُ وَإِمَاءَهُ، (" مِنَ اللَّيْلِ ") ، أَيْ: فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، (" فَصَلَّيَا ") ، أَيِ: الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، أَوِ الرَّجُلُ وَأَهْلُهُ (" أَوْ صَلَّى ") ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (" رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنْ فَاعِلِ " فَصَلَّيَا " عَلَى التَّثْنِيَةِ لَا الْإِفْرَادِ ; لِأَنَّهُ تَرْدِيدٌ مِنَ الرَّاوِي، فَالتَّقْدِيرُ: فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ أَدْخَلَ أَوْ صَلَّى فِي الْبَيْنِ، فَإِذَا أُرِيدَ تَقْيِيدُهُ بِفَاعِلِهِ يُقَدَّرُ فَصَلَّى وَصَلَّتْ جَمِيعًا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ التَّنَازُعِ. اهـ.
وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ (جَمِيعًا) لَيْسَ بِقَيْدٍ لِقَوْلِهِ: " فَصَلَّى " مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: فَصَلَّيَا جَمِيعًا، أَوْ صَلَّى، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الشَّكَّ إِنَّمَا هُوَ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْبَقِيَّةُ عَلَى حَالِهَا، فَيُقَالُ حِينَئِذٍ: إِنَّ (جَمِيعًا) حَالٌ مِنْ مَعْنَى ضَمِيرِ (فَصَلَّى) وَهُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: (جَمِيعًا) تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ (صَلَّيَا) أَوْ (صَلَّى) لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا وَقَعَ لِلشَّارِحِ هُنَا. (" كُتِبَا ") ، أَيِ: الصِّنْفَانِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (" فِي الذَّاكِرِينَ ") ، أَيِ: اللَّهَ كَثِيرًا، أَيْ: فِي جُمْلَتِهِمْ (" وَالذَّاكِرَاتِ ") : كَذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ ") : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ: مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ، زَادَ النَّسَائِيُّ: جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا.
стр. 1834
١٢٣٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَشْرَافُ أُمَّتَيْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، وَأَصْحَابُ اللَّيْلِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
١٢٣٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَشْرَافُ أُمَّتَيْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ ") : يَعْنِي: مَنْ حَفِظَ مَبَانِيَهُ وَعَرَفَ مَعَانِيَهُ، وَعَمِلَ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، فَكُلُّ مَنْ حَمَلَهُ أَكْثَرَ وَبِمَقْصُودِهِ أَسْعَفَ يَكُونُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ أَشْرَفَ. قَالَ ﵇: " «مَنْ حِفْظِ الْقُرْآنَ فَقَدْ أُدْرِجَتِ النُّبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ وَحْيًا جَلِيًّا فَإِنَّهُ قَدْ يُوحَى إِلَيْهِ وَحْيًا خَفِيًّا» "، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ مَنْ حَفِظَهُ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَإِلَّا كَانَ فِي زُمْرَةِ مَنْ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] (" وَأَصْحَابُ اللَّيْلِ ") ، أَيْ: أَصْحَابُ الْعِبَادَةِ الْخَالِصَةِ فِي الْوَقْتِ الْبَرِيءِ مِنَ الرِّيَاءِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ، يَعْنِي الْأَشْرَافُ هُمُ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الرَّافِعِ، أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَشْرَفُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَّةِ، فَالْأَوَّلُونَ أَفْضَلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الذَّاكِرِينَ، وَالْآخِرُونَ أَفْضَلُ الْعُمَّالِ الْحَاضِرِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِضَافَةُ الْأَصْحَابِ إِلَى اللَّيْلِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَثْرَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ، كَمَا يُقَالُ: ابْنُ السَّبِيلِ لِمَنْ يُوَاظِبُ عَلَى السُّلُوكِ. اهـ. يَعْنِي سُلُوكَ السَّفَرِ الظَّاهِرِ، كَمَا يُقَالُ: ابْنُ الْوَقْتِ لِمَنْ يُحَافِظُ أَوْقَاتَهُ وَيُرَاعِي سَاعَاتِهِ لِيُرَتِّبَ طَاعَاتِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
стр. 1835
١٢٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ، يَقُولُ لَهُمْ: الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
١٢٤٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ : وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ: عَنْهُمَا، وَهُوَ مُوهِمٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ عُمَرُ وَابْنُهُ لَا عُمَرُ وَأَبُوهُ. (كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ) ، أَيْ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، أَوْ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْأَوْقَاتِ (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ) : لِيَنْتَفِعُوا بِمَا انْتَفَعَ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ (يَقُولُ لَهُمْ: الصَّلَاةَ) : مَنْصُوبَةٌ بِتَقْدِيرِ أَقِيمُوا أَوْ صَلُّوا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِمَعْنَى: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] : وَهِيَ بِعُمُومِهَا تَشْمَلُ صَلَاةَ اللَّيْلِ ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ، أَيْ: بَالِغْ فِي الصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّاتِهَا وَمَشَاقِّ أَمْرِ أَهْلِكَ بِهَا، فَأَقْبِلْ أَنْتَ مَعَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى غِنَى فَقْرِكُمُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَلَا تَهْتَمَّ بِأَمْرِ الرِّزْقِ، وَفَرِّغْ قَلْبَكَ لِأَمْرِ الْآخِرَةِ ; لِأَنَّا لِعَظَمَتِنَا وَقُدْرَتِنَا عَلَى رِزْقِ الْعِبَادِ. ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢] ، أَيْ: تَحْصِيلَ رِزْقٍ لَكَ وَلَا لِغَيْرِكَ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] : كَمَا نُرْزَقُ غَيْرَكَ (وَالْعَاقِبَةُ) ، أَيِ الْمَحْمُودَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى (لِلتَّقْوَى) ، أَيْ: لِأَرْبَابِ التُّقَى مِنْ أُولِي النُّهَى الْجَامِعِينَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ، الْوَاصِلِينَ إِلَى مَقَامِ الِاخْتِصَاصِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) : وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا أَصَابَتْهُ خَصَاصَةٌ قَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا، بِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1836
[بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٢٤١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى يُظَنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى يُظَنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٣٤] بَابُ الْقَصْدِ
أَيِ: الِاقْتِصَادُ وَالتَّوَسُّطُ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (فِي الْعَمَلِ) ، أَيْ: عَمَلُ النَّوَافِلِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٢٤١ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ) أَيْ أَيَّامًا كَثِيرَةً (حَتَّى نَظُنَّ) ، أَيْ: نَحْنُ، وَفِي نُسْخَةٍ: يُظَنُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بِالْمُثَنَّاةِ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ. (أَنْ لَا يَصُومَ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ، وَوَجْهُهُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (مِنْهُ) ، أَيْ: مِنَ الشَّهْرِ (شَيْئًا) : يَعْنِي يُفْطِرُ كَثِيرًا مِنَ الشَّهْرِ، حَتَّى نَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَصُومُ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ يَصُومُ بَاقِيَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ، (وَيَصُومُ) ، أَيْ: وَكَذَا يَصُومُ كَثِيرًا، أَيْ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ، أَوْ مِنْ شَهْرٍ آخَرَ (حَتَّى نَظُنَّ) : بِالْوَجْهَيْنِ (أَنْ لَا يُفْطِرَ) : بِالْإِعْرَابَيْنِ (مِنْهُ) ، أَيْ: مِنَ الشَّهْرِ (شَيْئًا) ، أَيْ: ثُمَّ يَصُومُ بَاقِيَهُ (وَكَانَ لَا تَشَاءُ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: " لَا " بِمَعْنَى " لَيْسَ " أَوْ بِمَعْنَى " لَمْ "، أَيْ لَسْتَ تَشَاءُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ تَشَاءُ، أَوْ لَا زَمَانَ تَشَاءُ، أَوْ لَا مِنْ زَمَانٍ تَشَاءُ (أَنْ تَرَاهُ) ، أَيْ: رُؤْيَتُهُ فِيهِ (مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) ، أَيْ: نَائِمًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ قَالَهُمَا ابْنُ الْمَلَكِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا، وَكَذَا قَدَّرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) ، أَيْ: نَائِمًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَلَكِ يُقَدَّرُ مُصَلِّيًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا التَّرْكِيبُ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْبَدَلِ، وَتَقْدِيرُهُ عَلَى الْإِثْبَاتِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ تَشَأْ رُؤْيَتَهُ مُتَهَجِّدًا رَأَيْتَهُ مُتَهَجِّدًا، وَإِنْ تَشَأْ رُؤْيَتَهُ نَائِمًا رَأَيْتَهُ نَائِمًا، أَيْ: كَانَ أَمْرُهُ قَصْدًا لَا إِسْرَافَ فِيهِ وَلَا تَقْصِيرَ، يَنَامُ فِي وَقْتِ النَّوْمِ وَهُوَ أَوَّلُ اللَّيْلِ، وَيَتَهَجَّدُ فِي وَقْتِهِ وَهُوَ آخِرُهُ، وَعَلَى هَذَا حِكَايَةُ الصَّوْمِ، وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ ثَلَاثَةِ رَهْطٍ عَلَى مَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا وَلَا أُفْطِرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي " ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
قُلْتُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ أَنَسٍ، «سُئِلَ عَنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَرَى أَنْ لَا يُرِيدَ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ، وَيُفْطِرُ مِنْهُ حَتَّى نَرَى أَنْ لَا يُرِيدَ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكُنْتَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ نَائِمًا» . اهـ. وَبِهَذَا اتَّضَحَ تَصْوِيبُ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ سَابِقًا.
стр. 1837
١٢٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٢٤٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَحَبُّ الْأَعْمَالِ ") ، أَيِ: الْأَوْرَادُ (" إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا ") ; لِأَنَّ النَّفْسَ تَأْلَفُ لَهُ وَتُدَاوِمُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: بِهَذَا الْحَدِيثِ يُنْكِرُ أَهْلُ التَّصَوُّفِ تَرْكَ الْأَوْرَادِ، كَمَا يُنْكِرُونَ تَرْكَ الْفَرَائِضِ. اهـ. وَالِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو فِيمَا قَبْلَ الْبَابِ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي يَلِي هَذَا الْحَدِيثَ أَظْهَرُ، إِنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ يُوَجَّهُ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الطَّاعَةَ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَكَأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ عِبَادَةِ الْمَوْلَى، فَيَسْتَحِقُّ الْمَقْتَ بِخِلَافِ الْمُدَاوِمِ عَلَى الْبَابِ حَيْثُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجْعَلَ مِنَ الْأَحْبَابِ، وَيُعَدَّ مِنْ أَرْبَابِ أُولِي الْأَلْبَابِ، (" وَإِنْ قَلَّ ") ، أَيْ: وَلَوْ قَلَّ الْعَمَلُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ مَعَ الْمُدَاوَمَةِ وَالْمُوَاظَبَةِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مَعَ تَرْكِ الْمُرَاعَاةِ وَالْمُحَافَظَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : فِي الْأَزْهَارِ: هَذَا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ، سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ. اهـ. فَتَكُونُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي الْمَعْنَى.
стр. 1838
١٢٤٣ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٢٤٣ - (" وَعَنْهَا ") ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ ") ، أَيِ: الْأَوْرَادِ مِنَ الْأَذْكَارِ وَسَائِرِ النَّوَافِلِ مِنْ قَبِيلِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ (" مَا تُطِيقُونَ ") ، أَيِ: الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي لَا تَحْمِلُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْرَادًا كَثِيرَةً بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى مُدَاوَمَتِهَا فَتَتْرُكُونَهَا، (" فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ ") : قَالَ: ابْنُ الْمَلَكِ: مَعْنَى الْمَلَالِ مِنَ اللَّهِ تَرْكُ إِعْطَاءِ الثَّوَابِ، (" حَتَّى تَمَلُّوا ") ، أَيْ: تَتْرُكُوا عِبَادَتَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْرِضُ عَنْكُمْ إِعْرَاضَ الْمَلُولِ عَنِ الشَّيْءِ، وَلَا يَقْطَعُ عَنْكُمُ الثَّوَابَ وَالرَّحْمَةَ مَا بَقِيَ لَكُمْ نَشَاطُ الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: لَا يَتْرُكُ فَضْلَهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَتْرُكُوا سُؤَالَهُ، وَذُكِرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لِلِازْدِوَاجِ مِثْلَ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ، وَإِلَّا فَالْمَلَالُ وَهُوَ فُتُورٌ يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ مِنْ كَثْرَةِ مُزَاوَلَةِ شَيْءٍ فَيُوجِبُ الْكَلَالَ فِي الْفِعْلِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ مُسْتَحِيلٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1839
١٢٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، وَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٢٤٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ ") ، أَيْ: وَقْتَ نَشَاطِهِ وَزَمَانَ انْبِسَاطِهِ أَوْ صَلَاتِهِ الَّتِي يَنْشَطُ فِيهَا، (" وَإِذَا فَتَرَ ") ، أَيْ: ضَعُفَ أَوِ انْقَبَضَ وَزَالَ نَشَاطُهُ، وَأَحَسَّ بِكَلَالٍ أَوْ تَعَبٍ، (" فَلْيَقْعُدْ ") ، أَيْ: عَنِ الْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ، وَفِي الْعُدُولِ عَنْ (لِيَتْرُكْ) نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ: لِيُصَلِّ قَائِمًا، وَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ مُصَلِّيًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَالِكَ طَرِيقِ الْآخِرَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْعِبَادَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، وَيَخْتَارَ سَبِيلَ الِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ، وَيَحْتَرِزَ عَنِ السُّلُوكِ عَنْ وَجْهِ السَّآمَةِ وَالْمَلَالَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَاجَى عَنْ مَلَالَةٍ وَكَسَالَةٍ، وَإِذَا فَتَرَ وَضَعُفَ قَعَدَ عَنِ الْقِيَامِ، وَاشْتَغَلَ بِنَوْعٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَنَامِ عَلَى قَصْدِ حُصُولِ النَّشَاطِ فِي الْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ طَاعَةً، وَإِنْ كَانَ مِنْ أُمُورِ الْعَادَةِ، وَلِذَا قِيلَ: نَوْمُ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊ لِعَائِشَةَ: " «كَلِّمِينِي يَا حُمَيْرَاءُ» ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1840
١٢٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ ; فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٢٤٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا نَعَسَ ") : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ (" أَحَدُكُمْ ") : وَالنُّعَاسُ أَوَّلُ النَّوْمِ وَمُقَدِّمَتُهُ (" وَهُوَ يُصَلِّي ") : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (" فَلْيَرْقُدْ ") : الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ، (" حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ ") ، أَيْ: ثِقَلُهُ (" فَإِنَّ أَحَدَكُمْ ") : عِلَّةٌ لِلرُّقَادِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ (" إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي ") : مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَا يَعْلَمُ مَاذَا يَصْدُرُ عَنْهُ، وَمَا يَقُولُ مِنْ غَلَبَةِ النَّوْمِ. (" لَعَلَّهُ ") : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِمَا قَبْلَهُ (" يَسْتَغْفِرُ ") ، أَيْ: يُرِيدُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ (" فَيَسُبَّ ") : بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ (" نَفْسَهُ ") ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ يَقْصِدُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اعْفِرْ، وَالْعَفْرُ هُوَ التُّرَابُ فَيَكُونُ دُعَاءً عَلَيْهِ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ. اهـ. وَهُوَ تَصْوِيرُ مِثَالٍ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إِلَيْهِ التَّصْحِيفُ وَالتَّحْرِيفُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى يَسْتَغْفِرُ، وَبِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلتَّرَجِّي، وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ أَصْلَ الْمِشْكَاةِ بِالْوَجْهَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى النَّصْبِ وَجُوِّزَ الرَّفْعُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ، فَالرَّفْعُ لَيْسَ مِنَ الْأُصُولِ وَلَا رِوَايَةً مِنْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي (فَيَسُبَّ) لِلسَّبَبِيَّةِ كَاللَّامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ﴾ [القصص: ٨] قَالَ الْمَالِكِيُّ: يَجُوزُ فِي (فَيَسُبَّ) الرَّفْعُ بِاعْتِبَارِ عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الْفِعْلِ، وَالنَّصْبُ بِاعْتِبَارِ جَعْلِ (فَيَسُبَّ) جَوَابًا لِلْفِعْلِ، فَإِنَّهَا مِثْلُ لَيْتَ فِي اقْتِضَائِهَا جَوَابًا مَنْصُوبًا. نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى - أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ٣ - ٤] نَصَبَهُ عَاصِمٌ وَرَفَعَهُ الْبَاقُونَ اهـ كَلَامُهُ. قِيلَ: بِالنَّصْبِ أَوْلَى لِمَا مَرَّ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى لَعَلَّهُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ لِذَنْبِهِ الْغُفْرَانَ لِيَصِيرَ مُزَكًّى، فَيَتَكَلَّمُ بِمَا يَجْلِبُ الذَّنْبَ فَيَزِيدُ الْعِصْيَانُ فَكَأَنَّهُ سَبَّ نَفْسَهُ. اهـ.
وَلَا يَبَعُدُ أَنْ يَسُبَّ نَفْسَهُ حَقِيقَةً، مَعَ أَنَّ ارْتِكَابَ الْعِصْيَانِ وَلَوْ حَالَ نُعَاسِهِ أَعْظَمُ مِنْ سَبِّ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَأَسَاسِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1841
١٢٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا [وَقَارِبُوا] ، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
ــ
١٢٤٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الدِّينَ ") : وَهُوَ مَا وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ (" يُسْرٌ ") ، أَيْ: مَبْنِيٌّ عَلَى الْيُسْرِ، وَقِيلَ: (يُسْرٌ) مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَفْعُولِ مُبَالَغَةً ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَقَالَ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» ". وَأَمَّا حَدِيثُ: «عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ» ، فَلَا أَصْلَ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّخَاوِيُّ، (" وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ ") ، أَيْ: وَلَنْ يُقَاوِمَهُ أَحَدٌ بِشِدَّةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ وَتَعَمَّقَ فِي أَمْرِ الدِّينِ بِمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَلَرُبَّمَا يَغْلِبُهُ مَا تَحَمَّلَهُ مِنَ الْكُلْفَةِ، فَيَضْعُفُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ مَا كُلِّفَ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (" إِلَّا غَلَبَهُ ") ، أَيْ: إِلَّا غَلَبَ الدِّينُ عَلَيْهِ. وَالْمُشَادَّةُ: التَّشَدُّدُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِهِ وَالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يُشَادُّهُ، أَيْ: لَنْ يُبَالِغَ فِي تَشْدِيدِ الدِّينِ الْمَيْسُورِ أَحَدٌ يَسْتَقِرُّ عَلَى وَصْفٍ مِنَ الْأَوْصَافِ إِلَّا عَلَى وَصْفِ كَوْنِهِ قَدْ غَلَبَهُ ذَلِكَ الدِّينُ حَيْثُ كُثْرِهِ مَعَ يُسْرِهِ، وَقَصَدَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ عَلَى مَا شُرِعَ لَهُ تَهَوُّرًا، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعَهَا مَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ مَآلَ أَمْرِهِ إِلَى أَنْ يَفْتُرَ وَيَعْجِزَ عَنْهَا وَيَعُودَ مَلُومًا مُقَصِّرًا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ أَشَدُّ إِنْكَارِهِ ﵊ عَلَى قَوْمٍ أَرَادُوا التَّشْدِيدَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا مَرَّ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو لَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ عَمَّا كَانَ أَوْصَاهُ بِهِ ﵇ مِنْ أَعْمَالٍ ذَكَرَ لَهُ ﵊ مُعْتَدِلَهَا، فَأَبَى إِلَّا مُشِقَّهَا: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (" فَسَدِّدُوا ") ، أَيِ: الْزَمُوا طَرِيقَ الِاقْتِصَارِ،
стр. 1842
وَاطْلُبُوا سَبِيلَ السَّدَادِ مِنَ الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، (" وَقَارِبُوا ") ، أَيِ: الْأَمْرَ بِالسُّهُولَةِ وَلَا تُبَاعِدُوهُ بِالْكُلْفَةِ وَالصُّعُوبَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، يَعْنِي: إِذَا بَيَّنْتُ لَكُمْ مَا فِي الْمُشَادَّةِ مِنَ الْوَهَنِ فَسَدِّدُوا، أَيِ: اطْلُبُوا السَّدَادَ وَهُوَ الْقَصْدُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا مَيْلَ فِيهِ، (وَقَارِبُوا) تَأْكِيدٌ لِلتَّسْدِيدِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، يُقَالُ: قَارَبَ فُلَانٌ فِي أُمُورِهِ: إِذَا اقْتَصَدَ (" وَأَبْشِرُوا ") ، أَيْ: بِالْجَنَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَبِكُلِّ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الْجَزِيلَ عَلَى عَمَلِ الْقَلِيلِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، وَجَاءَ فِي لُغَةٍ: ابْشُرُوا بِضَمِّ الشِّينِ مِنَ الْبِشْرِ بِمَعْنَى الْإِبْشَارِ. (" وَاسْتَعِينُوا ") : عَلَى أَمْرِ الْعِبَادَاتِ مِنْ بَيْنِ الْأَوْقَاتِ (" بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ ") : بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ فِيهِمَا، وَبِضَمِّ الْكَلِمَةِ الْأُولَى، أَيْ: بِالسَّيْرِ فِي السُّلُوكِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، وَهُمَا زَمَانُ الرَّاحَاتِ وَالْغَفَلَاتِ، (" وَشَيْءٍ ") : وَبِشَيْءٍ وَلَوْ قَلِيلٍ (" مِنَ الدُّلْجَةِ ") : بِضَمِّ الدَّالِّ وَتُفْتَحُ مَعَ سُكُونِ اللَّامِ: آخِرُ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ وَأَكْمَلُ الْحَالَاتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْغُدْوَةُ بِالضَّمِّ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْغَدْوَةِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ مِنَ الْغُدُوِّ، وَهُوَ سَيْرُ أَوَّلِ النَّهَارِ نَقِيضُ الرَّوَاحِ، وَالدُّلْجَةُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ اسْمٌ مِنِ ادَّلَجَ بِالتَّشْدِيدِ: إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ اسْتُعِيرَتْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ لِلصَّلَاةِ فِيهَا. اهـ.
وَقِيلَ: الدُّلْجَةُ مِنَ الْإِدْلَاجِ بِسُكُونِهِ، وَهُوَ سَيْرُ أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَالْمُرَادُ بِهِ إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَهُوَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، أَوِ الْمَعْنَى: اسْتَعِينُوا بِالطَّاعَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الْجَنَّةِ، وَالْمَثُوبَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَالِاسْتِرَاحَةِ فِي غَيْرِهَا حَتَّى لَا تَكْسَلُوا وَلَا تَتْعَبُوا وَلَا تَمَلُّوا وَلَا تَخْلُوا، وَقِيلَ: اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ، وَاسْتِنْجَاحِ مَقَاصِدِكُمْ بِالصَّلَاةِ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ: إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ بِرِفْقٍ وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ، أَيِ: الْمُكَلِّفُ دَابَّتَهُ طَاقَتَهَا لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى. اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْمُنْبَتُّ الَّذِي انْقَطَعَ بِهِ فِي سَفَرِهِ وَعَطَبَتْ رَاحِلَتُهُ، وَالْفِعْلُ انْبَتَّ مُطَاوِعُ بَتَّ مِنَ الْبَتِّ: الْقَطْعُ.
стр. 1843
١٢٤٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٢٤٧ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ ") ، أَيْ: عَنْ وِرْدِهِ يَعْنِي عَنْ تَمَامِهِ (" أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ") ، أَيْ: مِنْ حِزْبِهِ يَعْنِي عَنْ بَعْضِ وِرْدِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوِ الْأَدْعِيَةِ وَالْأَذْكَارِ، وَفِي مَعْنَاهُ الصَّلَاةُ. (" فَقَرَأَ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ ") : جَوَابُ الشَّرْطِ، وَقَوْلُهُ: (" كَأَنَّمَا قَرَأَهُ ") : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أُثْبِتَ أَجْرَهُ فِي صَحِيفَةِ عَمَلِهِ إِثْبَاتًا مِثْلَ إِثْبَاتِهِ حِينَ قَرَأَهُ (" مِنَ اللَّيْلِ ") : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا ; لِأَنَّ مَا قَبْلَ الظُّهْرِ كَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ اللَّيْلِ، وَلِذَا يَجُوزُ الصَّوْمُ بِنَيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ تَقْيِيدَ نِيَّةِ الصَّوْمِ بِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ اللَّيْلِ، بَلْ لِتَقَعَ النِّيَّةُ فِي أَكْثَرِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ، وَالْمُرَادُ بِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ هُوَ الضَّحْوَةُ الْكُبْرَى، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] قَالَ الْقَاضِي، أَيْ ذَوِي خِلْفَةٍ يَخْلُفُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ مَنْ فَاتَهُ وِرْدُهُ فِي أَحَدِهِمَا تَدَارَكَهُ فِي الْآخَرِ. اهـ. وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، وَسَلْمَانَ، كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ.
وَأَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عَجَزَ بِاللَّيْلِ كَانَ لَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مُسْتَعْتَبٌ، وَمَنْ عَجَزَ بِالنَّهَارِ كَانَ لَهُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ مُسْتَعْتَبٌ. اهـ. فَتَخْصِيصُهُ بِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ مَعَ شُمُولِ الْآيَةِ النَّهَارَ بِالْكَمَالِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُبَادَرَةِ بِقَضَاءِ الْفَوْتِ قَبْلَ إِتْيَانِ الْمَوْتِ، فَإِنَّ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٍ خُصُوصًا فِي حَقِّ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، أَوْ لِأَنَّ وَقْتَ الْقَضَاءِ أَوْلَى أَنْ يُصْرَفَ إِلَى الْقَضَاءِ، أَوْ لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ لِاجْتِمَاعِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ قَائِلَهُ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا الْأَرْبَعَةُ.
стр. 1844
١٢٤٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٢٤٨ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) : مُصَغَّرًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلِّ ") ، أَيِ: الْفَرْضَ (" قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ") ، أَيِ: الْقِيَامَ (" فَقَاعِدًا ") : أَيْ: فَصَلِّ قَاعِدًا، (" فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ") ، أَيِ: الْقُعُودَ (" فَعَلَى جَنْبٍ ") ، أَيْ: فَصَلِّ مُضْطَجِعًا مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ، فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّحَوُّلِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُسَاعِدٌ عَلَى التَّحْوِيلِ، فَيَجُوزُ فَإِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: " صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ". زَادَ النَّسَائِيُّ: " فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ". اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِلْقَاءَ فِي مَذْهَبِنَا أَفْضَلُ مِنَ الِاضْطِجَاعِ، وَمَعْنَى الِاسْتِلْقَاءِ أَنْ يَرْتَمِيَ عَلَى وِسَادَةٍ تَحْتَ كَتِفَيْهِ مَادًّا رِجْلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِيمَاءِ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الِاسْتِلْقَاءِ تَمْنَعُ الصَّحِيحَ مِنْ إِيمَاءٍ، فَكَيْفَ الْمَرِيضُ؟ كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَنْتَهِضُ حَدِيثُ عِمْرَانَ حُجَّةً عَلَى الْعُمُومِ، فَإِنَّهُ خِطَابٌ لَهُ، وَكَانَ مَرَضُهُ الْبَوَاسِيرَ وَهُوَ يَمْنَعُ الِاسْتِلْقَاءَ فَلَا يَكُونُ خِطَابُهُ خِطَابًا لِلْأُمَّةِ، فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَلْقَى تَقَعُ إِشَارَتُهُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَبِهِ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِخِلَافِ الْآخَرِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَقَّقَهُ مُسْتَلْقِيًا كَانَ سُجُودًا وَرُكُوعًا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَلَوْ أَتَمَّهُ عَلَى جَنْبٍ كَانَ إِلَى غَيْرِ جِهَتِهَا، وَبِمَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ ﵊: «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ» . وَلَمَّا كَانَتِ الْقُدْرَةُ شَرْطًا فِي الْفَرْضِ وَسَقَطَ بِالضَّرَرِ، فَفِي النَّفْلِ أَوْلَى، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى نَوْعِ مُنَاسَبَةٍ لِلْبَابِ.
стр. 1845
١٢٤٩ - وَعَنْهُ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، قَالَ: " إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٢٤٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ عِمْرَانَ (أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ) ، أَيْ: نَفْلُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ (قَاعِدًا، قَالَ: " إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ ") : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَمَّا صَلَاةُ الْفَرْضِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ فَبَاطِلَةٌ إِجْمَاعًا، بَلْ مِنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الْقِيَامِ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، (" وَمَنْ صَلَّى ") ، أَيِ: النَّافِلَةَ (" قَاعِدًا ") ، أَيْ: بِغَيْرِ عُذْرٍ كَمَا قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، (" فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُتَنَفِّلِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ; لِأَنَّ الْمُتَنَفِّلَ قَاعِدًا مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ يَكُونُ ثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا. اهـ. وَمَحَلُّهُ أَنَّ نِيَّتَهُ لَوْلَا الْعُذْرُ لَفَعَلَ لِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: إِنَّ الْعُذْرَ يُلْحِقُ صَاحِبَهُ التَّارِكَ لِأَجْلِهِ بِالْفَاعِلِ فِي الثَّوَابِ، (" وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا ") ، أَيْ: مُسْتَلْقِيًا أَوْ عَلَى جَنْبٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مُضْطَجِعًا، أَيْ: لِغَيْرِ عُذْرٍ (" فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ ") .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ ، أَمَّا هُوَ فَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ تَطَوُّعَهُ غَيْرَ قَائِمٍ كَهُوَ قَائِمًا ; لِأَنَّ الْكَسَلَ مَأْمُونٌ فِي حَقِّهِ. قُلْتُ: كَوْنُهُ مِنَ الْخَصَائِصِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْبَشَرِيَّةِ أَنَّهُ يُشَارِكُ نَوْعَهُ، نَعَمْ هُوَ مَأْمُونٌ مِنَ الْكَسَلِ الْمَانِعِ عَنِ الْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَمْنُهُ مِنْ مُطْلَقِ الْكَسَلِ فَمَحَلُّ بَحْثٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْكَسَلِ عَدَمُ الضَّعْفِ وَالْعُذْرُ أَعَمُّ مِنْهُمَا ; إِذْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ مِنَ الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] ، أَيْ: لِتَتْعَبَ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ، أَيِ النَّافِلَةِ وَهُوَ جَالِسٌ» ، وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ، أَوْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] فَلَا بُدَّ لِلتَّخْصِيصِ مِنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ مُشَارَكَتُهُ ﵊ مَعَ أُمَّتِهِ فِي الْأَحْكَامِ، نَعَمِ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِأَنَّ ثَوَابَهُ لَا يَنْقُصُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَاعِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ أَبَدًا، فَلَا يَكُونُ مِثْلَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يُصَلِّي قَاعِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1846
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ نَائِمًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ؟ فَذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِهِ وَأَجْرُهُ نِصْفُ الْقَاعِدِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَوْلَى لِثُبُوتِهِ فِي السُّنَّةِ. اهـ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ فِي حَقِّ الْمُفْتَرِضِ الْمَرِيضِ الَّذِي أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ، أَوِ الْقُعُودُ مَعَ شِدَّةٍ وَزِيَادَةٍ فِي الْمَرَضِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجْرِ: فِيهِ أَبْلَغَ حُجَّةً عَلَى مَنْ حَرَّمَ الِاضْطِجَاعَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقُعُودِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 1847
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٢٥٠ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ طَاهِرًا، وَذَكَرَ اللَّهِ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَتَقَلَّبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ; إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ". ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي " كِتَابِ الْأَذْكَارِ " بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٢٥٠ - (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أَوَى ") : بِالْقَصْرِ وَيُمَدُّ (" إِلَى فِرَاشِهِ ") ، أَيْ: أَتَاهُ. فِي النِّهَايَةِ: أَوَى وَآوَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، يُقَالُ: أَوَيْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ وَآوَيْتُ إِلَيْهِ، وَأَوَيْتُ غَيْرِي، وَآوَيْتُهُ. وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْمَقْصُورَ الْمُتَعَدِّيَ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ فَمَقْصُورٌ، وَأَمَّا آوَانَا فَمَمْدُودٌ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْفَصِيحُ، وَحُكِيَ الْقَصْرَ فِيهِمَا، وَحُكِيَ الْمَدُّ فِيهِمَا. (" طَاهِرًا ") ، أَيْ: مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْأَخْبَاثِ، أَوْ مِنَ الْآثَامِ وَالْأَوْزَارِ، (" وَذَكَرَ اللَّهَ ") : بِلِسَانِهِ أَوْ قَلْبِهِ، أَيَّ: نَوْعٍ مِنَ الْأَذْكَارِ (" حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ ") ، أَيْ: يَغْلِبُهُ (" لَمْ يَتَقَلَّبْ ") ، أَيْ: لَمْ يَتَرَدَّدْ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى فِرَاشِهِ (" سَاعَةً ") : بِالنَّصْبِ، أَيْ: فِي سَاعَةٍ (" مِنَ اللَّيْلِ ") : وَرُوِيَتْ بِالرَّفْعِ وَبِالتَّأْنِيثِ فِي لَمْ يَتَقَلَّبْ، أَيْ: لَمْ تَمْضِ عَلَيْهِ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ (" يَسْأَلُ اللَّهَ ") : حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَتَقَلَّبُ (" فِيهَا ") ، أَيْ: فِي تِلْكَ السَّاعَةِ (" خَيْرًا ") : الْخَيْرُ هُنَا ضِدُّ الشَّرِّ (" مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ") : الْمُرَادُ مِنَ الْخَيْرِ الثَّانِي الْجِنْسُ، وَالتَّنْوِينُ فِي الْأَوَّلِ لِلتَّنْكِيرِ (" إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَيْضًا حَالٌ مِنْ (يَسْأَلُ) ، وَجَازَ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يَعْنِي: لَا يَكُونُ لِلسَّائِلِ حَالٌ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا كَوْنَهُ مُعْطًى إِيَّاهُ، أَيْ: مَا طَلَبَ فَلَا يَخِيبُ. (ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ) : وَفِي نُسْخَةِ الْعَفِيفِ بِالْأَلِفِ (فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ) ، أَيْ: فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَنَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 1848
١٢٥١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ. رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الِانْهِزَامِ وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
١٢٥١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَجِبَ رَبُّنَا ") ، أَيْ: رَضِيَ وَاسْتَحْسَنَ (" مِنْ رَجُلَيْنِ ") ، أَيْ: فِعْلُهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: عَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْهُمَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَسَمَّاهُ عَجَبًا مَجَازًا ; لِأَنَّ التَّعَجُّبَ إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّا خَفِيَ سَبَبُهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ. (" رَجُلٍ ") : بِالْجَرِّ بَدَلٌ، وَجُوِّزَ الرَّفْعُ، فَالتَّقْدِيرُ أَحَدُهُمَا أَوْ مِنْهُمَا أَوْ هُمَا رَجُلٌ (" ثَارَ ") ، أَيْ: قَامَ بِهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ وَرَغْبَةٍ (" عَنْ وِطَائِهِ ") : بِكَسْرِ الْوَاوِ، أَيْ: فِرَاشِهِ اللَّيِّنِ (" وَلِحَافِهِ ") : بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ: ثَوْبِهِ الَّذِي فَوْقَهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ " «لَيَذْكُرَنَّ اللَّهَ أَقْوَامٌ عَلَى الْفُرُشِ الْمُمَهَّدَةِ يُدْخِلُهُمُ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى» " رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. (" مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ ") : بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ: مَحْبُوبِهِ (" وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ ") ، أَيْ: مَائِلًا عَنِ الَّذِينَ هُمْ زُبْدَةُ الْخَلَائِقِ عِنْدَهُ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ وَخَالِقِهِ، عِلْمًا بِأَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ لَا فِي قَبْرِهِ وَلَا يَوْمَ حَشْرِهِ، وَإِنَّمَا تَنْفَعُهُ طَاعَتُهُ فِي أَيَّامِ عُمُرِهِ، وَلِذَا قَالَ الْجُنَيْدُ لَمَّا رُؤِيَ فِي النَّوْمِ، وَسُئِلَ عَنْ مَرَاتِبِ الْقَوْمِ: طَاشَتِ الْعِبَارَاتُ، وَتَلَاشَتِ الْإِشَارَاتُ، وَمَا نَفَعَنَا إِلَّا رُكَيْعَاتٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنَ الْأَوْقَاتِ. (" فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ ") ، أَيْ: مُبَاهَاةً لِعَبْدِهِ الَّذِي غَلَبَتْ صِفَاتُ مَلَكِيَّتِهِ عَلَى أَحْوَالِ بَشَرِيَّتِهِ، مَعَ وُجُودِ الشَّيْطَانِ وَالْوَسَاوِسِ وَالنَّفْسِ وَطَلَبِ الشَّهْوَةِ وَالْهَوَاجِسِ، (" انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ") ، أَيْ: نَظَرَ الرَّحْمَةِ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالشَّفَاعَةُ. وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، وَأَيُّ تَشْرِيفٍ، أَوْ
стр. 1849
تَفَكَّرُوا فِي قِيَامِهِ مِنْ مَقَامِ الرَّاحَةِ، (" ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ ") ، أَيْ: تَبَاعَدَ عَنْهُمَا (" مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ ") ، أَيْ: مُنْفَرِدًا مِنْهُمْ وَمِنِ اتِّفَاقِهِمْ، وَمُعْتَزِلًا عَنِ اقْتِرَابِهِمْ وَاعْتِنَاقِهِمْ، (" إِلَى صَلَاتِهِ ") ، أَيِ: الَّتِي تَنْفَعُهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ (" رَغْبَةً ") ، أَيْ: لَا رِيَاءً وَسُمْعَةً بَلْ مَيْلًا (" فِيمَا عِنْدِي ") ، أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ، أَوْ مِنَ الرِّضَا وَاللِّقَاءِ يَوْمَ الْمَآبِ. (" وَشَفَقًا ") ، أَيْ: خَوْفًا (" مِمَّا عِنْدِي ") : مِنَ الْجَحِيمِ وَأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، أَوْ مِنَ السُّخْطِ وَالْحِجَابِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْعِقَابِ، وَهَذَا غَايَةُ الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ، فَإِنَّهُ قَامَ بِالْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ رَاحَةِ النَّاسِ فِي الْعَادَةِ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ الْإِلَهِيِّ، فَيَكُونُ مِنْ عَلَامَةِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَلِذَا قَدَّمَهُ وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (" وَرَجُلٍ ") : بِالْوَجْهَيْنِ (" غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") ، أَيْ: حَارَبَ أَعْدَاءَ اللَّهِ (" فَانْهَزَمَ ") ، أَيْ: غُلِبَ وَهَرَبَ (" مَعَ أَصْحَابِهِ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ ") ، أَيْ: مِنَ الْإِثْمِ أَوْ مِنَ الْعَذَابِ (" فِي الِانْهِزَامِ ") : إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَهُ فِي الْمَقَامِ (" وَمَا لَهُ ") ، أَيْ: وَعَلِمَ مَا لَهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ (" فِي الرُّجُوعِ ") ، أَيْ: فِي الْإِقْبَالِ عَلَى مُحَارَبَةِ الْكُفَّارِ، وَلَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْعَدَدِ وَأَقْوَى مِنْهُ فِي الْعُدَدِ، (" فَرَجَعَ ") ، أَيْ: حِسْبَةً لِلَّهِ وَجَاهَدَ (" حَتَّى هُرِيقَ ") ، أَيْ: صُبَّ (" دَمُهُ ") : يَعْنِي: قُتِلَ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ذَاكِرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْغَافِلِينَ بِمَنْزِلَةِ الصَّابِرِ فِي الْفَارِّينَ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَبِهِ يَظْهَرُ كَمَالُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، (" فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ ") ، أَيِ: الْمُقَرَّبِينَ (" انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ") ، أَيْ: نَظَرَ تَعَجُّبٍ (" رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي ") ، أَيْ: مِنَ الْعِقَابِ (" حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ ") ، أَيْ: عَلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ. (رَوَاهُ) : صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ، أَيْ: بِإِسْنَادِهِ، قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِيهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَرَوَى لَهُ الْأَرْبَعَةُ وَالْبُخَارِيُّ مُتَابَعَةً، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. اهـ.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ إِلَى رَجُلَيْنِ. رَجُلٌ قَامَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ عَنْ فِرَاشِهِ وَلِحَافِهِ وَدِثَارِهِ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: مَا حَمَلَ عَبْدِي هَذَا عَلَى مَا صَنَعَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا جَاءَ لِمَا عِنْدَكَ وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدَكَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أَعْطَيْتُهُ مَا رَجَا، وَأَمَّنْتُهُ مِمَّا يَخَافُ» ، وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ.
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ لِلَّهِ مَعَ رَجَاءِ الثَّوَابِ الَّذِي رَتَّبَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَطَلَبُ حُصُولِهِ لَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ وَالْكَمَالَ، وَإِنْ نَافَى الْأَكْمَلَ، وَهُوَ الْعَمَلُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِغَرَضٍ وَلَا لِعِوَضٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ عَنِ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ مَنْ عَبَدَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ أَوْ لِخَوْفِ الْعِقَابِ لَمْ تَصِحَّ عِبَادَتُهُ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّهُ مَحْضُ عَمَلِهِ لِذَلِكَ، بِحَيْثُ لَوْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ لَانْتَفَتْ عِبَادَتُهُ، وَحِينَئِذٍ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ يَكْفُرُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ لِذَاتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1850
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٢٥٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ "، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ: " مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ ". قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ: " صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ ". وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ: " أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٢٥٢ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حُدِّثْتُ) ، أَيْ: حَدَّثَنِي نَاسٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (" صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا ") ، أَيْ: بِغَيْرِ عُذْرٍ (" نِصْفُ الصَّلَاةِ ") ، أَيْ: قَائِمًا، وَالْمَعْنَى نِصْفُ أَجْرِ صَلَاةِ الْقَائِمِ كَمَا مَرَّ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: " عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ ". (قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي) : لَعَلَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ جَزَمَ بِهِ، وَقَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ إِذْ لَا يُظَنُّ بِهِ الْوَضْعُ قَبْلَهُ، (عَلَى رَأْسِهِ) ، أَيْ: لِيَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ أَنْ يَحْضُرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُسَمَّى خِلَافَ الْأَدَبِ عِنْدَ طَائِفَةِ الْعَرَبِ
стр. 1851
لِعَدَمِ تَكَلُّفِهِمْ وَكَمَالِ تَأَلُّفِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ لَهُ: أَنْتَ. دُونَ (أَنْتُمُ) الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى حُسْنِ الْآدَابِ فِي مَعْرِضِ الْخِطَابِ - لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى قَائِلِهِ الْعِتَابُ، وَتَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ هُنَا فِي شَرْحِ الْكِتَابِ، وَأَوْرَدَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ، وَنَسَبَ قِلَّةَ الْأَدَبِ إِلَى الْأَصْحَابِ وَقَالَ عَلَى وَجْهِ الْإِطْنَابِ.
فَإِنْ قُلْتَ: أَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ خِلَافُ ذَلِكَ تَوْقِيرًا لَهُ ﵊؟ قُلْتُ: لَعَلَّهُ صَدَرَ عَنْهُ لَا عَنْ قَصْدٍ أَوْ لَعَلَّهُ اسْتَغْرَبَ كَوْنَهُ عَلَى خِلَافِ مَا حُدِّثَ عَنْهُ وَاسْتَبْعَدَهُ، فَأَرَادَ تَحْقِيقَ ذَلِكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ ﷺ بِقَوْلِهِ: مَا لَكَ إِلَخْ؟ فَسَمَّاهُ وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ، وَكَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، فَإِنَّهُ حَالٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ الْإِشْكَالِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ فِي عَادَتِهِمْ يَفْعَلُهُ الْمُسْتَغْرِبُ الشَّيْءَ الْمُتَعَجِّبُ مِنْ وُقُوعِهِ مَعَ مَنِ اسْتَغْرَبَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي الْمُتَعَارَفَ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَدَبِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ كَانَ رُبَّمَا لَمَسَ لِحْيَتَهُ الشَّرِيفَةَ عِنْدَ مُفَاوَضَتِهِ مَعَهُ. . اهـ.
وَقَدْ شُوهِدَ فِي زَمَانِنَا أَنَّ بَعْضَ أَجْلَافِ الْعَرَبِ يُمْسِكُ لِحْيَةَ شَرِيفِ مَكَّةَ وَيَقُولُ: أَنَا فِدَاكَ يَا حَسَنُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَعْلُهُ مُعَلَّقًا فِي إِصْبَعِهِ. (فَقَالَ: " مَا لَكَ؟ ") ، أَيْ: مَا شَأْنُكَ، وَأَيُّ غَرَضٍ لَكَ، أَوْ، أَيُّ شَيٍّ أَقْلَقَكَ وَأَزْعَجَكَ حَتَّى فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ (" يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ") : وَعِنْدَهُمُ التَّسْمِيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْخُصُوصِيَّةِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَنْتَ مِنَ الْعِلْمِ وَالتَّقَدُّمِ بِالْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ، وَلِذَا جَاءَ أَنَّهُ كَانَ أَحْفَظَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَفْقَهَ. (قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ، أَيْ: حَدَّثَنِي النَّاسُ (أَنَّكَ قُلْتَ: " صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ ") : وَكَذَا هُنَا بِلَفْظِ: " عَلَى " (" وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا ") : وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَعْمَالَكَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْأَكْمَلِ وَطَرِيقِ الْأَفْضَلِ، فَهَلْ تَحْدِيثُهُمْ صَحِيحٌ وَلَهُ تَأْوِيلٌ صَرِيحٌ أَمْ لَا؟ (قَالَ: " أَجَلْ ") ، أَيْ: نَعَمِ الْحَدِيثُ ثَابِتٌ، أَوْ نَعَمْ قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ. (" وَلَكَنَّى لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ") : يَعْنِي هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِي أَنْ لَا يَنْقُصَ ثَوَابُ صَلَوَاتِي عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَكُونُ مِنْ جَلَوَاتِي، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1852
١٢٥٣ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَقِمِ الصَّلَاةَ يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٢٥٣ - (وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) : قَالَ فِي الْكَاشِفِ: هُوَ ثِقَةٌ. (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ) : قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ (لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ) ، أَيْ بِعِبَادَةِ رَبِّي وَمُنَاجَاتِهِ، وَلَذَّةِ قِرَاءَةِ آيَاتِهِ. (فَكَأَنَّهُمْ) ، أَيْ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ الْغَائِبِينَ عَنْ مَعْنَى الْحُضُورِ (عَابُوا ذَلِكَ) ، أَيْ تَمَنِّيهِ الِاسْتِرَاحَةَ (عَلَيْهِ) : حَيْثُ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ مُحْتَمِلَةً لِلِاسْتِرَاحَةِ بِهَا أَوْ مِنْهَا لِغَفْلَتِهِمْ عَنْهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ عَابُوا تَمَنِّيَهُ الِاسْتِرَاحَةَ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ وَثَقِيلَةٌ عَلَيْهَا، وَلَعَلَّهُمْ نَسُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] . (فَقَالَ) ، أَيِ: الرَّجُلُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَقِمِ الصَّلَاةَ يَا بِلَالُ! أَرِحْنَا بِهَا ") : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ أَرِحْنَا بِأَدَائِهَا مِنْ شُغْلِ الْقَلْبِ، وَقِيلَ: كَانَ اشْتِغَالُهُ بِالصَّلَاةِ رَاحَةً لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ يَعُدُّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ تَعَبًا، وَكَانَ يَسْتَرِيحُ بِالصَّلَاةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمُنَاجَاةِ، وَلِذَا قَالَ: " «وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» " قُلْتُ: هَذَا الْقِيلُ هُوَ الْقَوْلُ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ قَبِيلِ قَالَ وَقِيلَ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ الطِّيبِيِّ لَيْسَ مُرَادًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَرِحْنَا بِالدُّخُولِ فِيهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1853
[بَابُ الْوَتْرِ]
стр. 1854
[٣٥] بَابُ الْوَتْرِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٢٥٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ ; صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٣٥] بَابُ الْوَتْرِ
أَيْ: صَلَاةُ الْوَتْرِ: وَبَيَانُ وَقْتِهِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِهِ، وَكَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٢٥٤ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " صَلَاةُ اللَّيْلِ ") : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (" مَثْنَى ") : بِلَا تَنْوِينٍ لِعَدَمِ انْصِرَافِهِ لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ عَلَى مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ، أَيْ: ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي نَافِلَةِ اللَّيْلِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ (" مَثْنَى ") : تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (" فَإِذَا خَشِيَ ") ، أَيْ: خَافَ (" أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ ") ، أَيْ: طُلُوعَهُ وَظُهُورَهُ (" صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ ") ، أَيْ: تِلْكَ الرَّكْعَةُ. وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ لِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ، وَلَوْ كَانَ مُرْسَلًا إِذِ الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أَجْزَأَتْ رَكْعَةٌ قَطُّ وَهُوَ مَوْقُوفٌ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَلَا يُوجَدُ مَعَ الْخَصْمِ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ رَكْعَةٍ مُفْرَدَةٍ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ، فَيُئَوَّلُ مَا وَرَدَ مِنْ مُحْمَلَاتِ الْأَحَادِيثِ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُهُ: صَحَّ أَنَّهُ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِيتَارِ بِوَاحِدَةٍ. رَدَّهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ هَذَا غَفْلَةٌ مِنْهُ، مُجَرَّدُ دَعْوَى فَلَا تُقْبَلُ، وَلِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِكَرَاهَةِ الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ، وَجَوَابُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا لَا أَنَّ فِعْلَهَا لَا ثَوَابَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ; إِذْ لَوْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ الْإِيتَارُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ، خُصُوصًا عَلَى مُقْتَضَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَكْرُوهَ مَا وَرَدَ عَنْهُ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ صَحِيحٌ. (" لَهُ ") ، أَيْ: لِأَحَدِكُمْ (" مَا قَدْ صَلَّى ") ، أَيْ: مِنَ الشَّفْعِ السَّابِقِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ تَجْعَلُ هَذِهِ الرَّكْعَةَ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا فِي اللَّيْلِ وَتْرًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ شَفْعًا، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: الْوَتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ. اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ نَحْوَ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ أَمْرُ الْوَتْرِ، قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ. وَهَذَا جَوَابٌ تَسْلِيمِيٌّ فَإِنَّهُ قَالَ أَيْضًا: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ وَاحِدَةٌ بِتَحْرِيمَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ لِيُحْتَاجَ إِلَى الِاشْتِغَالِ بِجَوَابِهِ ; إِذْ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ كَوْنِهِ إِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً مُتَّصِلَةً، فَأَنَّى يُقَاوِمُ الصُّرَاحَ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا، وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ تَرَكْنَاهُ لِحَالِ الطُّولِ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: مَعْنَاهُ صَلَّى رَكْعَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ قَبْلَهَا، وَمَذْهَبُنَا قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ; لِأَنَّ الْوَتْرَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً فَإِنْ كَانَ فَرْضًا، فَالْفَرْضُ لَيْسَ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ لَا يَكُونُ ثِنْتَيْنِ وَلَا أَرْبَعًا، فَيَثْبُتُ أَنَّهُ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ سُنَّةً فَلَمْ نَجِدْ سُنَّةً إِلَّا وَلَهَا مِثْلٌ فِي الْفَرْضِ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ كَهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَلَا يُرَاعَى خِلَافُهُ حِينَئِذٍ، وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الدَّلِيلَ مَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَخَبَرُ الْوَتْرِ ثَلَاثٌ كَوَتْرِ النَّهَارِ الْمَغْرِبِ. لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قُلْتُ: لَوْ سُلِّمَ عَدَمُ صِحَّةِ الْمَرْفُوعِ، فَهَذَا الْمَوْقُوفُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ قَالَ: وَخَبَرُ كَانَ لَا يُسَلَّمُ فِي رَكْعَتَيِ الْوَتْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. قُلْتُ: يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ (كَانَ) الدَّالُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ لُغَةً أَوْ عُرْفًا، وَأَيْضًا هَذَا مَنْطُوقٌ صَرِيحٌ، فَيُئَوَّلُ بِمَا يُوَافِقُهُ كُلُّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ.
وَمِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَرِهَ وَصْلَ الثَّلَاثِ، وَبِهِ أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَخْذًا مِنْ حَدِيثٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ صَحِيحٌ: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ وَأَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ، وَلَا تُشَبِّهُوا الْوَتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَوَّلِ الْأَمْرِ لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى الْوَتْرَ ثَلَاثًا مَوْصُولًا، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ التَّنْزِيهِيُّ عَنِ الِاقْتِصَارِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: «أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ» لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الثَّلَاثِ وَعَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخَمْسِ وَالسَّبْعِ، وَقَوْلُهُ ﵊: " «لَا تُشَبِّهُوا الْوَتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» "، أَيْ: فِي أَنَّهُ لَا يَسْبِقُهُ صَلَاةٌ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ بِلَا قُنُوتٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.
стр. 1855
١٢٥٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» ". رَوَاهَ مُسْلِمٌ.
ــ
١٢٥٥ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْوَتْرُ رَكْعَةٌ ") ، أَيْ: مُنْضَمَّةٌ بِشَفْعٍ قَبْلَهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ الشَّفْعَ يُوتَرُ بِهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ مُنْشَأَةٌ (" مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ") : يَعْنِي: آخِرُ وَقْتِهَا آخِرُ اللَّيْلِ، أَوْ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ بَعْضُ أَجْزَاءِ آخِرِ اللَّيْلِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.
стр. 1856
١٢٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٢٥٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) ، أَيْ: بَعْضَهُ كَمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
(ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ثَمَانِ رَكَعَاتٍ مِنْهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: بِأَرْبَعِ تَسْلِيمَاتٍ. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَأَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ وَإِحَاطَةً بِالْفَضِيلَتَيْنِ. (يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: مِنْ مَجْمُوعِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنَ الثَلَاثَ عَشْرَةَ ثِنْتَانِ حَقِيقَتَانِ، وَالْإِحْدَى عَشْرَةَ وَتْرٌ يُصَلِّي سِتًّا مِنْهَا مَفْصُولَةً، وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ. اهـ. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لَرَجْعِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْأَصْلِ. (بِخَمْسٍ) ، أَيْ: يُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ بِنِيَّةِ الْوَتْرِ (لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ) ، أَيْ: لِلتَّشَهُّدِ (إِلَّا فِي آخِرِهَا) . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ جَوَازُ وَصْلِ الْخَمْسِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ كَانَ أَوَّلًا خَمْسَةً، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ الْمَعْنَى لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ لِلسَّلَامِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الرَّكَعَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْحَالَاتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1857
١٢٥٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ﵁، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ ; فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ. قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ وَتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ، وَلَا يُسَلِّمُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي الْأُولَى، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٢٥٧ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: انْطَلَقْتُ) ، أَيْ: ذَهَبْتُ (إِلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي) ، أَيْ: أَخْبِرِينِي (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ) : بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ ﷺ : وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ طَبْعِهِ وَمُرُوَّتِهِ (قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ) ، أَيْ: كَانَ خُلُقُهُ جَمِيعَ مَا فُصِّلَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُتَحَلِّيًا بِهِ، وَقِيلَ: تَعْنِي كَانَ خُلُقُهُ مَذْكُورًا فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَّى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] تَعْنِي أَنَّ الْعَظِيمَ إِذَا عَظَّمَ أَمْرًا لَمْ يُقَدِّرْ أَحَدٌ قَدْرَهُ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ طَوْرَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْإِحْيَاءِ: أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا كَانَ خُلُقُهُ - الْقُرْآنَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَتَحْصِيلِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ. (قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي) ، أَيْ: حَدِّثِينِي (عَنْ وَتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: عَنْ وَقْتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِهِ (فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ) : مِنَ الْإِعْدَادِ، أَيْ نُهَيِّئُ (لَهُ) ، أَيْ: لِأَجْلِهِ (سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ) : بِالْفَتْحِ، أَيْ: مَاءَ وُضُوئِهِ (فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ) ، أَيْ: يُوقِظُهُ (مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) ، أَيْ: فِي الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ الَّذِي شَاءَ بَعْثَهُ فِيهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " مَا " مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: مَا شَاءَ فِيهِ بِمَعْنَى الْمِقْدَارِ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ اللَّيْلِ) : بَيَانِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ: مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ
стр. 1858
(فَيَتَسَوَّكُ) : أَوَّلًا (وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ) ، أَيْ: يَقْرَأُ التَّشَهُّدَ. (وَيَحْمَدُهُ) ، أَيْ: يُثْنِي عَلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ يَتَشَهَّدُ، فَالْحَمْدُ إِذًا لِمُطْلَقِ الثَّنَاءِ إِذْ لَيْسَ فِي التَّحِيَّاتِ لَفْظُ الْحَمْدِ (وَيَدْعُوهُ) ، أَيِ: الدُّعَاءُ الْمُتَعَارَفُ (ثُمَّ يَنْهَضُ، وَلَا يُسَلِّمُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا) : مِنَ الْإِسْمَاعِ، أَيْ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّسْلِيمِ بِحَيْثُ نَسْمَعُهُ، (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ) : ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﵊. " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وَتْرًا» " وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْفِعْلِيَّةِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّيِّبِيِّ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَفْعَلُهُمَا وَلَا أَمْنَعُ فِعْلَهُمَا. وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا لِبَيَانِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوَتْرِ، وَبَيَانِ جَوَازِ النَّفْلِ جَالِسًا، وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا رَدُّ الْقَاضِي عِيَاضٍ رِوَايَةَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ بِصَوَابٍ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ إِذَا صَحَّتْ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا تَعَيَّنَ، وَقَدْ جَمَعْنَا ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ يَعْتَقِدُ سُنِّيَّةَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ لِجَهَالَتِهِ وَعَدَمِ أُنْسِهِ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُسَافِرُ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ الْأَمْرَ بِالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوَتْرِ لِمُسَافِرٍ خَافَ أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ لِلتَّهَجُّدِ، ثُمَّ رَوَى عَنْ ثَوْبَانَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا السَّفَرَ جُهْدٌ وَثِقَلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ» ".
(فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] (يَا بُنَيَّ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَكَسْرِهَا (فَلَمَّا أَسَنَّ) ، أَيْ: كَبِرَ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ) : قِيلَ، أَيِ السِّمَنَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ ضَعُفَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّمَا كَانَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ سَنَةٍ. (أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي الْأُولَى) : يَعْنِي: صَلَّاهُمَا قَاعِدًا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ قَبْلَ أَنْ يَسَنَّ، (فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً) : وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ (أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا) : وَإِنَّمَا كَانَ يَتْرُكُهَا أَحْيَانًا لِعُذْرٍ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَذَا يَدُلُّ مِنْهَا عَلَى مُوَاظَبَةِ الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ النَّوَوِيِّ بِأَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا لِهَذَا رَدَّ رِوَايَةَ الرَّكْعَتَيْنِ حَيْثُ تُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ عَلَى عَدَمِ مُوَاظَبَتِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ) ، أَيْ: مَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ أَلَمٌ (عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى بِالنَّهَارِ) ، أَيْ: فِي أَوَّلِهِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ لِمَا تَقَدَّمَ (ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ) ، أَيْ: دَائِمًا فَلَا يُرَادُ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَإِنْ بَيِّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ بَابِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ لَازِمِهِ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَرَقِّبَةً أَحْوَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَهَا وَنَهَارَهَا وَحُضُورَهَا وَغَيْبَتَهَا، أَيْ: لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ إِذْ لَوْ كَانَ لَعَلِمْتُهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَذَلِكَ لَا يَحْسُنُ إِلَّا مِمَّنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَتَمَكَّنَ مِنْهُ تَمَكُّنًا تَامًّا، وَمِنْ ثَمَّ اطَّرَدَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] ، أَيْ: لَمْ يُوجَدْ وَإِلَّا تَعَلَّقُ عِلْمُ اللَّهِ بِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1859
١٢٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وَتْرًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٢٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (" اجْعَلُوا ") : أَمْرُ نَدْبٍ (" آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وَتْرًا ") : رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1860
١٢٥٩ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوَتْرِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٢٥٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (" بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوَتْرِ ") ، أَيْ: أَسْرِعُوا بِأَدَاءِ الْوَتْرِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَنَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. قِيلَ: لَا وَتْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِيهِ مَتَى كَانَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرٍ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ الْوَتْرِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُصَلِّي صَاحِبَ تَرْتِيبٍ وَصَلَّى الصُّبْحَ قَبْلَ الْوَتْرِ ذَاكِرًا لَمْ يَصِحَّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ.
следующие страницы →