Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
١٤٠٢ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
١٤٠٢ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ: مَا كُنَّا نَفْعَلُ الْقَيْلُولَةَ، وَهِيَ الِاسْتِرَاحَةُ بِنَوْمٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَيْلُولَةُ وَالْمَقِيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَالْجَنَّةُ لَا نَوْمَ فِيهَا. (وَلَا نَتَغَدَّى) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ. (إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ) أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاتِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ التَّكْبِيرِ أَيْ: لَا يَتَغَدَّوْنَ، وَلَا يَسْتَرِيحُونَ، وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِمُهِمٍّ، وَلَا يَهْتَمُّونَ بِأَمْرٍ سِوَاهُ اهـ.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا ذُكِرَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ عِوِضًا عَمَّا فَاتَهُمْ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقَعُ تَغَدِّيهِمْ، وَمَقِيلُهُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَقِيقَةً لِيَلْزَمَ وُقُوعُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَيَكُونَ حُجَّةً لِأَحْمَدَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِيهِ رَدٌّ لِأَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ هُنَا الْغَدَاءَ، وَلَا، لَا يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَاسْتِدْلَالٌ عَجِيبٌ، وَاسْتِنْبَاطٌ غَرِيبٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ.
стр. 2067
١٤٠٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ» ، يَعْنِي الْجُمُعَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
ــ
١٤٠٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ) أَيْ: تَعَجَّلَ وَأَسْرَعَ (بِالصَّلَاةِ) أَيْ: صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ: صَلَّاهَا بَعْدَ أَنْ وَقَعَ ظِلُّ الْجِدَارِ فِي الطَّرِيقِ كَيْلَا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِالشَّمْسِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: وَيُحْمَلُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ (كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) عَلَى أَنَّهُ فِي فَصْلٍ دُونَ فَصْلٍ، وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ كَانَ عُمُومَ الْأَحْوَالِ لِيَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ اهـ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِالْجُمُعَةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ كَالظُّهْرِ، وَقَدْ خَالَفَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَكَانِ كَانَ فَإِنَّهَا تَدُلُّ لُغَةً أَوْ عُرْفًا عَلَى الِاسْتِمْرَارِ (يَعْنِي الْجُمُعَةَ) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2068
١٤٠٤ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
ــ
١٤٠٤ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ) أَيِ: الْإِعْلَامُ (يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ) وَهُوَ الْأَذَانُ (إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) أَيْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَثَانِيهِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْخُطْبَةِ وَنَزَلَ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ) أَيْ: زَمَانِهِمْ (فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ) أَيْ: زَمَنُ خِلَافَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ تَامَّةٌ أَيْ: حَصَلَ عَهْدُهُ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ كَوْنُهَا نَاقِصَةً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: خَلِيفَةً، وَفِيهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وَكَثُرَ النَّاسُ) أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ بِالْمَدِينَةِ، وَصَارَ ذَلِكَ الْأَذَانُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ لَا يَسْمَعُهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوْ لَمَّا ظَهَرَتِ الْبِدْعَةُ عَلَى مَا قِيلَ إِنَّهَا أَوَّلُ الْبِدَعِ، وَهُوَ تَرْكُ التَّكْبِيرِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِاسْتِبْعَادِ سَمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَمِيعِهِمُ الْأَذَانَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﵊ (زَادَ) أَيْ: عُثْمَانُ (النِّدَاءَ الثَّالِثَ) أَيْ: حُدُوثًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْوُقُوعِ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ أَذَانٌ آخَرُ قَدِيمًا مَعَ الْإِقَامَةِ فِي الْمَفَاتِيحِ أَيْ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ أَنْ يُؤَذَّنَ أَوَّلَ الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ كَمَا فِي زَمَانِنَا اهـ.
وَقَدْ حَدَثَ فِي زَمَانِنَا أَذَانٌ رَابِعٌ وَهُوَ الْأَذَانُ لِإِعْلَامِ دُخُولِ الْخَطِيبِ فِي الْمَسْجِدِ (عَلَى الزَّوْرَاءِ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بِالرَّاءِ وَالْمَدِّ: مَوْضِعٌ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ. قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: ذُكِرَ تَفْسِيرُهَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ هِيَ دَارٌ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، يَقِفُ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى سَطْحِهَا، وَلَعَلَّ هَذِهِ الدَّارَ سُمِّيَتْ زَوْرَاءَ لِمَيْلِهَا عَنْ عِمَارَةِ الْبَلَدِ. يُقَالُ: قَوْسٌ زَوْرَاءُ أَيْ: مَائِلَةٌ، وَأَرْضٌ زَوْرَاءُ أَيْ: بَعِيدَةٌ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ وَقِيلَ: جِدَارٌ، وَقِيلَ: حَجَرٌ كَبِيرٌ، وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِالْأَخِيرِ فَقَالَ: الزَّوْرَاءُ حَجَرٌ كَبِيرٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى دَارٍ فِي السُّوقِ يُقَالُ لَهَا: الزَّوْرَاءُ فَكَانَ يُؤَذَّنُ عَلَيْهَا. نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ نَقَلَ هِشَامٌ هَذَا الْأَذَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الثَّالِثِ هُوَ النِّدَاءُ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِيَحْضُرَ الْقَوْمُ، وَيَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا زَادَ عُثْمَانُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فَرَأَى هُوَ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ لِيَنْتَهِيَ الصَّوْتُ إِلَى نَوَاحِي الْمَدِينَةِ، وَيَجْتَمِعَ النَّاسُ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ ; لِئَلَّا يَفُوتَ عَنْهُمْ أَوَائِلُ الْخُطْبَةِ، وَسُمِّيَ هَذَا النِّدَاءُ ثَالِثًا، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْوُقُوعِ أَوَّلًا ; لِأَنَّهُ ثَالِثُ النِّدَاءَيْنِ اللَّذَيْنَ كَانَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَزَمَانِ الشَّيْخَيْنِ، وَهُمَا الْأَذَانُ بَعْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ، وَقَبْلَ قِرَاءَةِ الْخُطْبَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ وَالْإِقَامَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ نُزُولِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الثَّانِي اهـ.
وَقَوْلُهُ: يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ بَقِيَّةِ الشُّرَّاحِ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَعُرْفِ زَمَانِنَا إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ بَعْدَ طُلُوعِهِ الْمِنْبَرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَذَانَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَيْ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ، ثُمَّ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَمِّيهِ بِدْعَةً قِيلَ: إِنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ مَا أُحْدِثَ بَعْدَهُ ﵊ وَلَوْ كَانَ حَسَنًا وَإِلَّا فَمَا أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا، وَلَا يُعَارَضُ أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَ أَذَانًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْمُرُ بِالْإِعْلَامِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ اسْتَمَرَّ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُ أَذَانًا عَلَى مَكَانٍ عَالٍ، فَفَعَلَ وَأَخَذَ النَّاسُ بِفِعْلِهِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ إِذْ ذَاكَ ; لِكَوْنِهِ خَلِيفَةً مُطَاعًا، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ بِمَكَّةَ الْحَجَّاجُ، وَالْبَصْرَةِ زِيَادٌ، وَأَمَّا الَّذِي نَقَلَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ
стр. 2069
ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ فِي زَمَنِهِ ﵊ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْأَذَانَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنَ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَدْ نَازَعَهُ كَثِيرُونَ، وَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﵊ كَمَا اقْتَضَتْهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ اهـ.
وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي آخِرِ الْأَمْرِ هُوَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ أَوْ بِأَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ كَانَ إِعْلَامًا فَيَكُونُ أَصْلَ إِعْلَامِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلَعَلَّهُ تُرِكَ أَيَّامَ الصِّدِّيقِ أَوْ أَوَاخِرَ زَمَنِهِ ﵊ أَيْضًا، فَلِهَذَا سَمَّاهُ عُمَرُ بِدْعَةً، وَتَسْمِيَتُهُ تَجْدِيدَ السُّنَّةِ بِدْعَةً عَلَى مِنْوَالِ مَا قَالَ فِي التَّرَاوِيحِ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هِيَ، هَذَا وَقَدْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: تَعَلَّقَ بِالْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ نَفَى أَنَّ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةً أَيْ: قَبْلِيَّةً، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَانَ ﵊ إِذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ أَخَذَ بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ، فَإِذَا أَكْمَلَهُ أَخَذَ ﵊ فِي الْخُطْبَةِ، فَمَتَى كَانُوا يُصَلُّونَ السُّنَّةَ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ إِذَا فُرِغَ مِنَ الْأَذَانِ قَامُوا فَرَكَعُوا فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ خُرُوجَهُ ﵊ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِالضَّرُورَةِ ; فَيَجُوزُ كَوْنُهُ بَعْدَ مَا كَانَ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ وَهُمْ أَيْضًا كَانُوا يَعْلَمُونَ الزَّوَالَ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤَذِّنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ; لِأَنَّ اعْتِمَادَهُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ اعْتِمَادُهُمُ اهـ.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّهُ إِذَا أُذِّنَ الْأَوَّلُ تَرَكُوا الْبَيْعَ، وَسَعَوْا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . قَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّمَا يَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ إِذَا أُذِّنَ الْأَذَانُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ ﵊ وَزَمَنِ الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، لَكِنْ قَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْأَذَانُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْآنَ الَّذِي أُحْدِثَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ. قَالَ الشِّيمِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ اهـ.
وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا بِعُمُومِ لَفْظِ الْآيَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ أَوْ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمُ السَّعْيُ، وَتَرْكُ الشُّغْلِ الْمَانِعِ قَبْلَ أَذَانِ الْخُطْبَةِ ; لِئَلَّا يَفُوتَهُمْ شَيْءٌ فَقَدَّرُوا الْأَذَانَ الْأَوَّلَ الَّذِي يَقَعُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ وَالْأَرْبَعَةُ: قَالَ ابْنُ هَمَّامٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ زَادَ النِّدَاءَ الثَّانِي، أَيْ بِاعْتِبَارِ الْأَحْدَاثِ. وَفِي رِوَايَةٍ سُمِّيَ بِالْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ.
стр. 2070
١٤٠٥ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ، فَكَانَ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
١٤٠٥ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ خُطْبَتَهُ كَانَتْ حَالَةَ الْقِيَامِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَسُنَّةٌ عِنْدَنَا، وَفَرْضٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجُلُوسُ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا هُوَ لِعُذْرٍ لَمَّا كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَذَا وَعَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كَأَكْثَرِ الْفَصْلِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْفَصْلَ غَيْرُ وَاجِبٍ. بَلْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ أَجِدْ لَهُ دَلِيلًا، وَالْفِعْلُ وَإِنِ اقْتَضَى الْوُجُوبَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِتَرْكِهِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْجُلُوسِ قَبْلَهُمَا وَبَيْنَهُمَا، مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثَابِتٌ عَنْهُ ﵊؟ ! قَالَ جَمْعٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَالْعَجَبُ إِيجَابُ هَذَا دُونَ الِاسْتِقْبَالِ، وَأَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْجَوَابِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ; فَأَعْرَضْنَا عَنْ ذِكْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخَذَ أَئِمَّتُنَا مِنْ قَوْلِهِ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ آيَةٍ فِي إِحْدَى الْخُطْبَتَيْنِ، وَأَخَذُوا مِنْ قَوْلِهِ: وَيُذَكِّرُ النَّاسَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهَا مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْخُطْبَةِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا الْمَبْحَثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) تَفْسِيرُ الْخُطْبَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْخُطْبَتَيْنِ، وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ يَقْرَأُ فِيهِمَا، وَقَوْلُهُ: (يُذَكِّرُ النَّاسَ) عَطْفٌ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهِ، انْتَهَى، التَّذْكِيرُ هُوَ الْوَعْظُ وَالنَّصِيحَةُ، وَذِكْرُ مَا يُوجِبُ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ مِنَ التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ (فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا) أَيْ: مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، مِنَ التَّقْصِيرِ وَالتَّطْوِيلِ (وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَصْدُ فِي الْأَصْلِ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ فِي الطَّرِيقَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّوَسُّطِ فِي الْأُمُورِ، وَالتَّبَاعُدِ عَنِ الْإِفْرَاطِ، ثُمَّ لِلتَّوَسُّطِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ كَالْوَسَطِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَسَاوِيَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ ; لِيُخَالِفَ حَدِيثَ عَمَّارٍ أَيِ: الْآتِيَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: كَانَ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ.
стр. 2071
١٤٠٦ - (وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ; فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
١٤٠٦ - (وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ) أَيْ: إِطَالَتَهَا (وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الصَّادِ أَيْ: تَقْصِيرَهَا (مَئِنَّةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَحُكِيَ فَتْحُ الْهَمْزَةِ فَغَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْأُصُولِ (مِنْ فِقْهِهِ) أَيْ: عَلَامَةٌ يَتَحَقَّقُ بِهَا فِقْهُهُ، مَفْعِلَةٌ بُنِيَتْ مِنْ إِنَّ الْمَكْسُورَةِ الْمُشَدَّدَةِ، وَحَقِيقَتُهَا مَظِنَّةٌ، وَمَكَانٌ لِقَوْلِ الْقَائِلِ: أَنَّهُ فَقِيهٌ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَقْصُودَةٌ بِالذَّاتِ، وَالْخُطْبَةَ تَوْطِئَهٌ لَهَا، فَتُصْرَفُ الْعِنَايَةُ إِلَى الْأَهَمِّ، كَذَا قِيلَ أَوْ لِأَنَّ حَالَ الْخُطْبَةِ تَوَجُّهُهُ إِلَى الْخَلْقِ، وَحَالَ الصَّلَاةِ مَقْصَدَةُ الْخَالِقِ، فَمِنْ فَقَاهَةِ قَلْبِهِ إِطَالَةُ مِعْرَاجِ رَبِّهِ. وَقَالَ: فَكُلُّ شَيْءٍ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ مَئِنَّةٌ لَهُ، وَحَقِيقَتُهَا أَنَّهَا مَفْعِلَةٌ مِنْ مَعْنَى إِنَّ الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ، غَيْرِ مُشْتَقَّةٍ مِنْ لَفْظِهَا ; لِأَنَّ الْحُرُوفَ لَا يُشْتَقُّ مِنْهَا، وَإِنَّمَا ضُمِّنَ حُرُوفَهَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا فِيهَا، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا بَعْدَ مَا جُعِلَتِ اسْمًا لَكَانَ قَوْلًا، وَمِنْ أَغْرَبِ مَا قِيلَ فِيهَا: إِنَّ الْهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنْ ظَاءِ الْمَظِنَّةِ، وَالْمِيمَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ زَائِدَةٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَامَةٌ مِنْ فِقْهِهِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْأَصْلُ، وَالْخُطْبَةَ هِيَ الْفَرْعُ، وَمِنَ الْقَضَايَا الْفِقْهِيَّةِ أَنْ يُؤْثَرَ الْأَصْلُ عَلَى الْفَرْعِ بِزِيَادَةٍ، (فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِهَذَا الطُّولِ مَا يَكُونُ عَلَى وِفَاقِ السُّنَّةِ، لَا أَقْصَرَ مِنْهَا وَلَا أَطْوَلَ ; لِيَكُونَ تَوْفِيقًا بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ قَبْلَهُ انْتَهَى. أَقُولُ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ دَلَّ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِيهِمَا، وَالثَّانِيَ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَزِيَّةِ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، لَا يُنَافِي هَذَا مَا وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ إِلَى الظُّهْرِ، فَنَزَلَ وَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ وَخَطَبَ إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ وَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ وَخَطَبَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ» اهـ.
لِوُرُودِهِ نَادِرًا اقْتَضَاهُ، وَلِكَوْنِهِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ وَاعِظًا، وَالْكَلَامُ فِي الْخُطَبِ الْمُتَعَارَفَةِ، (وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا) أَيْ: بَعْضُ الْبَيَانِ يَعْمَلُ عَمَلَ السِّحْرِ، فَكَمَا يُكْتَسَبُ الْإِثْمُ بِالسِّحْرِ، يُكْتَسَبُ بِبَعْضِ الْبَيَانِ أَوْ مِنْهُ مَا يَصْرِفُ قُلُوبَ الْمُسْتَمِعِينَ إِلَى قَبُولِ مَا يَسْتَمِعُونَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ، فَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي قِصَرِ الْخُطْبَةِ ; فَإِنَّهُ فِي مَعْرِضِ الْبَلِيَّةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ مِنْ هَذِهِ الْمِحْنَةِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ، فَهُوَ ذَمٌّ لِتَزْيِينِ الْكَلَامِ وَتَعْبِيرِهِ بِعِبَارَةٍ فِيهَا السَّامِعُ كَالتَّحَيُّرِ فِي السِّحْرِ، نُهِيَ عَنْهُ كَهُوَ عَنِ السِّحْرِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَدْحٌ لِلْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، يُرِيدُ أَنَّ الْبَلِيغَ - أَيِ: الَّذِي لَهُ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا تَأْلِيفَ كَلَامٍ بَلِيغٍ، أَيْ: مُطَابِقٍ لِمُقْتَضَى الْحَالِ - يَبْعَثُ النَّاسَ عَلَى حُبِّ الْآخِرَةِ، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، بِبَلَاغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ ; فَبَيَانُهُ هُوَ السِّحْرُ الْحَلَالُ فِي اجْتِذَابِ الْقُلُوبِ، وَالِاشْتِمَالِ عَلَى الدَّقَائِقِ وَاللَّطَائِفِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ ذَكَرُهُ اسْتِطْرَادًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنِ اقْصُرُوا، أَيِ: اقْصُرُوا الْخُطْبَةَ وَأَنْتُمْ تَأْتُونَ بِهَا مَعَانِيَ جَمَّةً فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَيَانِ ; وَلِذَا قَالَ ﷺ : " «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» ". قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذَمٌّ لِإِمَالَةِ الْقُلُوبِ وَصَرْفِهَا بِمَقَاطِعِ الْكَلَامِ، حَيْثُ يُكْتَسَبُ بِهِ مِنَ الْإِثْمِ مَا يُكْتَسَبُ بِالسِّحْرِ، وَأَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَهَذَا مَذْهَبُهُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَدْحٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَعْلِيمِ الْبَيَانِ، وَشُبِّهَ بِالسِّحْرِ لِمَيْلِ الْقُلُوبِ إِلَيْهِ، وَأَصْلُ السِّحْرِ الصَّرْفُ، وَالْبَيَانُ يَصْرِفُ الْقُلُوبَ وَيُمِيلُهَا إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2072
١٤٠٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَابَةِ وَالْوُسْطَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٤٠٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ) أَيْ: لِلْجُمُعَةِ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهَا (احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ) لِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَوَارِقُ أَنْوَارِ الْجَلَالِ الصَّمَدَانِيَّةِ، وَلَوَامِعُ أَضْوَاءِ الْكَمَالِ الرَّحْمَانِيَّةِ، وَشُهُودُ أَحْوَالِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَتَقْصِيرُ أَكْثَرِهِمْ فِي امْتِثَالِ الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ، (وَعَلَا صَوْتُهُ) بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ أَيِ: ارْتَفَعَ كَلَامُهُ لِنُزُولِ الْهُمُومِ، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهَ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِإِبْلَاغِ وَعْظِهِمْ إِلَى آذَانِهِمْ، وَتَعْظِيمِ ذَلِكَ الْخَبَرِ فِي خَوَاطِرِهِمْ، وَتَأْثِيرِهِ فِيهِمْ (وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) أَيْ: أَثَارَ الْغَضَبَ النَّاشِئَ مِمَّا تَفْعَلُهُ الْأُمَّةُ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ (حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) إِضَافَةٌ إِلَى الْمَفْعُولِ أَيْ: كَمَنْ يُنْذِرُ قَوْمًا مِنْ قُرْبِ جَيْشٍ عَظِيمٍ قَصَدُوا الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ (يَقُولُ) صِفَةٌ لِمُنْذِرٍ، أَوْ حَالٌ مِنْهُ (صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ)
стр. 2073
التَّشْدِيدُ فِيهِمَا. قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: أَيْ سَيُصَبِّحُكُمُ الْعَدُوُّ، وَسَيُمَسُّونَكُمْ يَعْنِي سَيَأْتِيكُمْ وَقْتَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ صَبَّحَكُمُ الْعَدُوُّ كَذَا أَمْسَاكُمْ، وَالْمُرَادُ الْإِنْذَارُ بِإِغَارَةِ الْجَيْشِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَيَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ " مُنْذِرُ جَيْشٍ "، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنِ اسْمِ كَانَ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، فَالْقَائِلُ إِذًا الرَّسُولُ ﷺ وَيَقُولُ: الثَّانِي عُطِفَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ " كَأَنَّهُ " اهـ. الصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ; إِذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فِي الْمِنْبَرِ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّحَابِيِّ لَفْظَ (وَيَقُولُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُنْذِرِ: ثُمَّ قَبْلَهُ ثُمَّ الصَّحِيحُ، أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى احْمَرَّتْ ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِي يَقُولُ الرَّفْعُ، فَارْتَفَعَ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَدْخُولِ حَتَّى. (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ) بِالرَّفْعِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ أَبْلَغُ، وَإِنْ كَانَ النَّصْبُ أَظْهَرُ مَعْنًى. قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ بِنَصْبِهَا وَرَفْعِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ، وَبِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أَيْ: يَعْنِي إِلَيْكُمْ قَرِيبًا مِنَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أُكِّدَ الضَّمِيرُ الْمُنْفَصِلُ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ (كَهَاتَيْنِ) يَعْنِي أَنَّهَا سَتَأْتِيكُمْ بَغْتَةً فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ كَإِتْيَانِ الْجَيْشِ بَغْتَةً فِي الْوَقْتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ (وَيَقْرُنُ) بِضَمِّ الرَّاءِ، وَفِي لُغَةٍ بِكَسْرِهَا، كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ (بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ) بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَجُوِّزَ الرَّفْعُ أَيِ: الْمُسَبِّحَةِ (وَالْوُسْطَى) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَثَّلَ حَالَ الرَّسُولِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ، وَإِنْذَارَهُ الْقَوْمَ بِمَجِيءِ الْقِيَامَةِ، وَقُرْبِ وُقُوعِهَا، وَتَهَالُكِ النَّاسِ فِيمَا يُرْدِيهِمْ أَيْ: يُهْلِكُهُمْ - بِحَالِ مَنْ يُنْذِرُ قَوْمَهُ عَنْ غَفْلَتِهِمْ بِجَيْشٍ قَرِيبٍ مِنْهُمْ، يَقْصِدُ الْإِحَاطَةَ بِهِمْ بَغْتَةً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَكَمَا أَنَّ الْمُنْذِرَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَتَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ عَلَى تَغَافُلِهِمْ، وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ ﷺ الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي بُطُونَ قُرَيْشٍ، وَأَعْمَامَهُ، وَعَمَّاتِهِ، وَأَوْلَادَهُ، وَيَقُولُ: لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، كَذَلِكَ حَالُ الرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ الْإِنْذَارِ، وَإِلَى قُرْبِ الْمَجِيءِ أَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2074
١٤٠٨ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: " ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
١٤٠٨ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: (وَنَادَوْا) أَيْ: يَقُولُ الْكُفَّارُ لِمَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أَيْ: بِالْمَوْتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ قَضَى عَلَيْهِ أَيْ: أَمَاتَهُ. " ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] " وَالْمَعْنَى: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْنَا، يَقُولُونَ هَذَا لِشِدَّةِ مَا بِهِمْ ; فَيُجَابُونَ بِقَوْلِهِ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ أَوْ خَالِدُونَ، وَفِيهِ نَوْعُ اسْتِهْزَاءٍ بِهِمْ دَلَّ الْحَدِيثُ وَمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣] " وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ، عَلَى أَنَّ النَّاسَ إِلَى الْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ أَحْوَجُ مِنْهُمْ إِلَى التَّبْشِيرِ لِتَمَادِيهِمْ فِي الْغَفْلَةِ، وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الشَّهْوَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لِيُبَيِّنَ لَنَا قَدْرَ لُبْثِنَا فِي النَّارِ، فَيَقُولُ لَهُمْ مَالِكٌ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ أَيْ: لَكُمْ لُبْثٌ طَوِيلٌ فِيهَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ آيَةِ الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُنَّةٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ مِيرَكُ.
стр. 2075
١٤٠٩ - (وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: «مَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
١٤٠٩ - (وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ) بِكَسْرِ الْهَاءِ صَحَابِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِ هَاشِمٍ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ (بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ) أَيْ: مَا حَفِظْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] أَيْ: هَذِهِ السُّورَةَ (إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ السُّورَةِ لَا جَمِيعُهَا ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْرَأْ جَمِيعَهَا فِي الْخُطْبَةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ أَوَّلَهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَإِلَّا لَكَانَتْ قِرَاءَتُهَا وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بَعْضَهَا ; فَحَفِظَتِ الْكُلَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: قَوْلُهُ: يَقْرَؤُهَا أَيْ: كُلَّهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى أَوَّلِ السُّورَةِ صَرْفٌ لِلنَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَ الطِّيبِيِّ، لَكِنْ نَحْنُ نَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِحَمْلِ كُلِّهَا عَلَى الْخُطَبِ الْمُتَعَدِّدَةِ ; إِذِ الْحَمْلُ عَلَى كُلِّ السُّورَةِ فِي كُلِّ خُطْبَةِ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَانَ يَقْرَأُ ق فِي خُطْبَتِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ: أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ بِبَرَاءَةَ.
стр. 2076
١٤١٠ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
١٤١٠ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ: رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَلِيَ إِمَارَةَ الْكُوفَةِ. ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ) وَفِي الشَّمَائِلِ خَطَبَ النَّاسَ. (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: عِصَابَةٌ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَتُسَمَّى بِهَا الْعِمَامَةُ، وَقَدْ جَاءَ فِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ: «صَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ عِمَامَةٍ» " (سَوْدَاءُ) وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دَسْمَاءُ أَوْ سَوْدَاءُ، وَقِيلَ: مُلَطَّخَةٌ بِدُسُومَةِ شَعْرِهِ ﷺ إِذْ كَانَ يَكْثُرُ دُهْنُهُ، (قَدْ أَرْخَى) أَيْ: سَدَلَ وَأَرْسَلَ (طَرَفَيْهَا) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ: طَرَفَيْ عِمَامَتِهِ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ لُبْسَ الزِّينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ، وَإِرْسَالَ طَرَفَيْهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ سُنَّةٌ. قَالَ مِيرَكُ فِي حَاشِيَةِ الشَّمَائِلِ: هَذِهِ الْخُطْبَةُ وَقَعَتْ فِي مَعْرِضِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: يُسَنُّ لُبْسُ السَّوَادِ لِحَدِيثٍ فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّ عِمَامَتَهُ ﷺ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَرْبَعَةُ وَفِي الشَّمَائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ أَيْ: أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي ثَلْجِ الْفُؤَادِ فِي لُبْسِ السَّوَادِ عَنْ عَلَيٍّ: أَنَّهُ لَبِسَ عِمَامَةً سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَلَيٍّ عِمَامَةً سَوْدَاءَ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ خَطَبَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ سُودٌ، وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ يُرْخِيهَا شِبْرًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ شِبْرٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَى مِنْ خَلْفِهِ نَحْوًا مِنْ ذِرَاعٍ. وَنَقَلَ السُّيُوطِيُّ لُبْسَ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَمُعَاوِيَةُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَالْبَرَاءُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَوَاثِلَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخْرَجَ ابْنُ عُدَيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا مَعَهُ جِبْرِيلُ، وَأَنَا أَظُنُّهُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ. فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّهُ لَوَضِحُ الثِّيَابِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ السُّودَ» . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْمُولَةِ فِي إِرْسَالِ الْعَذَبَةِ، «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدِيَّ وَمِنْ خَلْفِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَرْسَلَ مِنْ خَلْفِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ وَنَحْوَهَا، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا فَاعْتَمَّ، فَإِنَّهُ أَغْرَبُ وَأَحْسَنُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لَا يُوَلِّي وَالِيًا حَتَّى يُعَمَّمَ يُرْخِيَ لَهَا مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ نَحْوَ الْأُذُنِ. رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَقَوْلُ الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ: مَا فَارَقَ الْعَذَبَةَ قَطُّ. لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ، بَلْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْهُدَى: أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمُّ تَارَةً بِعَذَبَةٍ وَتَارَةً بِلَا عَذَبَةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «خَالِفُوا الْيَهُودَ» إِلَخْ، وَحَدِيثُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِمَامَةٍ صَمَّاءَ» فَلَا أَصْلَ لَهُمَا، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَتَرَكَهَا اسْتِنْكَافًا عَنْهَا أَثِمَ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ فَلَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَجُوزُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ بِإِرْسَالِ طَرَفِهَا، وَبِغَيْرِ إِرْسَالِهِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ إِرْسَالِهَا شَيْءٌ، وَإِرْسَالُهَا إِرْسَالًا فَاحِشًا كَإِرْسَالِ الثَّوْبِ، فَيَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا إِسْبَالَ فِي الْإِزَارِ، وَالْقَمِيصِ، وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا إِذَا اقْتَدَى الشَّخْصُ بِهِ ﵊ فِي عَمَلِ الْعَذَبَةِ، وَحَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ خُيَلَاءُ فَدَوَاؤُهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ، وَيُعَالِجَ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ الْعَذَبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَزُلْ إِلَّا بِتَرْكِهَا فَلْيَتْرُكْهَا مُدَّةً حَتَّى تَزُولَ ; لِأَنَّ تَرْكَهَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَإِزَالَةَ الْخُيَلَاءِ وَاجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي السَّوَادِ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَلْبَسَ السَّوَادَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ هَذَا، لَكِنْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ إِنَّمَا هُوَ الْبَيَاضُ، ثُمَّ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْبَسُ الْبَيَاضَ دُونَ السَّوَادِ، إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَرَتُّبُ مَفْسَدَةٍ عَلَيْهِ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي الْإِحْيَاءِ فِي مَوْضِعٍ تَبَعًا لِقَوْلِ أَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ: يُكْرَهُ لُبْسُ السَّوَادِ.
وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: بِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى لُبْسِ السُّودِ بِدْعَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ لُبْسَهُ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ بَنُو الْعَبَّاسِ فِي خِلَافَتِهِمْ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الرَّايَةَ الَّتِي عُقِدَتْ لِجَدِّهِمُ الْعَبَّاسِ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ كَانَتْ سَوْدَاءَ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ الْأَلْوَانِ مِنَ الزِّينَةِ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ يَلْبَسُهُ الْعُبَّادُ وَالنُّسَّاكُ.
стр. 2077
١٤١١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلِيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
١٤١١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) أَيْ: يُرِيدُ أَوْ يَقْرُبُ أَنْ يَخْطُبَ، (فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلِيَتَجَوَّزْ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ، (فِيهِمَا) أَيْ: لِيُخَفِّفْ. قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَحْصُلُ بِهَا بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْمَذْهَبِ: إِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مُسْتَحَبَّةٌ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لَهُ، وَلِلْبُخَارِيِّ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَقُلْ: " وَلِيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ".
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنْ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ ; فَقَالَ لَهُ: " سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ " إِلَخْ.
قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊ «إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَفْعُهُ غَرِيبٌ، وَالْمَعْرُوفُ كَوْنُهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ. قَالَ: خُرُوجُهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: عَنْ عَلَيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، كَانُوا يَكْرَهُونَ الصَّلَاةَ وَالْكَلَامَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ. وَأَخْرَجَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: إِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَا صَلَاةَ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَجِيءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ فَيَجِبُ تَقْلِيدُهُ عِنْدَنَا إِذَا لَمْ يَنْفِهِ شَيْءٌ آخَرُ مِنَ السُّنَّةِ، وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَخْ، لَا يَنْفِي كَوْنَ الْمُرَادِ أَنْ يَرْكَعَ مَعَ سُكُوتِ الْخَطِيبِ ; لِمَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَكَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ انْتَهَى.
وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ: أَنَّهُ ﵊ كَرَّرَ أَمْرَهُ لَهُ بِالصَّلَاةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فِي ثَلَاثِ جُمَعٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ كَانَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى ثَوْبَيْنِ، فَدَخَلَ بِهِمَا فِي الثَّانِيَةِ فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا فِيهَا ﷺ وَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ انْتَهَى.
فَيَكُونُ الْحُكْمُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ ; لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَنْعِ لَا يُجِيزُونَ ذَلِكَ لِعِلَّةِ التَّصَدُّقِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
стр. 2078
١٤١٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
١٤١٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي صَلَاةَ الْجُمُعَةِ. (مَعَ إِمَامٍ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْجُمُعَةِ، بَيَّنَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ. (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَيْ: لَمْ تَفُتْهُ، وَمَنْ لَمْ تَفُتْهُ الْجُمُعَةُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَيَقُومُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ، وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى اهـ. وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» "، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مُفَصَّلًا فَرَاجِعْهُ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ فِي خُصُوصِ الْجُمُعَةِ فِي حَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . وَفِي حَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيَصِلْ إِلَيْهَا أُخْرَى» . ضَبَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُودِ " إِلَيْهَا ". فَالصَّوَابُ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَسُكُونِ لَامٍ مُخَفَّفَةٍ ; لِأَنَّ الْوُصُولَ يَتَعَدَّى بِإِلَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2079
١٤١٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ أُرَاهُ الْمُؤَذِّنَ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٤١٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ) أَيْ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا إِجْمَالٌ وَتَفْصِيلُهُ: (كَانَ يَجْلِسُ) اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ (إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَيْ: يُسْتَحَبُّ الْخُطْبَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَّا بِمَكَّةَ ; فَإِنَّ الْخُطْبَةَ عَلَى مِنْبَرِهَا بِدْعَةٌ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ كَمَا فَعَلَهُ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَإِنَّمَا أَحْدَثُ ذَلِكَ بِمَكَّةَ مُعَاوِيَةُ، وَفِيهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَأَقَرَّهُ السَّلَفُ مَعَ اعْتِرَاضِهِمْ عَلَيْهِ فِي وَقَائِعَ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ. (حَتَّى يَفْرُغَ أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (الْمُؤَذِّنَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِأُرَاهُ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ لِيَفْرُغَ، أَيْ: قَالَ الرَّاوِي: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ قَالَ الرَّاوِي: أَظُنُّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: حَتَّى يَفْرُغَ تَقْيِيدُهُ بِالْمُؤَذِّنِ، وَالْمَعْنَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ الْمُؤَذِّنُ مِنْ
стр. 2080
أَذَانِهِ. (ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ) أَيْ: جَلْسَةً خَفِيفَةً. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ قَدْرَ الْإِخْلَاصِ. (وَلَا يَتَكَلَّمُ) أَيْ: حَالَ جُلُوسِهِ بِغَيْرِ الذِّكْرِ، أَوِ الدُّعَاءِ، أَوِ الْقِرَاءَةِ سِرًّا. وَالْأَوْلَى الْقِرَاءَةُ لِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَقْرَأُ فِي جُلُوسِهِ كِتَابَ اللَّهِ. قِيلَ: وَالْأَوْلَى قِرَاءَةُ الْإِخْلَاصِ، كَذَا فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ. (ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ) فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ يُكْرَهُ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ وَصْفُ السَّلَاطِينِ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ ; لِأَنَّ فِيهِ خَلْطَ الْعِبَادَةِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَهِيَ الْكَذِبُ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: مَنْ قَالَ لِسُلْطَانِ زَمَانِنَا: عَدَلَ، كَفَرَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إِلَى أَنْ يُشْرَعَ فِي مَدْحِ الظَّلَمَةِ، وَلِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْبُعْدَ فِي زَمَانِنَا عَنِ الْخَطِيبِ أَفْضَلُ كَيْلَا يَسْمَعَ مَدْحَ الظَّلَمَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ.
стр. 2081
١٤١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، ذَاهِبُ الْحَدِيثِ.
ــ
١٤١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: تَوَجَّهْنَاهُ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَجَّهَ الْقَوْمُ الْخَطِيبَ، وَالْخَطِيبُ الْقَوْمَ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ يُسْتَحَبُّ لِلْقَوْمِ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْإِمَامَ عِنْدَ الْخُطْبَةِ، لَكِنَّ الرَّسْمَ الْآنَ أَنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ لِلْحَرَجِ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ. قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِقْبَالِهِمُ الْإِمَامَ تَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عَلَى مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي أَوَّلِ بَابِ الْعِيدِ، فَيَقُومَ مُقَابِلَ النَّاسِ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ. نَعَمْ، الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَإِذَا صَعِدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى الْقَوْمِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ اهـ.
وَمِنْ عَجَائِبِ مَا وَقَعَ لِي أَنِّي كُنْتُ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَذْهَبُ إِلَى الْخَطِيبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَقُولُ لَهُ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَتَعَجَّبَ مِنِّي مَرَّةً. فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَوَّلُ مَا تُسَلِّمُ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ، وَلَا يَرُدُّ أَحَدٌ الْجَوَابَ وَلَوْ رَدَّ أَحَدٌ لَمْ تَسْمَعْ فَلَا يُفِيدُ إِسْقَاطُ الْفَرْضِ، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَ الْمُؤَذِّنَ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَإِلَّا تَتْرُكِ السَّلَامَ لِئَلَّا يَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ الْعَامِّ، وَالْإِثْمِ التَّامِّ. فَقَالَ لِي: هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ. قُلْتُ: الْإِرَادَةُ تَرْكُ الْعَادَةِ، وَبِتَرْكِهَا تَصِيرُ الْعَادَةُ عِبَادَةً. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَيِ: ابْنِ عَطِيَّةَ قَالَهُ مِيرَكُ. (وَهُوَ ضَعِيفٌ) أَيْ: فِي الرِّوَايَةِ. (ذَاهِبُ الْحَدِيثِ) أَيْ: وَاهِمٌ فِي نَقْلِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: ذَاهِبٌ حَدِيثُهُ، غَيْرُ حَافِظٍ لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ ضَعِيفٌ.
стр. 2082
١٤١٥ - ( «وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ فَقَدَ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَلْفَيْ صَلَاةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
١٤١٥ - (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا) ، فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: كُلُّ بَلَدٍ فُتِحَ بِالسَّيْفِ يُخْطَبُ فِيهَا بِالسَّيْفِ كَمَكَّةَ، وَالَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا كَالْمَدِينَةِ يُخْطَبُ فِيهَا بِلَا سَيْفٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْقِيَامِ. (ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا) . فِي الْيَنَابِيعِ: الْجَهْرُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْجَهْرِ فِي الْأُولَى. (فَمَنْ نَبَّأَكَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: أَخْبَرَكَ وَحَدَّثَكَ. (أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ) أَيِ: افْتَرَى. (فَقَدَ وَاللَّهِ، صَلَّيْتُ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاللَّهِ، قَسَمٌ اعْتَرَضَ بَيْنَ قَدْ وَمُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَابِ الْقَسَمِ، وَالْفَاءُ فِي فَمَنْ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي فَقَدْ كَذَبَ جَوَابُ مَنْ، وَفِي فَقَدَ وَاللَّهِ، سَبَبِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَاذِبٌ ظَاهِرُ الْكَذِبِ ; بِسَبَبِ أَنِّي صَلَّيْتُ. (مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ) أَيْ: مِنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ أَرَادَ التَّكْثِيرَ لَا التَّحْدِيدَ ; لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُقِمْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا عَشْرَ سِنِينَ، وَأَوَّلُ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا هِيَ الْجُمُعَةُ الَّتِي تَلِي قُدُومَهُ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يُصَلِّ أَلْفَيْ جُمُعَةٍ بَلْ نَحْوَ خَمْسِمِائَةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2083
١٤١٦ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا. فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
١٤١٦ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ، نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. (أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَمِّ الْحَكَمِ) بِفَتْحَتَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَظُنُّهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. قُلْتُ: أَوْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ. (يَخْطُبُ قَاعِدًا فَقَالَ) أَيْ: كَعْبٌ مِنْ غَايَةِ الْغَضَبِ. (انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ) بِعَيْنِ الْعَجَبِ فِي تَرْكِ الْأَدَبِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ جَوَازُ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ حَرَامًا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ أَوْ مَكْرُوهًا عِنْدَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ إِظْهَارَ خِلَافِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ ﵊ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يُنْبِئُ عَنْ خُبْثٍ أَيِّ خُبْثٍ. (يَخْطُبُ قَاعِدًا) وَقَالَ اللَّهُ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَوْا) أَيْ: أَبْصَرُوا أَوْ عَرَفُوا. (تِجَارَةً) أَيْ: بَيْعًا وَشِرَاءً. (أَوْ لَهْوًا) أَيْ: طَبْلًا وَصَدًّا. (انْفَضُّوا) أَيْ: تَفَرَّقُوا. (إِلَيْهَا) أَيْ: إِلَى التِّجَارَةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ وَمُرَاعَاةِ أَقْرَبِ الْمَذْكُورِينَ، أَوِ اخْتُصَّتْ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الطَّبْلَ إِنَّمَا كَانَ لِإِعْلَامِ مَجِيءِ أَسْبَابِ التِّجَارَةِ، وَكَانُوا إِذَا أَقْبَلَتِ الْعِيرُ اسْتَقْبَلُوهَا بِالتَّصْفِيقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ قَدْ قَالَ اللَّهُ حَالٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ الْإِنْكَارِ رَأَى كَيْفَ يَخْطُبُ قَاعِدًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَصَابَهُمْ جُوعٌ وَغَلَاءٌ، فَقَدِمَ تِجَارَةٌ مِنْ زَيْتِ الشَّامِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا فَتَرَكُوهُ قَائِمًا وَمَا بَقِيَ مَعَهُ إِلَّا يَسِيرٌ اهـ. وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ أَوِ اثْنَا عَشَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ: عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ الْبَاقِينَ اثْنَا عَشَرَ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵃ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ﵇: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ خَرَجُوا جَمِيعًا لَأَضْرَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْوَادِيَ نَارًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ الْوَقْتَ ; فَإِنَّهَا لَا تَصِحَّ بَعْدَهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَوَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ إِجْمَاعًا، وَلَا تَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ إِلَّا فِي قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَمِنْ شُرُوطِهَا الْخُطْبَةُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَشَرْطُهَا كَوْنُهَا فِي الْوَقْتِ، وَلَا تَصِحُّ قَبْلَهُ، وَأَنْ تَكُونَ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ، وَرُكْنُهَا مُطْلَقُ ذِكْرِ اللَّهِ بِنِيَّتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا ذِكْرٌ طَوِيلٌ يُسَمَّى خُطْبَةً، وَوَاجِبُهَا كَوْنُهَا مَعَ الطَّهَارَةِ، وَالْقِيَامِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَسُنَّتُهَا: كَوْنُهَا خُطْبَتَيْنِ بِجِلْسَةٍ بَيْنَهُمَا، يَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْحَمْدِ وَالتَّشَهُّدِ، أَيْ: لَفَظِ الشَّهَادَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْأُولَى عَلَى تِلَاوَةِ آيَةٍ وَالْوَعْظِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَدَلَ الْوَعْظِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَرْكَانٌ فَلَوْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ أَجْزَأَ إِنْ كَانَ عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَالْقِيَامُ فِيهَا أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ إِذَا كَانَ أَنْشَرَ لِلصَّوْتِ فَكَانَتْ مُخَالَفَتُهُ مَكْرُوهَةً. قَالَ: وَلَمْ يَحْكُمْ هُوَ أَيْ: كَعْبٌ، وَلَا غَيْرُهُ بِفَسَادِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشُرُوطٍ عِنْدَهُمْ أَيْ: عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَيَكُونَ كَالْإِجْمَاعِ.
قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ كَوْنِهِ ذِكْرًا طَوِيلًا يُسَمَّى خُطْبَةً، أَوْ ذِكْرًا لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، فَكَانَ الشَّرْطُ الذِّكْرَ الْأَعَمَّ بِالْقَاطِعِ غَيْرَ أَنَّ الْمَأْثُورَ عَنْهُ ﵊ اخْتِيَارُ أَحَدِ الْفَرْدَيْنِ أَعْنِي الذِّكْرَ الْمُسَمَّى بِالْخُطْبَةِ وَالْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا أَوْ سُنَّهً، لَا أَنَّهُ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يُجَزِئُ غَيْرُهُ ; إِذْ لَا يَكُونُ بَيَانًا لِعَدَمِ الْإِجْمَالِ فِي لَفْظِ الذِّكْرِ، وَقَدْ عُلِمَ وُجُوبُ تَنْزِيلِ الْمَشْرُوعَاتِ عَلَى حَسَبِ أَدِلَّتِهَا، فَهَذَا الْوَجْهُ يُغْنِي عَنْ قِصَّةِ عُثْمَانَ، فَإِنَّهَا لَمْ تُعْرَفْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بَلْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا خَطَبَ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ وُلِّيَ الْخِلَافَةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنْ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا، وَأَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ إِلَى إِمَامٍ قَوَّالٍ، وَسَتَأْتِيكُمُ الْخُطَبُ بَعْدُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَنَزَلَ وَصَلَّى بِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ إِمَّا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا، وَإِمَّا عَلَى كَوْنِ نَحْوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى خُطْبَةً لُغَةً، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ عُرْفًا، وَلِهَذَا قَالَ ﵊: لِلَّذِي قَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، فَسَمَّاهُ خَطِيبًا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْخِطَابُ الْقُرْآنِيُّ إِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ مَعَ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ بِلُغَتِهِمْ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعُرْفَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى غَرَضِهِمْ، فَأَمَّا فِي أَمْرٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ تَعَالَى فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ لُغَةً اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2084
١٤١٧ - «وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ ﵁: أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٤١٧ - (وَعَنْ عُمَارَةَ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. (ابْنِ رُوَيْبَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. (أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ) . فِي الْقَامُوسِ: نَبَرَ الشَّيْءَ: رَفَعَهُ، وَمِنْهُ الْمِنْبَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ. (رَافِعًا يَدَيْهِ) أَيْ: عِنْدَ التَّكَلُّمِ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْوُعَّاظِ إِذْ جَمُّوا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ: (فَقَالَ) أَيْ: عُمَارَةُ. (قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ) : دُعَاءٌ عَلَيْهِ، أَوْ إِخْبَارٌ عَنْ قُبْحِ صُنْعِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ) : بِالْجَرِّ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: يَقُولُ أَيْ: يُشِيرُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ فِي الْخُطْبَةِ بِإِصْبَعِهِ يُخَاطِبُ النَّاسَ، وَيُنَبِّهُهُمْ عَلَى الِاسْتِمَاعِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2085
١٤١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: " اجْلِسُوا " فَسَمِعَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ " تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٤١٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: " اجْلِسُوا» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّكَلُّمِ فِي الْمِنْبَرِ اهـ.
وَعِنْدَنَا كَلَامُ الْخَطِيبِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ مَكْرُوهٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَأَى أَحَدًا مِنَ الْحَاضِرِينَ قَامَ لِيُصَلِّيَ، فَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَالِسِ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إِجْمَاعًا. (فَسَمِعَ ذَلِكَ) أَيْ: أَمْرَهُ ﷺ بِالْجُلُوسِ. (ابْنُ مَسْعُودٍ، فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) : مُبَادَرَةً إِلَى الِامْتِثَالِ. (فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " تَعَالَ ") أَيِ: ارْتَفِعْ عَنْ صَفِّ النِّعَالِ إِلَى مَقَامِ الرِّجَالِ، وَهَلُمَّ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُهُ أَنْ يُدْعَى الْإِنْسَانُ إِلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ جُعِلَ لِلدُّعَاءِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، وَتَعَلَّى ذَهَبَ صَاعِدًا يُقَالُ: عَلَّيْتُهُ فَتَعَلَّى. (" يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ") : خِطَابُ تَشْرِيفٍ وَتَخْصِيصٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ وَالْكَمَالِ حَيْثُ حَبَاهُ ﷺ بِخُصُوصِيَّاتٍ لَمْ يَجْعَلْهَا لِغَيْرِهِ، وَيَكْفِيهِ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَقِّهِ: " «رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ» ". وَلِذَا كَانَ إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ يُقَدِّمُ قَوْلَهُ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ مَا عَدَا الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 2086
١٤١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيَصِلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا» " أَوْ قَالَ: " الظُّهْرَ ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
١٤١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيَصِلْ ") : مِنَ الْوَصْلِ. (" إِلَيْهَا ") أَيْ: إِلَى تِلْكَ الرَّكْعَةِ. (" أُخْرَى ") : كَمَا مَرَّ فَتَذَكَّرْ. (" وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ ") أَيْ: صَلَاتُهَا، وَقِيلَ: أَيِ: الرُّكُوعَانِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةُ الْكَامِلِينَ، وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا ; فَاحْتِيطَ لَهَا مَا لَمْ يُحْتَطْ لِغَيْرِهَا، فَلَمْ تُدْرَكْ إِلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ
стр. 2087
كَامِلَةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَالْحَدِيثُ السَّابِقُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّصْرِيحِ، بَلْ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْمُخَالِفِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُمُ، الْمَمْنُوعِ عِنْدَنَا عَلَى الصَّحِيحِ. (" فَلْيُصَلِّ ") : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ. (" أَرْبَعًا ") أَيِ: الظُّهْرَ. (أَوْ قَالَ: " الظُّهْرَ ") أَيْ: بَدَلَ (أَرْبَعًا) . (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) : وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَبِلَفْظِ: " «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ". وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَاعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، وَيُغْنِي عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: " «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ". وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيهِمَا صَلَّى مَعَهُ مَا أَدْرَكَ، وَبَنَى عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ سُجُودِ السَّهْوِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ بَنَى عَلَيْهَا الظُّهْرَ.
قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: لَهُمَا إِطْلَاقُ قَوْلِهِ ﵊ أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " فَاقْضُوا ". قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَبَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ فِي الْحُكْمِ، فَمَنْ أَخَذَ بِلَفْظِ: " أَتِمُّوا " قَالَ: مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَمَنْ أَخَذَ بِلَفْظِ " فَاقْضُوا " قَالَ: مَا يُدْرِكُهُ آخِرُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَمَا رَوَاهُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ أَضَافَ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَإِلَّا صَلَّى أَرْبَعًا لَمْ يَثْبُتْ. اهـ.
وَأَمَّا لَفْظُ الْمِشْكَاةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ، فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى صِحَّةِ الْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّ مَعْنَى مَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ أَيْ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَلْيُصَلِّ الظُّهْرَ أَيْ: لَا قَضَاءَ الْجُمُعَةِ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الرَّكْعَتَانِ بِالرُّكُوعَانِ، فَمِنْ بَابِ صَرْفِ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ إِلَيْهِ، وَلَا حَدِيثٍ دَالٍّ عَلَيْهِ، هَذَا وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْفَوْتِ الْحُكْمِيِّ، وَهُوَ مَا لَا يُوجَدُ فِي الْجُمُعَةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا، فَإِنَّ مِنْهَا الْمِصْرَ، لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَنْ عَلِيٍّ ﵁: لَا جُمُعَةَ، وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ، وَلَا أَضْحَى، إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، أَوْ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: صَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَكَفَى بِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قُدْوَةً، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَكَانَ كَعْبٌ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ تَرَحَّمَ عَلَى أَسْعَدَ لِذَلِكَ قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ. فَكَانَ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ. ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةً ; لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الْجُمُعَةُ، وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ ﷺ أَيْضًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَتِلْكَ الْحَرَّةُ مِنْ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ، وَلِلْفِنَاءِ حُكْمُ الْمِصْرِ، فَيَسْلَمُ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَنِ الْمُعَارِضِ، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَوْنِهِ سَمَاعًا ; لِأَنَّ دَلِيلَ الِافْتِرَاضِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى يُفِيدُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَمْكِنَةِ، فَإِقْدَامُهُ عَلَى نَفْيِهَا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ سَمَاعٍ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ الْمُسْتَمِرِّ فِي مِثْلِهِ، وَفِي الصَّلَوَاتِ الْبَاقِيَاتِ أَيْضًا، وَلِذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ اشْتَغَلُوا بِنَصْبِ الْمَنَابِرِ وَالْجُمَعِ إِلَّا فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَلَوْ آحَادًا اهـ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْمِصْرِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَلَّمَا يَتَّفِقُ وُقُوعُهُ فِي بَلَدٍ، وَلِذَا قَالُوا: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي جَوَازِ الْجُمُعَةِ، يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ يَنْوِي بِهَا آخِرَ فَرْضٍ أَدْرَكْتُ وَقْتَهُ، وَلَمْ أُؤَدِّهِ بَعْدُ، فَإِنْ لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ وَقَعَتْ ظُهْرًا، وَإِنْ صَحَّتْ وَكَانَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَإِلَّا فَنَفْلٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ سُنَّةِ الْوَقْتِ، ثُمَّ أَرْبَعًا بِالنِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ سُنَّةِ الْوَقْتِ، فَإِنْ صَحَّتِ الْجُمُعَةُ يَكُونُ الْمُصَلِّي قَدْ أَدَّى سُنَّتَهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَإِلَّا فَقَدَ صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ سُنَّتِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَرْبَعِ الَّتِي بِنِيَّةِ آخِرِ الظُّهْرِ ; فَإِنَّهُ إِنْ وَقَعَ فَرْضًا فَلَا تَضُرُّهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَإِنْ وَقَعَ نَفْلًا فَقِرَاءَةُ السُّورَةِ وَاجِبَةٌ اهـ.
وَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ كُلًّا مِنَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِصْرٌ لِصَلَاتِهِ ﵊ فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْأَوْصَافَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَأَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ حَدِّ الْمِصْرِ - عَلَى مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ - أَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ، وَيُقِيمُ الْحُدُودَ، وَلَا شَكَّ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُنَفِّذَ لِلْأَحْكَامِ عَزِيزٌ، بَلْ مَعْدُومٌ مِنْ بَيْنِ الْأَنَامِ ; لِأَنَّ غَالِبَ الْقُضَاةِ يَأْخُذُونَ الْقَضَاءَ بِالدَّرَاهِمِ، وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةٍ تَقَلُّدِهِ، ثُمَّ غَالِبُهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشَا، وَاخْتُلِفَ فِي انْعِزَالِهِمْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ انْعِزَالِهِمْ، ثُمَّ أَكْثَرُهُمْ مَا يُنَفِّذُونَ الْأَحْكَامَ إِمَّا لِجَهْلِهِمْ أَوْ لِعَدَمِ الْتِفَاتِهِمْ، وَوُجُودِ فِسْقِهِمْ، وَلَوْ فُرِضَ فَرْدٌ مِنْهُمْ مُتَّصِفٌ بِأَوْصَافِ الْقَضَاءِ، وَأَرَادُوا إِجْرَاءَ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ نِظَامِ الْإِسْلَامِ مَنَعَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْحُكَّامُ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الدِّينِ مِنْ شِيَمِ الْمُتَّقِينَ.
стр. 2088
[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]
стр. 2089
[٤٦] بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
" الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
١٤٢٠ - عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» . وَرَوَى نَافِعٌ نَحْوَهُ. وَزَادَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٤٦] بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
أَيْ: أَحْكَامِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَحُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مُعْتَدٌّ بِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي التَّرْجِيحِ، قِيلَ: جَاءَتْ فِي الْأَخْبَارِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا، وَقِيلَ: أَقَلُّ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ، وَقَدْ أَخَذَ بِكُلِّ رِوَايَةٍ مِنْهَا جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَحْمَدَ: لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ صَلَّى بِوَاحِدَةٍ مِمَّا صَحَّ عَنْهُ ﵊. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ لَا يُغَيِّرُ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ، وَمَعْنَى الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ، الَّذِي أَخَذَ بِظَاهِرِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمَأْمُومَ يَنْفَرِدُ فِيهِ عَنِ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ كَمَا يَأْتِي ; لِيَلْتَئِمَ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُصَلِّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْخَوْفِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ.
" الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
١٤٢٠ - (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (غَزَوْتُ) أَيِ: الْكُفَّارَ. فِي الْقَامُوسِ غَزَا الْعَدُوَّ: سَارَ إِلَى قِتَالِهِمْ. (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : حَالٌ (قِبَلَ نَجْدٍ) : بِكَسْرِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ، نَصْبًا عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ: نَاحِيَتَهُ، وَالنَّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَالْمُرَادُ هُنَا نَجْدُ الْحِجَازِ لَا نَجْدُ الْيَمَنِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ تِهَامَةَ إِلَى الْعِرَاقِ. (فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ) أَيْ: حَاذَيْنَاهُ وَقَابَلْنَاهُ. فِي النِّهَايَةِ الْمُوَازَاةُ: الْمُقَابَلَةُ وَالْمُوَاجَهَةُ، يُقَالُ: وَازَيْتُهُ إِذَا حَاذَيْتُهُ. وَفِي الصَّحَّاحِ هُوَ بَإَذَائِهِ أَيْ: بِحِذَائِهِ، وَقَدْ آزَيْتُهُ أَيْ: حَاذَيْتُهُ، وَلَا تَقُلْ وَازَيْتُهُ. وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ أَيْضًا أَنَّهُ مَهْمُوزٌ فَقَطْ، لَكِنَّ رِوَايَةَ الْمُحْدَثِينَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَقْلِ اللُّغَوِيِّينَ، مَعَ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، لَا سِيَّمَا وَوَافَقَهُمْ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَوْ هُمَا لُغَتَانِ كَالْمُوَاكَلَةِ وَالْمُوَاخَذَةِ. (فَصَافَفْنَا) أَيْ: قُمْنَا صَفَّيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. (لَهُمْ) أَيْ: لِحَرْبِهِمْ، أَوْ جَعَلْنَا نُفُوسَنَا صَفَّيْنِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ. (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي) أَيْ: بِالْجَمَاعَةِ إِمَامًا. (لَنَا) أَيْ: لِتَحْصِيلِ ثَوَابِنَا عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَنَا حَيْثُ لَمْ يُصَلِّ مَعَ جَمَاعَةٍ، وَتَرَكَ جَمَاعَةً أُخْرَى يُصَلُّونَ مَعَ غَيْرِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْقَوْمُ حَاضِرِينَ، وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَجُوزُ خَلْفَ التَّنَفُّلِ، وَإِلَّا لَأَمْكَنَهُ ﵊ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّتَيْنِ بِالطَّائِفَتَيْنِ، وَالْحَدِيثُ مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ، حَيْثُ مَا تُرِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْهُمَامِ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا تَلْزَمُ إِذَا تَنَازَعَ الْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَمَامَ الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى إِمَامٌ آخَرُ تَمَامَهَا. (فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُمُ السَّابِقُونَ فِي الْإِسْلَامِ. (وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ) : وَهُمُ اللَّاحِقُونَ. (عَلَى الْعَدُوِّ) أَيْ: عَلَى جَانِبِهِمْ بِالْوُقُوفِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ لِدَفْعِ مُقَاتَلَتِهِمْ. (وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: أَتَى بِالرُّكُوعِ. (بِمَنْ مَعَهُ) :
стр. 2090
أَيْ: مَعَ الَّذِينَ قَامُوا مَعَهُ. (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أَيْ: بِمَنْ مَعَهُ. (ثُمَّ انْصَرَفُوا) أَيِ: الطَّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ تِلْكَ الرَّكْعَةَ. (مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا) أَيِ: الَّتِي مَا صَلَّتْ. (فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: فَعَلَ الرُّكُوعَ. (بِهِمْ) : وَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ أَيْ: صَلَّى لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: (رَكْعَةً) بِمَعْنَى رُكُوعًا ; لِقَوْلِهِ: (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) إِذِ الرَّكْعَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِانْضِمَامِ السَّجْدَتَيْنِ. (ثُمَّ سَلَّمَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَحْدَهُ. (فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنَ الْمَأْمُومِينَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ. (فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) وَتَفْصِيلُهُ: أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ ذَهَبُوا إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الْأُولَى إِلَى مَكَانِهِمْ وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ مُنْفَرِدِينَ، وَسَلَّمُوا وَذَهَبُوا إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ وَأَتَمُّوا مُنْفَرِدِينَ، وَسَلَّمُوا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كَذَا قِيلَ، وَبِهَذَا أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُشْعِرْ بِذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَشْيُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَإِتْمَامُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فِي مَكَانِهَا مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ، وَهُوَ أَقَلُّ تَغْيِيرًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى تَمَامِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ، وَسَاقَ إِسْنَادَ الْإِمَامِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ: فِيهِ، فَالْمَوْقُوفُ فِيهِ كَالْمَرْفُوعِ اهـ.
وَبِهِ انْدَفَعَ كَلَامُ النَّوَوِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ فِرْقَةً مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ جَاءَتْ إِلَى مَكَانِهَا ثُمَّ أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ كُلًّا صَلَّى بَعْدَ سَلَامِهِ ﵊ مَا بَقِيَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ مَجِيءٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ اقْتَدَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَاخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ، ثُمَّ الْمَذْهَبُ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى تُتِمُّ صَلَاتَهَا بِلَا قِرَاءَةٍ كَاللَّاحِقِ، وَالطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ تُتِمُّهَا بِالْقِرَاءَةِ كَالْمَسْبُوقِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مُقِيمًا وَالصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةٌ، فَيُصَلِّيَ مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَغْرِبُ مُطْلَقًا تُصَلَّى مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَدْ جَازَتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ مَعَ كَثْرَةِ الْأَفْعَالِ فِيهَا بِلَا ضَرُورَةٍ ; لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِهَا مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَوْمٍ، وَالْكَيْفِيَّةُ الْآتِيَةُ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَدَعْوَى النَّسْخِ بَاطِلَةٌ لِاحْتِيَاجِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَلَيْسَ هُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(وَرَوَى نَافِعٌ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا. (نَحْوَهُ) أَيْ: مَعْنَى مَا رَوَاهُ سَالِمٌ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ: كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا، فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ، وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ، وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ. إِلَخْ. فَالصِّيغَةُ فِي الْحَدِيثِ صِيغَةُ الْفَتْوَى لَا إِخْبَارٌ عَمَّا كَانَ ﵊ فَعَلَ، وَإِلَّا لَقَالَ: قَامَ ﵊ دُونَ أَنْ يَقُولَ: قَامَ الْإِمَامُ ; وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى. إِلَخِ اهـ. وَبِهِ يَتَبَيَّنُ تَحْقِيقُ هَذَا الْحَدِيثُ.
(وَزَادَ) أَيْ: نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ سَالِمٍ عَنْهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: زَادَ ابْنُ عُمَرَ. (فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ) أَيْ: هُنَاكَ أَوْ وَقَعَ خَوْفٌ شَدِيدٌ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ. (هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُجَرَّدُ الْمُصَافَّةِ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجَمَاعَةَ بِأَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ. (صَلَّوْا) أَيِ: النَّاسُ مُنْفَرِدِينَ. (رِجَالًا) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ، جَمْعُ رُجْلَانٍ بِضَمِّ الرَّاءِ، بِمَعْنَى الرَّاجِلِ ضِدِّ الرَّاكِبِ، وَقِيلَ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، جَمْعُ رَاجِلٍ، كَذَا قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ رِجَالًا بِالتَّخْفِيفِ جَمْعُ رَاجِلٍ، وَكَذَا (قِيَامًا) جَمْعُ قَائِمٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَصْدَرٌ
стр. 2091
بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ: قَائِمِينَ. وَهُمَا حَالَانِ مِنْ فَاعِلِ صَلَّوْا، أَيْ: صَلَّوْا حَالَ كَوْنِهِمْ رَاجِلِينَ قَائِمِينَ. (عَلَى أَقْدَامِهِمْ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَيَّنَ بِقَوْلِهِ قِيَامًا أَنَّ رِجَالًا جَمْعُ رَاجِلٍ لَا رَجُلٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْإِيمَاءِ إِلَيْهِمَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا ; لِقَوْلِهِ: قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ قِيَامَهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ فِي كُلِّ حَالَاتِهِمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ. (أَوْ رُكْبَانًا) أَيْ: رَاكِبِينَ، فَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ، أَوِ الْإِبَاحَةِ، أَوِ التَّنْوِيعِ. (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) أَيْ: بِحَسَبِ مَا يَتَسَهَّلُ لَهُمْ، وَفِي تَقْدِيمِ الرَّاجِلِ وَالْمُسْتَقْبِلِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ. وَفِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: يُفْسِدُهَا الْمَشْيُ، وَالرُّكُوبُ، وَالْقِتَالُ. (قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى بِالضَّمِّ) أَيْ: لَا أَظُنُّ. (ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ) أَيِ: الْمَزِيدَ الْمَوْقُوفَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ. إِلَخْ. أَوْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ إِلَخْ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا، لَكِنْ جَزَمَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِالْأَوَّلِ. قُلْتُ: فَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ. إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ كَمَا ظَنَّ نَافِعٌ، فَقَدْ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُلْزِمُهُمْ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَلَمْ يُجِزْ لَهُمْ تَأْخِيرَهَا عَنْهُ، وَقِيلَ: تَمْتَنِعُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ وَيَجِبُ تَأْخِيرُهَا، حَتَّى يَزُولَ الْخَوْفُ، كَمَا فَعَلَ ﵊ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَغَلَطَ فَاعِلُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَقَضِيَّةُ الْخَنْدَقِ مَنْسُوخَةٌ كَمَا مَرَّ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ قَضِيَّةَ الْخَنْدَقِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا اشْتِدَادُ الْخَوْفِ. قَالَ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ وَلَا يَجِبُ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ. قَالَ: وَيُسَنُّ لَهُمُ الْجَمَاعَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْآيَةُ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ بِامْتِنَاعِهَا مَمْنُوعٌ. قُلْتُ: التَّصْرِيحُ فِي الْآيَةِ مَمْنُوعٌ، فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْإِمَامِ مَدْفُوعٌ. قَالَ: وَمِنَ الشَّوَاذِّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُجْزِئُ مَكَانَ كُلِّ رَكْعَةٍ تَكْبِيرَةٌ، وَبِأَنَّهُ يُجْزِئُ رَكْعَةٌ يُومِئُ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَتَكْبِيرَةٌ اهـ.
وَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِهِ أَرَادَ إِدْرَاكَ حُرْمَةِ الْوَقْتِ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْفِعْلِ، لَا أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنِ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ تَسْقُطُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ خُصَيْفٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامُوا صَفًّا خَلْفَهُ مُسْتَقْبِلَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ ﵇ رَكْعَةً، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُونَ فَقَامُوا فِي مَقَامِهِمْ، وَاسْتَقْبَلَ هَؤُلَاءِ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بِهِمْ ﵇ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وَسَلَّمُوا» ، وَأُعِلَّ بِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَبِيهِ، وَخُصَيْفٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
стр. 2092
١٤٢١ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، «عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
ــ
١٤٢١ - (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ) : بِضَمِّ الرَّاءِ. (عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَبِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، أَنْصَارِيٌّ، مَدَنِيٌّ، تَابِعِيٌّ، مَشْهُورٌ، عَزِيزُ الْحَدِيثِ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) قِيلَ: إِنَّ اسْمَ هَذَا الْمُبْهَمِ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ ; لِأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ رَوَى حَدِيثَ صَلَاةِ الْخَوْفِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ أَبُوهُ ; لِأَنَّ أَبَا أُوَيْسٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ فَقَالَ: عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ صَالَحًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ سَهْلٍ ; فَلِذَلِكَ كَانَ يُبْهِمُهُ تَارَةً، وَيُعَيِّنُهُ أُخْرَى، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْمُحْتَمَلُ مُتَعَيِّنٌ لَمَّا ثَبَتَ حَدِيثُهُ عَنْهُمَا وَلَوْ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا، وَمِثْلُ هَذَا الْإِبْهَامِ لَا يَضُرُّ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى قَصْدِ الْعَامِّ، وَكُلُّ الصَّحَابَةِ عُدُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ. (يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَ (يَوْمَ) ظَرْفٌ. (صَلَّى) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ ذَاتَ الرِّقَاعِ ; لِأَنَّ أَقْدَامَ الْأَصْحَابِ قَدْ نُقِّبَتْ، فَشَدُّوا الرِّقَاعَ أَيِ: الْخِرَقَ، جَمْعُ الرُّقْعَةِ بِمَعْنَى الْخِرْقَةِ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الثَّوْبِ عَلَى أَرْجُلِهِمْ،
стр. 2093
فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الرِّقَاعِ، هَذَا مَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ نَقْلًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِأَرْضٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالرِّقَاعِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ فِيهِ جَبَلًا بَعْضُهُ أَحْمَرُ، وَبَعْضُهُ أَبْيَضُ، وَبَعْضُهُ أَسْوَدُ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ. قَالَ السَّيِّدُ: وَقَوْلُ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ: كَمَا سَيَأْتِي " وَحَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ " يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اسْمُ مَكَانٍ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أُطْلِقَ اسْمُ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ اهـ.
(صَلَاةَ الْخَوْفِ) : مَفْعُولُ (صَلَّى) ، (أَنَّ طَائِفَةً) قَالَ الطِّيبِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَمَّنْ أَيْ: رُوِيَ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ طَائِفَةً. (صَفَّتْ مَعَهُ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ. (وَطَائِفَةً) : بِالنَّصْبِ لِلْعَطْفِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ: وَطَائِفَةٌ أُخْرَى. (وِجَاهَ الْعَدُوِّ) : بِكَسْرِ الْوَاوِ وَضَمِّهَا، أَيْ: حِذَاءَهُمْ وَقُبَالَتَهُمْ، وَنَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةٌ لِطَائِفَةٍ أَيْ: وَطَائِفَةٌ صَفَّتْ مُقَابِلَ الْعَدْوِ. وَفِي النِّهَايَةِ: " وِجَاهَ " بِكَسْرِ الْوَاوِ وَيُضَمُّ. وَفِي رِوَايَةٍ تِجَاهَ الْعَدْوِ فَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، مِثْلُهَا فِي تُقَاةٍ وَتُخَمَةٍ. (فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ) أَيْ: لَمَّا قَامَ. (ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَارَقَهُ بِالنِّيَّةِ هَؤُلَاءِ الْمُقْتَدُونَ بِهِ اهـ.
وَهُوَ مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ نَقْلًا وَلَا عَقْلًا، مَعَ أَنَّهُ يَفُوتُهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ (ثُمَّ) أَيْ: بَعْدَ سَلَامِهِمُ (انْصَرَفُوا) أَيْ: إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ. (فَصَلَّوْا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى) أَيْ: وَهُوَ قَائِمٌ يَنْتَظِرُهُمْ فَاقْتَدَوْا بِهِ. (فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ) أَيْ: عَلَيْهِ. (مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ) أَيْ: لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ. (ثَبَتَ جَالِسًا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَامُوا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ. (وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ) أَيْ: مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ جَلَسُوا مَعَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. (ثُمَّ) أَيْ: بَعْدَ تَشَهُّدِهِمْ. (سَلَّمَ بِهِمْ) أَيْ: بِالطَّائِفَةِ الْأَخِيرَةِ، أَيْ: مَعَهُمْ لِيَحْصُلَ لَهُمْ فَضِيلَةُ التَّسْلِيمِ مَعَهُ، كَمَا حَصَلَ لِلْأَوَّلِينَ فَضِيلَةُ التَّحْرِيمِ مَعَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِالْأَوَّلِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
(وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَمُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ أَيْضًا. (بِطَرِيقٍ آخَرَ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ) أَيْ: نَحْوَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُهُ. (عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) قُلْتُ: وَمَعَ وُجُودِ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيمَا سَبَقَ: إِنَّ الْمُبْهَمَ هُوَ أَبُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الرَّجِيحِ؟ ! قَالَ السَّيِّدُ: وَأَبُو حَثْمَةَ هَذَا كَانَ دَلِيلَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَارِصًا لِخَيْبَرَ.
стр. 2094
١٤٢٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ: " اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ، فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٤٢٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ) : أَيْ: جَابِرٌ. (كُنَّا) أَيْ: مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ نُزُولِ الْمَنْزِلِ. (إِذَا أَتَيْنَا) أَيْ: مَرَرْنَا. (عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ) أَيْ: كَثِيرَةِ الظِّلِّ. (تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لِعَدَمِ الْخَيْمَةِ لَهُ) ، يَعْنِي: فَكَذَا فَعَلْنَا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَنَزَلَ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ لِلِاسْتِرَاحَةِ إِلَى حِينِ الِاجْتِمَاعِ. (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ. (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: فَجْأَةً. (وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ) أَيْ: قَرِيبَةٍ مِنْهُ، أَوْ بِشَجَرَةٍ هُوَ ﵊ تَحْتَ ظِلِّهَا. (فَأَخَذَ) أَيِ: الْمُشْرِكُ. (سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ : إِمَّا لِكَوْنِهِ نَائِمًا، أَوْ غَافِلًا عَنْهُ، وَالتَّغَايُرُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَوَّلًا، وَنَبِيِّ اللَّهِ ثَانِيًا، إِنَّمَا هُوَ لِلتَّفَنُّنِ، وَحَذَرًا مِنَ الثِّقَلِ لِتَوَالِي لَفْظَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ. (فَاخْتَرَطَهُ) أَيْ: سَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ: وَهُوَ غِلَافُهُ. (فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " أَتَخَافُنِي؟) أَيْ: فِي هَذَا الْحَالِ. (قَالَ: " لَا ") : فَإِنَّ صَاحِبَ الْكَمَالِ لَا يَخَافُ إِلَّا مِنَ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. (قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ) أَيْ: يُخَلِّصُكَ الْآنَ. (مِنِّي؟) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ
стр. 2095
ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ أَيْ: لَا يَمْنَعُكَ أَحَدٌ مِنِّي. قُلْتُ: لَا يُلَائِمُهُ. (قَالَ: " اللَّهُ ") أَيْ: هُوَ الَّذِي سَلَّطَكَ عَلَيَّ. (" يَمْنَعُنِي مِنْكَ ") : إِذْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ يَكْفِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُ " فَبَسَطَ اعْتِمَادًا عَلَى اللَّهِ، وَاعْتِضَادًا بِحِفْظِهِ وَكَلَاءَتِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَرْطِ شَجَاعَتِهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى الْأَذَى، وَحِلْمِهِ عَلَى الْجُهَّالِ. (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ. (فَتَهَدَّدَهُ) أَيْ: هَدَّدَهُ وَخَوَّفَهُ. (أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَمَدَ السَّيْفَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَتُشَدَّدُ، أَيْ: أَدْخَلَهُ فِي غِلَافِهِ. (وَعَلَّقَهُ) أَيْ: فِي مَكَانِهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ. ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ إِذْ هُمْ بِهِ أَصَابَهُ دَاءٌ بِصُلْبِهِ، فَبَدَرَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ أَسْلَمَ وَاهْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ وَإِنَّمَا عَاهَدَ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِبْهُ تَأَلُّفًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
(قَالَ) : أَيْ: جَابِرٌ. (فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ: أُذِّنَ وَأُقِيمَ لِلظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ. (فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَتَأَخَّرُوا أَيْ: عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّوْا فِيهِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَسَلَّمُوا عَنْهُمَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ تَأَخَّرُوا قَاصِدِينَ جِهَةَ الْعَدُوِّ، إِذْ لَا مَعْنَى لِلتَّأَخُّرِ عَنْ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ السَّلَامِ عَنْهَا، وَمَعَ هَذَا لَا دَلَالَةَ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ مِنْهَا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِهِمْ تَأَخَّرُوا ". فَلَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ.
(وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى) أَيْ: بَعْدَ مَجِيئِهِمْ إِلَيْهِ ﵊. (رَكْعَتَيْنِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ سَعْدٍ: لَمْ يَجِدْ فِي مَحَالِّهِمْ إِلَّا نِسْوَةً، فَأَخَذَهُنَّ إِذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَتَأْيِيدٌ لِقَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ: لَقِيَ جَمْعًا مِنْهُمْ فَتَقَارَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وَقَدْ أَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى صَلَّى ﵊ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْخَوْفِ اهـ.
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ رَأَيْتَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلَيِ ابْنِ سَعْدٍ وَابْنِ إِسْحَاقَ ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ يُحْمَلُ عَلَى الْآخَرِ، وَالثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، مَعَ أَنَّ الْمَوْضِعَ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ اهـ. فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ﵊ صَلَّى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَرَّتَيْنِ. مَرَّةً كَمَا رَوَاهُ سَهْلٌ، وَمَرَّةً كَمَا رَوَاهُ جَابِرٌ، فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَهَذَا عَلَى الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ ; بِدَلِيلِ الِاسْتِظْلَالِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَمَا سَيَجِيءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبَ: قِيلَ: جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ آيَةِ الْقَصْرِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ أَقَامُوا فِيهِ. قَالَ: وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ؟ ! إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ كَذَلِكَ إِلَّا بِتَقْدِيرِ الْقَصْرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَوْمَ قَصَرُوا وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتِمٌّ، لَكِنْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ عِنْدَهُ مَنِ ائْتَمَّ بِمُتِمٍّ يُتِمُّ، وَإِنْ كَانَا مُسَافِرَيْنِ، وَلْيُحَقَّقْ هَذَا الْمَوْضِعُ، وَلَمْ أَجِدْ لِلشُّرَّاحِ كَلَامًا فِي هَذَا الْمَقَامِ اهـ.
أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَبِيَدِهِ أَزِمَّةُ التَّحْقِيقِ: إِنَّ مَا قِيلَ: أَنَّهُ قَبْلَ آيَةِ الْقَصْرِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ هُوَ الصَّحِيحُ، بَلِ الصَّوَابُ الَّذِي لَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَدِيثٍ مَحْمُولًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ لَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ، إِذْ صَلَاةُ الْخَوْفِ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الْقِيَاسِ، بَلْ مُخْتَصَّةٌ مُنْحَصِرَةٌ بِمَا وَرَدَ عَنْ سَيِّدِ النَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: رَكْعَتَيْنِ أَيْ: مَعَ الْإِمَامِ، كَمَا أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمُرَادَ بِرَكْعَةٍ أَيْ: مَعَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: مَعْنَاهُ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمُوا، وَبِالثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلًا وَهُمْ مُفْتَرِضُونَ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ. قُلْتُ: مَعَ عَدَمِ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا قِيلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِي جَوَازِهِ، وَيُتْرَكَ ظَاهِرُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ. وَقَالَ فِي الْأَزْهَارِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ.
стр. 2096
قُلْتُ: ثَبَتَ الْعَرْشُ أَوَّلًا فَانْقُشْ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَصَابِيحِ قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي حَالِ كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ مُقِيمًا، وَالْمُقِيمُ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْمِصْرِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَوْمَ قَضَوْا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَضَوْا، وَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ فِي الْأَحَادِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ بِالْقَصْرِ، فَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ شَافِعِيٌّ مُنْصِفٌ غَايَةَ الْإِنْصَافِ، وَمُجْتَهِدٌ مُجْتَمِعُ جَمِيعِ الْأَوْصَافِ، حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فِيهِ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِمَا فِيهِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى كَلَامِهِ شَيْءٌ مِمَّا نَظَرَ زَيْنُ الْعَرَبِ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ تَقْيِيدَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْمِصْرِ اتِّفَاقِيٌّ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي خَارِجِهِ أَيْضًا كَذَلِكَ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا.
وَفِي الْأَزْهَارِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: لِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَاتِ الرِّقَاعِ شُرُوطٌ: أَحُدُّهَا: أَنْ يَكُونُوا مُسَافِرِينَ. قُلْتُ: أَوْ مُقِيمِينَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخَافَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعَدُوِّ وَالْهُجُومِ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: هَذَا شَرْطٌ لِمُطْلَقِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، لَا لِخُصُوصِ صَلَاتِهِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمْ فِرْقَتَيْنِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا عَامٌّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ، وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَ: وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي عُيُونِ التَّارِيخِ: فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ اهـ.
قَالَ السَّيِّدُ: هَذَانِ الْقَوْلَانِ يُخَالِفَانِ نَصَّ الْبُخَارِيِّ ; فَإِنَّهُ قَالَ: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ هِيَ بَعْدَ خَيْبَرَ ; لِأَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ فِي السُّنَّةِ السَّابِعَةِ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ ذَاتَ الرِّقَاعِ بِلَا خِلَافٍ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ مَرَّةً فِي الْخَامِسَةِ، وَمَرَّةً فِي السَّابِعَةِ أَوِ الثَّامِنَةِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: الَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ أَنَّهَا بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ، وَقَدْ ثَبَتَ وُقُوعُ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَدَلَّ عَلَى تَأَخُّرِهَا عَنِ الْخَنْدَقِ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِنَّمَا شُرِعَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فِي الصَّحِيحِ، فَلِذَا لَمْ يُصَلِّهَا إِذْ ذَاكَ. وَقَوْلُهُ فِي الْكَافِي: إِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ وَهِيَ قَبْلَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ.
وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ لِلنَّسَائِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ. فَذَكَرَهُ إِلَى أَنْ قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي صِفَةِ تِلْكَ الصَّلَاةِ لِاخْتِلَافِ أَيَّامِهَا. فَقَدْ صَلَّى ﵊ بِعُسْفَانَ، وَبَطْنِ نَخْلَةَ، وَبِذَاتِ الرِّقَاعِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ بِنَاءً عَلَى مَا رَآهُ مِنَ الْأَحْوَطِ، فَالْأَحْوَطِ فِي الْحِرَاسَةِ، وَالتَّوَقِّي مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَخَذَ بِكُلِّ رِوَايَةٍ مِنْهَا جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
(قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ. (فَكَانَتْ) أَيْ: وَقْعَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ. (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ) أَيْ: مَعَهُ ﵊ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَبِنَفْسِهِ رَكْعَتَيْنِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2097
١٤٢٣ - وَعَنْهُ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعَنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، ثُمَّ قَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٤٢٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ. (قَالَ: صَلَّى) أَيْ: بِنَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ) الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى فِي. (فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: لِلتَّحْرِيمِ. (وَكَبَّرْنَا) : الْوَاوُ لِلْجَمْعِيَّةِ فَتُفِيدُ الْمَعِيَّةَ، وَيَبْعُدُ تَقْدِيرُ ابْنِ حَجَرٍ الْبُعْدِيَّةَ. (جَمِيعًا) : أَرَادَ بِهِ الصَّفَّيْنِ. (ثُمَّ رَكَعَ) أَيْ: بَعْدَ الْقِرَاءَةِ. (وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ) أَيْ: نَزَلَ. (بِالسُّجُودِ) أَيْ: مُلْتَبِسًا بِهِ
стр. 2098
أَوْ بِسَبَبِهِ. (وَالصَّفُّ) : يَجُوزُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى فَاعِلِ انْحَدَرَ، وَجَازَ لِوُجُودِ الْفَصْلِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْعَطْفُ أَلْطَفُ لِمَا يَلْزَمُ فِي الْمَفْعُولِ مَعَهُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْأَشْرَفِ لِلْأَضْعَفِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْعَطْفُ أَوْلَى لِإِيهَامِ الْآخَرِ أَنَّهُمْ قَارَنُوهُ فِي الِانْحِدَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مُقَارَنَةَ الْإِمَامِ فِي جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ لَا يَفْعَلُهَا الصَّحَابَةُ اهـ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ، ثُمَّ نَفْيُ فِعْلِهَا عَنِ الصَّحَابَةِ مُحْتَاجٌ إِلَى حُجَّةٍ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّهَا تُوجَدُ ; لِأَنَّ إِثْبَاتَ النَّفْيِ مُتَعَذِّرٌ، كَمَا أَنَّ نَفْيَ الْإِثْبَاتِ مُتَعَسِّرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الصَّفُّ مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مُقَدَّرٌ أَيْ: كَذَلِكَ، وَالْمَعْنَى مِثْلَ نُزُولِهِ لِلسُّجُودِ نَزَلَ الصَّفُّ. (الَّذِي يَلِيهِ) أَيِ: الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ، وَالْإِفْرَادُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الصَّفِّ الْمُرَادِ بِهِ الْقَوْمُ. (وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) أَيِ: الَّذِينَ تَأَخَّرُوا لِلْحِرَاسَةِ لِمَنْ أَمَامَهُمْ فِي سُجُودِهِمْ. (فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ) أَيْ: صَدْرِهِمْ وَمُقَابَلَتِهِمْ ; كَيْلَا يَهْجُمُوا عَلَى مُقَاتِلَتِهِمْ. (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ) أَيْ: أَدَّاهُ، وَالْمَعْنَى: فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ. (وَقَامَ) أَيْ: مَعَهُ. (الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ) أَيِ: انْهَبَطَ. (الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) أَيِ: الَّذِينَ تَأَخَّرُوا لِلْحِرَاسَةِ لِمَنْ أَمَامَهُمْ فِي سُجُودِهِمْ. (بِالسُّجُودِ) أَيْ: بِسَبَبِهِ أَوْ إِلَيْهِ. (ثُمَّ) أَيْ: لَمَّا فَرَغُوا مِنْ سَجْدَتِهِمْ. (قَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ: وَوَقَفُوا مَكَانَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ) أَيْ: بَعْدَ أَنِ اسْتَوَوْا مَعَ الْأَوَّلِينَ فِي الْقِيَامِ خَلْفَهُ ﵊ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنْ وَقَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤَخَّرِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الْمُقَدَّمِ انْتَهَى، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ اهـ. وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ لَا تُقَاسُ عَلَى صَلَاةِ الْأَمْنِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ كَمَا عُلِمَ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى أَنْ لَا يَزِيدَ فِعْلُ كُلٍّ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى خُطْوَتَيْنِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِنْ تَوَالَتْ أَفْعَالُهُ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ صِحَّةَ هَذَا الشَّرْطِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِثْبَاتِ أَدِلَّةٍ أُخْرَى لَوْ وُجِدَتْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، ثُمَّ الْحِكْمَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ حِيَازَةُ فَضِيلَةِ الْمَعِيَّةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ جَبْرًا لِمَا فَاتَهُمْ مِنَ الْمَعِيَّةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوَّلِيَّةِ. (ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: قَامَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ ثُمَّ رَكَعَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ، بَلْ عَلَى آيَةٍ أَيِّ آيَةٍ بِمُقْتَضَى الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ. (وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ) أَيِ: انْخَفَضَ لَهُ. (وَالصَّفُّ) : بِالْوَجْهَيْنِ. (الَّذِي يَلِيهِ) الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلصَّفِّ، وَقَدَّرَ ابْنُ حَجَرٍ لَفْظَ (وَهُوَ) قَبْلَ الْمَوْصُولِ الثَّانِي. (وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) : وَهُوَ الَّذِي كَانَ مُقَدَّمًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى. (فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: نَحْوَ الْعَدْوِ. (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ) : بِالْإِعْرَابَيْنِ. (الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: بَعْدَ انْحِدَارِهِمْ. (وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا: فَكَانَ صَلَاةُ الْجَمْعِ رَكْعَتَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ) ، غَايَتُهُ أَنَّهُ تَأَخَّرَتِ الْمُتَابَعَةُ لِلْإِمَامِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ حَالَةَ الْقَوْمَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَيُعَضِّدُهُ انْحِدَارُ الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْلِيمِهِمْ جَمِيعًا أَنَّ الْمُنْحَدِرِينِ لَمْ يَقْعُدُوا لِلتَّشَهُّدِ ; فَإِنَّهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ السَّلَامُ عَنِ الْإِمَامِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ سَلَّمُوا جَمِيعًا لِعَدَمِ لُزُومِ الْمَعِيَّةِ مِنَ الْجَمْعِيَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفَانَ.
стр. 2099
" الْفَصْلُ الثَّانِي "
١٤٢٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْفِ بِبَطْنِ نَخْلٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ أُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
" الْفَصْلُ الثَّانِي "
١٤٢٤ - (عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ) : لَيْسَ لِلِاسْتِمْرَارِ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْمُضِيِّ. (يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْفِ) أَيْ: فِي حَالَةِ الْخَوْفِ الْكَائِنِ. (بِبَطْنِ نَخْلٍ) : اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ أُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) وَفِي الْأَزْهَارِ أَنَّهُ بِنَجْدٍ مِنْ أَرْضِ غَطَفَانَ، وَقِيلَ: بَطْنُ النَّخْلِ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَصْرُ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَفَارَقُوهُ وَأَتَمُّوا لِنَفْسِهِمْ وَمَضَوْا، وَجَاءَتِ الْأُخْرَى وَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَقَامُوا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْحَضَرِ أَيْضًا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ.
قَوْلُهُ: " قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَصْرُ غَرِيبٌ وَعَجِيبٌ وَبِعِيدٌ مِنْ فَهْمِ اللَّبِيبِ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ مِنَ الْمَدِينَةِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مِنْهَا يَقْصُرُ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا أَيْضًا يَقْصُرُ، فَكَيْفَ قَصَرَ هَذَا التَّصَوُّرُ؟ ! ثُمَّ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَيَأْبَى عَنْ إِتْمَامِهِ ﵊ تَكْرَارُ الرَّاوِي لَفْظَ السَّلَامِ، هَذَا وَلَا إِشْكَالَ فِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْقَصْرِ، وَقَدْ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ نَفْلًا، وَعَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا مُشْكِلٌ جِدًّا ; فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى السَّفَرِ لَزِمَ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ﵊ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْحَضَرِ يَأْبَاهُ السَّلَامُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَأَمَّا الْقَوْمُ فَأَتَمُّوا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ كَانَتِ الْفَرِيضَةُ تُصَلَّى مَرَّتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ) أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ. (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ مُطَوَّلًا) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصُفَّ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ.
стр. 2100
" الْفَصْلُ الثَّالِثُ "
١٤٢٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لِهَؤُلَاءِ صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَهِيَ الْعَصْرُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، فَتَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ، فَيُصَلِّيَ بِهِمْ، وَتَقُومَ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، فَتَكُونَ لَهُمْ رَكْعَةٌ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَانِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
"
الْفَصْلُ الثَّالِثُ "
١٤٢٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ) : بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْجِيمِ، وَالنُّونِ، مَوْضِعٌ أَوْ جَبَلٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَوْضِعٌ أَوْ جَبَلٌ قُرَيْبَ عُسْفَانَ، وَفِي الْمُغْنِي: جَبَلٌ بِمَكَّةَ، وَفِي الْقَامُوسِ: ضَجْنَانُ كَسَكْرَانَ، جَبَلٌ قُرَيْبَ مَكَّةَ، وَجَبَلٌ آخَرُ بِالْبَادِيَةِ مُوَافِقًا لِمَا فِي النِّهَايَةِ. (وَعُسْفَانَ) : كَعُثْمَانَ، مَوْضِعٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَفِي النِّهَايَةِ: قَرْيَةٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْأَوَّلُ مُنْصَرِفٌ دُونَ الثَّانِي، وَالْمَضْبُوطُ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ عَدَمُ انْصِرَافِهِمَا، وَزَادَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَحَاصَرَ الْمُشْرِكِينَ. (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. (لِهَؤُلَاءِ) أَيْ: لِلْمُسْلِمِينَ. (صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ) أَيْ: مِنْ
стр. 2101
أَرْوَاحِ أُصُولِهِمْ وَفُرُوعِهِمْ. وَلَفْظُ ابْنِ الْهُمَامِ: مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. (وَهِيَ الْعَصْرُ) : لِمَا وَقَعَ مِنْ تَأْكِيدِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مُرَاعَاتِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أَيْ: فَلَا تَتْرُكُونَهَا أَبَدًا، وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي نَقْلِ ابْنِ الْهُمَامِ. (فَأَجْمِعُوا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ. (أَمْرَكُمْ) أَيْ: أَمْرَ الْقِتَالِ، وَالْمَعْنَى فَاعْزِمُوا عَلَيْهِ. (فَتَمِيلُوا) : بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ أَيْ: فَتَحْمِلُوا، وَلَفْظُ ابْنِ الْهُمَامِ: ثُمَّ مِيلُوا. (عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) : كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢] . (وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى نَحْوِ: جَاءَ زَيْدٌ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ. (فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَسِّمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ أَيْ: نِصْفَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ يَعْنِي: صَفَّيْنِ. (فَيُصَلِّيَ) : بِالنَّصْبِ. (بِهِمْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: يُحْرِمُ بِهِمْ جَمِيعًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ بِهِمْ رَاجِعٌ إِلَى أَحَدِ الشَّطْرَيْنِ، وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ. (وَتَقُومَ) : بِالنَّصْبِ. (طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ) وَأَمْرُ الْإِحْرَامِ بِالْكُلِّ مَعَ الْإِمَامِ، مُقَرَّرٌ بِمُقْتَضَى الْمَقَامِ يَعْنِي: تَسْتَمِرُّ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَائِمَةَ الِاعْتِدَالِ تَحْرُسُهُمْ عِنْدَ سُجُودِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمُرَاقَبَتِهِمُ الْعَدُوَّ لِئَلَّا يَبْغَتَهُمُ الْعَدُوُّ، وَهُمْ فِي السُّجُودِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى تَسْتَمِرُّ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ إِلَى أَنْ فَرَغَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] أَيْ: رَكْعَةً أُخْرَى، وَلِيَصِحَّ قَوْلُهُ الْآتِي: فَتَكُونَ لَهُمْ رَكْعَةٌ. (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: الْحَارِسُونَ، وَالْأَظْهَرُ أَيِ: الْمُصَلُّونَ، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ يَحْرُسُونَ فِي رَكْعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ; وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فَالْحِذْرُ كَالْجُنَّةِ، وَالْأَسْلِحَةُ كَالسَّيْفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: مَا فِيهِ الْحِذْرُ. الْكَشَّافُ: جَعَلَ الْحِذْرَ وَهُوَ التَّحَرُّزُ وَالتَّيَقُّظُ آلَةً يَسْتَعْمِلُهَا الْغَازِي، فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسْلِحَةِ فِي الْأَخْذِ دَلَالَةً عَلَى التَّيَقُّظِ التَّامِّ، وَالْحِذْرِ الْكَامِلِ، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَهُ عَلَى أَخْذِ الْأَسْلِحَةِ. (فَتَكُونَ لَهُمْ) أَيْ: لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: لِكُلٍّ مِنَ الْحَارِسِينَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ. (رَكْعَةٌ) أَيْ: مَعَهُ ﷺ . (وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَانِ) أَيْ: كَامِلَتَانِ تَابِعَةٌ فِيهِمَا الطَّائِفَتَانِ، وَذَكَرَ الرَّكْعَةَ وَالرَّكْعَتَيْنِ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ، فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْقَضِيَّتَيْنِ، وَاخْتَارَ إِمَامُنَا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ مِنَ الْبَابِ لِمُرَافَقَتِهِمَا لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدٌ فَسَاقَهُ، وَقَالَ: فَنَزَلَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَصَلَّى بِنَا الْعَصْرَ، فَفُرِّقْنَا فِرْقَتَيْنِ، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ غَزْوَةَ عُسْفَانَ كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ اهـ. كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ.
стр. 2102
[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
стр. 2103
[٤٧] بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
" الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
١٤٢٦ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٤٧] بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
أَيِ: الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى. قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْعِيدُ عِيدًا لِأَنَّهُ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. وَفِي الْأَزْهَارِ: كُلُّ اجْتِمَاعٍ لِلسُّرُورِ، فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ عِيدٌ لِعَوْدِ السُّرُورِ بِعَوْدِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعُودُ عَلَى الْعِبَادِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَلِذَا قِيلَ: لَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ، إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ أَمِنَ الْوَعِيدَ، وَجَمْعُهُ أَعْيَادٌ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْوَاوَ لَا الْيَاءَ لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، أَوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَوَجْهُ الْوُجُوبِ مُوَاظَبَتُهُ ﵊ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ: أَنَّ أَوَّلَ عِيدٍ صَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهِيَ الَّتِي فُرِضَ رَمَضَانُ فِي شَعْبَانِهَا، ثُمَّ دَاوَمَ ﷺ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى.
"
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
١٤٢٦ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى) أَيْ: وَيَوْمَ الْأَضْحَى. (إِلَى الْمُصَلَّى) أَيْ: مُصَلَّى الْعِيدِ بِالْمَدِينَةِ خَارِجَ الْبَلَدِ، وَهُوَ الْآنَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ، وَبِالتَّبَرُّكِ مَوْصُوفٌ.
فِي. (شَرْحِ السُّنَّةِ) : السُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، فَيُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، أَيِّ مَسْجِدٍ دَاخِلَ الْبَلَدِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ إِلَى الْجَبَّانَةِ، وَيَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضُّعَفَاءِ فِي الْمِصْرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَائِزَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمَّا هُمَا فَهِيَ فِيهِمَا أَفْضَلُ مُطْلَقًا تَبَعًا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَلِشَرَفِهِمَا مَعَ اتِّسَاعِهِمَا.
(فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵊. (بِهِ الصَّلَاةُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَبْدَأُ بِهِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ " أَوَّلُ شَيْءٍ "، وَأَوَّلُ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ مُخَصَّصًا فَهُوَ خَبَرٌ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَعْرَفُ مِنْهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرَتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] فَدَلَّ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَالتَّعْرِيضِ بِبَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْهُمْ: مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فِي تَقْدِيمِهِ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ. (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " أَيْ: مِنْ مُصَلَّاهُ إِلَى الْمِنْبَرِ "، فَغَفْلَةٌ عَنْ أَنَّ الْمِنْبَرَ مَا كَانَ إِذْ ذَاكَ. (فَيَقُومُ) أَيْ: عَلَى الْأَرْضِ. (مُقَابِلَ النَّاسِ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَتُفْتَحُ، حَالٌ. قَالَ الشَّيْخُ: فِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ عَلَى الْأَرْضِ عَنْ قِيَامٍ فِي الْمُصَلَّى أَوْلَى مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ أَنَّ الْمُصَلَّى يَكُونُ بِمَكَانٍ فِيهِ فَضَاءٌ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَتِهِ كُلُّ مَنْ حَضَرَ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مَكَانٍ مَحْصُورٍ، فَقَدْ لَا يَرَاهُ بَعْضُهُمْ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْمُصَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ مَرْوَانُ نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَضَعِ الْمِنْبَرَ لِلْعِيدِ دُونَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلَّ جُمُعَةٍ بِخِلَافِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ حَالَةٌ نَادِرَةٌ. وَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ اخْتِيرَ الْمِنْبَرُ ; لِأَنَّهُ لِلتَّبْلِيغِ أَبْلَغُ وَأَظْهَرُ، فَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ وَإِنْ كَانَ لِلْوَاضِعِ نِيَّةٌ سَيِّئَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْهُمَامِ قَالَ: وَلَا يَخْرُجُ الْمِنْبَرُ إِلَى الْجَبَّانَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي بِنَاءِ الْمِنْبَرِ بِالْجَبَّانَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ، قَالَ خَوَاهِرُ زَادَهْ: حَسَنٌ فِي زَمَانِنَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِهِ. (وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ) أَيْ: مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ عَلَى
стр. 2104
حَالَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. (فَيَعِظُهُمْ) أَيْ: يُذَكِّرُهُمْ بِالْعَوَاقِبِ: بِشَارَةً مَرَّةً، وَنِذَارَةً أُخْرَى، وَبِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَبِالرَّغْبَةِ فِي الْأُخْرَى، وَبِالْوَعْدِ فِي الثَّوَابِ، وَبِالْوَعِيدِ فِي الْعِقَابِ لِئَلَّا يَسْتَلِذَّهُمْ فَرْطُ السُّرُورِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَيَغْفُلُوا عَنِ الطَّاعَةِ، وَيَقَعُوا فِي الْمَعْصِيَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ غَالِبِ أَهْلِ الزَّمَانِ الْآنَ. (وَيُوصِيهِمْ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ أَيْ: بِالتَّقْوَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكُتَّابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقَوُا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ كَامِلَةٌ، وَبِمَرَاتِبِ الْكَمَالِ شَامِلَةٌ، أَدْنَاهَا التَّقْوَى عَنِ الشِّرْكِ بِالْمَوْلَى، وَأَوْسَطُهَا امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابُ الزَّوَاجِرِ، وَأَعْلَاهَا الْحُضُورُ مَعَ اللَّهِ وَالْغَيْبَةُ عَمَّا سِوَاهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: يُوصِيهِمْ بِإِدَامَةِ الطَّاعَاتِ، وَالتَّحَرُّزِ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَبِرِعَايَةِ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَمِنْهَا النُّصْحُ التَّامُّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. (وَيَأْمُرُهُمْ) أَيْ: وَيَنْهَاهُمْ يَعْنِي بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْمُنَاسِبِ لِلْمَقَامِ، فَيَكُونُ الِاخْتِصَارُ عَلَى (يَأْمُرُهُمْ) مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ: يَأْمُرُهُمْ بِأَحْكَامِ الْفِطْرَةِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ، وَبِأَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ فِي عِيدِ الْأَضْحَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَعِظُهُمْ أَيْ: يُنْذِرُهُمْ وَيُخَوِّفُهُمْ ; لِيَتَّقُوا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، وَيُوصِيهِمْ فِي حَقِّ الْغَيْرِ لِيَنْصَحُوا لَهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْحَلَالِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْحَرَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. (وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ) أَيْ: يُرْسِلَ أَوْ يُعَيِّنَ. (بَعْثًا) أَيْ: جَيْشًا إِلَى نَاحِيَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. (قَطَعَهُ) أَيْ: أَرْسَلَهُ، وَقِيلَ قَطَعَهُ بِمَعْنَى وَزَّعَهُ، بِأَنْ يَقُولَ: يَخْرُجُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ كَذَا، وَمِنْ بَنِي فُلَانٍ كَذَا. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُفْرِدَ قَوْمًا مِنْ غَيْرِهِمْ يَبْعَثُهُمْ إِلَى الْغَزْوِ لَأَفْرَدَهُمْ وَبَعَثَهُمْ. (أَوْ يَأْمُرَ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ. (بِشَيْءٍ) أَيْ: مِنْ أُمُورِ النَّاسِ وَمَصَالِحِهِمْ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ أَوِ التَّخْصِيصِ لِبَعْضِ النَّاسِ، أَوْ لِبَعْضِ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ أَوْ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ. (أَمَرَ بِهِ) أَيْ: لَأَمَرَ بِمَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ: وَلَيْسَ تَكْرَارًا لِلْأَمْرِ السَّابِقِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَخِيرِ الْأَمْرُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَعْثِ وَقَطْعِهِ مِنَ الْحَرْبِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهَا. وَقَالَ الشَّارِحُ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْبَعْثُ: الْجَيْشُ الْمَبْعُوثُ إِلَى مَوْضِعٍ، مُصَدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ جَيْشًا إِلَى مَوْضِعٍ لَأَرْسَلَهُ، وَقِيلَ: قَطَعَهُ أَيْ: وَزَّعَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ، أَوْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ مِنْ مَصَالِحِ النَّاسِ لَأَمَرَ؛ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي هَذَا الْيَوْمِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَمْ تَمْنَعْهُ الْخُطْبَةُ عَنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْخُطْبَةِ غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى الْإِمَامِ.
قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَةِ الْعِيدِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. قُلْتُ: كَلَامُ الْإِمَامِ إِذَا كَانَ مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَةِ الْأَنَامِ؟ ! (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أَيْ: يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
стр. 2105
١٤٢٧ - «وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٤٢٧ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ أَيْ: كَثِيرًا. (بِغَيْرِ أَذَانٍ) أَيْ: مُتَعَارَفٍ. (وَلَا إِقَامَةٍ) أَيْ: مَعْرُوفَةٍ. بَلْ يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِيَخْرُجَ النَّاسُ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، وَهَذَا النِّدَاءُ مُسْتَحَبٌّ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَا أَذَانَ وَلَا إِقَامَةَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا لِشَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ. وَفِي الْأَزْهَارِ: بَلْ يُكْرَهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِحْدَاثِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْوُلَاةِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْعِيدِ مُعَاوِيَةُ. وَقِيلَ: زِيَادٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
следующие страницы →