← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١١٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْوَائِدَةُ، وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْوَائِدَةُ، وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ» : وَأَدَ بِنْتَهُ يَئِدُهَا وَأْدًا فَهِيَ مَوْءُودَةٌ إِذَا دَفَنَهَا فِي الْقَبْرِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَهَذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفًا مِنَ الْفَقْرِ، أَوْ فِرَارًا مِنَ الْعَارِ، وَبَعْضُهُمْ كَانُوا يُخَلُّونَهَا، وَيُرَبُّونَهَا عَلَى طَرِيقِ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] اهـ؛ أَيْ: حُكْمُهُمْ بِإِثْبَاتِ الْبَنَاتِ لِلَّهِ بِقَوْلِهِمْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الْبَنَاتِ. قَالَ الْقَاضِي: كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ حَيَّةً، فَالْوَائِدَةُ فِي النَّارِ لِكُفْرِهَا وَفِعْلِهَا، وَالْمَوْءُودَةُ فِيهَا لِكُفْرِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْذِيبِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ تُؤَوَّلُ الْوَائِدَةُ بِالْقَابِلَةِ لِرِضَاهَا بِهِ، وَالْمَوْءُودَةُ بِالْمَوْءُودَةِ لَهَا، وَهِيَ أُمُّ الطِّفْلِ، فَحُذِفَتِ الصِّلَةُ إِذْ كَانَ مِنْ دَيْدَنِهِمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَخَذَهَا الطَّلْقُ حَفَرُوا لَهَا حُفْرَةً عَمِيقَةً فَجَلَسَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهَا، وَالْقَابِلَةُ وَرَاءَهَا تَرْقُبُ الْوَلَدَ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا أَمْسَكَتْهُ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى أَلْقَتْهَا فِي الْحُفْرَةِ، وَأَهَالَتِ التُّرَابَ عَلَيْهَا، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْبَابِ يَأْبَى عَنْ هَذَا التَّأْوِيلِ تَأَمَّلْ. وَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي قَبْلَهُ إِنَّمَا أُورِدَا فِي هَذَا الْبَابِ اسْتِدْلَالًا عَلَى إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَتَعْذِيبِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ، وَمَنْ أَرَادَ تَأْوِيلَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنَّ يُخْرِجَهُمَا مِنْ هَذَا الْبَابِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا يَعُمُّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا نُقِلَ عَنِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ، أَوْ مَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ كَانَ مَحْمُولًا فِي الْمَوْءُودَةِ عَلَى الْبَالِغَةِ اهـ. وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ دَفَنَ وَلَدَهُ حَيًّا بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي قِصَّةٍ خَاصَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ ابْنَيْ مُلَيْكَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ أُمٍّ لَهُمَا كَانَتْ تَئِدُ فَقَالَ ﵊: الْحَدِيثَ. أَمَّا الْوَائِدَةُ: فَلِأَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً، وَأَمَّا الْمَوْءُودَةُ فَلِأَنَّهَا وَلَدُ الْكَافِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ بَالِغَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَكُونُ غَيْرَ بَالِغَةٍ، وَلَكِنْ عَلِمَ ﵊ بِالْمُعْجِزَةِ كَوْنَهَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَقِيلَ: وَرَدَ فِي حَقِّ امْرَأَةٍ أَسْقَطَتْ حَمْلَهَا مِنَ الزِّنَا وَمَاتَا، فَلَا يَتَعَيَّنُ الْقَطْعُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَعْذِيبِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي قَضِيَّةٍ خَاصَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، نَعَمْ رَوَى الدَّارِمِيُّ فِي " جَامِعِ الصَّحِيحِ " «أَنْ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، وَعِبَادَةِ أَوْثَانٍ فَكُنَّا نَقْتُلُ الْأَوْلَادَ، وَكَانَتْ عِنْدِي

стр. 282

ابْنَةٌ لِي، فَلَمَّا أَجَابَتْ، وَكَانَتْ مَسْرُورَةً بِدُعَائِي إِذَا دَعَوْتُهَا يَوْمًا فَاتَّبَعَتْنِي فَمَرَرْتُ حَتَّى أَتَيْنَا بِئْرًا مِنْ أَهْلِي غَيْرَ بَعِيدٍ، فَأَخَذَتُ بِيَدِهَا فَرَدَّيْتُ بِهَا فِي الْبِئْرِ، وَكَانَ آخِرُ عَهْدِي بِهَا أَنْ تَقُولَ: يَا أَبَتَاهُ يَا أَبَتَاهُ، فَبَكَى ﵊ حَتَّى وَكَفَ دَمْعُ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : أَحْزَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُ: " كُفَّ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَمَّا أَهَمَّهُ ". ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَعِدْ عَلَيَّ حَدِيثَكَ فَأَعَادَ فَبَكَى حَتَّى وَكَفَ الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا عَمِلُوا فَاسْتَأْنِفْ عَمَلَكَ» . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَظَاهِرُ قَوْلِهِ مَا عَمِلُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ أَهْلُ الْفَتْرَةِ، قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُمْ مَا عَمِلُوا إِذَا أَسْلَمُوا، وَلِذَا قَالَ تَسْلِيَةً لَهُ: فَاسْتَأْنِفْ عَمَلَكَ، فَهُوَ كَحَدِيثِ: " «الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» ". وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ أَبِي مُعَاذٍ، وَهُوَ نَاسِي الْحَدِيثِ؛ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ شَاهْ ﵀.

стр. 283

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١٣ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَمَضْجَعِهِ، وَأَثَرِهِ، وَرِزْقِهِ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١٣ - (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) ﵁، هُوَ عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، اشْتَهَرَ بِكُنْيَتِهِ، وَالدَّرْدَاءُ ابْنَتُهُ، تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ قَلِيلًا فَكَانَ آخِرَ أَهْلِ دَارِهِ إِسْلَامًا، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ فَقِيهًا عَالِمًا حَكِيمًا، سَكَنَ الشَّامَ، وَمَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ» ) : فَرَغَ: يُسْتَعْمَلُ بِاللَّامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وَاسْتِعْمَالُهُ بِإِلَى هُنَا لِتَضْمِينِ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ، أَوْ يَكُونُ حَالًا بِتَقْدِيرِ مُنْتَهِيًا، وَالْمَعْنَى انْتَهَى تَقْدِيرُهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ إِلَى تَدْبِيرِ هَذَا الْعَبْدِ بِإِبْدَائِهَا كَمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا يَبْتَدِئُ بِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَى بِمَعْنَى اللَّامِ، يُقَالُ: هَدَاهُ إِلَى كَذَا، وَلِكَذَا، وَقَوْلُهُ (مِنْ خَلْقِهِ) : صِلَةُ فَرَغَ؛ أَيْ: مِنْ خِلْقَتِهِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنَ الْأَجَلِ وَالْعَمَلِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَوْلُهُ (مِنْ خَمْسٍ) : عَطَفٌ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ سُقُوطَ الْوَاوِ مِنَ الْكَاتِبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، وَالْوَجْهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَنَّ الْخَلْقَ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقُ، وَمِنْ: فِيهِ بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَمِنْ فِي خَمْسٍ مُتَعَلِّقٌ بِفَرَغَ؛ أَيْ: فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ كَائِنٍ مِنْ مَخْلُوقِهِ مِنْ خَمْسٍ (مِنْ أَجَلِهِ) : بِفَتْحَتَيْنِ، مِنْ: بَيَانِيَّةٌ لِلْخَمْسِ، أَوْ بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، وَالْمُرَادُ بِالْأَجَلِ مُدَّةُ عُمُرِهِ، (وَعَمَلِهِ) : خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ، (وَمَضْجَعِهِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ؛ أَيْ: سُكُونِهِ، وَقَرَارِهِ، (وَأَثَرِهِ) : بِحَرَكَتَيْنِ؛ أَيْ: حَرَكَتِهِ، وَاضْطِرَارِهِ، (وَرِزْقِهِ) : حَلَالِهِ، وَحَرَامِهِ، وَكَثِيرِهِ، وَقَلِيلِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِأَثَرِهِ: مَشْيُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَجَمَعَ بَيْنَ مَضْجَعِهِ، وَأَثَرِهِ، وَأَرَادَ سُكُونَهُ وَحَرَكَتَهُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ مِنَ الْحَرَكَاتِ، وَالسَّكَنَاتِ، وَقَالَ نَجْلُهُ السَّعِيدُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ مَضْجَعِهِ مَحَلُّ قَبْرِهِ، وَأَنَّهُ بِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ، وَمِنْ أَثَرِهِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 284

١١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ» ) أَيْ: وَإِنْ قَلَّ، (مِنَ الْقَدَرِ) : أَعَمُّ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِي الْقَدَرِ لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقَدَرِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ اهـ. وَالظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَسْأَلَةِ الْقَدَرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِإِثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَهَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؛ أَيْ: كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ، وَجُوزِيَ كُلُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلَعَلَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى تَخْصِيصِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ( «وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ» ) : لِأَنَّ الْخَلْقَ مُكَلَّفُونَ بِالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ، غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِتَحْقِيقِهِ بِمُوجِبِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَالشَّخْصُ إِذَا آمَنَ بِالْقَدَرِ، وَلَمْ يَبْحَثْ عَنْهُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالُ الِاعْتِرَاضِ بِعَدَمِ التَّفَحُّصِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ: بِهَذَا أُمِرْتُمْ؛ أَيْ: بِالتَّنَازُعِ فِي الْبَحْثِ بِالْقَدَرِ، وَقَالَ أَيْضًا: «إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 285

١١٥ - «وَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ، فَحَدِّثْنِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي. فَقَالَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأَهْلَ أَرْضِهِ؟ عَذَّبَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١١٥ - (وَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، ﵁ : هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: أَبُو الضَّحَّاكِ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ الْحِمْيَرِيُّ؛ لِنُزُولِهِ فِي حِمْيَرَ، وَهُوَ مِنْ أَبْنَاءِ الْفُرْسِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ كِسْرَى إِلَى الْيَمَنِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ: وَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ: فَيْرُوزُ بْنُ الدَّيْلَمِيِّ، وَهُوَ وَاحِدٌ. وَفِدَ فَيْرُوزُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ قَاتِلُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْكَذَّابِ الْمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ، قَتَلَهُ فِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَوَصَلَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِيَّاهُ إِلَيْهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَقَالَ ﵊: «قَتَلَهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَيْرُوزُ، فَازَ فَيْرُوزُ، فَازَ فَيْرُوزُ» ، وَيُقَالُ: إِنَّ فَيْرُوزَ ابْنَ أُخْتِ النَّجَاشِيِّ، رَوَى عَنِ ابْنِ الضَّحَّاكِ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرِهِمَا، تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَقِيلَ: فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ كَذَا فِي " تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ ". قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: هَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ هُوَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، بَلِ الْمُرَادُ ابْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ مَقْبُولٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ، وَأَبُوهُ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَهُ أَحَادِيثُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ فَيْرُوزَ أَخَا الضَّحَّاكِ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ عِنْدِي أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمِشْكَاةِ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ هُوَ: الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ؛ تَابِعِيٌّ حَدِيثُهُ فِي الْمِصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَالدَّيْلَمِيُّ بِفَتْحِ الدَّالِ مَنْسُوبٌ إِلَى الدَّيْلَمَ، هُوَ الْجَبَلُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفَيْرُوزُ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَضَمِّ الرَّاءِ، وَبِالزَّايِ: (قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) : أَقْرَأَ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَكْبَرُ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيَ، وَهُوَ أَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَنَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا الْمُنْذِرِ، وَعُمَرُ أَبَا الطُّفَيْلِ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدَ الْأَنْصَارِ، وَعُمَرُ سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (فَقُلْتُ لَهُ) : بِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (وَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ) أَيْ: حَزَازَةٌ، وَاضْطِرَابٌ عَظِيمٌ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ لَا بِمُوجِبِ النَّقْلِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ؛ أَيْ: مِنْ بَعْضِ شُبَهِ الْقَدَرِ الَّتِي رُبَّمَا تُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِيهِ كَاعْتِقَادِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ كَمَا قَالَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ، أَوْ أَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْفِعْلِ كَمَا قَالَتْهُ الْجَبْرِيَّةُ فَكَيْفَ يُعَذَّبُ، وَأَنَا أُرِيدُ الْخَلَاصَ مِنْهُ أَيْ: مِنْ

стр. 286

هَذَا الْمَبْحَثِ. (فَحَدِّثْنِي) أَيْ: بِحَدِيثٍ (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي.) أَيْ: رَجَاءَ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ مِنِّي، وَقَالَ أَوَّلًا فِي نَفْسِي، وَثَانِيًا مِنْ قَلْبِي إِشْعَارًا بِأَنَّ ذَلِكَ تَمَكَّنَ مِنْهُ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِهِ مِنْ ذَاتِهِ، وَقَلْبِهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْحَزَازَةَ تَنْشَأُ مِنَ الْخَطَرَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَالثَّبَاتُ وَالِاطْمِئْنَانُ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أَنْ يُذْهِبَهُ: خَبَرُ لَعَلَّ أَعْطَاهُ حُكْمَ عَسَى فِي دُخُولِ أَنَّ فِي خَبَرِهِ، (فَقَالَ) أَيْ: أُبَيٌّ ﵁ مُتَحَرِّيًا غَايَةَ الْبَيَانِ الشَّافِي، وَغَايَةَ الْإِرْشَادِ الْوَافِي (لَوْ) أَيْ: فُرِضَ (أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ) مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (وَأَهْلَ أَرْضِهِ) : مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ (عَذَّبَهُمْ) : وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَدَفَعَهُ أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ غَيْرُ لَازِمَةِ الْوُقُوعِ (وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ) : الْوَاوُ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِهِ، وَمُلْكِهِ فَعَذَابُهُ عَدْلٌ، وَثَوَابُهُ فَضْلٌ. قِيلَ فِيهِ إِرْشَادٌ عَظِيمٌ، وَبَيَانٌ شَافٍ لِإِزَالَةِ مَا طُلِبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَهْدِمُ مِنْهُ قَاعِدَةَ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيِّينَ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْجَمِيعِ، فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَيْفَ شَاءَ، وَلَا ظُلْمَ أَصْلًا (وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ) أَيِ: الصَّالِحَةِ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَإِيجَابِهَا إِيَّاهَا إِذْ هِيَ لَا تُوجِبُهَا عَلَيْهِ، كَيْفَ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ رَحْمَتِهِ بِهِمْ، فَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُمْ مَحْضُ فَضْلٍ مِنْهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَلَوْ رَحِمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَةِ غَايَتِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُطِيعِينَ لَهُمُ الثَّوَابُ، وَأَنَّ الْعَاصِينَ لَهُمُ الْعِقَابُ كَمَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، فَالْأَمْرُ الْمُقَدَّرُ لَا يَتَبَدَّلُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ (وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ) : بِضَمَّتَيْنِ جَبَلٌ عَظِيمٌ قَرِيبُ الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ (ذَهَبًا) تَمْيِيزٌ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: مَرْضَاتِهِ، وَطَرِيقِ خَيْرَاتِهِ (مَا قَبِلَهَا اللَّهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ، أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَبَلِ (مِنْكَ) : وَهُوَ تَمْثِيلٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ لَا تَحْدِيدٍ؛ إِذْ لَوْ فُرِضَ إِنْفَاقُ مِلْءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَ كَذَلِكَ (حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) أَيْ: بِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ خَيْرِهَا، وَشَرِّهَا، وَحُلْوِهَا، وَمُرِّهَا، وَنَفْعِهَا، وَضَرِّهَا، وَقَلِيلِهَا، وَكَثِيرِهَا، وَكَبِيرِهَا، وَصَغِيرِهَا، بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَأَمْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لَهُمْ إِلَّا مُجَرَّدُ الْكَسْبِ، وَمُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ، وَالْمُرَادُ هَنَا كَمَالُ الْإِيمَانِ، وَسَلْبُ الْقَبُولِ مَعَ فَقْدِهِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَةَ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ أَعْمَالٌ أَيْ: لَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا مَا دَامُوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَتُوبَ مِنْ بِدْعَتِهِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَهْلَ الْبِدْعَةِ لَيْسُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وَأَنَّهُ لَا يُحِبُّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. (وَتَعْلَمَ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (أَنَّ مَا أَصَابَكَ) : مِنَ النِّعْمَةِ، وَالْبَلِيَّةِ، أَوِ الطَّاعَةِ، وَالْمَعْصِيَةِ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) أَيْ: يُجَاوِزَكَ (وأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ) : مِنَ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ (لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ) : وَهَذَا وُضِعَ مَوْضِعِ الْمُحَالِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مُحَالٌ أَنْ يُخْطِئَكَ، وَفِيهِ ثَلَاثُ مُبَالَغَاتٍ: دُخُولُ أَنَّ، وَلُحُوقُ اللَّامِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ، وَتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلَى الْكَيْنُونَةِ، وَسِرَايَتُهُ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالرِّضَا، وَنَفْيِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَمُلَازَمَةِ الْقَنَاعَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ (وَلَوْ مُتَّ) : بِضَمِّ الْمِيمِ مَنْ مَاتَ يَمُوتُ، وَبِكَسْرِهَا مَنْ مَاتَ يُمِيتُ، (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أَيْ: عَلَى اعْتِقَادِ غَيْرِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ (لَدَخَلْتَ النَّارَ) : يَحْتَمِلُ الْوَعِيدَ، وَيَحْتَمِلُ التَّهْدِيدَ، (قَالَ) أَيِ: ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ (ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) : صَاحِبَ السِّجَّادَةِ، وَالْمِخَدَّةِ، وَالنَّعْلَيْنِ، وَالْمِطْهَرَةِ ﵁ (فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ جَوَابِ أُبَيٍّ فِي سُؤَالِي (قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ) : مَرَّ ذِكْرُهُ، وَهُوَ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّه

стр. 287

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُوهُ اسْمُهُ حُسَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَالْيَمَانُ لَقَبٌ لَهُ، وَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا ﵄ (فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) : فَالْحَدِيثُ مِنْ طُرُقِهِمْ صَارَ موْقُوفًا (ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) : أَفْضَلَ كَتَبَةِ الْوَحْيِ، وَأَفْرَضَ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، كَاتِبُ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانَ لَهُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ أَحَدَ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ الْأَجِلَّةِ الْقَائِمَ بِالْفَرَائِضِ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَكَتَبَهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَنَقَلَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَلَهُ سِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً. (فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ.) فَصَارَ الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِهِ مَرْفُوعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي سُؤَالِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَاتِّفَاقِهِمْ فِي الْجَوَابِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، ثُمَّ انْتِهَاءِ الْجَوَابِ إِلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى النَّصِّ الْجَلِيِّ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ كَابَرَ الْحَقَّ الصَّرِيحَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 288

١١٦ - وَعَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَكُونُ فِي أُمَّتِي -، أَوْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - خَسْفٌ، أَوْ مَسْخٌ، أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ــ ١١٦ - (وَعَنْ نَافِعٍ) أَيِ: ابْنُ سَرْجِسَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ دَيْلَمِيًّا، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا سَعِيدٍ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمِ: الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَهُوَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْحَدِيثِ، وَمِنَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ عَنْهُمْ، وَيُجْمَعُ حَدِيثُهُمْ، وَيُعْمَلُ بِهِ، مُعْظَمُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ دَائِرٌ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكُ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ حَدِيثَ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَسْمَعُهُ مِنْ غَيْرِهِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وسَرْجِسُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ. (أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ، (إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ) : وَفِي نُسْخَةٍ يُقْرِئُ (عَلَيْكَ السَّلَامَ) : فِي " الْقَامُوسِ " قَرَأَ ﵇ أَبْلَغَهُ كَأَقْرَأَهُ، أَوْ لَا يُقَالُ أَقْرَأَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَكْتُوبًا (فَقَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ، وَتَفْسِيرُهُ الْخَبَرُ، وَهُوَ قَوْلُهُ (بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ) أَيِ: ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ (فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ (فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ) : كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ سَلَامِهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا تُبَلِّغَهُ مِنِّي السَّلَامَ، أَوْ رَدَّهُ فَإِنَّهُ بِبِدْعَتِهِ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابَ السَّلَامِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِمُهَاجَرَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا يَجِبُ رَدُّ سَلَامِ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ، بَلْ لَا يُسَنُّ زَجْرًا لَهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ هَجْرُهُمْ لِذَلِكَ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَكُونُ فِي أُمَّتِي -، أَوْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ -) يُحْتَمَلُ الدَّعْوَةُ وَالْإِجَابَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَوْ لِلشَّكِّ، (خَسْفٌ) : فِي الْأَرْضِ (وَمَسْخٌ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْ مَسْخٌ أَيْ: تَغْيِيرٌ فِي الصُّورَةِ (أَوْ قَذْفٌ) أَيْ: رَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ كَقَوْمِ لُوطٍ. قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ التَّنْوِيعُ أَيْضًا اهـ. وَهَذَا صَحِيحٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُطِفَ: (مَسْخٌ) ، عَلَى: (خَسْفٌ) بِالْوَاوِ، تَأَمَّلْ، (فِي أَهْلِ الْقَدَرِ) : بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي أُمَّتِي بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) : اعْلَمْ أَنَّ الْغَرَابَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ، أَوِ الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحُسْنِ، وَالصِّحَّةِ إِشْكَالٌ؛ إِذِ الْحُسْنُ

стр. 289

قَاصِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَقِيلَ: يُرِيدُ التِّرْمِذِيُّ بِهِ أَنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادَيْنِ. أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ. وَالْآخَرُ الْحُسْنَ، أَوْ مُرَادٌ بِالْحُسْنِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَتَسْتَحْسِنُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي الصَّحِيحَ فَانْدَفَعَ التَّنَاقُضُ، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ أَنَّهُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَسَنَ إِذَا رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَرَقَّى مِنَ الْحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ لِقُوَّتِهِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، فَيَعْتَضِدُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.

стр. 290

١١٧ - وَعَنْ عَلِيِّ ﵁، قَالَ: «سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هُمَا فِي النَّارِ) . فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ: (لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا) . قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: (فِي الْجَنَّةِ) . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) » رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١١٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ) : ﵁ (قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: عَنْ شَأْنِهِمَا، وَأَنَّهُمَا فِي الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ؟ وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيَّةُ، كَانَتْ تَحْتَ بَنِي هَالَةَ بْنَ زُرَارَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَتِيقُ بْن عَائِد، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَهَا يَوْمئِذٌ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَلَمْ يَنْكِحِ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَهَا امْرَأَةً، وَلَا نَكَحَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنْ كَافَّةِ النَّاسِ مَنْ ذَكَرِهِمْ، وَأُنْثَاهُمْ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِهِ مِنْهَا غَيْرَ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ، وَمَاتَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بِثَلَاثٍ، وَكَانَ قَدْ مَضَى مِنَ النُّبُوَّةِ عَشْرُ سِنِينَ، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْعُمْرِ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَقَامِهَا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَدُفِنَتْ فِي الْحَجُونِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هُمَا فِي النَّارِ قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ (فَلَمَّا رَأَى) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (الْكَرَاهَةَ) أَيْ: أَثَرَهَا مِنَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ (فِي وَجْهِهَا قَالَ) أَيْ: تَسْلِيَةً لَهَا (لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا) : وَهُوَ جَهَنَّمُ (لَأَبْغَضْتِهِمَا) : وَفِي نُسْخَةٍ: لَأَبْغَضْتِيهِمَا بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ يَاءً؛ أَيْ: لَوْ أَبْصَرْتِ مَنْزِلَتَهُمَا فِي الْحَقَارَةِ وَالْبُعْدِ عَنْ نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى لَرَأَيْتِ الْكَرَاهَةَ، وَأَبْغَضْتِهِمَا، أَوْ لَوْ عَلِمْتِ مَكَانَهُمَا أَيْ: مَنْزِلَتَهُمَا، وَبُغْضِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا، وَتَبَرَّأَتِ مِنْهُمَا تَبَرُّؤَ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: (فِي الْجَنَّةِ) : وَالْمُرَادُ بِأَوْلَادِهَا مِنْهُ ﷺ : الْقَاسِمُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: الطَّيِّبُ، وَالطَّاهِرُ أَيْضًا، وَقِيلَ هُمَا لَقَبَانِ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ» ) : وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ يُعْتَدُّ بِهِ ( «وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ» ) ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: ذُرِّيَّاتُهُمْ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَوْلَادَ تَابِعَةٌ لِآبَائِهِمْ لَا لِأُمَّهَاتِهِمْ، وَلِذَلِكَ اسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وَأَمَّا طَرِيقُ الِاسْتِشْهَادِ لِإِلْحَاقِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ بِالْآبَاءِ فَأَنْ يُقَالَ: لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْإِلْحَاقَ لِكَرَامَةِ آبَائِهِمْ وَمَزِيدِ سُرُورِهِمْ وَغِبْطَتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِلَّا فَيُنَغَّصُ عَلَيْهِمْ كُلُّ نَعِيمٍ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي مَحَلٍّ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ: وَأَكْرَمْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أَلْحَقْنَا بِهِمْ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ. الْكَشَّافُ: الَّذِينَ آمَنُوا: مُبْتَدَأٌ، وَبِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ خَبَرُهُ، وَالَّذِي بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَالتَّنْكِيرُ فِي إِيمَانٍ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْمَعْنَى بِسَبَبِ إِيمَانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ إِيمَانُ الْآبَاءِ أَلْحَقْنَا بِدَرَجَاتِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يسْتَأْهِلُونَهَا تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى آبَائِهِمْ لِيَتِمَّ سُرُورُهُمْ، وَلِيَكْمُلَ نَعِيمُهُمْ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الْكُفَّارِ اهـ.

стр. 291

قُلْتُ: بَلْ كَوْنُ أَوْلَادِهِمْ مُعَذَّبِينَ مَعَهُمْ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ عَذَابِهِمْ، وَشِدَّةِ عِقَابِهِمْ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمُدَّعَى مِنَ الْحَدِيثِ، أَوْ أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ الصِّغَارُ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، أَوْ فِي رَفْعِ الدَّرَجَةِ، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهَا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] يَعْنِي: أَوْلَادَهُمُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ، فَالْكِبَارُ بِإِيمَانِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَالصِّغَارُ بِإِيمَانِ آبَائِهِمْ، فَإِنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ. أَلْحَقَنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ بِدَرَجَاتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا بِأَعْمَالِهِمْ دَرَجَاتِ آبَائِهِمْ تَكْرِمَةً لِآبَائِهِمْ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ، وَهِيَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الْبَالِغُونَ ﴿بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الصِّغَارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْإِيمَانَ بِإِيمَانِ آبَائِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ، وَرِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ ذُرِّيَّتَهُ فِي الْجَنَّةِ كَمَا كَانَ يُحِبُّ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَجْتَمِعُوا إِلَيْهِ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ، وَيُلْحِقُهُمْ بِدَرَجَتِهِ بِعَمَلِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ الْآبَاءُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْئًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ [الطور: ٢١] أَيْ: مَا نَقَصْنَاهُمْ يَعْنِي الْآبَاءَ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] » الْآيَةَ اهـ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أَعَمُّ مِنَ الْآبَاءِ، وَالْأُمَّهَاتِ، وَلَعَلَّ أَوْلَادَ خَدِيجَةَ فِي النَّارِ لِأَنَّهَا حَالَ مَوْتِهِمْ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً، فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الْعُلَمَاءِ الْوَلَدُ الصَّغِيرُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، وَحِينَئِذٍ لَيْسَ كَلَامُ الطِّيبِيِّ عَلَى صَرَافَتِهِ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 292

١١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ أَيْ رَبِّ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ ذُرِّيَّتُكَ. فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ، وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، قَالَ: أَيْ رَبِّ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: دَاوُدُ. فَقَالَ: رَبِّ! كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً) . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ) : أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ ! فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ آدَمُ فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطَأَ وَخَطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ) » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١١٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ» ) : تَقَدَّمَ (فَسَقَطَ) أَيْ: خَرَجَ (مِنْ ظَهْرِهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: عَنْ ظَهْرِهِ أَيْ: بِوَاسِطَةٍ وَغَيْرِهَا (كُلُّ نَسَمَةٍ) أَيْ: ذِي رُوحٍ، وَقِيلَ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّسِيمِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي " الْقَامُوسِ " النَّسَمُ مُحَرَّكَةٌ؛ نَفْسُ الرُّوحِ كَالنَّسَمَةِ مُحَرَّكَةٌ، وَنَفْسُ الرِّيحِ إِذْ كَانَ ضَعِيفًا كَالنَّسِيمِ (هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ نَسَمَةٍ ذَكَرَهَا لِيَتَعَلَّقَ بِهَا قَوْلُهُ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الذُّرِّيَّةِ كَانَ حَقِيقِيًّا ( «وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ» ) ، أَيْ: مِنْهُمْ عَلَى نُسْخَةٍ، وَالْأَصَحُّ بَيْنَ عَيْنَيْ ثَانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَلَقَ فَيَكُونُ ظَرْفًا لَهُ (وَبِيصًا) أَيْ: بَرِيقًا وَلَمَعَانًا (مِنْ نُورٍ) : وَفِي ذِكْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: (بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ) إِيذَانٌ بِأَنَّ الذُّرِّيَّةَ كَانَتْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مِقْدَارِ الذَّرِّ، ( «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ» ) تَعَالَى: هُمْ ( «ذُرِّيَّتُكَ. فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، قَالَ» ) : بِغَيْرِ الْفَاءِ (أَيْ رَبِّ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ) : تَعَالَى (هُوَ دَاوُدُ) : قِيلَ: تَخْصِيصُ التَّعَجُّبِ مِنْ وَبِيصِ دَاوُدَ إِظْهَارٌ

стр. 293

لِكَرَامَتِهِ، وَمَدْحٌ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ، بَلْ مَزَايَا لَيْسَتْ فِي الْفَاضِلِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكُ نِسْبَةِ الْخِلَافَةِ (فَقَالَ: رَبِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْ رَبِّ (كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ؟) : بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَالْمِيمِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ، وَكَمْ مَفْعُولٌ لِمَا بَعْدَهُ، وَقُدِّمَ لِمَا لَهُ الصَّدْرُ أَيْ: كَمْ سَنَةً جَعَلْتَ عُمُرَهُ (قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفِ، وَمِنْ عُمُرِي صِفَةُ أَرْبَعِينَ قُدِّمَتْ فَعَادَتْ حَالًا، وَقَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ سَنَةً) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: زَادَ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا كَقَوْلِهِ: زَادَ الْمَاءُ، وَيُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: زِدْتُهُ دِرْهَمًا، وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا لِوَاحِدٍ كَزَادَ الْمَالُ دِرْهَمًا. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْثِلَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي التَّعْدِيَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ لِاحْتِمَالِ التَّمْيِيزِ تَأَمَّلْ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ» ) أَيْ: سَنَةً كَمَا فِي نُسْخَةٍ ( «جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ: أَوْلَمَ يَبْقَ» ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْقَافِ (مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ !) : بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ الْمُنْصَبِّ عَلَى نَفْيِ الْبَقَاءِ فَيُفِيدُ إِثْبَاتَهُ، وَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَاوِ لِصَدَارَتِهَا، وَالْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ انْقَضَى عُمُرُهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ، وَبَيْنَ بَقِيَ مِنْ عُمُرِ آدَمَ أَرْبَعُونَ؟ قُلْتُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ تَوْكِيدٌ لَيْسَ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قُلْتُ: لِأَنَّ غَيْرَهُ يَحْتَمِلُ الْأَكْثَرَ، وَهُوَ نَصٌّ فِي بَقَاءِ الْأَرْبَعِينَ كُلِّهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] مَعَ زِيَادَةِ الْإِفَادَةِ فِي الْآيَةِ مِنَ الْأَقْرَبِيَّةِ إِلَى الضَّبْطِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمَشْهُورِ فِي الْكَثْرَةِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى جَوَازِ إِلْغَاءِ الْكَسْرِ كَمَا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ (قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا) أَيْ: أَتَقُولُ ذَلِكَ، وَلَمْ تُعْطِهَا أَيِ: الْأَرْبَعِينَ (ابْنَكَ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ (دَاوُدَ؟ !) ، بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَجَحَدَ آدَمُ) أَيْ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ حَالَةَ مَجِيءِ مَلَكِ الْمَوْتِ لَهُ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ) : لِأَنَّ الْوَلَدَ سِرُّ أَبِيهِ (وَنَسِيَ آدَمُ) : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَحْدَ كَانَ نِسْيَانًا أَيْضًا إِذْ لَا يَجُوزُ جَحْدُهُ عِنَادًا (وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ) قِيلَ: نَسِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ جِنْسِ الشَّجَرَةِ، أَوِ الشَّجَرَةِ بِعَيْنِهَا فَأَكَلَ مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ، وَكَانَ النَّهْيُ عَنِ الْجِنْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ) : وَلِذَا قِيلَ: أَوَّلُ النَّاسِ أَوَّلُ النَّاسِي (وَخَطَأَ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ: فِي اجْتِهَادٍ مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ، وَالتَّخْصِيصِ، (وَخَطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ) : وَالْأَظْهَرُ أَنَّ خَطَأَ بِمَعْنَى عَصَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] وَلِقَوْلِهِ ﵊: " «كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ فِيهِ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ، وَابْنُ آدَمَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَابْنُ آدَمَ مَجْبُولٌ مَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ عَلَى الْجَحْدِ وَالنِّسْيَانِ، وَالْخَطَأِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ» . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 294

١١٩ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا أُبَالِي، وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِفهِ الْيُسْرَى: إِلَى النَّارِ، وَلَا أُبَالِي» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١١٩ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ) : ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ (فَضَرَبَ) : وَلَا يَمْنَعُ الْفَاءَ مِنَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ السَّبَبِيَّةَ أَيْضًا غَيْرُ مَانِعَةٍ لِعَمَلِ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا، فَإِنَّ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (فَلْيَعْبُدُوا) عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ؛ أَيْ: إِمَّا لَا فَلْيَعْبُدُوهُ كَذَا فِي " الْكَشَّافِ ". تَقُولُ الْعَرَبُ: إِمَّا لَا أَيْ: إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلُ غَيْرَهُ فَافْعَلْ هَذَا. قَالَ الْقَاضِي أَيْ: إِنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسَائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِأَجْلِ إِيلَافِهِمْ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا؛ لِقَوْلِهِ: خَلَقَ اللَّهُ، وَالْمَقْصُودُ الْإِشَارَةُ إِلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِزَمَانِ خَلْقِهِ، تَأَمَّلْ. اهـ. وَقِيلَ: تَقْدِيمُ الظَّرْفِ مَعَ وُجُودِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِخْرَاجَ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ خَلْقِهِ ﵊، وَفِيهِ نَصٌّ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ حَاصِلَةٌ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الظَّرْفُ، بِقَوْلِهِ: فَضَرَبَ؛ قِيلَ أَمَرَ بِالضَّرْبِ فَضَرَبَ الْمَلَكُ (كَتِفَهُ الْيُمْنَى) : بِفَتْحِ الْكَافِ، وَكَسْرِ التَّاءِ كَذَا مَضْبُوطٌ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: كَتِفٌ كَفَرِحٌ وَمَثِلٌ وَجَبِلٌ، (فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ) أَيْ: نُورَانِيَّةٌ (كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ) : فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَالتَّشْبِيهُ فِي الْهَيْئَةِ، وَقِيلَ: أَيِ: الْأَبْيَضُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَةِ الْآتِي، وَفِي بَعْضِهَا بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، فَالتَّشْبِيهُ بِاعْتِبَارِ اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُحْتَمَلَ عَلَى تَكْرَارِ الْإِخْرَاجِ عَلَى صِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا صَنَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ) أَيْ: ظَلْمَانِيَّةٌ (كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ) : بِضَمِّ الْحَاءِ، جَمْعُ حُمَمَةٍ، يُقَالُ: حَمِمْتُ الْجَمْرَةُ كَفَرِحْتُ، تَحَمُّ بِالْفَتْحِ إِذَا صَارَتْ فَحْمًا (فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ) أَيْ: فِي جِهَةِ يَمِينِ آدَمَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ كَتِفِهِ الْيُمْنَى، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لِلَّذِي فِي كَتِفِ الْيَمِينِ بِدَلِيلِ فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى الْآتِي فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ اهـ. وَالْمَعْنَى يَعْنِي قَالَ تَعَالَى لِآدَمَ لِأَجْلِ الَّذِي فِي يَمِينِهِ، وَعَنْ قَبْلِهِمْ، وَفِي حَقِّهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ، وَالَّذِي صِفَةٌ لِفَرِيقٍ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] : (إِلَى الْجَنَّةِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هَؤُلَاءِ أُوصِلُهُمْ، أَوْ أُصَيِّرُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْمُشَافَهَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْتُمْ أُوصِلُكُمْ، أَوْ أُصَيِّرُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَوْلُهُ (وَلَا أُبَالِي) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ، وَالْخَبَرِ؛ أَيْ: وَالْحَالُ أَنِّي لَا أُبَالِي بِأَحَدٍ، كَيْفَ وَأَنَا الْفَعَّالُ لِمَا أُرِيدُ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ لِي عَبِيدٌ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ " وَإِنْ، «رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ» " فَإِنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ بَعْضَ الْمُبْتَدِعَةِ يَقُولُ بِخِلَافِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيرِهِمْ، وَتَسْفِيهِ عُقُولِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَالْهَبَاءِ الَّذِي لَا يُبَالِي أَحَدٌ بِهِ، وَإِنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ. ( «وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى» ) : بِفَتْحِ الْكَافِ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ كَذَا فِي أَصْلِ

стр. 295

السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ: فِي يَدِهِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَعْنَى الْمُقَابَلِ بِقَوْلِهِ: فِي يَمِينِهِ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذِكْرُ الْيَمِينِ وَالْكَتِفِ لِتَصْوِيرِ الْعَظَمَةِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِير يَمِينِهِ، وَكَفِّهِ إِلَى آدَمَ، وَالْمُرَادُ جِهَتَاهُ، وَرِوَايَةُ كَتِفِهِ صَرِيحَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَالْيُسْرَى أَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَى يَدِهِ تَعَالَى، فَإِنَّ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ (إِلَى النَّارِ، وَلَا أُبَالِي) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ. فَهُوَ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ، خَلَقَ فَرِيقًا لِلْجَنَّةِ بِطَرِيقِ الْفَضْلِ، وَجَعَلَ طَائِفَةً لِلنَّارِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدْلِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 296

١٢٠ - وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ ﵁، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خُذْ مِنْ شَارِبِكَ، ثُمَّ أَقِرَّهُ حَتَّى تَلْقَانِي؟) قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً، وَأُخْرَى بِالْيَدِ الْأُخْرَى، وَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ، وَلَا أُبَالِي) ، وَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٢٠ - (وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ) : هُوَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ مَالِكٍ الْعَبْدِيُّ، عِدَادُهُ فِي تَابِعِي الْبَصْرَةِ، مَاتَ قَبْلَ الْحَسَنِ بِقَلِيلٍ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ. (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ -) : وَجَهَالَةُ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ حَيْثُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ (دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ) أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوِ التَّابِعِينَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي (يَعُودُونَهُ) : مِنَ الْعِيَادَةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ مِنَ الْعِبَادَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى (وَهُوَ يَبْكِي) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ بَاكِيًا، وَمَا السَّبَبُ، وَالْبَاعِثُ لِبُكَائِكَ (أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خُذْ مِنْ شَارِبِكَ) أَيْ: بَعْضَهُ يَعْنِي قُصَّهُ، وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يُسَاوِي الشَّفَةَ (ثُمَّ أَقِرَّهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ الْقَافِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: دُمْ عَلَيْهِ (حَتَّى تَلْقَانِي؟) ، أَيْ: فِي الْحَوْضِ، أَوْ غَيْرِهِ، وَحَتَّى تَحْتَمِلَ الْغَايَةَ وَالْعِلَّةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ فَأَفَادَتِ التَّقْرِيرَ، وَالتَّعَجُّبَ أَيْ: كَيْفَ تَبْكِي، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَدَ بِأَنَّكَ تَلْقَاهُ لَا مَحَالَةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ رَاضِيًا عَنْهُ مِثْلُكَ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ (قَالَ: بَلَى) أَيْ: أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ (وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ) أَيْ: بَعْضَ الذُّرِّيَّةِ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً؟) أَيْ: وَاحِدَةً (وَأُخْرَى) أَيْ: وَقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى لِبَعْضِ الذُّرِّيَّةِ الْأُخْرَى (بِالْيَدِ الْأُخْرَى) : لَمْ يَقُلْ بِيَسَارِهِ أَدَبًا، وَلِذَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) . وَفِي هَذَا تَصْوِيرٌ لِجَلَالِ اللَّهِ، وَعَظَمَتِهِ لِتَعَالِيهِ عَنِ الْجِسْمِ، وَلَوَازِمِهِ (وَقَالَ: هَذِهِ) أَيِ: الْقَبْضَةُ الَّتِي قَبَضَهَا بِالْيَمِينِ يَعْنِي مَنْ فِيهَا، أَوْ هَذِهِ الْمَقْبُوضَةُ (لِهَذِهِ) أَيْ: لِلْجَنَّةِ (وَهَذِهِ) أَيِ: الْقَبْضَةُ الَّتِي قَبَضَهَا بِالْأُخْرَى (لِهَذِهِ) أَيْ: لِلنَّارِ (وَلَا أُبَالِي) أَيْ: فِي الْحَالَتَيْنِ (وَلَا أَدْرِي) أَيْ: وَلَا أَعْلَمُ (فِي) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ (أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا) ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنِّي أَخَافُ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِفَالِ وَالِاكْتِرَاثِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا أُبَالِي. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ يَعْنِي غَلَبَ عَلَيَّ الْخَوْفُ بِالنَّظَرِ إِلَى عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ بِحَيْثُ مَنَعَنِي عَنِ التَّأَمُّلِ فِي رَحْمَتِهِ وَجَمَالِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لِذَاتِهِ وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يُرِيدُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلْعَبِيدِ، وَأَيْضًا لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ قَدْ يَنْسَى الْبِشَارَةَ وَالرَّجَاءَ بِهَا مَعَ أَنَّ الْبِشَارَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى طَرِيقِ السُّنَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ دَقِيقٌ، وَبِالْخَوْفِ حَقِيقٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قَصَّ الشارِبِ مِنَ السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ مُوَصِّلَةٌ إِلَى قُرْبِ دَارِ النَّعِيمِ فِي جِوَارِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَيُعْلَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ سُنَّةً أَيَّ سُنَّةٍ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَكَيْفَ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِ سَائِرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الزَّنْدَقَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 297

١٢١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مَنْ ظَهَرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مَنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَاهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا؛ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] » رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٢١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ) مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ ـ يَعْنِي: الْعَهْدَ أَيْ: أَرَادَ أَخْذَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَأَخْرَجَ، (مِنْ ظَهْرِ آدَمَ) أَيْ: مِنَ الذُّرِّيَّةِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ ظَهْرِهِ (بِنَعْمَانَ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: نَعْمَانُ بِالْفَتْحِ، وَادٍ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ يُخْرِجُ إِلَى عَرَفَاتٍ، وَفِي " الْقَامُوسِ " وَادٍ وَرَاءَ عَرَفَةَ، وَهُوَ نَعْمَانُ الْأَرَاكِ، وَفِي " النِّهَايَةِ " جَبَلٌ بِقُرْبِ عَرَفَةَ، وَيُقَالُ لَهُ نَعْمَانُ السَّحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْكَدُ فَوْقَهُ لِعُلُوِّهِ فَلِمُجَاوَرَتِهِ لَهَا، قَالَ أَيِ: الرَّاوِي: (- يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهُوَ فَقَارُ الظَّهْرِ (كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَاهَا) : بِالْهَمْزِ أَيْ: خَلَقَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامِ مِنْ ذَرَا اللَّهُ الْخَلْقَ أَوْجَدَ أَشْخَاصَهُمْ؛ يَعْنِي بَعْضَهُمْ بِوَاسِطَةٍ، وَبَعْضَهُمْ بِغَيْرِهَا، (فَنَثَرَهُمْ) أَيْ: فَرَّقَهُمْ وَبَثَّهُمْ، وَنَشَرَهُمْ (بَيْنَ يَدَيْهِ،) أَيْ: قُدَّامَ آدَمَ، أَوْ بَعْضَهُمْ فِي يَمِينِهِ، وَبَعْضَهُمْ فِي شِمَالِهِ (كَالذَّرِّ) ، أَيْ: مُشَبَّهِينَ بِالنَّمْلِ فِي صِغَرِ الصُّورَةِ (ثُمَّ كَلَّمَهُمْ) أَيْ: خَاطَبَهُمْ (قُبُلًا) : بِضَمَّتَيْنِ، وَقِيلَ: كَعِنَبٍ، وَصُرَدٍ وَقُفُلٍ، وَجَبَلٍ، وَهُوَ حَالٌ؛ أَيْ: كَلَّمَهُمْ عِيَانًا، وَمُقَابَلَةً لَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلَا بِأَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ (قَالَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَدَلٌ مِنْ كَلَّمَهُمْ؛ أَيْ: وَقَالَ لَهُمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] : أَنْتَ رَبُّنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ قَالُوا بَدَلَ: بَلَى نَعَمْ لَكَفَرُوا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهَا لِتَقْرِيرِ النَّفْيِ، وَبَلَى رَدُّ لَهُ، وَنَفْيُ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلِذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لَوْ قَالَ أَلَيْسَ لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ؟ فَقَالَ: بَلَى لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَلْزَمُهُ فِيهِمَا، وَجَرَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى الْعُرْفِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ يَقَعُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا يُجَابُ بِهَا الِاسْتِفْهَامُ الْمُجَرَّدُ فَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " فِي: " كِتَابِ الْإِيمَانِ ": أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " «أَتَرْضُونَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ "، قَالُوا بَلَى» ، وَفِي: " صَحِيحُ مُسْلِمٍ " فِي " كِتَابِ الْهِبَةِ ": «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَلَا إِذَنْ» ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيبُ: بَلَى، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ هَذَا قَلِيلٌ فَلَا يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ» اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ. فِي الْأَزْهَارِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ جَوَابَهُمْ بِقَوْلِ بَلَى كَانَ بِالْمُطْلَقِ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ عُقَلَاءُ، وَقِيلَ: بِلِسَانِ الْحَالِ، ثُمَّ قِيلَ تَجَلَّى لِلْكُفَّارِ بِالْهَيْبَةِ فَقَالُوا: بَلَى مَخَافَةً فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ إِيمَانُهُمْ، وَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالرَّحْمَةِ، فَقَالُوا: بَلَى طَوْعًا فَنَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ (شَهِدْنَا) : هُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَقُولِ أَيْ: شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا بِذَلِكَ، وَأَقْرَرْنَا بِوَحْدَانِيَّتِكَ، وَإِنَّمَا احْتَاجُوا إِلَى هَذَا مَعَ أَنَّ بَلَى يُغْنِي عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: شَهِدْنَا عَلَى إِقْرَارِكُمْ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَقْدِيرُ الطِّيبِيِّ فَعَلْنَا ذَلِكَ كَرَاهَةَ (أَنْ تَقُولُوا) أَيِ: احْتِجَاجًا، وَقِيلَ: لِئَلَّا تَقُولُوا، وَالْجُمْهُورُ بِالْخِطَابِ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالْغَيْبَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الِالْتِفَاتِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا. قَالُوا شَهِدْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَالَ اللَّهُ: شَهِدْنَا يَعْنِي نَفْسَهُ، وَالْمَلَائِكَةَ وَالسَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ. قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : ظَرْفُ أَنْ تَقُولُوا؛ أَيْ: حِينَ يُحَاسَبُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْمَقُولُ (إِنِّا كُنَّا عَنْ هَذَا) أَيِ: الْمِيثَاقِ، أَوِ الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالِاعْتِرَافِ بِالْعُبُودِيَّةِ (غَافِلِينَ) أَيْ: جَاهِلِينَ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَا نُبِّهْنَا عَلَيْهِ، (أَوْ تَقُولُوا) أَيِ: الْبَعْضُ الْمُتَأَخِّرُونَ احْتِجَاجًا آخَرَ ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٣] أَيْ: مِنْ قَبْلِ ظُهُورِنَا وَوُجُودِنَا، أَوْ مِنْ قَبْلِ إِشْرَاكِنا

стр. 298

﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣] : فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ فَاللَّوْمُ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا (أَفَتُهْلِكُنَا) أَيْ: أَتَعْلَمُ ذَلِكَ فَتُعَذِّبَنَا ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] : مِنْ آبَائِنَا بِتَأْسِيسِ الشِّرْكِ، وَالْمَعْنَى لَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِذَلِكَ مَعَ إِشْهَادِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَالتَّذْكِيرُ بِهِ عَلَى لِسَانِ صَاحِبِ الْمُعْجِزَةِ قَائِمٌ مَقَامَ ذِكْرِهِ فِي النُّفُوسِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ النَّسَائِيُّ مَوْجُودًا فِي النُّسَخِ، وَلَعَلَّهُ إِلْحَاقٌ فِي الشَّرْحِ، لَكِنَّهُ مُسْتَبْعَدٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِ. قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ، وَلَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁، وَلَا أَرَى الْمُعْتَزِلَةَ يُقَابِلُونَ هَذِهِ الْحُجَّةَ إِلَّا بِقَوْلِهِمْ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنَ الْآحَادِ فَلَا نَتْرُكُ بِهِ ظَاهِرَ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هَرَبُوا عَنِ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِمَكَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَقَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ عَنِ اضْطِرَارٍ حَيْثُ كُوشِفُوا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَشَاهَدُوهُ عَيْنَ الْيَقِينِ، فَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَقُولُوا شَهِدْنَا يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا زَالَ عَنَّا عَلِمْنَا عِلْمَ الضَّرُورَةِ، وَوُكِلْنَا إِلَى آرَائِنَا كَانَ مِنَّا مَنْ أَصَابَ، وَمِنَّا مَنْ أَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ عَنِ اسْتِدْلَالٍ، وَلَكِنَّهُمْ عُصِمُوا عِنْدَهُ مِنَ الْخَطَأِ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا أُيِّدْنَا يَوْمَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْفِيقِ، وَالْعِصْمَةِ، وَحُرِمْنَاهُمَا مِنْ بَعْدُ، وَلَوْ مُدِدْنَا بِهِمَا لَكَانَتْ شَهَادَتُنَا فِي كُلِّ حِينٍ كَشَهَادَتِنَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمِيثَاقَ مَا رَكَزَ اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ الْعُقُولِ، وَآتَاهُمْ، وَآبَاءَهُمْ مِنَ الْبَصَائِرِ لِأَنَّهَا هِيَ الْحُجَّةُ الْبَاقِيَةُ الْمَانِعَةُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ هَذَا الْإِقْرَارَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ كَمَا جَعَلَ بَعْثَ الرُّسُلِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِمَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَخُلَاصَةُ مَا قَالُوهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُحْتَجِّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنَّهُ زَالَ عَنَّا عَلِمُ الضَّرُورَةِ، وَوُكِلْنَا إِلَى آرَائِنَا فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ بَلْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى يُوقِظُونَكُمْ مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: حُرِمْنَا عَلَى التَّوْفِيقِ، وَالْعِصْمَةِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إِذْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَا مَنْفَعَةَ لَنَا فِي الْعُقُولِ، وَالْبَصَائِرِ حَيْثُ حُرِمْنَا عَنِ التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ، وَالْحَقُّ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَلَا يُقْدَمُ عَلَى الطَّعْنِ فِيهَا بِأَنَّهَا آحَادٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِمُعْتَقَدِ أَحَدٍ، وَمَنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا، وَخَالَفَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُثْبِتُونَ خَبَرَ وَاحِدٍ عَنْ وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَجْعَلُونَهُ سُنَّةً؛ حُمِدَ مَنْ تَبِعَهَا وَعِيبَ مَنْ خَالَفَهَا اهـ. وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ: نَزَلَ تَمْكِينُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْعِلْمِ بِرُبُوبِيَّتِهِ بِنَصْبِ الدَّلَائِلِ، وَخَلْقِ الِاسْتِعْدَادِ فِيهِمْ، وَتَمْكِينِهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَالْإِقْرَارِ بِهَا مَنْزِلَةَ الْإِشْهَادِ، وَالِاعْتِرَافِ تَمْثِيلًا، وَتَخْيِيلًا لَا قَوْلَ ثَمَّةَ، وَلَا شَهَادَةَ حَقِيقَةً. أَقُولُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَبِهِ يَلْتَئِمُ الْعَقْلُ، وَالسَّمْعُ. قَالَ الْمَوْلَى الْعَلَّامَةُ قُطْبُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ ﵀: قَدْ تَقَرَّرَ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ أَنَّ بَنِي آدَمَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَيَكُونُ كُلُّ مَا أُخْرِجَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ فِيمَا لَا يَزَالُ هُمُ الَّذِينَ قَدْ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْمِيثَاقَ الْأَزَلِيَّ لِيُعْرِفَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا النَّسْلَ الَّذِي يَخْرُجُ فِيمَا لَا يَزَالُ مِنْ أَصْلَابِ بَنِي آدَمَ هُوَ الذَّرُّ الَّذِي أُخْرِجَ فِي الْأَزَلِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، وَأُخِذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَقَالِيُّ الْأَزَلِيُّ، كَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ فِيمَا لَا يَزَالُ بِالتَّدْرِيجِ حِينَ أَخْرَجُوا الْمِيثَاقَ الثَّانِيَ، وَهُوَ الْحَالِيُّ الْأَزَلِيُّ، فَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ مِيثَاقَانِ مَعَ بَنِي آدَمَ أَحَدُهُمَا: تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُولُ مِنْ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الِاعْتِرَافِ الْحَالِيِّ، وَثَانِيهِمَا: الْمَقَالِيُّ الَّذِي لَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُولُ، بَلْ يُتَوَقَّفُ عَلَى تَوْقِيفِ وَاقِفٍ عَلَى أَحْوَالِ الْعِبَادِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْآبَادِ كَالْأَنْبِيَاءِ، فَأَرَادَ ﵊ أَنْ يُعْلِمَ الْأُمَّةَ بِأَنَّ وَرَاءَ الْمِيثَاقِ الَّذِي يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ مِيثَاقًا آخَرَ أَزَلِيًّا، فَقَالَ مَا قَالَ مِنْ مَسْحِ ظَهْرِ آدَمَ فِي الْأَزَلِ إِلَخْ. وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَنِهَايَةِ التَّدْقِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 299

١٢٢ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ، وَالْمِيثَاقَ، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] . قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا. اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي، وَلَا رَبَّ غَيْرِي، وَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا. إِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي، وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي. قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا، وَإِلَهُنَا. لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ. فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَرُفِعَ عَلَيْهِمْ آدَمُ ﵇ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ، وَالْفَقِيرَ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ، وَدُونَ ذَلِكَ. فَقَالَ: رَبِّ لَوْلَا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَشْكُرَ، وَرَأَى الْأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلَ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ، خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] كَانَ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ ﵉ فَحُدِّثَ عَنْ أُبَيٍّ: أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدٌ. ــ ١٢٢ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) : ﵁ (فِي قَوْلِ اللَّهِ أَيْ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: ذُرِّيَّاتِهِمْ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ (قَالَ) أَيْ: أُبَيٌّ (جَمَعَهُمْ) أَيِ: اللَّهُ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُمْ (فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا) أَيْ: ذُكُورًا، وَإِنَاثًا، أَوْ أَصْنَافًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: أَرَادَ جَعْلَهُمْ أَصْنَافًا، وَفَسَّرَ الْأَصْنَافَ بِقَوْلِهِ الْآتِي فَرَأَى الْغَنِيَّ، وَالْفَقِيرَ (ثُمَّ صَوَّرَهُمْ) أَيْ: عَلَى صُوَرِهِمُ الَّتِي يَكُونُونَ عَلَيْهَا بَعْدُ (فَاسْتَنْطَقَهُمْ) : أَيْ: خَلَقَ فِيهِمُ الْعَقْلَ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ النُّطْقَ (فَتَكَلَّمُوا) : بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ بِمَا سَيَأْتِي (ثُمَّ) أَيْ: بَعْدَ التَّصْوِيرِ، وَالِاسْتِنْطَاقِ بِحُكْمِ تَقْدِيرِ الْخَلَّاقِ (أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ) أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَهُوَ - تَوْكِيدُ الْعَهْدِ بِالْإِقْرَارِ، أَوِ الْمُرَادُ الْعَهْدُ لَئِنْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِمْ، وَالْمِيثَاقُ الْأَيْمَانُ الْمُؤَكَّدَةُ لَيُوَفُّنَّ بِذَلِكَ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أَيْ: عَلَى ذَوَاتِهِمْ، أَوْ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ قَالَ لَهُمِ: اشْهَدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُؤَيَّدُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ شَهِدْنَا بِقَوْلِهِمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] : إِمَّا اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَإِمَّا التَّقْدِيرُ: أَشْهَدَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أَيِ: اسْتَشْهَدَهُمْ بِهَذَا (قَالُوا: بَلَى) : كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي بَعْضِهَا مَتْرُوكٌ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا مَعْنًى إِذِ الْمَعْنَى قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا (قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ) أَيْ: نَفْسَهَا بِأَنْ رَكَّبَ فِيهَا عُقُولًا مَعَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ عِلْمًا بِمُوجِدِهَا أَيْ: نَفْسِهَا، أَوْ أَهْلِهَا (وَالْأَرَضِينَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَتُسَكَّنُ (السَّبْعَ) : كَذَلِكَ أَيْ: زِيَادَةً عَلَى شَهَادَتِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةً إِلَى نَصْبِ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ، فَأُشْهِدُ بِمَعْنَى أَنْصِبُ، وَأُبَيِّنُ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ) : وَأَوَّلَ الطِّيبِيُّ هَذَا أَيْضًا بِأَنَّهُ إِلَى قَوْلِهِ: يُذَكِّرُونَكُمْ إِشَارَةً إِلَى النُّصُوصِ الشَّاهِدَةِ الْوَارِدَةِ مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ (أَنْ تَقُولُوا) : بِالْخِطَابِ لَا غَيْرَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ) أَيْ: لَمْ نُوقِنْ بِهَذَا (اعْلَمُوا) أَيْ: تَحَقَّقُوا الْآنَ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَتَبَيُّنِ الْأَمْرِ بِالْعِيَانِ (أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي) : مَعْبُودٌ (وَلَا رَبَّ غَيْرِي) : مَوْجُودٌ (وَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا) : فَإِنِّي مَقْصُودٌ (إِنِّي) : قِيلَ: بِالْفَتْحِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِمَّا قَبْلَهُ، وَبِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ: إِنِّي مَعَ هَذَا الْبَيَانِ (سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ) : فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ (رُسُلِي) : بِالْبُرْهَانِ (يُذَكِّرُونَكُمْ) : بِتَشْدِيدِ الْكَافِ (عَهْدِي، وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي) : بِوَاسِطَةِ رُسُلِي، وَفِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِعَهْدِي، وَمِيثَاقِي، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وَهَذَا كَالتَّصْرِيحِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمِيثَاقِ الْمَقَالِيِّ، وَالْحَالِيِّ، وَالْعَهْدِ الْحِسِّيِّ، وَالْمَعْنَوِيِّ (قَالُو: شَهِدْنَا) أَيْ: عَلِمْنَا، وَاعْتَرَفْنَا (بِأَنَّكَ رَبُّنَا) : وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ رَضِينَا بِرُبُوبِيَّتِكَ (وَإِلَهُنَا) : وَإِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ فَنَقُومُ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِكَ. بِمُقْتَضَى أُلُوهِيَّتِكَ (لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ) : فَإِنَّكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ) : فَإِنَّكَ إِلَهُ الْعَابِدِينَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ وَجْهُ تَقْدِيمِهِمْ هَاهُنَا مَقَامَ الرُّبُوبِيَّةِ أَنَّ شُهُودَ تَرْبِيَةِ الْحَقِّ حَامِلٌ أَيْ: حَامِلٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْأُلُوهِيَّةِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ هُنَا، وَإِنَّمَا عُكِسَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَقَامَ الْأُلُوهِيَّةِ هُوَ الْأَحَقُّ بِأَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَمَا عَدَاهُ وَسِيلَةٌ لَهُ كَمَا تُقُرِّرَ (فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ) أَيْ: بِجَمِيعِ مَا ذَكَرَ (وَرُفِعَ) : بِالْبِنَاءِ

стр. 300

لِلْمَفْعُولِ أَيْ: أَشْرَفَ (عَلَيْهِمْ آدَمُ ﵊) : مِنْ مَقَامٍ عَالٍ (يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) : حَالٌ، أَوْ مَفْعُولٌ بِتَقْدِيرِ أَنْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَحْضُرَ الْوَغَى (فَرَأَى) أَيْ: آدَمُ مِنْهُمْ (الْغَنِيَّ) : صُورَةً، وَمَعْنًى بِاعْتِبَارِ الْآثَارِ اللَّائِحَةِ، وَاللَّامِعَةِ (وَالْفَقِيرَ) : يَدًا، وَقَلْبًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَقْدِيمِ الْفَقِيرِ (وَحَسَنَ الصُّورَةِ) أَيِ: الظَّاهِرَةِ، وَالْبَاطِنَةِ (وَدُونَ ذَلِكَ) ، أَيْ: فِي الْحُسْنِ، أَوْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ (فَقَالَ: رَبِّ لَوْلَا) أَيْ: هَلَّا (سَوَّيْتَ) : يَعْنِي لِمَا مَا سَوَّيْتَ (بَيْنَ عِبَادِكَ!) : وَالْقَصْدُ هُوَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ حِكْمَتَهُ قَالَ: (إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: أُعْرَفَ بِالْإِنْعَامِ، وَأُشْكَرَ عَلَى الدَّوَامِ عَلَى لِسَانِ الْأَنَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُصَحِّحُ مَعْنَى مَا يُنْقَلُ حَدِيثًا، وَلَمْ يَصِحَّ لَفْظًا (كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأَنْ أُعْرَفَ) ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أَيْ: لِيَعْرِفُوا، وَالْمَعْنَى يَنْظُرُ الْغَنِيُّ إِلَى الْفَقِيرِ فَيَشْكُرُ، وَيَنْظُرُ الْفَقِيرُ إِلَى دِينِهِ فَيَرَى نِعْمَتَهُ فَوْقَ الْغَنِيِّ فَيَشْكُرُ، وَيَرَى حَسَنُ الصُّورَةِ جَمَالَهُ فَيَشْكُرُ، وَقَبِيحُ الصُّورَةِ حُسْنَ خِصَالِهِ فَيَشْكُرُ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ حَسَنَ الصُّورَةِ، وَالسِّيرَةِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَأَنَّ الْغِنَى وَالدِّينَ مُتَنَافِيَانِ فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ إِنَّ الْغَنِيَّ يَرَى عِظَمَ نِعْمَةِ الْغِنَى، وَالْفَقِيرَ يَرَى عِظَمَ نِعْمَةِ الْمُعَافَاةِ مِنْ كَدَرِ الدُّنْيَا، وَنَكَدِهَا، وَتَعَبِهَا الَّذِي لَا حَاصِلَ لَهُ غَيْرُ طُولِ الْحِسَابِ، وَتَرَادُفِ الْمِحَنِ، وَتَوَالِي الْعَذَابِ، وَحَسَنُ الصُّورَةِ يَرَى مَا مُنِحَهُ مِنْ ذَلِكَ الْجَمَالِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَى الْجَمَالِ الْبَاطِنِ غَالِبًا، وَغَيْرُهُ يَرَى أَنَّ عَدَمَ الْجَمَالِ أَدْفَعُ لِلْفِتْنَةِ، وَأَسْلَمُ مِنَ الْمِحْنَةِ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ مَزِيدَ تِلْكَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ فَيَشْكُرُونَ عَلَيْهَا، وَلَوْ تَسَاوَوْا فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ لَمْ يَتَيَقَّظُوا لِذَلِكَ (وَرَأَى) أَيْ: آدَمُ (الْأَنْبِيَاءَ) : وَهُمْ أَعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ (فِيهِمْ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِمْ مُنْدَرِجِينَ فِي جُمْلَتِهِمْ (مِثْلَ السُّرُجِ) : جَمْعُ سِرَاجٍ (عَلَيْهِمُ النُّورُ) أَيْ: يَغْلِبُ كَأَنَّهُ بَيَانٌ لِوَجْهِ شَبَهِهِمْ بِالسُّرُجِ، فَإِنَّ الْخَلْقَ خُلِقُوا فِي ظُلْمَةٍ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَنْوَارُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَائِحَةٌ يَهْتَدُونَ بِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَيْضًا لَا يَخْلَوْنَ عَنْ ظُلْمَةِ الْأَخْلَاقِ الْبَشَرِيَّةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْعِصْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ، وَالْأَنْوَارُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَلِذَا (خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ) : بَعْدَ مَا دَخَلُوا فِي عُمُومِ مِيثَاقِ الْعَوَامِّ لِلِاهْتِمَامِ التَّامِّ. بِمَرَامِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَوْلُهُ: خُصُّوا اسْتِئْنَافٌ، أَوْ صِفَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ (فِي الرِّسَالَةِ، وَالنُّبُوَّةِ) أَيْ: فِي شَأْنِهِمَا، وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ مَنْ أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ سَوَاءٌ أُمِرَ بِأَنْ يُنْبِئَ عَنِ اللَّهِ أَمْ لَا، وَالرَّسُولُ مَنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ (وَهُوَ قَوْلُهُ ﵎ أَيْ: هَذَا الْمِيثَاقُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] إِلَى قَوْلِهِ (عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) : وَمَا قَبْلُهُ، ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب: ٧] فَفِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، فَإِنَّ الْخَمْسَةَ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقُدِّمَ نَبِيُّنَا ﷺ فِي الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِهِ فِي الرُّتْبَةِ، أَوْ فِي الْوُجُودِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ رُوحِي، وَقَوْلِهِ: كُنْتُ نَبِيًّا، وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ

стр. 301

وَالْجَسَدِ» ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] أَيْ: عَظِيمًا مُؤَكَّدًا يَسْأَلُ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ الْمِيثَاقَ الْخَاصَّ هُوَ الْعَهْدُ بِالصِّدْقِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مِيثَاقَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا هُوَ مُظَاهَرَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْمُعَاوَنَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أَيْ: عَهْدِي ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] وَهَذَا الْمِيثَاقُ الْخَاصُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْعَامِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ تَعْظِيمًا لَهُمْ، وَتَكْرِيمًا، وَلِذَا قَالَ ﵊: ( «كُنْتُ نَبِيًّا، وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ، وَالْجَسَدِ» ) . . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (كَانَ) أَيْ: عِيسَى (فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ، فَأَرْسَلَهُ) أَيْ: رُوحَهُ، وَهُوَ يُذَكَّرُ، وَيُؤَنَّثُ يَعْنِي مَعَ جِبْرِيلَ ﵊ (إِلَى مَرْيَمَ ﵉ : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُوَ الصَّحِيحُ (فَحُدِّثَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: رُوِيَ (عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ) أَيِ: الرُّوحُ إِلَى جَوْفِهَا، ثُمَّ رَحِمِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرُّوحَ بِتَأْوِيلِ الْمَنْفُوخِ، أَوْ عِيسَى كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي " الْقَامُوسِ " الرُّوحُ بِالضَّمِّ مَا بِهِ حَيَاةُ الْأَنْفُسِ، وَيُؤَنَّثُ اهـ. فَجُعِلَ التَّذْكِيرُ أَصْلًا كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي اللَّفْظِ. (مِنْ فِيهَا) أَيْ: مِنْ فَمِهَا كَذَا قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ [التحريم: ١٢] أَيْ: فِي فِيهَا، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (فِيهَا) أَيْ: فِي مَرْيَمَ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ فِي فَمِهَا، أَوْ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِفَرْضِ ثُبُوتِهَا بِأَنَّ بَعْضَ تِلْكَ النَّفْخَةِ دَخَلَتْ مِنْ جَيْبِهَا، وَبَعْضَهَا مِنْ فَمِهَا، وَتَخْصِيصُ عِيسَى، وَتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: دَخَلَ مِنْ فِيهَا تَسْجِيلٌ عَلَى النَّصَارَى بِرَكَاكَةِ عُقُولِهِمْ أَيْ: كَيْفَ يُتَّخَذُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ هَذَا حَالُهُ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] قِيلَ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ: يَبُولَانِ، وَيَغُوطَانِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 302

١٢٣ - «وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَذَاكَرُ مَا يَكُونُ، إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٢٣ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَذَاكَرُ) أَيْ: مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ مَعَ بَعْضِنَا بِحَضْرَتِهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ (مَا يَكُونُ) مَا: مَوْصُولَةٌ أَيِ: الَّذِي يَحْدُثُ مِنَ الْحَوَادِثِ أَهُوَ شَيْءٌ مَقْضِيٌّ مَفْرُوغٌ مِنْهُ فَتُوجَدَ تِلْكَ الْحَوَادِثُ عَلَى طَبَقَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يُوجَدُ آنِفًا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ قَضَائِهِ؟ (إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ» ) ، أَيْ: لِإِمْكَانِهِ، بَلْ حُكِيَ وُقُوعُهُ كَمَا قِيلَ: إِنَّ بَعْضَ جِبَالِ الْمَغْرِبِ سَارَ عَنْ مَحَلِّهِ مَسَافَةً طَوِيلَةً ( «وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ» ) : بِضَمِّ اللَّامِ، وَتُسَكَّنُ أَيْ: خُلُقِهِ الْأَصْلِيِّ بِالْكُلِّيِّ (فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ) أَيْ: بِالْخَبَرِ عَنْهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ عَادَةً، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 303

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وَلَمْ يَقُلْ وَالْعَادِمِينَ لَهُ (فَإِنَّهُ) : أَيِ: الرَّجُلُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (يَصِيرُ) : فِي كُلِّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيُحْدِثَهُ (إِلَى مَا جُبِلَ) : أَيْ: خُلِقَ وَطُبِعَ (عَلَيْهِ) : مِنَ الْأَخْلَاقِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفْقَ مَا سَبَقَ بِهِ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبَدَّلَ وَيُغَيَّرَ، فَالْكَيِّسُ مَثَلًا لَا يَصِيرُ بَلِيدًا، وَالسَّخِيُّ لَا يَصِيرُ بَخِيلًا، وَالشُّجَاعُ لَا يَصِيرُ جَبَانًا وَعَكْسُهَا وَهَذَا مِثَالٌ تَقْرِيبِيٌّ. بِاعْتِبَارِ اسْتِبْعَادِ الْعَادَةِ لِزَوَالِ الْجَبَلِ عَنْ مَكَانِهِ اسْتِبْعَادًا يُلْحِقُهُ بِالْمُحَالِ الْعَقْلِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ إِمْكَانُ زَوَالِ الْجَبَلِ عَنْ مَكَانِهِ دُونَ الْخُلُقِ الْمُقَدَّرِ عَمَّا قُدِّرَ عَلَيْهِ اهـ. فَإِنْ قُلْتَ: مَدَارُ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَبْدِيلِ الْأَخْلَاقِ فَكَيْفَ هَذَا الْحَدِيثُ؟ قُلْتُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ خُلِقَ وَطُبِعَ فِيهِ الْأَخْلَاقُ جَمِيعُهَا، وَهِيَ صَالِحَةٌ بِأَصْلِهَا أَنْ تَكُونَ حَمِيدَةً وَأَنْ تَكُونَ ذَمِيمَةً، وَإِنَّمَا تُحْمَدُ إِذَا كَانَتْ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَالذَّمِيمَةُ ضِدُّهَا. فَمَثَلًا السَّخَاوَةُ صِفَةٌ مُعْتَدِلَةٌ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْبُخْلِ، وَكَذَا الشَّجَاعَةُ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَكَذَا التَّوَاضُعُ بَيْنَ الضَّعَةِ وَالتَّكَبُّرِ، وَالْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ عَادَةً عَدَمُ الِاعْتِدَالِ، فَالصُّوفِيَّةُ يُجَاهِدُونَ وَيَرْتَاضُونَ فِي الْأَخْلَاقِ لِيُبَدِّلُوهَا عَنْ مُقْتَضَى الْعَادَةِ وَيُعَدِّلُوهَا عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلِذَا قِيلَ: الْإِرَادَةُ تَرْكُ الْعَادَةِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْبُغْضُ، وَحَالَةُ اعْتِدَالِهِ الْمَحْمُودِ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهِ الْمَرْضِيِّ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَحْدُودِ فِي الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ ضِدُّهُ الْمَحَبَّةُ وَلِذَا قَالَ ﷺ : " «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانُهُ» ". وَأَمَّا إِزَالَةُ صِفَةِ الْبُخْلِ مِنْ أَصْلِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَغَيْرُ مُمْكِنَةٍ إِلَّا بِالْجَذْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أَيْ بَخِيلًا. وَقَالَ ﵊: " «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» " بَلْ قِيلَ لَوْ أُزِيلَتِ الصِّفَاتُ الذَّمِيمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ نَاقِصًا إِذْ كَمَالُهُ أَنْ تَغْلِبَ صِفَاتُهُ الْحَمِيدَةُ، وَبِهَذَا فُضِّلَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَوْعِ الْمَلَكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّبْدِيلَ الْأَصْلِيَّ الذَّاتِيَّ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ، وَأَمَّا التَّبْدِيلُ الْوَصْفِيُّ فَهُوَ مُمْكِنٌ بَلِ الْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيُسَمَّى تَهْذِيبُ النَّفْسِ وَتَحْسِينُ الْأَخْلَاقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] وَفِي الْحَدِيثِ: " «حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ» " وَفِي الدُّعَاءِ: " «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي، وَاللَّهُمَّ اهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ» "، وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ فَعَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْخُلُقَ الْمُبْرَمَ لَا يُبَدَّلُ وَالْخُلُقَ الْمُعَلَّقَ يُغَيَّرُ وَهُوَ مُبْهَمٌ عِنْدَنَا مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَعَلَيْنَا الْمُجَاهَدَةُ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَلِهَذَا تَرَى كَثِيرًا مِنَ الْمُرْتَاضِينَ لَمْ تَحْسُنْ أَخْلَاقُهُمْ فِي أَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ، وَبَعْضُهُمْ تُبَدَّلُ أَخْلَاقُهُمُ الذَّمِيمَةُ بِالْحَمِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوِ النَّفْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى خَرْقِهَا، وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ بِالْجَذْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَتَارَةً بِالرِّيَاضَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَتَارَةً بِالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي اسْتِحْضَارُ هَذَا فِي النَّظَرِ لِلْخَلْقِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأَفْعَالِ مِنْهُمْ حَتَّى تُقَامَ أَعْذَارُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِمُ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِقَامَتِهَا فِيهَا مَحْذُورٌ فَإِنَّ كُلًّا يَجْرِي فِي تَيَّارِ مَا قُدِّرَ لَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَكَذَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّاوِي، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيٍّ، وَكَانَ مُقْتَضَى دَأْبِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ أَحْمَدُ.

стр. 304

١٢٤ - «وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ فِي كُلِّ عَامٍ وَجَعٌ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ. قَالَ: (مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ) » . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٢٤ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ ﵂، وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو سَلَمَةَ، وَمَاتَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ عُمُرُهَا أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَزَيْنَبُ بِنْتُهَا، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَزَالُ) : بِالْخِطَابِ وَقِيلَ بِالْغَيْبَةِ (يُصِيبُكَ) ، أَيْ: يَحْصُلُ لَكَ (فِي كُلِّ عَامٍ) : أَيْ سَنَةٍ (وَجَعٌ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ أَلَمٌ (مِنَ الشَّاةِ) ، أَيْ: مِنْ أَجْلِ أَثَرِ الشَّاةِ (الْمَسْمُومَةِ) : أَيْ: بِالسُّمِّ الَّذِي بَالَغَ الْيَهُودِيُّ فِي اصْطِنَاعِهِ وَإِتْقَانِهِ لِيُثْقِلَ فِي وَقْتِهِ وَسَاعَتِهِ (الَّتِي أَكَلْتَ) : أَيْ: فِي خَيْبَرَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ قَالَ: (مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ أَوْ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ (إِلَّا وَهُوَ) : أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الْأَلَمِ (مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَثَلٌ لِلتَّقْدِيرِ السَّابِقِ لَا تَعْيِينٌ فَإِنَّ كَوْنَ آدَمَ فِي طِينَتِهِ أَيْضًا مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، كَمَا يُقَالُ: لَا، مَا لَاحَ كَوْكَبٌ وَمَا أَقَامَ ثَبِيرٌ فِي التَّأْبِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَبَّدًا اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] : أَيْ: نَخْلُقَهَا. وَقَضِيَّةُ الشَّاةِ تَأْتِي فِي بَابِ الْمُعْجِزَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 305

[بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٢٥ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ؟ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .» وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: « ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ) » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 306

[٤] بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَلَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَلَا مَانِعَ فِي الْعَقْلِ مِنْ أَنْ يُعِيدَ اللَّهُ الْحَيَاةَ فِي جُزْءٍ مِنَ الْجَسَدِ، أَوْ فِي الْجَمِيعِ عَلَى خِلَافٍ بَيْنِ الْأَصْحَابِ فَيُثِيبَهُ وَيُعَذِّبَهُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْمَيِّتِ قَدْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ كَمَا يُشَاهَدُ فِي الْعَادَةِ، أَوْ أَكْلَتْهُ السِّبَاعُ وَالطُّيُورُ وَحِيتَانُ الْبَحْرِ لِشُمُولِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ نُشَاهِدُ الْمَيِّتَ عَلَى حَالِهِ فَكَيْفَ يُسْأَلُ وَيُقْعَدُ وَيُضْرَبُ وَلَا يَظْهَرُ أَثَرٌ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مُمْكِنٌ وَلَهُ نَظِيرٌ فِي الشَّاهِدِ وَهُوَ النَّائِمُ فَإِنَّهُ يَجِدُ لَذَّةً وَأَلَمًا يُحِسُّهُ وَلَا نُحِسُّهُ، وَكَذَا يَجِدُ الْيَقْظَانُ لَذَّةً وَأَلَمًا يَسْمَعُهُ وَيَتَفَكَّرُ فِيهِ وَلَا يُشَاهِدُ ذَلِكَ جَلِيسُهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فَيُوحِي بِالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَلَا يَرَاهُ أَصْحَابُهُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٢٥ - (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) : هُوَ وَأَبُوهُ صَحَابِيَّانِ. وَهُوَ أَبُو عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَافْتَتَحَ الرَّيَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ، وَمَاتَ بِالْكُوفَةِ. وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعُمَارَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَعَازِبُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُسْلِمُ) : وَفِي مَعْنَاهُ الْمُؤْمِنُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَيَشْمَلُ الْمُذَكَّرَ

стр. 307

وَالْمُؤَنَّثَ أَوْ حُكْمُهَا يُعْرَفُ بِالتَّبَعِيَّةِ (إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ) : التَّخْصِيصُ لِلْعَادَةِ أَوْ كُلُّ مَوْضِعٍ فِيهِ مَقَرُّهُ فَهُوَ قَبْرُهُ، وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: سُئِلَ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ لِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ " يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، أَيْ: يُجِيبُ بِأَنْ لَا رَبَّ إِلَّا اللَّهُ وَلَا إِلَهَ سِوَاهُ، وَبِأَنَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدٌ ﵊، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ (فَذَلِكَ: أَيْ: فَمِصْدَاقُ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى سُرْعَةِ الْجَوَابِ الَّتِي يُعْطِيهَا جَعَلَ إِذَا ظَرْفًا لِيَشْهَدَ وَالْفَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْآيَةَ سَبَبٌ لِمَا فِي الْحَدِيثِ دُونَ الْعَكْسِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْفَاءَ تَفْرِيعِيَّةٌ أَوْ تَفْصِيلِيَّةٌ (قَوْلُهُ) : أَيْ: تَعَالَى كَمَا فِي نُسْخَةٍ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] : أَيْ يُجْرِي لِسَانَهُمْ ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] : وَهُوَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ الْمُتَمَكِّنَةُ فِي الْقَلْبِ بِتَوْفِيقِ الرَّبِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاللَّامُ إِشَارَةٌ إِلَى كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ اهـ. وَهَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ: قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وَهِيَ النَّخْلَةُ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ، قِيلَ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُثَبِّتُ وَكَذَا ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] : بِأَنْ لَا يَزَالُوا عَنْهُ إِذَا فُتِنُوا وَلَمْ يَرْتَابُوا بِالشُّبُهَاتِ وَإِنْ أُلْقُوا فِي النَّارِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] أَيِ: الْبَرْزَخِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: فِي الْقَبْرِ عِنْدَ السُّؤَالِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا وَقَعَ بِهِ التَّصْرِيحُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَعَادَ الْجَارَّ لِيَدُلَّ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ فِي التَّثْبِيتِ. (وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] مُبْتَدَأٌ، أَيْ: آيَةُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] : أَيْ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] أَيِ الْكَافِرِينَ ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ) : أَيْ: فِي إِثْبَاتِهِ، قَالَ فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى عَذَابِ الْمُؤْمِنَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ؟ قُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمَّى أَحْوَالَ الْعَبْدِ فِي الْقَبْرِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ عَلَى تَغْلِيبِ فِتْنَةِ الْكَافِرِ عَلَى فِتْنَةِ الْمُؤْمِنِ تَرْهِيبًا؛ وَلِأَنَّ الْقَبْرَ مَقَامُ الْهَوْلِ وَالْوَحْشَةِ، وَلِأَنَّ مُلَاقَاةَ الْمَلَكَيْنِ مِمَّا يَهِيبُ الْمُؤْمِنَ أَيْضًا اهـ. وَفِيهِ: أَنَّ الْمُرَادَ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ مُجْمَلًا غَايَتُهُ أَنَّ عَذَابَ الْمُؤْمِنِ الْفَاسِقِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْقُرْآنِ فِي اقْتِصَارٍ عَلَى حُكْمِ الْفَرِيقَيْنِ، كَمَا وَرَدَ فِي إِعْطَاءِ الْكِتَابِ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَخِفَّةِ الْمِيزَانِ وَثِقَلِهِ وَأَمْثَالِهَا، وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ الدَّلِيلِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُخَالِفِ إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ. (يُقَالُ لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ الْقَبْرِ (مَنْ رَبُّكَ) ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَزَالَ اللَّهُ الْخَوْفَ عَنْهُ وَثَبَّتَ لِسَانَهُ فِي جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ (فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ) : زَادَ فِي الْجَوَابِ تَبَجُّحًا: أَوْ مَنْ نَبِيُّكَ مُقَدَّرٌ فِي السُّؤَالِ، أَوْ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ التَّوْحِيدِ يَسْتَلْزِمُهُ إِذْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ دُونَهُ، وَزَادَ فِي " الْمَصَابِيحِ ": وَالْإِسْلَامُ دِينِي، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُنَعَّمًا فِي الْقَبْرِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْحَيْرَةُ وَالدَّهْشَةُ وَالْوَحْشَةُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَوَابِهِمَا فَيَكُونَ مُعَذَّبًا فِيهِ. قِيلَ: وَلَمْ يُذْكَرْ حَالُ الْكَافِرِ لِأَنَّ الضِّدَّ أَقْرَبُ خُطُورًا بِالْبَالِ عِنْدَ ذِكْرِ ضِدِّهِ فَاكْتَفَى بِهِ عَنْهُ (فَإِنَّهُ) : (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 308

١٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ : فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. ــ ١٢٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْعَبْدَ) : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ) : شَرْطٌ وَ " أَتَاهُ " جَوَابُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ (وَتَوَلَّى) : أَيْ: أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ (عَنْهُ أَصْحَابُهُ) : أَيْ: عَنْ قَبْرِهِ، وَالْعِبْرَةُ بِالْأَكْثَرِ أَوْ عَنْ وَضْعِهِ، وَالْمَعْنَى دَفَنُوا وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمْ بِالْأَصْحَابِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ (إِنَّهُ) : بِالْكَسْرِ وَهُوَ إِمَّا حَالٌ بِحَذْفِ الْوَاوِ كَمَا فِي أَحَدِ وَجْهَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] أَيْ: وَوُجُوهُهُمْ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ وَهُوَ عَلَى حَدِّ كَلِمَتِهِ: فُوهُ إِلَى فِي، أَوْ يَكُونُ أَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ عَلَى حَذْفِ الْفَاءِ فَيَكُونُ " أَتَاهُ " حَالًا مِنْ فَاعِلِ يَسْمَعُ وَقَدْ مَقَدَّرَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِذَا ظَرْفًا مَحْضًا، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: إِنَّ الْعَبْدَ (لَيَسْمَعُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ (قَرْعَ نِعَالِهِمْ) : بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ نَعْلٍ، قِيلَ أَيْ: يَسْمَعُ صَوْتَهَا لَوْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّ جَسَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمَلَكُ فَيُقْعِدَهُ مَيِّتٌ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِذْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ يَعْلَمُ مَنْ يُكَفِّنُهُ وَمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَمَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يَدْفِنُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ صَوْتَ دَقِّهَا، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى حَيَاةِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ لِأَنَّ الْإِحْسَاسَ بِدُونِ الْحَيَاةِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ، وَتَوَقَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ اهـ. وَلَعَلَّ تَوَقُّفَ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الْإِعَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِجُزْءِ الْبَدَنِ أَوْ كُلِّهِ. قَالَ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ": يَجُوزُ الْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِي الْقُبُورِ (أَتَاهُ مَلَكَانِ) : أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ زَمَانٌ طَوِيلٌ (فَيُقْعِدَانِهِ) : مِنَ الْإِقْعَادِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَيُجْلِسَانِهِ مِنَ الْإِجْلَاسِ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ الْقُعُودَ عِنْدَ الْفُصَحَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسَ فِي مُقَابَلَةِ الِاضْطِجَاعِ وَالِاسْتِلْقَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا حُكِيَ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ مَثَلَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَسْتُ مُضْطَجِعًا فَأَجْلِسَ، قَالَ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلِ اقْعُدْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِقْعَادِ الْإِيقَاظُ وَالتَّنْبِيهُ، وَإِنَّمَا يُسْأَلَانِ عَنْهُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ وَالدَّهْشَةِ وَالْحَيْرَةِ فَيُقْعِدَانِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ مَنْ رَوَى فَيُقْعِدَانِهِ ظَنَّ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ يُنَزَّلَانِ فِي الْمَعْنَى مَنْزِلَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ فَاتَهُ دِقَّةُ الْمَعْنَى، وَلِهَذَا نَهَى كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ عَنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقُعُودُ وَالْجُلُوسُ مُتَرَادِفَانِ، وَاسْتِعْمَالُ الْقُعُودِ مَعَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ مَعَ الِاضْطِجَاعِ مُنَاسَبَةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ إِذَا كَانَا مَذْكُورَيْنِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُذْكَرْ إِلَّا أَحَدُهُمَا فَلَمْ نَقُلْ أَنَّهُ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ (حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أَقُولُ: صُرِّحَ فِي الْقَامُوسِ بِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ حَيْثُ قَالَ: الْقُعُودُ الْجُلُوسُ أَوْ هُوَ مِنَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسُ مِنَ الضَّجْعَةِ، وَمِنَ السُّجُودِ اهـ. وَيُؤَيِّدُ اللُّغَةَ الثَّانِيَةَ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَالْقَعْدَةَ الْأُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (فَيَقُولَانِ) : أَيْ لَهُ (مَا كُنْتَ تَقُولُ) : أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ كُنْتَ تَقُولُهُ، أَيْ: تَعْتَقِدُ فِي هَذَا الرَّجُلِ) ، أَيْ: فِي شَأْنِهِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَفِي الْإِشَارَةِ إِيمَاءٌ إِلَى تَنْزِيلِ الْحَاضِرِ الْمَعْنَوِيِّ مَنْزِلَةَ الصُّورِيِّ مُبَالَغَةً (لِمُحَمَّدٍ) : بَيَانٌ مِنَ الرَّاوِي لِلرَّجُلِ، أَيْ: لِأَجْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ : كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَشُرَّاحُ الْمَصَابِيحِ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لِمُحَمَّدٍ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ الرَّسُولِ، وَالتَّعْبِيرُ بِمُحَمَّدٍ دُونَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ اهـ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَدُعَاؤُهُ بِالرَّجُلِ مِنْ كَلَامِ الْمَلَكِ، فَعَبَّرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيمٌ امْتِحَانًا لِلْمَسْئُولِ لِئَلَّا يَتَلَقَّنَ تَعْظِيمَهُ عَنْ عِبَارَةِ الْقَائِلِ: ثُمَّ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ: «مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ» ، فَيَقُولُ إِلَخْ.

стр. 309

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِشَارَةِ مَا قِيلَ مِنْ رَفْعِ الْحُجُبِ بَيْنَ الْمَيِّتِ وَبَيْنَهُ ﷺ حَتَّى يَرَاهُ وَيَسْأَلَ عَنْهُ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ عَلَى أَنَّهُ مَقَامُ امْتِحَانٍ، وَعَدَمُ رُؤْيَةِ شَخْصِهِ الْكَرِيمِ أَقْوَى فِي الِامْتِحَانِ. قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَنْ أَدْرَكَهُ فِي حَيَاتِهِ ﵊ وَتَشَرَّفَ بِرُؤْيَةِ طَلْعَتِهِ الشَّرِيفَةِ. (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ) : أَيْ فِي جَوَابِهِ لَهُمَا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالتَّوْحِيدِ كَمَا مَرَّ (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) : لَا كَمَا زَعَمَتِ النَّصَارَى مِنْ أُلُوهِيَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَلَا كَمَا زَعَمَتِ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولِهِ (فَيُقَالُ لَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى لِسَانِهِمَا تَعْجِيلًا لِمَسَرَّتِهِ وَتَبْشِيرًا لِعَظِيمِ نِعْمَتِهِ (انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ) : أَيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَلَمْ تُجِبِ الْمَلَكَيْنِ (قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ) : أَيْ: بِمَقْعَدِكَ هَذَا (مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ) ، أَيْ: بِإِيمَانِكَ، وَالْقُعُودُ هُنَا أَيْضًا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَعْنَى الْأَعَمِّ (فَيَرَاهُمَا) ، أَيِ: الْمَقْعَدَيْنِ (جَمِيعًا) : لِيَزْدَادَ فَرَحُهُ (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ (فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) أَيْ: حَقِيقَةَ أَنَّهُ نَبِيٌّ أَمْ لَا (كُنْتُ أَقُولُ) ، أَيْ: فِي الدُّنْيَا (مَا يَقُولُ النَّاسُ) ، أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُنَافِقِ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ تَقِيَّةً لَا اعْتِقَادًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَقُولُ فِي الْقَبْرِ شَيْئًا أَوْ يَقُولُ: لَا أَدْرِي فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الدُّنْيَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ الْكَافِرُ أَيْضًا دَفْعًا لِعَذَابِ الْقَبْرِ عَنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنْ أَرَادَ بِالنَّاسِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَذِبٌ مِنْهُ حَتَّى فِي الْمُنَافِقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ قَوْلِ اللِّسَانِ، بَلِ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ وَإِنْ أَرَادَ مَنْ هُوَ لِصِفَتِهِ فَهُوَ جَوَابٌ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُ اهـ. وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالنَّاسِ الْكُفَّارُ وَمُرَادُهُ بَيَانُ الْوَاقِعِ لَا الْجَوَابُ النَّافِعُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِالنَّاسِ الْمُسْلِمُونَ لَا مَحْذُورَ أَيْضًا فِي كَذِبِهِمْ، إِذْ هَذَا دَأْبُهُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] أَيْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] (فَيُقَالُ) ، أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (لَا دَرَيْتَ) ، أَيْ: لَا عَلِمْتَ مَا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ (وَلَا تَلَيْتَ) أَيْ: لَا تَبِعْتَ النَّاجِينَ يَعْنِي مَا وَقَعَ مِنْكَ التَّحْقِيقُ وَالتَّسْدِيدُ وَلَا صَدَرَ مِنْكَ الْمُتَابَعَةُ وَالتَّقْلِيدُ، وَقِيلَ: دُعَاءٌ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، أَيْ: لَا قَرَأْتَ، فَأَصْلُهُ تَلَوْتَ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِازْدِوَاجِ دَرَيْتَ أَيْ: مَا عَلِمْتَ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، أَيِ: الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ رَسُولٌ، وَمَا قَرَأْتَ كِتَابَ اللَّهِ لِتَعْلَمَهُ مِنْهُ، أَيْ: بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وَيُنْبِئُهُ قَوْلُهُ ﵊ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: ( «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولَانِ: مَا يُدْرِيكَ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ» ) . كَذَا فِي " الْأَزْهَارِ "، وَقِيلَ: لَا تَلَيْتَ لَا اتَّبَعْتَ الْعُلَمَاءَ بِالتَّقْلِيدِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ قَوْلُهُ: وَلَا تَلَيْتَ مِنْ تَلَا يَتْلُو إِذَا قَرَأَ، أَيْ: وَلَا قَرَأْتَ الْكِتَابَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، أَيْ: بِدَوَامِ الْجَهْلِ أَوْ إِخْبَارٌ. وَقِيلَ: رِوَايَةٌ وَلَا تَلَيْتَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ: وَلَا أَتْلَيْتَ مِنْ أَتْلَاهُ إِذَا اتَّبَعَهُ، فَالْمَعْنَى مَا عَلِمْتَ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ حَقِيقَةَ نُبُوَّتِهِ، وَلَا اتَّبَعْتَ الْعُلَمَاءَ بِالتَّقْلِيدِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا. اهـ. هَذَا وَفِي " الْقَامُوسِ " تَلَوْتُهُ كَدَعَوْتُهُ وَرَمْيَتُهُ تَبِعْتُهُ وَالْقُرْآنَ أَوْ كُلَّ كَلَامٍ قَرَأْتُهُ وَأَتْلَيْتُهُ إِيَّاهُ اتَّبَعْتُهُ، فَبِهَذَا يَظْهَرُ تَكَلُّفُ بَعْضٍ وَخَطَأُ بَعْضٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي " الْأَزْهَارِ " فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُكَلِّمُ الْمَلَكَانِ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ، وَكَيْفَ يَسْأَلَانِهِمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فِي الْآفَاقِ وَالْأَطْرَافِ وَبُعْدِ الْمَسَافَةِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَأَيُّ فَائِدَةٍ مِنْ سُؤَالِ اثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ؟ قِيلَ: يَكُونُ لَهُمَا أَعْوَانٌ كَمَا لِمَلَكِ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ الْأَرْضِ مَكْشُوفٌ لَهُمَا وَفِي نَظَرِهِمَا كَمَا لِمَلَكِ الْمَوْتِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَسْأَلُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْآخَرَ الْكَافِرِينَ اهـ.

стр. 310

وَفِي قَوْلِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: حِكْمَةُ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ عِوَضَ الْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَيُضْرَبُ) : أَيِ الْكَافِرُ (بِمَطَارِقَ) : وَفِي " الْمَصَابِيحِ: بِمِطْرَقَةٍ وَهِيَ آلَةُ الضَّرْبِ (مِنْ حَدِيدٍ) : لِأَنَّهُ مِنْ بَيْنِ الْفِلِزَّاتِ أَشَدُّ شَدِيدٍ (ضَرْبَةً) ، أَيْ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَفْرَدَ الضَّرْبَةَ وَجَمَعَ الْمَطَارِقَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: مَعِي جِيَاعًا لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمِطْرَقَةِ مِطْرَقَةٌ بِرَأْسِهَا مُبَالَغَةً اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَطَارِقَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ سَوَاءٌ يَكُونُ أَقَلَّهُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ " ضَرْبَةً " دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الضَّرْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: كَانَ وَجْهُ إِفْرَادِهَا مَعَ جَمْعِ الْمَطَارِقِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهَا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَصَارَتْ كَالضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ صُورَةً. ثُمَّ قَالَ: وَفِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ نَظَرٌ لِأَنَّ فِيهِ إِخْرَاجَ الْمَطَارِقِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَهِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ فِي النَّكَالِ وَالْعَذَابِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ لِذَلِكَ (فَيَصِيحُ) ، أَيْ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ مِنْ تِلْكَ الضَّرْبَةِ (صَيْحَةً يَسْمَعُهَا) ، أَيْ: تِلْكَ الصَّيْحَةَ (مَنْ يَلِيهِ) ، أَيْ: يَقْرُبُ مِنْهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْمَلَائِكَةِ، وَعَبَّرَ بِمَنْ تَغْلِيبًا لِلْمَلَائِكَةِ لِشَرَفِهِمْ، وَلَا يُذْهَبُ فِيهِ إِلَى الْمَفْهُومِ مِنْ أَنَّ مَنْ بَعُدَ لَا يَسْمَعُ لِمَا وَرَدَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مِنْ أَنَّهُ يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْمَفْهُومُ لَا يُعَارِضُ الْمَنْطُوقَ (غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ) ، أَيِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ سُمِّيَ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا ثَقُلَا عَلَى الْأَرْضِ وَنَصَبَ غَيْرَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَاسْتُثْنِيَا لِأَنَّهُمَا بِمَعْزِلٍ عَنْ سَمَاعِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَفُوتَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْإِيمَانُ بِهِ لَوْ سَمِعُوهُ ضَرُورِيًّا، وَالْإِيمَانُ الضَّرُورِيُّ لَا يُفِيدُ ثَوَابًا فَيَرْتَفِعَ الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ، وَقِيلَ: لَوْ سَمِعُوهُ لَأَعْرَضُوا عَنِ التَّدَابِيرِ وَالصَّنَائِعِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَنْقَطِعَ الْمَعَاشُ وَيَخْتَلُّ نِظَامُ الْعَالَمِ، وَلِذَا قِيلَ: لَوْلَا الْحَمْقَى لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: الْغَفْلَةُ رَحْمَةٌ، وَقِيلَ: لَوْلَا الْأَمَلُ لَاخْتَلَّ الْعَمَلُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: بِحَسَبِ الْمَعْنَى (وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) : قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ انْتَهَتْ إِلَى قَوْلِهِ: " فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا " فَيُحْمَلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَكْثَرِ فَتَدَبَّرْ.

стр. 311

١٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٢٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ» ) ، أَيْ: أُظْهِرَ لَهُ مَكَانُهُ الْخَاصُّ مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي عَرْضَ مَقْعَدٍ آخَرَ فَرْضِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) ، أَيْ: طَرَفَيِ النَّهَارِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِمَا الدَّوَامُ (إِنْ كَانَ) ، أَيِ: الْمَيِّتُ (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ، أَيْ: فَالْمَعْرُوضُ عَلَيْهِ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ فَمَقْعَدُهُ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ( «وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُبَشَّرُ بِمَا لَا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ، وَيَفُوزُ بِمَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَبِالْعَكْسِ؟ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ إِذَا اتَّحَدَا دَلَّ الْجَزَاءُ عَلَى الْفَخَامَةِ كَقَوْلِهِ: مَنْ أَدْرَكَ الضَّمَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ (فَيُقَالُ) ، أَيْ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا (هَذَا) ، أَيِ: الْمَقْعَدُ الْمَعْرُوضُ عَلَيْكَ (مَقْعَدُكَ) الَّذِي أَنْتَ مُسْتَقِرٌّ فِي نَعِيمِ عَرْضِهِ أَوْ جَحِيمِهِ وَمُسْتَمِرٌّ (حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ) . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الضَّمِيرُ فِي إِلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَقْعَدِ، فَالْمَعْنَى هَذَا مَقْعَدُكَ تَسْتَقِرُّ فِيهِ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَى مِثْلِهِ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] أَيْ: مِثْلُ الَّذِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ

стр. 312

رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ; أَيْ: إِلَى لِقَائِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْمَقْعَدِ الْمَعْرُوضِ، أَوْ إِلَى الْمَقْعَدِ الَّذِي هُوَ الْقَبْرُ وَ (إِلَى) بِمَعْنَى مِنْ، أَيِ: الْمَعْرُوضُ عَلَيْكَ مَقْعَدُكَ بَعْدُ، وَلَا تَدْخُلْهُ الْآنَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، أَوِ الْقَبْرُ مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ مِنْهُ إِلَى مَقْعَدِكَ الْآخَرِ الْمَعْرُوضِ عَلَيْكَ اهـ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ.، أَيْ: هَذَا الْآنَ مَقْعَدُكَ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ فَتَرَى عِنْدَ ذَلِكَ كَرَامَةً أَوْ هَوَانًا تَنْسَى عِنْدَهُ هَذَا الْمَقْعَدَ. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَهَذَا لَفْظُ " الْمَصَابِيحِ " وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ: «حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .، أَيْ: هَذَا مُسْتَقَرُّكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى مَحْشَرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ اهـ. وَفِي " الْأَزْهَارِ: الْمُرَادُ بِالْقِيَامَةِ هُنَا النَّفْخَةُ الْأُولَى لَا الْأُخْرَى، لِأَنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: (هَذَا مَقْعَدُكَ) مُطْلَقٌ مُتَنَاوَلٌ لِلْعَذَابِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّ النَّفْخَةَ الْأُولَى حَالَةُ إِمَاتَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَغَشَيَانٍ لِلْأَمْوَاتِ، وَمَا ثَمَّ هُنَاكَ بَعْثٌ فَتَأَمَّلَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 313

١٢٨ - «وَعَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَقَالَ: (نَعَمْ، عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ) . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٢٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) : ﵂ (أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ رُؤْيَةُ الْيَهُودِيَّةِ لِعَائِشَةَ الْمُحَرَّمُ عِنْدَنَا لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الْمُقْتَضِي لِحُرْمَةِ كَشْفِ الْمُسْلِمَةِ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا لِكَافِرَةٍ لِأَنَّهَا قَدْ تَصِفُهَا لِكَافِرٍ فَيَفْتِنُهَا اهـ. وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ كُنَّ يَحْتَجِبْنَ عَنْ نِسَاءِ الْكُفَّارِ (فَذَكَرَتْ) ، أَيِ: الْيَهُودِيَّةُ (عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ) ، أَيِ: الْيَهُودِيَّةُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا أَوْ تَفْرِيعًا (لَهَا) ، أَيْ: لِعَائِشَةَ (أَعَاذَكِ اللَّهُ) ، أَيْ: حَفِظَكِ وَأَجَارَكِ (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) ، جَازَ عِلْمُ الْيَهُودِيَّةِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ لِقِرَاءَتِهَا فِي التَّوْرَاةِ، أَوْ لِسَمْعِهَا مِمَّنْ قَرَأَ فِي التَّوْرَاةِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَمْ تَعْلَمْ وَلَمْ تَسْمَعْ ذَلِكَ (فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) ، أَيْ: أَحَقٌّ هُوَ؟ ( «فَقَالَ: نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ» ) .، أَيْ: ثَابِتٌ وَمُتَحَقِّقٌ وَكَائِنٌ وَصِدْقٌ (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ) ، أَيْ: بَعْدَ سُؤَالِي ذَلِكَ ( «صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ) . وَهُوَ يَحْتَمِلُ دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرٌ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْجَبَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلُ، أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يَتَعَوَّذْ حَتَّى سَمِعَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ فَتَعَوَّذَ، أَوْ كَانَ يَتَعَوَّذُ وَلَمْ تَشْعُرْ بِهِ عَائِشَةُ، وَقِيلَ: كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ قَبْلَ هَذَا سِرًّا، فَلَمَّا رَأَى تَعَجُّبَهَا مِنْهُ أَعْلَنَ بِهِ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ; لِيَثْبُتَ فِي قَلْبِهَا وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ، وَلِيَشْتَهِرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَيَتَرَسَّخَ فِي عَقَائِدِهِمْ، وَلِيَكُونُوا عَلَى خِيفَةٍ مِنْهُ، وَجَازَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ قَبْلَ هَذَا يَتَعَوَّذُ مِنْهُ سِرًّا مُتَوَقِّفًا فِي شَأْنِ أُمَّتِهِ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ تَعَوَّذَ مِنْهُ أَعَاذَنَا اللَّهُ بِلُطْفِهِ مِنْهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: رَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ ﵊ سَمِعَ الْيَهُودِيَّةَ قَالَتْ ذَلِكَ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَوَجَدْتُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، أَوْ تَعَوَّذَ بِقَوْلِ الْيَهُودِيَّةِ» ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى

стр. 314

هَذَا فِيهِ تَوَاضُعٌ مِنْهُ ﵊، وَإِرْشَادٌ لِلْخَلْقِ إِلَى قَبُولِ الْحَقِّ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنَّهُ ﵊ يَعْتَمِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ عَلَى قَوْلِ الْيَهُودِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى الْوَحْيِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " وَمَا نُقِلَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ " فَهُوَ غَرِيبٌ لِأَنَّ نَقْلَهُ نَقْلٌ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ فِي الْغَايَةِ، لَا سِيَّمَا وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَيَجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّهُ لَوْ نُقِلَ مِثْلُ هَذَا عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَذْهَبِهِ كَانَ سَنَدًا مُعْتَمَدًا عِنْدَهُ، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يَأْمَنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 315

١٢٩ - «وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ. وَإِذَا أَقْبُرُ سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ، فَقَالَ: (مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟) قَالَ رَجُلٌ: أَنَا. قَالَ: (فَمَتَى مَاتُوا؟) قَالَ: فِي الشِّرْكِ. فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ) ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ) . قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) . قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) . قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٢٩ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَائِطٍ) ، أَيْ: كَائِنٌ فِي بُسْتَانٍ (لِبَنِي النَّجَّارِ) : قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ) : حَالٌ مِنَ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ (وَنَحْنُ مَعَهُ) : حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ لِأَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْحَالِ (إِذْ حَادَتْ) : بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ بِالْجِيمِ مِنَ الْجَوْدَةِ بِالضَّمِّ أَيْ مَالَتْ وَنَفَرَتْ (بِهِ) ، أَيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِهِ، فِيهِ حَالٌ، وَإِذْ بِسُكُونِ الذَّالِ لِلْمُفَاجَأَةِ بَعْدَ بَيْنَا. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي (فَكَادَتْ تُلْقِيهِ) : مِنَ الْإِلْقَاءِ، أَيْ: تُسْقِطُهُ وَتَرْمِيهِ عَنْ ظَهْرِهَا (وَإِذَا أَقْبُرُ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ (سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ) : إِذْا بِالْأَلِفِ لِلْمُفَاجَأَةِ، وَالْوَاوِ لِلْحَالِ، أَيْ: نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِذَا أَقْبُرُ أَيْ ظَهَرَتْ لَنَا قُبُورٌ مَعْدُودَةٌ فَاجَأْنَاهَا (فَقَالَ: مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟) ، أَيْ: ذَوَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ وَتَارِيخَ وَفَاتِهِمْ وَأَيَّامَ حَيَاتِهِمْ (قَالَ رَجُلٌ: أَنَا) .، أَيْ: أَعْرِفُهُمْ (قَالَ) ﷺ : إِذَا كُنْتَ تَعْرِفُهُمْ (فَمَتَى مَاتُوا؟) ، أَيْ: فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا مُشْرِكِينَ أَوْ مُؤْمِنِينَ (قَالَ: فِي الشِّرْكِ) .، أَيْ: فِي زَمَنِهِ أَوْ صِفَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بَعْدَ بَعْثَتِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا» أَيْ بِالْعَذَابِ فِيهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا حَمَلْتُهُ عَلَى ذَلِكَ لِيُوَافِقَ الْأَصَحَّ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ لَا عِقَابَ عَلَيْهِمُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ عَلَى مَا حَقَّقُوا فِيهِ نَادِرُ الْوُجُودِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ (فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ) ، أَيْ: جَنْسَ الْإِنْسَانِ، فَهَذِهِ إِشَارَةٌ لِمَا فِي الذِّهْنِ وَخَبَرُهُ بَيَانٌ لَهُ كَهَذَا أَخُوكَ، وَأَصْلُ الْأُمَّةِ كُلُّ جَمَاعَةٍ يَجْمَعُهُمْ أَمْرٌ وَاحِدٌ إِمَّا دِينٌ أَوْ زَمَانٌ أَوْ مَكَانٌ (تُبْتَلَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: تُمْتَحَنُ (فِي قُبُورِهَا) : ثُمَّ تَنْعَمُ أَوْ تُعَذَّبُ ( «فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا» ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ: لَوْلَا مَخَافَةُ عَدَمِ التَّدَافُنِ إِذَا كُشِفَ لَكُمْ (لَدَعَوْتُ اللَّهَ) ، أَيْ: سَأَلْتُهُ (أَنْ يُسْمِعَكُمْ) : مِنَ الْإِسْمَاعِ مَفْعُولٌ ثَانٍ عَلَى تَضْمِينِ سَأَلْتُهُ) أَنْ يَجْعَلَكُمْ سَامِعِينَ (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً. قَالَ فِي " الْأَزْهَارِ ": قِيلَ: الْمَعْنَى الْمَانِعُ مِنَ الدُّعَاءِ هُوَ الْخَوْفُ وَالْحَيْرَةُ وَالدَّهْشَةُ وَانْخِلَاعُ الْقَلْبِ، وَقِيلَ: الْمَانِعُ تَرْكُ الْإِعَانَةِ فِي الدَّفْنِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَوْ سَمِعُوا ذَلِكَ لَهَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خُوَيْصَةَ نَفْسِهِ وَعَمَّهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ حَتَّى أَفْضَى بِهِمْ إِلَى تَرْكِ التَّدَافُنِ وَخَلَعَ الْخَوْفُ أَفْئِدَتَهُمْ حَتَّى لَا يَكَادُوا يَقْرَبُونَ جِيفَةَ مَيِّتٍ (الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ) ، أَيِ: الَّذِي أَسْمَعُهُ مِنَ الْقَبْرِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مِثْلُ الَّذِي أَسْمَعُهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَسْمَعَ، أَيْ: أَنْ يُوصَلَ إِلَى آذَانِكُمْ أَصْوَاتُ الْمُعَذَّبِينَ فِي الْقَبْرِ، فَإِنَّكُمْ لَوْ سَمِعْتُمْ ذَلِكَ تَرَكْتُمُ التَّدَافُنَ مِنْ خَوْفِ قَلْعِ صِيَاحِ الْمَوْتَى أَفْئِدَتَكُمْ، أَوْ خَوْفِ الْفَضِيحَةِ فِي الْقَرَائِبِ لِئَلَّا يَطَّلِعَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵊: " «لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» وَفِيهِ أَنَّ الْكَشْفَ بِحَسْبِ الطَّاقَةِ، وَمَنْ كُوشِفَ بِمَا لَا يَسَعُهُ يَطِيحُ وَيَهْلِكُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ؟ وَوَجْهُ هَذَا التَّلَازُمِ أَنَّ الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ يُؤَدِّي جَهَلَةَ

стр. 316

الْعَامَّةِ إِلَى تَرْكِ التَّدَافُنِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْهُ، وَيُؤَدِّي الْخَاصَّةَ إِلَى اخْتِلَاطِ عُقُولِهِمْ وَانْخِلَاعِ قُلُوبِهِمْ مِنْ تَصَوُّرِ ذَلِكَ الْهَوْلِ الْعَظِيمِ، فَلَا يَقْرَبُونَ جِيفَةَ مَيِّتٍ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ كَيْفَ يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَنْ يَتْرُكَ الدَّفْنَ الْمَأْمُورَ بِهِ حَذَرًا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ تَعْذِيبَ أَحَدٍ عَذَّبَهُ وَلَوْ فِي بَطْنِ الْحِيتَانِ وَحَوَاصِلِ الطُّيُورِ. (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي ( «فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ» ) ، أَيِ: اطْلُبُوا مِنْهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْكُمْ عَذَابَهَا ( «قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ» ) ، أَيْ: نَعْتَصِمُ بِهِ مِنْهَا (قَالَ: ( «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ) . قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) . وَلَعَلَّ تَقْدِيمَ عَذَابِ النَّارِ فِي الذِّكْرِ مَعَ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ مُقَدَّمٌ فِي الْوُجُودِ لِكَوْنِهِ أَشَدَّ وَأَبْقَى وَأَعْظَمَ وَأَقْوَى. قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، جَمْعُ فِتْنَةٍ وَهِيَ الِامْتِحَانُ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكْرِ وَالْبَلَاءِ وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ: بَدَلٌ مِنَ الْفِتَنِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ شُمُولِهَا لِأَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَخْلُو مِنْهُمَا، أَيْ: مَا جُهِرَ وَأُسِرَّ، وَقِيلَ: مَا يَجْرِي عَلَى ظَاهِرِ الْإِنْسَانِ، وَمَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَذْمُومَاتِ الْخَوَاطِرِ. ( «قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» ) .، أَيْ: كُلِّ فِتْنَةٍ تَجُرُّ إِلَى عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ إِلَى عَذَابِ النَّارِ ( «قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» ) . خُصَّ؛ فَإِنَّهُ أَكْبَرُ الْفِتَنِ حَيْثُ يَجُرُّ إِلَى الْكُفْرِ الْمُفْضِي إِلَى الْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

стр. 317

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ: لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَالْآخَرُ: النَّكِيرُ. فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ: أَرْجِعُ. إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ. فَيَقُولَانِ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١٣٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ) ، أَيْ: دُفِنَ وَهُوَ قَيْدٌ غَالِبِيٌّ وَإِلَّا فَالسُّؤَالُ يَشْمَلُ الْأَمْوَاتِ جَمِيعَهَا، حَتَّى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَأَكَلَتْهُ السِّبَاعُ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ يُعَلِّقُ رُوحَهُ الَّذِي فَارَقَهُ بِجُزْئِهِ الْأَصْلِيِّ الْبَاقِي مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَى حَالِهِ حَالَتَيِ النُّمُوِّ وَالذُّبُولِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّوحُ أَوَّلًا فَيَحْيَا وَيَحْيَا بِحَيَاتِهِ سَائِرُ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لِيُسْأَلَ فَيُثَابَ أَوْ يُعَذَّبَ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ كُلِّهَا حَسْبَ مَا هِيَ عَلَيْهَا، فَيَعْلَمُ الْأَجْزَاءَ بِتَفَاصِيلِهَا وَيَعْلَمُ مَوَاقِعَهَا وَمَحَالِهَا، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ مَا هُوَ أَصْلٌ وَفَصْلٌ، وَيَقْدِرُ عَلَى تَعْلِيقِ الرُّوحِ بِالْجُزْءِ الْأَصْلِيِّ مِنْهَا حَالَةَ الِانْفِرَادِ وَتَعْلِيقِهِ بِهِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ، فَإِنَّ الْبِنْيَةَ عِنْدَنَا لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَيَاةِ، بَلْ لَا يُسْتَبْعَدُ تَعْلِيقُ ذَلِكَ الرُّوحِ الشَّخْصِيِّ الْوَاحِدِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَهُ بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْحُلُولِ حَتَّى يُمْنَعَ الْحُلُولُ فِي جُزْءٍ آخَرَ. (أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ) : مَنْظَرُهُمَا (أَزْرَقَانِ) : أَعْيُنُهُمَا، وَإِنَّمَا يَبْعَثُهُمَا اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِمَا فِي السَّوَادِ وَزُرْقَةِ الْعَيْنِ مِنَ الْهَوْلِ وَالْوَحْشَةِ، وَيَكُونُ خَوْفُهُمَا عَلَى الْكُفَّارِ أَشَدَّ لِيَتَحَيَّرُوا فِي الْجَوَابِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْتِلَاءٌ، فَيُثَبِّتُهُمُ اللَّهُ فَلَا يَخَافُونَ وَيَأْمَنُونَ جَزَاءً لِخَوْفِهِمْ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا (يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ) : مَفْعُولٌ مِنْ أَنْكَرَ. بِمَعْنَى نَكِرَ

стр. 318

إِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا (وَالْآخَرُ: النَّكِيرُ) : فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ نَكِرَ بِالْكَسْرِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ فَهُمَا كِلَاهُمَا ضِدُّ الْمَعْرُوفِ، سُمِّيَا بِهِمَا لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَعْرِفْهُمَا، وَلَمْ يَرَ صُورَةً مِثْلَ صُورَتِهِمَا، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَمَثَّلَ الْمَلَكَانِ لِلْمَيِّتِ بِهَذَا اللَّوْنِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُمَا مَبْغُوضَانِ، وَالزُّرْقَةُ أَبْغَضُ الْأَلْوَانِ عِنْدَ الْعَرَبِ لِأَنَّ الرُّومَ أَعْدَاؤُهُمْ وَهُمْ زُرْقُ الْعُيُونِ غَالِبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالزُّرْقَةِ الْعَمَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] ، أَيْ: عُمْيًا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: فَيُقَيَّضُ أَيْ يُقَدَّرُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّوَادِ قُبْحَ الصُّورَةِ وَفَظَاعَةَ الْمَنْظَرِ عَلَى طَرِيقِ الْكِنَايَةِ، وَبِالزُّرْقَةِ تَقْلِيبَ الْبَصَرِ فِيهِ وَتَحْدِيدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. يُقَالُ: زَرِقَتْ عَيْنُهُ نَحْوِي إِذَا انْقَلَبَتْ وَظَهَرَ بَيَاضُهَا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ (فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟) : قِيلَ يُصَوَّرُ صُورَتُهُ ﵊ فَيُشَارُ إِلَيْهِ (فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) : هَذَا هُوَ الْجَوَابُ، وَذِكْرُ الشَّهَادَتَيْنِ إِطْنَابٌ لِلْكَلَامِ ابْتِهَاجًا وَسُرُورًا وَافْتِخَارًا وَتَلَذُّذًا (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَأَشْهَدُ أَنَّ (مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) . وَلِذَا قَدْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فِيمَا هُنَالِكَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٧ - ١٨] إِلَخْ. فَأَطْنَبَ ; اسْتِلْذَاذًا بِمُخَاطَبَةِ الْحَقِّ وَاسْتِذْكَارًا بِنِعْمَتِهِ، كَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ لَيْسَ جَوَابًا شَرْعِيًّا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْكُلِّ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا دَلَالَةً عَلَى الْإِيمَانِ عَلَى جِهَةِ الْإِيقَانِ بِخِلَافِ الْمُنَافِقِ الْآتِي ذِكْرُهُ حَيْثُ يَدَّعِي الْإِيمَانَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ دِرَايَةٍ وَبُرْهَانٍ. (فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا؟) ، أَيِ: الْإِقْرَارُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَعِلْمُهُمَا بِذَلِكَ إِمَّا بِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ، أَوْ بِمُشَاهَدَتِهِمَا فِي جَبِينِهِ أَثَرَ السَّعَادَةِ وَشُعَاعَ نُورِ الْإِيمَانِ وَالْعِبَادَةِ (ثُمَّ يُفْسَحُ) : مَجْهُولٌ مُخَفَّفٌ، وَقِيلَ: مُشَدَّدٌ أَيْ يُوَسَّعُ (لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا) : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِذِرَاعِ الدُّنْيَا الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِذِرَاعِ الْمَلَكِ، الْأَكْبَرِ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُهُ يُفْسَحُ قَبْرُهُ مِقْدَارَ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، فَجَعَلَ الْقَبْرَ ظَرْفًا لِلسَّبْعِينَ، وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى السَّبْعِينَ مُبَالَغَةً فِي السَّعَةِ (فِي سَبْعِينَ) ، أَيْ: ذِرَاعًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ.، أَيْ: فِي عَرْضِ سَبْعِينَ يَعْنِي طُولُهُ وَعَرْضُهُ كَذَلِكَ، قِيلَ: لِأَنَّهُ غَالِبُ أَعْمَارِ أُمَّتِهِ ﵊، فَيَفْسَحُ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ سَنَةٍ عَبَدَ اللَّهَ فِيهَا ذِرَاعًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَثْرَةُ، وَلِذَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ) ، أَيْ: يُجْعَلُ النُّورُ لَهُ فِي قَبْرِهِ الَّذِي وُسِّعَ عَلَيْهِ (ثُمَّ يُقَالُ لَهُ نَمْ) أَمْرٌ مِنْ نَامَ يَنَامُ (" فَيَقُولُ ") ، أَيِ: الْمَيِّتُ لِعَظِيمِ مَا رَأَى مِنَ السُّرُورِ (" أَرْجِعُ ") ، أَيْ: أُرِيدُ الرُّجُوعَ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُقَدَّرٌ (إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ) ، أَيْ: بِأَنَّ حَالِي طَيِّبٌ وَلَا حَزَنَ لِي لِيَفْرَحُوا بِذَلِكَ قَالَ: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦] فَيَقُولَانِ: أَيْ لَهُ مُعْرِضِينَ عَنِ الْجَوَابِ لِاسْتِحَالَتِهِ كَذَا قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ،

стр. 319

وَأَقُولُ: قَوْلُهُ (نَمْ) : مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ وَمُغْنٍ عَنِ الْإِطْنَابِ (كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ) : هُوَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي أَوَّلِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَقَدْ يُقَالُ لِلذَّكَرِ الْعَرِيسُ (الَّذِي لَا يُوقِظُهُ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ الْعَرُوسِ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ نَوْمُهُ بِنَوْمَةِ الْعَرُوسِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي طَيِّبِ الْعَيْشِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ فِي تَمَامِ طَيِّبِ الْعَيْشِ (إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ) . قَالَ الْمُظْهِرُ: عِبَارَةٌ عَنْ عِزَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ يَأْتِيهِ غَدَاةَ لَيْلَةِ زِفَافِهِ مَنْ هُوَ أَحَبُّ وَأَعْطَفُ فَيُوقِظُهُ عَلَى الرِّفْقِ وَاللُّطْفِ (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ) : هَذَا لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْمَلَكَيْنِ، بَلْ مِنْ كَلَامِهِ ﵊ إِعْلَامًا لِأُمَّتِهِ بِأَنَّ هَذَا النَّعِيمَ يَدُومُ لَهُ مَا دَامَ فِي قَبْرِهِ، وَحَتَّى مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ يَنَامُ طَيِّبَ الْعَيْشِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ (مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ مَوْضِعُ الضَّجْعِ وَهُوَ النَّوْمُ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَتَّى بِنَمْ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ إِشَارَةٌ إِلَى غَيْبَتِهِ عَنْهُمَا بِانْصِرَافِهِ عَنْهُمَا (وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (سَمِعْتُ النَّاسَ) ، أَيِ: الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْكُفَّارَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ (يَقُولُونَ قَوْلًا) : هُوَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (فَقُلْتُ مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ (وَلَا أَدْرِي) ، أَيْ: أَنَّهُ نَبِيٌّ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْ لَا، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ أَيْ مَا شَعَرْتُ غَيْرَ ذَلِكَ الْقَوْلِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ أَوْ صِفَةٌ لِمِثْلِهِ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ (فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ) ، أَيْ: بِالْوَحْيِ أَوْ بِرُؤْيَتِنَا فِي وَجْهِكَ أَثَرَ الشَّقَاوَةِ وَظُلْمَةَ الْكُفْرِ (أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ) ، أَيِ: الْقَوْلَ (فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ) ، أَيْ: لِلْقَبْرِ مِنْ قِبَلِهِمَا أَوْ مِنْ قِبَلِ مَلَكٍ آخَرَ (الْتَئِمِي) : أَيِ انْضَمِّي وَاجْتَمِعِي (عَلَيْهِ) ضَاغِطَةً لَهُ يَعْنِي ضَيِّقِي عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى حَقِيقَةِ الْخِطَابِ لَا أَنَّهُ تَخْيِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ وَعَصْرِهِ (فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ) ، أَيْ: يَجْتَمِعُ أَجْزَاؤُهَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَرَّبَ كُلُّ جَانِبٍ مِنْ قَبْرِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَضُمُّهُ وَيَعْصِرُهُ (فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ ضِلَعٍ وَهُوَ عَظْمُ الْجَنْبِ، أَيْ: تَزُولُ عَنِ الْهَيْئَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ شِدَّةِ الْتِئَامِهَا عَلَيْهِ وَشِدَّةِ الضَّغْطَةِ وَانْعِصَارِ أَعْضَائِهِ وَتَجَاوُزِ جَنْبَيْهِ مِنْ كُلِّ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ آخَرَ (فَلَا يَزَالُ فِيهَا) ، أَيْ: فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ فِي تُرْبَتِهِ ( «مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ» ) . وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ لِانْقِطَاعِ الْحِكَايَةِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

стр. 320

١٣١ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ: لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهٌ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الْآيَةَ. قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُفْتَحُ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَذَكَرَ مَوْتَهُ، قَالَ: وَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنَّ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا. قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّدُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ، مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ١٣١ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِالْقَصْرِ نَقَلَهُ الْكِرْمَانِيُّ (بْنِ عَازِبٍ) : ﵄ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَأْتِيهِ مَلَكَانِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبَرَاءُ كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّ أَلْفَاظَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْبَرَاءِ: يَأْتِيهِ، أَيِ: الْمُؤْمِنُ مَلَكَانِ (فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتُسَكَّنُ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَعْجَمِيًّا صَارَ عَرَبِيًّا (فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ) ، أَيِ: الَّذِي اخْتَرْتَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَدْيَانِ (فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ) ، أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟) ، أَيْ: مَا وَصْفُهُ لِأَنَّ (مَا) يُسْأَلُ بِهِ عَنِ الْوَصْفِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ، أَيْ: مَا وَصْفُهُ أَرَسُولٌ هُوَ، أَوْ مَا اعْتِقَادُكَ فِيهِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مَا) : بِمَعْنَى (مَنْ) لِيُوَافِقَ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: مَنْ نَبِيُّكَ (فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ) . وَفِي نُسْخَةٍ ﷺ (فَيَقُولَانِ لَهُ) ، أَيْ: لِلْمَيِّتِ (وَمَا يُدْرِيكَ؟) ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَعْلَمَكَ وَأَخْبَرَكَ بِمَا تَقُولُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّسَالَةِ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا وَصَلَ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ هُنَا لِاتِّصَالِهِ بِمَا قَبْلَهُ بِخِلَافِ مَا دِينُكَ وَمَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ (فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ) ، أَيِ: الْقُرْآنَ (فَآمَنْتُ بِهِ) ، أَيْ: بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ آمَنْتُ بِالنَّبِيِّ أَنَّهُ حَقٌّ (وَصَدَّقْتُ) ، أَيْ: صَدَّقْتُهُ بِمَا قَالَ، أَوْ صَدَّقْتُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُ فِيهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وَ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٦٢] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ رَبِّي وَرَبَّ الْمَخْلُوقَاتِ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَيْضًا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ - وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ١٩ - ٨٥] فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا دِينَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ غَيْرُ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ أَيْضًا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وَغَيْرُ ذَلِكَ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ وَرَأَيْتُ فِيهِ الْفَصَاحَةَ وَالْبَلَاغَةَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مُعْجِزٌ فَآمَنْتُ بِهِ أَوْ تَفَكَّرْتُ فِيمَا فِيهِ مِنَ الْبَعْثِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ، وَمِنْ ذِكْرِ الْغُيُوبِ وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمَعَ مِنْ أَحَدٍ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ (فَذَلِكَ) ، أَيْ: وَصَدَاقُ هَذَا قَوْلُهُ، أَيْ: جَرَيَانُ لِسَانِهِ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ هُوَ التَّثْبِيتُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الْآيَةَ قَالَ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَيُنَادِي مُنَادٍ) ، أَيْ: لِلْمَلَكَيْنِ (مِنَ السَّمَاءِ) ، أَيْ: مِنْ جِهَتِهَا (أَنْ صَدَقَ عَبْدِي) : أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِلنِّدَاءِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَجْرُورًا بِتَقْدِيرِ اللَّامِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ مَعْنًى إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ (فَأَفْرِشُوهُ) : وَالْمَعْنَى صَدَقَ عَبْدِي فِيمَا يَقُولُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْإِكْرَامِ، وَلِذَا سَمَّاهُ عَبْدًا وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا فَأَفْرِشُوهُ بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ (مِنَ الْجَنَّةِ) : وَالْفَاءُ فِيهِ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِذَا صَدَقَ عَبْدِي فَاجْعَلُوا لَهُ فَرْشًا مِنْ فَرْشِ الْجَنَّةِ، فَيَكُونُ أَفْرَشَ بِمَعْنَى فَرَشَ كَذَا قِيلَ.
следующие страницы →