Полный текст (8 767 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
٣٦٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ( «أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ، أَخَذَ غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ، فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٣٦٦ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) : يُكَنَّى أَبَا أُسَامَةَ، وَأُمُّهُ سَعْدَاءُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي مَعْنٍ خَرَجَتْ بِهِ أُمُّهُ تَزُورُ قَوْمَهَا فَأَغَارَتْ خَيْلٌ لِبَنِي الْقَيْنِ بْنِ الْحُرَّةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَرُّوا عَلَى أَبْيَاتٍ مِنْ بَنِي مَعْنٍ رَهْطِ أُمِّ زَيْدٍ، فَاحْتَمَلُوا زَيْدًا وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ يُقَالُ: لَهُ ثَمَانُ سِنِينَ، فَوَافَوْا بِهِ سُوقَ عُكَاظٍ، فَعُرِضَ لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَبَتْهُ لَهُ فَقَبَضَهُ، ثُمَّ إِنَّ خَبَرَهُ اتَّصَلَ بِأَهْلِهِ، فَحَضَرَ أَبُوهُ حَارِثَةُ وَعَمُّهُ كَعْبٌ فِي فِدَائِهِ فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَالْمُقَامِ عِنْدَهُ، وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ فَاخْتَارَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يَرَى مِنْ بِرِّهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ فَحِينَئِذٍ «خَرَجَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْحِجْرِ فَقَالَ: يَا مَنْ حَضَرَ اشْهَدُوا أَنَّ زَيْدًا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ» ) فَصَارَ يُدْعَى زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَنَزَلَ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] فَقِيلَ لَهُ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الذُّكُورِ فِي قَوْلٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْبَرَ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَقِيلَ بِعِشْرِينَ سَنَةً وَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أَيْمَنَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] رَوَى عَنْهُ أُسَامَةُ وَغَيْرُهُ، وَقُتِلَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْجَيْشِ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ) : تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ ( «أَتَاهُ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» ) : فَنُزُولُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ آخِرًا كَانَ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ وَتَأْيِيدًا لِلْأَمْرِ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ) : هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّضْحَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ غَسْلُ الْفَرْجِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَخَذَ غُرْفَةً) : بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ (مِنَ الْمَاءِ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ) : حَقِيقَةً أَوْ حِذَاءَهُ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَلَعَلَّهُ لِتَعْلِيمِ الْأُمَّةِ مَا يَدْفَعُ الْوَسْوَسَةَ أَوْ لِقَطْعِ الْبَوْلِ فَإِنَّ النَّضْحَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ يَرْدَعُ الْبَوْلَ فَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّضْحَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ يَسْتَنْجِي بِغَيْرِ الْمَاءِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّرَقُطْنِيُّ) وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 667
٣٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ! إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَضِحْ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - يَقُولُ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ الرَّاوِي مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
ــ
٣٦٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ!) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ النِّدَاءِ بِاسْمِهِ مَخْصُوصٌ بِالْإِنْسَانِ (إِذَا تَوَضَّأْتَ) أَيْ فَرَغْتَ مِنَ الْوُضُوءِ (فَانْتَضِحْ) أَيْ فَرُشَّ الْمَاءَ عَلَى الْفَرْجِ أَوِ السِّرْوَالِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: تَفَرَّدَ بِهِ رَاوِيهِ (وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ يَقُولُ) أَيْ مُحَمَّدٌ (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ الرَّاوِي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ (مُنْكَرُ الْحَدِيثِ) : الْمُنْكَرُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ مَنْ لَيْسَ ثِقَةً وَلَا ضَابِطًا هُوَ الصَّوَابُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ السَّابِقَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
стр. 668
٣٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عُمَرُ!) فَقَالَ: مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ. قَالَ: (مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٦٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ» ) : قِيَامًا بِوَظِيفَةِ الْخِدْمَةِ، فَإِنَّ مَنْ خَدَمَ خُدِمَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَبَّ عَلَى يَدِ عُمَرَ الْوُضُوءَ (فَقَالَ: مَا هَذَا) أَيِ: الْكُوزُ (يَا عُمَرُ؟) فَقَالَ: مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ) أَيْ تَتَطَهَّرُ بِهِ لِيَشْمَلَ الِاسْتِنْجَاءَ قَالَ: (مَا أُمِرْتُ) أَيْ وُجُوبًا (كُلَّمَا بُلْتُ) : بِضَمِّ الْبَاءِ (أَنْ أَتَوَضَّأَ) أَيْ بِأَنْ أَتَطَهَّرَ (وَلَوْ فَعَلْتُ) أَيْ: كُلَّ مَرَّةٍ (لَكَانَتْ) أَيِ: الْفِعْلَةُ، وَفِي نُسْخَةٍ: لَكَانَ أَيِ الْفِعْلُ (سُنَّةً) : أَيْ مُؤَكَّدَةً وَإِلَّا فَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَدَوَامُ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﵊ مَا فَعَلَ أَمْرًا وَلَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَنَّ سُنَّتَهُ أَيْضًا مَأْمُورٌ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا وَإِنْ كَانَ يَتْرُكُ مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ تَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّةِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْيُسْرِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 669
٣٦٩ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ ﵄، «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطَّهُورِ فَمَا طَهُورُكُمْ؟ قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٦٩ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسٍ) : ﵃ (أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ) أَيِ الْآتِيَةَ أُطْلِقَتْ عَلَى بَعْضِهَا لِمَا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة: ١٠٨] ضَمِيرُ فِيهِ لِمَسْجِدِ قُبَاءَ أَوْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الْآيَةِ ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] وَالتَّطَهُّرُ الْمُبَالَغَةُ فِي الطَّهَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ التَّثْلِيثُ قَالَهُ. الطِّيبِيُّ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] أَصْلُهُ الْمُتَطَهِّرِينَ أُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً، وَأُدْغِمَتْ أَيْ يَرْضَى عَنْهُمْ وَيَرْفَعُ مَأْوَاهُمْ، أَوْ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُحِبِّ مَعَ مَحْبُوبِهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطَّهُورِ» ) : بِالضَّمِّ أَوِ الْفَتْحِ أَيْ: بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ، أَوْ فِي فِعْلِهِ وَجُعِلَ ظَرْفًا لِلثَّنَاءِ مُبَالَغَةً «فَمَا طَهُورُكُمْ؟) قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، قَالَ» ) أَيْ ﷺ (فَهُوَ ذَاكَ) أَيْ ثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ إِثْرَ تَطَهُّرِكُمُ الْبَالِغِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُهُ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: فَثَنَاءُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا هُوَ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ حَاصِلُ الْمَعْنَى لِأَجْلِ اللَّفْظِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَعَلَيْكُمُوهُ) أَيِ: الْزَمُوا كَمَالَ الطَّهَارَةِ مَا اسْتَطَعْتُمْ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى الِاسْتِنْجَاءِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ وَمَخْصُوصٍ بِهِمْ، وَإِلَّا فَالْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَفْعَلُونَهُمَا أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْتَفُونَ بِالْمَاءِ عَنِ الْأَحْجَارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ وَكَانَ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ الْعُظْمَى حِرْصُهُمْ عَلَى تَكْمِيلِ الْأَوَّلِينَ وَمُلَازَمَةِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَحْجَارِ اهـ.
وَفَى إِثْبَاتِ تَكْمِيلِ الْأَوَّلِينَ لَهُمْ دُونَ الْمُهَاجِرِينَ تَوَقُّفٌ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ صَحِيحٍ وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ» ، وَفِي الدُّرِّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُوَيْمِرِ بْنِ سَاعِدَةَ فَقَالَ: (مَا هَذَا الطَّهُورُ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ؟ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ مِنَ الْغَائِطِ إِلَّا غَسَلَ فَرْجَهُ أَوْ قَالَ: مَقْعَدَهُ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (هُوَ هَذَا» وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطَّهُورِ فَمَا طَهُورُكُمْ هَذَا؟) قَالُوا: نَتَوَضَّأُ
стр. 670
لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ قَالَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ) قَالُوا: لَا، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَنَا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ قَالَ: (هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» ) فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . أَيْ وَغَيْرُ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، لَكِنَّ ابْنَ مَاجَهْ اقْتَصَرَ فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ اقْتِصَارًا مُخِلًّا لِلْمَقْصُودِ فَتَدَبَّرْ.
стр. 671
٣٧٠ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: «قَالَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَسْتَهْزِئُ: إِنِّي لَأَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخَرَاءَةَ. قُلْتُ: (أَجَلْ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَلَا نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا وَلَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ وَلَا عَظْمٌ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ.
ــ
٣٧٠ - (وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ) : أَيْ سَلْمَانُ (قَالَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَسْتَهْزِئُ) : أَيْ بِسَلْمَانَ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (إِنِّي لَأَرَى صَاحِبَكُمْ) : يَعْنِي النَّبِيَّ (يُعَلِّمُكُمْ) : أَيْ كُلَّ شَيْءٍ (حَتَّى الْخَرَاةَ) : أَيْ: أَدَبَهَا وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَقْصُورًا عَلَى الْأَكْثَرِ وَقِيلَ مَمْدُودًا، وَقِيلَ بِالْمَدِّ مَعَ كَسْرِ الْخَاءِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْخَرَاءَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ اسْمٌ لِهَيْئَةِ الْحَدَثِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْحَدَثِ فَبِحَذْفِ التَّاءِ وَبِالْمَدِّ مَعَ فَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْخِرَاءَةُ، مَكْسُورَةُ الْخَاءِ مَمْدُودَةٌ التَّخَلِّي وَالْقُعُودُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَفْتَحُونَ الْخَاءَ وَيَقْصُرُونَ الرَّاءَ كَذَا فِي الطِّيبِيِّ نَقْلًا عَنِ الْخَطَّابِيِّ ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ (قُلْتُ: أَجَلْ!) أَيْ: نَعَمْ (أَمَرَنَا) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ فِي آدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (أَنْ لَا نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) أَيْ تَعْظِيمًا لِلْكَعْبَةِ لِكَوْنِهَا قِبْلَةً لَنَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ وَلَا نَسْتَدْبِرُهَا كَمَا مَرَّ وَلَعَلَّهُ آثَرَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِهِ أَكْمَلُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ أَفْحَشُ مِنَ الِاسْتِدْبَارِ اهـ.
وَتَقَدَّمَ مَا فِي كَلَامِهِ: وَيُمْكِنُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِقْبَالِ وَقَعَ أَوَّلًا، عَنِ الِاسْتِدْبَارِ أَيْضًا أَوْ خَصَّهُ لِكَوْنِ الِامْتِنَاعِ عَنِ الِاسْتِقْبَالِ أَدَلَّ عَلَى تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْمُضْطَرَّ إِلَى أَحَدِهِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الِاسْتِدْبَارَ، وَلَوْلَا مَخَافَةُ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ لَقُلْتُ: يَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِي الْبُنْيَانِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ فِيهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي شَرْحِ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ، عِنْدَ قَوْلِ الْمَاتِنِ: وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، فَإِنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِالْفَرْجِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَحَالَ الِاسْتِنْجَاءِ مَكْرُوهٌ، وَكَذَا الِاسْتِدْبَارُ فِي رِوَايَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ لِأَنَّ فَرْجَ الْمُسْتَدْبِرِ لَا يَكُونُ مُوَازِيًا لِلْقِبْلَةِ بِخِلَافِ الْمُسْتَقْبِلِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ الِاسْتِدْبَارِ إِذَا كَانَ ذَيْلُهُ سَاقِطًا لَا مَرْفُوعًا. كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَهْيِ الِاسْتِدْبَارِ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلْقِبْلَةِ، وَأَمَّا إِذَا غَفَلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. ( «وَلَا نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا» ) : أَيْ: تَكْرِيمًا لَهَا لِأَنَّهَا آلَةٌ لِأَكْلِنَا ( «وَلَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» ) : تَنْظِيفًا بَلِيغًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَذْهَبِنَا أَنَّهَا تَجِبُ وَإِنْ أَنْقَى بِدُونِهَا. قُلْتُ: التَّصْرِيحُ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَفِي الظُّهُورِ مَحَلُّ بَحْثٍ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ إِذِ الْإِنْقَاءُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الثَّلَاثِ غَالِبًا، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ: ( «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» (لَيْسَ فِيهَا) أَيِ الْأَحْجَارُ (رَجِيعٌ) أَيْ رَوْثٌ لِنَجَاسَتِهِ (وَلَا عَظْمٌ) : لِمَلَاسَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِمَا زَادَ الْجِنِّ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأَحْجَارِ مُزِيلَةٌ لِتَوَهُّمِ أَنَّهَا مَجَازٌ، أَوْ وَارِدَةٌ عَلَى التَّغْلِيبِ وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ وَأَمَرَنَا بِالثَّلَاثَةِ الْأَحْجَارِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْنَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا رَجِيعٌ يُوهِمُ أَنَّ الْجُمْلَةَ مُصَدَّرَةٌ بِالْوَاوِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَفِيهِ اسْتِقْصَاءٌ لِلْإِرْشَادِ وَمُبَالَغَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جَوَابُ سَلْمَانَ مِنْ بَابِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَمَّا اسْتَهْزَأَ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُهَدِّدَ أَوْ يَسْكُتَ عَنْ جَوَابِهِ، لَكِنَّهُ ﵁ مَا الْتَفَتَ إِلَى مَا قَالَ وَمَا فَعَلَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ، وَأَخْرَجَ الْجَوَابَ مَخْرَجَ الْمُرْشِدِ الَّذِي يُلَقِّنُ السَّائِلَ الْمُجِدَّ يَعْنِي: لَيْسَ هَذَا مَكَانُ الِاسْتِهْزَاءِ بَلْ هُوَ جَدٌّ وَحَقٌّ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تَتْرُكَ الْعِنَادَ وَتَلْزَمَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ وَالْمَنْهَجَ الْقَوِيمَ بِتَطْهِيرِ بَاطِنِكَ وَظَاهِرِكَ مِنَ الْأَرْجَاسِ وَالْأَنْجَاسِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ) أَيْ لِأَحْمَدَ.
стр. 672
٣٧١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ حَسَنَةَ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ الدَّرَقَةُ فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ، فَبَالَ إِلَيْهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (وَيْحَكَ! أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ فَنَهَاهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ
ــ
٣٧١ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ. كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (ابْنُ حَسَنَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ نُونٌ هِيَ أُمُّهُ، وَأَمَّا اسْمُ أَبِيهِ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُطَاعِ، رَوَى عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ وَهْبٍ (قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ الدَّرَقَةُ» ) : بِالْفَتَحَاتِ التُّرْسُ مِنْ جُلُودٍ لَيْسَ فِيهِ خَشَبٌ وَلَا عَصَبٌ (فَوَضَعَهَا) : أَيْ: جَعَلَهَا حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ (ثُمَّ جَلَسَ) : أَيْ: لِلْبَوْلِ (فَبَالَ) : أَيْ: مُسْتَقْبِلًا (إِلَيْهَا) : أَيِ الدَّرَقَةِ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) : أَيْ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ أَوْ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ (انْظُرُوا إِلَيْهِ) : أَيْ: نَظَرَ تَعَجُّبٍ (يَبُولُ) : وَهُوَ رَجُلٌ (كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ) : أَيْ فِي التَّسَتُّرِ أَوْ فِي الْقُعُودِ أَوْ فِيهِمَا قَالَهُ السُّيُوطِيُّ (فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: وَيْحَكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ النِّهَايَةِ: وَيْحُ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ تَرْحَمُ وَتَرْفُقُ بِهِ اهـ. فَوَضَعَ وَيْحَكَ مَوْضِعَ وَيْلَكَ إِيمَاءً إِلَى كَمَالِ رَأْفَتِهِ، وَإِشَارَةً إِلَى إِرَادَةِ أُلْفَتِهِ، فَإِنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَحَرِيصٌ عَلَى هِدَايَةِ الْكَافِرِينَ. (أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ) : مَا الْأُولَى نَافِيَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ لِلْإِنْكَارِ، وَالثَّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ (صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَيْ: مِنَ الْعَذَابِ لِنَهْيِهِ عَنِ الْمَعْرُوفِ، وَصَاحِبَ مَنْصُوبٌ، وَقِيلَ: مَرْفُوعٌ قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ: بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ (كَانُوا) أَيْ: بَنُو إِسْرَائِيلَ (إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ) : أَيْ: قَطَعُوهُ (بِالْمَقَارِيضِ) : جَمْعُ الْمِقْرَاضِ وَهُوَ آلَةُ الْقَطْعِ (فَنَهَاهُمْ) : أَيْ: صَاحِبُهُمْ عَنِ الْقَطْعِ (فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: بِهِ نَهَى هَذَا الْمُنَافِقُ عَنِ الْأَمْرِ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ بِنَهْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ تَوْبِيخُهُ وَتَهْدِيدُهُ، وَأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، فَلَمَّا عَيَّرَهُ بِالْحَيَاءِ وَفِعْلِ النِّسَاءِ وَبَخَّهُ بِالْوَقَاحَةِ، وَأَنَّهُ يُنْكِرُ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ رِجَالِ اللَّهِ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) . أَيْ: عَنْهُ مُرْسَلًا، وَمُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْكُلِّ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 673
٣٧٢ - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِي مُوسَى.
ــ
٣٧٢ - (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ) : أَيْ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (عَنْ أَبِي مُوسَى) . فَيَكُونُ رِوَايَةَ الصَّحَابِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ.
стр. 674
٣٧٣ - وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلْ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ. فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ، فَلَا بَأْسَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٣ - (وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ) : بِالْفَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ، بِالْغَيْنِ، وَهُوَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، كَذَا بِخَطِّ السَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ فِي حَاشِيَةِ الْمِشْكَاةِ، وَأَسْقَطَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ مِنْ أَسْمَاءِ رِجَالِهِ (قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا» ) أَيْ: إِلَى الرَّاحِلَةِ (فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ (أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ؟) : أَيِ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (قَالَ: بَلْ) : لِلْإِضْرَابِ أَيْ: لَا مُطْلَقًا ( «إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ» ) : أَيِ: الصَّحْرَاءِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَلْحَقْنَا بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ الْبِنَاءُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ إِلَّا الْبِنَاءُ الْمُعَدُّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ( «فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ، فَلَا بَأْسَ» ) : تَقَدَّمَ هَذَا الْبَحْثُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا) . وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا حُجَّةً لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊، وَقَدِ احْتَمَلَ احْتِمَالَاتٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَمَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ.
стр. 675
٣٧٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ» ) : أَيِ: الْمَطْهَرِ ( «قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى» " أَيِ الْمُؤْذِي " «وَعَافَانِي» ": أَيْ: مِنَ احْتِبَاسِهِ أَوْ مِنْ نُزُولِ الْأَمْعَاءِ مَعَهُ كَذَا قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي مَا يُؤْذِينِي وَأَبْقَى عَلَيَّ مَا يَنْفَعُنِي» " فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا يَخْطُرَانِ بِبَالِ الْآكِلِينَ غَالِبًا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَذَا النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 676
٣٧٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا. فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٥ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولِ اللَّهِ ( ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْهَ) : بِسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْهَاءِ أَمْرٌ مِنْ نَهَى يَنْهَى (أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا) : مِنَ الِاسْتِنْجَاءِ (بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ) : تَقَدَّمَ وَجْهُهُمَا (أَوْ حُمَمَةٍ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: فَحْمٌ يَصِيرُ نَارًا. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْحُمَمُ: الْفَحْمُ وَمَا احْتَرَقَ مِنَ الْخَشَبِ أَوِ الْعِظَامِ وَنَحْوِهِمَا، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَنَّهُ جُعِلَ رِزْقًا لِلْجِنِّ فَلَا يَجُوزُ إِفْسَادُهُ كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُهُ: رِزْقًا لِلْجِنِّ أَيِ انْتِفَاعًا لَهُمْ بِالطَّبْخِ وَالدِّفَاءِ وَالْإِضَاءَةِ (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَنَا) : أَيْ: وَلِدَوَابِّنَا (فِيهَا رِزْقًا. فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 677
[بَابُ السِّوَاكِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ، وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٣] بَابُ السِّوَاكِ
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: السِّوَاكُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ، وَعَلَى الْعُودِ الَّذِي يُسْتَاكُ بِهِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: السِّوَاكُ بِالْكَسْرِ وَالْمِسْوَاكُ مَا يُدَلَّكُ بِهِ الْأَسْنَانُ مِنَ الْعِيدَانِ يُقَالُ: سَاكَ فَاهُ يُسَوِّكُهُ إِذَا دَلَّكَهُ بِالسِّوَاكِ فَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ الْفَمُ يُقَالُ اسْتَاكَ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السِّوَاكُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلِاسْتِيَاكِ، وَلِلْعُودِ الَّذِي يُسْتَاكُ بِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوِ الثَّانِي، وَالْمُرَادُ وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَفِي إِفْرَادِ هَذَا الْبَابِ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْوُضُوءِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَإِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ السِّوَاكِ عَلَى الْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ قُبَيْلَ الْمَضْمَضَةِ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ مِنَ الْأَشْجَارِ الْمُرَّةِ فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ وَطُولِ الشِّبْرِ، وَأَنْ يَكُونَ الِاسْتِيَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَاكَ طُولًا وَعَرْضًا فَإِنِ اقْتُصِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَعَرْضًا وَأَنْ يَكُونَ حَالَ الْمَضْمَضَةِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقِيلَ: قَبْلَ الْوُضُوءِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِوَاكٌ أَوْ كَانَ مَقْلُوعَ الْأَسْنَانِ اسْتَاكَ بِأُصْبُعِ يَمِينِهِ لِمَا فِي الْمُحِيطِ. قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " التَّشْوِيصُ بِالْمِسْبَحَةِ وَالْإِبْهَامِ سِوَاكٌ " وَلِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الْأَصَابِعُ» وَتُكُلِّمَ فِيهِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ يَذْهَبُ فُوهُ يَسْتَاكُ؟ قَالَ: " نَعَمْ " قُلْتُ: كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: " يُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِي فِيهِ» " قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَاكَ بِعُودٍ مِنْ أَرَاكٍ، وَبِمَا يُزِيلُ التَّغَيُّرَ مِنَ الْخِرْقَةِ الْخَشِنَةِ وَالْأُصْبُعِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَيِّنَةً وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ فَمِهِ عَرْضًا وَلَا يَسْتَاكُ طُولًا لِئَلَّا يُدْمِيَ لَحْمَ أَسْنَانِهِ، فَإِنْ خَالَفَ صَحَّ مَعَ كَرَاهَةٍ. قِيلَ: عَرْضًا حَالٌ مِنَ الْفَمِ كَذَا فِي شَرْحِ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي: يُقَالُ: شَقَّ عَلَيْهِ أَيْ ثَقُلَ أَوْ حَمَّلَهُ مِنَ الْأَمْرِ الشَّدِيدِ مَا يَشُقُّ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى: لَوْلَا خَشْيَةُ وُقُوعِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ " لَأَمَرْتُهُمْ ": أَيْ: وُجُوبًا " بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ ": أَيْ: لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ تَأْخِيرَهُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ، فَإِنَّ هَذَا التَّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَوْ بِالسِّوَاكِ ": أَيْ: بِفَرْضِيَّتِهِ " عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ: أَيْ: وُضُوئِهَا لِمَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» " وَلِخَبَرِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ
стр. 678
طَهُورٍ» " فَتَبَيَّنَ مَوْضِعُ السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَالشَّافِعِيَّةُ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِالسِّوَاكِ فِي ابْتِدَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ الْوُضُوءِ وَالطَّهُورِ بَيَانٌ لِلْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ اسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ فِيهَا، أَمَّا أَصْلُ اسْتِحْبَابِهِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ، بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ كَتَغَيُّرِ الْفَمِ بِالْأَكْلِ أَوْ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ عُلَمَاؤُنَا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ جِرَاحَةِ اللِّثَةِ وَخُرُوجِ الدَّمِ وَهُوَ نَاقِضٌ عِنْدَنَا، فَرُبَّمَا يُفْضِي إِلَى جُرْحٍ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ ﵊ اسْتَاكَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ ﵊: «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» " عَلَى كُلِّ وُضُوءٍ " بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ: «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ» ، " أَوِ التَّقْدِيرُ: لَوْلَا وُجُودُ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ لَأَمَرْتُهُمْ بِهِ، لَكِنِّي لَمْ آمُرْ بِهِ لِأَجْلِ وُجُودِهَا كَمَا قِيلَ مِثْلُ هَذَا فِي الْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ فَيَكُونُ الْقَرِينَتَانِ عَلَى طَبَقٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ إِنَّهُ عُرِفَ سُنِّيَّةُ السِّوَاكِ لِلْوُضُوءِ وَاسْتِحْبَابُ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى، وَهَذَا الْوَجْهُ بِالْقَبُولِ أَحْرَى، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الصُّوفِيَّةِ فِي نَصَائِحِهِ الْعِبَادِيَّةِ: وَمِنْهَا مُدَاوَمَةُ السِّوَاكِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الصَّلَاةِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ» " وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ، وَحَقِيقَتُهُمَا فِيمَا اتَّصَلَ حِسًّا أَوْ عُرْفًا، وَكَذَا حَقِيقَةُ كَلِمَةِ مَعَ وَعِنْدَ، وَالنُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا إِذْ أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَهُنَا فَلَا مَسَاغَ إِذًا عَلَى الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ، أَوْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ، كَيْفَ وَقَدْ ذُكِرَ السِّوَاكُ عِنْدَ نَفْسِ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفُرُوعِ الْمُعْتَبَرَةِ. قَالَ فِي التَّتَارَخَانِيَّةِ نَقْلًا عَنِ التَّتِمَّةِ: وَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ عِنْدَنَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَوُضُوءٍ، وَكُلِّ شَيْءٍ يُغَيِّرُ الْفَمَ، وَعِنْدَ الْيَقَظَةِ اهـ.
وَقَالَ الْفَاضِلُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهَمَّامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَيُسْتَحَبُّ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: اصْفِرَارِ السِّنِّ، وَتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ، وَالْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ، وَالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ مِنْ تَصْرِيحِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الصَّلَاةِ مُعَلًّا بِأَنَّهُ قَدْ يُخْرِجُ الدَّمَ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ، نَعَمْ مَنْ يَخَافُ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعْمِلْ بِالرِّفْقِ عَلَى نَفْسِ الْأَسْنَانِ وَاللِّسَانِ دُونَ اللِّثَةِ، وَذَلِكَ لَا يَخْفَى. قَالَ الْقَاضِي: لَوْلَا تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوْ وَلَا، وَلَوْ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ، فَتَدُلُّ هُنَا مَثَلًا عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِانْتِفَاءِ نَفْيِ الْمَشَقَّةِ وَانْتِفَاءِ النَّفْيِ بِثُبُوتِ النَّفْيِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ مُنْتَفِيًا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ لِانْتِفَاءِ الْأَمْرِ مَعَ ثُبُوتِ النَّدْبِيَّةِ، وَأَيْضًا جُعِلَ الْأَمْرُ ثَقِيلًا وَشَاقًّا عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوُجُوبِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 679
٣٧٧ - وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٧ - (وَعَنْ شُرَيْحِ) : مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (ابْنِ هَانِئٍ) : بِالْهَمْزِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ أَبُو الْمِقْدَامِ الْحَارِثِيُّ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «وَكَنَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاهُ هَانِئَ بْنَ يَزِيدَ وَقَالَ أَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» ، وَشُرَيْحٌ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ابْنُهُ الْمِقْدَامُ اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي مَتْنِ مَنَارِ الْأُصُولِ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا التَّابِعِيُّ فَإِنْ ظَهَرَتْ فَتْوَاهُ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ كَشُرَيْحٍ كَانَ مِثْلَهُمْ عِنْدَ الْبَعْضِ اهـ. فَعَدَّ الْمُصَنِّفُ أَبَاهُ فِي الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُخَضْرَمِينَ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ. (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ) ؟ أَيْ: مِنَ الْأَفْعَالِ ( «كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ» ) : أَيْ: يَبْدَأُ بِهِ، وَفِي السِّوَاكِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا إِزَالَةُ التَّغَيُّرِ الْحَاصِلِ بِالسُّكُوتِ قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذِ الْغَالِبُ أَنَّهُ ﵊ لَا يَتَكَلَّمُ فِي الطَّرِيقِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى حُجْرَتِهِ رَيْبٌ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَافَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْفَوَائِدِ، فَإِنَّهُ قِيلَ فِيهِ سَبْعُونَ فَائِدَةً أَدْنَاهَا أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الْأَفْيُونِ سَبْعُونَ مَضِرَّةً أَقَلُّهَا نِسْيَانُ الشَّهَادَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: فَيَتَأَكَّدُ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ أَزْيَدُ فِي طِيبِ فَمِهِ، وَأَدْعَى لِمُعَاشَرَةِ أَهْلِهِ، وَأَذْهَبُ بِمَا عَسَاهُ حَدَثَ بِفَمِهِ مِنْ تَغَيُّرٍ كَرِيهٍ، سِيَّمَا إِذَا طَالَ سُكُوتُهُ، وَهَذَا أَوْلَى
стр. 680
مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّمَا فَعَلَ ﵊ ذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فِي طَرِيقٍ، وَالْفَمُ يَتَغَيَّرُ بِالسُّكُوتِ فَيَسْتَاكُ لِيُزِيلَهُ وَهُوَ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ، فَمَنْ سَكَتَ ثُمَّ أَرَادَ التَّكَلُّمَ مَعَ صَاحِبِهِ يَسْتَاكُ لِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَةِ فَمِهِ اهـ.
وَمِمَّا يَرُدُّ ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَنَا جَعَلُوا التَّأْكِيدَ لِلدَّاخِلِ الْمَنْزِلَ غَيْرَ التَّأْكِيدِ لِلسُّكُوتِ فَجَعَلُوهُمَا سَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَوَّلِ غَيْرُ السُّكُوتِ وَهُوَ مَا قَدَّمْتُهُ فَتَأَمَّلْهُ. قُلْتُ: وَكَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِهِ. قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: الْحَقُّ أَنَّ السِّوَاكَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُضُوءِ أَيْ: لَا مِنْ سُنَنِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ، وَيُسْتَحَبُّ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: اصْفِرَارِ السِّنِّ، وَتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ، وَالْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ، وَالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ يُفِيدُ غَيْرَهَا. وَمِنْهَا أَوَّلُ مَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مُحَافَظَتِهِ عَلَى السِّوَاكِ اسْتِيَاكُهُ السِّوَاكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 681
٣٧٨ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٨ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ» ) : مِنَ الْهُجُودِ وَهُوَ النَّوْمُ يُقَالُ: هَجَّدْتُهُ فَتَهَجَّدَ أَيْ: أَزَلْتُ هُجُودَهُ ; فَالتَّهَجُّدُ التَّيَقُّظُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ (مِنَ اللَّيْلِ) : تَبْعِيضِيَّةٌ مَفْعُولُ التَّهَجُّدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] أَيْ: عَلَيْكَ بَعْضُ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ( «يَشُوصُ» ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةً (فَاهُ) : أَيْ: يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ وَيُنَقِّيهَا (بِالسِّوَاكِ) : وَأَصْلُ الشَّوْصِ الْغَسْلُ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَسْتَاكَ مِنْ سُفْلٍ إِلَى عُلُوٍّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 682
٣٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ) - يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ - قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» ": أَيْ: عَشْرُ خِصَالٍ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أُمِرْنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ، فَكَأَنَّا فُطِرْنَا عَلَيْهَا كَذَا نُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي فُطِرَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ عَلَى التَّدَيُّنِ بِهَا، أَوْ فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا وَرُكِّبَ فِي عُقُولِهِمُ اسْتِحْسَانُهَا، وَهَذَا أَظْهَرُ أَوْ مِنْ تَوَابِعِ الدِّينِ، وَالْفِطْرَةُ الدِّينُ، وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: وَهَذَا أَوْجَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أَيْ: دِينُ اللَّهِ الَّذِي اخْتَارَهُ لِأَوَّلِ مَفْطُورٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَقِيلَ: أَيْ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أُمِرَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ - أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ٩٠ - ١٢٣] وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ " قَصُّ الشَّارِبِ ": قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُسَنُّ إِحْفَاؤُهُ حَتَّى تَبْدُوَ حُمْرَةُ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَلَا يُحْفِيهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَالْأَمْرُ بِإِحْفَائِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَخُرِّجَ بِقَصِّهِ حَلْقُهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ، وَقِيلَ سُنَّةٌ لِرِوَايَةٍ بِهِ حُمِلَتْ عَلَى الْإِحْفَاءِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ " وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ". قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ تَوْفِيرُهَا يُقَالُ: عَفَا النَّبْتُ إِذَا كَثُرَ وَأَعْفَوْتُهُ أَنَا وَأَعْفَيْتُهُ لُغَتَانِ، وَقَصُّ اللِّحْيَةِ مِنْ صُنْعِ الْأَعَاجِمِ وَهُوَ الْيَوْمَ شِعَارُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَالْإِفْرِنْجِ وَالْهُنُودِ، وَمَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الدِّينِ مِنَ الطَّائِفَةِ الْقَلَنْدَرِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ أَطْرَافِ اللِّحْيَةِ طُولِهَا أَوْ عَرْضِهَا لِلتَّنَاسُبِ فَحَسَنٌ، لَكِنَّ الْمُخْتَارَ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا إِذَا نَبَتَتِ اللِّحْيَةُ لِلْمَرْأَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا حَلْقُهَا " وَالسِّوَاكُ " قِيلَ: لَا يُسَنُّ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا خُشِيَ تَطَايُرُ شَيْءٍ مِنَ الرِّيقِ أَوْ نَحْوِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ السِّوَاكُ سُنَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَقَالَ دَاوُدُ: وَاجِبٌ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فَقَالَ: إِنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطُلَتْ صَلَاتُهُ " وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ ": وَهُوَ كَالْمَضْمَصَةِ الْآتِيَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ فَرْضَانِ فِي الْغُسْلِ عِنْدَنَا وَسُنَّتَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ بِوُجُوبِهِمَا " وَقَصُّ الْأَظْفَارِ ": أَيْ: تَقْلِيمُهَا وَتَحْصُلُ سُنِّيَّتُهَا بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ كَانَتْ، وَأَوْلَاهَا أَنْ يَبْدَأَ فِي الْيَدَيْنِ بِمِسْبَحَةِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْبِنْصَرِ ثُمَّ الْخِنْصَرِ ثُمَّ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ خِنْصَرِ الْيَدِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِنْصَرِهَا ثُمَّ وُسْطَاهَا ثُمَّ مِسْبَحَتِهَا ثُمَّ إِبْهَامِهَا وَفِي الرِّجْلَيْنِ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى " وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ " بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيِ الْعُقَدُ الَّتِي عَلَى ظَهْرِ مَفَاصِلِ الْأَصَابِعِ، وَالَّذِي فِي بَوَاطِنِهَا رَوَاجِبُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْبَرَاجِمُ مَفَاصِلُ الْأَصَابِعِ اللَّاتِي بَيْنَ الْأَسَاجِعِ، وَالرَّوَاجِبُ وَالرَّوَاجِي الْمَفَاصِلُ الَّتِي تَلِي الْأَنَامِلَ وَبَعْدَهَا الْبَرَاجِمُ وَبَعْدَهَا
стр. 683
الْأَسَاجِعُ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ غَسْلُ جَمِيعِ عُقَدِهَا مِنْ مَفَاصِلِهَا وَمَعَاطِفِهَا " وَنَتْفُ الْإِبِطِ " بِالسُّكُونِ وَيُكْسَرُ أَيْ: قَلْعُ شَعْرِهِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حَلْقَهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَقِيلَ: النَّتْفُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ " وَحَلْقُ الْعَانَةِ " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لَوْ أَزَالَ شَعْرَهَا بِغَيْرِ الْحَلْقِ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ، وَفِيهِ أَنَّ إِزَالَتَهُ قَدْ تَكُونُ بِالنَّوْرَةِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ اسْتَعْمَلَ النَّوْرَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ، نَعَمْ لَوْ أَزَالَهَا بِالْمِقَصِّ مَثَلًا لَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَلَا يُتْرَكُ حَلْقُ الْعَانَةِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا تُتْرَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَلَوْ لِلْمَرْأَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ الْإِطْلَاقُ، بَلْ حَدِيثُ: وَتَسْتَحِدَّ الْمَغِيبَةُ ظَاهِرٌ فِيهِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ كَثِيرُونَ بِالرَّجُلِ، وَقَالُوا الْأَوْلَى لِلْمَرْأَةِ النَّتْفُ لِأَنَّهُ أَنْظَفُ وَأَبْعَدُ لِنَفْرَةِ الْحَلِيلِ مِنْ بَقَايَا أَثَرِ الْحَلْقِ، وَلِأَنَّ شَهْوَةَ الْمَرْأَةِ أَضْعَافُ شَهْوَةِ الرَّجُلِ إِذْ جَاءَ أَنَّ لَهَا تِسْعًا وَتِسْعِينَ جُزْءًا مِنْهَا وَلِلرَّجُلِ جُزْءٌ وَاحِدٌ وَالنَّتْفُ يُضْعِفُهَا وَالْحَلْقُ يُقَوِّيهَا فَأُمِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا هُوَ الْأَنْسَبُ بِهِ " وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ ": بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ انْتِقَاصُ الْبَوْلِ بِالْمَاءِ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي غَسْلِ الْمَذَاكِيرِ وَقَطْعُهُ لِيَرْتَدَّ الْبَوْلُ بِرَدْعِ الْمَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَغْسِلْ لَنَزَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَشَيْءٌ فَيَعْسُرُ الِاسْتِبْرَاءُ وَالِاسْتِنْجَاءُ، فَالْمَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ الْمُسْتَنْجَى بِهِ، وَعَلَى الثَّانِي الْبَوْلُ فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ الْمَغْسُولُ بِهِ، فَالْإِضَافَةُ إِلَى الْفَاعِلِ أَيْ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ الْبَوْلَ، وَانْتَقَصَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ وَاللُّزُومُ أَكْثَرُ، وَقِيلَ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَالصَّحِيحُ وَانْتِفَاضٌ بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيْضًا وَهُوَ الِانْتِضَاحُ بِالْمَاءِ عَلَى الذَّكَرِ، وَهَذَا أَقْرَبُ لِأَنَّ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ: وَالِانْتِضَاحُ وَلَمْ يَذْكُرِ انْتِقَاصَ الْمَاءِ قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ (يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ) وَهُنَا تَفْسِيرُ الرَّاوِي قِيلَ: هُوَ وَكِيعٌ، وَالتَّفْسِيرُ السَّابِقُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ (قَالَ الرَّاوِي) : ذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ مُسْلِمًا وَأَصْحَابَ السُّنَنِ ذَكَرُوا أَنَّ مُصْعَبًا هُوَ الَّذِي نَسِيَ الْعَاشِرَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إِنَّ الَّذِي نَسِيَهَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَقَالَ إِلَّا أَنْ يُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُصْعَبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي عَنْهُ (وَنَسِيتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِالتَّشْدِيدِ وَالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ) : أَيِ الْعَاشِرَةُ (الْمَضْمَضَةُ) قَالَ الطِّيبِيُّ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ وَنَسِيتُ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ أَتَذَكَّرُ أَيْ: لَمْ أَتَذَكَّرِ الْعَاشِرَةَ فِيمَا أَظُنُّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمَضَةً. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ضُمِّنَ نَسِيَ مَعْنَى النَّفْيِ لِأَنَّ التَّرْكَ مَوْجُودٌ فِي ضِمْنِ كُلٍّ أَيْ: لَمْ أَتَذَكَّرْ شَيْئًا يَتِمُّ الْخِصَالُ بِهِ عَشْرَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمَضَةً اهـ. وَهُوَ تَوْضِيحُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ يُذْكَرَانِ مَعًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ: الْخِتَانُ) : وَهُوَ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الزَّائِدَةِ مِنَ الذَّكَرِ (بَدَلَ) : بِالنَّصْبِ (إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) : بِرَفْعِ " إِعْفَاءُ " عَلَى الْحِكَايَةِ، وَقِيلَ بِالْجَرِّ عَلَى الْإِضَافَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي بَعْضِهَا خِلَافٌ فِي وُجُوبِهِ كَالْخِتَانِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَلَا يَمْنَعُ اقْتِرَانُ الْوَاجِبِ بِغَيْرِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] فَإِنَّ الْإِيتَاءَ وَاجِبٌ وَالْأَكْلَ مُبَاحٌ، فَالْخِتَانُ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَسُنَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، فَالتَّقْلِيمُ سُنَّةٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِمِسْبَحَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْبِنْصَرِ ثُمَّ الْخِنْصَرِ، ثُمَّ خِنْصَرِ الْيُسْرَى إِلَى إِبْهَامِهَا ثُمَّ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى فَيُتِمُّ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى، وَنَتْفُ الْإِبِطِ سُنَّةٌ، وَيَحْصُلُ أَيْضًا بِالْحَلْقِ وَالنَّوْرَةِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ سُنَّةٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَنِ وَلَوْ وَلَّى غَيْرَهُ بِقَصِّهِ جَازَ مِنْ غَيْرِ هَتْكِ مُرُوءَةٍ وَلَا حُرْمَةٍ بِخِلَافِ الْإِبِطِ وَالْعَانَةِ. قُلْتُ: فِي الْإِبِطِ نَظَرٌ ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: وَالْأَوْلَى فِيهِ أَنْ لَا يُفَوِّضَهُ لِغَيْرِهِ اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ: " الْخِتَانُ " بَدَلَ: " إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ". لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلَا فِي كِتَابِ " الْحُمَيْدِيِّ "، وَلَكِنْ ذَكَرَهَا صَاحِبُ " الْجَامِعِ " وَكَذَا الْخَطَّابِيُّ فِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ ". وَهَذَا فِي نَتْفِهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ غَيْرُ التَّفْوِيضِ، وَقَدْ جَوَّزُوا حَلْقَهُ مِنْ غَيْرِ حُرْمَةٍ وَهَتْكِ مُرُوءَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ نَتْفَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَصَّ الشَّارِبُ حَتَّى تَبْدُوَ الشَّفَةُ وَلَا يُحْفِيهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ " «أَحْفُوا الشَّارِبَ» " أَحْفُوا
стр. 684
مَا طَالَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَهِيَ عُقَدُ الْأَصَابِعِ وَمَعَاطِفُهَا وَهِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْجِيمِ سُنَّةٌ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْوُضُوءِ، وَيُلْحَقُ بِهَا مَا يُجَمَّعُ مِنَ الْوَسَخِ فِي مَعَاطِفِ الْأُذُنِ وَقَعْرِ الصِّمَاخِ وَمَا يَجْتَمِعُ فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ، وَكَذَا جَمِيعُ الْوَسَخِ عَلَى الْبَدَنِ (لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ) : أَيِ: الَّتِي رَوَاهَا صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي كِتَابِهِ (فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) : أَيِ: الَّذِي هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (وَلَكِنْ ذَكَرَهَا) : أَيْ: هَذِهِ الرِّوَايَةَ (صَاحِبُ الْجَامِعِ) : أَيْ لِلْأُصُولِ وَهُوَ ابْنُ الْأَثِيرِ (وَكَذَا) : أَيْ ذَكَرَهَا (الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ) : الَّذِي شَرَحَ بِهِ سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ.
стр. 685
٣٨٠ - وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ، بِرِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ.
ــ
٣٨٠ - (وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ) : مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرِهَا الْمَذْكُورِ (بِرِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ) أَيْ: لَا بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ. قَالَ السَّيِّدُ: كَأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى مُحْيِي السُّنَّةِ حَيْثُ ذَكَرَهَا فِي الصِّحَاحِ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَا فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا وَعَدَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَقَاصِدِ الْبَابِ وَالْأُصُولِ، دُونَ مَا ذُكِرَ مِنَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَشْمَلُ الْفَائِدَةَ تَأَمَّلْ. اهـ.
стр. 686
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٨١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِلَا إِسْنَادٍ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٨١ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ» ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ " «مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» ": بِفَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا وَقِيلَ بِكَسْرِهَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: الْمَطْهَرَةُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ: أَيْ: مُطَهِّرٌ لِلْفَمِ وَكَذَا الْمَرْضَاةُ أَيْ مُحَصِّلٌ لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ مَرْضِيٌّ لِلرَّبِّ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا بَاقِيَيْنِ عَلَى مَصْدَرِيَّتِهِمَا أَيْ: سَبَبُ الطَّهَارَةِ وَالرِّضَا أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وَقِيلَ: هُمَا لِلْكَثْرَةِ كَالْمَأْسَدَةِ وَالْمَأْذَبَةِ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ أَيْ: مَظَنَّةٌ لِلطَّهَارَةِ وَالرِّضَا حَامِلَةٌ عَلَيْهِمَا وَبَاعِثَةٌ لَهُمَا كَمَا فِي حَدِيثِ: «الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» " وَلَعَلَّ وُرُودَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْخَصْلَتَيْنِ مَعَ أَنَّ لَهُ فَوَائِدَ أُخَرَ لِأَنَّهُمَا أَفْضَلُهَا أَوْ لِكَوْنِهِمَا شَمِلَتَا غَيْرَهُمَا فَإِنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِي تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الظَّاهِرِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ فِي الدُّنْيَا، وَفِي تَكْمِيلِ رِضَا الرَّبِّ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْلَى فِي الْعُقْبَى (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، النَّسَائِيُّ) : بِسَنَدٍ حَسَنٍ (وَرَوَى الْبُخَارِيُّ) : أَيْ: ذَلِكَ الْحَدِيثَ عَنْهَا (فِي صَحِيحِهِ بِلَا إِسْنَادٍ) . أَيْ: تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ جَزْمٍ وَالْمُعَلَّقَاتُ الْمَجْزُومَةُ صَحِيحَةٌ قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 687
٣٨٢ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ - وَيُرْوَى الْخِتَانُ - وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٨٢ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَرْبَعٌ ": أَيْ: خِصَالٌ عَظِيمَةُ الْمِقْدَارِ جَلِيلَةُ الِاعْتِبَارِ " «مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ» ": أَيْ فِعْلًا وَقَوْلًا يَعْنِي الَّتِي فَعَلُوهَا وَحَثُّوا عَلَيْهَا وَفِيهِ تَغْلِيبٌ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَعِيسَى مَا ظَهَرَ مِنْهُ الْفِعْلُ فِي بَعْضِ الْخِصَالِ وَهُوَ النِّكَاحُ " الْحَيَاءُ " قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَدَأَ بِهِ فَإِنَّ «الْحَيَاءَ خَيْرٌ كُلُّهُ» عَلَى مَا وَرَدَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْبِكْرِ فِي خِدْرِهَا» اهـ. وَقَدْ أَوْرَدَ التُّورِبِشْتِيُّ مَا رَوَاهُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا سَيَأْتِي. وَفِي نُسْخَةٍ: الْحِنَّاءُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرُوِيَ الْحِنَّاءُ بِالنُّونِ وَهُوَ إِنْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ تَصْحِيفٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَنِّ الْغَارَةِ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَعَرَّةً بِقَوْلِهِ: فِي الْحِنَّاءِ وَعَوَارِهِ، فَإِنَّ جَمْعًا يَمَنِيِّينَ زَعَمُوا حِلَّ الْحِنَّاءِ لِلرِّجَالِ وَصَنَّفُوا فِيهِ وَقَلَّ أَدَبُهُمْ عَلَى بَقِيَّةِ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ، وَخَضْبُ اللِّحْيَةِ سُنَّةٌ لَمْ تُعْرَفْ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ الْمُصَحَّفَةِ عَلَيْهِ اهـ. وَفِيهِ أَبْحَاثٌ لَا تَخْفَى (وَيُرْوَى الْخِتَانُ -) قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ النُّونَ سَقَطَ مِنْهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَهْلِ الرِّوَايَةِ فَرُوِيَ عَلَى رَسْمِ الْخَطِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اخْتَصَرَ الْمُظْهِرُ كَلَامَ التُّورِبِشْتِيِّ، وَقَالَ فِي الْحَيَاءِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ
стр. 688
بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ يَعْنِي بِهِ مَا يَقْتَضِي الْحَيَاءَ مِنَ الدِّينِ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالتَّنَزُّهِ عَمَّا تَأْبَاهُ الْمُرُوءَةُ وَيَذُمُّهُ الشَّرْعُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَغَيْرِهَا، لَا الْحَيَاءُ الْجِبِلِّيُّ نَفْسُهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنَّهُ خُلُقٌ غَرِيزِيٌّ لَا يَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ السُّنَنِ، وَثَانِيهَا الْخِتَانُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَتَاءٍ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ وَهِيَ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا سَبَقَ مِنْ لَدُنْ إِبْرَاهِيمَ ﵊ إِلَى زَمَنِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرُوِيَ «أَنَّ آدَمَ وَشِيثًا وَنُوحًا وَهُودًا وَصَالِحًا وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَسُلَيْمَانَ وَزَكَرِيَّا وَعِيسَى وَحَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ نَبِيُّ أَصْحَابِ الرَّسِّ وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وُلِدُوا مَخْتُونِينَ» ، وَثَالِثُهَا الْحِنَّاءُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَلَعَلَّهَا تَصْحِيفٌ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ خِضَابُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ، وَأَمَّا خِضَابُ الشَّعْرِ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ إِلَى الْمُرْسَلِينَ " وَالتَّعَطُّرُ ": أَيِ التَّطَيُّبِ بِالطِّيبِ فِي الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَطَيَّبُ بِالْمِسْكِ مِمَّا لَوْ كَانَ لِأَحَدِنَا لَكَانَ رَأْسَ مَالٍ» " وَالسِّوَاكُ " وَلَقَدْ أَكْثَرَ نَبِيُّنَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى خَشِيَ عَلَى فَمِهِ الْحِفَاءَ وَهُوَ دَاءٌ عَظِيمٌ يَضُرُّ بِالْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ " وَالنِّكَاحُ " قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَقَدْ جَمَعْتُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا فِي جُزْءٍ وَسَمَّيْتُهَا: " الْإِفْصَاحُ فِي فَضَائِلِ النِّكَاحِ " فَزَادَتْ عَلَى الْمِائَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
стр. 689
٣٨٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ، إِلَّا يَتَسَوَّكُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٨٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْقُدُ) : أَيْ: لَا يَنَامُ (مِنْ لَيْلٍ) أَيْ: بَعْضِ لَيْلٍ، أَوْ فِي لَيْلٍ (وَلَا نَهَارٍ) لِأَنَّ النَّوْمَ يُغَيِّرُ الْفَمَ فَيَتَأَكَّدُ السِّوَاكُ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْهُ إِزَالَةً لِذَلِكَ التَّغَيُّرِ، سِيَّمَا إِنْ أُرِيدَتْ مُحَادَثَةٌ أَوْ ذِكْرٌ ثَمَّةَ (فَيَسْتَيْقِظُ) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ أَيْ: يَسْتَنْبِهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِي يَسْتَيْقِظُ الرَّفْعُ لِلْعَطْفِ، وَيَكُونُ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِمَا مَعًا، وَالنَّصْبُ جَوَابًا لِلنَّفْيِ لِأَنَّ الِاسْتِيقَاظَ مَسْبُوقٌ بِالنَّوْمِ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وَفِي إِيرَادِهَا هَكَذَا مُطْنِبًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ دَأْبَهُ ( «إِلَّا يَتَسَوَّكُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ» ) . يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَكْتَفِي بِذَلِكَ السِّوَاكِ عَنِ السِّوَاكِ لِلْوُضُوءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ ثَانِيًا عِنْدَ إِرَادَةِ الْوُضُوءِ أَوْ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 690
٣٨٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَاكُ، فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٨٤ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَاكُ» ) : أَيْ: يَسْتَعْمِلُ السِّوَاكَ «فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ» ) : لِلتَّلْيِينِ أَوْ لِلتَّنَظُّفِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَسْلَ السِّوَاكِ مُسْتَحَبٌّ بَعْدَ الِاسْتِيَاكِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ غَسْلَ السِّوَاكِ فِي أَثْنَاءِ التَّسَوُّكِ بِهِ وَبَعْدَهُ قَبْلَ وَضْعِهِ سُنَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: يُسْتَحَبُّ فِي السِّوَاكِ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ مِيَاهٍ وَأَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ لَيِّنًا (فَأَبْدَأُ بِهِ) : أَيْ: بِاسْتِعْمَالِهِ قَبْلَ الْغَسْلِ لِنَيْلِ الْبَرَكَةِ، وَلَا أَرْضَى أَنْ يَذْهَبَ بِالْمَاءِ مَا صَحِبَهُ السِّوَاكُ مِنْ مَاءِ أَسْنَانِهِ ( «فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ قَبْلَ الْغَسْلِ أَسْتَاكُ بِهِ تَبَرُّكًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكِ الْغَيْرِ بِرِضَاهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ لِمَا بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مِنَ الِانْبِسَاطِ (وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ) لِيُكْمِلَ سِوَاكَهُ أَوْ لِيَحْفَظَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالثَّانِي غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَدَبِ عُرْفًا وَلِوُرُودِ: «كُنَّا نَعُدُّ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ» ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ وَقْتًا آخَرَ، بَلْ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى غَسْلِ السِّوَاكِ فِي أَثْنَاءِ التَّسَوُّكِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
стр. 691
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٨٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ مِنْهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٨٥ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَرَانِي ": قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يَعْنِي بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ: أَرَى نَفْسِي، وَأَصْلُهُ رَأَيْتُ نَفْسِي وَعَدَلَ إِلَى الْمُضَارِعِ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ. قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَهِمَ مِنْ ضَمَّهَا: لَكِنْ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فَمَعْنَاهُ أَظُنُّ نَفْسِي قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ كَأَنَّهُ ظَنَّ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ الرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةَ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالظَّنِّ، وَلِذَا يُقَالُ: رَأَيْتُ كَأَنِّي أَفْعَلُ كَذَا وَنَحْوَهُ، وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ بَعْضِ الظَّنِّ إِذْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ فَإِنْ ثَبُتَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ مَجْهُولٌ مِنْ بَابِ الْإِرَاءَةِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ حَجَرٍ إِلَّا مَعْنَى الضَّمِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ " أَيْ: رَأَيْتُ نَفْسِي فِي الْمَنَامِ مُتَسَوِّكًا فَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مُسْتَتِرٌ وَالثَّانِي الْبَارِزُ، وَجَازَ فِي " عَلِمْتُ " كَوْنُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ضَمِيرَيْ وَاحِدٍ، وَالثَّالِثُ أَتَسَوَّكُ كَذَا قِيلَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الضَّمِّ مِنَ الْإِرَاءَةِ دُونَ الرُّؤْيَةِ وَأَتَسَوَّكُ بِإِضْمَارِ أَنْ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ " فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ " أَيْ: سِنًّا " مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ ") أَيْ أَعْطَيْتُ " السِّوَاكَ ": يَعْنِي: أَرَدْتُ مُنَاوَلَةَ السِّوَاكِ " الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا ": لَعَلَّهُ لِقُرْبِهِ " فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ ": أَيْ: قَدِّمِ الْكَبِيرَ فِي السِّنِّ يَعْنِي ادْفَعْ إِلَى الْأَكْبَرِ " فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ مِنْهُمَا " الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا كَانَا فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ أَوْ فِي يَسَارِهِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ فَأَرَادَ تَقْدِيمَ الْأَقْرَبِ فَأُمِرَ بِتَقْدِيمِ الْأَكْبَرِ، فَلَا يُنَافِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوِ الْأَعْرَابِيِّ فِي إِيثَارِهِ بِسُؤْرِهِ ﵊ مِنَ اللَّبَنِ لِكَوْنِهِ عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْأَشْيَاخِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا، لِكَوْنِهِمْ عَلَى الْيَسَارِ بَعْدَ أَنِ اسْتَأْذَنَهُ ﷺ فِي إِعْطَائِهِ لَهُمْ فَقَالَ: «لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا» ، وَأَطْنَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ حَيْثُ قَالَ: وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ الْكِبَرُ هُنَا فِي السِّنِّ لَا فِي الْعِلْمِ وَالْقَدْرِ وَوَجْهُ أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِسِنِّهِ وَلَا لِفَضْلِهِ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ جُلُوسَهُ بِالْيَمِينِ هُوَ الْمُرَجِّحُ لَهُ، فَكَذَا كِبَرُ السِّنِّ هَهُنَا يَكُونُ مُرَجِّحًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ فَضْلٍ وَلَا قَدْرٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ ثَمَّةَ وُجِدَ مُرَجِّحٌ خَارِجِيٌّ أَيْضًا وَهُوَ كِبَرُ السِّنِّ فَهُوَ لِظُهُورِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِالرِّعَايَةِ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ إِلَّا لِلْبَعْضِ اهـ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كِبَرَ سِنِّ الصِّدِّيقِ وَفَضْلِهِ مَعًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَوِ الْأَعْرَابِيِّ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وَمَعَ هَذَا حَيْثُ كَانَ الْمَفْضُولُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ عَلَى الْيَمِينِ اسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ، ثُمَّ قَوْلُهُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا أَمَامَهُ مَدْفُوعٌ لِتَحَقُّقِ تَقَابُلِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ حِينَئِذٍ أَيْضًا، ثُمَّ الْمَنْعُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ فِي الْجَوَابِ فَالْعُدُولُ عَنْ سُنَنِ الْمَنْعِ إِلَى الِاضْطِرَابِ لَيْسَ مِنْ آدَابِ أُولِي الْأَلْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَنَامِ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ.
стр. 692
٣٨٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ ﷺ قَالَ: " «مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ قَطُّ إِلَّا أَمَرَنِي بِالسِّوَاكِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مُقَدِّمَ فِيَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٣٨٦ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّسْلِيمُ مِنْ لَفْظِ النُّبُوَّةِ أَوْ مِنْ زِيَادَةِ الرَّاوِي تَعْظِيمًا " قَطُّ " لَعَلَّهُ مُقَيِّدٌ لِتَعْلِيمِ السُّنَنِ أَوْ قَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ " «إِلَّا أَمَرَنِي بِالسِّوَاكِ لَقَدْ خَشِيتُ» ": جَوَابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: وَاللَّهِ لَقَدْ خِفْتُ " أَنْ أُحْفِيَ " مِنَ الْإِحْفَاءِ " مُقَدِّمَ فِيَّ ": أَيْ: فَمِي يَعْنِي أَنِ اسْتَأْصِلَ لِثَتِي مِنْ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ بِسَبَبِ وَصِيَّةِ جِبْرِيلَ وَكَثْرَةِ مُدَاوَمَتِي عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ مِيرَكُ: بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.
стр. 693
٣٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : " «لَقَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٨٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَقَدْ أَكْثَرْتُ " بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ " عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ ": أَيْ: فِي شَأْنِ السِّوَاكِ وَأَمْرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْكَلَامِ مَعَ كَوْنِهِمْ عَالِمِينَ بِهِ إِظْهَارُ الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ، وَقَوْلُهُ: أَكْثَرْتُ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ أَطْنَبْتُ الْكَلَامَ فِي السِّوَاكِ كَائِنًا عَلَيْكُمُ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ عَلَى صِلَةٌ لِلْإِكْثَارِ، وَالتَّقْدِيرُ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمُ الْأَمْرَ وَالْوَصِيَّةَ فِي حَقِّ السِّوَاكِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: أُكْثِرْتُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ) أَيْ بُولِغْتُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 694
٣٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ أَنْ كَبِّرْ، أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٨٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنُّ» ) : أَيْ: يَسْتَاكُ. فِي النِّهَايَةِ: الِاسْتِنَانُ اسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ افْتِعَالٌ مِنَ الْأَسْنَانِ أَيْ يُمَرُّ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ السِّنِّ بِكَسْرِ السِّينِ، وَقِيلَ: مِنَ السَّنِّ بِفَتْحِهَا يُقَالُ: سَنَنْتُ الْحَدِيدَ أَيْ حَكَكْتُ الْحَجَرَ حَتَّى يَتَحَدَّدَ وَالْمِسَنُّ الْحَجَرُ الَّذِي يُحَدُّ بِهِ ( «وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ» ) : أَيْ: سِنًّا أَوْ فَضْلًا وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا فِي الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلِنَا سِنًّا لِنُقَابِلَهُ بِالْأَصْغَرِ (فَأُوحِيَ إِلَيْهِ) : أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمِيلَ إِلَى الْآخَرِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلْوَحْيِ الْمَنَامِي أَوْ بَعْدَ إِرَادَتِهِ لِمُقْتَضَى مَا هُوَ تَقْدِيمُ الْأَصْغَرِ فَتَكُونُ الْقَضِيَّةُ وَاحِدَةً (فِي فَضْلِ السِّوَاكِ) : أَيْ: فَضِيلَتِهِ وَزِيَادَتِهِ (أَنْ كَبِّرْ) : هُوَ الْمُوحَى بِهِ ( «أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا» ) . الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ تَقْدِيمٌ حَقِّ الْأَكْبَرِ مِنَ الْحَاضِرِينَ فِي السَّلَامِ وَالشَّرَابِ وَالطِّيبِ وَنَحْوِهَا. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ عَلَى الْيَمِينِ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكِ الْغَيْرِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ عَلَى مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَتَقَذَّرُ إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَغْسِلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُعِيرَهُ: مَحَلُّ التَّقْذِرَةِ غَيْرُهُ ﵊، وَأَمَّا هُوَ فَمَحْمَلُ التَّبَرُّكِ عِنْدَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُنَافِي الْغَسْلَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: ثُمَّ يُنَاوِلُهُ بَدَلَ ثُمَّ يُعِيرُهُ، هَذَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ حِكَايَةِ الْمَنَامِ وَإِلَّا يُشْكِلُ تَعَدُّدُ الْوَحْيِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ مَنَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
стр. 695
٣٨٩ - وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَفْضُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ ضِعْفًا» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٣٨٩ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَفْضُلُ الصَّلَاةُ: أَيْ: تَزِيدُ فِي الْفَضِيلَةِ وَزِيَادَةِ الْمَثُوبَةِ " الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا ": أَيْ عِنْدَ الْوُضُوءِ " «عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ» " مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَوْ ظَرْفٌ أَيْ: تَفْضُلُ مِقْدَارَ سَبْعِينَ. وَقَوْلُهُ " ضِعْفًا " تَمْيِيزٌ أُرِيدَ بِهِ مِثْلَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ. فِي الْقَامُوسِ: ضِعْفُ الشَّيْءِ بِالْكَسْرِ مِثْلُهُ أَوِ الضِّعْفُ الْمِثْلُ إِلَى مَا زَادَ اهـ. وَاخْتَارَ ابْنُ حَجَرٍ الْأَخِيرَ وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ، ثُمَّ لَا يُشْكِلُ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّ «صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» ، مَعَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ عِنْدَ غَيْرِنَا لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ تُسَاوِي كَثِيرًا مِنَ السَّبْعِينَ، وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْفَرْضِ كَالسَّلَامِ وَرَدِّهِ وَكَإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ وَإِبْرَائِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُمَا حَصَّلَا مَصْلَحَةَ الْفَرْضِ وَزِيَادَةً (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: «صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ» كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهَمَّامِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُهُ مَا اخْتَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الضِّعْفَ بِمَعْنَى الْمِثْلِ إِذِ الْأَحَادِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْحَمْلُ عَلَى أَنَّ الضِّعْفَ هُوَ وَمِثْلُهُ ثُمَّ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْكَثِيرِ بَعْدَ إِعْلَامِهِ بِالْقَلِيلِ خِلَافُ الظَّاهِرِ. قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ: فِي هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ كَذَا قَالَ وَمُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ إِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَلِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُمَا أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ حَسَنَيْنِ.
стр. 696
٣٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. قَالَ: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: «وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» . (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
٣٩٠ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: رَوَى عَمُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ فِي الْمَدِينَةِ فِي قَوْلٍ، وَمِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَعْلَامِهِمْ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُمْ، وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) : نَزَلَ الْكُوفَةَ رَوَى عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ» : أَيْ: لَوْلَا خَوْفُ الْمَشَقَّةِ وَتَوَقُّعُهَا عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ ": أَيْ: وُجُوبًا " «بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» ": أَيْ: طَهَارَتُهَا أَوْ إِرَادَتُهَا " وَلَأَخَّرْتُ ": أَيْ دَائِمًا " صَلَاةَ الْعِشَاءِ ": أَوْ حَكَمْتُ بِتَأْخِيرِهَا وُجُوبًا " إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ": بِضَمِّ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ " قَالَ: أَيْ: أَبُو سَلَمَةَ (فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ) أَيْ: رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ) : أَيِ: الْخَمْسَ (فِي الْمَسْجِدِ) : أَيْ: يَحْضُرُهَا لِلْجَمَاعَةِ (وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ) بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ ( «مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ» ) : أَيِ: اسْتَاكَ لِلصَّلَاةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِهِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً، أَوِ اسْتَاكَ لِطَهَارَتِهَا (ثُمَّ) : أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ (رَدَّهُ) : أَيِ: السِّوَاكَ (إِلَى مَوْضِعِهِ) . أَيْ: مِنَ الْأُذُنِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحِكْمَتُهُ أَنَّ وَضْعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ يُسَهِّلُ تَنَاوُلَهُ وَيُذَكِّرُ صَاحِبَهُ لَهُ فَيُسَنُّ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ التَّكَلُّفِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْحَرَجِ، وَرِوَايَةُ: " «كَانَ مَحَلُّ السِّوَاكِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مَحَلَّ الْقَلَمِ» " مَحْمُولٌ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا عَلَى بَعْضِهِمُ الصَّادِقِ عَلَى وَاحِدٍ فَلَا يُفِيدُ السُّنِّيَّةَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ إِلَّا أَنَّهُ) أَيْ: أَبَا دَاوُدَ (لَمْ يَذْكُرْ: " «وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَهُ إِسْنَادَانِ. أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ وَالْآخَرُ حَسَنٌ اهـ. أَوْ حَسَنٌ لُغَةً، أَوْ حَسَنٌ عِنْدَ بَعْضٍ صَحِيحٌ عِنْدَ بَعْضٍ، أَوْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.
стр. 697
[بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ. مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(٤) بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُرِدْ بِالسُّنَنِ سُنَنَ الْوُضُوءِ فَقَطْ، بَلْ أَرَادَ بِالسُّنَنِ الْأَقْوَالَ أَوِ الْأَفْعَالَ أَوِ التَّقْرِيرَاتِ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً أَوْ فَرْضًا، كَمَا يُقَالُ جَاءَ فِي السُّنَّةِ كَذَا أَيْ: فِي الْحَدِيثِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ حَمْلَ سُنَنِ الْوُضُوءِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى بَعِيدٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْعُنْوَانُ عَلَى التَّغْلِيبِ. وَقِيلَ: السِّوَاكُ مِنَ السُّنَنِ أَيْضًا فَكَأَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْوُضُوءِ، وَوَرَدَ بِأَنَّ غَسْلَ الْيَدِ لِلْمُسْتَيْقِظِ أَيْضًا غَيْرُ خَاصٍّ عَلَى مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَكَذَا التَّيَامُنُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ شَيْءٍ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ» ": التَّقَيُّدُ بِهِ لِأَنَّ تَوَهُّمَ نَجَاسَةِ الْيَدِ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ مِنَ الْمُسْتَيْقِظِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ هَذَا الْغَسْلَ سُنَّةً فِي غَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ أَيْضًا لِأَنَّ عِلَّةَ الْغَسْلِ وَهِيَ احْتِمَالُ أَنَّهُ مَسَّ بِيَدِهِ أَعْرَاقَ بَدَنِهِ وَأَوْسَاخَهُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُتَنَبِّهِ أَيْضًا. قُلْتُ: بَلِ الْمُتَنَبِّهُ يَفْهَمُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ مَعَ زِيَادَةِ احْتِمَالَاتٍ أُخَرَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةَ يَدِهِ وَإِنْ نَامَ
стр. 698
كَرَاهَةَ لِانْتِفَاءِ تَوَهُّمِ التَّنَجُّسِ فَمُعَارَضَةٌ بِالنَّصِّ " «فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ» ": أَيْ مَثَلًا كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَوْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا آلَةً إِذَا كَانَتْ مَمْنُوعَةً فَغَيْرُهَا أَوْلَى، فَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى " فِي الْإِنَاءِ: أَيْ إِنَاءِ الْمَاءِ وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَائِعٍ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَاءَ الْإِنَاءِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلًا فَلَا يُحْتَاجُ تَقْيِيدُهُ بِالْقَلِيلِ، كَمَا تَوَهَّمَ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: بِالتَّأْكِيدِ فِي مُسْلِمٍ وَبِدُونِ التَّأْكِيدِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ نُونِ التَّأْكِيدِ، وَأَمَّا بِهَا فَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ وَلَفْظُهُ: «فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي طَهُورِهِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا» " حَتَّى يَغْسِلَهَا " أَيْ: إِلَى رُسْغِهَا " ثَلَاثًا ": قَالَ السَّيِّدُ: لَفْظُ ثَلَاثًا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَقَوْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَحَلُّ بَحْثٍ اهـ. وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، فَيَكُونُ الْغَسْلُ ثَلَاثًا سُنَّةً، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا حَيْثُ قَيَّدُوا تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ الْغَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ بِغَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَمَ الشَّرْعُ فِي النَّجَاسَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ بِالتَّثْلِيثِ فَالْمُتَحَقِّقَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ " فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي: تَعْلِيلٌ أَيْ: لَا يَعْلَمُ " «أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» " رَوَى النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْحِجَارَةِ وَبِلَادُهُمْ حَارَةٌ، فَإِذَا نَامُوا عَرِقُوا، فَلَا يُؤَمَنُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ قَمْلَةٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْغَمْسِ قَبْلَ غَسْلِ الْيَدِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْجَمَاهِيرَ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ فَلَوْ غَمَسَ لَمْ يُفْسِدِ الْمَاءَ وَلَمْ يَأْثَمِ الْغَامِسُ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ بَاتَ مُسْتَنْجِيًا بِالْأَحْجَارِ مُعْرَوْرِيًا، وَمَنْ بَاتَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَفِي أَمْرِهِ سَعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا غَسْلُهَا لِأَنَّ السُّنَّةَ إِذَا وَرَدَتْ لِمَعْنًى لَمْ تَكُنْ لِتَزُولَ بِزَوَالِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ بِالْأَمْرِ الْمَوْهُومِ وَمَا عُلِّقَ بِالْمَوْهُومِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، فَأَصْلُ الْمَاءِ وَالْيَدَيْنِ عَلَى الطَّهَارَةِ، فَحَمَلَ الْأَكْثَرُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَأَوْجَبَا الْغَسْلَ وَحَكَمَا بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الشَّمَنِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَدَاوُدَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَنَا: أَنَّ النَّوْمَ إِنْ كَانَ حَدَثًا فَهُوَ كَالْبَوْلِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِلْحَدَثِ فَهُوَ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُ ﵊ عَلَّلَ الْغَسْلَ بِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ، وَتَوَهُّمُهَا لَا يُوجِبُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى السُّنَّةِ وَعَدَمِ الْوُجُوبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
стр. 699
٣٩٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ فِي خَيْشُومِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ".
ــ
٣٩٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَتَوَضَّأَ» ": أَيْ: أَرَادَ الْوُضُوءَ " فَلْيَسْتَنْثِرْ: الْفَاءُ لِجَوَابِ الشَّرْطِ أَيْ: لِيَغْسِلْ دَاخِلَ أَنْفِهِ " ثَلَاثًا ": أَوِ التَّقْدِيرُ: إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ عِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَنْثَرَ حَرَّكَ النَّثْرَةَ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى نَثَرْتُ الشَّيْءَ، إِذَا فَرَّقْتُهُ وَبَدَّدْتُهُ اهـ. وَقِيلَ: الِاسْتِنْثَارُ نَثْرُ مَا فِي الْأَنْفِ الْمُتَّصِلِ بِالْبَطْنِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ: " الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ " يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ ": يَعْنِي: أَنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْوَسْوَسَةَ عِنْدَ النَّوْمِ لِزَوَالِ الْإِحْسَاسِ يَبِيتُ عَلَى أَقْصَى أَنْفِهِ لِيُلْقِيَ فِي دِمَاغِهِ الرُّؤْيَا الْفَاسِدَةَ، وَيَمْنَعَهُ عَنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، لِأَنَّ مَحَلَّهُ الدِّمَاغُ فَأَمَرَ ﷺ أَنْ يَغْسِلُوا دَاخِلَ أُنُوفِهِمْ لِإِزَالَةِ لَوْثِ الشَّيْطَانِ وَنَتَنِهِ مِنْهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَالْقَاضِي: الْخَيْشُومُ أَقْصَى الْأَنْفِ الْمُتَّصِلِ بِالْبَطْنِ الْمُقَدَّمِ مِنَ الدِّمَاغِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ وَمُسْتَقَرُّ الْخَيَالِ، فَإِذَا نَامَ تَجْتَمِعُ الْأَخْلَاطُ وَيَيْبَسُ عَلَيْهِ الْمُخَاطُ وَيَكِلُّ الْحِسُّ وَيَتَشَوَّشُ الْفِكْرُ فَيَرَى أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ، فَإِذَا قَامَ وَتَرَكَ الْخَيْشُومَ بِحَالِهِ اسْتَمَرَّ الْكَسَلُ وَالْكَلَالُ وَاسْتَعْصَى عَلَيْهِ النَّظَرُ الصَّحِيحُ وَعَسُرَ الْخُضُوعُ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَحَقُّ الْأَدَبِ فِي الْكَلِمَاتِ النَّبَوِيَّةِ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ خَصَّهُ بِغَرَائِبِ الْمَعَانِي وَحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ مَا يَقْصُرُ عَنْهُ بَاعُ غَيْرِهِ، وَرَوَى النَّوَوِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ: تُحْتَمَلُ بَيْتُوتَةُ الشَّيْطَانِ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْأَنْفَ أَحَدُ الْمَنَافِذِ إِلَى الْقَلْبِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْأُذُنَيْنِ غَلْقٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ الْغَلْقَ وَجَاءَ الْأَمْرُ بِكَظْمِ الْفَمِ فِي التَّثَاؤُبِ مِنْ أَجْلِ عَدَمِ دُخُولِ الشَّيْطَانِ فِي الْفَمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ مِنَ الْغُبَارِ وَرُطُوبَةِ الْخَيَاشِيمِ قَذَرٌ يُوَافِقُ الشَّيَاطِينَ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
стр. 700
٣٩٣ - «وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهَ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالنَّسَائِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ.
ــ
٣٩٣ - (وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) : أَنْصَارِيٌّ مَازِنِيٌّ مِنْ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ قِيلَ: شَارَكَ وَحْشِيًّا فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، قُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ، شَهِدَ أُحُدًا وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي التَّهْذِيبِ رَمَى وَحْشِيٌ مُسَيْلِمَةَ بِالْحَرْبَةِ، وَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَ الْحِرَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَرَوَى عَنْهُ عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ( «كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِوَضُوءٍ» ) بِفَتْحِ الْوَاوِ: مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ طَلَبَهُ (فَأَفْرَغَ) أَيْ: صَبَّ الْمَاءَ (عَلَى يَدَيْهِ: بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيُؤَيِّدُهُ الْإِظْهَارُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ فِي قَوْلِهِ: (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) أَيْ: إِلَى الرُّسْغَيْنِ (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) : لَيْسَ فِي الْمَصَابِيحِ تَكْرَارٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجْهُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّكْرِيرِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَوَّلِ يُوهِمُ التَّوْزِيعَ وَاقْتِصَارُهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِلَّا فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ الثَّلَاثَ وَقَالَ: " «مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» " اهـ. وَلَعَلَّ حَذْفَ الْبَسْمَلَةِ وَالنِّيَّةِ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْأَقْوَالِ دُونَ الْأَفْعَالِ أَوْ لِأَنَّهُمَا تُخْفَيَانِ، وَالسِّوَاكُ لَيْسَ مِنْ مُخْتَصَّاتِ الْوُضُوءِ ( «ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا» ) تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ ( «ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» ) : كَذَا كَرَّرَ مَرَّتَيْنِ (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْعَكْسِ أَيْ: مَعَهُمَا ( «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ» ) : بَيَانٌ لِلْمَسْحِ (بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ) : تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ (بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) : أَيْ وَضَعَ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عِنْدَ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ (ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا) : أَيْ: أَمَرَّهُمَا حَتَّى وَصَلَ (إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا) أَيْ: عَلَى جَنْبَيِ الرَّأْسِ ( «حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» ) : وَهُوَ الْوَجْهُ الْمُسْتَحَبُّ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ وَسُنِّيَّةُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ بِمَائِهِ يُعْرَفُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ (وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ) أَيْ: بِمَعْنَاهُ (ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ) : أَيْ: جَامِعُ الْأُصُولِ وَهُوَ ابْنُ الْأَثِيرِ.
стр. 701
٣٩٤ - وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَكْفَأَ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، " ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » .
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ» .
ــ
٣٩٤ - (وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ) : قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ بِلَفْظِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِهِمَا أَوْ بِلَفْظِ أَحَدِهِمَا وَإِذَا كَانَ مَسُّ أَحَدِهِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اعْتِذَارًا عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الْجُمْلَةِ. فَكَيْفَ إِذَا وُجِدَ لَفْظُ أَحَدِهِمَا؟ ( «قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: تَوَضَّأْ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) : أَيْ: نَحْوَ وُضُوئِهِ (فَدَعَا بِإِنَاءٍ) فِيهِ مَاءٌ (فَأَكْفَأَ) : فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا كَبَبْتُهُ وَإِذَا أَمَلْتُهُ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قَالَ الشَّيْخُ كَفَأَ وَأَكْفَأَ بِمَعْنَى أَمَالَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كَفَأَهُ كَبَّهُ وَأَكْفَأَهُ أَمَالَهُ (مِنْهُ) ضَمَّنَ أَكْفَأَ مَعْنَى أَفْرَغَ وَصَبَّ فَعَدَّاهُ بِمِنْ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ (عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا) : أَيْ: إِلَى رُسْغَيْهِمَا (ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) : أَيِ: الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ (فَاسْتَخْرَجَهَا) : أَيِ: الْيَدُ مِنَ الْإِنَاءِ مَعَ الْمَاءِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ بَقِيَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَطَهُورِيَّتِهِ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ نَوَى جَعْلَ الْيَدِ آلَةً لَهُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ طَهُورٌ، وَكَرِهَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ، وَكَذَا الْحَالُ عِنْدَهُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحِلُّهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي الْإِحْيَاءِ: وَدِدْتُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ إِذِ الْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَيْهِ، وَمَثَارُ الْوَسْوَسَةِ مِنَ اشْتِرَاطِ الْقُلَّتَيْنِ، وَلِأَجْلِهِ شَقَّ عَلَى النَّاسِ ذَلِكَ: وَلَعَمْرِي إِنَّ الْحَالَ عَلَى مَا قَالَهُ، وَلَوْ كَانَ مَا ذُكِرَ شَرْطًا لَكَانَ أَعْسَرَ الْبِقَاعِ فِي الطَّهَارَةِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، إِذْ لَا يَكْثُرُ فِيهِمَا الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ وَلَا الرَّاكِدَةُ الْكَثِيرَةُ، وَمِنْ أَوَّلِ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ لَمْ يَنْقُلْ وَاقِعَةً فِي الطَّهَارَةِ وَكَيْفِيَّةِ حِفْظِ الْمَاءِ مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَكَانَتْ أَوَانِي مِيَاهِهِمْ يَتَعَاطَاهَا الصِّبْيَانُ وَالْإِمَاءُ، وَتَوَضُّؤُ عُمَرَ ﵁ بِمَاءٍ فِي جَرَّةٍ نَصْرَانِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ إِلَّا عَلَى عَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ، وَكَانَ
стр. 702
اسْتِغْرَاقُهُمْ فِي تَطْهِيرِ الْقُلُوبِ وَتَسَاهُلُهُمْ فِي الْأَمْرِ الظَّاهِرِ ( «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ» ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: بِزِيَادَةِ التَّاءِ مَعَ فَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْضًا. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْأَكْثَرُ مِنْ كَفٍّ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ كَفَّةٌ بِالتَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ غُرْفَةٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِالْكِفَّةِ الْغُرْفَةُ فَاشْتُقَّ لِذَلِكَ مِنَ اسْمِ الْكَفِّ وَجُعِلَ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى. قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلْحَاقَ هَاءِ التَّأْنِيثِ بِالْكَفِّ. قَالَ الشَّيْخُ: مُحَصِّلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: كِفَّةٌ فِعْلَةٌ لَا أَنَّهَا تَأْنِيثُ الْكَفِّ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: قَوْلُهُ: مِنْ كَفَّةٍ هِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ كَغُرْفَةٍ وَغَرْفَةٍ أَيْ: مِنْ مَلْءِ كَفَّةٍ (وَاحِدَةً، فَفَعَلَ ذَلِكَ) : أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (ثَلَاثًا) : وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) : أَيْ: فِي الْإِنَاءِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجِنْسُ ( «فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا» ) : قَيْدٌ لِلْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ لَا لِلْأَخِيرِ فَقَطْ ( «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» ) : بِالضَّبْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) : قَيْدَانِ لِلْأَفْعَالِ ( «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ» ) : يَعْنِي: اسْتَوْعَبَ الْمَسْحَ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) : ثُمَّ فِي الْمَوَاضِعِ مَعَ الْمَذْكُورَةِ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ التَّعْقِيبِيِّ الْمُفِيدِ لِسُنِّيَّةِ التَّرْتِيبِ لَا لِلتَّرَاخِي الْمُنَافِي لِلتَّوَالِي الَّذِي هُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا، وَفَرْضٌ عِنْدَ مَالِكٍ (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) : ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِمَرَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ مَرَّتَيْنِ بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ وَيُحْتَمَلُ التَّثْلِيثُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ دَأْبِهِ ﵊، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ثَلَاثًا لِئَلَّا يُوهِمَ قَيْدَ الْفِعْلَيْنِ مَعًا (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ ( «هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) : أَيْ: غَالِبًا فِي زَعْمِهِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
(" فِي رِوَايَةٍ: «فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهَا» أَيْ: عَلَى أَطْرَافِ الرَّأْسِ (حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) وَهَذَا أَحْسَنُ أَنْوَاعِ الْمَسْحِ الْمُسْتَوْعَبِ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) : أَيْ ثَلَاثًا.
(وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ) الْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى الْفَاءِ لِيُفِيدَ اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْغَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ: فَقَالَ الْوَاوُ هُنَا مَعْنَى ثُمَّ السَّابِقَةِ (ثَلَاثًا) قَيْدٌ لِلثَّلَاثَةِ (بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالرَّاءِ، وَقِيلَ: بِضَمِّهِمَا جَمْعُ غُرْفَةٍ بِمَعْنَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَاءٍ. قِيلَ: الْغَرْفَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ غَرَفَ أَيْ أَخْذُ الْمَاءِ بِالْكَفِّ وَبِضَمِّ الْغَيْنِ الِاسْمُ وَهُوَ الْمَاءُ الْمَغْرُوفُ، وَقِيلَ هِيَ مَلْءُ الْكَفِّ مِنَ الْمَاءِ يَعْنِي أَخَذَ غُرْفَةً وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِهَا، وَكَذَا بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الثَّلَاثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَقَعَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ.
(وَفِي أُخْرَى «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ» ) بِأَنْ جَعَلَ مَاءَ الْكَفِّ بَعْضَهُ فِي فَمِهِ وَبَعْضَهُ فِي أَنْفِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَيِ الْمَذْكُورَ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ثَلَاثًا أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مِنْ كَفَّةٍ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ، وَالْمَعْنَى مَضْمَضَ مِنْ كَفَّةٍ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَقَيْدُ الْوَحْدَةِ احْتِرَازٌ مِنَ التَّثْنِيَةِ (فَفَعَلَ ذَلِكَ) : أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْكَمَالَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ مَا ذَكَرُوهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً» ) : الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ تَثْلِيثِ مَسْحِ الرَّأْسِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) : فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي وُضُوئِهِ ﵊ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَجْوِيزِ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ.
стр. 703
(وَفِي أُخْرَى لَهُ) : أَيْ: لِلْبُخَارِيِّ (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ) : كِنَايَةٌ عَنِ الِاسْتِنْشَاقِ أَوْ مِنْ لَوَازِمِهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ) : بِالْفَتْحِ وَيُضَمُّ (وَاحِدَةٍ) : أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَبْعُدُ تَثْلِيثُهُمَا مَعًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ وَجْهًا لِلشَّافِعِيَّةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَإِنَّمَا أَطْنَبْنَا الْكَلَامَ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِهِ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَالنَّسَائِيِّ، فَأَمَّا مَعْنَاهُ فَمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَقِبَهُ، وَبَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا أَوْرَدْتُهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْمَصَابِيحِ مِنْهَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: كَأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الشَّيْخِ مُحْيِي السُّنَّةِ حَيْثُ أَوْرَدَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الصِّحَاحِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا عَزَاهُ صَاحِبُ التَّخْرِيجِ إِلَيْهِمَا حَيْثُ قَالَ: وَرَوَاهُ الْجَمَاعَةُ فِي الصِّحَاحِ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ اهـ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْجَوَابَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ نَفَى وُجُودَ لَفْظِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ لَا مَعْنَاهُ، وَصَاحِبُ التَّخْرِيجِ أَثْبَتَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلِذَا قَالَ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ، بَلِ الْمُصَنِّفُ بِنَفْسِهِ أَوْرَدَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَاعْتَذَرَ بِالْإِطْنَابِ الْمُتَضَمِّنِ لِذَلِكَ الْجَوَابِ، وَإِنْ كَانَ الِاعْتِرَاضُ وَارِدًا فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ الشَّرْطَ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَدِيثِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 704
٣٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٩٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً» ) : نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ يَعْنِي غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا) : أَيْ: فِي هَذَا الْوُضُوءِ أَوْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَحَّتِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَاتٍ لَا تُحْصَى وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ أَقَلُّ الْوُضُوءِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 705
٣٩٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٩٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» ) : أَيْ: لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِي الْوُضُوءِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَالْأَخْصَرُ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
следующие страницы →