Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.
стр. 7246
٥٢٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا شَبِعْنَا مِنْ تَمْرٍ حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٢٦٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا شَبِعْنَا) أَيْ: أَهْلُ بَيْتِ عُمَرَ، أَوْ نَحْنُ مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7247
[بَابُ الْأَمَلِ وَالْحِرْصِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٦٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، فَقَالَ: " هَذَا الْإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجُ أَمَلِهِ، وَهَذِهِ الْخُطُوطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَسَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَسَهُ هَذَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٢] بَابُ الْأَمَلِ وَالْحِرْصِ
الْجَوْهَرِيُّ: الْأَمَلُ الرَّجَاءُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْحِرْصُ فَرْطُ الشَّرَهِ فِي الْإِرَادَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] أَيْ: إِنْ تُفْرِطْ إِرَادَتُكَ فِي هِدَايَتِهِمْ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَسْوَأُ الْحِرْصِ أَنْ تَأْخُذَ نَصِيبَكَ وَتَطْمَعَ فِي نَصِيبِ غَيْرِكَ انْتَهَى. وَالْمُرَادُ بِالْأَمَلِ هُنَا طُولُ الْأَمَلِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا غَافِلًا عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ، وَزَادَ الْعُقْبَى كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣] وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَمَحْمُودٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَقَالَ: لَوْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» " وَكَذَلِكَ الْحِرْصُ فِي أَمْرِ جَمْعِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ الْجَاهِ وَالْإِقْبَالُ مَذْمُومٌ، وَإِلَّا فَالْحِرْصُ عَلَى الْقِتَالِ، وَعَلَى تَحْصِيلِ الْعُلُومِ، وَتَكْثِيرِ الْأَعْمَالِ، فَمُسْتَحْسَنٌ بِلَا نِزَاعٍ، ثُمَّ تَحْقِيقُ الْأَمَلِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ أَكْثَرُ عُلَمَائِنَا: إِنَّهُ إِرَادَةُ الْحَيَاةِ لِلْوَقْتِ الْمُتَرَاخِي بِالْحُكْمِ، وَقَصْرُ الْأَمَلِ تَرْكُ الْحُكْمِ
стр. 7248
فِيهِ بِأَنْ يُقَيِّدَهُ بِالْإِسْنَادِ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَعِلْمِهِ فِي الذِّكْرِ، أَوْ بِشَرْطِ الصَّلَاحِ فِي الْإِرَادَةِ فَإِذَنْ إِنْ ذَكَرْتَ حَيَاتَكَ بِأَنْ أَعِيشَ بَعْدَ نَفَسٍ ثَانٍ، أَوْ سَاعَةٍ ثَانِيَةٍ أَوْ يَوْمٍ ثَانٍ بِالْحُكْمِ وَالْقَطْعِ فَأَنْتَ آمِلٌ، وَذَلِكَ مِنْكَ مَعْصِيَةٌ إِذْ هُوَ حُكْمٌ عَلَى الْغَيْبِ، وَإِنْ قَيَّدْتَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْعِلْمِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ خَرَجْتَ عَنْ حُكْمِ الْأَمَلِ فَتَأَمَّلْ، وَإِنَّمَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعُنْوَانِ لِتَلَازُمِهِمَا فِي الْإِمْكَانِ، وَقُدِّمَ الْأَمَلُ لِأَنَّهُ الْبَاعِثُ عَلَى تَأْخِيرِ الْعَمَلِ وَالْحِرْصِ عَلَى الزَّلَلِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٦٨ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ (قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمُرَادُ بِالْخَطِّ الرَّسْمُ وَالشَّكْلُ (وَخَطَّ) أَيْ: خَطًّا كَمَا فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ، وَالْمَعْنَى وَخَطَّ (خَطًّا) : آخَرَ (فِي الْوَسَطِ) أَيْ: وَسَطِ التَّرْبِيعِ (خَارِجًا مِنْهُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْخَطِّ خَارِجًا مِنْ أَحَدْ طَرَفَيِ الْمُرَبَّعِ (وَخَطَّ خُطُطًا) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْأُولَى لِلْأَكْثَرِ وَجُوِّزَ فَتْحُ الطَّاءِ أَيْ: خُطُوطًا (صِغَارًا) : جَمْعُ صَغِيرَةٍ (إِلَى هَذَا) أَيْ: مُتَوَجِّهَةً وَمَائِلَةً وَمُنْتَهِيَةً إِلَى هَذَا الْخَطِّ (الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ) أَيْ: مِنْ جَانِبَيْهِ اللَّذَيْنِ فِي الْوَسَطِ، فَالْمُرَادُ بِالْمُفْرَدِ الْجِنْسُ (فَقَالَ: " هَذَا الْإِنْسَانُ ") أَيِ: الْخَطُّ الْوَسَطُ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا مَرْكَزُ الدَّائِرَةِ الْمُرَبَّعَةِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي الْخَطِّ الظَّاهِرِيِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِهَذَا مَجْمُوعُ التَّصْوِيرِ. الْمَعْلُومُ خَطًّا الْمَفْهُومُ ذِهْنًا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَمَلِ الْعَوَارِضِ الْمُنْتَهِيَةِ إِلَى الْأَجَلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِهَذَا، فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ هَذَا الْخَطَّ الْمُصَوَّرَ مَجْمُوعَةً هُوَ الْإِنْسَانُ، (" وَهَذَا ") أَيِ: الْخَطُّ الْمُرَبَّعُ (" أَجَلُهُ ") أَيْ: مُدَّةُ أَجَلِهِ وَمُدَّةُ عُمُرِهِ (" مُحِيطٌ بِهِ ") ، أَيْ: مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ وَالْفِرَارُ مِنْهُ، (" وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ ") أَيْ: مِنَ الْمُرَبَّعِ (" أَمَلُهُ ") أَيْ: مَرْجُوُّهُ وَمَأْمُورٌ لَهُ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُ لِأَنَّ أَمَلَهُ طَوِيلٌ لَا يَفْرَغُ مِنْهُ وَأَجَلُهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُ، (" وَهَذِهِ الْخُطُطُ ") أَيِ: الْخُطُوطُ (" الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ ") ، أَيِ الْآفَاتُ وَالْعَاهَاتُ وَالْبَلِيَّاتُ مِنَ الْمَرَضِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ وَهُوَ جَمْعُ عَرَضٍ بِالتَّحْرِيكِ (فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا) أَيْ: أَحَدُ الْأَعْرَاضِ (" نَهَسَهُ ") : بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ: بِمُعْجَمَةٍ أَيْ: أَصَابَهُ وَعَضَّهُ (" هَذَا ") أَيْ: عَرَضٌ آخَرُ، وَعَبَّرَ عَنِ الْإِصَابَةِ بِالْفَقْرِ وَهُوَ لَدْغُ ذَاتِ السُّمِّ مُبَالَغَةً فِي الْمَضَرَّةِ (" وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا ") أَيْ: عَرَضٌ آخَرُ (" نَهَسَهُ هَذَا ") أَيْ: عَرَضٌ آخَرُ وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَعَدَمِ انْتِهَاءِ الْأَمَلِ، وَصُورَةُ الْخَطِّ هَذِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀: هَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ الْمُعْتَدَّةُ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ، فَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذَا الْإِنْسَانُ إِلَى النُّقْطَةِ الدَّاخِلَةِ، وَبِقَوْلِهِ: وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ إِلَى الْمُرَبَّعِ، وَبِقَوْلِهِ: وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجُ أَمَلِهِ إِلَى الْخَطِّ الْمُسْتَطِيلِ الْمُنْفَرِدِ، وَبِقَوْلِهِ: وَهَذِهِ إِلَى الْخُطُوطِ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ انْحِصَارُهَا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بَعْدَهُ إِذْ جَاءَهُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْخَطِّ الْمُحِيطِ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَارِجِ عَنْهُ، انْتَهَى. وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ عَدَدُ الْخُطُوطِ سَبْعًا لِإِتْيَانِ هَذَا الْعَدَدِ كَثِيرًا عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ، وَلِأَنَّهُ عُشْرُ الْعَدَدِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْكَثْرَةِ مَعَ الْإِيمَاءِ إِلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْأَطْوَارِ السَّبْعَةِ فِي مَرَاتِبِ الْإِيقَانِ، وَمُرُورِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ عَلَى دَوَرَانِ الْأَفْلَاكِ السَّبْعَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْأَرَاضِي السَّبْعَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِهِ إِلَى النُّقْطَةِ الدَّاخِلَةِ فَغَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنَ التَّصْوِيرِ النَّبَوِيِّ، وَلِذَا مَا صَوَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَّاحِ كَالطِّيبِيِّ ﵀، ثُمَّ رَأَيْتَ صُورَةً أُخْرَى غَيْرَ الصُّورَةِ الْمَسْطُورَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ هَذِهِ: فَهَذِهِ الْهَيْئَةُ هِيَ الْمُطَابِقَةُ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْأَظْهَرُ فِي التَّصْوِيرِ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7249
٥٢٦٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: " هَذَا الْأَمَلُ، وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٢٦٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا) أَيْ: مُخْتَلِفَةٌ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُصَوَّرَةِ السَّابِقَةِ (فَقَالَ: " هَذَا ") أَيْ: أَحَدُ الْخُطُوطِ، وَهُوَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ دَائِرَةِ التَّرْبِيعِ (الْأَمَلُ) أَيْ: أَمَلُ الْإِنْسَانِ (وَهَذَا) أَيِ: الْخَطُّ الْمُرَبَّعُ الْمُحِيطُ بِهِ (" أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ") أَيْ: بَيْنَ أَوْقَاتٍ هُوَ أَيْ: أَمْرُهُ دَائِرٌ كَمَا صَوَّرَ فِي الدَّائِرَةِ بَيْنَ طَلَبِهِ الْأَمَلَ وَطَلَبِ الْأَجَلِ إِيَّاهُ (" إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ ") . وَهُوَ الْأَجَلُ الْمُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَخْطَأَهُ الْخَطُّ الْأَبْعَدُ الْخَارِجُ مِنْ دَائِرَةِ الْإِحَاطَةِ وَهُوَ خَطُّهُ مِنْ قُصُورِ الْأَمَلِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ أَيْ: هُوَ طَالِبٌ لِأَمَلِهِ الْبَعِيدِ فَتُدْرِكُهُ الْآفَاتُ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، فَتُؤَدِّيهِ إِلَى الْأَجَلِ الْمُحِيطِ بِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَرَزَ عَمُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ. . . الْحَدِيثَ. قُلْتُ: حُمِلَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ: خَطَّ خُطُوطًا عَلَى الْغَرْزِ خَطًّا ظَاهِرًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ أَنْ يَكُونَ الْخَطُّ خَطًّا ظَاهِرًا. (الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7250
٥٢٧٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢٧٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَهْرَمُ ") : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: يَشِيبُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْنَى يَضْعُفُ (" ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ ") : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَنْمُو وَيَقْوَى (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَخْلَاقِهِ (" اثْنَانِ ") : فَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ: أَنَّ الْهَرَمَ كِبَرُ السِّنِّ مِنْ بَابِ عَلِمَ، وَشَبَّ شَبَابًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ (" الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ ") أَيْ: عَلَى جَمْعِهِ وَمَنْعِهِ (" وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ ") . أَيْ: بِتَطْوِيلِ أَمَلِهِ وَتَسْوِيفِ عِلْمِهِ وَتَبْعِيدِ أَجَلِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀، قَوْلُهُ: يَشِبُّ اسْتِعَارَةٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَلْبَ الشَّيْخِ كَامِلُ الْحُبِّ يَحْتَكِمُ احْتِكَامًا مِثْلَ احْتِكَامِ قُوَّةِ الشَّابِّ فِي شَبَابِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُطَابَقَةِ لِقَوْلِهِ: يَهْرَمُ أَيْ: بِمَعْنَى يَشِيبُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ مِيرَكُ: هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: يَكْبُرُ ابْنُ آدَمَ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ انْتَهَى. فَقَوْلُهُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى رِوَايَتِهِمَا فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ فِي جَمِيعِ الْمَبْنَى، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَإِلَّا فَلَفْظُ الْجَامِعِ أَيْضًا: " «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَبْقَى مِنْهُ اثْنَانِ الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَ " يَكْبُرُ " رِوَايَةٌ لِلْبُخَارِيِّ، وَأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ السَّخَاوِيِّ فِي الْمَقَاصِدِ حَدِيثُ: " «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَبْقَى فِيهِ اثْنَانِ الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظِ: يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِيبُ فِيهِ.
стр. 7251
٥٢٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٥٢٧١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا ") أَيْ: قَوِيًّا نَشْطَانًا (" فِي اثْنَيْنِ ") أَيْ: فِي أَمْرَيْنِ (" فِي حُبِّ الدُّنْيَا ") : وَيَلْزَمُ مِنْهُ كَرَاهَةُ الْأَجَلِ (" وَطُولِ الْأَمَلِ ") . وَهُوَ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْعَمَلِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7252
٥٢٧٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٢٧٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَعْذَرَ اللَّهُ ") : قِيلَ: الْهَمْزَةُ لِلسَّلْبِ أَيْ: أَزَالَ اللَّهُ الْعُذْرَ مَنْهِيًّا (" إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ ") أَيْ: مُنْتَهَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: عُمُرَهُ (" حَتَّى بَلَّغَهُ ") : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: أَوْصَلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى بَلَغَ (" سِتِّينَ سَنَةٍ ") أَيْ: وَلَمْ يَتُبْ عَنْ ذُنُوبِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِإِصْلَاحِ عُيُوبِهِ وَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ لَمْ يُبْقِ اللَّهُ لَهُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ، وَفِيمَا ضَيَّعَ عُمْرَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ وَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْمَعْنَى أَنَّهُ أَفْضَى بِعُذْرِهِ إِلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ، يُقَالُ: أَعْذَرَ الرَّجُلُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ: بَلَغَ بِهِ أَقْصَى الْعُذْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ أَيْ: أَتَى بِالْعُذْرِ أَوْ أَظْهَرَهُ، وَهَذَا مَجَازٌ مِنَ الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْعُذْرَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى اللَّهِ، وَبِمَا يَتَوَجَّهُ لَهُ عَلَى الْعَبِيدِ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ لَهُ سَبَبًا فِي الِاعْتِذَارِ يَتَمَسَّكُ بِهِ انْتَهَى. فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَزَالَ أَعْذَارَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَأَنَّهُ أَقَامَ عُذْرَهُ فِيمَا يَفْعَلُ بِهِ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْكُلِّيَّةِ. وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ أَيْ: لَمْ يُبْقِ فِيهِ مَوْضِعًا لِلِاعْتِذَارِ حَيْثُ أَمْهَلَهُ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّامَهُرْمُزِيُّ فِي الْأَمْثَالِ، وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا بَلَغَ الْعَبْدُ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ» " وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ
стр. 7253
فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْفِرْيَابِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ: سِتِّينَ سَنَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْآيَةِ قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ سِتُّونَ سَنَةً، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي الْآيَةِ قَالَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ الشَّيْبُ.
стр. 7254
٥٢٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ ") أَيْ: فَرْضًا وَتَقْدِيرًا (" وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ ذَهَبٍ (" لَابْتَغَى ") أَيْ: لَطَلَبَ (ثَالِثًا) ، أَيْ: وَادِيًا آخَرَ أَعْظَمَ مِنْهُمَا ذُخْرًا وَهَلُمَّ جَرًّا كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (" وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ ") أَيْ: بَطْنَهُ أَوْ وَسَطَ عَيْنِهِ (" إِلَّا التُّرَابُ ") ، أَيْ: تُرَابُ الْفَقْرِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْبُخْلَ الْمُوَرِّثَ لِلْحِرْصِ مَرْكُوزٌ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالَ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْمَقَالِ: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حِرْصَ ابْنِ آدَمَ وَخَوْفَهُ مِنَ الْفَقْرِ الْبَاعِثِ لَهُ عَلَى الْبُخْلِ حَتَّى عَلَى نَفْسِهِ أَقْوَى مِنَ الطَّيْرِ الَّذِي يَمُوتُ عَطَشًا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ خَوْفًا مِنْ نَفَادِهِ، وَمِنَ الدُّودَةِ الَّتِي قُوتُهَا التُّرَابُ وَتَمُوتُ جُوعًا خَشْيَةً مِنْ فَرَاغِهِ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فِي جَنْبِ خَزَائِنِ رَحْمَةِ رَبِّ الْأَرْبَابِ كَقَطْرَةٍ مِنَ السَّحَابِ. (" وَيَتُوبُ اللَّهُ ") أَيْ: يَرْجِعُ بِالرَّحْمَةِ (" عَلَى مَنْ تَابَ ") . أَيْ: رَجَعَ إِلَيْهِ بِطَلَبِ الْعِصْمَةِ أَوْ يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِتَوْفِيقِ التَّوْبَةِ وَتَحْقِيقِ اسْتِعَاذَةِ الْعُقْبَى عَلَى مَنْ تَابَ أَيْ: مِنْ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا وَالْغَفْلَةِ عَنْ حَضْرَةِ الْمَوْلَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوتَ وَيَمْتَلِئَ جَوْفُهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ خَرَجَ عَلَى حُكْمِ غَالِبِ بَنِي آدَمَ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنَ الْحِرْصِ الْمَذْمُومِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَذْمُومَاتِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ إِنَّ بَنِي آدَمَ كُلَّهُمْ مَجْبُولُونَ عَلَى حُبِّ الْمَالِ وَالسَّعْيِ فِي طَلَبِهِ، وَأَنْ لَا يَشْبَعَ مِنْهُ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَوَفَّقَهُ لِإِزَالَةِ هَذِهِ الْجِبِلَّةِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، فَوُضِعَ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ مَوْضِعَهُ إِشْعَارًا بِأَنَّ هَذِهِ الْجِبِلَّةَ الْمَرْكُوزَةَ فِيهِ مَذْمُومَةٌ جَارِيَةٌ مَجْرَى الذَّنْبِ، وَأَنَّ إِزَالَتَهَا مُمْكِنَةٌ، وَلَكِنْ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَتَسْدِيدِهِ وَنَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] أَضَافَ الشُّحَّ إِلَى النَّفْسِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا غَزِيرَةٌ فِيهَا وَبَيَّنَ إِزَالَتَهُ لِقَوْلِهِ: يُوقَ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، وَهَهُنَا نُكْتَةٌ دَقِيقَةٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ ابْنَ آدَمَ تَلْوِيحًا إِلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرَابِ، وَمِنْ طَبِيعَتِهِ الْقَبْضُ وَالْيُبْسُ، فَيُمْكِنُ إِزَالَتُهُ بِأَنْ يُمْطِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ السَّحَائِبَ مِنْ عَمَائِمِ تَوْفِيقِهِ، فَيُثْمِرَ حِينَئِذٍ الْخِصَالَ الذَّكِيَّةَ وَالشَّمَائِلَ الرَّضِيَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﷻ : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] فَمَنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ التَّوْفِيقُ وَتَرْكُهُ وَحِرْصُهُ لَمْ يَزْدَدْ إِلَّا حِرْصًا وَتَهَالُكًا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، وَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ مَوْقِعُ رُكُوزِ الْجِبِلَّةِ وَنِيطَ لَهُ حُكْمٌ أَشْمَلُ وَأَعَمُّ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَا يَشْبَعُ مَنْ خُلِقَ مِنَ التُّرَابِ إِلَّا بِالتُّرَابِ، وَمَوْقِعُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ مَوْقِعُ الرُّجُوعِ يَعْنِي: أَنَّ ذَلِكَ الْعَسِيرَ صَعْبٌ، وَلَكِنْ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَحَقِيقٌ أَنْ لَا يَكُونُ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ خَالِقِ الْقُوَى وَالْقَدَرِ.
رَوَيْنَا عَنِ التِّرْمِذِيَّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] وَقَرَأَ فِيهَا: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ الْمُسْلِمِيَّةُ لَا الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الْمَجُوسِيَّةُ، وَمَنْ يَعْمَلْ خَيْرًا فَلَنْ يُكْفَرَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ: لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ أَنَّ لَهُ ثَانِيًا لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» . انْتَهَى (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
стр. 7255
قَالَ مِيرَكُ نَاقِلًا عَنِ التَّصْحِيحِ حَدِيثَ: " لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ " إِلَى آخِرِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَبِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا كَانَ قُرْآنًا فَنُسِخَ خَطُّهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ: فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ أُنْزِلَ أَمْ شَيْءٌ كَانَ يَقُولُهُ؟ وَلْأَنَسٍ عَنْ أُبَيٍّ قَالَ: كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ انْتَهَى. فِي الْجَامِعِ " «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ أَنَّ لَهُ وَادِيَانِ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْبَزَّارُ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ: " «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ نَخْلٍ لَتَمَنَّى مِثْلَهُ ثُمَّ تَمَنَّى مِثْلَهُ حَتَّى يَتَمَنَّى أَوْدِيَةً، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ» ".
стр. 7256
٥٢٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ: " كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٢٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ جَسَدِي) أَيْ: بِمَنْكِبِي كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَنُكْتَةُ الْأَخْذِ تَقْرِيبُهُ إِلَيْهِ وَتَوَجُّهُهُ عَلَيْهِ، لِيَتَمَكَّنَ فِي ذِهْنِهِ مَا يُلْقَى لَدَيْهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ الرَّضِيَّةَ لَا تُوجَدُ إِلَّا بِالْجَدْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ (قَالَ: " كُنْ ") أَيْ: عِشْ وَحِيدًا وَعَنِ الْخَلْقِ بَعِيدًا (" فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ لِعَدَمِ مُؤَانَسَتِكَ بِهِمْ وَقِلَّةِ مُجَالَسَتِكَ مَعَهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ أَيْ: لَا تَرْكَنْ إِلَيْهَا وَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا وَلَا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا إِلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ انْتَهَى. وَذَلِكَ لِأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ مُرُورٍ وَجِسْرُ عُبُورٍ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، وَأَنْ يَنْتَظِرَ الْمُسَافَرَةَ عَنْهَا سَاعَةً فَسَاعَةً مُتَهَيِّئًا لِأَسْبَابِ الِارْتِحَالِ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالِاسْتِحْلَالِ، مُشْتَاقًا إِلَى الْوَطَنِ الْحَقِيقِيِّ، قَانِعًا فِي سَفَرِهِ بِبُلْغَةٍ وَسُتْرَةٍ، مُسْتَقْبِلًا لِلْبَلِيَّاتِ الْكَثِيرَةِ فِي سَفَرِهِ، غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِمَا لَا يَعْنِيهِ مِنَ الْأَمَلِ الطَّوِيلِ وَالْحِرْصِ الْكَثِيرِ (" أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ") أَيْ: مُسَافِرٌ لِطَرِيقِ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ لِلتَّرَقِّي، وَالْمَعْنَى بَلْ كُنْ كَأَنَّكَ مَارٌّ عَلَى طَرِيقٍ قَاطِعٌ لَهَا بِالسَّيْرِ وَلَوْ بِلَا رَفِيقٍ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الْغُرْبَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْكُنُ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ، وَيُقِيمُ فِي مَنْزِلٍ مُدَّةَ زَمَنِهِ، فَلِلَّهِ دُرُّ طَائِفَةٍ رَفَضُوا الدُّنْيَا وَتَوَجَّهُوا إِلَى الْعُقْبَى شَوْقًا إِلَى لِقَاءِ الْمَوْلَى، وَاعْتَزَلُوا بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّ الِاسْتِئْنَاسَ بِالنَّاسِ عَلَامَةُ الْإِفْلَاسِ، وَتَجَرَّدُوا عَمَّا عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَثْقَالِ وَالْإِلْبَاسِ، بَلْ صَارُوا حُفَاةً عُرَاةً حَاسِرِي الرَّأْسِ وَهُمُ الْعُقَلَاءُ الْأَكْيَاسُ الْخَارِجُ فَضْلُهُمْ عَنْ حَدِّ الْحُدُودِ وَمِقْيَاسِ الْقِيَاسِ:
إِنْ لِلَّهِ عِبَادًا فُطُنَا ... طَلَّقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الْفِتَنَا
نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَرَفُوا ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا
جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا ... صَالِحَ الْأَعْمَالِ فِيهَا سُفُنَا
(" وَعُدَّ نَفْسَكَ ") : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ: اجْعَلْهَا مَعْدُودَةً (" فِي أَهْلِ الْقُبُورِ ") أَوْ عُدَّهَا كَائِنَةً أَوْ سَاكِنَةً فِيهِمْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ: " مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ " أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَوَاحِدَةٌ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ: مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الَّذِي أَوْرَدَهُ هُوَ لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ، وَلَفَظُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِمَنْكِبَيَّ فَقَالَ " كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» " وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ: " «وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ» " بَلْ هُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. أَقُولُ: وَفِي الْجَامِعِ: " «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. زَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: " «وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ» " وَزَادَ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَخُذْ مِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. وَزَادَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ قَوْلَهُ: «فَإِنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَدًا» ، وَجَعَلَ صَدْرَ الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا بِأَنْ قَالَ: قَالَ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: " إِذَا أَصْبَحْتَ " إِلَى آخِرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7257
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٢٧٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: «مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَأُمِّي نُطَيِّنُ شَيْئًا، فَقَالَ: " مَا هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ " قُلْتُ: شَيْءٌ نُصْلِحُهُ. قَالَ: " الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٢٧٥ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (قَالَ: مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَأُمِّي نُطَيِّنُ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: نُصْلِحُ (شَيْئًا) أَيْ: مَكَانًا أَوْ جُزْءًا (مِنَ الْبَيْتِ فَقَالَ: " مَا هَذَا ") أَيِ: اسْتِعْمَالُ الطِّينِ (" يَا عَبْدَ اللَّهِ ") أَيْ: لَا عَبْدَ الْهَوَى (قُلْتُ: شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ الْبَيْتِ (نُصْلِحُهُ) أَيْ: خَوْفًا مِنْ فَسَادِهِ، أَوْ زِيَادَةً عَلَى اسْتِحْكَامِهِ وَاسْتِبْدَادِهِ (قَالَ: " الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ ") أَيِ: الْأَمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُعَمِّرَهُ، وَعَلَى تَعْمِيرِ بِنَاءِ الْقُدَمَاءِ نَعْتَبِرُهُ أَعْجَلَ مِمَّا ذَكَرْتَهُ مِنْ أَنْ تُصْلِحَهُ وَتُعَمِّرَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِمَارَتَهُ لَمْ تَكُنْ ضَرُورِيَّةً، بَلْ كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ أَمَلٍ فِي تَقْوِيمِهِ، أَوْ صَادِرَةً عَنْ مَيْلٍ إِلَى زِينَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: كَوْنُنَا فِي الدُّنْيَا كَعَابِرِ سَبِيلٍ، أَوْ رَاكِبٍ مُسْتَظِلٍّ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَسْرِعُ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنِ اشْتِغَالِكَ بِالْبِنَاءِ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيِ: الْأَجَلُ أَقْرَبُ مِنْ تَخَرُّبِ هَذَا الْبَيْتِ أَيْ: تُصْلِحُ بَيْتَكَ خَشْيَةَ أَنْ يُهْدَمَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ، وَرُبَّمَا تَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يُهْدَمَ فَإِصْلَاحُ عَمَلِكَ أَوْلَى مِنْ إِصْلَاحِ بَيْتِكَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ﵀: هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَمْ أَجِدْهُ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَلَكِنْ أَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُعَالِجُ خِصَالَنَا قَالَ: " مَا هَذَا "؟ فَقُلْنَا: قَدْ وَهِيَ فَنَحْنُ نُصْلِحُ، فَقَالَ: " مَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ " وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ.
стр. 7258
٥٢٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُهَرِيقُ الْمَاءَ فَيَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ، فَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْمَاءَ مِنْكَ قَرِيبٌ، يَقُولُ: " مَا يُدْرِينِي لَعَلِّي لَا أَبْلُغُهُ» ". رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ (الْوَفَاءِ) .
ــ
٥٢٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُهَرِيقُ الْمَاءَ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسْكَنُ أَيْ: يَصُبُّ، وَالْمَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَوْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَبُولُ أَحْيَانًا (فَيَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ) أَيْ: أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ اكْتَفَى بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْجِدَارِ حَالَ التَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ الْغُبَارِ، (فَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْمَاءَ مِنْكَ قَرِيبٌ) ، أَيْ: فَالتَّيَمُّمُ حِينَئِذٍ غَرِيبٌ (يَقُولُ) : اسْتِئْنَافٌ (" مَا يُدْرِينِي ") : مَا لِلِاسْتِفْهَامِ (" لَعَلِّي ") : لِلْإِشْفَاقِ أَيْ: أَخَافُ (" لَا أَبْلُغُهُ ") أَيْ: لَا أَصِلُ الْمَاءَ لِمُسَارَعَةِ أَجَلِي مُبَادِرًا فَأُحِبُّ أَنْ أَكُونَ حِينَئِذٍ طَاهِرًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ الْأَشْرَفِ، وَمَا أَقْرَبَهُ إِلَى الْوَجْهِ الْأَضْعَفِ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ مُنَاسِبٍ بَابًا وَمَبْنًى حَيْثُ قَالَ أَيْ: يُسْتَعْمَلُ الْمَاءُ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ تَيَمَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ) أَيِ الْبَغَوِيُّ (" فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " كِتَابِ الْوَفَاءِ ") : اسْمُ كِتَابٍ لَهُ أَظُنُّهُ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى ﵊.
стр. 7259
٥٢٧٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ " وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ، ثُمَّ بَسَطَ، فَقَالَ: " وَثَمَّ أَمَلُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٢٧٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " هَذَا ابْنُ آدَمَ ") : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ حِسِّيَّةٌ إِلَى صُورَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" وَهَذَا أَجَلُهُ ") : وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى قُدَّامِهِ فِي مِسَاحَةِ الْأَرْضِ أَوْ فِي مِسَاحَةِ الْهَوَاءِ بِالطُّولِ أَوِ الْعَرْضِ، وَقَالَ: هَذَا ابْنُ آدَمَ، ثُمَّ أَخَّرَهَا وَأَوْقَفَهَا قَرِيبًا مِمَّا قَبْلَهُ وَقَالَ: هَذَا أَجَلُهُ. (وَوَضَعَ يَدَهُ) أَيْ: عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِقَوْلِ: هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ (عِنْدَ قَفَاهُ) أَيْ: فِي عَقِبِ الْمَكَانِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ (ثُمَّ بَسَطَ) ، أَيْ: نَشَرَ يَدَهُ عَلَى هَيْئَةِ فَتْحٍ لِيُشِيرَ بِكَفِّهِ وَأَصَابِعِهِ، أَوْ مَعْنَى بَسَطَ وَسَّعَ فِي الْمَسَافَةِ مِنَ الْمَحَلِّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ (فَقَالَ: " وَثَمَّ ") : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: هُنَالِكَ وَأَشَارَ إِلَى بُعْدِ مَكَانِ ذَلِكَ (" أَمَلُهُ ") . أَيْ: مَأْمُولُهُ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ظَرْفٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ وَالِاهْتِمَامِ، وَخُلَاصَةُ الْعِبَارَاتِ وَالِاعْتِبَارَاتِ أَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ الْمُؤَيَّدَةَ بِالْبِشَارَاتِ الْمُؤَكَّدَةِ بِالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، الْمُطَابِقَةِ لِمَا سَبَقَ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ الصُّورِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِلْإِشَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ الْمُنَبِّهَةِ مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ الْمُبَيِّنَةِ أَنَّ أَجَلَ ابْنِ آدَمَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَمَلِهِ، وَأَنَّ أَمَلَهُ أَطْوَلُ مِنْ أَجَلِهِ كَمَا قَالَ لِلَّهِ دَرُّ قَوْلِهِ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
هَذَا مَا سَنَحَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ تَوْضِيحِ الْمَرَامِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀، مُمْتَازًا عَنْ سَائِرِ الشُّرَّاحِ الْفِخَامِ: قَوْلُهُ: وَوَضَعَ يَدَهُ الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَهَذَا أَجَلُهُ لِلْجَمْعِ مُطْلَقًا فَالْمُشَارُ إِلَيْهِ أَيْضًا مُرَكَّبٌ، فَوَضْعُ الْيَدِ عَلَى قَفَاهُ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَتْبَعُهُ أَجَلُهُ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ، وَبَسْطُ الْيَدِ عِبَارَةٌ عَنْ مَدِّهَا إِلَى قُدَّامَ انْتَهَى الْكَلَامُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7260
٥٢٧٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ إِلَى جَنْبِهِ، وَآخَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ. فَقَالَ: " أَتُدْرُونَ مَا هَذَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا الْأَجَلُ " أُرَاهُ قَالَ: " وَهَذَا الْأَمَلُ، فَيَتَعَاطَى الْأَمَلَ فَلَحِقَهُ الْأَجَلُ دُونَ الْأَمَلِ» ". رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٥٢٧٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَزَ) أَيْ: أَدْخَلَ فِي الْأَرْضِ (عُودًا) أَيْ: خَشِنًا طَوِيلًا (بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ إِلَى جَنْبِهِ) أَيْ: وَغَرَزَ عُودًا آخَرَ إِلَى جَنْبِ الْعُودِ الْأَوَّلِ (وَآخَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الثَّانِي أَوْ مِنْهُمَا (فَقَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا هَذَا ") ؟ أَيْ مَجْمُوعُ مَا فَعَلْتُ، وَالْمَعْنَى أَتَعْلَمُونَ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْغَرْزِ وَالتَّقْرِيرِ، وَمَا الْغَرَضُ مِنْ هَذَا التَّصْوِيرِ؟ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أَيْ: بِمَا فِي الضَّمِيرِ (قَالَ: " هَذَا الْإِنْسَانُ ") أَيِ: الْعُودُ الْأَوَّلُ مِثَالُهُ (" وَهَذَا الْأَجَلُ ") أَيْ: وَهَذَا الْعُودُ الثَّانِي الْمُتَّصِلُ إِلَى جَنْبِهِ أَجَلُهُ أَيِ: انْتِهَاءُ عُمُرِهِ وَانْقِطَاعُ عَمَلِهِ (أُرَاهُ) : بِضَمِّ الْهَمْزِ أَيْ: قَالَ الرَّاوِي: أَظُنُّ (قَالَ: " وَهَذَا الْأَمَلُ ") أَيْ: هَذَا الْعُودُ الْأَبْعَدُ هُوَ طُولُ أَمَلِهِ وَمَآلُ آمَالِهِ، (" فَيَتَعَاطَى ") أَيْ: يَتَنَاوَلُ الْإِنْسَانُ (" الْأَمَلَ ") : بِأَنْ يُبَاشِرَهُ وَيَسْتَعْمِلَهُ، وَيَشْتَغِلَ بِمَا يَأْمُلُهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يُحَصِّلَهُ (" فَلَحِقَهُ الْأَجَلُ ") أَيْ: فَيَلْحَقُهُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَهُ، وَعَبَّرَ عَنِ الْمُضَارِعِ بِالْمَاضِي مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِ حَالِ وُقُوعِهِ (" دُونَ الْأَمَلِ ") أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ أَمَلُهُ وَيَكْمُلَ عَمَلُهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دُونَ الْأَمَلِ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ أَيْ: لَحِقَهُ وَهُوَ مُتَجَاوِزٌ عَمَّا قَصَدَهُ مِنَ الْأَمَلِ قَالَ أُمَيَّةُ:
يَا نَفْسُ مَا لَكِ دُونَ اللَّهِ مِنْ وَاقِي
(رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ ") .
стр. 7261
٥٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " عُمُرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٢٧٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " عُمُرُ أُمَّتِي ") أَيْ: غَالِبًا (" مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ ") . قِيلَ: مَعْنَاهُ آخِرُ عُمُرِ أُمَّتِي ابْتِدَاؤُهُ إِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، وَانْتِهَاؤُهُ سَبْعُونَ سَنَةً. وَقَلَّ مَنْ يَجُوزُ سَبْعِينَ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ بِدَلِيلِ شَهَادَةِ الْحَالِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ سِتِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُ سَبْعِينَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَفِيهِ أَنَّ اعْتِبَارَ الْغَلَبَةِ فِي جَانِبِ الزِّيَادَةِ عَلَى سَبْعِينَ وَاضِحٌ جِدًّا، وَأَمَّا كَوْنُ الْغَالِبِ فِي آخِرِ عُمُرِ الْأُمَّةِ بُلُوغَ سِتِّينَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْغَرَابَةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمُشَاهَدَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ عُمُرَ الْأُمَّةِ مِنْ سِنِّ الْمَحْمُودِ الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ غَالِبُ الْأُمَّةِ مَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ مِنْهُمْ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَكَابِرُ الْخُلَفَاءِ كَالصَّدِيقِ وَالْفَارُوقِ وَالْمُرْتَضَى، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مِمَّا يَصْعُبُ فِيهِ الِاسْتِقْصَاءُ وَيَعْسُرُ الِاسْتِحْصَاءُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7262
٥٢٨٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِتِّينَ إِلَى السَبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ فِي (بَابِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ) .
ــ
٥٢٨٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِتِّينَ إِلَى السَبْعِينَ» ") ، أَيْ: نِهَايَةُ إِكْثَارِ أَعْمَارِ أُمَّتِي غَالِبًا مَا بَيْنَهُمَا (" وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ ") . أَيِ: السَبْعِينَ، فَيَصِلُ إِلَى الْمِائَةِ وَمَا فَوْقَهَا، وَأَكْثَرُ مَا اطَّلَعْنَاهُ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُعَمِّرِينَ فِي الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ سِنُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ مَاتَ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ مَاتَتْ وَلَهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَلَمْ يَقَعْ لَهَا سِنٌّ، وَلَمْ يُنْكَرْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، وَأَزْيَدُ مِنْهُمَا عُمُرًا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، مَاتَ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، عَاشَ مِنْهَا سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَكْثَرُ مِنْهُ عُمُرًا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فَقِيلَ: عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ مِنْ تَارِيخِ مَوْتِهِ يُفْهَمُ أَنَّهُ عَاشَ فِي الْإِسْلَامِ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدَائِنِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ أَدْرَكْنَا سَيِّدَنَا السَّيِّدَ زَكَرِيَّا وَسَمِعْنَا مِنْهُ أَنَّ عُمُرَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . وَكَذَا أَبُو يَعْلَى فِي مَسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ. قَالَ ابْنُ الرَّبِيعِ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا: " «مُعْتَرَكُ الْمَنَايَا مَا بَيْنَ السِتِّينَ إِلَى السَبْعِينَ» " انْتَهَى. لَكِنْ فِي الْجَامِعِ أَسْنَدَهُ إِلَى الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) : بِكَسْرِ الشِّينِ وَالْخَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَضُبِطَ فِيمَا سَبَقَ بِدُونِ لَامِ التَّعْرِيفِ. (فِي بَابِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ) أَيْ: فِي أَوَاخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي، وَهُوَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَثَلُ ابْنِ آدَمَ " أَيْ: صُوِّرَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَنِّيَةً أَيْ: مُهْلِكَةً إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا وَقَعَ فِي الْهَرَمِ حَتَّى يَمُوتَ» انْتَهَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ مُنَاسَبَتَهُ هُنَا أَظْهَرُ مِنْ هُنَاكَ فَإِنْ حَمَلُوهُ إِلَيْهِ فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُسْقِطَ عَنْ تَكْرَارٍ فَقَدْ يَسْلَمُ لَدَيْهِ.
стр. 7263
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٢٨١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «أَوَّلُ صَلَاحِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْيَقِينُ وَالزُّهْدُ، وَأَوَّلُ فَسَادِهَا الْبُخْلُ وَالْأَمَلُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٢٨١ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «أَوَّلُ صَلَاحِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْيَقِينُ» ") أَيْ: فِي أَمْرِ الْعُقْبَى (" وَالزُّهْدِ ") أَيْ: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا (" وَأَوَّلُ فَسَادِهَا الْبُخْلُ ") : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ هُنَا لِمُشَاكَلَةِ قَوْلِهِ: (" وَالْأَمَلُ ") . فَالْأَمَلُ إِنَّمَا هُوَ الْغَفْلَةُ عَنْ سُرْعَةِ الْقِيَامَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، وَالْبُخْلُ إِنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: صَلَاحُ الدِّينِ الْوَرَعُ وَفَسَادُهُ الطَّمَعُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّ الْيَقِينَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ الْمُتَكَفِّلُ لِلْأَرْزَاقِ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فَمَنْ تَيَقَّنَ هَذَا زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ يَأْمُلْ وَلَمْ يَبْخَلْ ; لِأَنَّ الْبَخِيلَ إِنَّمَا يُمْسِكُ الْمَالَ لِطُولِ الْأَمَلِ وَعَدَمِ الْيَقِينِ.
رُوِيَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَلَوْتُ عَلَى أَعْرَابِيٍّ وَالذَّارِيَاتِ فَلَمَّا بَلَغْتُ قَوْلَهُ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قَالَ: حَسْبُكَ، وَقَامَ إِلَى نَاقَتِهِ فَنَحَرَهَا وَوَزَّعَهَا عَلَى مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَعَمَدَ إِلَى سَيْفِهِ وَقَوْسِهِ فَكَسَرَهُمَا وَوَلَّى، فَلَقِيتُهُ فِي الطَّوَافِ قَدْ نَحَلَ جِسْمُهُ وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَاسْتَقْرَأَ السُّورَةَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ الْآيَةَ صَاحَ وَقَالَ: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، قَالَ: وَهَلْ غَيْرُ هَذَا؟ فَقَرَأْتُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣] فَصَاحَ وَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! مَنْ ذَا الَّذِي أَغْضَبَ الْجَلِيلَ حَتَّى حَلَفَ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتَّى أَلْجَأَهُ إِلَى الْيَمِينِ، قَالَهَا ثَلَاثًا وَخَرَجَتْ مَعَهَا نَفْسُهُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") .
стр. 7264
٥٢٨٢ - وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِلُبْسِ الْغَلِيظِ وَالْخَشِنِ، وَأَكْلِ الْجَشِبِ، إِنَّمَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قِصَرُ الْأَمَلِ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٥٢٨٢ - (وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ) أَيِ: الْكُوفِيِّ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَحُجَّةِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ، جَمَعَ زَمَنَهُ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ وَالْحَدِيثِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالْعِفَّةِ، وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ، أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى دِينِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، وَثِقَتِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَحَدُ أَقْطَابِ الْإِسْلَامِ وَأَرْكَانِ الدِّينِ، وُلِدَ فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، سَمِعَ خَلْقًا كَثِيرًا. وَرَوَى عَنْ مَعْمَرٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمَالِكٍ وَشُعْبَةَ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ سِوَاهُمْ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِلُبْسِ الْغَلِيظِ) أَيْ: فِي الْغَزْلِ (وَالْخَشِنِ) ، بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: فِي النَّسْجِ (وَأَكْلِ الْجَشِبِ) ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: وَلَا بِأَكْلِ الْغَلِيظِ الْجَشِبِ مِنَ الطَّعَامِ، وَقِيلَ: غَيْرُ الْمَأْدُومِ (إِنَّمَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قِصَرُ الْأَمَلِ) . بِكَسْرِ قَافٍ فَفَتْحِ صَادٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيِ: اقْتِصَارُ الْأَمَلِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْأَجَلِ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الزُّهْدَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ مَا يَكُونُ فِي الْحَالِ الْقَلْبِيِّ مِنْ عُزُوفِ النَّفْسِ عَنِ الدُّنْيَا وَمَيْلِهَا إِلَى الْعُقْبَى، وَلَيْسَ الْمَدَارُ عَلَى الِانْتِفَاعِ الْقَالَبِيِّ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ التَّقَشُّفُ فِي اللُّبْسِ وَالتَّقَلُّلِ فِي كَمِّيَّةِ الْأَكْلِ وَكَيْفِيَّتِهِ لَهُ تَأْثِيرٌ بَلِيغٌ فِي اسْتِقَامَةِ الْعَبْدِ عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُبَّ الدُّنْيَا فِي الْقَلْبِ هُوَ الْمُهْلِكُ لِلْهَالِكِ لَا وُجُودَهَا عَلَى قَالَبِ السَّالِكِ، وَشَبَّهَ الْقَلْبَ بِالسَّفِينَةِ حَيْثُ إِنَّ الْمَاءَ الْمُشَبَّهَ بِالدُّنْيَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] إِنْ دَخَلَ دَاخِلَ السَّفِينَةِ أَغْرَقَهَا مَعَ
стр. 7265
أَهْلِهَا، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهَا وَحَوْلَهَا سَيَّرَهَا وَأَوْصَلَهَا إِلَى مَحَلِّهَا، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» " وَقَدِ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وَأَكَابِرِ الْمَلَامِيَّةِ لُبْسَ الْعَوَامِّ، وَبَعْضُهُمْ لُبْسَ أَكَابِرِ الْفِخَامِ تَسَتُّرًا لِأَحْوَالِهِمْ وَمَنَازِلِهِمُ الْكِرَامِ، وَيَتَعَدَّى عَمَّا يُنَادَى: لُبْسُ الْمُرَقَّعِ مِنَ الشِّكَايَةِ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ، وَإِلَى السُّؤَالِ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَمِنَ الطَّمَعِ فِي غَيْرِ الْمَطْمَعِ، وَمِنَ الْمَظِنَّةِ فِي مَوْقِعِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: " «لَيْسَ الْبِرُّ فِي حُسْنِ اللِّبَاسِ وَالزِّيِّ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» " هَذَا وَالطُّرُقُ إِلَى اللَّهِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ، وَالْمَدَارُ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَالْخَلَاصِ عَنِ الْعَلَائِقِ وَالْعَوَائِقِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
стр. 7266
٥٢٨٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ أَيُّ شَيْءٍ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: طِيبُ الْكَسْبِ وَقِصَرُ الْأَمَلِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢٨٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُسَيْنِ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ، وَهُوَ وَشَيْخُهُ لَيْسَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ سُئِلَ (أَيُّ شَيْءٍ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: طِيبُ الْكَسْبِ) أَيِ: الْمَكْسُوبِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ بِأَنْ يَكُونَ حَلَالًا طَيِّبًا يُوَرِّثُ عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلًا صَالِحًا ; لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى لِلرَّسُولِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] (وَقِصَرُ الْأَمَلِ) أَيْ: بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ مَخَافَةَ إِتْيَانِ الْأَجَلِ الْمُزَهِّدِ فِي الدُّنْيَا الْمُرَغِّبِ فِي الْعُقْبَى. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ مَدْخَلٍ لِطِيبِ الْكَسْبِ فِي الزُّهْدِ؟ قُلْتُ: هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الزُّهْدَ فِي مُجَرَّدِ تَرْكِ الدُّنْيَا وَلُبْسِ الْخَشِنِ وَأَكْلِ الْجَشِبِ، أَيْ: لَيْسَ حَقِيقَةُ الزُّهْدِ مَا زَعَمْتَهُ، بَلْ حَقِيقَتُهُ أَنْ تَأْكُلَ الْحَلَالَ، وَتَلْبَسَ الْحَلَالَ، وَتَقْنَعَ بِالْكَفَافِ، وَتُقْصِرَ الْأَمَلَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا بِإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ بِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ» " انْتَهَى. وَتَمَامُهُ، عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: «وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُلْقِيَتْ لَكَ» ". وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ مِنْ أَوَاخِرِ الْبَابِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: لِمَا لَمْ تُصَنِّفْ فِي التَّصَوُّفِ؟ فَقَالَ: صَنَّفْتُهُ وَأَلَّفْتُهُ. فَقِيلَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: كِتَابُ الْبَيْعِ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ صِحَّتَهُ وَفَسَادَهُ يَأْكُلْ حَرَامًا، وَمَنْ أَكَلَ حَرَامًا لَا يَصْلُحُ حَالُهُ أَبَدًا (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ") .
стр. 7267
[بَابُ اسْتِحْبَابِ الْمَالِ وَالْعُمُرِ لِلطَّاعَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٨٤ - عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ " فِي (بَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ) .
ــ
[٣] اسْتِحْبَابُ الْمَالِ وَالْعُمُرِ لِلطَّاعَةِ
أَيْ: جَوَازُ طَلَبِ حُبِّ الْمَالِ وَطُولِ الْعُمُرِ لِصَرْفِهَا فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٨٤ - (عَنْ سَعْدٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ» ") أَيْ: مَنْ يَتَّقِي الْمَنَاهِي أَوْ مَنْ لَا يَصْرِفُ مَالَهُ فِي الْمَلَاهِي، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَتَّقِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَيَتَوَرَّعُ عَنِ الْمُشْتَهَيَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ (" الْغَنِيَّ ") : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْمُرَادُ بِالْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَهَذَا هُوَ الْغِنَى الْمَحْبُوبُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» " وَأَشَارَ الْقَاضِي ﵀ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غِنَى الْمَالِ. قُلْتُ: وَهَذَا
стр. 7268
هُوَ الْمُنَاسِبُ لِعُنْوَانِ الْبَابِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي غِنَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْغِنَى وَالْفَرْدُ الْأَكْمَلُ فِي الْمَعْنَى، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غِنَى الْيَدِ الْمُوجِبُ لِتَحْصِيلِ الْخَيْرَاتِ وَالْمَبَرَّاتِ فِي الدُّنْيَا، وَوُصُولِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ فِي الْعُقْبَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَتَحَقَّقَ بُرْهَانُهُ. (" الْخَفِيَّ ") . بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ: الْخَامِلَ الْمُنْقَطِعَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ الْمُشْتَغِلَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، أَوِ الْخَفِيَّ الْخَيْرِ بِأَنْ يَعْمَلَهُ وَيَصْرِفَ مَالَهُ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِ حَيْثُ لَا يُطْلِعَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، الشَّامِلَ لِلْفَقِيرِ أَيْضًا، كَمَا وَرَدَ: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَرُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ أَيِ: الْمُشْفِقَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ الْوَاصِلُ لِلرَّحِمِ اللَّطِيفُ بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ: الِاعْتِزَالُ أَفْضَلُ مِنَ الِاخْتِلَاطِ، وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الِاخْتِلَاطِ تَأَوَّلَ هَذَا بِالِاعْتِزَالِ فِي وَقْتِ الْفِتْنَةِ. أَقُولُ: أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَاطِ أَرْبَابِ الْبَطَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: أَرَادَ بِهِ الْخَفِيَّ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فِي نَوَافِلِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الرِّيَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْ لَا يَتَكَبَّرُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَفْتَخِرُ عَلَيْهِمْ بِالْمَالِ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مُنْكَسِرَةً مِنَ التَّوَاضُعِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ قَلِيلَ التَّرَدُّدِ وَالْخُرُوجِ إِلَى نَحْوِ الْأَسْوَاقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ. وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَلْحَقَ بَعْدَ قَوْلِهِ: التَّقِيَّ، النَّقِيَّ بِالنُّونِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِهِ، وَلَا فِي الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ.
(وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ ") أَيْ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا» (فِي " بَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ") : صَوَابُهُ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمُنَاسِبَيْنِ لِلْبَابَيْنِ بِاعْتِبَارِ الرَّجُلَيْنِ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِفَضْلِ الْقُرْآنِ خُصَّ بِهِ أَوَّلًا مُقَرَّرًا وَصَارَ الثَّانِي مُسْتَدْرَكًا مُكَرَّرًا.
стр. 7269
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٢٨٥ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ «- أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ". قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٢٨٥ - (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) : بِالتَّاءِ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ) أَيْ: أَيُّ أَصْنَافِهِمْ (خَيْرٌ) أَيْ: أَخْيَرُ (قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ ") بِضَمَّتَيْنِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْصَحُ الْوَارِدُ فِي كَلَامِهِ سُبْحَانَهُ، وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ تَخْفِيفًا، وَفَتْحُ الْعَيْنِ وَسُكُونُ الْمِيمِ لُغَةٌ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] وَفِي الْقَامُوسِ: الْعُمُرُ بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ الْحَيَاةُ. (" وَحَسُنَ عَمَلُهُ " قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ) ؟ أَيْ: أَشَرُّ (قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ") . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْجُرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ، وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ، فَمَنْ مَضَى لِطَيِّبِهِ فَازَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ لَمْ يَرْبَحْ وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا، انْتَهَى. وَبَقِيَ صِنْفَانِ مُسْتَوِيَانِ لَيْسَ فِيهِمَا زِيَادَةٌ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَهُمَا: مَنْ قَصُرَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ أَوْ سَاءَ عَمَلُهُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ مَرْفُوعًا " طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ " وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا ".
стр. 7270
٥٢٨٦ - وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا قُلْتُمْ؟ " قَالُوا: دَعَوْنَا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَيَرْحَمَهُ وَيُلْحِقَهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ " أَوْ قَالَ: " صِيَامُهُ بَعْدَ صِيَامِهِ ; لِمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 7271
٥٢٨٦ - (وَعَنْ عُبَيْدِ) : بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ خَالِدٍ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ: سَلَمِيٌّ بَهْزِيٌّ مُهَاجِرِيٌّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخَى) أَيْ: عَقَدَ الْأُخُوَّةَ وَبَيْعَةَ الصُّحْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) أَيْ: مِنْ أَصْحَابِهِ (فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا) أَيِ: اسْتُشْهِدَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: فِي الْجِهَادِ (ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ) أَيْ: عَلَى فِرَاشِهِ (بَعْدَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بَعْدُ بِضَمِّ الدَّالِ مَبْنِيًّا وَالْمَعْنَى بَعْدَ قَتْلِ أَخِيهِ (بِجُمُعَةٍ) أَيْ: بِأُسْبُوعٍ (أَوْ نَحْوِهَا) أَيْ: قَرِيبًا مِنْهَا تَخْمِينًا أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ احْتِيَاطًا (فَصَلَّوْا) أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْآخَرِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا قُلْتُمْ؟ ") أَيْ: فِي حَقِّهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَمَا لِلِاسْتِفْهَامِ (قَالُوا: دَعَوْنَا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ) أَيْ: ذُنُوبَهُ (وَيَرْحَمَهُ) أَيْ: يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ وَيُثِيبَهُ (وَيُلْحِقَهُ) : مِنَ الْإِلْحَاقِ، أَيْ: يُوصِلَهُ (بِصَاحِبِهِ) أَيْ: فِي عُلُوِّ دَرَجَتِهِ لِكَيْ يَكُونَا فِي مَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى، كَمَا كَانَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَحَبَّةِ فِي الدُّنْيَا، (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَأَيْنَ ") : جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ اللَّهَ بِأَنْ يُلْحِقَهُ بِصَاحِبِهِ، زَعْمًا مِنْكُمْ أَنَّ مَرْتَبَتَهُ دُونَ مَرْتَبَةِ أَخِيهِ، فَأَيْنَ (" صَلَاتُهُ ") أَيِ: الزَّائِدَةُ لِلْمَيِّتِ (" بَعْدَ صِلَاتِهِ ") أَيِ: الْوَاقِعَةِ لِلشَّهِيدِ (" وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ ") : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَوِ التَّقْدِيرُ وَسَائِرُ عَمَلِهِ أَيْ: عَمَلُ الْمَيِّتِ بَعْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِ الشَّهِيدِ. (أَوْ قَالَ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (" صِيَامُهُ بَعْدَ صِيَامِهِ ") وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَوِ الْمُتَخَلِّفُ كَانَ مِمَّنْ يَصُومُ النَّافِلَةَ كَثِيرًا (" لِمَا بَيْنَهُمَا ") : قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: اللَّامُ فِيهِ تَوْطِئَةٌ لِلْقَسَمِ أَوْ لِلِابْتِدَاءِ. قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْمُوطِّئَةِ أَنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِإِنِ الشَّرْطِيَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [الزمر: ٦٥] الْآيَةَ. نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ أَيْ: وَاللَّهِ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْمَعْنَى لِلتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ فِي الْقُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (" أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ") يَعْنِي مَرْتَبَةُ الْمَيِّتِ أَعْلَى فَإِلْحَاقُ الشَّهِيدِ بِهِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَيْضًا كَانَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَهُ الْمُشَارَكَةُ فِي الشَّهَادَةِ حُكْمًا وَطَرِيقَةً، وَلَهُ الزِّيَادَةُ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ شَرِيعَةً وَحَقِيقَةً، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَا عَمَلَ أَزْيَدُ ثَوَابًا عَلَى الشَّهَادَةِ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِظْهَارًا لِدِينِهِ، لَا سِيَّمَا فِي مَبَادِئِ الدَّعْوَةِ مَعَ قِلَّةِ أَعْوَانِهِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَفْضُلُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْعَمَلِ بِلَا شَهَادَةٍ عَلَى عَمَلِهِ مَعَهَا؟ قُلْتُ: قَدْ عَرَفَ ﷺ أَنَّ عَمَلَ هَذَا بِلَا شَهَادَةٍ سَاوَى عَمَلَهُ مَعَ شَهَادَتِهِ بِسَبَبِ مَزِيدِ إِخْلَاصِهِ وَخُشُوعِهِ، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ بِمَا عَمِلَ بَعْدَهُ، وَكَمْ مِنْ شَهِيدٍ لَا يُدْرِكُ شَيْئًا، وَالصِّدِّيقُ فِي الْعَمَلِ انْتَهَى، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِقِلَّةِ الْإِخْلَاصِ لِلشَّهِيدِ، فَهَذَا الظَّنُّ بِالصَّحَابَةِ لَيْسَ بِالسَّدِيدِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا عِلَّةَ التَّفْضِيلِ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَجْهِ التَّعْلِيلِ، وَلَا كَلَامَ فِي الصِّدِّيقِ أَنَّهُ مِمَّنْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِزِيَادَةِ التَّوْفِيقِ، مَعَ أَنَّهُ ﵁ شَهِيدٌ حُكْمًا، وَقَدْ قَدَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَرْتَبَةَ الصَّدِّيقِينَ عَلَى الشُّهَدَاءِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . رِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعَةَ السُّلَمِيَّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ. قَالَ النَّسَائِيُّ: إِنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ صَحَابِيًّا فَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ بِضَعْفٍ، وَأَمَّا عُبَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ الْبَهْزِيُّ فَلَهُ صُحْبَةٌ وَنَزِيلُ الْكُوفَةِ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ، وَتَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ. وَفِي التَّقْرِيبِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ فَرْقَدٍ السُّلَمِيُّ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ، وَنَفَاهَا أَبُو حَاتِمٍ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ كَلَامٍ فِي هَذَا الْمَرَامِ.
стр. 7272
٥٢٨٧ - وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ. وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ فَاحْفَظُوهُ " فَقَالَ: " إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ رَحِمَهُ، وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ بِحَقِّهِ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَتَخَبَّطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبُدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ نِيَّتُهُ وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ــ
٥٢٨٧ - (وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ نَزَلَ الشَّامَ، رَوَى عَنْهُ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وَنُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " ثَلَاثٌ ") أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ (" أُقْسِمُ ") أَيْ: أَحْلِفُ (" عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ ") : عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " ثَلَاثٌ " بِحَسَبِ الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أُخْبِرُكُمْ بِثَلَاثٍ أُؤَكِّدُهُنَّ بِالْقَسَمِ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ (" حَدِيثًا ") أَيْ: تَحْدِيثًا عَظِيمًا أَوْ بِحَدِيثٍ آخَرَ (" فَاحْفَظُوهُ ") أَيِ: الْأَخِيرَ أَوِ الْمُجَمَّعَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ مِنَ التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ وَالتَّحْرِيرِ الْمَسْطُورِ قَوْلُهُ: (" فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ ") أَيِ: الَّذِي أُخْبِرُكُمْ بِثَلَاثٍ وَأَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ، هُوَ هَذَا الَّذِي أُبَيِّنُهُ (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنَ (" مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ ") أَيْ: بَرَكَتُهُ (" مِنْ صَدَقَةٍ ") أَيْ: مِنْ أَجْلِ إِعْطَاءِ صَدَقَةٍ لِأَنَّهَا مَخْلُوفَةٌ مُعَوَّضَةٌ كَمِّيَّةً أَوْ كَيْفِيَّةً فِي الدَّارِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى ﷻ : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] (" وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" مَظْلِمَةً ") : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ اسْمُ مَا أَخَذَهُ الظَّالِمُ ظُلْمًا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَظْلِمَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ مَا يَظْلِمُهُ الرَّجُلُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ صِفَتُهُ قَوْلُهُ: (" صَبَرَ ") أَيِ: الْعَبْدُ (" عَلَيْهَا ") أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَلَوْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِنَوْعٍ عَنِ الْمَذَلَّةِ (" إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا ") أَيْ: عِنْدَهُ تَعَالَى، كَمَا أَنَّهُ يَزِيدُ لِلظَّالِمِ عِنْدَهُ ذُلًّا بِهَا أَوْ يَزِيدُهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا لَهُ فِي الدُّنْيَا مُعَاقَبَةً، كَمَا يَحْصُلُ لِلظَّالِمِ ذُلٌّ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ مَنَّ الْمُدَّةِ، بَلْ رُبَّمَا يَنْقَلِبُ الْأَمْرُ وَيَجْعَلُ الظَّالِمَ تَحْتَ ذُلِّ الْمَظْلُومِ جَزَاءً وِفَاقًا، (" وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ ") أَيْ: عَلَى نَفْسِهِ (" بَابَ مَسْأَلَةٍ ") أَيْ: بَابَ سُؤَالٍ وَطَلَبٍ مِنَ النَّاسِ لَا لِحَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، بَلْ لِقَصْدِ غِنًى وَزِيَادَةٍ (" إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ") أَيْ: بَابَ احْتِيَاجٍ آخَرَ وَهَلُمَّ جَرَّا، أَوْ بِأَنْ سَلَبَ عَنْهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ النِّعْمَةِ فَيَقَعُ فِي نِهَايَةٍ مِنَ النِّقْمَةِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي أَصْحَابِ التُّهْمَةِ، وَمُثِّلَ حَالُهُ بِالْحِمَارِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ الذَّنَبُ، وَهُوَ دَائِرٌ فِي الطَّلَبِ، فَدَخَلَ فِي بُسْتَانٍ حَرِيصًا عَلَيْهِ فَقَطَعَ الْحَارِثُ أُذُنَيْهِ، وَشُبِّهَ أَيْضًا بِكَلْبٍ فِي فَمِهِ عَظْمٌ، وَمَرَّ عَلَى نَهْرٍ لِطَيْفٍ يَظْهَرُ مِنْ تَحْتِهِ عَظْمٌ نَظِيفٌ، فَفَتَحَ الْكَلْبُ فَمَهُ حِرْصًا عَلَى أَخْذِ مَا فِي قَعْرِ الْمَاءِ فَوَقَعَ مَا فِي فَمِهِ مِنَ الْعَظْمِ فِي الْمَاءِ، فَالْحِرْصُ شُؤْمٌ وَالْحَرِيصٌ مَحْرُومٌ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ أَفْرَدَهُ وَذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْمَذْكُورِ مَوْعُودًا، وَجَمَعَ الْمَرْجِعَ إِلَى الْمَوْصُولِ بِاعْتِبَارِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَاتِ، وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] فِي وَجْهٍ أَيِ: الْجَمْعُ أَوِ الْفَوْجُ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: أَمَّا اللَّاتِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْقِيقَ الْحَلِفِ، بَلْ تَأْكِيدَهُ تَنْوِيهًا فَإِنَّ الْمُدَّعِي يُثْبِتُ بِذِكْرِ الْقَسَمِ تَارَةً وَأُخْرَى بِلَفْظِ الْقَسَمِ، انْتَهَى.
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ فَأَمَّا قَوْلِي الَّذِي أُقْسِمُ فِيهِ عَلَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ، وَأُؤَكِّدُهُ فَإِنَّهُ إِلَى آخِرِهِ. (" وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ " فَقَالَ: " إِنَّمَا الدُّنْيَا ") : هُوَ تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ، بَلْ قَالَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً لِلتَّأْكِيدِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنَّمَا الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَامِعِ لَفْظُ فَقَالَ: بَلْ فِيهِ: إِنَّمَا الدُّنْيَا (لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ) أَيْ: كُلٌّ وَاحِدٍ عِبَارَةٌ عَنْ جَمْعٍ وَصِنْفٍ (" عَبْدٍ ") : بِالْجَرِّ وَيُرْفَعُ (" رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا ") فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ رِزْقٌ أَيْضًا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَرْزُقُ الْعِلْمَ وَالْمَالَ، وَبِتَوْفِيقِهِ وَفَتْحِهِ يُفْتَحُ بَابُ الْكَمَالِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ: «إِنَّ عِلْمًا لَا يُقَالُ بِهِ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ» ، فَيَدْخُلُ الْعُلَمَاءُ وَلَوْ كَانُوا فَقُرَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ثُمَّ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ هُنَا مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ ضَرُورَةِ الْحَالِ (" فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ ") أَيْ: فِي الْمَالِ (" رَبَّهُ ") بِأَنْ لَا يَصْرِفَ مَالَهُ فِي مَعْصِيَةِ خَالِقِهِ (" وَيَصِلُ رَحِمَهُ ") أَيْ: بِالْمُوَاسَاةِ إِلَى أَقَارِبِهِ (وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعِلْمِ (" بِحَقِّهِ ")
стр. 7273
أَيْ: قِيَامًا بِحَقِّ الْعِلْمِ وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنَ الْعَمَلِ بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ، فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ الْجَامِعِ: وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، وَيُمْكِنُ رُجُوعُ كُلٍّ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ إِلَى كُلٍّ مِنَ الْمَالِ وَالْعِلْمِ، وَأَفْرَدَهُ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَيْ: بِحَقِّ الْمَالِ، وَالْمَعْنَى يُؤَدِّي مَا فِي الْمَالِ مِنَ الْحُقُوقِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّفَقَةِ وَإِطْعَامِ الضَّيْفِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلَّهِ أَيْ: بِحَقِّ اللَّهِ الْوَاجِبِ فِي الْمَالِ (" فَهَذَا ") أَيِ: الْعَبْدُ الْمَوْصُوفُ بِمَا ذُكِرَ (" بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ ") أَيْ: فِي أَكْمَلِ مَرَاتِبِ الشَّمَائِلِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ فِي الْعُقْبَى (" وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ ") أَيْ: ظَاهِرُهُ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الطَّوِيَّةِ (" يَقُولُ ") أَيْ: بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ (" لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ ") أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ (" فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ") . وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٍ (" وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَتَخِبَّطُ ") : بِكَسْرِ الْخَاءِ بِدُونِ فَهُوَ، فَهُوَ حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَالْمَعْنَى يَقُومُ وَيَقْعُدُ بِالْجَمْعِ وَالْمَنْعِ (" فِي مَالِهِ ") : أَوْ يَخْتَلِفُ فِي حَالِهِ بِاعْتِبَارِ الْإِنْفَاقِ وَالْإِمْسَاكِ فِي مَالِهِ (" بِغَيْرِ عِلْمٍ ") أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِعْمَالِ عِلْمٍ بِأَنْ يُمْسِكَ تَارَةً حِرْصًا وَحُبًّا لِلدُّنْيَا، وَيُنْفِقَ أُخْرَى لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، (" لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ ") أَيْ: لِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي أَخْذِهِ وَصَرْفِهِ (" وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ") ، أَيْ: لِقِلَّةِ رَحْمَتِهِ وَعَدَمِ حِلْمِهِ وَكَثْرَةِ حِرْصِهِ وَبُخْلِهِ (" وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ ") أَيْ: بِنَوْعٍ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ وَبِعِبَادِهِ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا (" فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ ") أَيْ: مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ (" فَهُوَ نِيَّتُهُ ") أَيْ: فَهُوَ مَغْلُوبُ نِيَّتِهِ، وَمَحْكُومُ طَوِيَّتِهِ، أَوِ الْحَمْلُ بِطَرِيقِ الْمُبَالِغَةِ، فَكَأَنَّهُ عَيَّنَ نِيَّتَهُ كَرَجُلٍ عَدْلٍ. وَفِي نُسْخَةٍ: فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، وَكَذَا فِي الْجَامِعِ أَيْ: مُجْزًى بِهَا وَمُعَاقَبٌ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ إِثْمَهُ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ دُونَ إِثْمِ الْعَامِلِ الْمُشْتَمِلِ عَمَلُهُ عَلَى النِّيَّةِ وَالْمُبَاشَرَةِ أَكَّدَ الْوَعِيدَ وَشَدَّدَ التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: (" وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ ") : وَلَفْظُ الْجَامِعِ: فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَهُوَ نِيَّتُهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، أَيْ: يُسِيءُ النِّيَّةَ يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ فِي الْقَرِينَةِ الْأُولَى، وَقَوْلُهُ: يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا إِلَى آخِرِهِ، تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: صَادِقُ النِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ: فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا إِلَى آخِرِهِ مُقَابِلُ قَوْلِهِ: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ: وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ مُتَقَابِلَانِ. قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَافِي خَبَرَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ» " لِأَنَّهُ عَمِلَ هُنَا بِالْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ، وَالْمُتَجَاوَزُ عَنْهُ هُوَ الْقَوْلُ النَّفْسَانِيُّ، انْتَهَى. وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ: إِنَّ هَذَا إِذَا لَمْ يُوَطِّنُ نَفْسَهُ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ قَلْبُهُ بِفِعْلِهَا، فَإِنْ عَزَمَ وَاسْتَقَرَّ يُكْتَبْ مَعْصِيَةً، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: حَدِيثُ أَبِي كَبْشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ: وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ صَدْرَ الْحَدِيثِ فَقَطْ وَلَفْظُهُ: " «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ قَطُّ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا، وَلَا عَفَا رَجُلٌ مَظْلِمَةً ظُلِمَهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﷻ بِهَا عِزًّا، فَاعْفُوا يَزِدْكُمُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» ". فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مُرَكَّبٌ مِنْ حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُمَا الرَّاوِي وَجَعَلَهُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ لَفْظَ الْجَامِعِ عَنِ الْأَنْمَارِيِّ: ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ إِلَى قَوْلِهِ: بَابَ فَقْرٍ. ثُمَّ قَالَ: وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ وَإِنَّمَا الدُّنْيَا إِلَخْ. فَالتَّفْسِيرَاتُ الْمُحْتَاجَةُ إِلَى التَّأْوِيلَاتِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7274
٥٢٨٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ ". فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٢٨٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا ") أَيْ: فِي عَاقِبَتِهِ (" اسْتَعْمَلَهُ ") أَيْ: جَعَلَهُ عَامِلًا (" فِي الطَّاعَةِ ") : فَإِنَّهُ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْعَمَلِ (" فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ") أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ دَائِمُ الِاسْتِعْمَالِ (قَالَ: " يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ ") . أَيْ: حَتَّى يَمُوتَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْعِبَادَةِ، فَيَكُونَ لَهُ حُسْنُ الْخَاتِمَةِ، وَزَادَ فِي الْجَامِعِ: ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَلَفْظُهُ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا طَهَّرَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ". قَالُوا: وَمَا طُهْرُ الْعَبْدِ؟ قَالَ: عَمَلٌ صَالِحٌ يُلْهِمُهُ إِيَّاهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ عَلَيْهِ ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي عَنْبَسَةَ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ " بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالُوا: وَمَا عَسَلَهُ؟ بِالضَّبْطِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْحِكَايَةِ. قَالَ: " يَفْتَحُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ» ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ ". قِيلَ: وَمَا اسْتَعْمَلَهُ؟ قَالَ: يَفْتَحُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ مَنْ حَوْلَهُ.» هَذَا وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ إِذَا رَضِيَ عَنِ الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ بِسَبْعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْخَيْرِ لَمْ يَعْمَلْهُ، وَإِذَا سَخِطَ عَلَى الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ بِسَبْعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الشَّرِّ لَمْ يَعْمَلْهُ» " انْتَهَى، وَكَأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى نِيَّتِهِ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَخْذِ عِبَادَةِ ظَالِمٍ لِمَظْلُومٍ وَوَضْعِ مَظْلِمَةٍ عَنْ مَظْلُومٍ عَلَى ظَالِمٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7275
٥٢٨٩ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٢٨٩ - (وَعَنْ شَدَّادٍ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْأُولَى (ابْنِ أَوْسٍ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا يَعْلَى الْأَنْصَارِيَّ. قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: كَانَ شَدَّادُ مِمَّنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْكَيِّسُ ") : بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيِ: الْعَاقِلُ الْحَازِمُ الْمُحْتَاطُ فِي الْأُمُورِ (" مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ") ، أَيْ: جَعَلَهَا دَنِيَّةً مُطِيعَةً لِأَمْرِهِ تَعَالَى، مُنْقَادَةً لِحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَذَلَّهَا وَاسْتَعْبَدَهَا. وَقِيلَ: حَاسَبَهَا. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى دَانَ نَفْسَهُ حَاسَبَهَا، انْتَهَى. أَيْ: حَاسَبَ أَعْمَالَهَا وَأَحْوَالَهَا وَأَقْوَالَهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَتْ خَيْرًا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ شَرًّا تَابَ مِنْهَا، وَاسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ فِي الْعُقْبَى، كَمَا رُوِيَ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] (" وَعَمِلَ ") أَيْ: عَمَلًا نَافِعًا (" لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْعَاجِزُ ") أَيْ: عَنِ اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي الْأَمْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَيِّسَ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، وَالْعَاجِزُ هُوَ الْمُؤْمِنُ الضَّعِيفُ، وَهُوَ (" مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ") ، مِنَ الْإِتْبَاعِ أَيْ: جَعَلَهَا تَابِعَةً لِهَوَاهَا مِنْ تَحْصِيلِ الْمُشْتَهَيَاتِ وَاسْتِعْمَالِ اللَّذَّاتِ وَالشُّبُهَاتِ، بَلْ مِنِ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ (" وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ") قَالَ: رَبِّي كَرِيمٌ رَحِيمٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] وَقَالَ: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] . وَقَالَ: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] وَقَدْ عَبَّرَ عَنِ الرَّجَاءِ مَعَ غَيْرِ الطَّاعَةِ بِلَفْظِ التَّمَنِّي إِشَارَةً إِلَى أَنَّ وُقُوعَهُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحَالِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنَ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ عَلَى طَرِيقِ الْإِفْضَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْعَاجِزُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَعَمِلَ مَا أَمَرَتْهُ بِهِ نَفْسُهُ، فَصَارَ عَاجِزًا لِنَفْسِهِ فَأَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَأَعْطَاهَا مَا اشْتَهَتْهُ، وَالْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ بِالْعَاجِزِ، وَالْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ لِلْكَيِّسِ السَّفِيهِ الرَّأْيِ، وَلِلْعَاجِزِ الْقَادِرِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الْكَيِّسَ هُوَ الْقَادِرُ، وَالْعَاجِزُ هُوَ السَّفِيهُ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ أَيْ: يُذْنِبُ، وَيَتَمَنَّى الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.
стр. 7276
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
стр. 7277
٥٢٩٠ - عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُنَّا فِي مَجْلِسٍ، فَطَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ. قَالَ: " أَجَلْ ". قَالَ: ثُمَّ خَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٢٩٠ - (عَنْ رَجُلٍ) : سَيَأْتِي اسْمُهُ (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَطَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: فَظَهَرَ كَطَلْعَةِ الشَّمْسِ (" وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ ") أَيْ: مِنَ الْغُسْلِ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ) . أَيْ: ظَاهِرَ الْبِشْرِ وَالسُّرُورِ وَمُنْشَرِحَ الْخَاطِرِ عَلَى مَا يَتَلَأْلَأُ مِنْكَ مِنَ النُّورِ. (قَالَ: " أَجَلْ ") . بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ: نَعَمْ (قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ الرَّاوِي (ثُمَّ خَاضَ الْقَوْمُ) أَيْ: شَرَعُوا وَبَالَغُوا (فِي ذِكْرِ الْغِنَى) أَيْ: فِي سُؤَالِهِ أَوْ ذَمِّ حَالِهِ وَسُوءِ مَآلِهِ. ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ » ") . أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَا بَأْسَ أَنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ (" وَالصِّحَّةُ ") أَيْ: صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَلَوْ مَعَ الْفَقْرِ لِمَنِ اتَّقَى (" خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى ") ، أَيْ: مُطْلَقًا، أَوِ الْمَعْنَى وَصِحَّةُ الْحَالِ لِمَنِ اتَّقَى الْمَالَ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى الْمُوجِبِ لِلْحِسَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْمَآلِ، (" وَطِيبُ النَّفْسِ ") أَيِ: انْشِرَاحُ الصَّدْرِ الْمُقْتَضِي لِلشُّكْرِ، وَالصَّبْرُ الْمُسْتَوِي عِنْدَهُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ (مِنَ النَّعِيمِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ النَّعِيمِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِجَنَّةِ نَعِيمٍ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّةٌ فِي الْعُقْبَى. وَقِيلَ: مِنَ النَّعِيمِ الْمَسْئُولِ عِنْدَ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ مِنْ جِنْسِ النَّعِيمِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَنَّهُ النَّعِيمُ، فَإِنَّ مَا عَدَاهُ قَدْ يُعَدُّ كَوْنُهُ مِنَ الْمَاءِ الْحَمِيمِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، عَنْ يَسَارِ بْنِ عَبْدٍ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، فَتَبَيَّنَ إِبْهَامُ الرَّجُلِ مَعَ أَنَّ جَهَالَةَ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ.
стр. 7278
٥٢٩١ - وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ الْمَالُ فِيمَا مَضَى يُكْرَهُ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرُ لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ.
وَقَالَ: مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ فَلْيُصْلِحْهُ، فَإِنَّهُ زَمَانٌ إِنِ احْتَاجَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَبْذُلُ دِينَهُ. وَقَالَ: الْحَلَالُ لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٥٢٩١ - (وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْمَالُ فِيمَا مَضَى يُكْرَهُ) أَيْ: عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ (فَأَمَّا الْيَوْمَ) أَيْ: فِي هَذَا الزَّمَانِ (فَهُوَ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ) . أَيْ: جَنَّتُهُ مِنْ جَنَّتِهِ، وَجَنَّتُهُ بَلَاءٌ مِنْهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَالَ الْحَلَالَ يَقِي صَاحِبَ الْحَالِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبْهَةِ وَالْحَرَامِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ مُلَازَمَةِ الظَّلَمَةِ وَمُصَاحَبَتِهِمْ فِي الظَّلَامِ، أَوْ يَتَسَتَّرُ بِهِ الْمُؤْمِنُ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالشُّهْرَةِ عِنْدَ الْعَوَامِّ (وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرُ) أَيْ: وَجُودُهَا عِنْدَنَا وَظُهُورُ اسْتِغْنَائِنَا بِهَا عِنْدَ الْخَلْقِ (لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ) . أَيْ: لَجَعَلُونَا مَنَادِيلَ أَوْسَاخِهِمْ، وَهَى كِنَايَةٌ عَنْ الِابْتِذَالِ وَالْمَذَلَّةِ لِلظَّلَمَةِ، أَوْ عَنْ مُوَافَقَتِهِمْ فِي تَصْوِيرَاتِ حِيَلِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْبَذْلِ، وَهُوَ الْوَسَخُ. قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: إِنَّ الْمَالَ يُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيَا. فَقَالَ: لَئِنْ أَدْنَانِي مِنَ الدُّنْيَا لَقَدْ صَانَنِي عَنْهَا، وَقِيلَ: لِأَنْ أَتْرُكَ مَالًا يُحَاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَحْتَاجَ إِلَى النَّاسِ، يَعْنِي احْتِيَاجِي إِلَى اللَّهِ خَيْرٌ مِنِ احْتِيَاجِي إِلَى مَا سِوَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ مَرْفُوعًا بِهِ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَصْفَرُ وَلَا أَبْيَضُ لَمْ يَتَهَنَّ بِالْعَيْشِ» ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ» ، هَذَا وَقَدْ قِيلَ: الدَّرَاهِمُ لِلْجِرَاحَاتِ مَرَاهِمُ.
стр. 7279
(وَقَالَ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ (مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ هَذِهِ) أَيِ: الدَّنَانِيرِ وَالْأَمْوَالِ (شَيْءٌ) أَيْ: قَلِيلٌ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ (فَلْيُصْلِحْهُ) أَيْ: لِيَصْرِفْهُ عَلَى وَجْهِ الْقَنَاعَةِ، أَوْ لَا يُتْلِفْهُ بَلْ يَسْتَرِدُّهُ بِنَوْعٍ مِنَ التِّجَارَةِ، (فَإِنَّهُ) أَيْ: زَمَانَنَا (زَمَانٌ) أَيْ: عَجِيبٌ مِنْ وَصْفِهِ (إِنِ احْتَاجَ) أَيِ: الشَّخْصُ فِيهِ (كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَبْذُلُ دِينَهُ) . أَيْ: لِتَحْصِيلِ دُنْيَاهُ، " وَأَوَّلَ " مَنْصُوبٌ، وَقِيلَ مَرْفُوعٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَوَّلَ شَخْصٍ يَبْذُلُ دِينَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُوَ، وَلَوْ حَمَلَ " مَنْ " عَلَى " مَا " كَمَا نَقَلَ الْمَالِكِيُّ عَنْ قُطْرُبٍ لَكَانَ أَبْيَنَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْكَشَّافِ: كَانَ أَوَّلَ مَا يَأْكُلُ دِينَهُ، فَمَا مَوْصُوفَةٌ، وَأَوَّلُ اسْمُ كَانَ وَدِينُهُ خَبَرُهُ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ عَكْسُهُ، بَلْ هُوَ الْأَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ.
(وَقَالَ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ (الْحَلَالُ) أَيْ: لِأَنَّهُ قَلِيلُ الْوُجُودِ فِي الْمَالِ (لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ) . أَيْ: صَرْفَهُ بِالْإِكْثَارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَلَالَ لَا يَكُونُ كَثِيرًا فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِسْرَافَ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْحَلَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْرَفَ فِيهِ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى الْغَيْرِ، انْتَهَى. وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ إِذْ مَعْنَى الْإِسْرَافِ هُوَ التَّجَاوُزُ عَنِ الْحَدِّ بِأَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِهِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَيَشْمَلُ الْمَالَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْحَلَالَ مِنْ خَاصِّيَّتِهِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْإِسْرَافِ كَصَرْفِهِ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَكَزِيَادَةِ إِعْطَاءِ الْأَطْعِمَةِ عَلَى طَرِيقِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا سَرَفَ فِي خَيْرٍ وَلَا خَيْرَ فِي سَرَفٍ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِ الْحَلَالِ وَلَوْ كَانَ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَالِ، وَأَنْ يَقْنَعَ بِهِ وَلَا يَصْرِفَهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِسْرَافِ ; لِئَلَّا يُحْوِجَ نَفْسَهُ إِلَى الْأَكَابِرِ وَالْأَشْرَافِ. (رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ") .
стр. 7280
٥٢٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ أَبْنَاءُ السِتِّينَ؟ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] » . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ أَبْنَاءُ السِتِّينَ؟» ) . أَيْ: أَصْحَابُهَا مِمَّنْ وَصَلَ عُمُرُهُ إِلَيْهَا (" وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ") أَيْ: فِي حَقِّهِ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " مَا " مَوْصُوفَةٌ، أَيْ: عَمَّرْنَاكُمْ عُمُرًا يَتَّعِظُ فِيهِ الْعَاقِلُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَّعِظَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ أَيِ: الْمُنْذِرُ أَوِ الْإِنْذَارُ، وَهُوَ الشَّيْبُ أَوِ الْقُرْآنُ أَوِ الرَّسُولُ أَوِ الْمَوْتُ أَوْ جِنْسُ الْمُنْذِرِ، فَيَشْمَلُ الْكُلَّ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") . وَقَدْ سَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً.
стр. 7281
٥٢٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلَاثَةً أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْلَمُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟ " قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا. فَكَانُوا عِنْدَهُ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا، فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ، فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِ الْآخَرُ، فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ وَالَّذِي اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيهِ، وَأَوَّلَهُمْ يَلِيهِ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ، فَقَالَ: " وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ ! لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ ; لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ» ".
ــ
٥٢٩٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ (ثَلَاثَةً) : بِالنَّصْبِ بَدَلًا أَوْ بَيَانًا مَنْ " نَفَرًا " (أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، أَوْ جَاؤُوهُ (فَأَسْلَمُوا) أَيْ: وَأَرَادُوا الْإِقَامَةَ بِنِيَّةِ الْمُجَاهَدَةِ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ.
стр. 7282
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟ ") أَيْ: مُؤْنَتَهُمْ مِنْ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " هُمْ " ثَانِي مَفْعُولَيْ يَكْفِي عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ (قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا) . أَيْ: أَكْفِيكَهُمْ (فَكَانُوا) أَيِ: الثَّلَاثَةُ أَوِ النَّفَرُ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ، (فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْثًا) أَيْ: أَرْسَلَ سَرِيَّةً، فَالْبَعْثُ بِمَعْنَى الْمَبْعُوثِ (فَخَرَجَ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْبَعْثِ (أَحَدُهُمْ، فَاسْتُشْهِدَ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: صَارَ شَهِيدًا (ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِ الْآخَرُ، فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ) ، أَيْ: مُرَابِطًا نَاوِيًا لِلْجِهَادِ (قَالَ) أَيِ: ابْنُ شَدَّادٍ (قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ) أَيْ: فِي الْمَنَامِ أَوْ فِي كَشْفِ الْمَقَامِ (هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ) أَيِ: الْكَائِنِ عَلَيْهِ (أَمَامَهُمْ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: قُدَّامَهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ أَمَامَهُمَا إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ الْمُقَدَّمُ مِنْ بَيْنِهِمْ، أَوْ يَذْهَبَ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ. (وَالَّذِي) عَطْفٌ عَلَى الْمَيِّتِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَالَّذِي (اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيهِ) أَيْ: يَقْرُبُ الْمَيِّتَ (وَأَوَّلَهَمْ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِرَفْعِهِ (يَلِيهِ) ، أَيْ: يَلِي الْمُسْتَشْهِدَ آخِرًا (فَدَخَلَنِي) أَيْ: شَيْءٌ أَوْ إِشْكَالٌ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِمَّا رَأَيْتُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالتَّأْخِيرِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ يَخْطِرُ فِي الضَّمِيرِ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مَالِكِ (فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ) ، الْفَاءُ فَصِيحَةٌ أَيْ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ مُسْتَغْرِبًا وَمُسْتَنْكِرًا (فَقَالَ: وَمَا أَنْكَرْتَ) أَيْ: وَأَيَّ شَيْءٍ أَنْكَرْتَهُ (" مِنْ ذَلِكَ؟ ") : وَالْمَعْنَى لَا تُنْكِرْ شَيْئًا مِنْهُ فَإِنَّهُ (" لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ ") : فَالِاسْتِئْنَافُ مُبَيِّنٌ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلَّةِ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ أَكْثَرَ ثَوَابًا عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ (" مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ ") : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: يَطُولُ عُمُرُهُ (" فِي الْإِسْلَامِ ; لِتَسْبِيحِهِ ") أَيْ: لِأَجْلِ تَسْبِيحِهِ (" وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ ") . أَيْ: وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ عِبَادَاتِهِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ. وَلَفْظُ الْجَامِعِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: لِتَكْبِيرِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَسْبِيحِهِ وَتَهْلِيلِهِ. قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى، وَرُوَاتُهُمَا رُوَاةُ الصَّحِيحِ، وَفِي أَوَّلِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ إِرْسَالٌ، لَكِنْ وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى بِذِكْرِ طَلْحَةَ فِيهِ، كَذَا قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَإِنْ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ إِنَّهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ الثِّقَاتِ، وَكَانَ مَعْدُودًا فِي الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ بِالسَّمَاعِ، بَلْ قَالَ: إِنَّ نَفَرًا، إِلَخْ. وَصَرَّحَ أَبُو يَعْلَى بِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ طَلْحَةَ، وَمِمَّا نَاسَبَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ هَذَا، وَحَدِيثَ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدِ الَّذِي سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي قُضَاعَةَ أَسْلَمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً. قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ وَكَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ سَنَةٍ» " وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالُبَيْهَقِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ طَلْحَةَ بِنَحْوِهِ أَطْوَلَ مِنْهُ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِي آخِرِهِ: فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
стр. 7283
٥٢٩٤ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا لَوْ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٥٢٩٤ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُزَنِيٌّ يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ (- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ عَبْدًا لَوْ خَرَّ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: لَسَقَطَ (عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلِدَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: بِجَرِّهَا مُنَوَّنَا (إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: ذَا هَرَمٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: شَيْخًا كَبِيرًا (فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ) : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ: لَعَدَّهُ قَلِيلًا لِمَا يَرَى مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ (فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوَدَّ) أَيْ: لَأَحَبَّ وَتَمَنَّى (أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ) أَيْ: لِيَزِيدَ (مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ) أَيْ: مِنْ أَجْرِ الْعُمَّالِ بِمُقْتَضَى الْوَعْدِ وَالْعُذْرِ، وَزِيَادَةِ الْمَثُوبَةِ عَلَى طَرِيقِ الْفَضْلِ (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (أَحْمَدُ) . أَيْ: فِي مَسْنَدِهِ، لَكِنِ الثَّانِي رَوَاهُ مَوْقُوفًا، وَالْأَوَّلُ رَوَاهُ مُرْسَلًا كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، والطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: " «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلِدَ إِلَى يَوْمَ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
стр. 7284
[بَابُ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ]
стр. 7285
[٤] بَابُ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٩٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٤] بَابُ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ - إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ٣ - ١٥٩] وَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِتَلَازُمِهِمَا وَعَدَمِ انْفِكَاكِهِمَا، وَقَدَّمَ التَّوَكُّلَ لِأَنَّهُ مُنْتِجُ الصَّبْرِ، وَبِهِ يَحْلُو الْمُرُّ وَيَنْكَشِفُ الضُّرُّ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّوَكُّلُ عَلَى أَحَدٍ هُوَ أَنْ يَتَّخِذَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ الْقَائِمِ بِأَمْرِهِ الْمُتَكَفِّلِ بِإِصْلَاحِ حَالِهِ عَلَى قَدْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: الْمُرَادُ بِالتَّوَكُّلِ هُوَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، انْتَهَى. وَالصَّبْرُ عَلَى مَرَاتِبَ مِنْ حَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الْمَنَاهِي وَعَنِ الْمُشْتَهَيَاتِ وَالْمَلَاهِي، وَعَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّاتِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَعَلَى تَجَرُّعِ الْمَرَارَاتِ عِنْدَ حُصُولِ الْمُصيِبَاتِ وَوُصُولِ الْبَلِيَّاتِ، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: تَوَكَّلَ بِالْأَمْرِ إِذَا ضَمِنَ الْقِيَامَ بِهِ، وَوَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ أَيْ: أَلْجَأْتُهُ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ، وَوَكَّلَ فُلَانٌ فَلَانًا إِذَا اسْتَكْفَاهُ أَمْرَهُ ثِقَةً بِكِفَايَتِهِ أَوْ عَجْزًا عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَالْوَكِيلُ هُوَ الْقَيِّمُ الْكَفِيلُ بِأَرْزَاقِ الْعِبَادِ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِأَمْرِ الْمَوْكُولِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الصَّبْرُ الْإِمْسَاكُ فِي ضِيقٍ. يُقَالُ: صَبَرْتُ الدَّابَّةَ حَبَسْتُهَا بِلَا عَلَفٍ، وَالصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ، أَوْ عَمَّا يَقْتَضِيَانِ حَبْسَهَا عَنْهُ، فَالصَّبْرُ لَفْظٌ عَامٌّ، وَرُبَّمَا خُولِفَ بَيْنَ أَسْمَائِهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ مَوَاقِعِهِ، فَإِنْ كَانَ حَبْسُ النَّفْسِ لِمُصِيبَةٍ سُمِّيَ صَبْرًا لَا غَيْرُ، وَيُضَادُّهُ الْجَزَعُ، وَإِنْ كَانَ فِي مُحَارَبَةٍ سُمِّيَ شَجَاعَةً وَيُضَادُّهُ الْجُبْنُ، وَإِنْ كَانَ فِي نَائِبَةٍ مُضْجِرَةٍ سُمِّيَ رَحْبَ الصَّدْرِ وَيُضَادُّهُ الضَّجَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي إِمْسَاكِ الْكَلَامِ سُمِّيَ كِتْمَانًا وَضِدُّهُ الْإِفْشَاءُ، وَزَادَ فِي عَيْنِ الْعِلْمِ: وَفِي فُضُولِ الْعَيْشِ زُهْدٌ وَضِدُّهُ الْحِرْصُ، وَفِي الْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا قَنَاعَةٌ وَضِدُّهُ الشَّرَهُ انْتَهَى. وَالتَّوَكُّلُ بِلِسَانِ الْعَارِفِينَ عَلَى مَا قَالَ السُّرِّيُّ السَّقْطِيُّ: هُوَ الِانْخِلَاعُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ بِلَا نِزَاعٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْرُوقٍ: التَّوَكُّلُ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِجَرَيَانِ الْقَضَاءِ فِي الْأَحْكَامِ. وَقَالَ الْجُنَيْدِيُّ ﵀: التَّوَكُّلُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ كَمَا لَمْ يَكُنْ فَيَكُونَ اللَّهُ لَهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ، ثُمَّ قِيلَ الصَّبْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: صَبْرُ الْعَوَامِّ وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا يُكْرَهُ، وَصَبْرُ الْخَوَاصِّ وَهُوَ تَجَرُّعُ الْمَرَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَبُّسٍ، وَصَبْرُ أَخَصِّ الْخَوَاصِّ وَهُوَ التَّلَذُّذُ بِالْبَلَاءِ، وَبِهِ يَصِلُ إِلَى مَرْتَبَةِ الشُّكْرِ وَغَايَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ: «اعْبُدِ اللَّهَ عَلَى الرِّضَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَالصَّبْرُ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٩٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» ) أَيْ: مُسْتَقِلًّا عَنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ اتِّبَاعِهِمْ، فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا (" هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ") أَيْ: لَا يَطْلُبُونَ الرُّقْيَةَ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِ الْكَلِمَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ الصَّمَدَانِيَّةِ (" وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ") أَيْ: وَلَا يَتَشَاءَمُونَ بِنَحْوِ الطَّيْرِ، وَلَا يَأْخُذُونَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْكَلِمَاتِ الْمَسْمُوعَاتِ عَلَامَةَ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ، بَلْ يَقُولُونَ كَمَا وَرَدَ: «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ» . (" وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ") أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُونَ وَيَتْرُكُونَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجَمْعُ بَيْنَ جُمْلَتَيْ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ مِنَ الثُّنَائِي الَّذِي يُرَادُ بِهِ الِاسْتِيعَابُ لِقَوْلِهِمْ: لَا يَنْفَعُ زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو، عَلَى مَعْنَى لَا يَنْفَعُ إِنْسَانٌ مَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا مِنْ صِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا وَعَوَائِقِهَا الَّذِينَ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَلَائِقِهَا، وَتِلْكَ دَرَجَةُ الْخَوَاصِّ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، وَأَمَّا الْعَوَامُّ فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي التَّدَاوِي وَالْمُعَالَجَاتِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ وَانْتَظَرَ الْفَرَجَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالدُّعَاءِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَوَاصِّ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ رَخَّصَ لَهُ فِي الرُّقْيَةِ وَالْعِلَاجِ وَالدَّوَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمَّا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمًا مِنْهُ بِيَقِينِهِ وَصَبْرِهِ، وَلَمَّا أَتَاهُ الرَّجُلُ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الْحَمَامِ مِنَ الذَّهَبِ وَقَالَ: لَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ، فَضَرَبَهُ بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ عَقَرَهُ وَقَالَ فِيهِ مَا قَالَ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ غَضَبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ إِتْيَانَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، بَلْ إِفْشَاءَ سِرِّهِ وَإِظْهَارَ حَالِهِ بِقَوْلِهِ: لَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ مَعَ الْإِيمَاءِ إِلَى تَوَهُّمِ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْمَازِرِيُّ: احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ مَكْرُوهٌ، وَمُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي مَنَافِعِ الْأَدْوِيَةِ، وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدَاوَى، وَبِأَخْبَارِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ كَثْرَةِ تَدَاوِيهِ، وَبِمَا عُلِمَ مِنَ الِاسْتِشْفَاءِ بَرُقْيَاهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى قَوْمٍ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ نَافِعَةٌ بِطَبْعِهَا، وَلَا يَفَوِّضُونَ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قُلْتُ: لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَسْطُورِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ مَنْ كُمَّلِ الْأَوْلِيَاءِ، وَخُلَّصِ الْأَصْفِيَاءِ، فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى فِي حَقِّ أَهْلِ الْهِدَايَةِ إِنَّمَا هُوَ عَدَمُ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ غَيْرِ الْعَادِيَّة، وَإِنْ كَانَ جَازَ هَذَا لِلْعَوَامِّ وَبَابِ الْبِدَايَةِ، وَيُحْمَلُ فِعْلُهُ ﵊ فِي الْمُعَالَجَةِ بِالْأَدْوِيَةِ عَلَى اخْتِيَارِ الرُّخْصَةِ رِعَايَةً لِعَامَّةِ الْأُمَّةِ، أَوْ عَلَى مَرْتَبَةِ جَمْعِ الْجَمْعِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَنَّ مُشَاهَدَةَ الْأَسْبَابِ، وَمُلَاحَظَةَ صَنَائِعِ رَبِّ الْأَرْبَابِ هُوَ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ الْكُمَّلِ، فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ. وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
следующие страницы →