Полный текст (8 767 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
٥٠٢ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، قَالَ: " «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» ".
ــ
٥٠٢ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ) : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى ابْنِ مَاجَهْ، قَالَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالْجَرِّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، لَكِنْ إِنَّمَا يَصِحُّ الْجَرُّ لَوْ كَانَ لِلنِّسَائِيِّ رِوَايَتَانِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَحِينَئِذٍ لَوْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَهُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَذْكُورِينَ، فَكَانَ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَهُ مَعَهُمْ أَوَّلًا أَيْضًا، كَمَا ذَكَرَ أَبَا دَاوُدَ مَرَّتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ لَهُ إِلَّا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ كَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِأَبِي دَاوُدَ، فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ لَكِنْ لَا بِالْعَطْفِ عَلَى ابْنِ مَاجَهْ لِوُجُودِ الْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كَذَلِكَ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] بِالرَّفْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُمَا صَحِيحٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، (عَنْ أَبِي السَّمْحِ) : اسْمُهُ إِيَادٌ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَهُوَ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَهُ السَّيِّدُ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُقَالُ: مَوْلَاهُ، وَإِيَادٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَلَا يُدْرَى أَيْنَ مَاتَ، فَقَالَ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» ") : قَالَ مِيرَكُ: لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي السَّمْحِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: كُنْتُ أَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ: " وَلِّنِي قَفَاكَ " فَأُوَلِّيَهِ قَفَايَ، فَأَسْتُرَهُ بِهِ، فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ يَعْنِي: مَوْضِعَهُ مِنَ الثِّيَابِ، فَجِئْتُ أَغْسِلُهُ فَقَالَ: " «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» ". قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقَوْلُهُ: " «يُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» " بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَاءُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَقِيلَ فِي حَدِّهِ: لِيَكُنِ الْمَاءُ مِثْلَ الْبَوْلِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ بَوْلِهِ وَبَوْلِهَا، وَهُوَ أَنَّ بَوْلَهُ كَالْمَاءِ رِقَّةً وَبَيَاضًا، وَبَوْلُهَا أَصْفَرُ ثَخِينٌ، وَتَكْثُرُ نَجَاسَتُهُ بِمُخَالَطَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا وَهِيَ نَجِسَةٌ؛ وَلِأَنَّ الذُّكُورَ أَقْوَى مِزَاجًا مِنَ الْإِنَاثِ، وَالرَّخَاوَةُ غَالِبَةٌ عَلَى أَمْزِجَتِهِنَّ، فَتَكُونُ الْفَضَلَاتُ الْخَارِجَةُ مِنْهُنَّ أَشَدَّ احْتِيَاجًا إِلَى الْغَسْلِ، وَأَيْضًا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّخْفِيفِ فِي حَقِّ الصِّبْيَانِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِحَمْلِهِمْ فِي الْمَجَالِسِ دُونَ الْجَوَارِي.
стр. 842
وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: أَنْ يُغْسَلَ بَوْلُهُمَا مَعًا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ الْغَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ اهـ.
قُلْتُ: وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بَوْلُ الصَّبِيِّ مَا لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا طَاهِرٌ.
стр. 843
٥٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ.
ــ
٥٠٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا وَطِئَ ") : بِكَسْرِ الطَّاءِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ) أَيْ: قَرُبَ وَمَسَحَ وَدَاسَ (أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ) : وَفِي مَعْنَاهُ الْخُفُّ (الْأَذَى) : أَيِ النَّجَاسَةَ يَعْنِي فَتَنَجَّسَ (فَإِنَّ التُّرَابَ) أَيْ: بَعْدَهُ (لَهُ) أَيْ: لِنَعْلِ أَحَدِكُمْ، وَرَجْعُ الضَّمِيرِ لِلْأَذَى مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى (طَهُورٌ) : أَيْ: مُطَهِّرٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقَالُوا: إِذَا أَصَابَ أَكْثَرَ الْخُفِّ أَوِ النَّعْلَ نَجَاسَةٌ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُهَا فَهُوَ طَاهِرٌ، وَجَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَا بُدَّ مِنَ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ، فَيُئَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّ الْوَطْءَ عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ فَيَتَشَبَّثُ شَيْءٌ مِنْهَا وَيَزُولُ بِالدَّلْكِ، كَمَا أُوِّلَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الْآتِي بِأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا صَدَرَ فِيمَا جُرَّ مِنَ الثِّيَابِ عَلَى مَا كَانَ يَابِسًا مِنَ الْقَذَرِ، إِذْ رُبَّمَا يَتَشَبَّثُ شَيْءٌ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الْمَكَانَ الَّذِي بَعْدَهُ يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، فَإِنَّ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ; لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنَ التَّابِعِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الدَّلْكَ يُطَهِّرُهُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ حَسَنٌ لَمْ يُطْعَنْ فِيهِ، وَحَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ مَطْعُونٌ فِيهِ ; لِأَنَّ مِمَّنْ يَرْوِيهِ أُمَّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ. قِيلَ: كَانَ الشَّيْخُ يَحْمِلُ الثَّوْبَ عَلَى النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ رَدًّا لِقَوْلِ مُحْيِي السُّنَّةِ: إِنَّهُمَا مَحْمُولَانِ عَلَى الْيَابِسَةِ، وَحَدِيثُ الْخُفِّ عَلَى الرَّطْبَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ كِلَاهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الرَّطْبَةِ إِذْ قَالَ الْأَوَّلُ: طَهُورُهُ التُّرَابُ، وَفِي الثَّانِي: يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ وَلَا تَطَهُّرَ إِلَّا بَعْدَ النَّجَاسَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْيُسْرِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: إِنَّ الْخُفَّ إِنَّمَا يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ إِذَا جَفَّتِ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الرَّطْبَةِ، نَعَمْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إِذَا مَسَحَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَالنَّجَاسَةُ مُتَجَسِّدَةٌ كَالْعَذِرَةِ وَالرَّوَثِ وَالْمَنِيِّ تُطَهِّرُهُ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ النَّجَاسَةُ مُتَجَسِّدَةً كَالْخَمْرِ وَالْبَوْلِ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ كَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: كَذَا اللَّفْظُ، وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ حَسَنٌ لَمْ يُطْعَنْ فِيهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ الْمَجْهُولُ مَعْلُومًا عِنْدَهُ، أَوْ جَهَالَتُهُ بِكَثْرَةِ الطُّرُقِ تَرْتَفِعُ مَضَرَّتُهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الْأَذَى بِخُفِّهِ فَطَهُورُهُ التُّرَابُ " نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 844
٥٠٤ - «وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي، وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ» " رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَا: الْمَرْأَةُ أُمُّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
ــ
٥٠٤ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: إِنِّي أُطِيلُ) : مِنَ الْإِطَالَةِ (ذَيْلِي، وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ) : أَيِ: النَّجِسِ وَهُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ أَيْ: فِي مَكَانٍ ذِي قَذَرٍ (فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: فِي جَوَابِ مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ (يُطَهِّرُهُ: أَيِ الذَّيْلَ (مَا بَعْدَهُ) : أَيِ: الْمَكَانُ الَّذِي بَعْدَ الْمَكَانِ الْقَذِرِ بِزَوَالِ مَا يَتَشَبَّثُ بِالذَّيْلِ مِنَ الْقَذَرِ يَابِسًا، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ الْكُلِّ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا كَمَا سَبَقَ فَإِطْلَاقُ التَّطْهِيرِ مَجَازِيُّ كَنِسْبَتِهِ الْإِسْنَادِيَّةِ (رَوَاهُ مَالِكٌ) : وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا قَالَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ. (وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ (وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَا) : أَيْ: أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَقَالَ أَيِ: الدَّارِمِيُّ.
стр. 845
قَالَ مِيرَكُ وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا: (الْمَرْأَةُ أُمُّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) وَنَقَلَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ عَنِ الْغَوَامِضِ أَنَّ اسْمَهَا حُمَيْدَةُ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ أَنَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ الحديِثُ حَسَنٌ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِسْنَادٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ الْمَجْهُولَةُ فَيَعْتَضِدُ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَتَأَمَّلْ.
стр. 846
٥٠٥ - وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٥٠٥ - (وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ) : كِنْدِيٌّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَفْدِ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كِنْدَةَ، وَيُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَمَرَّ ذِكْرُهُ أَيْضًا (قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ» ) بِضَمِّ اللَّامِ، فَإِنَّهُ مَصْدَرُ لَبِسَ يَلْبَسُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ بِخِلَافِ فَتْحِ اللَّامِ، فَإِنَّهُ مَصْدَرُ لَبَسَ يَلْبِسُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ. بِمَعْنَى خَلَطَ (وَالرُّكُوبِ) : أَيْ: وَعَنِ الْقُعُودِ (عَلَيْهَا) .
قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا النَّهْيُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ ; لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا إِمَّا قَبْلَ الدِّبَاغِ فَلَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَإِمَّا بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ الشَّعَرُ فَهِيَ أَيْضًا نَجِسَةٌ ; لِأَنَّ الشَّعَرَ لَا يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ ; لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُغَيِّرُ الشَّعَرَ عَنْ حَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ إِذَا قُلْنَا: إنَّ الشَّعَرَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَمَا فِي الْوَسِيطِ، فَإِنَّ لُبْسَ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبَ عَلَيْهَا مِنْ دَأْبِ الْجَبَابِرَةِ وَعَمَلِ الْمُتْرَفِينَ، فَلَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَزَادَ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَالَ: إِنَّ فِيهِ تَكَبُّرًا وَزِينَةً.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ فَرْوُ السِّنْجَابِ وَنَحْوُهُ مِنَ الْوَبَرِ، فَإِنَّ حَيَوَانَهَا لَا يُذَكَّى، بَلْ يُخْنَقُ كَمَا أَخْبَرَنَا الثِّقَاتُ، وَبِتَقْدِيرِ الذَّبْحِ فَصَائِدُهَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، وَنَاقَشَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ أَخْبَارَ الثِّقَاتِ وَكَوْنَ الصَّائِدِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا إِنَّمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ بِأَنْ يُخْبِرَ ثِقَةٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يُذْبَحْ أَوْ صَائِدَهُ غَيْرُ أَهْلٍ، وَأَمَّا ذِكْرُ الثِّقَاتِ ذَلِكَ عَنْ جِنْسِ الْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ نَظِيرَهُ مَا اشْتُهِرَ مِنَ الْجُوخِ مِنْ أَنَّهُ يُخَمَّرُ بِشَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَلَمْ يُعَوِّلِ الْأَئِمَّةُ بِذَلِكَ، بَلْ قَالُوا بِطَهَارَتِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، هَكَذَا هُنَا. وَالْأَوْجَهُ أَنَّ تَجَنُّبَهَا إِنَّمَا هُوَ احْتِيَاطٌ لَا وَاجِبٌ اهـ.
وَفَى تَنْظِيرِهِ نَظَرٌ ; إِذِ الْأَوَّلُ يُخْبِرُ الثِّقَاتُ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ كَذَا، وَالثَّانِي بِاشْتِهَارِ الْعَامَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالثِّقَاتِ، وَمِنْ غَيْرِ إِفَادَةِ الْحَصْرِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ حِينَئِذٍ، وَيَحْتَمِلُ عَدَمَ دُخُولِ هَذَا الْخَاصِّ فِي ضِمْنِ هَذَا الْعَامِّ، مَعَ أَنَّ صِيغَةَ يُخَمِّرُ تُفِيدُ التَّقْلِيلَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ، وَفِيهِ مَقَالٌ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " سَنَدُهُ حَسَنٌ بَلْ صَحِيحٌ " غَيْرُ صَحِيحٍ. (وَالنَّسَائِيُّ
) .
стр. 847
٥٠٦ - وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ: أَنْ تُفْتَرَشَ.
ــ
٥٠٦ - (وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ، اسْمُهُ عَامِرٌ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: بَصْرِيٌّ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (ابْنِ أُسَامَةَ) : الْهُذَلِيِّ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (عَنْ أَبِيهِ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ ; لَا فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينَ، لَكِنْ يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي أَنَّهُ صَحَابِيٌّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَهَى) : وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ نَهَى (عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ) أَيْ: عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهَا مِنَ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَنَحْوِهِمَا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : مَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: " عَنْ أَبِيهِ " غَيْرَ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: نَهَى عَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النِّمَارِ. (وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ: أَنْ تُفْتَرَشَ) : أَيْ: تُبْسَطَ وَيُجْلَسَ عَلَيْهَا لِمَا بَيَّنَّا، ثُمَّ زِيَادَةُ أَنْ تُفْتَرَشَ مُخْتَصَّةٌ بِالتِّرْمِذِيِّ وَالدَّارِمِيِّ، فَإِلْحَاقُ ابْنِ حَجَرٍ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِنَفْسِ الْحَدِيثِ أَوَّلًا، ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ - خَطَأٌ فَاحِشٌ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا. قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ إِرْسَالَ الْحَدِيثِ أَصَحُّ مِنْ إِسْنَادِهِ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ.
стр. 848
٥٠٧ - وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، أَنَّهُ كَرِهَ ثَمَنَ جُلُودِ السِّبَاعِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ. بِلَفْظِ: كَرِهَ جُلُودَ السِّبَاعِ. وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ.
ــ
٥٠٧ - (وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، أَنَّهُ) : أَيْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِأَبِي الْمَلِيحِ (كَرِهَ ثَمَنَ جُلُودِ السِّبَاعِ) : أَيْ: بَيْعَهَا وَشِرَاءَهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: إِنَّ بَيْعَ جُلُودِ الْمَيْتَاتِ بَاطِلٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَذْبُوحَةً أَوْ مَدْبُوغَةً. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَذْهَبُنَا صِحَّةُ بَيْعِهَا بَعْدَ الدَّبْغِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا شَعَرٌ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي ثَمَنِهَا حِينَئِذٍ، فَإِطْلَاقُ كَرَاهَةِ ثَمَنِهَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ هُوَ مَذْهَبٌ لِأَبِي الْمَلِيحِ اهـ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: ذَلِكَ قَبْلَ الدِّبَاغِ لِنَجَاسَتِهَا، أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا كَرَاهَةَ (رَوَاهُ) هُنَا بَيَاضٌ، وَأَلْحَقَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: كَرِهَ جُلُودَ السِّبَاعِ، وَسَنَدُ هَذَا الْأَثَرِ جَيِّدٌ كَذَا فِي التَّخْرِيجِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَاهُ فِي كِتَابِ: اللِّبَاسِ مِنْ جَامِعِهِ، وَسَنَدُهُ وَجِيهٌ. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: هَذَا الْأَثَرُ سَنَدُهُ جَيِّدٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي اللِّبَاسِ مِنْ جَامِعِهِ، وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ كَرِهَ. . . إِلَخْ. اهـ.
وَالْأَثَرُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَوْقُوفِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَبِي الْمَلِيحِ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ: وَعَنْهُ ; إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مَرْفُوعٌ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ.
стр. 849
٥٠٨ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ ﵁، قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٠٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ تَابِعِيٌّ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: جُهَنِيٌّ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا تُعْرَفُ لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ، وَقَدْ خَرَّجَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي عِدَادِ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ، سَمِعَ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ وَحَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ (قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا ") : أَنْ هَذِهِ مُفَسِّرَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ (مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ) : أَيْ: قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَقِيلَ: أَيُّ جِلْدٍ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمَدْبُوغَ وَغَيْرَهُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ. " «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا» " وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِهَابُ كَكِتَابٍ الْجِلْدُ مَا لَمْ يُدْبَغُ (وَلَا عَصَبٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ فِي شَرْحِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ: وَعَصَبُ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً بِدَلِيلِ تَأَلُّمِهِ بِالْقَطْعِ، وَقِيلَ: طَاهِرٌ لِأَنَّهُ عَظْمٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَاسِخٌ لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الدِّبَاغِ لِمَا فِي بَعْضِ طَرَفِهِ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَاوِمُ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ صِحَّةً وَاشْتِهَارًا، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ عُكَيْمٍ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَإِنَّمَا حَدَّثَ عَنْ حِكَايَةِ حَالٍ، وَلَوْ ثَبَتَ فَحَقُّهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَهْيِ الِانْتِفَاعِ قَبْلَ الدِّبَاغِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ: وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ فِيهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ هَذَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَيْنِ، وَرُوِيَ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَآخَرُونَ: وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَا صُحْبَةَ لِابْنِ عُكَيْمٍ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ فِي التَّخْرِيجِ. (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ
) .
стр. 850
٥٠٩ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٠٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: بِأَنْ يَسْتَمْتِعَ النَّاسُ (بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، وَذُكِرَ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَظْهَرَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ جُلُودَ الْمَيْتَةِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، لَكِنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْأَشْيَاءِ الْيَابِسَةِ، وَفِي الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ.
стр. 851
٥١٠ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا. قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥١٠ - (وَعَنْ مَيْمُونَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ) : أَيْ.: يَسْحَبُونَ (شَاةً) أَيْ: مَيْتَةً لَهُمْ، مِثْلَ الْحِمَارِ) : مِثْلَ جَرِّهِ، أَوْ فِي كَوْنِهَا مَيْتَةً مُنْتَفِخَةً (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا ") : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " لَوْ " هَذِهِ. بِمَعْنَى " لَيْتَ " أَيْ: لِلتَّمَنِّي يَعْنِي: لَيْتَكُمْ أَخَذْتُمْ. قَالَ: وَالَّذِي لَاقَى بَيْنَهُمَا، أَيِ: الْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي مَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَمِنْ ثَمَّ أُجِيبَتَا بِالْفَاءِ. اهـ. وَكَانَ لَفْظُ الْمَصَابِيحِ: " لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ " فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣] لَكِنَّ لَفْظَ: " فَدَبَغْتُمُوهُ " لَيْسَ فِي الْمِشْكَاةِ، وَوَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ وَأَدْخَلَهُ فِيهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ أَيْضًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاءَ لِلْعَطْفِ هَاهُنَا لَا لِلْجَوَابِ، وَلَوْ إِذَا كَانَتْ لِلتَّمَنِّي لَا تَطْلُبُ جَوَابًا، وَالْمَعْنَى تَمَنَّيْتُ أَخْذَكُمْ إِهَابَهَا فَدِبَاغَهَا. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: جَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أَيْ: لَوْ أَخَذْتُمُوهُ فَدَبَغْتُمُوهُ لَكَانَ حَسَنًا اهـ. أَوْ لَطَهُرَ أَوْ حَلَّ لَكُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ. (فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ) أَيْ: لَا مَذْبُوحَةٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ ") : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنَ الْمَاءِ فِي الدَّبْغِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ ; لِأَنَّ الدَّبْغَ مِنْ بَابِ الْإِحَالَةِ لَا مِنْ بَابِ الْإِزَالَةِ، فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ (" وَالْقَرَظُ ") : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَرَقُ السَلَمِ، وَهُوَ نَبْتٌ يُدْبَغُ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ قِشْرُ الْبَلُّوطِ، وَالْمَعْنَى: يُطَهِّرُهَا الْقَرَظُ بِالْمَاءِ، وَدِبَاغَةُ الْجِلْدِ بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ: بِإِسْنَادَيْنِ حَسَنَيْنِ. نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ.
стр. 852
٥١١ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ، فَإِذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَسَأَلَ الْمَاءَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥١١ - (وَعَنْ سَلَمَةَ) : هُذَلِيٌّ، يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ (ابْنِ الْمُحَبَّقِ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَتُفْتَحُ. قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: الْمُحَبِّقُ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَفْتَحُونَهَا اهـ. لَكِنْ صُحِّحَ فِي الْكَاشِفِ بِكَسْرِهَا، نَقَلَهُ السَّيِّدُ. (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) بِعَدَمِ الِانْصِرَافِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَنْصَرِفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فَعُولٌ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: هُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ الشَّامِ وَوَادِي الْقُرَى، قِيلَ: هُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ، وَإِنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ جَازَ الصَّرْفُ اهـ. يَعْنِي: التَّأْنِيثَ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ (عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ) : أَيْ: مَرَّ عَلَيْهِمْ (فَإِذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ) : أَيْ: لَهُمْ فِيهَا مَاءٌ، وَهِيَ مَدْبُوغَةٌ (فَسَأَلَ) أَيْ: طَلَبَ يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (الْمَاءَ) : أَيْ: مِنْهُمْ (فَقَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا) أَيِ: الْقِرْبَةُ (مَيْتَةٌ) أَيْ: جِلْدُ مَيْتَةٍ دُبِغَ (فَقَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتُضَمُّ أَيْ: مُطَهِّرُهَا. قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ، كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 853
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥١٢ - عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟ فَقَالَ: " أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: " فَهَذِهِ هَذِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥١٢ - (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً) أَيْ: ذَاتُ نَجَسَةٍ، وَالطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ أَيْ: فِيهَا أَثَرُ الْجِيَفِ وَالنَّجَاسَاتِ (فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: إِذَا جَاءَنَا الْمَطَرُ، وَمَرَرْنَا عَلَى تِلْكَ النَّجَاسَاتِ بِأَذْيَالِنَا الْمُنْسَحِبَةِ عَلَى الْأَرْضِ (قَالَتْ: فَقَالَ: " أَلَيْسَ بَعْدَهَا ") أَيْ: أَسْفَلَ مِنْهَا (" طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟) : أَيْ: أَطْهَرُ. بِمَعْنَى الطَّاهِرِ (قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: " فَهَذِهِ بِهَذِهِ ") : أَيْ: مَا حَصَلَ التَّنَجُّسُ بِتِلْكَ يُطَهِّرُهُ انْسِحَابُهُ عَلَى تُرَابِ هَذِهِ الطَّيِّبَةِ. قِيلَ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَرِيبَانِ. الْخَطَّابِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ مَعْنَاهُ إِذَا أَصَابَهُ بَوْلٌ، ثُمَّ مَرَّ بَعْدَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَنَّهَا تُطَهِّرُهُ، وَلَكِنَّهُ يَمُرُّ بِالْمَكَانِ فَيُقْذِرُهُ ثُمَّ يَمُرُّ بِمَكَانِ أَطْيَبَ مِنْهُ، فَيَكُونُ هَذَا بِذَاكَ، لَيْسَ عَلَى أَنَّهُ يُصِيبُهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَى: إِنَّ الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَطَأَ الْأَرْضَ الْقَذِرَةَ ثُمَّ يَطَأُ الْأَرْضَ الْيَابِسَةَ النَّظِيفَةَ، فَإِنَّ بَعْضَهَا يُطَهِّرُ بَعْضًا، وَأَمَّا النَّجَاسَةُ مِثْلُ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ يُصِيبُ الثَّوْبَ أَوْ بَعْضَ الْجَسَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْغَسْلُ إِجْمَاعًا، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
قُلْتُ: الْحَدِيثَانِ مُتَبَاعِدَانِ لَا كَمَا قِيلَ إِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُطْلَقٌ قَابِلٌ أَنْ يُقَيَّدَ بِالْيَابِسِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَصَرِيحٌ فِي الرَطْبِ، وَمَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ مِنَ التَّأْوِيلِ لَا يَشْفِي الْعَلِيلَ، بَلْ يَكْفِي الْكَلِيلَ، وَتَأْوِيلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ طِينِ الشَّارِعِ، وَأَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ مَعْفُوٌّ لِعُمُومِ الْبَلوَى لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: أَلَيْسَ بَعْدَهَا. . . إِلَخْ. فَالْمُخَلِّصُ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ مِنْ أَنَّ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا يَعْنِي حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَقَالًا ; لِأَنَّ أُمَّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ وَامْرَأَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مَجْهُولَتَانِ لَا يُعْرَفُ حَالُهُمَا فِي الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: سُكُوتُ أَبِي دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا عِنْدَهُمَا صَالِحَانِ لِلْحُجِّيَّةِ. أَقُولُ: النَّاطِقُ أَقْوَى مِنَ الصَّامِتِ، كَمَا أَنَّ الْمَنْطُوقَ أَقْوَى مِنَ الْمَفْهُومِ، وَمِنَ الْغَرِيبِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَزَعْمُ أَنَّ جَهَالَةَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ تَقْتَضِي رَدَّ حَدِيثِهَا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ; لِأَنَّهَا صَحَابِيَّةٌ، وَجَهَالَةُ الصَّحَابَةِ لَا تَضُرُّ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ، فَإِنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الْجَادَّةِ ; لِأَنَّهَا لَوْ ثَبَتَ أَنَّهَا صَحَابِيَّةٌ لَمَا قِيلَ إِنَّهَا مَجْهُولَةٌ.
стр. 854
٥١٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَتَوَضَّأُ مَنِ الْمُوطَىءِ» )
ــ
٥١٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَتَوَضَّأُ) أَيْ: لَا نَغْسِلُ أَرْجُلَنَا، وَلَا نَتَنَظَّفُ (مِنَ الْمَوْطِئِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ مَوْضِعِ الْوَطْءِ وَالْمَشْيِ، قِيلَ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ يَابِسًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ رَطْبًا فَيَجِبُ الْغَسْلُ، وَقِيلَ: مَحْمُولٌ عَلَى الَّذِي غَلَبَتْ فِيهِ الطَّهَارَةُ عَلَى النَّجَاسَةِ عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَإِشَارَةً إِلَى تَرْكِ الْوَسْوَسَةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ وَيَمْشُونَ حُفَاةً، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طِينَ الشَّارِعِ مَعْفُوٌّ لِعُمُومِ الْبَلْوَى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
стр. 855
٥١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥١٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ) مِنَ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ (فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي أَوْقَاتٍ نَادِرَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ بَابٌ يَمْنَعُهَا مِنَ الْعُبُورِ (فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ) أَيْ: يَغْسِلُونَ (شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) الرَّشُّ هُنَا: الصَّبُّ بِالْمَاءِ، أَيْ: لَا يَصُبُّونَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ لِأَجْلِ إِقْبَالِهَا وَإِدْبَارِهَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، وَسَبَقَ تَأْوِيلُهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 856
٥١٥ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ» ".
ــ
٥١٥ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " «لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ» ") قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: لَنَا وَجْهٌ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوَثُهُ طَاهِرَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا.
стр. 857
٥١٦ - وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ، قَالَ: " «مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِبَوْلِهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٥١٦ - (وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ قَالَ: «مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِبَوْلِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ والدَّارَقُطْنِيُّ) : وَحَمَلَهُ أَبُو يُوسُفَ عَلَى التَّدَاوِي لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَلِلْجُمْهُورِ عُمُومُ حَدِيثِ: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ ; فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» " أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا.
стр. 858
[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥١٧ - عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
(٩) بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
أُخِّرَ عَنِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ تَأَخُّرَ الْجُزْءِ عَنِ الْكُلِّ، أَوْ تَأَخُّرَ النَّائِبِ عَنِ الْمُنَابِ، لَكِنَّ نِيَابَتَهُ مُخْتَصَّةٌ بِالْوُضُوءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمَسْحُ إِصَابَةُ الْيَدِ الْمُبْتَلَّةِ بِالْعُضْوِ، وَإِنَّمَا عُدِّيَ بِعَلَى إِشَارَةً إِلَى مَوْضِعِهِ، وَهُوَ فَوْقَ الْخُفِّ دُونَ دَاخِلِهِ وَأَسْفَلِهِ عَلَى مَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، وَالْخُفُّ: مَا يَسْتُرُ الْكَعْبَ وَيُمْكِنُ بِهِ ضَرُورِيَّاتُ السَّفَرِ، وَإِنَّمَا ثُنِّيَ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ كَمَا سَتَرَى. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا قُلْتُ بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَا يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ; لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ، وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ لَا يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، حَتَّى سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ عَلَامَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؟ فَقَالَ: أَنْ تُحِبَّ الشَّيْخَيْنِ، وَلَا تَطْعَنَ الْخَتَنَيْنِ، وَتَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. هَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ أَيْضًا، بِحَمْلِ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ عَلَى الْحَالَتَيْنِ بَيَّنَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَرُخْصَةٌ شُرِعَتِ ارْتِفَاقًا ; لِيَتَمَكَّنَ الْعَبْدُ مَعَهَا مِنَ الِاسْتِكْثَارِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَالتَّرَدُّدِ فِي حَوَائِجِ مَعَاشِهِ، أَوْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ الْمَنْفِيِّ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] " وَبِقَوْلِهِ ﵊: " «بُعِثْتُ بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ» " وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ عَدَمَ جَوَازِهِ مُطْلَقًا أَوْ فِي الْحَضَرِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الصَّحِيحَةُ الشَّهِيرَةُ فِي مَسْحِهِ ﵊ سَفَرًا وَحَضَرًا، وَأَمْرُهُ وَتَرْخِيصُهُ فِيهِ، وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ أَحَادِيثَهُ مُتَوَاتِرَةُ الْمَعْنَى، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ رُوَاتَهُ
стр. 859
فَبَلَغُوا مِائَتَيْنِ، وَادَّعَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، لَكِنْ رَدَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهُمَامِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِنْكَارُ الْمَسْحِ إِلَّا ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَ عَنْهُمَا بِالْأَسَانِيدِ الْحِسَانِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَمُوَافَقَةُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا عَائِشَةُ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهَا أَحَالَتْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمِ عَلِيٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: «وَسَكَتُّ عَنْهُ أَعْنِي الْمَسْحَ: مَا لِي بِهَذَا عِلْمٌ» . وَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْبَغْدَادِيُّ عَنْهَا: " لَأَنْ أَقْطَعَ رِجْلِي بِالْمُوسَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ " بَاطِلٌ ; نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحُفَّاظُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥١٧ - (عَنْ شُرَيْحِ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ هَانِئٍ) : بِالْهَمْزِ عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِهِ كَنَى أَبَاهُ فَقَالَ: " «أَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» " مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ فِي عَدَدِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ بِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ذِكْرِ الْمُخَضْرَمِينَ مَعَ الصَّحَابَةِ (قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنِ الْمَسْحِ) أَيْ: عَنْ مُدَّتِهِ (عَلَى الْخُفَّيْنِ) أَوْ عَنْ جَوَازِهِ عَلَيْهِمَا، وَالْجَوَابُ عَلَى الْأَوَّلِ مُطَابِقٌ لِلسُّؤَالِ، وَعَلَى الثَّانِي مُسْتَلْزِمٌ لَهُ (فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مُدَّتَهُ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ) بِفَتْحِ الْيَاءِ (لِلْمُسَافِرِ) وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَهُ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ بَعْدَ الْمَسْحِ، وَقِيلَ: مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ الرَّاجِحُ دَلِيلًا، وَقِيلَ: مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ (وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ) وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ; حَيْثُ لَمْ يَرَ لِلْمُقِيمِ مَسْحًا، وَلَمْ يُقَيِّدْ لِلْمُسَافِرِ بِمُدَّةٍ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ السَّفَرَ لُغَةً قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ قَطْعٍ تَتَغَيَّرُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ جَوَازِ الْإِفْطَارِ وَقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَمَسْحِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا عَلَى الْخُفِّ، فَعَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرُخْصَةِ الْمَسْحِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جِنْسَ الْمُسَافِرِينَ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْمُسَافِرِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِعَدَمِ الْمَعْهُودِ الْمُعَيَّنِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ عُمُومِ الرُّخْصَةِ الْجِنْسُ، حَتَّى إِنَّهُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ مُسَافِرٍ مِنْ مَسْحِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِكُلِّ سَفَرٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَ السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَثَبَتَ مُسَافِرٌ لَا يُمْكِنُهُ مَسْحَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ مُسَافِرٍ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً بِيَقِينٍ، فَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِيَقِينِ مَا هُوَ سَفَرٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ فِيمَا عَيَّنَّاهُ إِذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَى الْقَصْرِ لِمُسَافِرٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﵊ قَالَ: " «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ» ". فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ فِي الْأَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ تُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَأُجِيبَ: بِضَعْفِ الْحَدِيثِ لِضَعْفِ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، فَبَقِيَ قَصْرُ الْأَقَلِّ بِلَا دَلِيلٍ، كَذَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 860
٥١٨ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، «أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ، لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: " دَعْهُمَا ; فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ " فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مَعَهُ، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥١٨ - (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ) قِيلَ: تَبُوكُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ لَا وَزْنِ الْفِعْلِ، وَإِنْ جُعِلَ اسْمَ الْمَوْضِعِ جَازَ صَرْفُهُ - يَعْنِي التَّأْنِيثَ - بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ أَوِ الْبَلْدَةِ، وَقَوْلُهُ: " لَا وَزْنِ " الْفِعْلِ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ وَزْنَهُ فَعُولٌ لَا تَفْعَلُ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنَ الْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ. (قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَامُوسِ: بَرَزَ بُرُوزًا أَيْ: خَرَجَ إِلَى الْبَرَازِ كَتَبَرَّزَ، وَفِي النِّهَايَةِ الْبَرَازُ بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ، فَكَنَوْا بِهِ عَنْ قَضَاءِ الْغَائِطِ كَمَا كَنَوْا عَنْهُ بِالْخَلَاءِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَرَّزُونَ فِي الْأَمْكِنَةِ الْخَالِيَةِ مِنَ النَّاسِ، وَبِالْكَسْرِ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَائِطِ اهـ. وَعَلَى كُلٍّ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: خَرَجَ إِلَى التَّبَرُّزِ وَهُوَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ، بَلْ مَعْنَى تَبَرَّزَ هُنَا خَرَجَ وَذَهَبَ عَلَى التَّجْرِيدِ ; لِقَوْلِهِ: (قِبَلَ الْغَائِطِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: جَانِبَهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَالْغَائِطُ هُوَ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ مِنَ الْأَرْضِ.
стр. 861
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْغَائِطُ فِي الْأَصْلِ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ يُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ، سُمِّيَ بِاسْمِ الْخَارِجِ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْحَقِيقَةُ فَوَاضِحٌ، وَالتَّقْدِيرُ: خَرَجَ لِلتَّبَرُّزِ نَحْوَ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ، أَوِ الْمُجَاوَرَةُ، فَالتَّقْدِيرُ خَرَجَ لِلتَّبَرُّزِ لِأَجْلِ الْغَائِطِ اهـ. وَفِيهِ مَعَ رَكَاكَةِ عِبَارَتِهِ - خَرَجَ لِلتَّبَرُّزِ لِأَجْلِ الْغَائِطِ - الْمُنَافِيَةِ لِمَا سَبَقَ عَنْهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ إِرَادَةِ الْمُجَاوِرِ قَوْلُهُ: قِبَلَ الْغَائِطِ، فَتَأَمَّلْ (فَحَمَلْتُ) أَيْ: ذَاهِبًا (مَعَهُ إِدَاوَةً) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ: مِطْهَرَةٌ أَوْ رَكْوَةٌ ; لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا، وَكَانَ خُرُوجُهُ ﵊ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى تَهَيُّؤِ أَسْبَابِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ دُخُولِ أَوْقَاتِهَا، (فَلَمَّا رَجَعَ) أَيْ: مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (أَخَذْتُ) أَيْ: شَرَعْتُ (أُهَرِيقُ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ أَيْ: أَصُبُّ الْمَاءَ (عَلَى يَدَيْهِ) الْكَرِيمَتَيْنِ (مِنَ الْإِدَاوَةِ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ فِي الطَّهَارَةِ، سِيَّمَا إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْإِفَادَةُ وَالِاسْتِفَادَةُ (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) أَيْ: كَفَّيْهِ (وَوَجْهَهُ) : الْوَجِيهُ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْوُضُوءِ كَمَا زَعَمَ ابْنُ حَجَرٍ ; لِاحْتِمَالِ عَدَمِ ذِكْرِهِ لَهُمَا إِمَّا اخْتِصَارًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ لِكَوْنِهِمَا دَاخِلَيْنِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ مِنْ وَجْهٍ عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي مَحَلِّهِ وَمَعَ تَحَقُّقِ الِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى بَدَنِهِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ( «جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ» ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لُبْسَ الصُّوفِ مُسْتَحَبٌّ (ذَهَبَ) أَيْ: شَرَعَ وَأَخَذَ، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ (يَحْسِرُ) بِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا أَيْ: يَكْشِفُ كُمَّيْهِ (عَنْ ذِرَاعَيْهِ) أَيْ: لِيَغْسِلَهُمَا (فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ) بِحَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُخْرِجَ يَدَهُ إِلَى الْمِرْفَقِ عَنْ كُمِّ الْجُبَّةِ مِنْ غَايَةِ ضِيقِهِ، فِيهِ رَدٌّ عَلَى إِطْلَاقِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ لُبْسَ الْإِنْسَانِ غَيْرَ زِيِّ أَهْلِ إِقْلِيمِهِ يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ، وَلِذَا قِيلَ: مَحَلُّهُ فِيمَنْ لَمْ يَلْبَسْهُ لِحَاجَةٍ، أَوْ لَمْ يَقْصِدِ التَّأَسِّيَ بِالسَّلَفِ فِي عَدَمِ التَّكَلُّفِ، وَتَرْكِ النَّظَرِ إِلَى هَيْئَاتِ الْعَادَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ حَدَثٌ فَأَنَاطُوا بِهِ حُكْمَهُ حَيْثُ لَا حَاجَةَ، وَلَا قَصْدَ لِلتَّأَسِّي، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَتِ الصُّوفِيَّةُ: الْإِرَادَةُ تَرْكُ الْعَادَةِ، نَعَمْ لَوْ غَيَّرَ زِيَّهُ عَلَى جِهَةِ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ الدَّالَّةِ عَلَى قِلَّةِ الْحَيَاءِ وَعَدَمِ التَّقْيِيدِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الْعُرْفِيَّةِ، فَيُحْكَمُ بِسُقُوطِ مُرُوءَتِهِ وَعَدَمِ عَدَالَتِهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، وَمِنْهَا الْأَكْلُ فِي السُّوقِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا يُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ الْمَجُوسِ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْمُتَدَنِّسِينَ بِالنَّجَاسَةِ الطَّهَّارَةُ كَالْجُوخِ، وَإِنِ اشْتُهِرَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ بِشَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَكَالْجُبْنِ وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِيهِ أَنَافِحَ الْخِنْزِيرِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ خَبَرُ أَحْمَدَ، أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنْ حُلَلِ الْحِيرَةِ ; لِأَنَّهَا تُصْبَغُ بِالْبَوْلِ، فَقَالَ لَهُ أُبَيٌّ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ ; قَدْ لَبِسَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَبِسْنَاهُنَّ مَعَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْخَلَّالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: أَنَّ أُبَيًّا قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ لَبِسَهَا نَبِيُّ اللَّهِ، وَرَأَى اللَّهُ مَكَانَهَا، لَوْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهَا حَرَامٌ لَنَهَى عَنْهَا. فَقَالَ: صَدَقْتَ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، لَكِنَّهُ غَرِيبٌ، أَنَّهُ ﵊ «أُتِيَ بِجُبْنَةٍ فِي غَزْوَةٍ فَقَالَ لَهُ ﵊: " أَيْنَ يُصْنَعُ هَذَا؟ قَالَ: بِفَارِسَ، أَيْ: أَرْضِ الْمَجُوسِ إِذْ ذَاكَ. فَقَالَ ﵊: " ضَعُوا فِيهَا السِّكِّينَ وَكُلُوا " فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً. فَقَالَ " سَمُّوا اللَّهَ وَكُلُوا» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ خُفَّانِ فَلَبِسَهُمَا، وَلَا يَعْلَمُ أَهُمَا ذُكِّيَا أَمْ لَا» ؟ وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ: النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ عَنِ الْجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَالْفِرَاءِ، مَعَ أَنَّهُمَا كَانَتْ تُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ الْمَجُوسِ، وَذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ الْجُبْنُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُوضَعُ فِيهِ أَنَافِحُ الْمَيْتَةِ. فَقَالَ: سَمُّوا اللَّهَ وَكُلُوا. قَالَ أَحْمَدُ: أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي جُبْنِ الْمَجُوسِ هَذَا الْحَدِيثُ. ( «فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ» ) أَيْ: ذَيْلَهَا (عَلَى مَنْكِبَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ إِزَارٌ أَوْ قَمِيصٌ، وَإِلَّا لَظَهَرَتِ الْعَوْرَةُ (فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ) وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِرُبُعِ الرَّأْسِ لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ (وَعَلَى الْعِمَامَةِ» ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، فِي رَحْمَةِ الْأُمَّةِ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ دُونَ الرَّأْسِ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ بِجَوَازِهِ ; بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ وَلَا اسْتِيعَابُ رُبُعِهِ ; لِأَنَّ النَّاصِيَةَ دُونَهُ بِكَثِيرٍ. قُلْنَا: قَدَّرَ النَّاصِيَةَ بِالرُّبُعِ، وَعَلَى
стр. 862
سَلِيمِ صِحَّةِ مَنْعِهِ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ كَمَا قَدَّرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ ; لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا اكْتَفَى بِهِ ﵊ لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَعَ اسْتِيعَابِ الْمَسْحِ بِالْمُوَاظَبَةِ فِي سَائِرِ الْحَالَاتِ، فَلَوْ كَانَ أَقَلُّ مِنْهُ جَائِزًا لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً، فَالتَّقْدِيرُ بِمُسَمَّى - مَسَحَ وَإِنْ قَلَّ قَدْرُهُ - مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ ادِّعَاءَ الْقَائِلِ بِاسْتِيعَابِ الْكُلِّ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ، يُرَدُّ بِأَنَّ الْعُذْرَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ ﵊ لَمَّا كَانَ مُوَاظِبًا عَلَى الِاسْتِيعَابِ، وَهُنَا جَمَعَ بَيْنَ مَسْحِ الْبَعْضِ مِنَ الرَّأْسِ وَبَيْنَ مَسْحِهِ عَلَى الْعِمَامَةِ تَكْمِيلًا لِلِاسْتِيعَابِ كَانَ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى الْعُذْرِ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَقَعْ لَهُ مَسْحٌ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ بِدُونِ مَسْحِ الْعِمَامَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. هَذَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعِمَامَةِ فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَمَسَّ الشَّعَرَ الْمَاءُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ صَفِيَّةَ ابْنَةَ أَبِي عُبَيْدٍ تَوَضَّأَتْ وَنَزَعَتْ خِمَارَهَا، ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا. قَالَ نَافِعٌ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ. قَالَ مُحَمَّدٌ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ فَتُرِكَ، (ثُمَّ أَهْوَيْتُ) أَيْ: قَصَدْتُ الْهُوِيَّ مِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ، وَقِيلَ: الْإِهْوَاءُ إِمَالَةُ الْيَدِ إِلَى شَيْءٍ لِيَأْخُذَهُ، أَيِ: انْحَنَيْتُ (لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ) ظَنًّا أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فِي مُطْلَقِ الْأَحْوَالِ (فَقَالَ: " دَعْهُمَا ") أَيِ: اتْرُكْهُمَا وَلَا تَنْزِعْهُمَا عَنْ رِجْلِي (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أَيْ: لَبِسْتُهُمَا حَالَ كَوْنِ قَدَمِي (طَاهِرَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ.
قَالَ الشَّمَنِّيُّ: لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنِ اشْتِرَاطِ الطُّهْرِ بِكَوْنِهِ تَامًّا وَقْتَ اللُّبْسِ، إِذْ مَعْنَاهُ: أَدْخَلْتُ كُلًّا مِنْهُمَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ، عَلَى حَدِّ: دَخَلْنَا الْبَلَدَ رُكْبَانًا ; أَيْ: دَخَلَ كُلٌّ مِنَّا وَهُوَ رَاكِبٌ، لَا أَنَّ جَمِيعَنَا رَاكِبٌ عِنْدَ دُخُولِ كُلٍّ مِنَّا اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُشْتَرَطُ أَنْ تُوجَدَ الطَّهَارَةُ كَامِلَةً عِنْدَ اللُّبْسِ، وَفِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ الْحَدَثِ، وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فُرُوعٌ مَحَلُّهَا كُتُبُ الْفِقْهِ. (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ: فَمَسَحَ بِهِمَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْإِجْزَاءِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: مَسْحُ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ مَالِكٌ بِالِاسْتِيعَابِ (ثُمَّ رَكِبَ) ﷺ (وَرَكِبْتُ) يَعْنِي: فَسِرْنَا (فَانْتَهَيْنَا) أَيْ: وَصَلْنَا (إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ) أَيْ: صَلَاةِ الصُّبْحِ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (وَيُصَلِّي بِهِمْ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ يُصَلِّي بِهِمْ إِمَامًا لَهُمْ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ) أَيْ: صَلَّى بِهِمْ (رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ) أَيْ: عَلِمَ (بِالنَّبِيِّ) أَيْ: بِمَجِيئِهِ ﷺ ذَهَبَ) شَرَعَ (يَتَأَخَّرُ) مِنْ مَوْضِعِهِ ; لِيَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ (فَأَوْمَأَ) بِالْهَمْزِ (إِلَيْهِ) أَيْ: أَشَارَ إِلَيْهِ ﵊ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَالِهِ (فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مَعَهُ) أَيْ: مُقْتَدِيًا بِهِ يَعْنِي: اقْتَدَى بِهِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْأَفْضَلِ بِالْمَفْضُولِ إِذَا عَلِمَ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ، وَعَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِصْمَةِ لِلْإِمَامِ خِلَافًا لِلْإِمَامِيَّةِ، (فَلَمَّا سَلَّمَ) أَيِ: الْإِمَامُ (قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَدَاءِ مَا سَبَقَ (وَقُمْتُ مَعَهُ) أَيْ: لِأَنِّي كُنْتُ مَسْبُوقًا أَيْضًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا قَالَهُ أَئِمَّتُنَا أَنَّ الْمَسْبُوقَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ إِلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَإِنْ قَامَ قَبْلَهُ بِلَا نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ عَمْدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا يَجِبُ جَمِيعُ مَا أَتَى بِهِ اهـ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَنْ يَقُومَ إِلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ لِضَرُورَةِ صَوْنِ صَلَاتِهِ عَنِ الْفَسَادِ كَمَا إِذَا خَشِيَ إِنِ انْتَظَرَهُ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاتِهِ فِي الْفَجْرِ، فَإِنْ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ; فَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِرَكْعَةٍ إِنْ وَقَعَ مِنْ قِرَاءَتِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ مِقْدَارُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ قِيَامَهُ وَقِرَاءَتَهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ لَا يُعْتَبَرُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَفْعَلُهَا الْجَاهِلُونَ، وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ. (فَرَكَعْنَا) أَيْ: صَلَّى كُلٌّ مِنَّا (الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا) أَيْ: فَاتَتْنَا.
стр. 863
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْأُصُولِ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاءِ وَالْقَافِ، وَبَعْدَهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِ سَاكِنَةٌ أَيْ: وُجِدَتْ قَبْلَ حُضُورِنَا، وَأَمَّا بَقَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي صَلَاتِهِ هَذِهِ، وَتَأَخُّرُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي صَلَاتِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ; لِيَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَضِيَّةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ قَدْ رَكَعَ رَكْعَةً، فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ التَّقَدُّمَ لِئَلَّا يَخْتَلَّ تَرْتِيبُ صَلَاةِ الْقَوْمِ، بِخِلَافِ قَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ، نَعَمْ وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ مَعَ الْإِشَارَةِ لَهُ بِعَدَمِ التَّأَخُّرِ تَأَخَّرَ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَخَّرْ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَذَكَّرَ أَنَّ تَأَخُّرَهُ يَضُرُّ بِالْقَوْمِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَأَبَا بَكْرٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَأَخُّرِهِ فَتَأَخَّرَ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ - وَهُوَ الْأَحْسَنُ -: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَهِمَ أَنَّ سُلُوكَ الْأَدَبِ أَوْلَى مِنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّهُ فَهِمَ أَنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَمْرٍ عُلِمَ بِالْقَرَائِنِ أَنَّهُ لِرِعَايَةِ حَالِ الْمَأْمُورِ دُونَ الْآمِرِ، فَفِي الِامْتِثَالِ إِيهَامُ إِخْلَالٍ بِكَمَالِ الْأَدَبِ مَعَ الْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الِامْتِثَالِ أَدَبٌ أَيُّ أَدَبٍ، وَفِي إِيثَارِ الْأَدَبِ إِظْهَارُ رِعَايَةِ حَالِ الْأَمْرِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ حَالِ الْمَأْمُورِ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَكَانَ هَذَا أَوْلَى وَأَكْمَلَ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ مِنَ الْفَرَحِ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عَنِ التَّأَخُّرِ، وَلِلْمُبَالَغَةِ فِي امْتِنَاعِهِ عَنِ التَّقَدُّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا: " أَحْسَنْتُمْ، صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا» " يَعْنِي لَا تُؤَخِّرُوهَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِانْتِظَارِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُ انْتِظَارِهِ إِذَا مَضَى زَمَانٌ كَثِيرٌ إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَتَى يَجِيءُ، أَمَّا إِذَا عَلِمُوا فَيُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْإِمَامِ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ يُسْتَحَبُّ إِعْلَامُهُ وَقْتَ الصَّلَاةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَصْلَ الْحَدِيثِ فِي اللِّبَاسِ وَفِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَسْحَ عَلَى النَّاصِيَةِ فِي كِتَابِهِ، وَلَا ذَكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلَا ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ صَلَاةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِالنَّاسِ، وَلَا بِالنَّبِيِّ ﷺ ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ.
стр. 864
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥١٩ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ «رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الْإِسْنَادُ، هَكَذَا فِي الْمُنْتَقَى.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥١٩ - (وَعَنْ أَبِي بَكَرَةَ) : بِالتَّاءِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ: بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، قِيلَ: تَدَلَّى يَوْمَ الطَّائِفِ بِبَكَرَةَ وَأَسْلَمَ، فَكَنَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي بَكْرَةَ وَأَعْتَقَهُ ; فَهُوَ مِنْ مَوَالِيهِ، وَنَزَلَ الْبَصْرَةَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَخَّصَ) أَيْ: جَوَّزَ ( «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» ) وَاخْتُلِفَ هَلِ الْمَسْحُ أَفْضَلُ أَمِ الْغَسْلُ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَابِسًا لِلْخُفِّ بِشَرْطِهِ فَالْمَسْحُ أَفْضَلُ ; كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ (إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ) أَيْ: لَبِسَ خُفَّيْهِ بَعْدَ طَهَارَةِ رِجْلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعْقِيبُ ; فَالْفَاءُ لِمُجَرَّدِ الْبَعْدِيَّةِ، فَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ: " الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ " قَوْلٌ لَا قَائِلَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: " أَيْ لَبِسَ خُفَّيْهِ بَعْدَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ " مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، (أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا) مَفْعُولُ رَخَّصَ (رَوَاهُ الْأَثْرَمُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ (فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ) : مُصَغَّرًا (وَالدَّارَقُطْنِيُّ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، وَقَالَ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، هَكَذَا فِي الْمُنْتَقَى) كِتَابٌ لِابْنِ تَيْمِيَةَ الْحَنْبَلِيِّ، وَقَالَ غَيْرُ الْخَطَّابِيِّ: إِنَّهُ حَسَنُ الْإِسْنَادِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا هُوَ حُجَّةٌ فِي أَنَّ مُدَّةَ الْمَسْحِ مُقَدَّرَةٌ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: لَا تُقَدَّرُ بَلْ يَمْسَحُ كُلٌّ مِنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ مَا شَاءَ لِخَبَرٍ فِيهِ، لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَوْلُ عُمَرَ لِمَنْ مَسَحَ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ: " أَصَبْتَ السُّنَّةَ " مُعَارَضٌ بِمَا صَحَّ عَنْهُ مِنَ التَّوْقِيتِ، فَإِمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ حِينَ بَلَغَهُ، وَإِمَّا أَنَّ قَوْلَهُ بِالتَّوْقِيتِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ; لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ، أَيْ: نَفْسَ الْمَسْحِ، رَدٌّ لِمَنْ زَعَمَ عَدَمَ جَوَازِهِ.
стр. 865
٥٢٠ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٥٢٠ - (وَعَنْ صَفْوَانَ) عَلَى وَزْنِ سَلْمَانَ، مُرَادِيٌّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ (ابْنِ عَسَّالٍ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ وَبِاللَّامِ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا» ) بِسُكُونِ الْفَاءِ مُنَوَّنًا جَمْعُ مُسَافِرٍ، أَيْ: مُسَافِرِينَ، وَقِيلَ: اسْمٌ لَا جَمْعَ لَهُ إِذْ لَمْ يَنْطِقُوا بِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا كَانُوا مُسَافِرِينَ أَوْ سَفْرًا، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (أَنْ لَا نَنْزِعَ) أَيْ: يَنْهَانَا عَنِ النَّزْعِ، وَهُوَ يُرِيدُ مَا صَحَّحْنَا مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ (خِفَافَنَا) بِكَسْرِ الْخَاءِ جَمْعُ خُفٍّ، يَعْنِي: أَنْ نَمْسَحَ عَلَيْهَا (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا مِنْ حَدَثٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُغْتَسِلِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ النَّزْعُ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ مُؤْذِنًا بِإِثْبَاتِ النَّزْعِ مِنْهَا اسْتَدْرَكَهُ بِالْأَحْدَاثِ الَّتِي لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا النَّزْعُ لِيُعْلَمَ اخْتِصَاصُ وُجُوبِ النَّزْعِ بِالْجَنَابَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ الْحَدَثِ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ فَقَالَ: (وَلَكِنْ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ غَائِطٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنَحْنُ نَنْزِعُ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ لَا نَنْزِعُ مِنْ غَائِطٍ (وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ) الْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى " أَوْ " يَعْنِي: بَلْ نَتَوَضَّأُ، وَنَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مِنْ أَجْلِ أَحَدِهَا، وَيُرْوَى: " لَا مِنْ جَنَابَةٍ " وَهُوَ أَظْهَرُ، أَيْ: يَأْمُرُنَا أَنْ لَا «نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ» . مِنْ حَدَثٍ لَا مِنْ جَنَابَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ، وَلَكِنْ يَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ مِنْ غَائِطٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَكِنْ مُفَادُهَا مُخَالَفَةُ مَا قَبْلَهَا مَا بَعْدَهَا، نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا، مُحَقَّقًا أَوْ مُئَوَّلًا، فَالتَّقْدِيرُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ نَنْزِعَ خِفَافَنَا مِنَ الْجَنَابَةِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنْ لَا نَنْزِعُهَا فِيهَا مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَغَيْرِهَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهَا يُنَافِي قَاعِدَةَ الْعَطْفِ، لَكِنْ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ حَتَّى يُوَافِقَ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الرَّدَّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 866
٥٢١ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «وَضَّأْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا - يَعْنَى الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٢١ - (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ) أَيْ: سَكَبْتُ الْوَضُوءَ عَلَى يَدَيْهِ، وَقِيلَ: سَكَبْتُ وَضُوءَهُ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) الصَّحِيحُ عَدَمُ صَرْفِهِ أَيْ: فِي زَمَانِهَا ( «فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» ) وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: مَسْحُ أَعْلَاهُ وَاجِبٌ، وَمَسْحُ أَسْفَلِهِ سُنَّةٌ، وَذَكَرَ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ: السُّنَّةُ أَنْ يُمْسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: السُّنَّةُ أَنْ يُمْسَحَ أَعْلَاهُ فَقَطْ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَعْلَاهُ أَجْزَأَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَسْفَلِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَذْهَبِ أَحْمَدَ، هَذَا وَذَكَرَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ، أَنَّهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ: هَذَا مُرْسَلٌ لَمْ يَثْبُتْ أَيْ: لَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادُهُ إِلَى الْمُغِيرَةِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ «مَسَحَ أَعْلَى خُفَّيْهِ خُطُوطًا مِنَ الْمَاءِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ» ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ. وَقَوْلُ النِّهَايَةِ: فِي بَعْضِهَا صَحِيحٌ - غَلَطٌ، وَكَذَا تَأْيِيدُ الْإِسْنَويِّ لَهَا، لَكِنْ يُحْتَجُّ بِهَا لِمَذْهَبِنَا، فَإِنَّ الْأَكْمَلَ عِنْدَنَا فِي مَسْحِ الْخُفِّ أَنْ يُمْسَحَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ، وَعَقِبُهُ وَحَرْفُهُ خُطُوطًا، وَهَذَا مِنَ الْفَضَائِلِ، وَهِيَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ وَالْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَبَيَّنَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا أَخَذَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ حَيْثُ قَالُوا: الْأَكْمَلُ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى مُفَرَّجَةً عَلَى مُقَدَّمِ ظَهْرِ الْخُفِّ، وَأَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى أَسْفَلِ الْعَقِبِ، ثُمَّ يُمِرَّهُمَا فَتَنْتَهِيَ أَصَابِعُ الْيُمْنَى إِلَى آخِرِ السَّاقِ، وَالْأُخْرَى إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ مِنْ تَحْتٍ اهـ.
стр. 867
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَوِ الْحَسَنِ، وَسَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ مِنْ حَدِيثِهِ الْمُتَّصِلِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَأَيْضًا إِنَّمَا يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ الثَّابِتَةِ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى، وَهَاهُنَا هَذَا الْحُكْمُ ابْتِدَائِيٌّ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ثَوَابِهِ وَفَضِيلَتِهِ، فَتَأَمَّلْ حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَثَبِّتِ الْعَرْشَ ثُمَّ انْقُشْ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ) لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ غَيْرُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينُ عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَالْمَعْلُولُ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ هُوَ مَا فِيهِ سَبَبٌ خَفِيٌّ يَقْتَضِي رَدَّهُ، وَقِيلَ: مَا وَهِمَ فِيهِ ثِقَةٌ بِرَفْعٍ أَوْ تَغَيُّرٍ أَوْ إِسْنَادٍ، أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى. (وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدَ - يَعْنِي) بِمُحَمَّدٍ (الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ) : وَالسَّائِلُ التِّرْمِذِيُّ (فَقَالَا) أَيْ: أَبُو زُرْعَةَ وَالْبُخَارِيُّ (لَيْسَ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ يَعْنِي إِسْنَادَهُ (بِصَحِيحٍ) لِأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَوَى هَذَا عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَجَاءٍ قَالَ: حَدِيثٌ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمُغِيرَةُ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، عَنِ التِّرْمِذِيِّ. (وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَأَعَلَّهُ بِالْإِرْسَالِ أَيْضًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يَثْبُتُ.
стр. 868
٥٢٢ - وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَهْرِهِمَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٢٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمُغِيرَةِ مُتَّصِلًا (أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا» ) أَيْ: عَلَى ظَاهِرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَهُوَ مُقَدَّمُ الرِّجْلِ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَأَصَابِعَ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ الْأَيْسَرِ، وَيَمُدُّهُمَا إِلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ. هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْمَسْنُونُ، وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ مَرَّةٍ بِمَاءٍ جَدِيدٍ عَلَى مَوْضِعٍ جَدِيدٍ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ وَضَعَ الْكَفَّ وَمَدَّهَا أَوْ مَعَ الْأَصَابِعِ كُلِّهَا حَسَنٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَمْسَحَ بِجَمِيعِ الْيَدِ حَتَّى بِأَصَابِعِهَا، وَلَوْ مَسَحَ بِرَأْسِ كَفِّهِ جَازَ، وَكَذَا بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ إِذَا بَلَغَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ، وَقِيلَ: مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَهُ الْكُلُّ، وَالْمُرَادُ مِنْ ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ أَعْلَاهُمَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فِيمَا سَيَأْتِي، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ (وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ خُفَّيْهِ، فَنَخَسَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا السُّنَّةُ ; أُمِرْنَا بِالْمَسْحِ هَكَذَا، وَأَمَرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى خُفِّهِ» ، وَفِي لَفْظٍ: «ثُمَّ أَرَاهُ بِيَدِهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفَّيْنِ إِلَى أَصْلِ السَّاقِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» ، وَفِي الشَّمَنِّيُّ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ» .
стр. 869
٥٢٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٢٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمُغِيرَةِ (قَالَ: «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» ) أَيْ: وَنَعْلَيْهِمَا، فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِمَا، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " وَالنَّعْلَيْنِ " هُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ لَبِسَ النَّعْلَيْنِ فَوْقَ الْجَوْرَبَيْنِ، وَقَدْ أَجَازَ الْمَسْحَ فَوْقَ الْجَوْرَبَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْهُمْ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَرْوِيَ الْمُغِيرَةُ اللَّفْظَيْنِ، وَقَدْ عَضَّدَهُ فِعْلُ الصَّحَابَةِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُمَامَةَ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ بِأَنْ كَانَ الْجِلْدُ أَعْلَاهُمَا وَأَسْفَلَهُمَا، أَوْ مُنَعَّلَيْنِ بِأَنْ كَانَ الْجِلْدُ أَسْفَلَهُمَا فَقَطْ، أَوْ ثَخِينَيْنِ مُسْتَمْسِكَيْنِ عَلَى السَّاقِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَكَذَا يَجُوزُ عَلَى الْمُوقَيْنِ تَثْنِيَةُ الْمُوقِ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَهُوَ الْجُرْمُوقُ كَعُصْفُورٍ، مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْغَالِبِ، فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّخْصَةُ، وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ سَأَلَ بِلَالًا عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يَخْرُجُ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ» ؛ وَلِأَنَّ الْمُوقَ لَا يُلْبَسُ بِدُونِ الْخُفِّ عَادَةً فَأَشْبَهَ خُفَّا ذَا طَاقَيْنِ (وَأَبُو دَاوُدَ) وَضَعَّفَهُ (وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 870
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٢٤ - عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁، قَالَ: «مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَسِيتَ؟ قَالَ: " بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ، بِهَذَا أَمَرَ رَبِّي » . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٢٤ - (عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: «مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَسِيتَ» ؟) يُحْتَمَلُ تَقْدِيرُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَتَرْكُهُ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا نَسِيتُ (" بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ ") أَيْ: إِنِّي مُشَرِّعٌ حَيْثُ نُسِبْتُ إِلَى النِّسْيَانِ (" بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ") فَفِعْلِي عَمْدٌ، أَوِ الْمَعْنَى: تَرَكْتَ الْأَدَبَ حَيْثُ جَزَمْتَ بِنِسْبَةِ النِّسْيَانِ إِلَيَّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: " بَلْ نَسِيتَ " مَعْنَاهُ أَخْطَأْتَ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بِهَذَا - أَيْ بِالْمَسْحِ أَمَرَنِي رَبِّي - مَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَسْحَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 871
٥٢٥ - «وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِلدَّارِمِيِّ مَعْنَاهُ.
ــ
٥٢٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ سَاقِطٌ مِنْ نُسْخَةِ السَّيِّدِ (أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ) أَيْ: بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ دُونَ الرِّوَايَةِ وَالنَّقْلِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ) لِقُرْبِهِ مِنَ الْقَاذُورَاتِ وَالْأَوْسَاخِ (أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ ; لِبُعْدِهِ مِنْهَا، (وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ) : مُرَادُهُ بِهِ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِ، وَإِلَّا لَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْأَسْفَلِ لِشُمُولِ الظَّاهِرِ لَهُ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ. . . إِلَخْ، صَرِيحٌ فِي امْتِنَاعِ الْأَسْفَلِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ بِظَاهِرِ خُفَّيْهِ أَعْلَى ظَاهِرِهِمَا، فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا
стр. 872
فَاعْلَمْ أَنَّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ تَابِعٌ لِلشَّرْعِ ; لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْحِكَمِ الْإِلَهِيَّةِ، فَعَلَيْهِ التَّعَبُّدُ الْمَحْضُ بِمُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ، وَمَا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْحُكَمَاءِ وَالْمُبْتَدَعَةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا بِمُتَابَعَةِ الْعَقْلِ، وَتَرْكِ مُوَافَقَةِ النَّقْلِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا: لَوْ قُلْتُ بِالرَّأْيِ لَأَوْجَبْتُ الْغُسْلَ بِالْبَوْلِ أَيْ: لِأَنَّهُ نَجِسٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْوُضُوءُ بِالْمَنِيِّ ; لِأَنَّهُ نَجِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَأَعْطَيْتُ الذَّكَرَ فِي الْإِرْثِ نِصْفَ الْأُنْثَى ; لِكَوْنِهَا أَضْعَفَ مِنْهُ، هَذَا وَقَالَ فِي النَّوَوِيَّةِ نَقْلًا عَنِ الْمَبْسُوطِ فِي قَوْلِ عَلِيٍّ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ مَسْحُ بَاطِنِ الْخُفِّ أَوْلَى مِنْ ظَاهِرِهِ ; لِأَنَّ بَاطِنَهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَلَوُّثٍ عَادَةً فَيُصِيبُ يَدَهُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِنِ عِنْدَهُمْ مَحَلُّ الْوَطْءِ لَا مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ، لَكِنْ بِتَقْدِيرِهِ لَا يَظْهَرُ أَوْلَوِيَّةُ مَسْحِ بَاطِنِهِ وَلَوْ كَانَ بِالرَّأْيِ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ الْأَسْفَلُ هُوَ الْمُعَيَّنُ الَّذِي قَالُوهُ، فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِ عَلِيٍّ السَّابِقِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَسْحِ هُوَ الطَّهَارَةُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَسْفَلَ أَحْوَجُ إِلَى التَّطْهِيرِ ; فَإِنَّهُ أُجْمِعَ فِيهِ الْحَدَثُ وَالْخَبَثُ، وَفِي كَلَامِ عَلِيٍّ إِيمَاءٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ جَوَّزَ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الرِّجْلِ لَكَانَ فِي مُقْتَضَى الرَّأْيِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى لَا عَلَى الْأَسْفَلِ، فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ (وَلِلدَّارِمِيِّ) جَارٌّ وَمَجْرُورٌ، خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ مُبْتَدَؤُهُ: (مَعْنَاهُ) أَيْ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ دُونَ لَفْظِهِ.
стр. 873
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٦ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(١٠)
بَابُ التَّيَمُّمِ
وَهُوَ لُغَةٌ: الْقَصْدُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَشَرْعًا: قَصْدُ التُّرَابِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَلِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ فِي مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ وَجَبَتِ النِّيَّةُ فِيهِ عِنْدَنَا بِخِلَافِ أَصْلَيْهِ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَأَيْضًا الْغُسْلُ بِالْمَاءِ طَهَارَةٌ حِسِّيَّةٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ إِلَّا لِخُصُوصِ الْأَجْرِ وَالْمَثُوبَةِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَفِي الظَّاهِرِ إِنَّمَا هُوَ غَبْرَةٌ صُورِيَّةٌ، فَاحْتَاجَ إِلَى النِّيَّةِ ; لِيَصِيرَ بِهَا كَالطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، ثُمَّ التَّيَمُّمُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ فَرْضِيَّتِهِ وَمَكَانِهَا وَسَبَبِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى انْهُ مُخْتَصٌّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَإِنَّ كَانَ الْحَدَثُ أَكْبَرَ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِجْمَاعًا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٦ - (عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فُضِّلْنَا ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدًا (عَلَى النَّاسِ) أَيْ: فَضَّلَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ (بِثَلَاثٍ) أَيْ: بِثَلَاثِ خِصَالٍ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ كَانُوا يَقِفُونَ فِي الصَّلَاةِ كَيْفَمَا اتُّفِقَ، وَلَمْ تَجُزْ لَهُمُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُمُ التَّيَمُّمُ، وَلَيْسَ فِيهِ انْحِصَارُ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الثَّلَاثِ ; لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ خَصَائِصُ أُمَّتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَيُخْبِرُ عَنْ كُلِّ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ إِنْزَالِهِ مِمَّا يُنَاسِبُهُ (جُعِلَتْ صُفُوفُنَا) أَيْ: وُقُوفُنَا فِي الصَّلَاةِ (كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) قِيلَ: فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقِيلَ: فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: فِي الطَّاعَةِ. قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ - وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] (وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا) تَأْكِيدٌ لِيَشْمَلَ مَا فِي حُكْمِهَا مِنَ الْجِبَالِ (مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا) أَيْ: تُرَابُ الْأَرْضِ لَنَا طَهُورًا) أَيْ: مُطَهِّرًا (إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ) وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ: أَنَّ غَيْرَ التُّرَابِ لَا يَكُونُ طَهُورًا، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِغَيْرِنَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 874
٥٢٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ ﵁، قَالَ: «كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ، إِذَا هُوَ بَرْجَلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ. قَالَ: " عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ ; فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢٧ - (وَعَنْ عِمْرَانَ) أَيْ: ابْنِ الْحُصَيْنِ الْخُزَاعِيِّ الْكَعْبِيِّ، أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ) : أَيْ: إِمَامًا (فَلَمَّا انْفَتَلَ) : أَيْ: انْصَرَفَ وَفَرَغَ (مِنْ صَلَاتِهِ، إِذَا هُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (بِرَجُلٍ) : فَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ بِرَجُلٍ (مُعْتَزِلٍ) : عَنِ الْقَوْمِ أَيْ: خَارِجٍ مِنْ بَيْنِهِمْ وَاقِفٍ فِي نَاحِيَةٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ) : وَالْجُمْلَةُ جَوَابٌ لِمَا، أَيْ: فَلَمَّا انْفَتَلَ فَاجَأَهُ رُؤْيَةُ رَجُلٍ مُعْتَزِلٍ غَيْرِ مُصَلٍّ (فَقَالَ) : ﷺ : ( «مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ» ؟) : أَيْ: مِنْ صَلَاتِكَ مَعَهُمْ (قَالَ: «أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ» ) : أَيْ: مَوْجُودٌ هُنَا ( «قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ» ") : اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ وَالْزَمْ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَوِ الْمَعْنَى: يَلْزَمُ عَلَيْكَ التَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ، وَهُوَ التُّرَابُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَوَجْهُ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، سَوَاءٌ كَانَ تُرَابًا أَمْ لَا ; لِأَنَّ الصَّعِيدَ مَا صَعِدَ عَلَى الْأَرْضِ، وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مَا يَصِيرُ رَمَادًا أَوْ مُذَابًا (فَإِنَّهُ) : أَيِ: الصَّعِيدُ (يَكْفِيكَ) : أَيْ: لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَيُغْنِيكَ وَيُجْزِئُكَ عَنِ الْمَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 875
٥٢٨ - وَعَنْ عَمَّارٍ ﵁، قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ؟ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا " فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ، وَفِيهِ: قَالَ: " «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ» ".
ــ
٥٢٨ - (وَعَنْ عَمَّارٍ: أَيْ: ابْنِ يَاسِرٍ ﵁ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ) : أَيِ: الرَّجُلُ سَائِلًا: (إِنِّي أَجْنَبْتُ) : أَيْ: صِرْتُ جُنُبًا أَوْ دَخَلْتُ فِي الْجَنَابَةِ (فَلَمْ أَصِبُ الْمَاءَ) : مِنَ الْإِصَابَةِ أَيْ: لَمْ أَجِدْهُ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا بَيَّنَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ عُمَرُ فِي جَوَابِهِ: لَا تُصَلِّ حَتَّى تَجِدَ الْمَاءَ، وَيُمْكِنُ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا سَكَتَ عَنِ الْجَوَابِ نَاسِيًا لِلْقَضِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ (فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: فِي سَرِيَّةٍ. أَيْ: طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ (أَنَا وَأَنْتَ؟) تَأْكِيدٌ وَبَيَانٌ لِضَمِيرِ كُنَّا، فَالْمَعْنَى فَأَجْنَبْنَا كُلُّنَا (فَأَمَّا أَنْتَ) : تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ (فَلَمْ تُصَلِّ) : لِأَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّعُ الْوُصُولَ إِلَى الْمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، أَوْ لِاعْتِقَادِ أَنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمِ الْحُكْمَ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ سُؤَالُ الْحُكْمِ مِنْهُ ﵊ إِذْ ذَاكَ (وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) : أَيْ: تَمَرَّغْتُ وَتَقَلَّبْتُ فِي التُّرَابِ ظَنًّا بِأَنَّ إِيصَالَ التُّرَابِ إِلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ فِي الْجَنَابَةِ كَالْمَاءِ (فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) : أَيْ: فِعْلِي أَوْ مَا ذُكِرَ مِنَ امْتِنَاعِ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ وَتَمَعُّكِي فِي التُّرَابِ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا "، مُجْمَلٌ تَفْسِيرُهُ (فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ) : هَذَا تَعْلِيمٌ فِعْلِيٌّ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْإِعْلَامِ الْقَوْلِيِّ (وَنَفَخَ فِيهِمَا) : لِيَقِلَّ التُّرَابُ الَّذِي حَصَلَ فِي كَفَّيْهِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ التَّطْهِيرُ لَا التَّغْيِيرُ الْمُوجِبُ لِلتَّنْفِيرِ (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ تَبَعًا لِجَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِضَرْبَتَيْنِ أَوْ وَضْعَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا لِلْوَجْهِ وَالْأُخْرَى لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ; بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَارِّ فِي آخِرِ بَابِ مُخَالَطَةِ الْجُنُبِ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمُرَادُ بِالْكَفَّيْنِ الذِّرَاعَانِ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ اهـ.
وَالذِّرَاعُ بِالْكَسْرِ مِنْ طَرَفِ الْمِرْفَقِ إِلَى طَرَفِ الْأُصْبُعِ وَهُوَ السَّاعِدُ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ جَاءَ حَقِيقَةً فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ارْتِكَابِ الْمَجَازِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْكَفُّ الْيَدُ أَوِ الْكُوعُ، وَمَعَ هَذَا لَابُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَضَرَبَ - لِيَتِمَّ التَّأْوِيلُ الْمُوَافِقُ لِلْمَذْهَبِ، وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِمِ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ» ، وَأَخَذُوا بِهِ، وَإِنْ أُعِلَّ بِالْوَقْفِ وَالضَّعْفِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُعَضِّدُهُ إِذْ هُوَ بَدَلٌ، فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُحَاكِيَ الْمُبْدَلَ، وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ. وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ الْمَتْنِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ صُورَةُ الضَّرْبِ لِلتَّعْلِيمِ لَا بَيَانُ جَمِيعِ مَا
стр. 876
يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي التَّيَمُّمِ بِمَسْحِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الِاقْتِصَارُ عَلَى الْكَفَّيْنِ أَصَحُّ رِوَايَةً، وَوُجُوبُ مَسْحِ الذِّرَاعَيْنِ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ، وَأَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ اهـ.
أَيْ: لِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَأُعْطِيَ حُكْمَ مُبْدَلِهِ، وَبِهِ يَعْتَضِدُ الْخَبَرُ الْمَوْقُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ ظَاهَرُ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا فِي الْأَصْلِ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُهُ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ ; لِأَنَّهُ أَصْلُهُ، وَيُؤَيِّدُنَا مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا "، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ وَجْهَهُ» اهـ. فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي عَدَمِ التَّرْتِيبِ، وَاحْتِمَالُ أَنَّ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ بَعِيدٌ جِدًّا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ) : أَيْ: مَعْنَاهُ (وَفِيهِ) : أَيْ: فِي مُسْلِمٍ، أَوْ فِي نَحْوِهِ (قَالَ) : ﷺ : ( «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخُ، ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ» ) : وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ ﵊ جَمَعَ فِي التَّعْلِيمِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ; تَأْكِيدًا لِلْإِعْلَامِ؛ وَتَنْبِيهًا عَلَى الِاهْتِمَامِ.
стр. 877
٥٢٩ - وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ﵁، قَالَ: «مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ، فَحَتَّهُ بِعَصًى كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ» . وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي: الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَا فِي " كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ "، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ " قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ــ
٥٢٩ - (وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ) : فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَغَيْرِهِ: بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَقِيلَ: بِتَخْفِيفِهَا (قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : الْمُرُورُ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَعَلَى، (وَهُوَ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ (يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ هُوَ الْمُصَحَّحُ (عَلَيَّ) : السَّلَامَ (حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ) : لَعَلَّهُ كَانَ جِدَارَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ رِضَاهُ أَوْ كَانَ جِدَارَهُ (فَحَتَّهُ) : بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، أَيْ: حَكَّهُ وَخَدَشَهُ (بِعَصًى كَانَتْ مَعَهُ) : حَتَّى يَحْصُلَ مِنْهُ التُّرَابُ، قَصْدًا إِلَى الْأَفْضَلِ لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ، أَوْ لِإِزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ، أَوِ الْمُؤْذِيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجِدَارِ، فَلَا يَكُونُ نَصًّا عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَقْ بِالْيَدِ غُبَارٌ (ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ) : أَيْ مَرَّتَيْنِ (عَلَى الْجِدَارِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " يَدَهُ " عَلَى الْإِفْرَادِ ; لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ (فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ) : مَعَ مِرْفَقَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الضَّرْبَةَ الْوَاحِدَةَ كَافِيَةٌ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ (ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ) : أَيِ: السَّلَامَ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الطَّهَارَةِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَفِي تَأْخِيرِهِ ﵊ رَدَّ الْجَوَابِ تَعْلِيمٌ بِأَنَّ رَدَّهُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ الْمُطْلَقَةِ كَذَا قِيلَ، وَأَقُولُ: هَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرُوهَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﵊، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَلَمْ أَجِدْ) : أَيْ: نَقَلْتُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ، وَلَمْ أَجِدْ (هَذِهِ الرِّوَايَةَ) : أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ (فِي الصَّحِيحَيْنِ) : وَرِوَايَتُهُمَا مَذْكُورَةٌ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، (وَلَا فِي: كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) : فَالِاعْتِرَاضُ وَارِدٌ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ حَيْثُ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصِّحَاحِ الْمَوْضُوعِ فِي اصْطِلَاحِهِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
(وَلَكِنْ ذَكَرَهُ) : أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ بِإِسْنَادِهِ أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي نُسْخَةٍ ذَكَرَهَا، أَيْ: هَذِهِ الرِّوَايَةَ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : مَنْ كَتَبَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بِسَنَدِهِ (وَقَالَ فِيهِ) : أَيْ: فِي حَقِّهِ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) : فَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 878
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٠ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ; فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: " عَشْرَ سِنِينَ ".
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٠ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الصَّعِيدَ ") : أَيِ: التُّرَابَ، أَوْ وَجْهَ الْأَرْضِ (الطَّيِّبَ) : الطَّاهِرَ الْمُطَهَّرَ (وَضُوءُ الْمُسْلِمِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ ; لِأَنَّ التُّرَابَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ: اسْتِعْمَالُ الصَّعِيدِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ كَوُضُوءِ الْمُسْلِمِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يُفِيدُ أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ لَا مُبِيحٌ لَهُ، كَمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِوَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ (وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ) : إِنْ لِلْوَصْلِ (عَشْرَ سِنِينَ) بِسُكُونِ الشِّينِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكَثْرَةُ لَا الْمُدَّةُ الْمُقَدَّرَةُ، فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ غَيْرُ نَاقِضٍ لِلتَّيَمُّمِ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوُضُوءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ، مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ يُعَضِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَإِنَّ ضَعُفَ سَنَدُهُ -: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلَّى بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ إِلَّا فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يُجَدِّدُ لِلثَّانِيَةِ تَيَمُّمًا، وَمَا قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ، مَحَلُّهُ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مَعَ رَفْعِهِ يَدُلُّ عَلَى السُّنِّيَّةِ لَا عَلَى الْفَرْضِيَّةِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنَّ الْحَدَثَ الْوَاحِدَ أَوْجَبَ طَهَارَتَيْنِ. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْإِفْصَاحِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَيَلْزَمُ عَلَى مَنْ جَوَّزَ فَرَضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرُّوَيَانِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِيَةِ وَقَعَ قَبْلَ الْوَقْتِ - وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ - مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوُضُوءِ (فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ) : أَيْ: كَافِيًا لِغُسْلِهِ أَوْ وُضُوئِهِ، وَفَاضِلًا عَنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى شُرْبِهِ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ (فَلْيُمِسَّهُ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنَ الْإِمْسَاسِ (بَشَرَتَهُ) : أَيْ: فَلْيُوصِلِ الْمَاءَ إِلَى بَشَرَتِهِ وَجِلْدِهِ، يَعْنِي: فَلْيَتَوَضَّأْ أَوْ يَغْتَسِلْ (فَإِنَّ ذَلِكَ) : أَيِ: الْإِمْسَاسَ (خَيْرٌ) : مِنَ الْخَيُورِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كِلَيْهِمَا جَائِزٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، لَكِنَّ الْوُضُوءَ خَيْرٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] " مَعَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ وَلَا أَحْسَنِيَّةَ لِمُسْتَقَرِّ أَهْلِ النَّارِ ; لِمَا وَرَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: " التُّرَابُ كَافِيكَ وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ حُجَجٍ، وَإِنْ وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ» " وَهَذَا أَمْرٌ، وَهُوَ لِلْوُجُوبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ - أَيْ: وُجُودَ الْمَاءِ - خَيْرٌ مِنْ فَقْدِهِ، فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنْحَةٌ جَسِيمَةٌ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ طَهَارَةٌ حَقِيقِيَّةٌ حِسِّيَّةٌ وَحُكْمِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً بِهِمَا، وَفِيهِمَا خَيْرٌ كَثِيرٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى.
(وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) : أَيْ: مَعْنَاهُ (إِلَى قَوْلِهِ: عَشْرَ سِنِينَ ") .
стр. 879
٥٣١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مَنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَاحْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، قَالَ: " قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْا لَمْ يَعْلَمُوا ; فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٣١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ) : أَيْ: أَوْقَعَ الشَّجَّ فِيهِ نَحْوَ: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي، وَكَذَا قَوْلُهُ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ مِيرَكُ: فِيهِ تَأَمَّلٌ، وَوَجْهُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ " فِي " فِي سَفَرٍ " لَيْسَ لِلتَّعْدِيَةِ، بَلْ تَعْلِيلِيَّةٌ، أَيْ: خَرَجْنَا لِإِرَادَةِ سَفَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، أَيْ: خَرَجْنَا مُسَافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّأْسَ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ، فَإِنَّ الشَّجَّ هُوَ كَسْرُ الرَّأْسِ، فَفِيهِ تَجْرِيدٌ، وَالْمَعْنَى: فَجَرَحَهُ فِي رَأْسِهِ (فَاحْتَلَمَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ احْتَلَمَ أَيْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، وَخَافَ لَوِ اغْتَسَلَ أَنْ يُصِيبَ
стр. 880
الْمَاءُ الْجِرَاحَةَ فَيَضُرُّهَا» (فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ) : أَيْ: مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى زَعْمِهِ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ (هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً) : وَهُوَ ضِدُّ الْعَزِيمَةِ (فِي التَّيَمُّمِ؟) : أَيْ: فِي جَوَازِهِ، وَهُوَ وُجُودُ الْمَاءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتِ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ، حَمَلُوا الْوِجْدَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْوِجْدَانَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي حُكْمِ الْفُقْدَانِ (فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِذَلِكَ. قَالَ: " قَتَلُوهُ ") : أَسْنَدَ الْقَتْلَ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا لَهُ بِتَكْلِيفِهِمْ لَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَعَ وُجُودِ الْجُرْحِ فِي رَأْسِهِ ; لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ (قَتَلَهُمُ اللَّهُ) : أَيْ: لَعَنَهُمْ، إِنَّمَا قَالَهُ زَجْرًا وَتَهْدِيدًا، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا قَوَدَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمُفْتِي، وَإِنْ أَفْتَى بِغَيْرِ الْحَقِّ.
(أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا) : أَلَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ حَرْفُ تَحْضِيضٍ دَخَلَ عَلَى الْمَاضِي، فَأَفَادَ التَّنَدُّمَ، وَإِذَا ظَرْفٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ إِذْ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنَ النُّسْخَتَيْنِ، وَالْفَاءُ الْآتِيَةِ لِلتَّسَبُّبِ، وَالْمَعْنَى: فَلَمْ يَسْأَلُوا، وَلَمْ يَتَعَلَّمُوا مَا لَا يَعْلَمُونَ.
(فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ عَدَمُ الضَّبْطِ، وَالتَّحَيُّرِ فِي الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ (السُّؤَالُ) : فَإِنَّهُ لَا شِفَاءَ لِدَاءِ الْجَهْلِ إِلَّا التَّعَلُّمُ، عَابَهُمْ ﵊ بِالْإِفْتَاءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْوَعِيدَ بِأَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُقَصِّرِينَ فِي التَّأَمُّلِ فِي النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ) أَيِ: الرَّجُلَ الْمُحْتَلِمَ (أَنْ يَتَيَمَّمَ) : أَوَّلًا (وَيَعْصِبَ) : أَيْ: يَشُدَّ (عَلَى جُرْحِهِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ (خِرْقَةً) : حَتَّى لَا يَصِلَ إِلَيْهِ الْمَاءُ (ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا) : أَيْ: عَلَى الْخِرْقَةِ بِالْمَاءِ (وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَغَسْلِ سَائِرِ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ، دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِأَحَدِهِمَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْجَوَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ -: أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ خَافَ التَّلَفَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ خَافَ الزِّيَادَةَ فِي الْمَرَضِ أَوْ تَأْخِيرَ الْبُرْءِ جَازَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ: أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ بِلَا إِعَادَةٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ كَانَ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَرْحٌ أَوْ كَسْرٌ أَوْ جُرْحٌ، وَأَلْصَقَ عَلَيْهِ جَبِيرَةً، وَخَافَ مِنْ تَرْكِهَا التَّلَفَ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَيَضُمُّ إِلَى الْمَسْحِ التَّيَمُّمَ، وَلَا يَقْضِي عَلَى الرَّاجِحِ إِنْ وَضَعَ الْجَبِيرَةَ عَلَى طُهْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِذَا كَانَ بَعْضُ جَسَدِهِ جَرِيحًا أَوْ قَرِيحًا وَبَعْضُهُ صَحِيحًا ; إِذَا كَانَ الْأَكْثَرُ صَحِيحًا غَسَلَهُ، وَمَسَحَ عَلَى الْجُرْحِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ جَرِيحًا تَيَمَّمَ، وَيَسْقُطُ الْغُسْلُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَغْسِلُ الصَّحِيحَ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْجُرْحِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: لَا يَثْبُتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ. يَعْنِي: بَابَ الْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ وَالْجَبَائِرِ، وَلَكِنْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِعْلُهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
следующие страницы →