← Акыда

Акыда · id 8178

الإبانة عن أصول الديانة - ت فوقية

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (246 стр.). Показаны 211–246 · переход к 216.

стр. 211

الله أنه هدى للمتقين وعمى على الكافرين، وخبرنا أنه لا يهدي الكافرين؛ وجب أن يكون القرآن هدى للمتقين دون الكافرين. مسألة: وإن سأل سائل عن قول الله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) من الآية (١٧ /٤١) فقال: أليس ثمود كانوا كافرين وقد أخبر الله تعالى أنه هداهم. قيل له: ليس الأمر كما ظننت. والجواب في هذه الآية على وجهين: أحدهما: أن ثمود كانوا فريقين مؤمنين وكافرين، وهم الذين أخبر الله أنه نجاهم مع صالح ﷺ بقوله تعالى

стр. 212

: (نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) من الآية (٦٦ /١١) فالذين عنى الله من ثمود أنه هداهم هم المؤمنون دون الكافرين؛ لأن الله تعالى قد بين لنا في القرآن أنه لا يهدى الكافرين، والقرآن لا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضا، فإذا أخبرنا في موضع أنه لا يهدي الكافرين، ثم خبر في موضع آخر أنه هدى ثمود، علمنا أنه إنما أراد المؤمنين من ثمود دون الكافرين. والوجه الآخر: أن الله عنى قوما من ثمود كانوا مؤمنين ثم ارتدوا، فأخبر أنه تعالى هداهم فاستحبوا بعد الهداية الكفر على الإيمان، وكانوا في حال ما هداهم مؤمنين. فإن قال قائل معترضا في الجواب الأول: كيف يجوز أن يقول: (فهديناهم) ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: (فاستحبوا) يعني الكافرين منهم وهم غير مؤمنين؟ يقال له: هذا جائز في اللغة التي ورد بها القرآن أن يقول: (فهديناهم)

стр. 213

ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: (فاستحبوا) ويعني الكافرين منهم، وقد ورد القرآن بمثل هذا، قال الله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) من الآية (٣٣ /٨) يعني الكافرين، ثم قال تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) من الآية (٣٣ /٨) يعني المؤمنين، ثم قال تعالى: (وما لهم ألا يعذبهم الله) من الآية (٣٤ /٨) يعني الكافرين، ولا خلاف عند أهل اللغة في جواز الخطاب بهذا أن يكون ظاهره لجنس والمراد به جنسان، فبطل ما اعترض به ودل على جهله.

стр. 214

الباب العاشر ذكر الروايات في القدر روى معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، قال: ثنا سليمان الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: أخبرنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق -: (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك، قال: فيؤمر بأربع كلمات، يقال: اكتب أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح) . قال صلى الله عليه وسلم

стр. 215

: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) . لا حرمنا الله منها. وروى معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى صلوات الله وسلامه عليهما فقال موسى ﵇: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، قال: فقال آدم صلى الله عليه وسلم

стр. 216

: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلماته، تلومني على عمل كتبه الله علي قبل أن يخلق الله السماوات، قال: فحج آدم موسى) . وروى حديث (حج آدم موسى) مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وهذا يدل على بطلان قول القدرية الذين يقولون: إن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون؛ لأن الله تعالى إذا كتب ذلك وأمر بأن يكتب فلا يكتب شيء لا يعلمه - جل عن ذلك وتقدس - وقال تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) من الآية (٥٩ /٦) ، وقال تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) من الآية (٦ /١١) ،

стр. 217

وقال تعالى: (أحصاه لله ونسوه) من الآية (٦ /٥٨) ، وقال تعالى: (لقد أحصاهم وعدهم عدا) (٩٤ /١٩) ، وقال تعالى: (أحاط بكل شيء علما) من الآية (١٢ /٢٥) ، (وأحصى كل شيء عددا) من الآية (٢٨ /٧٢) ، وقال تعالى (بكل شيء عليم) من الآية (٢٣١ /٢٥) ، فذلك يبين أنه يعلم الأشياء كلها. وقد أخبر الله تعالى أن الخلق يبعثون ويحشرون، وأن الكافرين في النار يخلدون، وأن الأنبياء والمؤمنين في الجنان يخلدون، وأن القيامة تقوم ولم تقم

стр. 218

القيامة، فذلك يدل على أن الله تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد قال تعالى في أهل النار: (ولو ردوا لعادوا) من الآية (٢٨ /٦) ، فأخبر عما لا يكون أنه لو كان كيف يكون، وقال تعالى: (فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) من الآية (٥١ - ٥٢ /٢٠) ، ومن لا يعلم الشيء قبل كونه لا يعلم بعد تقضيه، تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا. وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة، عن سليمان الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن ربيعة، قال:

стр. 219

كنا عند عبد الله، قال: فذكروا رجلا فذكروا من خُلُقِه، فقال القوم: أما له من يأخذ على يديه؟ قال عبد الله: أرأيتم لو قطع رأسه كنتم تستطيعون أن تجعلوا له رأسا؟ قالوا: لا. قال عبد الله: إن النطفة إذا وقعت في المرأة مكثت أربعين يوما، ثم انحدرت دما، ثم تكون علقة مثل ذلك، ثم تكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث ملك فيقول: اكتب أجله، وعمله، ورزقه، وأثره، وخلقه، وشقي أو سعيد، وأنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خُلُقه حتى تغيروا خَلْقه. وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى النبي ﷺ فقعد ونحن

стр. 220

حوله، ومعه حصير فنكت بها ورفع رأسه، فقال: (ما منكم من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة) ، فقال رجل من القوم: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة؟ فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل الشقوة فميسرون لعمل الشقوة، وأما أهل السعادة فميسرون لعمل السعادة) ، ثم قال: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى

стр. 221

وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) (٥ - ١٠ /٩٢) . وروى موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂، وعن أبويها أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنه مكتوب في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وأنه مكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة) .

стр. 222

وهذه الأحاديث تدل على أن الله تعالى علم ما يكون أنه يكون وكتبه، وأنه قد كتب أهل الجنة وأهل النار، وخلقهم فريقين فريقا في الجنة وفريقا في السعير، وبذلك نطق كتابه العزيز؛ إذ يقول: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) من الآية (٣٠ /٧) ، وقال تعالى: (فريق في الجنة وفريق في السعير) من الآية (٧ /٤٢) ، وقال تعالى: (فمنهم شقي وسعيد) من الآية (١٠٥ /١١) فخلق الله الأشقياء للشقاء، والسعداء للسعادة، وقال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) من الآية (١٧٩ /٧) .

стр. 223

وروي عن النبي ﷺ : (أن الله جعل للجنة أهلا وللنار أهلا) أعاذنا الله منها. دليل آخر في القدر: ومما يدل على بطلان قول القدرية قول الله تعالى: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) الآية من الآية (١٧٢ /٧) . وجاءت الرواية عن رسول الله ﷺ : (أن الله مسح ظهر آدم فأخرج ذريته من ظهره كأمثال الذر، ثم قررهم بوحدانيته وأقام الحجة عليهم) ؛ لأنه قال تعالى: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) من آية (١٧٢ /٧) ،

стр. 224

قال الله تعالى: (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) من الآية (١٧٢ /٧) فجعل تقريرهم بوحدانيته لما أخرجهم من ظهر آدم ﷺ حجة عليهم إذا أنكروا في الدنيا ما كانوا عرفوه في الذر الأول، ثم من بعد الإقرار جحدوه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (أنه قبض قبضة للجنة، وقبض قبضة للنار، ميز بعضها من بعض، فقلبت الشقوة على أهل الشقوة، والسعادة على أهل السعادة) .

стр. 225

قال الله تعالى مخبرا عن أهل النار - أعاذنا الله منها - أنهم قالوا: (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين) ، فكل ذلك أمر قد سبق في علم الله تعالى، ونفذت فيه إرادته، وتقدمت فيه مشيئته. وروى معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة، قال: حدثنا طلحة بن يحيى القرشي، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ وعن أبويها أن النبي ﷺ دعي إلى جنازة غلام من الأنصار ليصلي عليه، فقالت عائشة ﵂: طوبى لهذا يا رسول الله، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى قد جعل للجنة أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وللنار أهلا جعلهم لها وهم في أصلاب آبائهم) ،

стр. 226

وهذا يبين أن السعادة قد سبقت لأهلها، والشقاء قد سبق لأهله. وقال النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) من الآية (١٧ /١٨) ، وقال تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) من الآية (٢٦ /١٢) ، فأخبر تعالى أنه يضل ويهدي، وقال تعالى: (ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) من الآية (٢٧ /١٤) ، فأخبرنا أنه (فعال لما يريد) من الآية (١٠٧ /١١)

стр. 227

وإذا كان الكفر مما أراده فقد فعله، وقدره، وأحدثه، وأنشأه، واخترعه، وقد تبين ذلك بقوله تعالى: (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) من الآية (٩٥ - ٩٦ /٣٧) فلو كانت عبادتهم للأصنام من أعمالهم كان ذلك مخلوقا لله تعالى، وقد قال الله تعالى: (جزاء بما كانوا يعملون) من الآية (١٧ /٣٢) يريد أنه تعالى يجازيهم على أعمالهم، فكذلك إذا ذكر عبادتهم للأصنام وكفرهم بالرحمن، ولو كان مما قدروه وفعلوه لأنفسهم لكانوا قد فعلوا وقدروا ما خرج عن تقدير ربهم وفعله، وكيف يجوز أن يكون لهم من التقدير والفعل والقدرة ما ليس لربهم؟ فمن زعم ذلك فقد عجَّز الله. تعالى الله عن قول المعجزين له علوا كبيرا. ألا ترى أن من زعم أن العباد يعلمون مالا يعلمه الله عز وجل

стр. 228

لكان قد أعطاهم من العلم ما لم يدخله في علم الله، وجعلهم لله نظراء، فكذلك من زعم أن العباد يفعلون ويقدِّرون ما لم يقدِّره، ويقدرون على ما لم يقدر عليه، فقد جعل لهم من السلطان والقدرة والتمكن ما لم يجعله للرحمن. تعالى عن قول أهل الزور والبهتان، والإفك والطغيان علوا كبيرا. مسألة: ويقال لهم: هل فعل الكافر الكفر فاسدا باطلا متناقضا؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: وكيف يفعله فاسدا متناقضا قبيحا، وهو يعتقده حسنا صحيحا أفضل الأديان؟ وإذا لم يجز ذلك؛ لأن الفعل لا يكون فعلا على حقيقته إلا ممن علمه على ما هو عليه من حقيقته، كما لا يجوز أن يكون فعلا ممن لم يعلمه فعلا، فقد وجب أن الله تعالى هو الذي قدر الكفر وخلقه كفرا فاسدا باطلا متناقضا، خلافا للحق والسداد

стр. 229

الباب الحادي عشر الكلام في الشفاعة والخروج من النار: مسألة: ويقال لهم: قد أجمع المسلمون أن لرسول الله ﷺ شفاعة، فلمن الشفاعة أهي للمذنبين المرتكبين للكبائر، أم للمؤمنين المخلصين؟ فإن قالوا: للمذنبين المرتكبين للكبائر وافقوا. وإن قالوا: للمؤمنين المبشرين بالجنة الموعودين بها. قيل لهم: فإذا كانوا موعودين بالجنة وبها مبشرين، والله تعالى لا يخلف وعده فما معنى الشفاعة لقوم لا يجوز عندكم أن لا يدخلهم الله جناته؟ ومن قولكم أنهم قد استحقوها على الله عز وجل

стр. 230

واستوجبوها عليه سبحانه، وإذا كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة وكان تأخيرهم عن الجنة ظلما، فإنما يشفع الشفعاء إلى الله تعالى في أن لا يظلم على مذاهبكم. تعالى الله عن افتراءكم عليه علوا كبيرا. فإن قالوا: يشفع النبي ﷺ إلى الله تعالى في أن يزيدهم من فضله، لا في أن يدخلهم جناته. قيل لهم: أو ليس قد وعدهم الله ذلك فقال تعالى: (يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) من الآية (١٧٣ /٤) والله تعالى لا يخلف وعده، فإنما يشفع إلى الله تعالى عندكم من أن يخلف وعده، وهذا جهل منكم، وإنما الشفاعة المعقولة فيمن استحقه عقابا أن يوضع عنه عقابه، أو في من لم يعده شيئا أن يتفضل

стр. 231

عليه به، فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقا فلا وجه لهذا. مسألة: فإن سألوا عن قول الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) من الآية (٢٨ /٢١) . فالجواب عن ذلك: إلا لمن ارتضى لمن يشفعون له، وقد روي أن شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر، وروي عن النبي ﷺ : (أن المذنبين يخرجون من النار) .

стр. 232

الباب الثاني عشر الكلام في الحوض وأنكرت المعتزلة الحوض، وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه ﵃ أجمعين بلا خلاف. وروي عن عفان، قال: ثنا حماد بن مسلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁ أنه ذُكر الحوض عند عبيد الله بن زياد فأنكره، فبلغ أنسا ﵁ فقال: لا جرم والله لأفعلن به، قال: فأتاه فقال: ما ذكرتم من الحوض، ما أنكرتم من الحوض،

стр. 233

قال عبيد الله: هل سمعت النبي ﷺ يذكره؟ قال: سمعت النبي ﷺ أكثر من كذا مرة وكذا مرة يقول: (ما بين طرفيه - يعني الحوض - ما بين أيلة ومكة، أو ما بين صنعاء ومكة، وأن آنيته أكثر من نجوم السماء) اللهم اسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبدا. وروى أحمد بن عبد الله بن يونس قال: ثنا ابن زائدة، عن عبد الملك بن عمير عن جندب بن سفيان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا فرطكم على الحوض) في أخبار كثيرة.

стр. 234

الباب الثالث عشر الكلام في عذاب القبر وأنكرت المعتزلة عذاب القبر أعاذنا منه. وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه ﵃ أجمعين، وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده، فوجب أن يكون إجماعا من أصحاب النبي ﷺ . وروى أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (تعوذوا بالله من عذاب القبر) .

стр. 235

وروى أحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا موسى بن عقبة قال: حدثتني أم خالد بنت خالد بن سعيد بن القاضي ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ (يتعوذ من عذاب القبر) أعاذنا الله منه. وروى أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لولا أن تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني) دليل آخر: ومما يبين عذاب الكافرين في القبور قول الله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (٤٦ /٤٠) ،

стр. 236

فجعل عذابهم يوم تقوم الساعة بعد عرضهم على النار في الدنيا غدوا وعشيا، وقال تعالى: (سنعذبهم مرتين) من الآية (١٠١ /٩) مرة بالسيف، ومرة في قبورهم، ثم يردون إلى عذاب غليظ في الآخرة. وأخبر الله تعالى أن الشهداء في الدنيا يرزقون ويفرحون بفضل الله تعالى، قال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (١٦٩ - ١٧٠ /٣) وهذا لا يكون إلا في الدنيا؛ لأن الذين لم يلحقوا بهم أحياء لم يموتوا ولا قتلوا.

стр. 237

الباب الرابع عشر الكلام في إمامة أبي بكر الصديق ﵁ قال الله ﵎: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) من الآية (٥٥ /٢٤) ، وقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) من الآية (٤١ /٢٢) ، وأثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، وعلى أهل بيعة الرضوان، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين في مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال تعالى

стр. 238

: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) من الآية (١٨ /٤٨) الآية، وقد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ وسموه خليفة رسول الله ﷺ وبايعوه وانقادوا له، وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي، وسياسة الأمة وغير ذلك. دليل آخر من القرآن على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ دليل آخر من القرآن على إمامة الصديق ﵁: وقد دل الله تعالى على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ في سورة براءة فقال تعالى للقاعدين عن نصرة نبيه ﷺ والمتخلفين عن الخروج معه

стр. 239

: (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (٨٣ /٩) ، وقال تعالى في سورة أخرى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (١٥ /٤٨) يعني قوله: (لن تخرجوا معي أبدا) من الآية (٨٣ /٩) ، ثم قال تعالى: (كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) من الآية (١٥ /٤٨) ، وقال تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا) من الآية (١٦ /٤٨) يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم (كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) من الآية (١٦ /٤٨)

стр. 240

والداعي لهم إلى ذلك غير النبي ﷺ الذي قال الله له: (قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (٨٣ /٩) ، وقال تعالى في سورة الفتح: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (١٥ /٤٨) فمنعهم الخروج مع نبيه ﷺ وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه، فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه ﷺ ، وقد قال الناس: هم أهل فارس، وقالوا: أهل اليمامة، فإن كانوا أهل اليمامة فقد قاتلهم بعد نبيه ﷺ أبو بكر الصديق

стр. 241

رضي الله عنه، وإن كانوا الروم فقد قاتلهم الصديق أيضا، وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا في أيام أبي بكر ﵁، وقاتلهم عمر ﵁ من بعده وفرغ منهم. وإذا وجبت إمامة عمر ﵁ وجبت إمامة أبي بكر ﵁، كما وجبت إمامة عمر ﵁؛ لأنه العاقد له الإمامة، فقد دل القرآن على إمامة الصديق ﵁ والفاروق ﵁. وإذا وجبت إمامة أبي بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ وجب أنه أفضل المسلمين. دليل آخر من الإجماع على إمامة أبي بكر ﵁: ومما يدل على إمامة الصديق ﵁ أن المسلمين جميعا بايعوه وانقادوا لإمامته، وقالوا له: يا خليفة رسول الله ﷺ .

стр. 242

ورأينا عليا والعباس ﵄ بايعاه ﵁ وأقرا له بالإمامة، وإذا كانت الرافضة يقولون: إن عليا ﵁ هو المنصوص على إمامته، والراوندية تقول: العباس هو المنصوص على إمامته، ولم يكن للناس في الإمامة إلا ثلاثة أقوال: من قال منهم: إن النبي ﷺ نص على إمامة أبي بكر الصديق ﵁، وهو الإمام بعد رسول الله ﷺ . وقول من قال: نص على إمامة علي ﵁. وقول من قال: الإمام بعده العباس. وقول من قال: هو أبو بكر الصديق ﵁، هو بإجماع المسلمين والشهادة له بذلك. ثم رأينا عليا ﵁ والعباس ﵁ قد بايعاه

стр. 243

وأجمعا على إمامته، فوجب أن يكون إماما بعد النبي ﷺ بإجماع المسلمين. ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع، وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع للمسلمين. وهذا يسقط حجة الإجماع؛ لأن الله تعالى لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس، وإنما تعبدنا بظاهرهم، وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق ﵁. وإذا ثبتت إمامة الصديق ﵁، ثبتت إمامة الفاروق ﵁؛ لأن الصديق ﵁ نص عليه وعقد له الإمامة، واختاره لها. وكان أفضلهم بعد أبي بكر ﵁. وثبتت إمامة عثمان ﵁ بعد عمر ﵁ بعقد

стр. 244

من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى؛ الذين نص عليهم عمر ﵁، فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله. وتثبت إمامة علي ﵁ بعد عثمان ﵁ لعقد من عقدها له من الصحابة ﵃ من أهل الحل والعقد، ولأنه لم يدعها أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا؛ لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه، وأنه قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله

стр. 245

، ثم لما صار الأمر أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء، وأئمة العدل من السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم. هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم ﵃ أجمعين. وقد روى شريح بن النعمان قال: ثنا حشرج بن نباته عن سعيد بن جمهان، قال ثني سفينة قال: قال رسول الله ﷺ : (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك) ، ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين،

стр. 246

قال فوجدتها ثلاثين سنة. فدل ذلك على إمامة الأئمة الأربعة ﵃ أجمعين. فأما ما جرى من علي والزبير وعائشة ﵃ أجمعين، فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام، وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة والشهادة، فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في اجتهادهم، وكذلك ما جرى بين سيدنا علي ومعاوية ﵄، فدل على تأويل واجتهاد. وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم، والتبري من كل من ينقص أحدا منهم ﵃ أجمعين. وقد قلنا في الأبرار قولا وجيزا، والحمد الله أولا وآخرا. تم كتاب الإبانة عن أصول الديانة، ولله الحمد