Полный текст (659 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
يَشْهَدَا عَلَى شَهَادَتِهِ.
وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا أَشْهَدَ رَجُلَيْنِ عَلَى شَهَادَتِهِ، ثُمَّ أَدْرَكَ فَجَاءَ الشَّاهِدَانِ وَأَدَّيَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّقَ بِقَوْلِهِ حُكْمًا [وَيَتَعَلَّقُ] بِقَوْلِهِ حُكْمٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُدُودِ وَالدُّيُونِ فَتُقْبَلُ؟ فَلَوْ جَوَّزْنَا التَّحَمُّلَ لَعَلَّقْنَا بِقَوْلِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ فَقَدْ صَحَّ التَّحَمُّلُ وَأَدَّيَا الشَّهَادَةَ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ فَجَازَ.
وَأَمَّا فِي الصَّبِيِّ فَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُمَا تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ لَعَلَّقْنَا بِقَوْلِ الصَّبِيِّ حُكْمًا، وَقَوْلُهُ لَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُدُودِ وَالدُّيُونِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّحَمُّلُ لَمْ يَصِحَّ الْأَدَاءُ، فَبَطَلَتْ الشَّهَادَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 492
[كِتَابُ الدَّعْوَى]
٦٠١ - إذَا أَقَامَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدِ هَذَا الرَّجُلِ كَانَتْ لِأَبِيهِ، مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ وَلِأَخِيهِ الْغَائِبِ، يُقْضَى لِلْحَاضِرِ، وَلَا يُقْضَى فِي نَصِيبِ الْغَائِبِ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَحَدُ الْوَرَثَةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ عَمْدًا ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ.
وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً لَمْ يُحْتَجْ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى قَتْلِ الْعَمْدِ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ قَامَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلْقَضَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِنَصِيبِ الْحَاضِرِ أَيْضًا، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ الشُّهُودُ فُسَّاقًا فَلَا يُقْضَى بِهَا، وَإِذَا حَضَرَ يَحْتَاجُ إلَى الْإِعَادَةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَمْوَالُ وَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ مُوجِبَةٌ لِلْقَضَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْضَى بِنَصِيبِ الْحَاضِرِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْقَضَاءُ بِنَصِيبِ الْغَائِبِ لِعَدَمِ الدَّعْوَى، فَإِذَا حَضَرَ وَادَّعَى وَاقْتَرَنَ الدَّعْوَى بِالْبَيِّنَةِ وَقُضِيَ، بِهَا، صَارَ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
стр. 493
زَيْتٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ خَطَأً أَنَّهُ عَصَرَهُ وَسَلَّاهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ الْبَيِّنَةَ كَذَلِكَ، قُضِيَ بِهَا لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ.
وَلَوْ أَنَّ شَاةً فِي يَدِ رَجُلٍ، أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا شَاتُهُ ضَحَّى بِهَا وَسَلَخَهَا فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الزَّيْتَ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَهُوَ مِمَّا يُمْلَكُ بِالْعَصْرِ، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ أَوَّلُ مِلْكٍ لَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْآخَرُ قَبْلَهُ وَالْآخَرُ كَذَلِكَ، فَكَانَ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى، كَمَا قُلْنَا فِي النِّتَاجِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْلُوخَةُ، لِأَنَّ السَّلْخَ لَيْسَ هُوَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ، لِأَنَّ مَنْ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ، وَسَلَخَهَا لَا يَمْلِكُهَا فَلَمْ تُبَيِّنْ بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَالِكٍ لَهُ، وَإِنَّمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَقَطْ، فَكَانَ الْخَارِجُ أَوْلَى، كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الْمِلْكَ مُطْلَقًا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ.
وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ بِالْعَصْرِ تَجَدَّدَ لَهُ اسْمٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، فَقَدْ أَثْبَتَ زَائِدًا عَلَى الِاسْمِ الْأَوَّلِ، صَارَ كَمَا لَوْ ثَبَتَ النِّتَاجُ، فَصَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّاةُ، لِأَنَّهُ بِالسَّلْخِ لَمْ يَتَجَدَّدْ اسْمٌ آخَرُ فَبَقِيَ الِاسْمُ الْأَوَّلُ، فَكَأَنَّهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، فَكَانَ الْخَارِجُ أَوْلَى، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 494
دَجَاجَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْبَيْضَةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهَا هَذِهِ الدَّجَاجَةِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِالدَّجَاجَةِ.
وَلَوْ أَنَّ شَاةً فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي وَلَدَتْ هَذِهِ الشَّاةَ لَهُ، قُضِيَ لَهُ بِالْأُمِّ وَالْوَلَدِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ كَوْنَ الْبَيْضَةِ لَهُ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْخُ لَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ غَصَبَ بَيْضَةً وَأَحْضَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَةٍ فَالْفَرْخُ لِلْغَاصِبِ، لَا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ شَهَادَةً تُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ بِهَا، فَلَا يُقْضَى لَهُ بِهَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ النِّتَاجُ لِأَنَّ كَوْنَ الْأُمِّ لَهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِلْكًا لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ شَاةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ كَانَتْ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ تُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ بِهَا فِي الْوَلَدِ، فَقُضِيَ بِهَا لَهُ.
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْضَةِ إذَا غَصَبَهَا وَأَحْضَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَةٍ حَتَّى خَرَجَ الْفَرْخُ فَالْفَرْخُ لِلْغَاصِبِ، وَلَوْ غَصَبَ أُمَّهُ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَالْوَلَدُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فِي وِلَادَةِ الشَّاةِ وَالْأَمَةِ، فَصَارَ هَذَا مِمَّا حَصَلَ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَتَبِعَ مِلْكَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْضَةُ، لِأَنَّ لَهُ فِعْلًا فِيهِ، وَهُوَ إحْضَانُهُ تَحْتَ
стр. 495
الدَّجَاجَةِ، فَقَدْ نَقَلَهُ مِنْ جِنْسٍ إلَى جِنْسٍ آخَرَ بِفِعْلِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِصَاحِبِهِ، وَمِثْلُ هَذِهِ لَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، وَوِزَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ النِّتَاجِ أَنْ لَوْ بَاضَتْ الدَّجَاجَةُ احْتَضَنَتْ بِنَفْسِهَا فَخَرَجَ فَرْخٌ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ.
٦٠٤ - سُفْلٌ لِرَجُلٍ، وَعُلْوُهُ لِآخَرَ انْهَدَمَا لَا يُجْبَرُ صَاحِبُ السُّفْلِ عَلَى إصْلَاحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِئْرًا وَقَنَاةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَانْهَدَمَ أُجْبِرَ الشَّرِيكُ عَلَى إصْلَاحِهِ
وَالْفَرْقُ أَنَّ السُّفْلَ خَالِصُ مِلْكِهِ لَهُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى إصْلَاحِهِ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى إصْلَاحِ دَارٍ لَهُ لِأَجْلِ جَارٍ لَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبِئْرُ وَالْقَنَاةُ، لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، فِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ، وَفِي إصْلَاحِهِ نَفْعٌ لَهُمَا، فَأُجْبِرَا عَلَى الْإِنْفَاقِ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أُجْبِرَ الشَّرِيكُ عَلَى الْإِنْفَاقِ كَذَلِكَ هَاهُنَا.
٦٠٥ - إذَا ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِغَيْرِهِ وَكَّلَهُ بِالْخُصُوصِ فِيهِ قَضَيْت لَهُ بِهِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ ادَّعَى أَوَّلًا أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِفُلَانٍ وَكَّلَهُ بِالْخُصُوصِ فِيهِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ.
стр. 496
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لِغَيْرِهِ وَكَّلَهُ بِالْخُصُوصِ فِيهِ، أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّعْوَيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى نَقْلِ مِلْكِ نَفْسِهِ إلَى غَيْرِهِ، فَصُدِّقَ فِيهِ وَجُعِلَ فِي حَقِّهِ كَأَنَّهُ نَقَلَ إلَيْهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَوَّلًا لِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْقُلَ مِلْكِهِ إلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا لَمْ يَدَّعِ انْتِقَالَهُ مِنْ جِهَتِهِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَقْلِهِ إلَيْهِ، صَارَ بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ مُكَذِّبًا لَهُ شَرْعًا فِي دَعْوَى الثَّانِي، فَلَا يُصَدَّقُ.
وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُضِيفُ مِلْكَ مُوَكِّلِهِ إلَى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ هَذَا لِي بِمَعْنَى أَنَّ لِي حَقَّ الْخُصُومَةِ فِيهِ، وَحَقَّ الْقَبْضِ، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهَا لِي، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا لِمُوَكِّلِي أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ الثَّانِيَ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ فَصُدِّقَ فِيهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَوَّلًا لِمُوَكِّلِهِ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِمُوَكِّلِهِ بِإِقْرَارِهِ، وَأَقَرَّ أَنَّ الْمِلْكَ لَيْسَ لَهُ، فَإِذَا قَالَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الثَّانِيَ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ شَهِدَ لَهُ شُهُودٌ، فَقَوْلُ الشُّهُودِ، لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ وَالتَّفْسِيرِ لِدَعْوَاهُ، وَهُوَ لَا يُضِيفُ مِلْكَ نَفْسِهِ إلَى مُوَكِّلِهِ، فَصَارَ بِدَعْوَاهُ الْأُولَى مُكَذِّبًا شُهُودَهُ فِي الثَّانِي، فَلَا يُقْبَلُ.
٦٠٦ - إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِوَلَدِ جَارِيَتِهِ أَنَّهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَرَادَ نَفْيَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
стр. 497
وَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ نَسَبَ الزَّوْجَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ حُكْمًا، لَا بِقَوْلِهِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ بِالنَّفْيِ رَاجِعًا عَنْ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ، فَجَازَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِوَلَدِ أَمَتِهِ، لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ صَرِيحًا، وَثَبَتَ لِلصَّبِيِّ حَقُّ النَّسَبِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُسْقِطَ مَا ثَبَتَ لِلصَّبِيِّ مِنْ الْحَقِّ بِصَرِيحِ إقْرَارِهِ بِقَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْإِنْسَانُ بِدَيْنٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ بِإِقْرَارِهِ صَرِيحًا يُخَالِفُ ثُبُوتَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَقَرَّ بِعَبْدِهِ فِي يَدِهِ لِرَجُلٍ فَلَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِ حَتَّى اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ مَلَكَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
وَلَوْ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا فَاسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ وَفَسَخَا الْبَيْعَ، ثُمَّ مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَحِقِّ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ مَعَهُ مَعَ الْبَيْعِ اعْتِرَافًا لَهُ بِالْمِلْكِ حُكْمًا، فَدَلَّ أَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ بِصَرِيحِ الْإِقْرَارِ آكَدُ، وَيُخَالِفُ حُكْمُهُ مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَجَازَ أَلَّا يَقْدِرُ عَلَى إبْطَالِ الْآكَدِ، وَيَقْدِرُ عَلَى إبْطَالِ الْأَضْعَفِ.
٦٠٧ - إذَا بَاعَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَأَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ وَادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْوَلَدَ إلَى الْبَائِعِ دُونَ الْأُمِّ
стр. 498
وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ وَأَعْتَقَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا، وَيَبْطُلُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَلَدَ يَنْفَصِلُ عَنْ الْأُمِّ مِنْ حُرِّيَّةِ الِاسْتِيلَادِ، بِدَلِيلِ الْمَغْرُورِ فَلَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدِ شَاهِدًا فِي بُطْلَانِ عِتْقِ الْأُمِّ، فَلَوْ أَبْطَلْنَا لَأَبْطَلْنَاهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّوْأَمَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ عِتْقُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بِالِاسْتِيلَادِ لِأَنَّ الْحَبَلَ وَاحِدٌ، فَصَارَ ثُبُوتُ نَسَبِ إحْدَاهُمَا شَاهِدًا فِي إبْطَالِ عِتْقِ الْآخَرِ، وَإِبْطَالُ الْعِتْقِ بِالشَّهَادَةِ جَائِزٌ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَاسْتَحَقَّ بِالْبَيِّنَةِ أَبْطَلَ عِتْقَ الْمُشْتَرِي، كَذَلِكَ هَذَا.
٦٠٨ - ثُمَّ يَرُدُّ الْوَلَدَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إذَا أَعْتَقَ الْأُمَّ
وَلَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ صُدِّقَ، وَيَرُدُّ الثَّمَنَ كُلَّهُ وَيَأْخُذُ الْوَلَدَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي عِتْقِ الْأُمِّ سَلَّمَ لَهُ بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ ثَبَتَ مِنْ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ مِنْ أَحْكَامِ ذَلِكَ الْمِلْكِ، فَإِذَا سَلَّمَ لَهُ بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ سَلَّمَ لَهُ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ.
стр. 499
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَوْتُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا الْوَلَاءُ وَلَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمِلْكِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْوَلَدُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ وَلَا دَخَلَ أَيْضًا فِي التَّسْلِيمِ الْمُوجَبِ بِالْعَقْدِ، فَلِمَاذَا يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ؟ قُلْنَا: إنَّهُ يُفْرَدُ الْوَلَدُ عَنْ الْأُمِّ بِالْحُكْمِ وَهُوَ الرَّدُّ صَارَ لَهُ حِصَّةٌ بِانْفِرَادِهِ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَعَدَّدُ دَعْوَاهُ فِيهِ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي مَلْكِهِ وَيَدِهِ وَقْتَ التَّسْلِيمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَقَبَضَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ فَوَلَدَتْ ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا الْبَائِعُ فَلِلْوَلَدِ حِصَّتُهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٦٠٩ - الْأَبُ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ ابْنِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ وَأَخَذَهَا وَعَقَرَهَا وَالْوَلَدُ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ لَمْ يَرْجِعْ الْأَبُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الِابْنِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا إنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الِابْنَ لَمْ يَتَضَمَّنْ سَلَامَةَ الْوَلَدِ لِلْأَبِ، فَقَدْ اغْتَرَّ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِهِ بِمَا ضَمِنَ، كَالشَّفِيعِ إذَا بَنَى دَارًا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا إنْسَانٌ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ.
стр. 500
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الْبَائِعَ يَضْمَنُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ لَهُ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ فَقَدْ غَرَّهُ مِنْ سَلَامَةِ الْوَلَدِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَلَزِمَهُ الضَّمَانُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا وَبَنَى فِيهَا، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٦١٠ - إذَا قَالَ: هَذِهِ الْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدِي، فِي مَرَضِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ، سَوَاءٌ مَلَكَهَا فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ.
وَلَوْ مَلَكَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: هُوَ ابْنِي، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَيَسْعَى فِي قِيمَتِهِ.
وَإِنْ مَلَكَ فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَنَّهُ ابْنُهُ لَمْ يَسْعَ فِي قِيمَتِهِ
وَالْفَرْقُ أَنَّ إقْرَارَهُ لَهَا بِالِاسْتِيلَادِ وَابْتِدَاءَ اسْتِيلَادِهِ لَا يَخْتَلِفُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ابْتَدَأَ فَاسْتَوْلَدَهَا فِي حَالِ الْمَرَضِ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ أَيْضًا، فَإِذَا أَقَرَّ جُعِلَ كَأَنَّهُ ابْتَدَأَ فَاسْتَوْلَدَهَا وَلَوْ ابْتَدَأَ فَاسْتَوْلَدَهَا لَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ رَقَبَتَهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ اسْتِيلَادِهِ، وَإِقْرَارَهُ لَهُ بِالنَّسَبِ يَخْتَلِفُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ ابْنُهُ ثَبَتَ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى الْوَلَدِ، وَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ اسْتِيلَادِهِ وَإِقْرَارُهُ لَهُ
стр. 501
بِالنَّسَبِ يَخْتَلِفُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْإِقْرَارُ كَالِابْتِدَاءِ فَجَازَ أَنْ تَجِبَ السِّعَايَةُ بِالْإِقْرَارِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ بِالِابْتِدَاءِ.
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَوْ مَلَكَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ أَنَّهُ لَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ مَلَكَهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ، فَعَلَيْهِ السِّعَايَةُ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ أَنْ يَبْرَأَ عَنْ السِّعَايَةِ بِقَوْلِهِ: هَذَا وَلَدِي، وَهَذَا الْحَقُّ قَدْ ثَبَتَ لِلْعَبْدِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِمَا لَهُ فِي مَرَضِهِ، فَصَارَ حَقُّ الْوَلَدِ مُتَقَدِّمًا عَلَى حَقِّهِمْ، فَكَانَ أَوْلَى فَلَا سِعَايَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا مَلَكَهُ فِي الْمَرَضِ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ أَنْ يَبْرَأَ عَنْ السِّعَايَةِ بِقَوْلِهِ: هَذَا وَلَدِي، وَهَذَا الْحَقُّ ثَبَتَ لِلْعَبْدِ فِي حَالِ الْمَرَضِ، وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ انْتَقَلَ إلَى مَالِهِ، وَتَعَلَّقَ بِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مَرَضِهِ فَصَارَ حَقُّهُمْ مُتَقَدِّمًا عَلَى حَقِّ الْعَبْدِ فَكَانُوا أَوْلَى.
٦١١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدِهِ دَارٌ ادَّعَاهَا رَجُلٌ، فَقَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: مَا كَانَتْ لِي قَطُّ، وَلَكِنَّهَا لِفُلَانٍ آخَرَ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ، فَهِيَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْآخَرِ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ فَقَضَى لَهُ الْقَاضِي بِهَا، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ لِي
стр. 502
قَطُّ، وَلَكِنَّهَا لِفُلَانٍ، وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ الْأَوَّلُ: لَمْ تَكُنْ لِي هَذِهِ الدَّارُ، وَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: هِيَ لِفُلَانٍ لَمْ يُصَدَّقْ، وَكَانَتْ الدَّارُ لِلَّذِي فِي يَدِهِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْكَلَامَ الْمَوْصُولَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ أَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيِّنَةِ لَمَّا قَالَ: لَمْ تَكُنْ لِي قَطُّ، فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا فِيهَا، وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ لَا يُوجِبُ الْحَقَّ، فَكَأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَكُنْ، وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ يَدَّعِي الدَّارَ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُقِرَّ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ، لِأَنَّهُ يَقُولُ أَجْبَرَنِي ظُلْمًا، فَجَازَ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا، وَالْإِقْرَارُ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ يُوجِبُ الْحَقَّ، وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَقَرَّ بِأَنَّ الدَّارَ لَيْسَتْ لَهُ، فَاسْتَحَالَ الرَّدُّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيِّنَةِ لَمَّا قَالَ لَمْ يَكُنْ لِي قَطُّ رَدَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَتَمَسَّكَ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ وَجْهٍ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا هِيَ لِفُلَانٍ، لِأَنَّ فُلَانًا يَسْتَفِيدُ الْمِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ جِهَتِهِ الْمِلْكَ وَلَا يَكُونُ لَهُ الْمِلْكُ، وَرَدُّ الْبَيِّنَةِ مِنْ جِهَةٍ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْمِلْكَ بِالشِّرَاءِ وَشَهِدَ شُهُودٌ بِالْهِبَةِ لَمْ تُقْبَلْ.
وَفِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ رَدَّ إقْرَارَهُ مِنْ وَجْهٍ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مِنْ وَجْهٍ، فَكَأَنَّهُ أَكْذَبَ الْمُقِرَّ مِنْ وَجْهٍ، وَقَالَ: هُوَ كَاذِبٌ فِي شَيْءٍ آخَرَ وَذَاكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ
стр. 503
الْإِقْرَارِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ جِهَةِ ثَمَنِ الْمَتَاعِ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: إنَّمَا هِيَ غَصْبٌ، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَوْ وَصَلَ الْإِقْرَارَ وَفَصَلَ هُوَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَاسْتَوَى التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ، وَلَوْ قَالَ أَوَّلًا إنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ لَمْ تَكُنْ لِي قَطُّ، فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَإِذَا فَصَلَ وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَلَا يَسْتَوِي التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَصَارَ بِالنَّفْيِ رَادًّا إقْرَارَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَ الْحُكْمُ بَيْنَ مَا لَوْ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِفُلَانٍ، كَانَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ: وَلِفُلَانٍ، كَانَ لِلْأَوَّلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، كَذَلِكَ هَذَا وَقَوْلُهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ يُوجِبُ رَدًّا لِإِقْرَارِهِ، وَقَوْلُهُ هِيَ لِفُلَانٍ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ لِفُلَانٍ لَمْ يَكُنْ رَادًّا، وَكَانَ قَابِلًا، فَقَدْ اتَّصَلَ الْقَبُولُ بِالرَّدِّ، فَلَمْ يَتَمَحَّضْ رَدًّا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا فَصَلَ، لِأَنَّهُ يُجَرِّدُ النَّفْيَ عَنْ الْإِثْبَاتِ، فَتَمَحُّضُ قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِي رَدًّا مِنْ وَجْهٍ مُتَمَسَّكًا بِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَدًّا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَبَطَلَ إقْرَارُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الْمَتَاعِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ جِهَةِ غَصْبٍ لَمْ يُصَدَّقْ، كَذَلِكَ
стр. 504
هَذَا.
٦١٢ - إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُ بِهَذَا الْعَبْدِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَقَضَى لَهُ الْقَاضِي بِهِ، فَقَالَ الْوَارِثُ: هَذِهِ الشُّهُودُ شُهُودُ زُورٍ، وَالْعَبْدُ وَصِيَّةٌ لِهَذَا الرَّجُلِ، ثُمَّ مَلَكَ الْعَبْدَ الْوَارِثُ مِنْ جِهَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ كُلِّفَ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِهَذَا الْعَبْدِ لِهَذَا الرَّجُلِ، وَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالدَّيْنِ، بَاعَ الْعَبْدَ فِي دَيْنِهِ وَقَضَاهُ الْغَرِيمَ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ عَادَ إلَى الْوَارِثِ شِرَاءً أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يُكَلَّفْ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي زَعْمِ الْوَارِثِ أَنَّ الشُّهُودَ شُهُودُ زُورٍ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي بِتَسْلِيمِ الْمَالِ لَا يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَلَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الْعَيْنِ، فَعَادَ حَقُّهُ لِي الْعَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ إلَى الْمُوصَى لَهُ فِي حَقِّهِ فَكُلِّفَ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ، لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْوَارِثِ أَنَّ الشُّهُودَ شُهُودُ زُورٍ وَقَضَاءُ الْقَاضِي يَنْفُذُ فِي الْفُسُوخِ وَالْبِيَاعَاتِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لِأَنَّ لِلْقَاضِي اجْتِهَادًا فِي بَيْعِ مَالِ الْمَيِّتِ، فَانْقَطَعَ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْوَارِثُ عَنْ الْعَيْنِ، فَلَا يَعُودُ إلَيْهِ الْعَيْنُ مِنْ بَعْدُ.
стр. 505
وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ بِالْبَيِّنَةِ يُوجِبُ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمَالِ كَالْجُنُونِ وَالصِّبَا وَالْغَيْبَةِ، وَلِلْقَاضِي وِلَايَةٌ فِي بَيْعِ مَالِ هَؤُلَاءِ، كَذَلِكَ هَذَا، فَثَبَتَ لَهُ الْوِلَايَةُ فِي بَيْعِهِ، وَثُبُوتُ الْوَصِيَّةِ فِي الْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي كَمَا لَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ لِإِنْسَانٍ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا وَلِلْمَيِّتِ مَالٌ غَائِبٌ دَيْنًا فَبَاعَ الْقَاضِي الْعَبْدَ فِي دَيْنِهِ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمَالَ الْغَائِبَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ، فَدَلَّ أَنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي فِي بَيْعِهِ بَاقِيَةٌ، فَجَازَ بَيْعُهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْعَيْنِ سَبِيلٌ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي وِلَايَةً فِي إيجَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ فَلَمْ يَنْقَطِعُ حَقُّهُ عَنْ الْعَيْنِ، فَجَازَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ.
٦١٣ - وَإِذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُ بِهَذَا الْعَبْدِ، فَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لَهُ، وَأَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّهُ أَوْصَى بِهَذَا الْعَبْدِ لِهَذَا الرَّجُلِ الْآخَرِ وَجَحَدَ الْوَصِيَّةَ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ زَكَّى شُهُودٌ الْأَوَّلَ، فَقَضَى الْقَاضِي بِالْعَبْدِ لَهُ وَأَبْطَلَ وَصِيَّةَ الْمُقَرِّ لَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَ الْمُقَرُّ لَهُ الْعَبْدَ، ثُمَّ إنَّ الْوَارِثَ اشْتَرَى الْعَبْدَ مِنْ الْمُوصَى لَهُ لَمْ يُعْتَقْ الْعَبْدُ بِالْعِتْقِ الْأَوَّلِ حَتَّى يُجَدِّدَ عِتْقًا
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ، فَأَعْتَقَهُ الْمُوصَى لَهُ ثُمَّ يُبْرِئُ الْغُرَمَاءُ الْمَيِّتَ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ عِتْقِ الْمُوصَى لَهُ عَتَقَ بِعِتْقِهِ الْأَوَّلِ.
стр. 506
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمُقَرِّ لَهُ مَوْقُوفَةٌ، فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ لِلْمُوصَى لَهُ الْآخَرِ فَقَدْ جَرَى تَمْلِيكٌ فِيمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ بَاعَهُ الْبَائِعُ مِنْ آخَرَ بَطَلَ الْعِتْقُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الدَّيْنِ، لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ لَا يَمْلِكُونَ التَّرِكَةَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْإِبْرَاءِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَوْتِ فَالْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ لَمْ يَجْرِ تَمْلِيكٌ فِيمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، فَجَازَ أَنْ لَا يَبْطُلَ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ، وَلَكِنَّهُ امْتَنَعَ نَفَاذُ عِتْقِهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَإِذَا أَبْرَءُوا زَالَ الْمَانِعُ مِنْ نُفُوذِ عِتْقِهِ فَنَفَذَ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ اسْتَحَقَّ مَا بِهِ نُفُوذُ الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالْوَصِيَّةِ، وَإِذَا قُضِيَ بِالْوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِ بَطَلَ عِتْقُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ بَائِعِهِ قَبْلَ شِرَائِهِ، بَطَلَ عِتْقُ الْأَوَّلِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا بِهِ نُفُوذُ الْعِتْقِ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يُبْطِلْ الْوَصِيَّةَ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، فَامْتَنَعَ نَفَاذُ الْعِتْقِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَإِذَا زَالَ حَقُّ الْغَيْرِ نَفَذَ ذَلِكَ الْعِتْقُ.
٦١٤ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَلَهُ ابْنٌ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِأَبِيهِ، وَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الِابْنُ جَعَلْته خَصْمًا وَقَضَيْت بِإِثْبَاتِ الْوَلَاءِ.
стр. 507
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنٌ لِأَبِيهِ وَلَمْ يَدَّعِ الْمِيرَاثَ، وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الِابْنَ يَخْلُفُ الْأَبَ فِي الْوَلَاءِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ فَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّ غَيْرَهُ أَعْتَقَ، وَانْتَقَلَ إلَيْهِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ إذَا ثَبَتَ مِنْ وَاحِدٍ لَا يَنْتَقِلُ إلَى آخَرَ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمُعْتِقُ ابْنَيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَالْوَلَاءُ لِلْحَيِّ دُونَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ بِالِانْتِقَالِ لَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ نِصْفُ وَلَاءِ الْمَيِّتِ إلَى أَوْلَادِهِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ ابْنًا وَابْنَةً وَأَعْتَقَ عَبْدًا فَالْوَلَاءُ لِلِابْنِ دُونَ الِابْنَةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِانْتِقَالِ لَثَبَتَ لَهُمَا جَمِيعًا كَالْمِيرَاثِ فَصَارَ كَأَنَّهُ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الِابْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَكَانَ فِيهِ خَصْمًا فَقُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّسَبُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَ أَمَةً، لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ ابْنًا لِلِابْنِ لَا أَخًا لَهُ وَإِذَا لَمْ يَخْلُفْ الِابْنُ الْأَبَ فِي النَّسَبِ، وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَ صَارَ يَدَّعِي اسْتِيلَادَ أَبِيهِ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ يَحْجُبُ الِابْنَ يَحْجُبُ الْأَبَ وَمَنْ شَارَكَ الِابْنَ شَارَكَ الْأَبَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمُعْتِقُ عَبْدًا وَأَخًا وَأَبًا، فَإِنَّ الْأَبَ لَا يَرِثُ مَعَ
стр. 508
الِابْنِ، كَمَا أَنَّ الْأَخَ لَا يَرِثُ مَعَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَدَلَّ أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، فَصَارَ الِابْنُ وَالْأَبُ خَصْمًا فِي إثْبَاتِ الْوَلَاءِ، كَذَلِكَ الِابْنُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّسَبُ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ يَخْتَلِفُ بِالْبُنُوَّةِ وَالْأُبُوَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ يَحْجُبُهُ الِابْنُ لَا يَحْجُبُهُ الْأَبُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الِابْنَ يَحْجُبُ الْأَخَ وَلَا يَحْجُبُ الْأَبَ، حَتَّى لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنًا وَأَخًا فَإِنَّ الِابْنَ يَحْجُبُ الْأَخَ عَنْ الْمِيرَاثِ وَلَا يَحْجُبُ الْأَبَ، فَدَلَّ أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ يَخْتَلِفُ بِالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ فَلَا يَقُومُ الِابْنُ مَقَامَ الْأَبِ فِي النَّسَبِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَأَنَّ الِابْنَ اسْتَوْلَدَ أُمَّ الْمُدَّعِي فَصَارَ الْفِعْلُ يَدَّعِي عَلَى الْغَيْرِ، فَلَا يَكُونُ الِابْنُ خَصْمًا عَنْهُ.
٦١٥ - إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ فَقَأَ عَيْنَ عَبْدٍ لَهُ، وَالْعَبْدُ حَيٌّ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُنْكِرِ لِلْفَقْءِ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْعَبْدِ
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ فَقَأَ عَيْنَ دَابَّةٍ لَهُ وَهِيَ حَيَّةٌ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارِ الدَّابَّةِ.
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ فَقَأَ عَيْنَ عَبْدٍ لَهُ وَالْعَبْدُ غَائِبٌ يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَرْشِ الْعَيْنِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْعَبْدِ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ الرِّقَّ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ كَانَ حُرًّا إلَى أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَى الرِّقِّ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْيَدِ فِي الْمُدَّعَى لِغَيْرِهِ، فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا
стр. 509
وَلَا يُسْمَعُ دَعْوَاهُ.
وَفِي الدَّابَّةِ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَهِيَ تَحْتَ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقِرَّ لِغَيْرِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا، فَجَازَ أَنْ تُسْمَعَ دَعْوَاهُ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَالْقَطْعُ إقْرَارٌ بِالتَّنَازُلِ مِنْ يَدِهِ لِأَنَّ عَبْدَهُ فِي يَدِهِ، فَكُلِّفَ رَدَّهُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْيَدُ فِي ذَلِكَ الْعَبْدِ لِغَيْرِهِ.
٦١٦ - وَإِذَا ادَّعَى الْوَالِدُ النَّصْرَانِيُّ وَلَدَ جَارِيَةِ وَلَدِهِ، وَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ لَمْ تَجُزْ دَعْوَاهُ.
وَلَوْ ادَّعَى الْوَالِدُ الْمُسْلِمُ وَلَدَ جَارِيَةِ وَلَدِهِ النَّصْرَانِيِّ جَازَتْ دَعْوَتُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَالِدَ إذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى ابْنِهِ الْمُسْلِمِ، فَلَوْ نَفَّذْنَا دَعْوَاهُ لَنَفَّذْنَا قَوْلَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُسْلِمًا فَلَوْ نَفَّذْنَا دَعْوَاهُ لَنَفَّذْنَا قَوْلَهُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الْمُسْلِمِ يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ عَلَى الْكَافِرِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ.
٦١٧ - عَبْدٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ فُلَانًا غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ أَجَرَهُ مِنْهُ، وَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ، غَصَبَهُ مِنْهُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي لِلْمُدَّعِي بِالْعَبْدِ، فَإِنْ حَضَرَ الَّذِي ادَّعَاهُ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ فَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْعَبْدَ عَبْدُهُ قَضَى عَلَى الْمُدَّعِي الَّذِي أَخَذَهُ لَهُ.
стр. 510
وَلَوْ أَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ أَعْتَقَهُ وَأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ، وَأَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِفُلَانٍ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِتْقِهِ، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ، وَلَا يُرَدُّ الْعَبْدُ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعِتْقِ يَقَعُ عَامًّا عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ؛ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا فِي حَقٍّ وَاحِدٍ مَمْلُوكًا فِي حَقِّ آخَرَ، وَإِذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ بِالْعِتْقِ عَامًّا لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ فِي الرِّقِّ، كَمَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْعِتْقِ عَلَى هَذَا الْمُسْتَوْدَعِ
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَمْوَالُ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ يَقَعُ خَاصًّا لَا عَامًّا، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مِلْكًا فِي حَقِّ وَاحِدٍ غَيْرَ مِلْكٍ فِي حَقِّ آخَرَ، فَلَمْ يَقَعْ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ.
وَلِأَنَّا لَوْ رَدَدْنَا الْبَيِّنَةَ لَفَسَخْنَا الْعِتْقَ، وَالْعِتْقُ إذَا وَقَعَ لَا يُفْسَخُ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْقَضَاءُ وَقَعَ عَامًّا، وَفَسْخُ الْأَمْلَاكِ وَنَقْلُهَا جَائِزٌ، فَجَازَ أَنْ يُفْسَخَ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ.
٦١٨ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدِهِ دَارٌ ادَّعَى ابْنُ أَخِيهِ أَنَّهَا دَارُهُ وَوَرِثَهَا عَنْ أَبِيهِ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ أَنَّهَا دَارُهُ، وَأَقَامَ الْأَجْنَبِيُّ شَاهِدَيْنِ عَلَى الْعَمِّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُقِمْ ابْنُ الْأَخِ الْبَيِّنَةَ شَاهِدَيْنِ حَتَّى مَاتَ الْعَمُّ، فَصَارَتْ فِي يَدِ ابْنِ الْأَخِ، ثُمَّ أَقَامَ ابْنُ الْأَخِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَزُكِّيَتْ الْبَيِّنَتَانِ قَضَيْت بِهَا
стр. 511
بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَلَوْ أَقَامَ ابْنُ الْأَخِ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا ثُمَّ مَاتَ الْعَمُّ، ثُمَّ أَقَامَ الْأَجْنَبِيُّ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ بَعْدَ مَوْتِ الْعَمِّ، فَإِنَّهُ يُقْضَى بِجَمِيعِ الدَّارِ لِلْأَجْنَبِيِّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَمَّا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْعَمِّ لَزِمَهُ نَوْعُ حَجْرٍ فِي حَقِّهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْيَدِ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالدَّارِ لِغَيْرِهِ، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا تُعَادُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَاسْتُبْقِيَتْ يَدُ الْعَمِّ فِيهِ فِي الْحُكْمِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ بَقِيَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ حَتَّى أَقَامَ ابْنُ الْأَخِ الْبَيِّنَةَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِأَنَّ كِلَاهُمَا يَكُونَانِ خَارِجَيْنِ، فَقُسِمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَأَمَّا إذَا أَقَامَ ابْنُ الْأَخِ الْبَيِّنَةَ فِي حَيَاةِ الْعَمِّ ثُمَّ مَاتَ الْعَمُّ، وَصَارَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ابْنِ الْأَخِ، فَلَمْ تُسْبَقْ يَدُهُ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّ الْحَقَّ وَجَبَ لِابْنِ الْأَخِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَانْتِقَالُهُ إلَى يَدِ ابْنِ الْأَخِ حَقُّهُ أَيْضًا، فَصَارَ الْمَنْعُ عَنْ انْتِقَالِ الْيَدِ إلَى ابْنِ الْأَخِ حَقَّهُ، وَحَقُّهُ لَا يَمْنَعُ حَقَّهُ، فَانْتَقَلَتْ الْيَدُ إلَى ابْنِ الْأَخِ وَصَارَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِي الْمَرِيضِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ فَأَقَرَّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ فِي مَرَضِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّ حَقَّهُ لَا يَمْنَعُ حَقَّهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً مِنْهُ جَازَ، لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَمْنَعُ حَقَّهُ، فَلَمَّا أَقَامَ الْأَجْنَبِيُّ الْبَيِّنَةَ صَارَتْ بَيِّنَتُهُ بَيِّنَةَ خَارِجٍ وَبَيِّنَةُ ابْنِ الْأَخِ بَيِّنَةَ صَاحِبِ يَدٍ، وَإِذَا اجْتَمَعَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَصَاحِبِ الْيَدِ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى.
стр. 512
وَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ.
وَالْمَوْلَى إذَا ادَّعَى وَلَدَ جَارِيَةِ مُكَاتَبِهِ فَإِنَّهُ يُرَاعَى قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَلَدَ فِي يَدِ الْمُكَاتِبِ فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ وَلَدُ جَارِيَتِهِ وَالْمَوْلَى بِالدَّعْوَى صَارَ كَالْمُنْتَزِعِ الْوَلَدَ مِنْ يَدِهِ مِنْ حِينِ الْوِلَادَةِ عِنْدَ الدَّعْوَى، فَكَأَنَّهُ انْتَزَعَ الْوَلَدَ مِنْ يَدِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَيُرَاعَى قِيمَتُهُ وَقْتَ الِانْتِزَاعِ كَمَا لَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَدُ الْمَغْرُورِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا حَدَثَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَصَارَ أَمِينًا فِيهِ، فَلَا يَغْرَمُ إلَّا بِالْمَنْعِ، وَالْمَنْعُ إنَّمَا يَكُونُ بِالطَّلَبِ، وَالطَّلَبُ يَكُونُ بِالْخُصُومَةِ، فَيُرَاعَى قِيمَتُهُ وَقْتَ الْخُصُومَةِ، وَهَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ أَنَّهُ يُرَاعَى فِي وَلَدِ جَارِيَةِ الْمُكَاتِبِ قِيمَتُهُ وَقْتَ الدَّعْوَى.
стр. 513
[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]
٦٢٠ - إذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِمَالٍ وَهُوَ صَحِيحٌ وَالْآخَرُ مَرِيضٌ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَرِيضِ، وَيَكُونُ الدَّيْنُ دَيْنَ مَرَضٍ حَتَّى يُؤَخَّرَ عَنْ دَيْنِ الصِّحَّةِ الَّذِي وَجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ.
وَلَوْ قَالَ الصَّحِيحُ لِرَجُلٍ: مَا كَانَ لَكَ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ، فَمَرِضَ، ثُمَّ وَجَبَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ دَيْنٌ، وَجَبَ عَلَى الْكَفِيلِ، وَيَكُونُ الدَّيْنُ دَيْنَ الصِّحَّةِ، فَيُقْضَى مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الدَّيْنُ وَجَبَ بِإِقْرَارِهِ لَا بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ، لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ إلَى حَالِ الْعَقْدِ إبْطَالُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ عِنْدَ الْعَقْدِ وَاحِدًا بِالضَّمَانِ فَبَقِيَ ضَمَانًا لِلْمَجْهُولِ فَيَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: ضَمِنْت لِوَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ مَا يَلْزَمُهُ عَلَيْك، وَإِذَا كَانَ فِي إسْنَادِهِ إبْطَالُهُ لَمْ يُسْنِدْهُ وَجَعَلْنَا الْوُجُوبَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ، وَالْإِقْرَارُ وُجِدَ فِي حَالِ الْمَرَضِ، فَكَانَ الدَّيْنُ دَيْنَ مَرَضٍ، وَصَارَ كَأَنَّهُمَا أَقَرَّا بِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: مَا بَايَعْت فُلَانًا أَوْ مَا دَارَ لَكَ، لِأَنَّا لَوْ أَسْنَدْنَا
стр. 514
الْوُجُوبَ إلَى الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلْ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ ضَمَانًا لِلْمَعْلُومِ فِيمَا يُمْكِنُ إسْنَادُهُ إلَى ذَلِكَ الْعَقْدِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ فَأَسْنَدْنَاهُ.
وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَسْخَ الْمُفَاوَضَةِ وَإِنْ كَرِهَ الْآخَرُ، فَصَارَ بِتَرْكِ الْفَسْخِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الشَّرِيكُ مُلْتَزِمًا حُكْمَ إقْرَارِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَكَأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَكَانَ دَيْنَ مَرَضٍ، فَيُؤَخَّرُ عَنْ دَيْنِ الصِّحَّةِ، وَهَذَا كَمَا نَقُولُ إذَا وَكَّلَ الصَّحِيحُ وَكِيلًا بِأَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ، فَمَرِضَ الْمُوَكِّلُ وَطَلَّقَهَا الْوَكِيلُ كَانَ فَارًّا، لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَرَ عَلَى الْعَزْلِ وَلَمْ يَعْزِلْهُ صَارَ كَأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ، وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا بِأَنْ يَبِيعَ مَالَهُ فَمَرِضَ، ثُمَّ بَاعَهُ الْوَكِيلُ مِنْ وَارِثِ الْمَرِيضِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى عَزْلِهِ فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ صَارَ كَأَنَّهُ جَدَّدَ الْوَكَالَةَ فِي الْمَرَضِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ مَا دَارٌ لَكَ عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى فَسْخِ الْكَفَالَةِ بَعْدَ قَبُولِهَا إلَّا بِرِضَا الْمَكْفُولِ لَهُ، فَلَمْ يَصِرْ بِتَرْكِ الْفَسْخِ مُلْتَزِمًا حُكْمَهُ فَلَمْ يَصِرْ كَالْمُجَدِّدِ الْتِزَامًا، فَلَا يَصِيرُ دَيْنَ مَرَضٍ.
٦٢١ - إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ مَاتَ الْمُوَرِّثُ وَالْوَارِثُ مَرِيضٌ فَإِنَّ الدَّيْنَ يَكُونُ دَيْنَ مَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ صَادِرًا عَنْ الْقَوْلِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ.
стр. 515
وَلَوْ قَالَ الصَّحِيحُ لِرَجُلٍ: مَا كَانَ لَكَ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ، فَمَرِضَ الْكَفِيلُ، ثُمَّ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ فَالدَّيْنُ دَيْنُ الصِّحَّةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُ الْكَفِيلَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، وَهُوَ عَقْدُ الْكَفَالَةِ، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لِمَا لَزِمَهُ، وَذَلِكَ الْقَوْلُ وُجِدَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَكَانَ الدَّيْنُ دَيْنَ الصِّحَّةِ
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْوَارِثِ فَوُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَى الْوَارِثِ بِمِلْكِهِ التَّرِكَةَ لَا لِلْإِقْرَارِ إذْ الْإِقْرَارُ سَبَبٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُوَرِّثُ وَلَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ شَيْءٌ، دَلَّ أَنَّ الْوُجُوبَ بِمِلْكِهِ وَالْمِلْكُ حَصَلَ لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَصَارَ الدَّيْنُ دَيْنَ مَرَضٍ.
أَوْ نَقُولُ لَوْ أَسْنَدْنَا الضَّمَانَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَارِثِ إلَى وَقْتِ الْإِقْرَارِ لَأَبْطَلْنَاهُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُقِرًّا عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمُوَرِّثُ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا كَانَ فِي إسْنَادِهِ إبْطَالُهُ لَمْ نُسْنِدْهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْكَفَالَةِ، لِأَنَّا لَوْ أَسْنَدْنَاهُ لَمْ يُبْطِلْهُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ جَائِزٌ فَأَسْنَدْنَاهُ.
٦٢٢ - وَإِذَا قَالَ: هَذَا الثَّوْبُ عِنْدِي عَارِيَّةٌ لِحَقِّ فُلَانٍ، لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لَهُ بِالْمِلْكِ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّرَاهِمُ عَارِيَّةٌ عِنْدِي لِحَقِّ فُلَانٍ، كَانَ إقْرَارًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ حَقًّا بِعَارِيَّةِ الثَّوْبِ، وَالْحَقُّ الَّذِي بِعَارِيَّةِ الثَّوْبِ قَدْ يَكُونُ مِلْكًا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مِلْكٍ، لِأَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ، وَكَذَلِكَ
стр. 516
لِأَبِ الصَّغِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مِلْكٌ، وَاللَّامُ تَكُونُ لَامَ سَبَبٍ، وَسَبَبُ الشَّيْءِ يَتَقَدَّمُهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا الثَّوْبُ عِنْدِي عَارِيَّةٌ لِجَارِهِ فُلَانٍ وَعَرَّفَهُ، لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْمِلْكِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ حَقًّا بِعَارِيَّةِ الدَّرَاهِمِ وَعَارِيَّةُ الدَّرَاهِمِ تَكُونُ قَرْضًا وَيَكُونُ فِي جِهَاتٍ وَالْحَقُّ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْإِقْرَاضُ إنَّمَا يَكُونُ هُوَ الْمِلْكُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ أَنْ يُقْرِضَا مَالَ الصَّغِيرِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الدَّرَاهِمُ عِنْدِي عَارِيَّةٌ لِمِلْكِ فُلَانٍ: فَكَانَ إقْرَارًا بِالْمِلْكِ، كَذَا هَذَا.
٦٢٣ - إذَا قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مِائَةٌ لَا بَلْ مِائَتَيْنِ، لَزِمَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ اسْتِحْسَانًا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ لَا بَلْ اثْنَتَانِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبٍ سَابِقٍ، وَلَيْسَ بِابْتِدَاءِ الْإِيجَابِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْجَبْتُ لَكَ عَلَى نَفْسِي كَذَا دِرْهَمًا، لَا يَلْزَمُهُ، فَإِذَا أَقَرَّ بِمِائَةٍ ثُمَّ قَالَ: لَا بَلْ مِائَتَانِ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ الثَّانِي إخْبَارًا، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْإِيجَابِ، لِأَنَّ فِيهِ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَعَادَ الْمِائَةَ الْأُولَى، وَاسْتَدْرَكَ مِائَةً أُخْرَى وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَزِمَاهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 517
وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ظَاهِرُهُ إخْبَارٌ، إلَّا أَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ ظَاهِرِهِ، مَجْعُولٌ فِي الشَّرْعِ اسْمًا لِابْتِدَاءِ إيجَابِ الطَّلَاقِ، فَصَارَ اللَّفْظُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً فِيهِ، فَصَارَ ابْتِدَاءَ إيقَاعٍ، فَقَدْ أَوْقَعَ وَاحِدًا وَرَجَعَ عَنْهُ، وَرُجُوعُهُ لَا يَصِحُّ عَنْ الطَّلَاقِ، وَاسْتَدْرَكَ اثْنَتَيْنِ وَاسْتِدْرَاكُهُ يَصِحُّ، فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا.
٦٢٤ - إذَا قَالَ: لَا تَشْهَدْ لِفُلَانٍ عَلَيَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا.
وَلَوْ قَالَ: لَا تُخْبِرْ فُلَانًا وَلَا تَقُلْ لَهُ إنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
كَانَ إقْرَارًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا تَشْهَدْ لَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ إقَامَةِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لَا يَصِحُّ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ وَيَأْثَمُ بِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ كَلَامُهُ، فَلَا يُجْعَلُ نَهْيًا فَصَارَ نَفْيًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا شَهَادَةَ عِنْدَك لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ، كَذِبًا عَلَيَّ، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا لَا يَكُونُ إقْرَارًا.
كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا تُخْبِرْ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْإِخْبَارِ يَصِحُّ مَعَ وُجُودِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]
стр. 518
فَذَمَّهُمْ عَلَى الْإِخْبَارِ مَعَ وُجُودِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْإِخْبَارِ بِشَيْءٍ صَحَّ وَلَا يَأْثَمُ، فَحُمِلَ لَفْظُهُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْإِخْبَارِ، وَفِي شَرْطِهِ صِحَّةُ الْإِخْبَارِ بِعَدَمِ الْمُخْبَرِ فِي الْإِثْبَاتِ، كَذَلِكَ فِي النَّهْيِ، فَكَأَنَّهُ أَثْبَتَ الْخَبَرَ عَنْهُ فَقَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَلَا يُخْبِرُهُ بِأَنَّ لَهُ عَلَيَّ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ إقْرَارًا، كَذَلِكَ النَّهْيُ.
٦٢٥ - إذَا أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَمَاتَ عَنْهَا، أَوْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ وَالَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ عَنْهُ وَهُوَ وَارِثُهُ جَازَ إقْرَارُهُ.
وَلَوْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ ابْنُهُ وَمَاتَ الْمَرِيضُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْأَخُ وَارِثُهُ بَطَلَ إقْرَارُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ فِي الْأَخِ بِالْقَرَابَةِ، وَالْقَرَابَةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ فَقَدْ سَبَقَ سَبَبُ الْحَجْرِ عَلَى الْإِقْرَارِ فَمَنَعَ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، كَمَا لَوْ مَرِضَ وَأَقَرَّ لِوَارِثِهِ.
وَأَمَّا فِي الْوَلَاءِ وَالزَّوْجِيَّةِ فَاسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ الْوَلَاءُ وَالنِّكَاحُ،
وَالْعَقْدُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِقْرَارِ، فَقَدْ تَأَخَّرَ سَبَبُ الْحَجْرِ عَنْ الْإِقْرَارِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ثُمَّ مَرِضَ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ إقْرَارِهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٦٢٦ - إذَا مَاتَ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَابْنًا فَقَالَ الِابْنُ فِي كَلَامِ مُتَّصِلٍ:
стр. 519
لِهَذَا عَلَى أَبِي دَيْنٌ أَلْف دِرْهَمٍ، وَلِهَذَا أَلْفُ دِرْهَمٍ.
فَالْأَلْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ أَقَرَّ لِلْأَوَّلِ وَسَكَتَ، ثُمَّ أَقَرَّ لِلثَّانِي فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِالْأَلْفِ.
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَهِيَ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا بَانَتْ بِالْأَوَّلِ وَلَا يَقَعُ الثَّانِي، سَوَاءٌ قَالَ مَوْصُولًا أَوْ مَفْصُولًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: لِهَذَا عَلَى أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ إخْبَارٌ، فَلَوْ قُلْنَا يَقِفُ عَلَى آخِرِ الْكَلَامِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ كَوْنِهِ إخْبَارًا، وَالْكَلَامُ مِمَّا يَقِفُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقُلْنَا إنَّهُ يَقِفُ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى الْأَخِيرِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِمَا مَعًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ - إيقَاعٌ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَقَعُ وَيَقِفُ الطَّلَاقُ عَلَى الثَّانِي لَأَخْرَجْنَاهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيقَاعًا، وَجَعَلْنَاهُ تَعْلِيقًا، وَهُوَ قَدْ قَصَدَ الْإِيقَاعَ لَا التَّعْلِيقَ، فَقُلْنَا: لَا يَقِفُ فَأَوْقَعْنَاهُ، وَإِذَا وَقَعَ الْأَوَّلُ بَانَتْ فَلَا تَلْحَقُهَا الثَّانِيَةُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ: لِفُلَانٍ عَلَى أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، إيجَابُ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ وَلَيْسَ بِإِضَافَةٍ إلَى عَيْنٍ، وَتَعَلُّقُ الْأَلْفِ الثَّانِي أَيْضًا بِذِمَّتِهِ، وَتَعَلُّقُ الشَّيْءِ بِذِمَّتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الْآخَرِ فَثَبَتَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى التَّرِكَةِ، كَمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَيْنِ بِدُخُولِ وَادٍ ثُمَّ دَخَلَ وَقَعَ الطَّلَاقَانِ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ
стр. 520
مُخْتَلِفًا، كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يُعَلِّقْ بِالشَّرْطِ فِيهِمَا فَقَدْ أَوْقَعَ الْأَوَّلَ لِإِضَافَتِهِ إلَى عَيْنٍ وَنَفَذَ فَصَارَ يُوقِعُ الثَّانِيَ بَعْدَ نُفُوذِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَعْمَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ أَقَرَّ تِلْكَ الْعَيْنَ لِآخَرَ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٦٢٧ - لَوْ قَالَ: لِهَذَا عَلَى أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، لَا بَلْ لِهَذَا، قُضِيَ بِالْأَلْفِ لِلْأَوَّلِ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ لِفُلَانٍ، لَا بَلْ لِفُلَانٍ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لِلثَّانِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: غَصَبْتُ مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لَا بَلْ مِنْ فُلَانٍ آخَرَ غَرِمَ لِلثَّانِي أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّرِكَةَ مُبَقَّاةٌ عَلَى حُكْمِ مَالِ الْمَيِّتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ.
فَقَدْ أَقَرَّ لِلْأَوَّلِ بِالْأَلْفِ، وَتَتَعَلَّقُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ لَمْ يَغْرَمْ لَهُ شَيْئًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ وَتَرْكِ التَّضْيِيعِ، فَإِذَا أَقَرَّ لِلثَّانِي فَقَدْ ضَيَّعَ الْوَدِيعَةَ فَغَرِمَهَا، كَمَا لَوْ دَلَّ السَّارِقُ عَلَى الْوَدِيعَةِ، وَكَذَلِكَ الْغَصْبُ وَهُوَ مُقِرٌّ بِوُجُوبِ رَدِّ الْعَيْنِ، فَإِذَا أَقَرَّ أَوَّلًا فَقَدْ أَوْجَبَ رَدَّ الْقِيمَةِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمْ يُوجِبْ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا، وَلَا الْتَزَمَ ضَمَانًا، فَلَا يَغْرَمُ.
стр. 521
إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِبَيْتٍ بِعَيْنِهِ مِنْهَا لِرَجُلٍ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَقْسِمُ لَهُ نِصْفَ الدَّارِ، فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْتُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ سَلَّمَ الْجَمِيعَ لِلْمُقَرِّ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ عِدْلُ زُطِّيٍّ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِثَوْبٍ بِعَيْنِهِ مِنْهُ لِرَجُلٍ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ الثَّوْبِ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يُقَاسِمَ شَرِيكَهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ سَلَّمَ الْجَمِيعَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي الدَّارِ
وَالْفَرْقُ أَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا إقْرَارَهُ بِنِصْفِ الْبَيْتِ لَأَدَّى إلَى إضْرَارِ شَرِيكِهِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَقْسِمَ الدَّارَ قِسْمَتَيْنِ قِسْمَةً مَعَ الْمُقِرِّ وَقِسْمَةً مَعَ الْمُقَرِّ لَهُ، وَرُبَّمَا يَتَعَيَّنُ نَصِيبُهُ فِي الدَّارِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ الضَّرَرِ عَلَى شَرِيكِهِ بِإِقْرَارِهِ، فَلَمْ يَجُزْ فِي نِصْفِ الْبَيْتِ، وَلَكِنَّ الشَّرِكَةَ اتَّصَلَتْ بِحَقِّ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمُقَرُّ لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ الثَّلَاثِ الْقِسْمَةَ قَسَمَهُ، كَذَلِكَ هَذَا
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِدْلُ لِأَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَإِذَا أَقَرَّ بِثَوْبٍ فَقَدْ أَقَرَّ بِنِصْفِ ثَوْبٍ لَهُ وَنِصْفُهُ لِشَرِيكِهِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا إقْرَارَهُ فِيمَا يُصَادِفُ مِلْكَهُ لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْإِضْرَارِ بِشَرِيكِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قِسْمَةِ الثِّيَابِ مَرَّتَيْنِ، وَيَبْقَى ذَلِكَ الثَّوْبُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقِرِّ، وَلَا يُؤَدِّي تَنْفِيذُ إقْرَارِهِ إلَى الْإِضْرَارِ بِغَيْرِهِ، فَجَازَ أَنْ يَنْفُذَ.
стр. 522
إذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ إلَّا بِنَاهَا فَإِنَّهُ لِي.
لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الْبِنَاءِ وَسَلَّمَ الْجَمِيعَ لِلْمُقَرِّ لَهُ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ إلَّا بَيْتًا مِنْهَا - مَعْلُومًا - فَإِنَّهُ لِي صُدِّقَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الدَّارَ إلَّا بِنَاهَا صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَرْضِ دُونَ الْبِنَاءِ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْبِنَاءِ أَنَّ الْبِنَاءَ تَبَعٌ لِلدَّارِ وَصِفَةٌ لَهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الْبِنَاءِ بِالْعَقْدِ، وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ، فَإِذَا اسْتَثْنَى الْبِنَاءَ فَقَدْ اسْتَثْنَى التَّبَعَ، وَبَقِيَ الْمَتْبُوعُ، فَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْإِقْرَارِ مَا يُوجِبُ دُخُولَ الْبِنَاءِ فِيهِ، فَدَخَلَ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ لِفُلَانٍ إلَّا يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ أَوْ هَذَا السَّيْفُ لِفُلَانٍ إلَّا حِلْيَتَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْتُ، لِأَنَّ الْبَيْتَ لَيْسَ بِتَبَعٍ لِلدَّارِ وَلَا صِفَةٍ لَهَا، وَإِنَّمَا هُوَ بَعْضٌ مِنْهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ، فَصَارَ كَدِرْهَمٍ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهَمًا، كَانَ إقْرَارًا بِالتِّسْعَةِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْبِنَاءَ مُسْتَهْلَكٌ فِي الدَّارِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْبِنَاءَ أَوْ بَاعَ
стр. 523
الْأَرْضَ بِدُونِ الْبِنَاءِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى تَسْلِيمِ الْأَرْضِ إلَّا بِنَقْضِ الْبِنَاءِ فَيَلْحَقُهُ ضَرَرٌ وَإِذَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ.
وَأَمَّا الْبَيْتُ لَيْسَ بِمُسْتَهْلَكٍ فِي الدَّارِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ فَجَازَ اسْتِثْنَاؤُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ أَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْبِنَاءِ، فَقَدْ بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مَا يُوجِبُ دُخُولَ الْبِنَاءِ فِيهِ وَهُوَ اسْمُ الدَّارِ، وَقَوْلُهُ إلَّا الْبِنَاءَ رُجُوعٌ وَرُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لَا يَجُوزُ فَبَقِيَ الْإِقْرَارُ مُطْلَقًا بِالدَّارِ فَدَخَلَ الْبِنَاءُ فِيهِ.
وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ صَارَ رُجُوعًا عَمَّا أَوْجَبَ، وَرُجُوعُهُ عَمَّا أَوْجَبَ لِلْمُشْتَرِي جَائِزٌ قَبْلَ الْقَبُولِ فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَلَا يَلْزَمُ إذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ إلَّا ثُلُثَهَا أَوْ عُشْرَهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ اللَّفْظِ مَا يُوجِبُ دُخُولَ الْجَمِيعِ فِيهِ وَهُوَ الدَّارُ، لِأَنَّ ثُلُثَيْ الدَّارِ لَا يُسَمَّى دَارًا فَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
٦٣٠ - رَجُلٌ لَهُ جَارِيَةٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَأَقَرَّ بِالْجَارِيَةِ لِإِنْسَانٍ لَا يَدْخُلُ الْوَلَدُ فِي الْإِقْرَارِ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ لَهُ قُضِيَ لَهُ بِهَا وَبِوَلَدِهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُبْهَمِ يُوجِبُ الِاسْتِحْقَاقَ مِنْ الْأَصْلِ، بِدَلِيلِ
стр. 524
أَنَّ الْبِيَاعَاتِ تَنْفَسِخُ إذَا اسْتَحَقَّ مِنْ يَدَيْ الْمُشْتَرِي الْأَخِيرِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ اسْتَحَقَّ مِنْ الْأَصْلِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْجَارِيَةَ لَمْ تَزَلْ كَانَتْ لَهُ فَيَكُونُ وَلَدُهَا لَهُ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَلَا يَجِبُ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ الْأَصْلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْبِيَاعَاتِ لَا تَصِحُّ إذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي الْأَخِيرُ لِإِنْسَانٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ اسْتِحْقَاقًا مِنْ الْأَصْلِ صَارَ اسْتِحْقَاقًا فِي الْحَالِ فَصَارَ اسْتِحْقَاقًا بِالْإِقْرَارِ فِي الْحَالِ كَاسْتِحْقَاقِهَا فِي الْحَالِ بِالشِّرَاءِ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا، كَذَلِكَ هَذَا.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُجْعَلَ يَدُهُ يَدَ غَصْبٍ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ يَدُ غَصْبٍ لَمَا جَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا الشَّيْءَ مِنْ فُلَانٍ وَأَنْكَرَهُ فُلَانٌ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ يَدَهُ لَمْ تَكُنْ يَدَ غَصْبٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِحْقَاقَ مِنْ جِهَتِهِ لَمْ تُقْبَلْ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ يَدَهُ يَدُ غَصْبٍ فَهَذِهِ جَارِيَتُهُ وَلَدَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِقْرَارُ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْإِقْرَارِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ يَدَ غَصْبٍ، إذْ لَوْ لَمْ يَجْعَلْ يَدَهُ يَدَ غَصْبٍ لَجَازَ أَنْ يُقِرَّ لِغَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ يَدَهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ فِي الْأَصْلِ، فَيَكُونَ الْوَلَدُ حَادِثًا لَهُ، ثُمَّ مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ
стр. 525
فَلَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ.
٦٣١ - وَلَوْ أَنَّ مَرِيضًا عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ أَقَرَّ بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ كَانَ جَائِزًا، إذَا كَانَ الدَّيْنُ وَجَبَ فِي الصِّحَّةِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ بِقَبْضِهِ فِي مَرَضِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّيْنَ إذَا كَانَ وَاجِبًا فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَحَقُّ الْعَقْدِ أَوْجَبَ الْبَرَاءَةَ لَهُ بِقَوْلِهِ لَهُ اسْتَوْفَيْت، وَالْعَقْدُ وُجِدَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مَرَضِهِ، فَقَدْ سَبَقَ وُجُوبُ الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِهِ لَهُ اسْتَوْفَيْت - تَعَلُّقَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ، فَصَارَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ مُتَأَخِّرًا عَنْ حَقِّهِ، وَالْحَقُّ السَّابِقُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ كَدَيْنِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ.
وَأَمَّا إذَا أَوْجَبَ الدَّيْنَ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَحَقُّ الْعَقْدِ أَوْجَبَ الْبَرَاءَةَ بِقَوْلِهِ اسْتَوْفَيْت فِي أَثْنَاءِ الْمَرَضِ، وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مَرَضِهِ، فَقَدْ سَبَقَ تَعَلُّقَ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ فِي وُجُوبِ حَقِّ الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِهِ: اسْتَوْفَيْت، وَالْحَقُّ السَّابِقُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ فَكَانَ أَوْلَى.
أَوْ نَقُولُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إنَّ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْجَبَ الْبَرَاءَةَ بِقَوْلِهِ اسْتَوْفَيْت وَالْعَقْدُ بَاقٍ فَبَقِيَ حُكْمُهُ فَيَبْرَأُ بِقَوْلِهِ اسْتَوْفَيْتُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَوْجَبَ فِي حَالِ الْمَرَضِ، لِأَنَّ حَقَّ الْعَقْدِ لَمْ يُوجِبْ لَهُ الْبَرَاءَةَ بِقَوْلِهِ اسْتَوْفَيْت فَصَارَ بِالْإِقْرَارِ يُسْقِطُ حَقَّ الْغُرَمَاءِ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ، فَلَمْ
стр. 526
يَجُزْ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ بِبَدَلٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَالِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي تَجْوِيزِ إقْرَارِهِ بِقَبْضِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِبَدَلٍ، فَكَذَلِكَ جَازَ إقْرَارُهُ، وَأَمَّا إذَا وَجَبَ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَلِأَنَّ وُجُوبَهُ بِتَرْكِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ، فَكَانَ فِي تَجْوِيزِ إقْرَارِهِ بِقَبْضِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
٦٣٢ - وَإِذَا وَكَّلَ الْمَرِيضُ رَجُلًا بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ، فَمَاتَ الْمُوَكِّلُ فَقَالَ الْوَكِيلُ: قَبَضْتُ وَدَفَعْتُ إلَيْهِ.
لَمْ يُصَدَّقْ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ لَهُ، وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، فَبَاعَهُ بِالْقِيمَةِ بِشُهُودٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَوْتِهِ: قَبَضْت الثَّمَنَ وَدَفَعْته إلَيْهِ.
فَهُوَ مُصَدَّقٌ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَقَرَّ بِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ فَيَفْعَلَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَكِّلِ فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارًا بِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْقَبْضُ، فَلَمْ يَبْرَأْ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ فَيَفْعَلَهُ، لِأَنَّ حَقَّ الْقَبْضِ وَاجِبٌ لَهُ بِالْعَقْدِ لَا التَّوْكِيلِ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، وَالْعَقْدُ بَاقٍ فَبَقِيَ حُقُوقُهُ، فَكَانَ لَهُ الْقَبْضُ فَصُدِّقَ فِي إقْرَارِهِ، فَقَدْ ادَّعَى الدَّفْعَ إلَى مَنْ جُعِلَ الدَّفْعُ إلَيْهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَالْمُودَعِ إذَا قَالَ: رَدَدْت الْوَدِيعَةَ.
٦٣٣ - وَإِذَا وَكَّلَ الْمَرِيضُ وَكِيلًا بِبَيْعِ مَتَاعٍ لَهُ، فَمَاتَ الْمَرِيضُ
стр. 527
وَالْمَتَاعُ مُسْتَهْلَكٌ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: بِعْت الْمَتَاعَ وَاسْتَوْفَيْت الثَّمَنَ وَضَاعَ. وَلَمْ يُعْرَفْ مَنْ اشْتَرَاهُ، فَالْوَكِيلُ مُصَدَّقٌ.
وَلَوْ كَانَ الْمَتَاعُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، وَاَلَّذِي اشْتَرَاهُ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَيَكُونُ الْمَتَاعُ لِلْوَرَثَةِ، إذْ التَّرِكَةُ أَعْيَانٌ فَتُوَرَّثُ.
وَالْفَرْقُ لَيْسَ هَا هُنَا عَيْنٌ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُمْ بِإِقْرَارِهِ، فَصَارَ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، وَحَقُّ الْقَبْضِ وَجَبَ لَهُ بِالْعَقْدِ وَقَدْ أَقَرَّ بِمَا لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ فَقَبَضَهُ فَصُدِّقَ فِي إقْرَارِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَتَاعُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَيْنَ مُوَرَّثٌ لِلْوَارِثِ وَأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ، وَحَقُّ التَّصَرُّفِ وَجَبَ بِالتَّوْكِيلِ وَالتَّوْكِيلُ بَطَلَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، فَصَارَ يُقِرُّ بِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ فَيَفْعَلَهُ، وَفِي ذَلِكَ إبْطَالُ حَقِّ الْوَرَثَةِ فَلَا يُصَدَّقُ.
٦٣٤ - إذَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ بِقَبْضِ جَمِيعِ مَالِ الْمَيِّتِ عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ فُلَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَقَدْ قَبَضَهَا الْوَصِيُّ، فَقَالَ الْوَصِيُّ: أَنَا مَا قَبَضْتُ مِنْك إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْغَرِيمِ تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ
وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لَهُ فِي الْأَصْلِ كَانَ هُوَ الْعَاقِدُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْغَرِيمُ: لَا بَلْ كَانَتْ أَلْفًا وَقَدْ قَبَضَهَا فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْفِ.
стр. 528
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ، وَفَسَّرَ الْجَمِيعَ بِالْمِائَةِ، وَهُوَ فِي الْكَلَامِ لَمْ يُفَصِّلْ، وَلَمْ يَقْطَعْ، حَتَّى انْعَقَدَ بِتَفْسِيرِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمَقْبُوضَ مِائَةٌ، وَلَمْ يُصَدَّقْ هَذَا عَلَيْهِ فِي زِيَادَةِ الْقَبْضِ إلَّا أَنَّهُ بِتَسْمِيَةِ الْمِائَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ صَارَ مُبَرَّئًا عَمَّا زَادَ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَكَأَنَّهُ قَبَضَ مِائَةً، وَالْبَرَاءَةُ عَنْ الْبَاقِي لَا تَصِحُّ، لِأَنَّ إبْرَاءَ الْوَصِيِّ عَنْ مَالِ الصَّبِيِّ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْعَاقِدُ، فَبَقِيَ الْمَالُ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ هُوَ الْعَاقِدُ أَوْ كَانَ الْمَالُ لَهُ جَازَ إبْرَاؤُهُ، كَذَلِكَ هَذَا فَافْتَرَقَا.
٦٣٥ - وَلَوْ أَنَّ وَصِيًّا بَاعَ خَادِمًا لِلْوَرَثَةِ فَأَشْهَدَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ ثَمَنِهَا وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ كَانَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ، وَلَا يَكُونُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتْبَعَهُ بِالْخَمْسِينَ الْفَاضِلَةِ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مِنْ فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَهُوَ جَمِيعُ الثَّمَنِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ مِائَةً وَخَمْسِينَ.
كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُتْبِعَهُ بِالْخَمْسِينَ الْفَاضِلَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: قَبَضْت جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ.
فَقَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِ جَمِيعِ الثَّمَنِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَا تَفْسِيرٌ لَهُ، فَقَدْ فَسَّرَ الْمَقْبُوضَ فِي وَقْتٍ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيَانِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ كَفَى، فَلَغَا التَّفْسِيرُ، وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَا يُتْبِعُهُ بِشَيْءٍ.
стр. 529
وَأَمَّا إذَا قَالَ: قَبَضْت مِائَةً.
فَقَدْ سَمَّى الثَّمَنَ فِي حَالٍ: يُرْجَعُ فِي بَيَانِهِ إلَى قَوْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِالِاسْتِيفَاءِ، فَصُدِّقَ فِي مِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ وَهُوَ مِائَةٌ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِالزِّيَادَةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُتْبِعَهُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ: اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مُبْهَمٌ، وَهُوَ هَكَذَا مُفَسَّرٌ مَعْلُومٌ، وَالْمُبْهَمُ يُفَسَّرُ بِالْمَعْلُومِ فَانْعَقَدَ بِتَفْسِيرِهِ، وَصَارَ بِتَسْمِيَتِهِ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِ مِيرَاثًا عَنْ الْبَاقِي فَصَحَّ إبْرَاؤُهُ، لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ، وَحَقُّ الْقَبْضِ وَجَبَ لَهُ
وَإِذَا قَالَ: اسْتَوْفَيْت مِائَةَ دِرْهَمٍ وَهُوَ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِ، فَقَدْ فَسَّرَ الْمَعْلُومَ بِالْمُبْهَمِ، وَالْمَعْلُومُ لَا يُفَسَّرُ بِالْمُبْهَمِ فَلَغَا التَّفْسِيرُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَبَقِيَ مُقِرًّا بِقَبْضِ الْمِائَةِ فَلَهُ أَنْ يُتْبِعَهُ بِالزِّيَادَةِ.
٦٣٦ - وَلَوْ أَنَّ وَصِيًّا أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ جَمِيعَ مَا فِي مَنْزِلِ فُلَانٍ مِنْ مَتَاعِهِ وَمِيرَاثِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: مِائَةُ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةُ أَثْوَابٍ، فَأَقَامَ الْوَارِثُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ مَاتَ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ ثَوْبٍ لَمْ يَلْزَمْ الْوَصِيَّ أَكْثَرُ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ مَا لِلْمَيِّتِ عَلَى فُلَانٍ مِنْ الدَّيْنِ، ثُمَّ أَقَامَ الْوَارِثُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ كَوْنَهُ فِي مِيرَاثِهِ يَوْمَ مَاتَ لَا يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِهِ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ قَبَضَ الْوَصِيُّ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ قَبَضَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَلْزَمْ الْوَصِيَّ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ شَيْءٌ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي مِقْدَارِ مَا قَبَضَ.
стр. 530
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِقَبْضِ جَمِيعِ الدَّيْنِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ يَوْمَ مَاتَ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِهِ يَوْمَ قَبَضَ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِغَيْرِ الْوَصِيِّ أَنْ يَقْبِضَ دَيْنَهُ، فَوَجَبَ اسْتِبْقَاؤُهُ إلَى وَقْتِ قَبْضِهِ، فَلَزِمَهُ مِقْدَارُ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ.
٦٣٧ - وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: تَزَوَّجْتُك أَمْسِ فَقَالَتْ: لَا، ثُمَّ قَالَتْ: بَلَى، فَقَالَ: لَا.
لَزِمَهُ النِّكَاحُ.
وَلَوْ قَالَ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: نَعَمْ، فَقَالَ الْمُقِرُّ: لَا.
لَا يَلْزَمُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنِّكَاحِ إقْرَارٌ تَحْتَهُ دَعْوَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَتْ، وَالتَّكْذِيبُ يُبْطِلُ الْإِقْرَارَ، وَلَا يُبْطِلُ الدَّعْوَى فَبَقِيَ دَعْوَاهُ فَإِذَا صَدَّقَهُ نَفَذَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالْمَالِ، لِأَنَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ لَا يَسْتَوِي بِهِ دَعْوَةُ الْإِبْرَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَلَا يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ، وَتَكْذِيبُهُ يُبْطِلُ إقْرَارَهُ فَلَمْ يَبْقَ إقْرَارٌ، فَلَا يُصَدَّقُ بِهِ.
٦٣٨ - إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَنَا عَبْدُك، ثُمَّ قَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: بَلْ أَنْتَ عَبْدِي، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَبْدَهُ، وَلَا يَكُونُ نَفْيُهُ هَذَا شَيْئًا.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَقَالَ: هَذَا الْعَبْدُ لَكَ، فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ.
فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ، وَيَكُونُ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ.
следующие страницы →