← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 8183

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني

Полный текст (2 127 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

فِيهِ الْقِسْمَةُ لَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى بَيْعِ حِصَّتِهِ مِنْ صَاحِبِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: إذَا اخْتَصَمَا فِيهِ؛ بَاعَ الْقَاضِي وَقَسَمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمَا. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَبْرَ عَلَى إزَالَةِ الْمِلْكِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَعَلَى هَذَا طَرِيقٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَأَبَى الْآخَرُ فَإِنْ كَانَ يَسْتَقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَرِيقٌ نَافِذٌ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَقَعُ تَحْصِيلًا لِمَا شُرِعَتْ لَهُ - وَهُوَ تَكْمِيلُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ - فَيُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِيمُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةُ إضْرَارٍ بِالشَّرِيكَيْنِ فَلَا يَلِيهَا الْقَاضِي إلَّا إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ مِنْ الدَّارِ مَفْتَحٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَيَقْسِمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَقَعُ إضْرَارًا، وَلَوْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا جَازَتْ لِتَرَاضِيهِمَا بِالضَّرَرِ، وَكَذَلِكَ الْمَسِيلُ الْمُشْتَرَكُ إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَأَبَى الْآخَرُ. وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ قُسِمَ يُصِيبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ قَدْرُ مَا يَسِيلُ مَاؤُهُ، أَوْ كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ يُمْكِنُهُ التَّسْيِيلُ فِيهِ يَقْسِمُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَمْ يَقْسِمْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّرِيقِ، وَعَلَى هَذَا إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا مَفْتَحَ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الطَّرِيقِ، وَأَبَى الْآخَرُ إلَّا بِرَفْعِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَفْتَحٌ آخَرُ يَفْتَحُهُ فِي نَصِيبِهِ؛ قَسَمَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ رَفْعِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْقِسْمَةِ - وَهُوَ تَكْمِيلُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ - أَوْفَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَفَعَ بَيْنَهُمَا طَرِيقًا وَقَسَمَ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَفْتَحٌ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِغَيْرِ طَرِيقٍ تَفْوِيتًا لِلْمَنْفَعَةِ لَا تَكْمِيلًا لَهَا، فَكَانَتْ إضْرَارًا بِهِمَا وَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا بِغَيْرِ طَرِيقٍ فَيَجُوزُ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي سَعَةِ الطَّرِيقِ وَضِيقِهِ جُعِلَ الطَّرِيقُ عَلَى قَدْرِ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ وَطُولِهِ عَلَى أَدْنَى مَا يَكْفِيهَا؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ وُضِعَ لِلِاسْتِطْرَاقِ، وَالْبَابُ هُوَ الْمَوْضُوعُ مَدْخَلًا إلَى أَدْنَى مَا يَكْفِي لِلِاسْتِطْرَاقِ فَيَحْكُمُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا إذَا بَنَى رَجُلَانِ فِي أَرْضِ رَجُلٍ بِإِذْنِهِ، وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْبِنَاءِ وَأَبَى الْآخَرُ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ غَائِبٌ؛ لَمْ تُقْسَمْ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهَا بَيْنَهُمَا شَائِعٌ بِالْإِعَارَةِ أَوْ بِالْإِجَارَةِ، فَلَوْ قَسَمَ الْبِنَاءَ بَيْنَهُمَا لَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبِيلٌ فِي بَعْضِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَفِيهِ ضَرَرٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَلَوْ اقْتَسَمَا بِالتَّرَاضِي جَازَتْ، وَكَذَا لَوْ هَدَمَهَا وَكَانَتْ الْآلَةُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى هَذَا زَرْعٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُمَا؛ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الزَّرْعِ دُونَ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدْ بَلَغَ وَسَنْبَلَ لَا يَقْسِمُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ طَلَبَا جَمِيعًا لَا يَقْسِمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الرِّبَا وَحُرْمَةُ الرَّبَّا لَا تَحْتَمِلُ الِارْتِفَاعَ بِالرِّضَا، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَقْلًا فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا لَا يَقْسِمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مَمْلُوكَةٌ لَهُمَا عَلَى الشِّرْكَةِ فَلَوْ قَسَمَ؛ لَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبِيلٍ مِنْ الْقَطْعِ وَفِيهِ ضَرَرٌ وَلَا جَبْرَ عَلَى الضَّرَرِ. وَلَوْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا وَشَرَطَا الْقَطْعَ جَازَتْ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِالضَّرَرِ، وَلَوْ شَرَطَا التَّرْكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ رَقَبَةَ الْأَرْضِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا فَكَانَ شَرْطُ التَّرْكِ مِنْهُمَا فِي الْقِسْمَةِ شَرْطًا لِانْتِفَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِلْكِ شَرِيكِهِ، وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ فَكَانَ مُفْسِدًا لِلْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُمَا، وَكَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا بِالْإِعَارَةِ أَوْ بِالْإِجَارَةِ، وَالزَّرْعُ بَقْلٌ لَا تُقْسَمُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا جَازَتْ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَلَا تَجُوزُ بِشَرْطِ التَّرْكِ كَالْبَيْعِ عَلَى ذِكْرِنَا، وَكَذَلِكَ طَلْعٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الطَّلْعِ دُونَ النَّخْلِ وَالْأَرْضِ لَمْ يَقْسِمْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّرْعِ، وَلَوْ اقْتَسَمَا بِالتَّرَاضِي فَإِنْ شَرَطَا الْقَطْعَ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَا التَّرْكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّرْعِ. وَلَوْ تَرَكَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَأَدْرَكَ وَقَلَعَ فَالْفَضْلُ لَهُ طَيِّبٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ حَصَلَ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ لَكِنَّهُ حَصَلَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فَلَا يَكُونُ خَبِيثًا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِتَمَكُّنِ الْخُبْثِ فِيهِ فَكَانَ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقَ، هَذَا إذَا كَانَ شَيْئًا فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ شَيْئًا فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا فِيهَا شِقْصٌ قَلِيلٌ فَإِنْ طَلَبَ صَاحِبُ الْكَثِيرِ الْقِسْمَةَ قُسِمَتَا إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي حَقِّهِ مُفِيدَةٌ؛ لِوُقُوعِهَا مُحَصَّلَةٌ لِمَا شُرِعَتْ لَهُ مِنْ تَكْمِيلِ مَنَافِعِ الْمِلْكِ، وَفِي حَقِّ صَاحِبِ الْقَلِيلِ تَقَعُ مَنْعًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ إذْ لَا يَقْدِرُ صَاحِبُ الْقَلِيلِ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ إلَّا بِالِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِ صَاحِبِ الْكَثِيرِ؛ لِقِلَّةِ نَصِيبِهِ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ فِي حَقِّهِ مَنْعًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِ شَرِيكِهِ فَجَازَتْ، وَإِنْ طَلَبَ صَاحِبُ الْقَلِيلِ الْقِسْمَةَ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَاكِمُ الْجَلِيلُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ يُقْسَمُ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ ﵀ أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ. (وَجْهُ) مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْكَثِيرِ، بَلْ لَهُ فِيهِ مُنَفِّعَةٌ فَكَانَ فِي الْإِبَاءِ مُتَعَنِّتًا فَلَا يُعْتَبَرُ إبَاؤُهُ، وَصَاحِبُ الْقَلِيلِ قَدْ

стр. 1752

رَضِيَ بِالضَّرَرِ حَيْثُ طَلَبَ الْقِسْمَةَ فَيُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ، كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ بِأَحَدِهِمَا أَصْلًا بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ تَقَعُ الْقِسْمَةُ إضْرَارًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُوجَدْ الرِّضَا بِالضَّرَرِ، وَالْقَاضِي لَا يَمْلِكُ الْجَبْرَ عَلَى الْإِضْرَارِ فَهُوَ الْفَرْقُ. (وَجْهُ) مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ ﵀ أَنَّ صَاحِبَ الْقَلِيلِ مُتَعَنِّتٌ فِي طَلَبِ الْقِسْمَةِ؛ لِكَوْنِ الْقِسْمَةِ ضَرَرًا مَحْضًا فِي حَقِّهِ فَلَا يُعْتَبَرُ طَلَبُهُ، وَقِسْمَةُ الْجَبْرِ لَمْ تُشْرَعْ بِدُونِ الطَّلَبِ، وَلَوْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا جَازَتْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ صَاحِبَ الْقَلِيلِ قَدْ رَضِيَ بِالضَّرَرِ بِنَفْسِهِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ أَصْلًا فَجَازَتْ قِسْمَتُهَا. وَعَلَى هَذَا دَارٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، فَأَصَابَ أَحَدَهُمَا مَوْضِعٌ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شُرِطَ لَهُ فِي الْقِسْمَةِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيمَا أَصَابَهُ مَفْتَحٌ إلَى الطَّرِيقِ جَازَتْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ لَهُ فِيهَا إذْ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ بِفَتْحِ طَرِيقٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا أَصَابَهُ مَفْتَحٌ أَصْلًا فَإِنْ ذَكَرَ الْحُقُوقَ فِي الْقِسْمَةِ؛ فَلَهُ حَقُّ الِاخْتِيَارِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ مِنْ الْحُقُوقِ فَصَارَ مَذْكُورًا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةُ إضْرَارٍ فِي حَقِّ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا قُسِمَتْ بِغَيْرِ مَسِيلٍ شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا، وَوَقَعَ الْمَسِيلُ فِي نَصِيب الْآخَرِ؛ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الطَّرِيقِ، وَلَوْ اقْتَسَمَا عَلَى أَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ، وَلَا مَسِيلَ جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالضَّرَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَخْرُجُ قِسْمَةُ الْجَمْعِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ تَقَعُ إضْرَارًا فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي ذَكَرْنَا قِسْمَةُ التَّفْرِيقِ. وَأَمَّا قِسْمَةُ الْجَمْعِ: فَهِيَ أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَنَّهَا جَائِزَةٌ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَا تَجُوزُ فِي جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ تَقَعُ وَسِيلَةً إلَى مَا شُرِعَتْ لَهُ - وَهُوَ تَكْمِيلُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ - وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ تَقَعُ تَفْوِيتًا لِلْمَنْفَعَةِ لَا تَكْمِيلًا لَهَا إذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي الْأَمْثَالِ الْمُتَسَاوِيَةِ، وَهِيَ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تُقْسَمُ قِسْمَةَ جَمْعٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْقِسْمَةُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ؛ لِانْعِدَامِ التَّفَاوُتِ، وَكَذَلِكَ تِبْرُ الذَّهَبِ وَتِبْرُ النُّحَاسِ وَتِبْرُ الْحَدِيدِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْهَرَوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالْمَطْلُوبِ لَا يَتَفَاحَشُ بَلْ يَقِلُّ. وَالتَّفَاوُتُ الْقَلِيلُ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ أَوْ يُجْبَرُ بِالْقِيمَةِ فَيُمْكِنُ تَعْدِيلُ الْقِسْمَةِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ اللَّآلِئُ الْمُنْفَرِدَةُ، وَكَذَا الْيَوَاقِيتُ الْمُنْفَرِدَةُ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ فِي جِنْسَيْنِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَزْرُوعِ وَالْعَدَدِيِّ قِسْمَةُ جَمْعٍ، كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْقُطْنِ وَالْحَدِيدِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالثِّيَابِ الْبَرْدِيَّةِ وَالْمَرْوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ اللَّآلِئُ وَالْيَوَاقِيتُ، وَكَذَا الْخَيْلُ وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَكَذَا إذَا كَانَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ فَرْدٌ كَبِرْذَوْنٍ وَجَمَلٍ وَبَقَرَةٍ وَشَاةٍ وَثَوْبٍ وَقَبَاءٍ وَجُبَّةٍ وَقَمِيصٍ وَوِسَادَةٍ وَبِسَاطٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَوْ قُسِمَتْ عَلَى الْجَمْعِ كَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ تُقْسَمُ بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهَا، وَإِمَّا أَنْ تُقْسَمُ بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهَا بِإِنْ يَضُمَّ إلَى بَعْضِهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِأَحَدِهِمَا لِكَثْرَةِ التَّفَاوُتِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَالْقَاضِي لَا يَمْلِكُ الْجَبْرَ عَلَى الضَّرَرِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِسْمَةٌ فِي غَيْرِ مَحِلِّهَا؛ لِأَنَّ مَحِلَّهَا الْمِلْكُ الْمُشْتَرَكُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدَّرَاهِمِ. وَلَوْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا أَوْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ جَازَتْ الْقِسْمَةُ، حَتَّى لَوْ اقْتَسَمَا ثَوْبَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةِ وَزَادَ مَعَ الْأَوْكَسِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً جَازَ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ قِسْمَةَ الرِّضَا لَا قِسْمَةَ الْقَضَاءِ، وَكَذَا الْأَوَانِي سَوَاءٌ اخْتَلَفَتْ أُصُولُهَا أَوْ اتَّحَدَتْ؛ لِأَنَّهَا بِالصِّنَاعَةِ أَخَذَتْ حُكْمَ جِنْسَيْنِ، حَتَّى جَازَ بَيْعُ الْأَوَانِي الصِّغَارِ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ. وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلَا يُقْسَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قِسْمَةُ جَمْعٍ، وَعِنْدَهُمَا يُقْسَمُ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الرَّقِيقَ عَلَى اخْتِلَافِ أَوْصَافِهَا وَقِيمَتِهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَاحْتَمَلَ الْقِسْمَةَ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَمَا فِيهَا مِنْ التَّفَاوُتِ يُمْكِنُ تَعْدِيلُهُ بِالْقِيمَةِ. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ جَوَازِ الْقِسْمَةِ، وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ بِدُونِ شَرْطِ جَوَازِهِ مُحَالٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّا لَوْ قَسَمْنَاهَا رِقًّا - بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهَا - فَقَدْ أَضْرَرْنَا بِأَحَدِهِمَا لِتَفَاحُشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ عَبْدٍ وَعَبْدٍ فِي الْمَعَانِي الْمَطْلُوبَةِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَكَانَا فِي حُكْمِ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ أَنْ لَا تَتَضَمَّنَ ضَرَرًا بِالْمَقْسُومِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَسَمْنَاهَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لَوَقَعَتْ الْقِسْمَةُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهَا؛ لِأَنَّ مَحِلَّهَا الْمِلْكُ الْمُشْتَرَكُ وَلَا شِرْكَةَ فِي الْقِيمَةِ، وَالْمَحَلِّيَّةُ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ فَصَحَّ مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا جَازَ

стр. 1753

لِتَرَاضِيهِمَا بِالضَّرَرِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَ الرَّقِيقِ غَيْرُهُ قُسِمَ. كَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ مَقْصُودًا فَيُجْعَلُ تَبَعًا لِمَا يَحْتَمِلُهَا فَيُقْسَمُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، كَالشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا مَقْصُودًا، ثُمَّ يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلنَّهْرِ وَالْأَرْضِ، كَذَا هَذَا، وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْأَصْلِ مَحْمُولٌ عَلَى قِسْمَةِ الرِّضَا. وَأَمَّا قِسْمَةُ الْقَضَاءِ فَلَا تَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَقْسُومِ لَيْسَ تَبَعًا لِلْمَقْسُومِ بَلْ هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ - بِخِلَافِ الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ -، وَكَذَلِكَ الدُّورُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةَ جَمْعٍ حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَارَانِ تُقْسَمُ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى حِدَتِهَا، سَوَاءٌ كَانَتَا مُنْفَصِلَتَيْنِ أَوْ مُتَلَاصِقَتَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الْأَعْدَلُ فِي الْجَمْعِ جَمَعَ، وَإِنْ كَانَ الْأَعْدَلُ فِي التَّفْرِيقِ فَرَّقَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضَانِ أَوْ كَرْمَانِ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ. وَأَمَّا الْبَيْتَانِ فَيُقْسَمَانِ قِسْمَةَ جَمْعٍ إجْمَاعًا مُتَّصِلَيْنِ كَانَا أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ، وَكَذَا الْمَنْزِلَانِ الْمُتَّصِلَانِ. وَأَمَّا الْمُنْفَصِلَانِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَى الْخِلَافِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الدُّورَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالتَّفَاوُتُ الَّذِي بَيْنَ الدَّارَيْنِ يُمْكِنُ تَعْدِيلُهُ بِالْقِيمَةِ فَيُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي إنْ رَأَى الْأَعْدَلَ فِي التَّفْرِيقِ فَرَّقَ، وَإِنْ رَأَى الْأَعْدَلَ فِي الْجَمْعِ جَمَعَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الرَّقِيقِ أَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهَا بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهَا، وَيَقَعُ ضَرَرُ التَّفَاوُتِ مُتَفَاحِشًا بَيْنَ دَارٍ وَدَارٍ؛ لِاخْتِلَافِ الدُّورِ فِي أَنْفُسِهَا وَاخْتِلَافُهَا بِاخْتِلَافِ الْبِنَاءِ وَالْبِقَاعِ، فَكَانَا فِي حُكْمِ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالْقِسْمَةُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ تَقَعُ تَصَرُّفًا فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَا يَصِحُّ، وَلَوْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا أَوْ بِالْقَاضِي بِتَرَاضِيهِمَا جَازَ؛ لِمَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا دَارٌ وَضِيعَةٌ أَوْ دَارٌ وَحَانُوتٌ فَلَا تُجْمَعُ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ يَقْسِمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ عَلَى حِدَةٍ؛ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَمِنْهَا الطَّلَبُ فِي أَحَدِ نَوْعَيْ الْقِسْمَةِ - وَهُوَ قِسْمَةُ الْجَبْرِ - حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ الطَّلَبُ مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ أَصْلًا لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ الْقَاضِي تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ مَحْظُورٌ فِي الْأَصْلِ، إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ طَلَبِ الْبَعْضِ يَرْتَفِعُ الْحَظْرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَبَ عُلِمَ أَنَّهُ لَهُ فِي اسْتِيفَاءِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ ضَرَرًا، إذْ لَوْ كَانَ الطَّلَبُ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ لِطَلَبِ صَاحِبِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْإِضْرَارِ دِيَانَةً، فَإِذَا أَبَى الْقِسْمَةَ، عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ فَيَدْفَعُ الْقَاضِي ضَرَرَهُ بِالْقِسْمَةِ، فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ، وَالْقَاضِي نُصِبَ لَهُ، وَنَظِيرُهُ الشُّفْعَةُ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُ الدَّارَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالشُّفْعَةِ مِنْ غَيْرِ رِضًا دَفْعًا لِضَرَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ الشُّفْعَةَ عُلِمَ أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِجِوَارِهِ فَالشَّرْعُ دَفَعَ ضَرَرَهُ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ حَقِّ التَّمْلِيكِ بِالشُّفْعَةِ جَبْرًا عَلَيْهِ، كَذَا هَذَا. (وَمِنْهَا) الرِّضَا فِي أَحَدِ نَوْعَيْ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ رِضَا الشُّرَكَاءِ فِيمَا يَقْسِمُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الرِّضَا، أَوْ رِضَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ، إذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الرِّضَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَا يَصِحُّ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ لَا وَصِيَّ لَهُ، أَوْ كَبِيرٌ غَائِبٌ، فَاقْتَسَمُوا؛ فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهَا مَعْنَى الْبَيْعِ، وَقِسْمَةُ الرِّضَا أَشْبَهُ بِالْبَيْعِ، ثُمَّ لَا يَمْلِكُونَ الْبَيْعَ إلَّا بِالتَّرَاضِي، فَكَذَا الْقِسْمَةُ، إلَّا إذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الرِّضَا كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينَ فَيَقْسِمُ الْوَلِيُّ أَوْ الْوَصِيُّ إذَا كَانَ فِي الْقِسْمَةِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ فَيَمْلِكَانِ الْقِسْمَةَ، وَكَذَا إذَا كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ وَلَهُ وَلِيٌّ، أَوْ وَصِيٌّ، يَقْتَسِمُونَ بِرِضَا الْوَلِيِّ أَوْ الْوَصِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصَبَ الْقَاضِي عَنْ الصَّغِيرِ وَصِيًّا، وَاقْتَسَمُوا بِرِضَاهُ فَإِنْ أَبَى تَرَافَعُوا إلَى الْقَاضِي، حَتَّى يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ، وَمِنْهَا حَضْرَةُ الشُّرَكَاءِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ فِي نَوْعَيْ الْقِسْمَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ أَصْلًا وَلَا يَقْسِمُ الْقَاضِي أَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ وَلَكِنَّهُ لَوْ قَسَمَ لَا تُنْقَصُ قِسْمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُنْقَضُ. وَمِنْهَا الْبَيِّنَةُ فِي قِسْمَةِ الْقَضَاءِ فِي الْإِقْرَارِ بِمِيرَاثِ الْإِقْرَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَيَقْسِمُ بِإِقْرَارِهِمْ فَنَقُولُ - جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي بَيَانِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ: إنَّ جَمَاعَةً إذَا جَاءُوا إلَى الْقَاضِي، وَهُمْ عُقَلَاءُ بَالِغُونَ أَصِحَّاءُ فِي أَيْدِيهِمْ مَالٌ، فَأَقَرُّوا أَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَطَلَبُوا الْقِسْمَةَ مِنْ الْقَاضِي فَهَذَا لَا يَخْلُو فِي الْأَصْلِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ:. (إمَّا) أَنْ يُقِرُّوا بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا عَنْ ذَكَرِ سَبَبٍ، وَإِمَّا أَنْ يُقِرُّوا بِالْمِلْكِ بِسَبَبٍ ادَّعَوْا انْتِقَالَ الْمِلْكِ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ: (إمَّا) أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ مَنْقُولًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقَارًا، فَإِنْ أَقَرُّوا بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا عَنْ سَبَبِ الِانْتِقَالِ قَسَمَ بِإِقْرَارِهِمْ، وَيَذْكُرُ فِي الْإِشْهَادِ فِي كِتَابِ الصَّكِّ أَنِّي قَسَمْتُ بِإِقْرَارِهِمْ وَلَمْ أَقْضِ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ. وَلَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَصْلِ الْمِلْكِ مَنْقُولًا

стр. 1754

كَانَ الْمَالُ أَوْ عَقَارًا، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ وَهُوَ الْيَدُ وَالْإِقْرَارُ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ، وَلَا دَعْوَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ أَحَدٍ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ لَمْ يَقْسِمْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حَضْرَةَ الشُّرَكَاءِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَصْلُحُونَ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ، وَإِنْ أَقَرُّوا بِالْمِلْكِ بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ بِأَنْ قَالُوا: هُوَ بَيْنَنَا مِيرَاثٌ عَنْ فُلَانٍ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَنْقُولًا؛ قُسِمَ بَيْنَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا تُطْلَبُ مِنْهُمْ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْحَاضِرَانِ اثْنَيْنِ كَبِيرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ قَدْ نُصِبَ عَنْهُ وَصِيٌّ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَقَارًا فَلَا يُقْسَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَوْتِ فُلَانٍ وَعَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ، وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ فِي الصَّكِّ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ مَحِلَّ قِسْمَةِ الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ وَقَدْ وُجِدَ لِوُجُودِ دَلِيلِ الْمِلْكِ - وَهُوَ الْيَدُ وَالْإِقْرَارُ بِالْإِرْثِ - مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ فَصَادَفَتْ الْقِسْمَةُ مَحِلَّهَا فَيَقْسِمُ، وَيَكْتُبُ أَنَّهُ قَسَمَ بِإِقْرَارِهِمْ كَمَا فِي الْمَنْقُولِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُقَامُ عَلَى مُنْكِرٍ، وَالْكُلُّ مُقِرُّونَ فَعَلَى مَنْ تُقَامُ الْبَيِّنَةُ؟ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ صَادَفَتْ حَقَّ الْمَيِّتِ بِالْإِبْطَالِ فَلَا تَصِحُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَدَعْوَى الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّارَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مُبْقَاةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوَائِدَ الْحَادِثَةَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ شَجَرَةً فَأَثْمَرَتْ كَانَ الثَّمَرُ لَهُ حَتَّى تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ، وَتَنْفُذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ، فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ تَصَرُّفًا عَلَى مِلْكِهِ بِالْإِبْطَالِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَ قَطْعًا لِحَقِّ الْمَيِّتِ بَلْ هِيَ حِفْظُ حَقِّ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ مُحْتَاجٌ إلَى الْحِفْظِ وَالْقِسْمَةُ نَوْعُ حِفْظٍ لَهُ. وَأَمَّا الْعَقَارُ فَمُسْتَغْنٍ عَنْ الْحِفْظِ، فَبَقِيَتْ قِسْمَتُهُ قَطْعًا لِحَقِّهِ فَلَا يَمْلِكُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُمَا لَا مُنْكَرٌ هَهُنَا فَعَلَى مَنْ تُقَامُ الْبَيِّنَةُ؟ (قُلْنَا) : تُقَامُ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ مِنْ الْبَعْض، وَإِنْ كَانُوا مُقِرِّينَ - وَذَلِكَ جَائِزٌ - كَالْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ إذَا أَقَرَّا عَلَى الصَّغِيرِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَلَا مُنْكِرَ هَهُنَا، كَذَا هَذَا. هَذَا إذَا أَقَرُّوا بِالْمِلْكِ بِسَبَبِ الْإِرْثِ، فَإِنْ أَقَرُّوا بِهِ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَنْقُولًا قُسِمَ بَيْنَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا ذَكَرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَقْسِمُ بِإِقْرَارِهِمْ وَلَا تُطْلَبُ مِنْهُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ فُلَانٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الشِّرَاءِ وَبَيْنَ الْمِيرَاثِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ لَا يَقْسِمُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ كَالْمِيرَاثِ. (وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا أَقَرُّوا أَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ فُلَانٍ فَقَدْ أَقَرُّوا بِالْمِلْكِ لَهُ، وَادَّعَوْا الِانْتِقَالَ إلَيْهِمْ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِقْرَارُهُمْ مُسَلَّمٌ وَدَعْوَاهُمْ مَمْنُوعَةٌ وَمُحْتَاجَةٌ إلَى الدَّلِيلِ وَهُوَ الْبَيِّنَةُ. (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الشِّرَاءِ وَبَيْنَ الْمِيرَاثِ أَنَّ امْتِنَاعَ الْقِسْمَةِ فِي الْمَوَارِيثِ بِنَفْسِ الْإِقْرَارِ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مُنْعَدِمٌ فِي بَابِ الْبَيْعِ إذْ لَا حَقَّ بَاقٍ لِلْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ؛ فَصَادَفَتْ مَحِلَّهَا فَصَحَّتْ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ كَبِيرٌ غَائِبٌ أَوْ صَغِيرٌ حَاضِرٌ، فَإِنْ كَانَ فَأَقَرُّوا بِالْمِيرَاثِ فَلَا يُشْكِلُ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ لَا يَقْسِمُ بِإِقْرَارِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْسِمُ بَيْنَ الْكِبَارِ الْحُضُورِ فَكَيْفَ يَقْسِمُ هَهُنَا؟ وَأَمَّا عِنْدَهُمْ فَيَنْظُرُ إنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ الْكِبَارِ الْحُضُورِ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ؛ لِمَا بَيَّنَّا، وَيَضَعُ حِصَّةَ الْغَائِبِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ يَحْفَظُهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ خَصْمٌ مِنْ الْبَعْضِ، وَيَنْصِبُ عَنْ الصَّغِيرِ وَصِيًّا وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ الْغَائِبِ الْكَبِيرِ أَوْ فِي يَدِ الْحَاضِرِ الصَّغِيرِ أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْهَا شَيْءٌ؛ لَا يَقْسِمُ، حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمِيرَاثِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ الدَّارِ شَيْءٌ فَالْحَاجَةُ إلَى اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ هَذَا إذَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى مِيرَاثِ الْعَقَارِ، فَأَمَّا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَطَلَبُوا الْقِسْمَةَ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ: إنْ كَانَ الْحَاضِرُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَالْغَائِبُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ وَفِيهِمْ صَغِيرٌ حَاضِرٌ؛ فَإِنَّهُ يَقْسِمُ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ كُلِّ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، فَيُوَكِّلُ وَكِيلًا يَحْفَظُهُ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ إذَا حَضَرَ شَرِيكَانِ وَشَرِيكٌ غَائِبٌ؛ أَنَّهُ لَا يَقْسِمُ. (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ قِسْمَةَ الْعَقَارِ تَصَرُّفٌ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَضَاءٌ عَلَيْهِ بِقَطْعِ حَقِّهِ عَنْ التَّرِكَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا يَرُدُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْعَيْبِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الْحَاضِرُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدَهُمَا خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَالْآخَرَ مَقْضِيًّا لَهُ فَتَصِحُّ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ كَانَ الْحَاضِرُ وَاحِدًا وَالْبَاقُونَ غَيْبًا لَمْ يَقْسِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هُوَ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ حَتَّى تُسْمَعَ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ؛ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ مَقْضِيًّا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْحَاضِرِ وَارِثٌ

стр. 1755

صَغِيرٌ نَصَبَ الْقَاضِي عَنْهُ وَصِيًّا وَقَسَمَ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ هَهُنَا مُمْكِنَةٌ؛ لِوُجُودِ مُتَقَاسِمَيْنِ حَاضِرَيْنِ، وَإِذَا قَسَمَ الْمَنْقُولَ - بَيْنَ الْوَرَثَةِ بِإِقْرَارِهِمْ - أَوْ الْعَقَارَ - بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ فَعَزَلَ نَصِيبَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ فَإِنْ أَقَرَّ، كَمَا أَقَرُّوا أُولَئِكَ، فَقَدْ مَضَى الْأَمْرُ، وَإِنْ أَنْكَرَ تُرَدُّ الْقِسْمَةُ فِي الْمَنْقُولِ بِالْإِجْمَاعِ. وَكَذَلِكَ فِي الْعَقَارِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - فِي الْعَقَارِ لَا تُرَدُّ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْبَيِّنَةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْغَائِبِ فَلَا يُعْتَبَرُ إنْكَارُهُ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ مِيرَاثًا وَفِيهِ وَصِيَّةٌ بِالثُّلُثِ وَبَعْضُ الْوَرَثَةِ غَائِبٌ، فَطَلَبَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ الْقِسْمَةَ بَعْدَ مَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِيرَاثِ وَالثُّلُثِ قَسَمَ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ حَاضِرٌ فَكَأَنَّهُ حَضَرَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ قَسَمَ وَإِنْ كَانَ الْبَاقُونَ غَيْبًا، كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْسُومُ عَلَيْهِ مَالِكًا لِلْمَقْسُومِ وَقْتَ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْمَقْسُومِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْسُومِ فَوَاحِدٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْسُومُ مَمْلُوكًا لِلْمَقْسُومِ لَهُ وَقْتَ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ بَعْضِ الْأَنْصِبَاءِ، وَمُبَادَلَةُ الْبَعْضِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمَمْلُوكِ، وَعَلَى هَذَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ الْعَيْنُ الْمَقْسُومَةُ تُبْطَلُ الْقِسْمَةُ فِي الظَّاهِرِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ شَيْءٌ مِنْهَا تُبْطَلُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَأْنَفُ الْقِسْمَةُ وَقَدْ لَا تُسْتَأْنَفُ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ وَقَدْ لَا يَثْبُتُ. وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّهُ إذَا وَرَدَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى الْمَقْسُومِ لَا يَخْلُو الْأَمْرُ فِيهِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ وَرَدَ عَلَى كُلِّهِ، وَإِمَّا أَنْ وَرَدَ عَلَى جُزْءٍ، فَإِنْ وَرَدَ عَلَى كُلِّ الْمَقْسُومِ تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَمْ تَصِحَّ مِنْ الْأَصْلِ؛ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الصِّحَّةِ - وَهُوَ الْمِلْكُ الْمُشْتَرَكُ - فَتُسْتَأْنَفُ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْمَقْسُومِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ أَيْضًا: إمَّا أَنْ وَرَدَ عَلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ وَرَدَ عَلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ، فَإِنْ وَرَدَ عَلَى جُزْءٍ شَائِعٍ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَيْضًا إمَّا أَنْ وَرَدَ عَلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا، وَإِمَّا أَنْ وَرَدَ عَلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَإِنْ وَرَدَ الْآخَرُ عَلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا. كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ نِصْفَيْنِ، اقْتَسَمَاهَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا ثُلُثًا مِنْ مُقَدَّمِهَا، وَأَخَذَ الْآخَرُ ثُلُثَيْنِ مِنْ مُؤَخَّرِهَا، وَقِيمَتُهَا سَوَاءٌ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ فَاسْتَأْنَفَ الْقِسْمَةَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ تَبَيَّنَ أَنَّ نِصْفَ الدَّارِ شَائِعًا مِلْكُ الْمُسْتَحَقِّ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تَصِحَّ فِي النِّصْفِ الشَّائِعِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَبَطَلَتْ الْقِسْمَةُ أَصْلًا، وَإِنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ نَصِيبِ صَاحِبِ الْمُقَدَّمِ شَائِعًا تُسْتَأْنَفُ الْقِسْمَةُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ شَرِيكُهُمَا فِي الدَّارِ فَظَهَرَ أَنَّ قِسْمَتَهُمَا لَمْ تَصِحَّ دُونَهُ، فَتُسْتَأْنَفُ الْقِسْمَةُ، كَمَا إذَا وَرَدَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى نِصْفِ الدَّارِ شَائِعًا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الرَّحْمَة - لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ مَا فِي يَدِهِ وَرَجَعَ بِبَاقِي حِصَّتِهِ وَهُوَ مِثْلُ مَا اسْتَحَقَّ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْقِسْمَةَ؛ لِأَنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تَصِحَّ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ لَا فِيمَا وَرَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الصِّحَّةِ انْعِدَامُ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ لَا فِي مَا وَرَاءَهُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ انْعِدَامِ الصِّحَّةِ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ انْعِدَامُهَا فِي الْبَاقِي. لِأَنَّ مَعْنَى الْقِسْمَةِ - وَهُوَ الْإِفْرَازُ وَالْمُبَادَلَةُ - لَمْ يَنْعَدِمْ بِاسْتِحْقَاقِ هَذَا الْقَدْرِ فِي الْبَاقِي فَلَا تُبْطَلُ الْقِسْمَةُ فِي الْبَاقِي، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ شَائِعًا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ وَإِنْ وَرَدَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى النِّصْفِ فَأَوْجَبَ بُطْلَانَ الْقِسْمَةِ فِيهِ مَقْصُودًا، لَكِنْ مِنْ ضَرُورَتِهِ بُطْلَانُ الْقِسْمَةِ فِي الْبَاقِي؛ لِانْعِدَامِ مَعْنَى الْقِسْمَةِ فِي الْبَاقِي أَصْلًا، وَهَهُنَا لَمْ يَنْعَدِمْ فَلَا تُبْطَلُ، لَكِنْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ رَجَعَ بِبَاقِي حِصَّتِهِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ نِصْفِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَهُوَ رُبْعُ نَصِيبِهِ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْقِسْمَةَ؛ لِاخْتِلَافِ مَعْنَاهَا وَلِدُخُولِ عَيْبِ الشَّرِكَةِ، إذْ الشَّرِكَةُ فِي الْأَعْيَانِ الْمُجْتَمَعَةِ عَيْبٌ، وَالْعَيْبُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْمُقَدَّمِ بَاعَ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ وَاسْتَحَقَّ النِّصْفَ الْبَاقِي فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِرُبْعِ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ مَا بَاعَ لِشَرِيكِهِ وَيَضُمُّهُ إلَى مَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ وَيَقْتَسِمَانِ نِصْفَيْنِ. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مَا بَيَّنَّا أَنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تَصِحَّ أَصْلًا

стр. 1756

وَأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ فَاسِدًا فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَةِ مَا بَاعَ شَرِيكُهُ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْبَاقِي نِصْفَيْنِ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُقَدَّمَةِ، إلَّا أَنَّ هُنَا لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِمَانِعٍ وَهُوَ الْبَيْعُ فَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِرُبْعِ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ مُعَيَّنٍ مِنْ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ لَا تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هَهُنَا وَرَدَ عَلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَظْهَرُ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ كَانَ شَرِيكًا لَهُمَا فَلَا تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ لَكِنْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْقِسْمَةَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ أَوْجَبَ انْتِقَاضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالِانْتِقَاضُ فِي الْأَعْيَانِ الْمُجْتَمَعَةِ عَيْبٌ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِرُبْعِ مَا فِي يَدِهِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا، وَلَوْ اسْتَحَقَّ كُلَّ مَا فِي يَدِهِ لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ فَإِذَا اسْتَحَقَّ النِّصْفَ يَرْجِعُ بِالرُّبْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا مِائَةُ شَاةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَاهَا، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا أَرْبَعِينَ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَ الْآخَرُ سِتِّينَ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتُحِقَّتْ شَاةٌ مِنْ الْأَرْبَعِينَ تَسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِسْمَةَ صَادَفَتْ الْمَمْلُوكَ فِيمَا وَرَاءَ الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ، وَالْمُسْتَحَقُّ مُعَيَّنٌ فَلَا تَظْهَرُ الشَّرِكَةُ هُنَا أَصْلًا، فَلَا تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحَقِّهِ وَهُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُرُّ حِنْطَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ نِصْفَانِ عَشَرَةٌ مِنْهُ طَعَامٌ جَيِّدٌ، وَثَلَاثُونَ رَدِيءٌ فَاقْتَسَمَاهُ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ جَيِّدَةً وَثَوْبًا، وَأَخَذَ الْآخَرُ ثَلَاثِينَ رَدِيئًا، حَتَّى جَازَتْ الْقِسْمَةُ فَاسْتَحَقَّ مِنْ الثَّلَاثِينَ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ الثَّوْبِ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثُلُثِ الثَّوْبِ وَثُلُثِ الطَّعَامِ الْجَيِّدِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ وَرَدَ عَلَى عَشَرَةٍ شَائِعَةٍ فِي الثَّلَاثِينَ، فَكَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ ثُلُثَهَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِثُلُثِ الطَّعَامِ الْجَيِّدِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ طَرِيقَ جَوَازِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ أَنْ تَكُونَ الْعَشَرَةُ بِمُقَابَلَةِ الْعَشَرَةِ، وَالْعِشْرُونَ بِمُقَابَلَةِ الثَّوْبِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ عَشَرَةً، وَأَنَّهُ بِمُقَابِلَةِ نِصْفِ الثَّوْبِ؛ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الثَّوْبِ، وَقَوْلُهُ: لِلْمُسْتَحِقِّ عَشَرَةٌ شَائِعَةٌ فِي الثَّلَاثِينَ لَا الْعَشَرَةِ الْمُعَيَّنَةِ - وَهِيَ الَّتِي مِنْ حِصَّةِ الثَّوْبِ - فَنَعَمْ. هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ، إلَّا أَنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ؛ لَاحْتَجْنَا إلَى نَقْضِ الْقِسْمَةِ وَإِعَادَتِهَا، وَلَوْ صَرَفْنَا الِاسْتِحْقَاقَ إلَى عَشَرَةٍ - هِيَ مِنْ حِصَّةِ الثَّوْبِ - لَمْ نَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، وَتَصَرُّفُ الْعَاقِلِ تَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنْ النَّقْضِ وَالْإِبْطَالِ مَا أَمْكَنَ، وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَاهُ. وَعَلَى هَذَا أَرْضٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ نِصْفَيْنِ قُسِمَتْ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ وَقَدْ بَنَى صَاحِبُهُ فِيهِ بِنَاءً أَوْ غَرَسَ غَرْسًا فَنَقَضَ الْبِنَاءَ وَقَلَعَ الْغَرْسَ؛ لَمْ يَرْجِعْ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ قِسْمَةٍ وَقَعَتْ بِإِجْبَارِ الْقَاضِي أَوْ بِاخْتِيَارِ الشَّرِيكَيْنِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْبُرُهُمَا الْقَاضِي، وَلَوْ تَرَافَعَا إلَيْهِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ وَقَدْ بَنَى صَاحِبُهُ فِيهِ بِنَاءً أَوْ غَرَسَ غَرْسًا فَنَقَضَ وَقَلَعَ؛ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْقِسْمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي فَيَكُونُ مُضَافًا إلَى الْقَاضِي، أَمَّا إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ بِإِجْبَارِ الْقَاضِي فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَكَذَا إذَا اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِسْمَةُ جَبْرٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ جَبْرِ الْقَاضِي عِنْدَ الْمُرَافَعَةِ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مَجْبُورًا عَلَيْهِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ ضَمَانُ السَّلَامَةِ؛ فَلَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ، إذْ هُوَ ضَمَانُ السَّلَامَةِ. وَنَظِيرُ هَذَا الشَّفِيعُ إذَا أَخَذَ الْعَقَارَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالشُّفْعَةِ، وَبَنَى فِيهِ أَوْ غَرَسَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ وَقُلِعَ الْبِنَاءُ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مَا مَلَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ بَلْ أُخِذَ مِنْهُ جَبْرًا، وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَارِيَةِ الْمَأْسُورَةِ إذَا اشْتَرَاهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَخَذهَا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ فَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ: لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الَّذِي أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ بَلْ كُرْهًا وَجَبْرًا، وَكَذَلِكَ الْأَبُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَأَعْلَقَهَا، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ؛ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهَا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الِابْنِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا غَصَبَ جَارِيَةً فَأَبَقَتْ مِنْ يَدِهِ فَأَدَّى ضَمَانَهَا، ثُمَّ عَادَتْ الْجَارِيَةُ فَاسْتَوْلَدَهَا الْغَاصِبُ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُخْتَارًا فِي أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْ الْغَاصِبِ، فَكَانَ ضَامِنًا السَّلَامَةَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الضَّمَانِ. وَعَلَى هَذَا دَارَانِ أَوْ أَرْضَانِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَا، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إحْدَاهُمَا وَبَنَى فِيهَا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ الْجَمْعِ فِي الدُّورِ وَالْعَقَارَاتِ عِنْدَهُ، فَإِذَا اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ مِنْهُمَا مُبَادَلَةً،

стр. 1757

فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنًا سَلَامَةَ النِّصْفِ لِصَاحِبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الضَّمَانِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يُجْبَرُ عَلَى هَذِهِ الْقِسْمَةِ عِنْدَهُمَا، فَأَشْبَهَ اسْتِحْقَاقَ النِّصْفِ مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَرْجِعُ. وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْقُدُورِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ الْجَمْعِ هَهُنَا عِنْدَهُمَا إذَا رَأَى الْجَمْعَ أَعْدَلَ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي إذَا فَعَلَا بِأَنْفُسِهِمَا، وَلَوْ كَانَتَا جَارِيَتَيْنِ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِالنِّصْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ الرَّقِيقِ عِنْدَهُ، فَإِذَا اقْتَسَمَا بِتَرَاضِيهِمَا أَشْبَهَ الْبَيْعَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - وَفَرَّقَ بَيْنَ الرَّقِيقِ وَبَيْنَ الدُّورِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ هُنَاكَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْجَمْعِ عَيْنًا وَلَكِنَّهُ يُرَاعِي الْأَعْدَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّفْرِيقِ وَالْجَمْعِ، وَهَهُنَا يُجْبَرُ عَلَى الْجَمْعِ؛ لَتَعَذُّرِ التَّفْرِيقِ فَلَمْ يُوجَدْ ضَمَانُ السَّلَامَةِ مِنْ صَاحِبِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ إذَا اقْتَسَمَ قَوْمٌ دَارًا، وَفِيهَا كَنِيفٌ شَارِعٌ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ ظِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ؛ لَا يُحْسَبُ ذَرْعُ الْكَنِيفِ وَالظِّلِّ مِنْ ذَرْعِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ رَقَبَةَ الْأَرْضِ لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ، بَلْ هِيَ حَقُّ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ نَافِذٍ يُحْسَبُ ذَلِكَ مِنْ ذَرْعِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي السِّكَّةِ مَسْلَكًا فَأَشْبَهَ عُلُوَّ الْبَيْتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْقِسْمَةِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا صِفَاتُ الْقِسْمَةِ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا أَنْ تَكُونَ عَادِلَةً غَيْرَ جَائِرَةٍ وَهِيَ أَنْ تَقَعَ تَعْدِيلًا لِلْأَنْصِبَاءِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ النَّصِيبِ وَلَا نُقْصَانَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ بَعْضِ الْأَنْصِبَاءِ، وَمُبَادَلَةُ الْبَعْضِ، وَمَبْنَى الْمُبَادَلَاتِ عَلَى الْمُرَاضَاةِ، فَإِذَا وَقَعَتْ جَائِرَةً؛ لَمْ يُوجَدْ التَّرَاضِي، وَلَا إفْرَازُ نَصِيبِهِ بِكَمَالِهِ؛ لِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ فِي الْبَعْضِ فَلَمْ تَجُزْ وَتُعَادُ. وَعَلَى هَذَا إذَا ظَهَرَ الْغَلَطُ فِي الْقِسْمَةِ الْمُبَادَلَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ تُسْتَأْنَفُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ، فَظَهَرَ أَنَّ مَعْنَى الْقِسْمَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِكَمَالِهِ، وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْغَلَطَ فِي الْقِسْمَةِ فَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ دَعْوَى الْغَلَطِ؛ لِكَوْنِهِ مُنَاقِضًا فِي دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ إقْرَارٌ بِوُصُولِ حَقِّهِ إلَيْهِ بِكَمَالِهِ، وَدَعْوَى الْغَلَطِ إخْبَارٌ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَقُّهُ بِكَمَالِهِ فَيَتَنَاقَضُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُقِرَّ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ؛ لَا تُعَادُ الْقِسْمَةُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ صَحَّتْ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهَا إلَّا بِحُجَّةٍ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أُعِيدَتْ الْقِسْمَةُ؛ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ لَمْ تُقَمْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ، فَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ حَلَّفَهُ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ الْغَلَطِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا هُوَ جَائِزُ الْوُجُودِ. وَالْعَدَمِ، وَهُوَ يُنْكِرُ فَيَحْلِفُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ: دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَا، وَاسْتَوْفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا غَلَطًا فِي الْقِسْمَةِ لَا تُعَادُ الْقِسْمَةُ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَلَطِ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَيَحْلِفُ شَرِيكُهُ إنْ شَاءَ؛ لِمَا قُلْنَا فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَنَكَلَ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَ الشُّرَكَاءُ ثَلَاثَةً يَجْمَعُ بَيْنَ نَصِيبِ الْمُدَّعِي وَبَيْنَ نَصِيبِ النَّاكِلِ، فَيَقْسِمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِمَا؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ دَلِيلُ كَوْنِ الْمُدَّعِي صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ فِي حَقِّهِ، فَكَانَ حُجَّةً فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ الشَّرِيكِ الْحَالِفِ، فَلَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ فِي حَقِّهِمَا فَتُعَادُ فِي قَدْرِ نَصِيبِهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْغَلَطَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْقَبْضِ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَذْرُوعَاتِ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَارَانِ اقْتَسَمَاهُمَا، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارًا، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْغَلَطَ فِي الْقِسْمَةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - وَعِنْدَهُمَا لَا تَبْطُلُ وَلَكِنْ يُقْضَى لِلْمُدَّعِي بِذَلِكَ الذَّرْعِ مِنْ الدَّارِ الْأُخْرَى، وَبَنَوْا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى بَيْعِ ذِرَاعٍ مِنْ دَارٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا جَائِزٌ. وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ قِسْمَةَ الْجَمْعِ فِي الدُّورِ بِالتَّرَاضِي جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا فِي نَوْعَيْ الْقِسْمَةِ لَكِنْ هَذَا النَّوْعُ بِالْمُبَادَلَاتِ أَشْبَهُ، وَإِذَا تَحَقَّقَتْ الْمُبَادَلَةُ صَحَّ الْبِنَاءُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ اقْتَسَمَا دَارًا بَيْنَهُمَا، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا بَيْتًا فِي يَدِ صَاحِبِهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي قِسْمَتِهِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً؛ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ؛ أُخِذَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْإِشْهَادِ وَالْقَبْضِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْحُدُودِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدًّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَصَابَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ؛ قُضِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْحَدِّ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ

стр. 1758

وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ خَارِجٌ، وَإِنْ قَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ يُقْضَى بِبَيِّنَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تُقَمْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا وَهَلْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِنَفْسِ التَّالِفِ أَمْ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى فَسْخِ الْقَاضِي؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْبُيُوعِ. وَلَوْ اقْتَسَمَ رَجُلَانِ أَقْرِحَةً، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا قَرَاحَيْنِ، وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً، ثُمَّ ادَّعَى صَاحِبُ الْقَرَاحَيْنِ أَنَّ أَحَدَ الْأَقْرِحَةِ الْأَرْبَعَةِ أَصَابَهُ فِي قِسْمَتِهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُ بِهِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي أَثْوَابٍ اقْتَسَمَاهَا، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْضَهُمَا، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَدَ الْأَثْوَابِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ أَصَابَهُ فِي قِسْمَتِهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَلَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ثَوْبًا مِمَّا فِي يَدِهِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي قِسْمَتِهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا فِي يَدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ خَارِجٌ. وَلَوْ اقْتَسَمَا مِائَةَ شَاةٍ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً وَخَمْسِينَ، وَأَصَابَ الْآخَرُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ ادَّعَى صَاحِبُ الْأَوْكَسِ الْغَلَطَ فِي الْقِسْمَةِ أَوْ الْخَطَأَ فِي التَّقْوِيمِ؛ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَلَوْ قَالَ: أَخْطَأْنَا فِي الْعَدَدِ، وَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا خَمْسِينَ - وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ فِي قِسْمَتِهِ - وَأَنْكَرَ الْآخَرُ تَحَالَفَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ رُدَّتْ الْقِسْمَةُ. وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَخَذْتَ أَنْتَ إحْدَى وَخَمْسِينَ غَلَطًا، وَأَخَذْتُ أَنَا تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ، وَقَالَ الْآخَرُ: مَا أَخَذْتُ إلَّا خَمْسِينَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِاسْتِيفَاءِ الزِّيَادَةِ عَلَى حَقِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَخْرُجُ قِسْمَةُ عَرْصَةِ الدَّارِ بِالذِّرَاعِ أَنَّهُ يُحْسَبُ فِي الْقِسْمَةِ كُلُّ ذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلْوِ بِذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحْسَبُ ذِرَاعٌ مِنْ السُّفْلِ بِذِرَاعٍ مِنْ الْعُلْوِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُحْسَبُ عَلَى الْقِيمَةِ دُونَ الذَّرْعِ. زَعَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ التَّعْدِيلَ فِيمَا يَقُولُهُ، وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَيْنَ أَبِي يُوسُفَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ صَاحِبَ الْعُلْوِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْعُلْوِ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِ السُّفْلِ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِصَاحِبِ السُّفْلِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ إنْ لَمْ يَضُرَّ الْبِنَاءُ بِهِ. وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ صَاحِبَ الْعُلْوِ إذَا لَمْ يَمْلِكْ الْبِنَاءَ عَلَى عُلُوِّهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ لِلْعُلُوِّ مَنْفَعَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَنْفَعَةُ السُّكْنَى فَحَسْبُ، وَلِلسُّفْلِ مَنْفَعَتَانِ: مَنْفَعَةُ السُّكْنَى، وَمَنْفَعَةُ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَذَا السُّفْلُ كَمَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى يَصْلُحُ لِجَعْلِ الدَّوَابِّ فِيهِ، فَأَمَّا الْعُلْوُ فَلَا يَصْلُحُ إلَّا لِلسُّكْنَى خَاصَّةً، فَكَانَ لِلسُّفْلِ مَنْفَعَتَانِ وَلِلْعُلْوِ مَنْفَعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ عِنْدَهُ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَمَّا مَلَكَ صَاحِبُ الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلُوِّهِ كَانَتْ لَهُ مَنْفَعَتَانِ أَيْضًا، فَاسْتَوَى الْعُلْوُ وَالسُّفْلُ فِي الْمَنْفَعَةِ، فَوَجَبَ التَّعْدِيلُ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا فِي الذَّرْعِ. وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْبِلَادِ وَأَهْلَهَا فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ السُّفْلَ عَلَى الْعُلْوِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْعُلْوَ عَلَى السُّفْلِ، فَكَانَ التَّعْدِيلُ فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَالْعَمَلُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ ﵀ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا فَضَّلَ السُّفْلَ عَلَى الْعُلْوِ بِنَاءً عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ اخْتِيَارِهِمْ السُّفْلَ عَلَى الْعُلْوِ، وَأَبُو يُوسُفَ إنَّمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا عَلَى عَادَةِ أَهْلِ بَغْدَادَ؛ لِاسْتِوَاءِ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ عِنْدَهُمْ، فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَتْوَى عَلَى عَادَةِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمُحَمَّدٌ بَنَى الْفَتْوَى عَلَى الْمَعْلُومِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعَادَاتِ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فَكَانَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي سُفْلٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَعُلُوٍّ مِنْ بَيْتٍ آخَرَ بَيْنَهُمَا، أَرَادَا قِسْمَتَهُمَا يُقْسَمُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقِيمَةِ بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا الْعَرْصَةُ فَتُقْسَمُ بِالذَّرْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْقِيمَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ بِالذَّرْعِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ذِرَاعٌ بِذِرَاعَيْنِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَيْتٌ تَامٌّ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ، وَعُلُوٌّ مِنْ بَيْتٍ آخَرَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُحْسَبُ فِي الْقِسْمَةِ كُلُّ ذِرَاعٍ مِنْ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْعُلْوِ أَرْبَاعًا عِنْدَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ أَرْبَاعًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ذِرَاعٌ مِنْ السُّفْلِ وَالْعُلْوِ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلْوِ؛ لِاسْتِوَاءِ السُّفْلِ وَالْعُلْوِ عِنْدَهُ، فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ أَثْلَاثًا. وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَيْتٌ تَامٌّ سُفْلٌ وَعُلُوٌّ، وَسُفْلٌ آخَرُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُحْسَبُ فِي الْقِسْمَةِ كُلُّ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ وَالْعُلْوِ بِذِرَاعٍ وَنِصْفٍ مِنْ السُّفْلِ، وَذِرَاعٍ مِنْ سُفْلِ الْبَيْتِ بِذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الْآخَرِ، وَذِرَاعٍ مِنْ عُلُوِّهِ بِنِصْفِ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الْآخَرِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ذِرَاعٌ مِنْ التَّامِّ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ السُّفْلِ، - وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَخْرُجُ مَا إذَا اقْتَسَمَا دَارًا وَفَضَّلَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ

стр. 1759

لِفَضْلِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْمَوْضِعِ أَنَّ الْقِسْمَةَ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَادِلَةً مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الدَّارَ قَدْ يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْبِنَاءِ وَالْمَوْضِعِ، فَكَانَ ذَلِكَ تَفْصِيلًا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ تَعْدِيلًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَوْ لَمْ يُسَمِّيَا قِيمَةَ فَضْلِ الْبِنَاءِ وَقْتَ الْقِسْمَةِ جَازَتْ الْقِسْمَةُ اسْتِحْسَانًا، وَتَجِبُ قِيمَةُ فَضْلِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَاهَا فِي الْقِسْمَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قِسْمَةُ بَعْضِ الدَّارِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْعَرْصَةَ مَعَ الْبِنَاءِ بِمَنْزِلَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَقِسْمَةُ الْبِنَاءِ بِالْقِيمَةِ فَإِذَا وُجِدَتْ الْقِسْمَةُ مَجْهُولَةً فَوَقَعَتْ الْقِسْمَةُ لِلْعَرْصَةِ دُونَ الْبِنَاءِ؛ بَقِيَتْ وَإِنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ قِسْمَةَ الْعَرْصَةِ قَدْ صَحَّتْ بِوُقُوعِهَا فِي مَحِلِّهَا - وَهُوَ الْمِلْكُ - وَلَا صِحَّةَ لَهَا إلَّا بِقِسْمَةِ الْبِنَاءِ، وَذَلِكَ بِالْقِيمَةِ، فَتَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْفَضْلِ قِيمَةُ فَضْلِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ ضَرُورَةً صِحَّةَ الْقِسْمَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَخْرُجُ أَيْضًا قِسْمَةُ الْجَمْعِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ جَبْرًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِتَعَذُّرِ تَعْدِيلِ الْأَنْصِبَاءِ إلَّا بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَحِلَّ الْقِسْمَةِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا يَجُوزُ فِي الرَّقِيقِ وَالدُّورِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا تَقَعُ الْقِسْمَةُ فِيهَا عَادِلَةً أَوْ جَائِرَةً، وَلَا تُقْسَمُ الْأَوْلَادُ فِي بُطُونِ الْغَنَمِ؛ لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيلِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ رَدُّ الْمَقْسُومِ بِالْعَيْبِ فِي نَوْعَيْ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهَا وَقَعَتْ جَائِرَةً لَا عَادِلَةً، فَكَانَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَلَوْ امْتَنَعَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ؛ لِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، إلَّا أَنَّ فِي الْبَيْعِ يَرْجِعُ بِتَمَامِ النُّقْصَانِ وَفِي الْقِسْمَةِ يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ فِي الْقِسْمَةِ يَرْجِعُ بِالنَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا فَيَرْجِعُ بِنِصْفِ النُّقْصَانِ مِنْ نَصِيبِ شَرِيكِهِ. وَأَمَّا الرَّدُّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ فَيَثْبُتُ فِي قِسْمَةِ الرِّضَا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ، وَهَذَا النَّوْعُ أَشْبَهُ بِالْمُبَادَلَاتِ؛ لِوُجُودِ الْمُرَاضَاةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي قِسْمَةِ الْقَضَاءِ لَا لِخُلُوِّهَا عَنْ الْمُبَادَلَةِ بَلْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّهَا بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ؛ لَأَجْبَرَهُ الْقَاضِي ثَانِيًا فَلَا يُفِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ يَتْبَعُ الْمُبَادَلَةَ الْمَحْضَةَ؛ لِثُبُوتِهَا عَلَى مُخَالِفَةِ الْقِيَاسِ، وَالْقِسْمَةُ مُبَادَلَةٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا تَحْتَمِلُ الشُّفْعَةَ؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَجِبَ لِلشَّرِيكِ أَوْ لِلْجَارِ، لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ لِغَيْرِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ أَوْلَى مِنْ الْجَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا الْوُجُوبُ عِنْدَ الطَّلَبِ، حَتَّى يُجْبَرَ عَلَى الْقِسْمَةِ فِيمَا يَنْتَفِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِقِسْمَتِهِ، وَكَذَا فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدُهُمَا وَيَسْتَضِرُّ الْآخَرُ عِنْدَ طَلَبِ الْمُنْتَفِعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَعِنْدَ طَلَبِ الْمُسْتَضِرِّ اخْتِلَافُ رِوَايَتَيْ الْحَاكِمِ، وَالْقُدُورِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا اللُّزُومُ بَعْدَ تَمَامِهَا فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، حَتَّى لَا يَحْتَمِلَ الرُّجُوعُ عَنْهَا إذَا تَمَّتْ. وَأَمَّا قَبْلَ التَّمَامِ فَكَذَلِكَ فِي أَحَدِ نَوْعَيْ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ قِسْمَةُ الْقَضَاءِ دُونَ النَّوْعِ الْآخَرِ، وَهُوَ قِسْمَةُ الشُّرَكَاءِ، بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الدَّارَ إذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ قَوْمٍ فَقَسَمَهَا الْقَاضِي أَوْ الشُّرَكَاءُ بِالتَّرَاضِي فَخَرَجَتْ السِّهَامُ كُلُّهَا بِالْقُرْعَةِ؛ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الرُّجُوعُ، وَكَذَا إذَا خَرَجَ الْكُلُّ إلَّا سَهْمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خُرُوجُ السِّهَامِ كُلِّهَا؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ السَّهْمُ مُتَعَيَّنًا بِمَنْ بَقِيَ مِنْ الشُّرَكَاءِ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُ السِّهَامِ دُونَ الْبَعْضِ فَكَذَلِكَ فِي قِسْمَةِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ لَأَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى الْقِسْمَةِ ثَانِيًا فَلَا يُفِيدُ رُجُوعُهُ. وَأَمَّا فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ التَّرَاضِي لَا تَتِمُّ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ السِّهَامِ كُلِّهَا، وَكُلُّ عَاقِدٍ بِسَبِيلٍ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ الْعَقْدِ قَبْلَ تَمَامِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي بَيَان حُكْمِ الْقِسْمَةِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْقِسْمَةِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: حُكْمُ الْقِسْمَةِ ثُبُوتُ اخْتِصَاصٍ بِالْمَقْسُومِ عَيْنًا تَصَرُّفًا فِيهِ فَيَمْلِكُ الْمَقْسُومُ لَهُ فِي الْمَقْسُومِ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمِلْكِ، حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ سَاحَةٌ لَا بِنَاءَ فِيهَا، وَوَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ فَلِصَاحِبِ السَّاحَةِ أَنْ يَبْنِيَ فِي سَاحَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ بِنَاءَهُ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَإِنْ كَانَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَلَا يَمْنَعُ عَنْهُ، وَكَذَا لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي سَاحَتِهِ مَخْرَجًا أَوْ تَنُّورًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ رَحًى؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا لَهُ أَنْ يُقْعِدَ فِي بِنَائِهِ حَدَّادًا، أَوْ قَصَّارًا، وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِهِ جَارُهُ؛ لِمَا قُلْنَا، وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا أَوْ كُوَّةً؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْجِدَارَ أَصْلًا فَفَتْحُ الْبَابِ وَالْكُوَّةِ أَوْلَى، وَلَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا أَوْ بَالُوعَةً أَوْ كِرْبَاسًا، وَإِنْ كَانَ يَهِي بِذَلِكَ حَائِطَ جَارِهِ، وَلَوْ طَلَبَ جَارُهُ تَحْوِيلَ ذَلِكَ؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى التَّحْوِيلِ، وَلَوْ سَقَطَ الْحَائِطُ مِنْ ذَلِكَ

стр. 1760

لَا يُضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ مِنْهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُمْنَعَ الْإِنْسَانُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ الْكَفَّ عَمَّا يُؤْذِي الْجَارَ أَحْسَنُ. قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] خَصَّهُ بِالْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِ، فَلَئِنْ لَا يُحْسِنُ إلَيْهِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ أَذَاهُ. وَعَلَى هَذَا دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَلِرَجُلٍ فِيهَا طَرِيقٌ فَأَرَادَا أَنْ يَقْتَسِمَاهَا، لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّرِيقِ مَنْعُهُمَا عَنْ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا بِالْقِسْمَةِ مُتَصَرِّفَانِ فِي مِلْكِ أَنْفُسِهِمَا فَلَا يُمْنَعَانِ عَنْهُ، فَيَقْتَسِمَانِ مَا وَرَاءَ الطَّرِيقِ، وَيَتْرُكَانِ الطَّرِيقَ عَلَى حَالِهِ عَلَى سَعَةِ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. وَلَوْ بَاعُوا الدَّارَ وَالطَّرِيقَ فَإِنْ كَانَتْ رَقَبَةُ الطَّرِيقِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ؛ قَسَمُوا مَمَرَّ الطَّرِيقِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَإِنْ كَانَتْ الرَّقَبَةُ لِشَرِيكَيْ الدَّارِ وَلِصَاحِبِ الطَّرِيقِ حَقُّ الْمُرُورِ، حَكَى الْقُدُورِيُّ عَنْ الْكَرْخِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنْ لَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الطَّرِيقِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ كُلُّهُ لِلشَّرِيكَيْنِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يَضْرِبُ بِحَقِّهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَيَضْرِبُ صَاحِبُ الطَّرِيقِ بِحَقِّ الْمُرُورِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ الْعَرْصَةِ بِغَيْرِ طَرِيقٍ، وَيَنْظُرَ إلَى قِيمَتِهَا وَفِيهَا طَرِيقٌ، فَيَكُونَ لِصَاحِبِ الطَّرِيقِ فَضْلُ مَا بَيْنَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفُ قِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ إذَا كَانَ فِيهَا طَرِيقٌ. (وَجْهُ) مَا حُكِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ ﵀ أَنَّ حَقَّ الْمُرُورِ لَا يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ مَقْصُودًا بَلْ يَحْتَمِلُهُ تَبَعًا لِلرَّقَبَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ، فَإِذَا بِيعَ الطَّرِيقُ بِإِذْنِهِ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ أَصْلًا فَلَا يُقَابِلُهُ ثَمَنٌ. (وَجْهُ) مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ حَقَّ الْمُرُورِ لَا يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ مَقْصُودًا بَلْ يَحْتَمِلُهُ تَبَعًا لِلرَّقَبَةِ، وَهَهُنَا مَا بِيعَ مَقْصُودًا بَلْ تَبَعًا لِلرَّقَبَةِ فَيُقَابِلُهُ الثَّمَنُ، لَكِنْ ثَمَنُ الْحَقِّ لَا ثَمَنُ الْمِلْكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَكَذَلِكَ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِيهَا مَسِيلُ الْمَاءِ، فَأَرَادَا أَنْ يَقْتَسِمَاهَا لَيْسَ لِصَاحِبِ الْمَسِيلِ مَنْعُهُمَا مِنْ الْقِسْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، بَلْ يَقْسِمُ الدَّارَ وَيَتْرُكُ الْمَسِيلَ عَلَى حَالِهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الدَّارِ مَنْزِلٌ لِرَجُلٍ وَطَرِيقُهُ فِي الدَّارِ، فَأَرَادَا أَنْ يَقْتَسِمَا الدَّارَ لَا يُمْنَعَانِ مِنْ الْقِسْمَةِ، وَلَكِنْ يَتْرُكَانِ طَرِيقَ الْمَنْزِلِ عَلَى حَالِهِ عَلَى سَعَةِ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ، لَا عَلَى سَعَةِ بَابِ الْمَنْزِلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَنْ يَفْتَحَ إلَى هَذَا الطَّرِيقِ بَابًا آخَرَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْحَائِطَ كُلَّهُ فَهَذَا أَوْلَى، وَلَوْ اشْتَرَى صَاحِبُ الْمَنْزِلِ دَارًا مِنْ وَرَاءِ الْمَنْزِلِ وَفَتَحَ بَابَهُ إلَى الْمَنْزِلِ، فَإِنْ كَانَ سَاكِنُ الدَّارِ وَالْمَنْزِلِ وَاحِدًا فَلَهُ أَنْ يَمُرَّ مِنْ الدَّارِ إلَى الْمَنْزِلِ، وَمِنْ الْمَنْزِلِ إلَى الطَّرِيقِ الَّذِي فِي الدَّارِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُرُورِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ سَاكِنُ الدَّارِ غَيْرَ سَاكِنِ الْمَنْزِلِ فَلَيْسَ لِسَاكِنِ الدَّارِ أَنْ يَمُرَّ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي فِي الدَّارِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ فَيُمْنَعُ مِنْ الْمُرُورِ فِيهِ. دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ اقْتَسَمَاهَا، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً مِنْهَا، فَأَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْتَحَ بَابًا أَوْ كُوَّةً إلَى السِّكَّةِ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَسَعُ لِأَهْلِ السِّكَّةِ مَنْعُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَمْلِكُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ رَفْعَ الْحَائِطِ أَصْلًا فَالْبَابُ وَالْكُوَّةُ أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا حَائِطٌ بَيْنَ قَسِيمَيْنِ وَلِأَحَدِ الْقَسِيمَيْنِ عَلَيْهِ جُذُوعُ الْحَائِطِ الْآخَرِ فَإِنْ شَرَطُوا قَطْعَ الْجُذُوعِ فِي الْقِسْمَةِ قَطَعَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا تُرِكَ عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ التَّرْكَ وَإِنْ كَانَ ضَرَرًا لَكِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَشْتَرِطُوا الْقَطْعَ فِي الْقِسْمَةِ فَقَدْ اُلْتُزِمَ الضَّرَرُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَقَعَ عَلَى هَذَا الْحَائِطِ دَرَجَةٌ أَوْ أُسْطُوَانَةٌ جُمِعَ عَلَيْهَا جُذُوعٌ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ رَوْشَنًا وَقَعَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ شَرَفًا عَلَى نَصِيبِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يُقْلِعَ الرَّوْشَنَ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَلْعِ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَطْرَافُ خَشَبٍ عَلَى حَائِطِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهَا سَقْفٌ لَمْ يُكَلَّفْ قَلْعُهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ كُلِّفَ الْقَلْعَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهَا سَقْفٌ أَمْكَنَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَيَلْتَحِقُ بِالْحُقُوقِ، فَأَشْبَهَ الرَّوْشَنَ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَعَذُّرُ إلْحَاقِهَا بِالْحُقُوقِ فَبَقِيَ شَاغِلًا هُوَ لِصَاحِبِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيُكَلَّفُ قَطْعَهَا، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا شَجَرَةٌ أَغْصَانُهَا مُظِلَّةٌ عَلَى نَصِيبِ الْآخَرِ فَهَلْ تُقْطَعُ؟ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ؛ لِأَنَّ فِي الْقَطْعِ ضَرَرًا لِصَاحِبِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ ﵀ أَنَّهُ تُقْطَعُ كَمَا يُقْطَعُ أَطْرَافُ الْخَشَبِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَسْقِيفُهَا، وَلَوْ اخْتَلَفَ أَهْلُ طَرِيقٍ فِي الطَّرِيقِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَهُ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمْ بِالتَّسْوِيَةِ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، لَا عَلَى ذُرْعَانِ الدُّورِ وَالْمَنَازِلِ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي الْيَدِ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْمُرُورِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقُومَ لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْيَدِ بِالْبَيِّنَةِ. دَارٌ لِرَجُلٍ وَفِيهَا طَرِيقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ

стр. 1761

رَجُلٍ فَمَاتَ صَاحِبُ الدَّارِ، فَاقْتَسَمَتْ الْوَرَثَةُ الدَّارَ بَيْنَهُمْ، وَتَرَكُوا الطَّرِيقَ كَانَ الطَّرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ نِصْفَيْنِ لَا عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، حَتَّى لَوْ بَاعُوا الدَّارَ يُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَبَيْنَهُ نِصْفَيْنِ لَا عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ قَامُوا مَقَامَ الْمُوَرِّثِ، وَقَدْ كَانَ الطَّرِيقُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الدَّارَ مِيرَاثٌ بَيْنَهُمْ وَجَحَدُوا ذَلِكَ فَالطَّرِيقُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْيَدِ عَلَى مَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي مَا يُوجِبُ نَقْضَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُجُودِهَا] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُوجِبُ نَقْضَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُجُودِهَا فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الَّذِي يُوجِبُ نَقْضَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُجُودِهَا أَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) ظُهُورُ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ؛ إذَا طَلَبَ الْغُرَمَاءُ دُيُونَهُمْ وَلَا مَالَ لِلْمَيِّتِ سِوَاهُ، وَلَا قَضَاهُ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْوَرَثَةَ إذَا اقْتَسَمُوا التَّرِكَةَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ آخَرُ سِوَاهُ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ، وَلَا قَضَاهُ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ؛ تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ سَوَاءً كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِالتَّرِكَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِرْثِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] . قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْوَصِيَّةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إذَا كَانَ مُحِيطًا بِالتَّرِكَةِ؛ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْوَرَثَةِ فِيهَا إلَّا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ بَلْ هِيَ مِلْكٌ لِلْمَيِّتِ يَتَعَلَّقُ بِهَا بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَقِيَامُ مِلْكِ الْغَيْرِ فِي الْمَحِلِّ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقِسْمَةِ، فَقِيَامُ الْمِلْكِ وَالْحَقِّ أَوْلَى. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا بِالتَّرِكَةِ فَمِلْكُ الْمَيِّتِ وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ - وَهُوَ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ - ثَابِتٌ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ مِنْ التَّرِكَةِ عَلَى الشُّيُوعِ، فَيَمْنَعُ جَوَازَ الْقِسْمَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ آخَرُ سِوَاهُ يُجْعَلُ الدَّيْنُ فِيهِ، وَتَمْضِي الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تُصَانُ عَنْ النَّقْضِ مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ صِيَانَتُهَا بِجَعْلِ الدَّيْنِ فِيهِ، وَكَذَا الْوَرَثَةُ إذَا قَضَوْا الدَّيْنَ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ لَا تُنْقَضُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِصُورَةِ التَّرِكَةِ، وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ بِمَعْنَاهَا وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، فَإِذَا قَضَوْا الدَّيْنَ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ فَقَدْ اسْتَخْلَصُوا التَّرِكَةَ لِأَنْفُسِهِمْ صُورَةً وَمَعْنًى، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ اقْتَسَمُوا مَالَ أَنْفُسِهِمْ صُورَةً وَمَعْنًى، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً فَلَا تُنْقَضُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ مِنْ دُيُونِهِمْ لَا تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ لِحَقِّهِمْ وَقَدْ أَسْقَطُوهُ بِالْإِبْرَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ لِبَعْضِ الْمُقْتَسِمِينَ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ، بِأَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ؛ لِمَا قُلْنَا، وَلَا تَكُونُ قِسْمَتُهُ إبْرَاءً مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَى التَّرِكَةِ وَهُوَ مَالِيَّتُهَا لَا بِالصُّورَةِ، وَلِهَذَا كَانَ لِلْوَرَثَةِ حَقُّ الِاسْتِخْلَاصِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ إقْدَامُهُ عَلَى الْقِسْمَةِ إقْرَارًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ فَلَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا فِي دَعْوَاهُ فَسُمِعَتْ. (وَمِنْهَا) ظُهُورُ الْوَصِيَّةِ حَتَّى لَوْ اقْتَسَمُوا ثُمَّ ظَهَرَ ثَمَّ مُوصًى لَهُ بِالثُّلُثِ؛ نُقِضَتْ قِسْمَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِنْ التَّرِكَةِ شَيْءٌ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يُهْلَكُ مِنْ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ جَمِيعًا، وَالْبَاقِي عَلَى الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ اقْتَسَمُوا وَثَمَّةَ وَارِثٌ آخَرُ غَائِبٌ تُنْقَضُ، فَكَذَا هَذَا، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِالتَّرَاضِي، فَإِنْ كَانَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا تُنْقَضُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ وَإِنْ كَانَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَسَمَ عِنْدَ غَيْبَةِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ لَا تُنْقَضُ قِسْمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي إذَا صَادَفَ مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ يَنْفُذُ وَلَا يُنْقَضُ. (وَمِنْهَا) ظُهُورُ الْوَارِثِ حَتَّى لَوْ اقْتَسَمُوا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ ثَمَّةَ وَارِثٌ آخَرُ؛ نُقِضَتْ قِسْمَتُهُمْ، وَلَوْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا تُنْقَضُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ ادَّعَى وَارِثٌ وَصِيَّةً لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ، حَتَّى لَا تُسْمَعَ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ؛ لِكَوْنِهِ مُنَاقِضًا فِي الدَّعْوَى إذْ لَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُمْ الْمِيرَاثَ وَثَمَّ مُوصًى لَهُ، فَكَانَ إقْدَامُهُ عَلَى الْقِسْمَةِ إقْرَارًا مِنْهُ بِانْعِدَامِ الْوَصِيَّةِ، فَكَانَ دَعْوَى وُجُودِ الْوَصِيَّةِ مُنَاقِضَةً فَلَا تُسْمَعُ، وَلَكِنْ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الصَّغِيرِ بِقِسْمَةِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَنَّ أَخًا لَهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَرِثَ أَبَاهُ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ وَوَرِثَهُ هَذَا الْمُدَّعِي، وَجَحَدَ الْبَاقُونَ ذَلِكَ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ هُنَا قُضِيَ فِي دَعْوَاهُ؛ لِدَلَالَةِ إقْرَارِهِ بِانْعِدَامِ وَارِثٍ آخَرَ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مِيرَاثٍ يَدَّعِيهِ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؛ لِلتَّنَاقُضِ بِدَلَالَةِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِبَيْتٍ مِنْهَا لِرَجُلٍ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ لَمْ يُوجِبْ تَعَلُّقَ الْحَقِّ بِالْعَيْنِ لِحَقِّ الشَّرِيكِ الْآخَرِ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ

стр. 1762

لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْقِسْمَةِ فَتُقْسَمُ الدَّارُ وَيُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَمَتَى قُسِمَتْ فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْتُ الْمُقَرُّ بِهِ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ دَفَعَهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَدْ صَحَّ وَتَسْلِيمُ عَيْنِ الْمُقَرِّ بِهِ مُمْكِنٌ، فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ يَدْفَعُ إلَيْهِ قَدْرَ ذَرْعِ الْمُقَرِّ بِهِ مِنْ نَصِيبِ نَفْسِهِ، فَيَقْسِمُ مَا أَصَابَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ، فَيَضْرِبُ الْمُقَرُّ لَهُ بِذَرْعِ الْبَيْتِ وَيَضْرِبُ الْمُقِرُّ بِنِصْفِ ذَرْعِ الدَّارِ بَعْدَ الْبَيْتِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ - وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يَضْرِبُ الْمُقِرُّ بِنِصْفِ ذَرْعِ الدَّارِ كَمَا قَالَا، وَلَكِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَضْرِبُ بِنِصْفِ ذَرْعِ الْبَيْتِ لَا بِكُلِّهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ ذَرْعُ الدَّارِ مِائَةً، وَذَرْعُ الْبَيْتِ عَشَرَةً، فَتُقْسَمُ الدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ جَمِيعُ ذَرْعِ الْبَيْتِ وَالْبَاقِي - وَهُوَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ - لِلْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ نِصْفُ ذَرْعِ الدَّارِ بَعْدَ ذَرْعِ الْبَيْتِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، إذْ هُوَ نِصْفُ ذَرْعِ الْبَيْتِ الْمُقَرِّ بِهِ. (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْإِقْرَارَ صَادَفَ مَحِلًّا مُعَيَّنًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْأَيْنِ مِنْ الدَّارِ أَحَدُهُمَا لَهُ، وَالْآخَرُ لِصَاحِبِهِ عَلَى الشُّيُوعِ فَيَبْطُلُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَيَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ لِلْمُقَرِّ لَهُ نِصْفُ ذَرْعِ الْبَيْتِ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمُشْتَرَكِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْقِسْمَةِ، وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ لَمَنَعَ، فَإِذَا قُسِمَتْ الدَّارُ الْآنَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فَإِنْ وَقَعَ الْمُقَرُّ بِهِ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِ الْعَيْنِ وَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَقَدْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ عَيْنِهِ فَيُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ بَدَلِهِ مِنْ نَصِيبِهِ، وَهُوَ تَمَامُ ذَرْعِ الْمُقَرِّ بِهِ، هَذَا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ شَيْئًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، كَبَيْتٍ مِنْ حَمَّامٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَقَرَّ أَنَّهُ لِرَجُلٍ وَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَتِهِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْإِضْرَارِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْجَبْرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَلْزَمُهُ نِصْفُ قِيمَةِ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ وَالْإِقْرَارُ بِعَيْنٍ مَعْجُوزِ التَّسْلِيمِ يَكُونُ إقْرَارًا بِبَدَلِهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ، وَصِيَانَةً لِحَقِّ الْغَيْرِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، كَالْإِقْرَارِ بِجِذْعٍ فِي الدَّارِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ] [أَنْوَاع الْمُهَايَئَات وَمَا يَجُوز مِنْهَا وَمَا لَا يَجُوز] (فَصْلٌ) : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قِسْمَةُ الْأَعْيَانِ. (وَأَمَّا) قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ فَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْمُهَايَئَاتِ، وَالْكَلَامُ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْمُهَايَئَاتِ وَمَا يَجُوزُ مِنْهَا وَمَا لَا يَجُوزُ، وَفِي بَيَانِ مَحِلِّ الْمُهَايَئَاتِ وَفِي بَيَانِ صِفَةِ الْمُهَايَئَاتِ وَفِي بَيَانِ مَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمُهَايَئَاتِ وَمَا لَا يَمْلِكُ. (أَمَّا) الْأَوَّلُ فَالْمُهَايَئَاتُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْمَكَانِ وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الزَّمَانِ. (أَمَّا) النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنْ يَتَهَايَآ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً مِنْهَا يَسْكُنُهَا وَأَنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُهَايَئَاتِ قِسْمَةٌ فَتُعْتَبَرُ بِقِسْمَةِ الْعَيْنِ، وَقِسْمَةُ الْعَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزَةٌ فَكَذَا قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ، وَكَذَا لَوْ تَهَايَئَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا السُّفْلَ وَالْآخَرُ الْعُلْوَ جَازَ ذَلِكَ؛ لِمَا قُلْنَا، وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْمُدَّةِ فِي هَذَا النَّوْعِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَنَافِعِ لَيْسَتْ بِمُبَادَلَةِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ مُبَادَلَةَ الْمَنْفَعَةِ بِجِنْسِهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَنَا، كَإِجَازَةِ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ بِالْخِدْمَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَهَايَئَا فِي دَارَيْنِ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارًا يَسْكُنُهَا أَوْ يَسْتَغِلُّهَا فَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ (أَمَّا) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَلَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْجَمْعِ فِي عَيْنِ الدُّورِ جَائِزَةٌ، فَكَذَا فِي الْمَنَافِعِ. (وَأَمَّا) أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَيْنِ وَبَيْنَ الْمَنْفَعَةِ. (وَجْهُ) الْفَرْقِ لَهُ أَنَّ الدُّورَ فِي حُكْمِ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِتَفَاحُشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ دَارٍ وَدَارٍ فِي نَفْسِهَا وَبِنَائِهَا وَمَوْضِعِهَا، وَلَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الْجَمْعِ فِي جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ. (وَأَمَّا) التَّفَاوُتُ فِي الْمَنَافِعِ فَقَلَّ مَا يَتَفَاحَشُ بَلْ يَتَقَارَبُ، فَلَمْ تَلْتَحِقُ مَنَافِعُ الدَّارَيْنِ بِالْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فَجَازَتْ الْقِسْمَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَهَايَئَا فِي عَبْدَيْنِ عَلَى الْخِدْمَةِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ. (أَمَّا) عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ قِسْمَةَ الْجَمْعِ فِي أَعْيَانِ الرَّقِيقِ جَائِزَةٌ، وَكَذَا فِي مَنَافِعِهَا. (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّارَيْنِ وَلَوْ تَهَايَئَا فِي عَبْدَيْنِ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا يَخْدُمُهُ وَشَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ طَعَامَ الْعَبْدِ الَّذِي يَخْدُمُهُ؛ جَازَ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ. (وَوَجْهُهُ) أَنَّ طَعَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ، فَاشْتِرَاطُ كُلِّ الطَّعَامِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ يَخْرُجُ مَخْرَجَ مُعَاوَضَةِ بَعْضِ الطَّعَامِ بِالْبَعْضِ، وَإِنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لِلْجَهَالَةِ. (وَوَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْجَهَالَةِ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الطَّعَامِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ دُونَ الْمُضَايِقَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ كِسْوَةَ

стр. 1763

الْعَبْدِ الَّذِي يَخْدُمُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي الْكِسْوَةِ مِنْ الْمُضَايِقَةِ مَا لَا يَجْرِي فِي الطَّعَامِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، فَكَانَتْ الْجَهَالَةُ فِي الْكِسْوَةِ مُفْضِيَةً إلَى الْمُنَازَعَةِ، مَعَ مَا إنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْكِسْوَةِ تَتَفَاحَشُ بِخِلَافِ الطَّعَامِ؛ لِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (وَأَمَّا) التَّهَايُؤُ فِي الدَّوَابِّ بِأَنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا وَالْآخَرُ دَابَّةً أُخْرَى مِنْ جِنْسِهَا يَسْتَغِلُّهَا، وَشَرَطَ الِاسْتِغْلَالَ فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا جَائِزٌ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْجَمْعِ فِي أَعْيَانِ الدَّوَابِّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ جَائِزَةٌ، فَكَذَا قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْفَعَةِ وَبَيْنَ الْمَنْفَعَةِ أَنَّهُ جَوَّزَ قِسْمَةَ الْجَمْعِ فِي أَعْيَانِهَا وَلَمْ يُجَوِّزْ فِي مَنَافِعِهَا. (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّهَا بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَكِنَّهَا فِي مَنْفَعَةِ الرُّكُوبِ فِي حُكْمِ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا لَمْ يَمْلِكْ أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِلرُّكُوبِ، وَلَوْ فَعَلَ لَضَمِنَ، فَأَشْبَهَ اخْتِلَافُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ اخْتِلَافَ جِنْسِ الْعَيْنِ، وَاخْتِلَافُ جِنْسِ الْعَيْنِ عِنْدَهُ مَانِعٌ جَوَازَ قِسْمَةِ الْجَمْعِ، كَذَا فِي الْمَنْفَعَةِ، بِخِلَافِ الْمُهَايَئَاتِ فِي الدَّارَيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَنَافِعَ مُتَقَارِبَةٌ غَيْرُ مُتَفَاحِشَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ فِيهَا يَمْلِكُ الْإِجَارَةَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ فَجَازَتْ الْمُهَايَئَاتُ. (وَأَمَّا) النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُهَايَئَاتُ بِالزَّمَانِ فَهُوَ أَنْ يَتَهَايَآ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ هَذَا يَوْمًا، وَهَذَا يَوْمًا، أَوْ فِي عَبْدٍ وَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَخْدُمَ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، وَهَذَا جَائِزٌ؛ لِقَوْلِهِ ﵎ ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أَخْبَرَ عَنْ نَبِيِّهِ سَيِّدِنَا صَالِحٍ ﵊ الْمُهَايَئَاتُ فِي الشِّرْبِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ ، وَالْحَكِيمُ إذَا حَكَى عَنْ مُنْكَرٍ غَيَّرَهُ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْمُهَايَئَاتِ بِالزَّمَانِ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَثَبَتَ جَوَازُ النَّوْعِ الْآخَرِ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهَا أَشْبَهُ بِالْمُقَاسَمَةِ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ؛ وَلِأَنَّ جَوَازَ الْمُهَايَئَاتِ بِالزَّمَانِ لِمَكَانِ حَاجَاتِ النَّاسِ، وَحَاجَتُهُمْ إلَى الْمُهَايَئَاتِ بِالْمَكَانِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ كُلَّهَا فِي احْتِمَالِ الْمُهَايَئَاتِ بِالزَّمَانِ شَرْعٌ، سَوَاءٌ مِنْ الْأَعْيَانِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْمُهَايَئَاتِ بِالْمَكَانِ كَالْعَبْدِ وَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَمَّا جَازَتْ تِلْكَ فَلَأَنْ تَجُوزَ هَذِهِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي مَحِلِّ الْمُهَايَئَاتِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ مَحِلِّ الْمُهَايَئَاتِ فَنَقُولُ - وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: إنَّ مَحِلَّهَا الْمَنَافِعُ دُونَ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةُ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَكَانَ مَحِلُّهَا الْمَنْفَعَةَ دُونَ الْعَيْنِ، حَتَّى أَنَّهُمَا لَوْ تَهَايَئَا فِي نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً يَسْتَثْمِرُهَا؛ لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ إذَا تَهَايَئَا فِي الْغَنَمِ الْمُشْتَرَكَةِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَطِيعًا وَيَنْتَفِعُ بِأَلْبَانِهَا - لَا يَجُوزُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا عَقْدُ قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ، وَالثَّمَرُ وَاللَّبَنُ عَيْنُ مَالٍ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ عَقْدِ الْمُهَايَئَاتِ، وَلَوْ تَهَايَئَا فِي الْأَرَاضِي الْمُشْتَرَكَةِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا وَيَذْرَعُ - جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ، وَهُوَ مَعْنَى الْمُهَايَئَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْمُهَايَئَاتِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا صِفَةُ الْمُهَايَئَاتِ فَهِيَ أَنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ، حَتَّى لَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْعَيْنِ بَعْدَ الْمُهَايَئَاتِ قَسَمَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، وَفَسَخَ الْمُهَايَئَاتِ؛ لِأَنَّهَا كَالْخُلْفِ عَنْ قِسْمَةِ الْعَيْنِ، وَقِسْمَةُ الْعَيْنِ كَالْأَصْلِ فِيمَا شُرِعَتْ لَهُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ شُرِعَتْ لِتَكْمِيلِ مَنَافِعِ الْمِلْكِ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي قِسْمَةِ الْعَيْنِ أَكْمَلُ؛ وَلِهَذَا لَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ قَبْلَ الْمُهَايَئَاتِ؛ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْقِسْمَةِ؛ فَكَانَ عَقْدًا جَائِزًا فَاحْتَمَلَ الْفَسْخَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، وَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَطَلَتْ لَأَعَادَهَا الْقَاضِي لِلْحَالِ ثَانِيًا فَلَا يُفِيدُ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمُهَايَئَاتِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمُهَايَئَاتِ، أَمَّا فِي الْمُهَايَئَاتِ بِالْمَكَانِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَغِلَّ مَا أَصَابَهُ بِالْمُهَايَئَاتِ سَوَاءٌ شَرَطَ الِاسْتِغْلَالَ فِي الْعَقْدِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ تَهَايَئَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ أَوْ دَارَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَ الْمُهَايَئَاتِ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا أَخَذَهُ، فَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالتَّمْلِيكِ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُهَايَئَاتِ فِي هَذَا النَّوْعِ لَيْسَتْ بِإِعَارَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تُؤَاجَرُ. (وَأَمَّا) الْمُهَايَئَاتُ بِالزَّمَانِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسْكِنَ أَوْ يَسْتَخْدِمَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَقْتِ مِنْ الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُهَايَأَةِ بِالْمَكَانِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةَ السُّكْنَى وَالِاسْتِغْلَالِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْوَقْتِ لِتَصِيرَ الْمَنَافِعُ مَعْلُومَةً، وَالْمُهَايَئَاتُ بِالْمَكَانِ قِسْمَةُ مَنَافِعَ مَقْدِرَةٍ مَجْمُوعَةٍ بِالْمَكَانِ، وَمَكَانُ الْمَنْفَعَةِ مَعْلُومٌ، فَصَارَتْ الْمَنَافِعُ مَعْلُومَةً بِالْعِلْمِ بِمَكَانِهَا، فَجَازَتْ الْمُهَايَأَةُ. وَأَمَّا الْمُهَايَأَةُ بِالزَّمَانِ فَقِسْمَةٌ مُقَدَّرَةٌ

стр. 1764

بِالزَّمَانِ، فَلَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً إلَّا بِذِكْرِ زَمَانٍ مَعْلُومٍ فَهُوَ الْفَرْقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَلْ يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِغْلَالَ فِي نَوْبَتِهِ؟ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطَا - لَمْ يَمْلِكْ، فَأَمَّا إذَا شَرَطَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمُهَايَأَةِ فِي مَعْنَى الْإِعَارَةِ، وَالْعَارِيَّةُ لَا تُؤْجَرُ وَذَكَرَ الْأَصْلُ: أَنَّ التَّهَايُؤَ فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ عَلَى السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ جَائِزَةٌ. (مِنْهُمْ) مَنْ قَالَ: الْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ لَيْسَ بِمُهَايَئَاتٍ حَقِيقَةً؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ أَضَافَ التَّهَايُؤَ إلَى الْغَلَّةِ دُونَ الِاسْتِغْلَالِ، وَالْغَلَّةُ لَا تَحْتَمِلُ التَّهَايُؤَ حَقِيقَةً إذْ هِيَ عَيْنٌ، وَالتَّهَايُؤُ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ دُونَ الْأَعْيَانِ. وَالثَّانِي - أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ غَلَّةَ الدَّارِ إذَا وَصَلَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا شَارَكَهُ فِيهِ صَاحِبُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ حُكْمُ جَوَازِ الْمُهَايَئَاتِ، وَكَمَا أَنَّ الْمُهَايَأَةَ بِالْمَكَانِ فِي الدَّارَيْنِ إذَا تَهَايَئَا أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَخْذُهُ، يَسْتَغِلُّهَا فَاسْتَغَلَّهَا فَفَضَلَ مِنْ الْغَلَّةِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَنَّ الْفَاضِلَ يَكُونُ لَهُ خَاصَّةً، وَيَكُونُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ مَحْمُولًا عَلَى مَا إذَا اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ هَذَا غَلَّةَ شَهْرٍ وَذَلِكَ غَلَّةَ شَهْرٍ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ مُهَايَأَةً مَجَازًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُهَايَأَةً حَقِيقَةً فِي هَذِهِ الصُّورَةِ - يَكُونُ فَضْلُ الْغَلَّةِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِ جَوَازِ الِاسْتِغْلَالِ، إذْ الْغَلَّةُ يَجُوزُ أَنْ تُذْكَرَ بِمَعْنَى الِاسْتِغْلَالِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ قَامَ دَلِيلُ إرَادَةِ الِاسْتِغْلَالِ هَهُنَا - وَهُوَ قَرِينَةُ التَّهَايُؤِ - إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ دُونَ الْغَلَّةِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ مَالِهِ، وَكَذَا التَّهَايُؤُ يَكُونُ عَلَى شَيْءٍ هُوَ مَقْدُورُ التَّهَايُؤِ وَهُوَ فِعْلُ الِاسْتِغْلَالِ دُونَ عَيْنِ الْغَلَّةِ؛ وَلِهَذَا قَرَنَ بِهَا السُّكْنَى الَّذِي هُوَ فِعْلُ السَّاكِنِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: مَا فَضَلَ مِنْ الْغَلَّةِ فِي يَدِهِ يُشَارِكُهُ فِيهِ صَاحِبُهُ، مَحْمُولًا عَلَى مَا إذَا تَهَايَئَا بِشَرْطِ الِاسْتِغْلَالِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَلَّةَ شَهْرٍ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ فَضْلُ الْغَلَّةِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الدَّارَيْنِ. فَعَلَى هَذَا ثَبَتَ اخْتِلَافُ رِوَايَتَيْ الْحَاكِمِ وَأَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيِّ - عَلَيْهِمْ الرَّحْمَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْحُدُودِ] جَمَعَ مُحَمَّدٌ ﵀ بَيْنَ مَسَائِلِ الْحُدُودِ وَبَيْنَ مَسَائِلِ التَّعْزِيرِ، وَبَدَأَ بِمَسَائِلِ الْحُدُودِ، فَبَدَأَ بِمَا بَدَأَ بِهِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْكَلَامُ فِي الْحُدُودِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْحَدِّ لُغَةً وَشَرْعًا، وَفِي بَيَانِ أَسْبَابِ وُجُوبِ الْحُدُودِ وَشَرَائِطِ وُجُوبِهَا، وَفِي بَيَانِ مَا يَظْهَرُ بِهِ وُجُوبُهَا عِنْدَ الْقَاضِي، وَفِي بَيَانِ صِفَاتِهَا، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِ إقَامَتِهَا، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ إقَامَتِهَا وَمَوْضِعِ الْإِقَامَةِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهَا إذَا اجْتَمَعَتْ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْمَحْدُودِ. (أَمَّا) الْأَوَّلُ: الْحَدُّ فِي اللُّغَةِ: عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا؛ لِمَنْعِهِ النَّاسَ عَنْ الدُّخُولِ، وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ عُقُوبَةٍ مُقَدَّرَةٍ وَاجِبَةٍ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى - عَزَّ شَأْنُهُ - بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، قَدْ يَكُونُ بِالضَّرْبِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْحَبْسِ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِمَا، وَبِخِلَافِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عُقُوبَةً مُقَدَّرَةً لَكِنَّهُ يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ، حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الْعَفْوُ وَالصُّلْحُ، سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعُقُوبَةِ حَدًّا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتْلِفًا وَغَيْرَهُ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَيَمْنَعُ مَنْ يُشَاهِدُ ذَلِكَ وَيُعَايِنُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتْلِفًا؛ لِأَنَّهُ يَتَصَوَّرُ حُلُولَ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ بِنَفْسِهِ؛ لَوْ بَاشَرَ تِلْكَ الْجِنَايَةَ فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي بَيَانُ أَسْبَابِ وُجُوب الْحُدُود] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ أَسْبَابِ وُجُوبِهَا فَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ كُلِّ نَوْعٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّوْعِ، فَنَقُولُ: الْحُدُودُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: حَدُّ السَّرِقَةِ، وَحَدُّ الزِّنَا، وَحَدُّ الشُّرْبِ، وَحَدُّ السُّكْرِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ. (أَمَّا) حَدُّ السَّرِقَةِ: فَسَبَبُ وُجُوبِهِ السَّرِقَةُ، وَسَنَذْكُرُ رُكْنَ السَّرِقَةِ وَشَرَائِطَ الرُّكْنِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ. (وَأَمَّا) حَدُّ الزِّنَا فَنَوْعَانِ: جَلْدٌ، وَرَجْمٌ، وَسَبَبُ وُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الزِّنَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الشَّرْطِ، وَهُوَ الْإِحْصَانُ، فَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْجَلْدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الزِّنَا وَالْإِحْصَانِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، أَمَّا الزِّنَا: فَهُوَ اسْمٌ لِلْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ الْحَيَّةِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ الْعَدْلِ، مِمَّنْ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ الْعَارِي عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَعَنْ شُبْهَتِهِ، وَعَنْ حَقِّ الْمِلْكِ وَعَنْ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ وَشُبْهَتِهِ، وَعَنْ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ فِي الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ

стр. 1765

جَمِيعًا. وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ الشُّبْهَةِ فِي هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مُتَكَامِلَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مُتَكَامِلَةً، وَالْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ لَا يَتَكَامَلُ جِنَايَةً؛ إلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ كُلِّهَا إذَا عُرِفَ الزِّنَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فَنُخَرِّجُ عَلَيْهِ بَعْضَ الْمَسَائِلِ فَنَقُولُ: الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ، فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ مِنْهُمَا زِنًا، فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا طَاوَعَتْهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ ﵃، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵃: عَلَيْهَا الْحَدُّ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَاقِلَ الْبَالِغَ إذَا زَنَى بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، لَهُمَا أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ وُقُوعِ الْفِعْلِ زِنًا خَصَّ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ فَيَخْتَصُّ بِهِ الْمَنْعُ، كَالْعَاقِلِ الْبَالِغِ إذَا زَنَى بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا؛ لِمَا قُلْنَا. كَذَا هَذَا. (وَلَنَا) أَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي بَابِ الزِّنَا لَيْسَ لِكَوْنِهَا زَانِيَةً؛ لِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهَا وَهُوَ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاطِئَةٍ، وَتَسْمِيَتُهَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ زَانِيَةً مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا؛ لِكَوْنِهَا مَزْنِيًّا بِهَا، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَيْسَ بِزِنًا فَلَا تَكُونُ هِيَ مَزْنِيًّا بِهَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَفِعْلُ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ فَكَانَتْ الصَّبِيَّةُ أَوْ الْمَجْنُونَةُ مَزْنِيًّا بِهَا، إلَّا أَنَّ الْحَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْأَهْلِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ فَيَجِبُ، وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ فِي الْأُنْثَى أَوْ الذَّكَرِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا؛ لِعَدَمِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ فَلَمْ يَكُنْ زِنًا، وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيُّ يُوجِبُ الْحَدَّ - وَهُوَ الرَّجْمُ - إنْ كَانَ مُحْصَنًا وَالْجَلْدُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ لَا لِأَنَّهُ زِنًا؛ بَلْ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الزِّنَا؛ لِمُشَارَكَةِ الزِّنَا فِي الْمَعْنَى الْمُسْتَدْعِي لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَهُوَ الْوَطْءُ الْحَرَامُ عَلَى وَجْهِ التَّمَحُّضِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الزِّنَا، فَوُرُودُ النَّصِّ بِإِيجَابِ الْحَدِّ هُنَاكَ يَكُونُ وُرُودًا هَهُنَا دَلَالَةً. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللِّوَاطَةُ لَيْسَتْ بِزِنًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الزِّنَا اسْمٌ لِلْوَطْءِ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ: لَاطَ وَمَا زَنَى، وَزَنَى وَمَا لَاطَ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ لُوطِيٌّ وَفُلَانٌ زَانِي، فَكَذَا يَخْتَلِفَانِ اسْمًا، وَاخْتِلَافُ الْأَسَامِي دَلِيلُ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي فِي الْأَصْلِ؛ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ﵃ فِي حَدِّ هَذَا الْفِعْلِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا زِنًا - لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِهِمْ مَعْنًى؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الزِّنَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُمْ بِالنَّصِّ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا وَلَا فِي مَعْنَى الزِّنَا أَيْضًا؛ لِمَا فِي الزِّنَا مِنْ اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ وَتَضْيِيعِ الْوَلَدِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْفِعْلِ، إنَّمَا فِيهِ تَضْيِيعُ الْمَاءِ الْمَهِينِ الَّذِي يُبَاحُ مِثْلُهُ بِالْعَزْلِ، وَكَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فِيمَا شُرِعَ لَهُ الْحَدُّ وَهُوَ الزَّجْرُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى شَرْعِ الزَّاجِرِ فِيمَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ وَلَا يَغْلِبُ وُجُودُ هَذَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِ شَخْصَيْنِ، وَلَا اخْتِيَارَ إلَّا لِدَاعٍ يَدْعُو إلَيْهِ، وَلَا دَاعِي فِي جَانِبِ الْمَحِلِّ أَصْلًا، وَفِي الزِّنَا وُجِدَ الدَّاعِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا - وَهُوَ الشَّهْوَةُ الْمُرَكَّبَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا - فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الزِّنَا - فَوُرُودُ النَّصِّ هُنَاكَ لَيْسَ وُرُودًا هَهُنَا، وَكَذَا اخْتِلَافُ اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ ﵃ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ بِهَذَا الْفِعْلِ هُوَ التَّعْزِيرُ؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ التَّعْزِيرَ هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ الِاخْتِلَافَ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ لَا الْحَدِّ. وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي الْحَدِّ بَلْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ، وَلِلِاجْتِهَادِ مَجَالٌ فِي التَّعْزِيرِ. وَكَذَا وَطْءُ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لِعَدَمِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ الْحَيَّةِ. وَكَذَا وَطْءُ الْبَهِيمَةِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا؛ لِانْعِدَامِ الْوَطْءِ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ فَلَمْ يَكُنْ زِنًا، ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْبَهِيمَةُ مِلْكَ الْوَاطِئِ قِيلَ: إنَّهَا تُذْبَحُ وَلَا تُؤْكَلُ، وَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا ﵏ لَكِنْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ وَاطِئَ الْبَهِيمَةِ، وَأَمَرَ بِالْبَهِيمَةِ حَتَّى أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ. وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ عَنْ إكْرَاهٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ. وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي دَارِ الْبَغْيِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، حَتَّى إنَّ مَنْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْبَغْيِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ؛ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ فَلَا يُسْتَوْفَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ أَوْ، ذِمِّيٌّ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ لَا حَدَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَالْحَرْبِيَّةِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَدَّانِ. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ مُدَّةَ إقَامَتِهِ فِيهَا فَصَارَ كَالذِّمِّيِّ؛ وَلِهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ كَمَا يُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ دَارَ الْإِسْلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِقَامَةِ وَالتَّوَطُّنِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْعَارِيَّةِ؛ لِيُعَامِلَنَا وَنُعَامِلَهُ، ثُمَّ يَعُودَ فَلَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ دَارَ الْإِسْلَامِ دَلَالَةَ الْتِزَامِهِ حَقَّ اللَّهِ خَالِصًا، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ الْأَمَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ

стр. 1766

الْتَزَمَ أَمَانَهُمْ عَنْ الْإِيذَاءِ بِنَفْسِهِ وَظَهَرَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ، ثُمَّ يُحَدُّ الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يُحَدُّ، وَيُحَدُّ الذِّمِّيُّ بِلَا خِلَافٍ. (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْأَصْلَ فِعْلُ الرَّجُلِ، وَفِعْلُهَا يَقَعُ تَبَعًا فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصْلِ لَا يَجِبْ عَلَى التَّبَعِ كَالْمُطَاوَعَةِ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ فِعْلَ الْحَرْبِيِّ حَرَامٌ مَحْضٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤَاخَذُ فَكَانَ زِنًا فَكَانَتْ هِيَ مَزْنِيًّا بِهَا، إلَّا أَنَّ الْحَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّجُلِ؛ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَنَا، وَهَذَا أَمْرٌ يَخُصُّهُ، وَيُحَدُّ الذِّمِّيُّ؛ لِأَنَّهُ بِالذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا إلَّا فِي قَدْرِ مَا وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا. وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّائِمَةِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَاَلَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ آلَى مِنْهَا؛ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا؛ لِقِيَامِ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ فَلَمْ يَكُنْ زِنًا. وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُحْرِمَةِ بِرَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ أَوْ جَمْعٍ؛ لِقِيَامِ الْمِلْكِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا وَعُلِمَ بِالْحُرْمَةِ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِنْ عُلِمَ بِالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِ ابْنِهِ شُبْهَةَ الْمِلْكِ - وَهُوَ الْمِلْكُ مِنْ وَجْهٍ - أَوْ حَقُّ الْمِلْكِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَظَاهِرُ إضَافَةِ مَالِ الِابْنِ إلَى الْأَبِ بِحَرْفِ اللَّامِ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، فَلَئِنْ تَقَاعَدَ عَنْ إفَادَةِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَتَقَاعَدُ عَلَى إيرَاثِ الشُّبْهَةِ أَوْ حَقِّ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ جَارِيَةِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عِنْدَنَا عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فَكَانَ مَمْلُوكُ الْمَوْلَى رَقَبَةً، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي مِلْكَ الْكَسْبِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مُقْتَضَاهُ حَقِيقَةً فَلَا أَقَلَّ مِنْ الشُّبْهَةِ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ جَارِيَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْمَوْلَى، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ رَقَبَةَ الْمَأْذُونِ مِلْكُ الْمَوْلَى وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي مِلْكَ الْكَسْبِ كَمَا فِي جَارِيَةِ الْمُكَاتَبِ وَبَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمَأْذُونِ أَقْرَبُ إلَى الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ الْمُكَاتَبِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ هُنَاكَ فَهَهُنَا أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ - وَاخْتِلَافُهُمْ يُورِثُ شُبْهَةً - فَأَشْبَهَ وَطْئًا حَصَلَ فِي نِكَاحٍ وَهُوَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ، وَذَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَذَا هَذَا. وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْجَدِّ - أَبَ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا - عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ وَطْءِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَادًا فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ الْغَانِمِينَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ قَبْلَهُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ وَطْأَهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ لِثُبُوتِ الْحَقِّ لَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ؛ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الثُّبُوتِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ فَيُورِثُ شُبْهَةً، وَلَوْ جَاءَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ فِي الْمَحِلِّ، أَمَّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ مِنْ وَجْهٍ، وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، بَلْ الْمَوْجُودُ حَقٌّ عَامٌّ، وَأَنَّهُ يَكْفِي لِسُقُوطِ الْحَدِّ وَلَا يَكْفِي لِثُبُوتِ النَّسَبِ. وَكَذَلِكَ وَطْءُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عِنْدَ مَنْ لَا يُجِيزُهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ النِّكَاحُ بِدُونِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ، فَاخْتِلَافُهُمْ يُورِثُ شُبْهَةً، وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةَ الْغَيْرِ أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ أَوْ أَمَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا، أَوْ الْعَبْدُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَوَطِئَهَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِوُجُودِ لَفْظِ النِّكَاحِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحِلِّ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ شُبْهَةً. وَكَذَلِكَ إذَا نَكَحَ مَحَارِمَهُ أَوْ الْخَامِسَةَ أَوْ أُخْتَ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا - لَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ عَلِمَ بِالْحُرْمَةِ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّ النِّكَاحَ إذَا وُجِدَ مِنْ الْأَهْلِ مُضَافًا إلَى مَحِلٍّ قَابِلٍ لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ - يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ، سَوَاءٌ كَانَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّحْرِيمُ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ ظَنَّ الْحِلَّ فَادَّعَى الِاشْتِبَاهَ أَوْ عَلِمَ بِالْحُرْمَةِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمَا أَنَّ النِّكَاحَ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ كَانَ تَحْرِيمُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ يَجِبُ الْحَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ كَانَ تَحْرِيمُهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمْ أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ أُضِيفَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ فَيَلْغُو، وَدَلِيلُ عَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ أَنَّ مَحِلَّ النِّكَاحِ هِيَ الْمَرْأَةُ الْمُحَلَّلَةُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَالْمَحَارِمُ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ إلَّا أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ، وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ. لِي سَقَطَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ صِيغَةَ لَفْظِ النِّكَاحِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحِلِّ دَلِيلُ الْحِلِّ فَاعْتُبِرَ هَذَا الظَّنُّ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا حَقِيقَةً إسْقَاطًا لِمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَإِذَا لَمْ يَدَّعِ خَلَا الْوَطْءَ عَنْ الشُّبْهَةِ فَيَجِبُ الْحَدُّ. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ لَفْظَ النِّكَاحِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحِلِّهِ فَيَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ، كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَنِكَاحِ

стр. 1767

الْمُتْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ فِي وُجُودِ لَفْظِ النِّكَاحِ وَالْأَهْلِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَحَلِّيَّةِ - أَنَّ مَحِلَّ النِّكَاحِ هُوَ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ سَيِّدِنَا آدَمَ ﵊ النُّصُوصُ وَالْمَعْقُولُ، أَمَّا النُّصُوصُ، فَقَوْلُهُ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥] جَعَلَ اللَّهُ النِّسَاءَ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ مَحِلَّ النِّكَاحِ وَالزَّوْجِيَّةِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ؛ فَلِأَنَّ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ سَيِّدِنَا آدَمَ ﵊ مَحِلٌّ صَالِحٌ لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ مِنْ السُّكْنَى وَالْوَلَدِ وَالتَّحْصِينِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَتْ مَحِلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ التَّصَرُّفِ وَسِيلَةٌ إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّصَرُّفِ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَحِلَّ الْمَقْصُودِ مَحِلَّ الْوَسِيلَةِ لَمْ يَثْبُتْ مَعْنَى التَّوَسُّلِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَخْرَجَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحِلًّا لِلنِّكَاحِ شَرْعًا مَعَ قِيَامِ الْمَحَلِّيَّةِ حَقِيقَةً، فَقِيَامُ صُورَةِ الْعَقْدِ وَالْمَحَلِّيَّةِ يُورِثُ شُبْهَةً، إذْ الشُّبْهَةُ اسْمٌ لِمَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، أَوْ نَقُولُ: وُجِدَ رُكْنُ النِّكَاحِ وَالْأَهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، إلَّا أَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ الصِّحَّةِ فَكَانَ نِكَاحًا فَاسِدًا، وَالْوَطْءُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَكُونُ زِنًا بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّلَ فَيُقَالُ: هَذَا الْوَطْءُ لَيْسَ بِزِنًا. فَلَا يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَا قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ. وَلَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ فَإِنْ ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ بِأَنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ تَحِلُّ لِي. لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ - يَجِبُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ، وَأَنَّهَا تُعْتَبَرُ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: فِي جَارِيَةِ الْأَبِ وَجَارِيَةِ الْأُمِّ وَجَارِيَةِ الْمَنْكُوحَةِ وَجَارِيَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا - مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ - وَأُمِّ الْوَلَدِ - مَا دَامَتْ تَعْتَدُّ مِنْهُ - وَالْعَبْدُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ وَالْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إذَا وَطِئَهَا الْمُرْتَهِنُ، فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ، وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْحُدُودِ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يُعْتَبَرُ ظَنُّهُ، أَمَّا إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ زَوْجَتِهِ؛ فَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَنْبَسِطُ فِي مَالِ أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَحِشْمَةٍ عَادَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَخْدِمُ جَارِيَةَ أَبَوَيْهِ وَمَنْكُوحَتِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ؛ فَظَنَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ مُطْلَقٌ لَهُ شَرْعًا أَيْضًا، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا ظَنَّهُ دَلِيلًا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ؛ لِإِسْقَاطِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. وَإِذَا لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ فَقَدْ عَرَّى الْوَطْءَ عَنْ الشُّبْهَةِ فَتَمَحَّضَ حَرَامًا - فَيَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ سَوَاءٌ ادَّعَى بِالِاشْتِبَاهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ ثَبَاتَ النَّسَبِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ مَعْنًى فِي الْمَحِلِّ وَهُوَ الْمِلْكُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الظَّنَّ وَلَمْ يَدَّعِ الْآخَرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يُقِرَّا جَمِيعًا أَنَّهُمَا قَدْ عَلِمَا بِالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَقُومُ بِهِمَا جَمِيعًا فَإِذَا تَمَكَّنَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ؛ فَقَدْ تَمَكَّنَتْ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ضَرُورَةً. وَأَمَّا مَنْ سِوَى الْأَبِ وَالْأُمِّ مِنْ سَائِرِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، كَالْأَخِ وَالْأُخْتِ وَنَحْوِهِمَا إذَا وَطِئَ جَارِيَتَهُ يَجِبُ الْحَدُّ، وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي؛ لِأَنَّ هَذَا دَعْوَى الِاشْتِبَاهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْبَسِطُ بِالِانْتِفَاعِ بِمَالِ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ عَادَةً، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا ظَنًّا مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ فَلَا يُعْتَبَرُ. ، وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةً ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ امْرَأَتِهِ؛ لِمَا قُلْنَا، أَمَّا إذَا وَطِئَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فِي الْعِدَّةِ؛ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ فِي حَقِّ الْحِلِّ أَصْلًا؛ لِوُجُودِ الْمُبْطِلِ لِحِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ وَهُوَ الطَّلَقَاتُ الثَّلَاثُ، وَإِنَّمَا بَقِيَ فِي حَقِّ الْفِرَاشِ وَالْحُرْمَةِ عَلَى الْأَزْوَاجِ فَقَطْ فَتَمَحَّضَ الْوَطْءُ حَرَامًا فَكَانَ زِنًا فَيُوجِبُ الْحَدَّ؛ إلَّا إذَا ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ وَظَنَّ الْحِلَّ؛ لِأَنَّهُ بَنَى ظَنَّهُ عَلَى نَوْعِ دَلِيلٍ وَهُوَ بَقَاءُ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْفِرَاشِ وَحُرْمَةِ الْأَزْوَاجِ فَظَنَّ أَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ الْحِلِّ أَيْضًا، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا ظَنَّهُ دَلِيلًا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ دَرْأٌ لِمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً - لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ، وَإِنْ قَالَ: عَلِمْتَ أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بِالْإِبَانَةِ وَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ؛ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَإِنَّ مِثْلَ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ يَقُولُ فِي الْكِنَايَاتِ: إنَّهَا رَوَاجِعُ، وَطَلَاقُ الرَّجْعِيِّ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فَاخْتِلَافُهُمْ يُورِثُ شُبْهَةً. وَلَوْ خَالَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بِالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الشُّبْهَةُ فَيَجِبُ الْحَدُّ إلَّا إذَا ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ، وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ أُمَّ وَلَدِهِ وَهِيَ تَعْتَدُّ مِنْهُ بِأَنْ أَعْتَقَهَا؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بِالْإِعْتَاقِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَمْ تَثْبُتْ الشُّبْهَةُ. وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَنْبَسِطُ فِي مَالِ مَوْلَاهُ عَادَةً بِالِانْتِفَاعِ فَكَانَ وَطْؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى مَا هُوَ دَلِيلٌ فِي حَقِّهِ فَاعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ؛ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ وَإِذَا لَمْ يَدَّعِ يُحَدُّ؛ لِعَرَاءِ الْوَطْءِ عَنْ

стр. 1768

الشُّبْهَةِ. وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ، (فَوَجْهُ) رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ يَدُ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ؛ فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا الدَّيْنَ مِنْ الْجَارِيَةِ يَدًا، فَقَدْ وَطِئَ جَارِيَةً هِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ يَدًا؛ فَلَا يَجِبُ، الْحَدُّ، كَالْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ إذَا وَطِئَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ؛ إلَّا إذَا ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ ظَنُّهُ إلَى نَوْعِ دَلِيلٍ وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ، فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ دَرْأٌ لِلْحَدِّ، وَإِذَا لَمْ يَدَّعِ فَلَا شُبْهَةَ - فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ. (وَجْهُ) رِوَايَةِ كِتَابِ الْحُدُودِ أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ فِي بَابِ الرَّهْنِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ لَا مِنْ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْجِنْسِ وَلَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ التَّوْثِيقِ وَبَيْنَ عَيْنِ الْجَارِيَةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ عَيْنِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ ظَنُّهُ. وَلَوْ وَطِئَ الْبَائِعُ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الَّتِي تَزَوَّجَ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَإِنْ زَالَ بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَمِلْكُ الْيَدِ قَائِمٌ فَيُورِثُ شُبْهَةً. وَلَوْ وَطِئَ الْمُسْتَأْجِرُ جَارِيَةَ الْإِجَارَةِ، وَالْمُسْتَعِيرُ جَارِيَةَ الْإِعَارَةِ، وَالْمُسْتَوْدِعُ جَارِيَةَ الْوَدِيعَةِ يُحَدُّ، وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي؛ لِأَنَّ هَذَا ظَنٌّ عُرِّيَ عَنْ دَلِيلٍ فَكَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَلَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ، وَقُلْنَ النِّسَاءُ: إنَّ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَوَطِئَهَا - لَا حَدَّ عَلَيْهِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ لِشُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٌ، فَإِنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَلَوْ كَانَ امْتِنَاعُ الْوُجُوبِ لِشُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ فِي شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ كَمَا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ، وَهَهُنَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، دَلَّ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لَيْسَ لِشُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ. وَهُوَ إنْ وَطِئَهَا بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ - يَجُوزُ بِنَاءُ الْوَطْءِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ، بَلْ لَا دَلِيلَ هَهُنَا سِوَاهُ فَلَئِنْ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ فَقِيَامُ الدَّلِيلِ الْمُبِيحِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ يُورِثُ شُبْهَةً، وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا امْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي أَوْ شَبَّهْتُهَا بِامْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي - يَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّنَّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ إلَى دَلِيلٍ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَلَا يَحِلُّ الْوَطْءُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الظَّنِّ، مَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ بِدَلِيلٍ، إمَّا بِكَلَامِهَا أَوْ بِإِخْبَارِ مُخْبِرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، مَعَ مَا أَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا هَذَا الظَّنَّ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ لَمْ يَقُمْ حَدُّ الزِّنَا فِي مَوْضِعٍ مَا، إذْ الزَّانِي لَا يَعْجِزُ عَنْ هَذَا الْقَدْرِ فَيُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الْحَدِّ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قِيلَ هَذَا لَمَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ أَعْمَى فَوَجَدَ امْرَأَةً فِي بَيْتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقَالَ: ظَنَنْتهَا امْرَأَتِي عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا ظَنٌّ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى دَلِيلٍ، إذْ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ مَنْ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا مِنْ الْمَحَارِمِ وَالْأَجْنَبِيَّاتِ؛ فَلَا يَحِلُّ الْوَطْءُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الظَّنِّ فَلَمْ تَثْبُتْ الشُّبْهَةُ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ أَعْمَى دَعَا امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ، فَأَجَابَتْ غَيْرُهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا؛ أَنَّهُ يُحَدُّ، وَلَوْ أَجَابَتْهُ غَيْرُهَا وَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا - لَمْ يُحَدَّ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَهِيَ كَالْمَرْأَةِ الْمَزْفُوفَةِ إلَى غَيْرِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِنَفْسِ الْإِجَابَةِ مَا لَمْ تَقُلْ أَنَا فُلَانَةُ؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ الَّتِي نَادَاهَا، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْوَطْءِ عَلَى نَفْسِ الْإِجَابَةِ، فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يُعَذَّرْ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ: أَنَا فُلَانَةُ فَوَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْأَعْمَى إلَى أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ إلَّا بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، فَكَانَ مَعْذُورًا فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ الْمَزْفُوفَةَ، حَتَّى لَوْ كَانَ الرَّجُلُ بَصِيرًا لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ بِالرُّؤْيَةِ. وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ فِي رَجُلٍ أَعْمَى وَجَدَ عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ مَجْلِسِهِ امْرَأَةً نَائِمَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا امْرَأَتِي؛ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُدْرَأُ. (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ ظَنَّ فِي مَوْضِعِ الظَّنِّ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ، فَكَانَ ظَنُّهُ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ؛ فَيُوجِبُ دَرْأَ الْحَدِّ، كَمَا لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ النَّوْمَ عَلَى الْفِرَاشِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِحْلَالُ الْوَطْءِ بِهَذَا الْقَدْرِ، فَإِذَا اسْتَحَلَّ وَظَهَرَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ - لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي أَنْوَاع الْإِحْصَانِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْإِحْصَانُ، فَالْإِحْصَانُ نَوْعَانِ: إحْصَانُ الرَّجْمِ، وَإِحْصَانُ الْقَذْفِ أَمَّا إحْصَانُ الرَّجْمِ فَهُوَ عِبَارَةٌ - فِي الشَّرْعِ - عَنْ اجْتِمَاعِ صِفَاتٍ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ، وَهِيَ سَبْعَةٌ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَكَوْنُ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَوُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ جَمِيعًا فِيهِمَا شَرْطٌ؛ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْصَنًا، وَالدُّخُولُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ بَعْدَ سَائِرِ الشَّرَائِطِ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا، فَإِنْ تَقَدَّمَهَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَا لَمْ يُوجَدْ دُخُولٌ آخَرُ بَعْدَهَا، فَلَا إحْصَانَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ وَالْكَافِرِ، وَلَا بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ

стр. 1769

وَلَا بِنَفْسِ النِّكَاحِ مَا لَمْ يُوجَدْ الدُّخُولُ. وَمَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجَانِ جَمِيعًا وَقْتَ الدُّخُولِ عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ، حَتَّى أَنَّ الزَّوْجَ الْعَاقِلَ الْبَالِغَ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إذَا دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ، وَهِيَ صَبِيَّةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ كِتَابِيَّةٌ، ثُمَّ أَدْرَكَتْ الصَّبِيَّةُ وَأَفَاقَتْ الْمَجْنُونَةُ وَأُعْتِقَتْ الْأَمَةُ وَأَسْلَمَتْ الْكَافِرَةُ؛ لَا يَصِيرُ مُحْصَنًا مَا لَمْ يُوجَدْ دُخُولٌ آخَرُ بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ، حَتَّى لَوْ زَنَى قَبْلَ دُخُولٍ آخَرَ - لَا يُرْجَمُ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ صَارَ الشَّخْصُ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْحِصْنِ، يُقَالُ: أَحْصَنَ، أَيْ دَخَلَ الْحِصْنَ، كَمَا يُقَالُ: أَعْرَقَ أَيْ دَخَلَ الْعِرَاقَ، وَأَشْأَمَ أَيْ دَخَلَ الشَّامَ، وَأَحْصَنَ أَيْ دَخَلَ فِي الْحِصْنِ، وَمَعْنَاهُ دَخَلَ حِصْنًا عَنْ الزِّنَا إذَا دَخَلَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْإِنْسَانُ دَاخِلًا فِي الْحِصْنِ عَنْ الزِّنَا عِنْدَ تَوَفُّرِ الْمَوَانِعِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَانِعٌ عَنْ الزِّنَا، فَعِنْدَ اجْتِمَاعِهَا تَتَوَفَّرُ الْمَوَانِعُ. أَمَّا الْعَقْلُ؛ فَلِأَنَّ لِلزِّنَا عَاقِبَةً ذَمِيمَةً، وَالْعَقْلُ يَمْنَعُ عَنْ ارْتِكَابِ مَا لَهُ عَاقِبَةٌ ذَمِيمَةٌ. وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَإِنَّ الصَّبِيَّ؛ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَلِقِلَّةِ تَأَمُّلِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ لَا يَقِفُ عَلَى عَوَاقِبِ الْأُمُورِ فَلَا يَعْرِفُ الْحَمِيدَةَ مِنْهَا وَالذَّمِيمَةَ. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ؛ فَلِأَنَّ الْحُرَّ يَسْتَنْكِفُ عَنْ الزِّنَا وَكَذَا الْحُرَّةُ؛ وَلِهَذَا «لَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَةَ الْمُبَايَعَةِ عَلَى النِّسَاءِ وَبَلَغَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] قَالَتْ هِنْدُ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ: أَوَتَزْنِي الْحُرَّةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» وَأَمَّا الْإِسْلَامُ؛ فَلِأَنَّهُ نِعْمَةٌ كَامِلَةٌ مُوجِبَةٌ لِلشُّكْرِ فَيَمْنَعُ مِنْ الزِّنَا الَّذِي هُوَ وَضْعُ الْكُفْرِ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ. وَأَمَّا اعْتِبَارُ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا؛ فَلِأَنَّ اجْتِمَاعَهَا فِيهِمَا يُشْعِرُ بِكَمَالِ حَالِهِمَا، وَذَا يُشْعِرُ بِكَمَالِ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ اقْتِضَاءَ الشَّهْوَةِ بِالصَّبِيَّةِ وَالْمَجْنُونَةِ قَاصِرٌ، وَكَذَا بِالرَّقِيقِ؛ لِكَوْنِ الرِّقِّ مِنْ نَتَائِجِ الْكُفْرِ فَيَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَكَذَا بِالْكَافِرَةِ؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْمُسْلِمِ يَنْفِرُ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْكَافِرَةِ. وَلِهَذَا «قَالَ النَّبِيُّ ﵊ لِحُذَيْفَةَ ﵁ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُكَ» وَأَمَّا الدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ؛ فَلِأَنَّهُ اقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ بِطَرِيقٍ حَلَالٍ فَيَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْحَرَامِ، وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَا يُفِيدُ فَلَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْنَاءُ. وَأَمَّا كَوْنُ الدُّخُولِ آخِرَ الشَّرَائِطِ؛ فَلِأَنَّ الدُّخُولَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ لَا يَقَعُ اقْتِضَاءَ الشَّهْوَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ، فَلَا تَقَعُ الْغُنْيَةُ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ عَلَى التَّمَامِ، وَبَعْدَ اسْتِيفَائِهَا تَقَعُ بِهِ الْغُنْيَةُ عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَوَانِعُ عَنْ الزِّنَا فَيَحْصُلُ بِهَا مَعْنَى الْإِحْصَانِ وَهُوَ الدُّخُولُ فِي الْحِصْنِ عَنْ الزِّنَا، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إلَّا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ حَتَّى لَا يَصِيرَ الْمُسْلِمُ مُحْصَنًا بِنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ، وَالدُّخُولِ بِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الْحُرُّ الثَّيِّبُ إذَا زَنَى لَا يُرْجَمُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَلْ يُجْلَدُ، وَعَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ الْمُسْلِمُ مُحْصَنًا بِنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ، وَيُرْجَمُ الذِّمِّيُّ بِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاحْتَجَّا بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ» وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ شَرْطًا لَمَا رَجَمَ؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ لِلزَّجْرِ عَنْ الزِّنَا، وَالدِّينُ الْمُطْلَقُ يَصْلُحُ لِلزَّجْرِ عَنْ الزِّنَا؛ لِأَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا. (وَلَنَا) فِي زِنَا الذِّمِّيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] أَوْجَبَ الْجَلْدَ عَلَى كُلِّ زَانٍ وَزَانِيَةٍ، أَوْ عَلَى مُطْلَقِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَمَتَى وَجَبَ الْجَلْدُ انْتَفَى وُجُوبُ الرَّجْمِ ضَرُورَةً؛ وَلِأَنَّ زِنَا الْكَافِرِ لَا يُسَاوِي زِنَا الْمُسْلِمِ فِي كَوْنِهِ جِنَايَةً، فَلَا يُسَاوِيهِ فِي اسْتِدْعَاءِ الْعُقُوبَةِ كَزِنَا الْبِكْرِ مَعَ زِنَا الثَّيِّبِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ زِنَا الْمُسْلِمِ اُخْتُصَّ بِمَزِيدِ قُبْحٍ انْتَفَى، ذَلِكَ فِي زِنَا الْكَافِرِ وَهُوَ كَوْنُ زِنَاهُ وَضْعَ الْكُفْرَانِ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ؛ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ نِعْمَةٌ وَدِينَ الْكُفْرِ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ، وَفِي زِنَا الْمُسْلِمِ بِالْكِتَابِيَّةِ «قَوْلُهُ ﵊ لِحُذَيْفَةَ ﵁ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُكَ» وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» وَالذِّمِّيُّ مُشْرِكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا وَمَا ذَكَرْنَا أَنَّ فِي اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ بِالْكَافِرَةِ قُصُورًا، فَلَا يَتَكَامَلُ مَعْنَى النِّعْمَةِ فَلَا يَتَكَامَلُ الزَّاجِرُ، وَقَوْلُهُ الزَّجْرُ يَحْصُلُ بِأَصْلِ الدِّينِ قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنَّهُ لَا يَتَكَامَلُ إلَّا بِدِينِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ فَيَكُونُ الزِّنَا - مِنْ الْمُسْلِمِ - وَضْعَ الْكُفْرَانِ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ، وَدِينُ الْكُفْرِ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ؛ فَلَا يَكُونُ فِي كَوْنِهِ زَاجِرًا مِثْلُهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجَلْدِ؛ فَانْتَسَخَ بِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِهَا، وَنَسْخُ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَهْوَنُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَإِحْصَانُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّانِيَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ

стр. 1770

لِوُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى أَحَدِهِمَا، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، فَالْمُحْصَنُ مِنْهُمَا يُرْجَمُ، وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ يُجْلَدُ، ثُمَّ إذَا ظَهَرَ إحْصَانُ الزَّانِي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ يُرْجَمُ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا النَّصُّ فَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ رَجَمَ مَاعِزًا وَكَانَ مُحْصَنًا» . وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْمُحْصَنَ إذَا تَوَفَّرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَانِعُ مِنْ الزِّنَا، فَإِذَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مَعَ تَوَفُّرِ الْمَوَانِعِ - صَارَ زِنَاهُ غَايَةً فِي الْقُبْحِ، فَيُجَازَى بِمَا هُوَ غَايَةٌ فِي الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهُوَ الرَّجْمُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﵊ بِمُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ إذَا أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ؛ لِعِظَمِ جِنَايَتِهِنَّ؛ لِحُصُولِهَا مَعَ تَوَفُّرِ الْمَوَانِعِ فِيهِنَّ؛ لِعِظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ؛ لِنَيْلِهِنَّ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُضَاجَعَتَهُ، فَكَانَتْ جِنَايَتُهُنَّ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ غَايَةً فِي الْقُبْحِ، فَأُوعِدْنَ بِالْغَايَةِ مِنْ الْجَزَاءِ. كَذَا هَهُنَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵊ «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» . (وَلَنَا) «أَنَّهُ ﵊ رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ» ، وَلَوْ وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَجَمَعَ؛ وَلِأَنَّ الزِّنَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يُوجِبُ إلَّا عُقُوبَةً وَاحِدَةً، وَالْجَلْدُ وَالرَّجْمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ عَلَى حِدَةٍ، فَلَا يَجِبَانِ لِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ، لَكِنْ فِي حَالَيْنِ فَيَكُونُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ، وَإِذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ لَا يُرْجَمُ بَلْ يُجْلَدُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِ الزِّنَا هُوَ الْجَلْدُ بِآيَةِ الْجَلْدِ؛ وَلِأَنَّ زِنَا غَيْرَ الْمُحْصَنِ لَا يَبْلُغُ غَايَةً فِي الْقُبْحِ فَلَا تَبْلُغُ عُقُوبَتُهُ النِّهَايَةَ، فَيُكْتَفَى بِالْجَلْدِ وَهَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُجْمَعُ إلَّا إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؛ فَيَجْمَعُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَلَدَ وَغَرَّبَ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا. (وَلَنَا) قَوْلُهُ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] . وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّغْرِيبَ، فَمَنْ أَوْجَبَهُ فَقَدْ زَادَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ نَسْخٌ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالثَّانِي - أَنَّهُ جَعَلَ الْجَلْدَ جَزَاءً، وَالْجَزَاءُ اسْمٌ لِمَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِزَاءِ - وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ - فَلَوْ أَوْجَبْنَا التَّغْرِيبَ لَا تَقَعُ الْكِفَايَةُ بِالْجَلْدِ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ؛ لِأَنَّ التَّغْرِيبَ تَعْرِيضٌ لِلْمُغَرَّبِ عَلَى الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي بَلَدِهِ يَمْتَنِعُ عَنْ الْعَشَائِرِ وَالْمَعَارِفِ حَيَاءً مِنْهُمْ، وَبِالتَّغْرِيبِ يَزُولُ هَذَا الْمَعْنَى فَيُعَرَّى الدَّاعِي عَنْ الْمَوَانِعِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَالزِّنَا قَبِيحٌ فَمَا أَفْضَى إلَيْهِ مِثْلُهُ، وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مَصْلَحَةً عَلَى طَرِيقِ التَّعْزِيرِ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ نَفَى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُّومِ فَقَالَ: لَا أَنْفِي بَعْدَهَا أَبَدًا. وَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً فَدَلَّ أَنَّ فِعْلَهُمْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْزِيرِ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: إنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفِيَ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي التَّغْرِيبِ، وَيَكُونُ النَّفْيُ تَعْزِيرًا لَا حَدًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا إحْصَانُ الْقَذْفِ فَنَذْكُرُهُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ فِي حَدِّ الشُّرْبِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا حَدُّ الشُّرْبِ فَسَبَبُ وُجُوبِهِ الشُّرْبُ؛ وَهُوَ شُرْبُ الْخَمْرِ خَاصَّةً، حَتَّى يَجِبَ الْحَدُّ بِشُرْبِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَلَا يَتَوَقَّفُ الْوُجُوبُ عَلَى حُصُولِ السُّكْرِ مِنْهَا، وَحَدُّ السُّكْرِ سَبَبُ وُجُوبِهِ السُّكْرُ الْحَاصِلُ بِشُرْبِ مَا سِوَى الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمَعْهُودَةِ الْمُسْكِرَةِ كَالسُّكَّرِ وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ، وَالْمَطْبُوخِ أَدْنَى طَبْخَةٍ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْمُثَلَّثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ وُجُوبِ حَدِّ الشُّرْبِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا شَرَائِطُ وُجُوبِهَا فَمِنْهَا الْعَقْلُ، وَمِنْهَا الْبُلُوغُ، فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَمِنْهَا الْإِسْلَامُ فَلَا حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِالشُّرْبِ وَلَا بِالسُّكْرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَمِنْهَا عَدَمُ الضَّرُورَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ وَلَا عَلَى مَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يُوصَفُ بِالْجِنَايَةِ، وَكَذَا الشُّرْبُ لِضَرُورَةِ الْمَخْمَصَةِ، وَالْإِكْرَاهُ حَلَالٌ فَلَمْ

стр. 1771

يَكُنْ جِنَايَةً، وَشُرْبُ الْخَمْرِ مُبَاحٌ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا فَلَا يَكُونُ جِنَايَةً، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لَكِنَّا نُهِينَا عَلَى التَّعْرِيضِ لَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ تَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهُمْ مِنْ الشُّرْبِ، وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُمْ إذَا شَرِبُوا وَسَكِرُوا يُحَدُّونَ لِأَجْلِ السُّكْرِ لَا لِأَجْلِ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ حَسَنٌ. وَمِنْهَا بَقَاءُ اسْمِ الْخَمْرِ لِلْمَشْرُوبِ وَقْتَ الشُّرْبِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ تَعَلُّقٌ بِهِ، حَتَّى لَوْ خُلِطَ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ شُرِبَ نُظِرَ فِيهِ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِيَّةِ يَزُولُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْخَمْرِ أَوْ كَانَا سَوَاءً يُحَدُّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو عَنْ أَجْزَاءِ الْخَمْرِ. (فَأَمَّا) الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّ حَدَّ الرَّقِيقِ يَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ تُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ رَائِحَةِ الْخَمْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِجَوَازِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا وَلَمْ يَشْرَبْهَا، أَوْ شَرِبَهَا عَنْ إكْرَاهٍ أَوْ مَخْمَصَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَقَيَّأَ خَمْرًا لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْأَشْرِبَةُ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالدُّخْنِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَالتِّينِ وَالسُّكَّرِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِهَا؛ لِأَنَّ شُرْبَهَا حَلَالٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لَكِنْ هِيَ حُرْمَةُ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَلَمْ يَكُنْ شُرْبُهَا جِنَايَةً مَحْضَةً فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ وَلَا بِالسُّكْرِ مِنْهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ إذَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا أَصْلًا فَلَا عِبْرَةَ بِنَفْسِ السُّكْرِ كَشُرْبِ الْبَنْجِ وَنَحْوِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي سَبَب وُجُوب حَدِّ الْقَذْفِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَسَبَبُ وُجُوبِهِ الْقَذْفُ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى الزِّنَا، وَفِيهَا إلْحَاقُ الْعَارِ بِالْمَقْذُوفِ فَيَجِبُ الْحَدُّ دَفْعًا لِلْعَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ وبعضها يرجع إلَى القاذف] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا شَرَائِطُ وُجُوبِهِ فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاذِفِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْذُوفِ بِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ فِيهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ. أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاذِفِ فَأَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا - الْعَقْلُ، وَالثَّانِي - الْبُلُوغُ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَاذِفُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ فَيَسْتَدْعِي كَوْنَ الْقَذْفِ جِنَايَةً، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ جِنَايَةً، وَالثَّالِثُ - عَدَمُ إثْبَاتِهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَإِنْ أَتَى بِهِمْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] عَلَّقَ وُجُوبَ إقَامَةِ الْحَدِّ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَدَمَ الْإِتْيَانِ فِي جَمِيعِ الْعُمْرِ، بَلْ عِنْدَ الْقَذْفِ وَالْخُصُومَةِ، إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْأَبَدِ لَمَا أُقِيمَ حَدٌّ أَصْلًا، إذْ لَا يُقَامُ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ لِدَفْعِ عَارِ الزِّنَا عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَإِذَا ظَهَرَ زِنَاهُ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَحْتَمِلُ الِانْدِفَاعَ بِالْحَدِّ؛ وَلِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يَزْجُرُ عَنْ قَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ. وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْقَاذِفِ وَإِسْلَامُهُ وَعِفَّتُهُ عَنْ فِعْلِ الزِّنَا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ؛ فَيُحَدُّ الرَّقِيقُ وَالْكَافِرُ وَمَنْ لَا عِفَّةَ لَهُ عَنْ الزِّنَا، وَالشَّرْطُ إحْصَانُ الْمَقْذُوفِ لَا إحْصَانَ الْقَاذِفِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي ترجع إلَى الْمَقْذُوف] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ فَشَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَشَرَائِطُ إحْصَانِ الْقَذْفِ خَمْسَةٌ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالرَّقِيقِ وَالْكَافِرِ وَمَنْ لَا عِفَّةَ لَهُ عَنْ الزِّنَا. أَمَّا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ؛ فَلِأَنَّ الزِّنَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَكَانَ قَذْفُهُمَا بِالزِّنَا كَذِبًا مَحْضًا فَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ لَا الْحَدَّ. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ؛ فَلِأَنَّ اللَّهَ شَرَطَ الْإِحْصَانَ فِي آيَةِ الْقَذْفِ، وَهِيَ قَوْلُهُ ﵎ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُحْصَنَاتِ هَهُنَا الْحَرَائِرُ لَا الْعَفَائِفُ عَنْ الزِّنَا، فَدَلَّ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطٌ، وَلِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى قَاذِفِ الْمَمْلُوكِ الْجَلْدَ؛ لَأَوْجَبْنَا ثَمَانِينَ، وَهُوَ لَوْ أَتَى بِحَقِيقَةِ الزِّنَا لَا يُجْلَدُ إلَّا خَمْسِينَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ نِسْبَةٌ إلَى الزِّنَا وَأَنَّهُ دُونَ حَقِيقَةِ الزِّنَا. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ وَالْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا؛ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] وَالْمُحْصَنَاتُ الْحَرَائِرُ، وَالْغَافِلَاتُ الْعَفَائِفُ عَنْ الزِّنَا، وَالْمُؤْمِنَاتُ مَعْلُومَةٌ فَدَلَّ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْعِفَّةَ عَنْ

стр. 1772

الزِّنَا وَالْحُرِّيَّةِ شَرْطٌ، وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُحْصَنَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْحَرَائِرُ لَا الْعَفَائِفُ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ الْمُحْصَنَاتِ وَالْغَافِلَاتِ فِي الذِّكْرِ وَالْغَافِلَاتُ الْعَفَائِفُ؛ فَلَوْ أُرِيدَ بِالْمُحْصَنَاتِ الْعَفَائِفُ لَكَانَ تَكْرَارًا؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَجِبُ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَمَنْ لَا عِفَّةَ لَهُ عَنْ الزِّنَا لَا يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا، وَكَذَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ بِالْقَذْفِ دَفْعًا لِعَارِ الزِّنَا عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَمَا فِي الْكَافِرِ مِنْ عَارِ الْكُفْرِ أَعْظَمُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ تَفْسِيرُ الْعِفَّةِ عَنْ الزِّنَا: هُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْذُوفُ وَطِئَ فِي عُمْرِهِ وَطْئًا حَرَامًا فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ أَصْلًا، وَلَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَسَادًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِي السَّلَفِ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَ سَقَطَتْ عِفَّتُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ وَطِئَ وَطْئًا حَرَامًا لَكِنْ فِي الْمِلْكِ أَوْ النِّكَاحِ حَقِيقَةً، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَكِنْ فَسَادًا هُوَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ؛ لَا تَسْقُطُ عِفَّتُهُ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ: إذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ بِأَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا سَقَطَتْ عِفَّتُهُ؛ لِوُجُودِ الْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ أَصْلًا، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْمُبِيحِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُصَادِفُ كُلَّ الْجَارِيَةِ - وَكُلُّهَا لَيْسَ مِلْكَهُ - فَيُصَادِفُ مِلْكَ الْغَيْرِ لَا مَحَالَةَ، فَكَانَ الْفِعْلُ زِنًا مِنْ وَجْهٍ، لَكِنْ دُرِئَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبَوَيْهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَةً اشْتَرَاهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لِغَيْرِ الْبَائِعِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَأَعْلَقَهَا أَوْ لَمْ يُعْلِقْهَا؛ لِوُجُودِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ حَقِيقَةً. وَلَوْ وَطِئَ الْحَائِضَ أَوْ النُّفَسَاءَ أَوْ الصَّائِمَةَ أَوْ الْمُحْرِمَةَ أَوْ الْحُرَّةَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا، أَوْ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ - لَمْ تَسْقُطْ عِفَّتُهُ؛ لِقِيَامِ الْمِلْكِ أَوْ النِّكَاحِ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ مُحَلَّلٌ إلَّا أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ لِغَيْرِهِ، وَكَذَا إذَا وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ فِي قَوْلِهِمَا، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ تَسْقُطُ عِفَّتُهُ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذَا وَطْءٌ حَصَلَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ أَوْجَبَ زَوَالَ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الْوَطْءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَكَذَا الْمَهْرُ يَكُونُ لَهَا لَا لِلْمَوْلَى، وَهَذَا دَلِيلُ زَوَالِ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الْوَطْءِ، وَلَنَا أَنَّ الْوَطْءَ يُصَادِفُ الذَّاتَ، وَمِلْكُ الذَّاتِ قَائِمٌ بَعْدَ الْكِتَابَةِ، فَكَانَ الْمِلْكُ الْمُحَلِّلُ قَائِمًا، وَإِنَّمَا الزَّائِلُ مِلْكُ الْيَدِ فَمُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِرْدَادِ يَدِهَا عَلَى نَفْسِهَا فَأَشْبَهَتْ الْجَارِيَةَ الْمُزَوَّجَةَ. وَلَوْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةَ الْغَيْرِ أَوْ مَنْكُوحَةَ الْغَيْرِ أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ؛ سَقَطَتْ عِفَّتُهُ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَعِنْدَهُمَا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ - لَا تَسْقُطُ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ - لَا يَكُونُ الْوَطْءُ حَرَامًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَأَثِمَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا - لَمْ تَسْقُطْ الْعِفَّةُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ هَهُنَا ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، إلَّا أَنَّ الْإِثْمَ مُنْتَفٍ، وَالْإِثْمُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الْحُرْمَةِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِذَا كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً بِيَقِينٍ سَقَطَتْ الْعِفَّةُ، وَلَوْ قَبَّلَ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِابْنَتِهَا فَوَطِئَهَا أَوْ تَزَوَّجَ بِأُمِّهَا فَوَطِئَهَا؛ لَا تَسْقُطُ عِفَّتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا تَسْقُطُ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ التَّقْبِيلَ أَوْ النَّظَرَ أَوْجَبَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، وَإِنَّهَا حُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ فَتَسْقُطُ الْعِصْمَةُ كَحُرْمَةِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، بَلْ هِيَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ فِي السَّلَفِ، فَلَا تَسْقُطُ الْعِفَّةُ. فَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَطِئَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ ابْنَتَهَا أَوْ أُمَّهَا فَوَطِئَهَا سَقَطَتْ عِفَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ مُجْمَعٌ عَلَى فَسَادِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ. وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ شُهُودٍ فَوَطِئَهَا - سَقَطَتْ عِفَّتُهُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ هَذَا النِّكَاحَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ فِي السَّلَفِ، إذْ لَا يُعْرَفُ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ مَالِكٍ فِيهِ. وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً وَحُرَّةً فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَطِئَهَا، أَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ فَوَطِئَهُمَا - لَمْ تَسْقُطْ عِفَّتُهُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ هَذَا النِّكَاحِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِي السَّلَفِ، بَلْ هُوَ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ فَالْوَطْءُ فِيهِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْعِفَّةِ. وَلَوْ تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ امْرَأَةً ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فَقَذَفَهُ رَجُلٌ إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ - سَقَطَتْ عِفَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الدُّخُولُ فِي حَالِ الْكُفْرِ - لَمْ تَسْقُطْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا تَسْقُطُ، هَكَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إحْصَانُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ مُجْمَعٌ عَلَى فَسَادِهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - لِنَوْعِ شُبْهَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَ امْرَأَةً مَحْدُودَةً

стр. 1773

فِي الزِّنَا، أَوْ مَعَهَا وَلَدٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ أَوْ لَاعَنَتْ بِوَلَدٍ؛ لِأَنَّ أَمَارَةَ الزِّنَا مَعَهَا ظَاهِرَةٌ فَلَمْ تَكُنْ عَفِيفَةً، فَإِنْ لَاعَنَتْ بِغَيْرِ الْوَلَدِ أَوْ مَعَ الْوَلَدِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ النَّسَبَ أَوْ قَطَعَ لَكِنَّ الزَّوْجَ عَادَ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ وَأُلْحِقَ النَّسَبُ بِالْأَبِ - حُدَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا عَلَامَةُ الزِّنَا - فَكَانَتْ عَفِيفَةً، وَالثَّانِي - أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ مَعْلُومًا فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَا يَجِبُ الْحَدُّ كَمَا إذَا قَالَ لِجَمَاعَةٍ: كُلُّكُمْ زَانٍ إلَّا وَاحِدًا، أَوْ قَالَ: لَيْسَ فِيكُمْ زَانٍ إلَّا وَاحِدٌ، أَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: أَحَدُكُمَا زَانٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَجْهُولٌ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: أَحَدُكُمَا زَانٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَحَدُهُمَا هَذَا، فَقَالَ: لَا، لَا حَدَّ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ بِصَرِيحِ الزِّنَا، وَلَا بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: جَدُّكَ زَانٍ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْمَ الْجَدِّ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَسْفَلِ وَعَلَى الْأَعْلَى فَكَانَ الْمَقْذُوفُ مَجْهُولًا وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَخُوكَ زَانٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ، أَوْ أَخَوَانِ سِوَاهُ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَجْهُولٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَخٌ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا حَضَرَ وَطَالَبَ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَعْلُومٌ وَلَيْسَ لِهَذَا الْأَخِ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ؛ لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَأَمَّا) حَيَاةُ الْمَقْذُوفِ وَقْتَ الْقَذْفِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ، حَتَّى يَجِبَ الْحَدُّ بِقَذْفِ الْمَيِّتِ؛ لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْقَاذِفِ وَالْمَقْذُوفِ] وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَوَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَاذِفُ أَبِ الْمَقْذُوفِ وَلَا جَدَّهُ وَإِنْ عَلَا، وَلَا أُمَّهُ وَلَا جَدَّتَهُ وَإِنْ عَلَتْ، فَإِنْ كَانَ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَالنَّهْيُ عَنْ التَّأْفِيفِ نَصًّا، نَهْيٌ عَنْ الضَّرْبِ دَلَالَةً؛ وَلِهَذَا لَا يُقْتَلُ بِهِ قِصَاصًا؛ وَلِقَوْلِهِ ﵎ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَالْمُطَالَبُ بِالْقَذْفِ لَيْسَ مِنْ الْإِحْسَانِ فِي شَيْءٍ فَكَانَ مَنْفِيًّا بِالنَّصِّ؛ وَلِأَنَّ تَوْقِيرَ الْأَبِ وَاحْتِرَامَهُ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَالْمُطَالَبَةُ بِالْقَذْفِ لِلْجَدِّ تَرْكُ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ فَكَانَ حَرَامًا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ بِهِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ بِهِ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ بِصَرِيحِ الزِّنَا وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ، وَهُوَ نَفْيُ النَّسَبِ فَإِنْ كَانَ بِالْكِنَايَةِ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ مُحْتَمَلَةٌ وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ، فَمَعَ الِاحْتِمَالِ أَوْلَى، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ: إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي أَوْ قَالَ: زَنَيْتَ، أَوْ قَالَ أَنْتَ زَانِي - يُحَدُّ، لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الْقَذْفِ بِالزِّنَا، وَلَوْ قَالَ: يَا زَانِئ (بِالْهَمْزِ) أَوْ: زَنَأْتَ (بِالْهَمْزِ) - يُحَدُّ، وَلَوْ قَالَ: عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ فِي الْجَبَلِ - لَا يُصَدَّقُ، لِأَنَّ الْعَامَّةَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَهْمُوزِ وَالْمُلَيَّنِ، وَكَذَا مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ الْمُلَيَّنَ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ، وَلَوْ قَالَ: زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ - يُحَدُّ، وَلَوْ قَالَ: عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ فِي الْجَبَلِ لَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يُصَدَّقُ، وَلَوْ قَالَ: زَنَأْتَ عَلَى الْجَبَلِ، وَقَالَ: عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ - لَا يُصَدَّقُ بِالْإِجْمَاعِ. (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي هُوَ فَاحِشَةٌ مُلَيَّنٌ يُقَالُ: زَنَى يَزْنِي زِنًى، وَالزِّنَا الَّذِي هُوَ صُعُودٌ مَهْمُوزٌ، يُقَالُ: زَنَأَ يَزْنَأُ زَنْئًا، وَقَالَ الشَّاعِرُ وَارْقَ إلَى الْخَيْرَاتِ زَنْئًا فِي الْجَبَلْ وَأَرَادَ بِهِ الصُّعُودَ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُلْ عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ - حُمِلَ عَلَى الزِّنَا الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الزِّنَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفُجُورِ عُرْفًا وَعَادَةً، وَإِذَا قَالَ عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ فَقَدْ عَنَى بِهِ مَا هُوَ مُوجِبُ اللَّفْظِ لُغَةً فَلَزِمَ اعْتِبَارُهُ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ اسْمَ الزِّنَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفُجُورِ عُرْفًا وَعَادَةً، وَالْعَامَّةُ لَا تَفْصِلُ بَيْنَ الْمَهْمُوزِ وَالْمُلَيَّنِ بَلْ تَسْتَعْمِلُ الْمَهْمُوزَ مُلَيَّنًا وَالْمُلَيَّنَ مَهْمُوزًا، فَلَا يُصَدَّقُ فِي الصَّرْفِ عَنْ الْمُتَعَارَفِ، كَمَا إذَا قَالَ: زَنَيْتَ فِي الْجَبَلِ، وَقَالَ عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ، أَوْ: زَنَأْتَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَبَلَ، إلَّا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ كَلِمَة " فِي " مَكَانَ كَلِمَةِ " عَلَى "، وَأَنَّهُ جَائِزٌ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ عَلَّلَ لَهُمَا بِأَنَّ الْمَهْمُوزَ مِنْهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْمُلَيَّنِ وَهُوَ الزِّنَا الْمَعْرُوفُ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ الْمُلَيَّنَ فَيَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْمُلَيَّنِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَهِيَ حَالُ الْغَضَبِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَقْصُورَةٌ فِيهَا، وَإِذَا قَالَ: زَنَأْتَ عَلَى الْجَبَلِ، وَقَالَ عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ - لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهُ لَا تُسْتَعْمَلُ كَلِمَةُ " عَلَى " فِي الصُّعُودِ، فَلَا يُقَالُ: صَعِدَ عَلَى الْجَبَلِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: صَعِدَ فِي الْجَبَلِ. وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الزَّانِي - فَهُوَ قَاذِفٌ لِأَبِيهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَبُوكَ زَانِي، وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - فَهُوَ قَاذِفٌ لِأُمِّهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أُمُّكَ زَانِيَةٌ، وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ - فَهُوَ قَاذِفٌ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَبَوَاكَ زَانِيَانِ، وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزِّنَا أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَا - كَانَ قَذْفًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ أَنَّكَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ الزِّنَا، وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَتَيْنِ - يَكُونُ قَذْفًا، وَيُعْتَبَرُ إحْصَانُ أُمِّهِ الَّتِي وَلَدَتْهُ لَا إحْصَانَ جَدَّتِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ أُمُّهُ مُسْلِمَةً فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ

стр. 1774

جَدَّتُهُ كَافِرَةً وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ كَافِرَةً - فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ جَدَّتُهُ مُسْلِمَةً؛ لِأَنَّ أُمَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالِدَتُهُ وَالْجَدَّةُ تُسَمَّى أُمًّا مَجَازًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا ابْنَ مِائَةِ زَانِيَةٍ، أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ زَانِيَةٍ - يَكُونُ قَاذِفًا لِأُمِّهِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْإِحْصَانِ حَالُ الْأُمِّ؛ لِمَا قُلْنَا، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ عَدَدَ الْمَرَّاتِ لَا عَدَدَ الْأَشْخَاصِ، أَيْ أُمُّكَ زَنَتْ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الزَّانِيَةِ يُسْتَعْمَلُ عَلَى الْمُهَيَّأَةِ الْمُسْتَعِدَّةِ لِلزِّنَا وَإِنْ لَمْ تَزْنِ، فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الدَّعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الدَّعِيَّةَ هِيَ الْمَرْأَةُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى قَبِيلَةٍ لَا نَسَبَ لَهَا مِنْهُمْ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا زَانِيَةً؛ لِجَوَازِ ثُبُوتِ نَسَبِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ. وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا، بَلْ أَنْتَ الزَّانِي، أَوْ قَالَ: لَا، بَلْ أَنْتَ - يُحَدَّانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَذَفَ صَاحِبَهُ صَرِيحًا، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِكَ - لَا حَدَّ عَلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ صَدَّقَتْهُ فِي الْقَذْفِ، فَخَرَجَ قَذْفُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّهَا قَذَفَتْهُ بِالزِّنَا نَصًّا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّصْدِيقُ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ زَنَيْتُ مَعَكَ - لَا حَدَّ عَلَى الرَّجُلِ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ، أَمَّا عَلَى الرَّجُلِ؛ فَلِوُجُودِ التَّصْدِيقِ مِنْهَا إيَّاهُ. وَأَمَّا عَلَى الْمَرْأَةِ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهَا زَنَيْتُ مَعَكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ زَنَيْتُ بِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ زَنَيْتُ بِحَضْرَتِكَ، فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ لَا، بَلْ أَنْتَ - حُدَّتْ الْمَرْأَةُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَلَا لِعَانَ عَلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ قَذَفَ صَاحِبَهُ، وَقَذْفُ الْمَرْأَةِ يُوجِبُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَقَذْفُ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ يُوجِبُ اللِّعَانَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُدَّ. وَفِي الْبِدَايَةِ بِحَدِّ الْمَرْأَةِ إسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالْأَيْمَانِ، وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ لَا شَهَادَةَ لَهُ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ بِنْتُ الزَّانِيَةِ، فَخَاصَمَتْ الْأُمُّ أَوَّلًا فَحُدَّ الزَّوْجُ حَدَّ الْقَذْفِ - سَقَطَ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ خَاصَمَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا فَلَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، ثُمَّ خَاصَمَتْ الْأُمُّ - يُحَدُّ الرَّجُلُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ زَنَيْتُ بِكَ - لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا زَنَيْتُ بِكَ أَيْ قَبْلَ النِّكَاحِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَيْ مَا مَكَّنْتُ مِنْ الْوَطْءِ غَيْرَكَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ زِنًا فَهُوَ زِنًا؛ لِأَنَّ هَذَا مُتَعَارَفٌ فَإِنْ أَرَادَتْ الْأَوَّلَ - لَا يَجِبُ اللِّعَانُ، وَيَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَإِنْ أَرَادَتْ بِهِ الثَّانِي - يَجِبُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ قَذَفَهَا بِالزِّنَا، وَهِيَ لَمْ تُصَدِّقْهُ فِيمَا قَذَفَهَا بِهِ؛ وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا فَوَقَعَ الِاحْتِمَالُ فِي ثُبُوتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَثْبُتُ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: أَنْتِ زَانِيَةٌ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي - يُحَدُّ الرَّجُلُ. وَلَا تُحَدُّ الْمَرْأَةُ، أَمَّا الرَّجُلُ؛ فَلِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِصَرِيحِ الزِّنَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا التَّصْدِيقُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهَا: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِهِ النِّسْبَةَ إلَى الزِّنَا عَلَى التَّرْجِيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْتَ أَقْدَرُ عَلَى الزِّنَا وَأَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْقَذْفِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِإِنْسَانٍ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ، أَوْ أَزْنَى الزُّنَاةِ، أَوْ أَزْنَى مِنْ فُلَانٍ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا قُلْنَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَزْنَى النَّاسِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَزْنَى مِنِّي أَوْ مِنْ فُلَانٍ، فَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: يُحَدُّ، وَفِي الثَّانِي: لَا يُحَدُّ. (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ لَهُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ، أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الصِّيغَةِ وَهُوَ التَّرْجِيحُ فِي وُجُودِ فِعْلِ الزِّنَا مِنْهُ؛ لِتَحَقُّقِ الزِّنَا مِنْ النَّاسِ فِي الْجُمْلَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي أَوْ مِنْ فُلَانٍ، لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّرْجِيحِ فِي وُجُودِ الزِّنَا؛ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الزِّنَا مِنْهُ أَوْ مِنْ فُلَانٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّرْجِيحِ فِي الْقُدْرَةِ أَوْ الْعِلْمِ، فَلَا يَكُونُ قَذْفًا بِالزِّنَا، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: زَنَيْتَ وَفُلَانٌ مَعَكَ - كَانَ قَاذِفًا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ أَحَدَهُمَا وَعَطَفَ الْآخَرَ عَلَيْهِ بِحَرْفِ " الْوَاوِ " وَأَنَّهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، فَكَانَ مُخْبِرًا عَنْ وُجُودِ الزِّنَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. رَجُلَانِ اسْتَبَّا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا أَبِي بِزَانٍ وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ، لَمْ يَكُنْ هَذَا قَذْفًا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ نَفْيُ الزِّنَا عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أُمِّهِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُكَنِّي بِهَذَا الْكَلَامِ عَنْ نِسْبَةِ أَبُ صَاحِبِهِ وَأُمِّهِ إلَى الزِّنَا. لَكِنَّ الْقَذْفَ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَنْتَ تَزْنِي لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِقْبَالِ وَيُسْتَعْمَلُ لِلْحَالِ، فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتَ تَزْنِي وَأَنَا - أُضْرَبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ فِي عُرْفِ النَّاسِ لَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْقَذْفِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ عَلَى الِاسْتِعْجَابِ أَنْ كَيْفَ تَكُونُ الْعُقُوبَةُ عَلَى إنْسَانٍ وَالْجِنَايَةُ مِنْ غَيْرِهِ؟ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: مَا رَأَيْتُ زَانِيَةً خَيْرًا مِنْكِ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: مَا رَأَيْتُ زَانِيًا خَيْرًا مِنْكَ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّهُ مَا جَعَلَ

стр. 1775

هَذَا الْمَذْكُورَ خَيْرَ الزُّنَاةِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ خَيْرًا مِنْ الزُّنَاةِ. وَهَذَا لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الزِّنَا مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: زَنَى بِكِ زَوْجُكِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَكِ - فَهُوَ قَاذِفٌ؛ فَإِنَّهُ نَسَبَ زَوْجَهَا إلَى زِنًا حَصَلَ مِنْهُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ فِي كَلَامٍ مَوْصُولٍ فَيَكُونُ قَذْفًا، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: وَطِئَكِ فُلَانٌ وَطْئًا حَرَامًا، أَوْ جَامَعَكِ حَرَامًا، أَوْ فَجَرَ بِكِ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: وَطِئْتَ فُلَانَةَ حَرَامًا، أَوْ بَاضَعْتَهَا أَوْ جَامَعْتَهَا حَرَامًا - فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْقَذْفُ بِالزِّنَا بَلْ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ حَرَامًا وَلَا يَكُونُ زِنًا، كَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ فَقُلْ لَهُ: يَا زَانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - لَمْ يَكُنْ الْمُرْسِلُ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْقَذْفِ وَلَمْ يَقْذِفْ. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَإِنْ ابْتَدَأَ فَقَالَ - لَا عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ: يَا زَانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - فَهُوَ قَاذِفٌ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ بَلَّغَهُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ بِأَنْ قَالَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إلَيْكَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُلْ لَكَ: يَا زَانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ بَلْ أَخْبَرَ عَنْ قَذْفِ غَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: أُخْبِرْتُ أَنَّكَ زَانٍ أَوْ أُشْهِدْتُ عَلَى ذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ حَكَى خَبَرَ غَيْرِهِ بِالْقَذْفِ وَإِشْهَادَ غَيْرِهِ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا لُوطِيُّ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَسَبَهُ إلَى قَوْمِ لُوطٍ فَقَطْ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ وَهُوَ اللِّوَاطُ، وَلَوْ أَفْصَحَ وَقَالَ: أَنْتَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، وَسَمَّى ذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. وَعِنْدَهُمَا هُوَ قَاذِفٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ بِزِنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ فِي مَعْنَى الزِّنَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي مَوْضِعِهَا، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي، فَقَالَ لَهُ آخَرُ: صَدَقْتَ - يُحَدُّ الْقَاذِفُ وَلَا حَدَّ عَلَى الْمُصَدِّقِ. أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِوُجُودِ الْقَذْفِ الصَّرِيحِ مِنْهُ. وَأَمَّا الْمُصَدِّقُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: صَدَقْتَ قَذْفٌ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ، وَلَوْ قَالَ: صَدَقْتَ هُوَ كَمَا قُلْتَ - يُحَدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَخُوك زَانٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا، بَلْ أَنْتَ - يُحَدُّ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ " لَا بَلْ "؛ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ، فَقَدْ قَذَفَ الْأَوَّلَ بِالزِّنَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ لِلرَّجُلِ إخْوَةٌ أَوْ أَخَوَانِ سِوَاهُ - فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَخٌ وَاحِدٌ - فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْحَدِّ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْأَخِ الْمُخَاطَبِ أَنْ يُطَالِبَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ قَالَ: لَسْتَ لِأَبِيكَ - فَهُوَ قَاذِفٌ لِأُمِّهِ، سَوَاءٌ قَالَ فِي غَضَبٍ أَوْ رِضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُذْكَرُ إلَّا لِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ، فَكَانَ قَذْفًا لِأُمِّهِ، وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا أَبُوكَ، أَوْ قَالَ: لَسْتَ أَنْتَ ابْنَ فُلَانٍ لِأَبِيهِ، أَوْ قَالَ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ لِأَجْنَبِيٍّ، إنْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ - فَهُوَ قَذْفٌ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ حَالِ الْغَضَبِ - فَلَيْسَ بِقَذْفٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَدْ يُذْكَرُ لِنَفْيِ النَّسَبِ وَقَدْ يُذْكَرُ لِنَفْيِ التَّشَبُّهِ فِي الْأَخْلَاقِ، أَيْ أَخْلَاقُكَ لَا تُشْبِهُ أَخْلَاقَ أَبِيكَ، أَوْ أَخْلَاقُكَ تُشْبِهُ أَخْلَاقَ فُلَانٍ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ مُزَيْقِيَا، أَوْ يَا ابْنَ مَاءِ السَّمَاءِ - أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لَا فِي حَالَةِ الرِّضَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ نَفْيَ النَّسَبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَدْحَ بِالتَّشْبِيهِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ سَادَاتِ الْعَرَبِ، فَعَامِرُ بْنُ حَارِثَةَ كَانَ يُسَمَّى مَاءَ السَّمَاءِ؛ لِصَفَائِهِ وَسَخَائِهِ، وَعَمْرُو بْنُ عَامِرٍ كَانَ يُسَمَّى الْمُزَيْقِيَا؛ لِمَزْقِهِ الثِّيَابَ، إذْ كَانَ ذَا ثَرْوَةٍ وَنَخْوَةٍ، كَانَ يَلْبَسُ كُلَّ يَوْمٍ ثَوْبًا جَدِيدًا، فَإِذَا أَمْسَى خَلَعَهُ وَمَزَّقَهُ؛ لِئَلَّا يَلْبَسَهُ غَيْرُهُ فَيُسَاوِيهِ، فَيُحَكَّمُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ نَفْيَ النَّسَبِ؛ فَيَكُونُ قَذْفًا، وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الرِّضَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَدْحَ؛ فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ لِعَمِّهِ أَوْ لِخَالِهِ، أَوْ لِزَوْجِ أُمِّهِ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّ الْعَمَّ يُسَمَّى أَبًا. وَكَذَلِكَ الْخَالُ وَزَوْجُ الْأُمِّ، قَالَ اللَّهُ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمَّ يَعْقُوبَ ﵊ وَقَدْ سَمَّاهُ أَبَاهُ، وَقَالَ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وَقِيلَ: إنَّهُمَا أَبُوهُ وَخَالَتُهُ وَإِذَا كَانَتْ الْخَالَةُ أُمًّا - كَانَ الْخَالُ أَبًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: إنَّهُ كَانَ ابْنَ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ: لَسْتَ بِابْنٍ لِفُلَانٍ لِجَدِّهِ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي كَلَامِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْجَدَّ لَا يُسَمَّى أَبًا حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا، وَلَوْ قَالَ لِلْعَرَبِيِّ: يَا نَبَطِيُّ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَسْتَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، لِلْقَبِيلَةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَكُونُ قَذْفًا، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ: يَا نَبَطِيُّ؛ لَمْ يَقْذِفْهُ، وَلَكِنَّهُ نَسَبَهُ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، كَمَنْ قَالَ لِلْبَلَدِيِّ: يَا رُسْتَاقِيُّ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَا ابْنَ الْخَيَّاطِ، أَوْ يَا ابْنَ الْأَصْفَرِ أَوْ الْأَسْوَدِ، وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا بَلْ يَكُونُ كَاذِبًا، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَا ابْنَ الْأَقْطَعِ، أَوْ يَا ابْنَ الْأَعْوَرِ، وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ - يَكُونُ كَاذِبًا لَا قَاذِفًا، كَمَا إذَا قَالَ لِلْبَصِيرِ: يَا أَعْمَى، ثُمَّ الْقَذْفُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ وَيَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَذْفِ هُوَ النِّسْبَةُ إلَى الزِّنَا، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ لِسَانٍ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَالثَّانِي

стр. 1776

أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ بِهِ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ مِنْ الْمَقْذُوفِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ لِآخَرَ: زَنَى فَخْذُكَ، أَوْ ظَهْرُكَ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ حَقِيقَةً، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَجَازَ مِنْ طَرِيقِ النَّسَبِ، كَمَا قَالَ ﵊: " الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ "، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: زَنَيْتَ بِأُصْبُعِكَ؛ لِأَنَّ الزِّنَا بِالْأُصْبُعِ لَا يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً، وَلَوْ قَالَ: زَنَى فَرْجُكَ - يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الزِّنَا بِالْفَرْجِ يَتَحَقَّقُ، كَأَنَّهُ قَالَ: زَنَيْتُ بِفَرْجِكَ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: زَنَيْتِ بِفَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ ثَوْرٍ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَمْكِينَهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَصَوَّرٌ حَقِيقَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جَعْلَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ عِوَضًا وَأُجْرَةً عَلَى الزِّنَا، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ - لَا يَكُونُ قَذْفًا؛ لِأَنَّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْهَا لَا تَصِيرُ مَزْنِيًّا بِهَا؛ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الزِّنَا مِنْ الْبَهِيمَةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الثَّانِي - يَكُونُ قَذْفًا، كَمَا إذَا قَالَ زَنَيْتِ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَمْتِعَةِ - فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: زَنَيْتِ بِنَاقَةٍ أَوْ بِبَقَرَةٍ أَوْ أَتَانٍ أَوْ رَمَكَةٍ - فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى التَّمْكِينِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْعِوَضِ. لِأَنَّ حَرْفَ " الْبَاءِ " قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْوَاضِ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، وَوَطْؤُهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ زِنًا فَلَا يَكُونُ قَذْفًا، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعِوَضِ فَيَكُونُ قَذْفًا فَوَقَعَ الِاحْتِمَالُ فِي كَوْنِهِ قَذْفًا فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَقَالَ: يَكُونُ قَذْفًا فِي الذَّكَرِ لَا فِي الْأُنْثَى؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَطْءِ مِنْ الرَّجُلِ يُوجَدُ فِي الْأُنْثَى فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْعِوَضِ، وَلَا يُوجَدُ فِي الذَّكَرِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْعِوَضِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُتَصَوَّرُ فِي الصِّنْفَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُكْرَهَةٌ أَوْ مَعْتُوهَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ أَوْ نَائِمَةٌ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهَا إلَى الزِّنَا فِي حَالٍ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا وُجُودُ الزِّنَا فِيهَا، فَكَانَ كَلَامُهُ كَذِبًا لَا قَذْفًا، وَبِمِثْلِهِ لَوْ قَالَ لِأَمَةٍ أُعْتِقَتْ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ أَمَةٌ، أَوْ قَالَ لِكَافِرَةٍ أَسْلَمَتْ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ كَافِرَةٌ - يَكُونُ قَذْفًا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَذَفَهَا لِلْحَالِ بِالزِّنَا فِي حَالٍ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا وُجُودُ الزِّنَا فِيهَا، فَكَانَ كَلَامُهُ كَذِبًا لَا قَذْفًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ قَذَفَهَا لِلْحَالِ لِوُجُودِ الزِّنَا مِنْهَا فِي حَالٍ يُتَصَوَّرُ مِنْهَا الزِّنَا وَهِيَ حَالُ الرِّقِّ وَالْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْنَعَانِ وُقُوعَ الْفِعْلِ زِنًا، وَإِنَّمَا يَمْنَعَانِ الْإِحْصَانَ. وَالْإِحْصَانُ يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ وَقْتَ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ وَقَدْ وُجِدَ، وَلَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ: لَسْتَ لِأُمِّكَ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ نَفْيُ النَّسَبِ مِنْ الْأُمِّ وَنَفْيُ النَّسَبِ مِنْ الْأُمِّ لَا يُتَصَوَّرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّهُ وَلَدَتْهُ حَقِيقَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: لَسْتَ لِأَبَوَيْكَ؛ لِأَنَّهُ نَفْيُ نَسَبِهِ عَنْهُمَا وَلَا يَنْتَفِي عَنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ فَيَكُونُ كَذِبًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَسْتَ لِأَبِيكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَفْيٍ لِوِلَادَةِ الْأُمِّ، بَلْ هُوَ نَفْيُ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ، وَنَفْيُ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ يَكُونُ قَذْفًا لِلْأُمِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: لَسْتَ لِأَبِيكَ وَلَسْتَ لِأُمِّكَ فِي كَلَامٍ مَوْصُولٍ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّ هَذَا وَقَوْلَهُ: لَسْتَ لِأَبَوَيْكَ سَوَاءٌ. وَلَوْ قَالَ لَهُ: لَسْتَ لِآدَمَ أَوْ لَسْتَ لِرَجُلٍ أَوْ لَسْت لِإِنْسَانٍ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْقِطَاعَ عَنْ هَؤُلَاءِ فَكَانَ كَذِبًا مَحْضًا لَا قَذْفًا فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ، أَنَّهُ - لَا يَكُونُ قَذْفًا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَكُونُ قَذْفًا. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ " الْهَاءَ " قَدْ تَدْخُلُ صِلَةً زَائِدَةً فِي الْكَلَامِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ - خَبَرًا عَنْ الْكُفَّارِ ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] وَمَعْنَاهُ: مَالِي وَسُلْطَانِي " وَالْهَاءُ " زَائِدَةٌ؛ فَيُحْذَفُ الزَّائِدُ فَيَبْقَى قَوْلُهُ: يَا زَانِي، وَقَدْ تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، كَمَا يُقَالُ: عَلَّامَةُ وَنَسَّابَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَخْتَلُّ بِهِ مَعْنَى الْقَذْفِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ إنْ حَذَفَهُ فِي نَعْتِ الْمَرْأَةِ لَا يُخِلُّ بِمَعْنَى الْقَذْفِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِي - يَجِبُ الْحَدُّ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي نَعْتِ الرَّجُلِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهُ بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فَيَلْغُو، وَدَلِيلُ عَدَمِ التَّصَوُّرِ؛ أَنَّهُ قَذَفَهُ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ التَّمْكِينُ؛ لِأَنَّ " الْهَاءَ " فِي الزَّانِيَةِ " هَاءُ " التَّأْنِيثِ كَالضَّارِبَةِ وَالْقَاتِلَةِ وَالسَّارِقَةِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الرَّجُلِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِي؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى الِاسْمِ وَحَذَفَ " الْهَاءَ " وَهَاءُ التَّأْنِيثِ قَدْ تُحْذَفُ فِي الْجُمْلَةِ كَالْحَائِضِ وَالطَّالِقِ وَالْحَامِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ فِيهِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ فِيهِ - وَهُوَ الْمَكَانُ - فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ فِي دَارِ الْعَدْلِ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْبَغْيِ فَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ لِلْحُدُودِ هُمْ الْأَئِمَّةُ، وَلَا وِلَايَةَ لِإِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا عَلَى دَارِ الْبَغْيِ

стр. 1777

فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي] وَأَمَّا بَيَانُ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْحُدُودُ كُلُّهَا تَظْهَرُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ، لَكِنْ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهَا، أَمَّا شَرَائِطُ الْبَيِّنَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْحَدِّ (فَمِنْهَا) مَا يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا. (وَمِنْهَا) مَا يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ. أَمَّا الَّذِي يَعُمُّ الْكُلَّ: فَالذُّكُورَةُ وَالْأَصَالَةُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا؛ لِتَمَكُّنِ زِيَادَةِ شُبْهَةٍ فِيهَا - ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَالْحُدُودُ - لَا تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَلَوْ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ الْمَقْذُوفَ صَدَّقَهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ - جَازَ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هَهُنَا قَامَتْ عَلَى إسْقَاطِ الْحَدِّ لَا عَلَى إثْبَاتِهِ، وَالشُّبْهَةُ تَمْنَعُ مِنْ إثْبَاتِ الْحَدِّ لَا مِنْ إسْقَاطِهِ. (وَأَمَّا) الَّذِي يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ (فَمِنْهَا) عَدَمُ التَّقَادُمِ، وَأَنَّهُ شَرْطٌ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا عَايَنَ الْجَرِيمَةَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وَبَيْنَ التَّسَتُّرِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؛ لِقَوْلِهِ «﵊ مَنْ سَتَرَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ» فَلَمَّا لَمْ يَشْهَدْ عَلَى فَوْرِ الْمُعَايَنَةِ حَتَّى تَقَادَمَ الْعَهْدُ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِ جِهَةِ السِّتْرِ، فَإِذَا شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ - دَلَّ عَلَى أَنَّ الضَّغِينَةَ حَمَلَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ فَإِنَّمَا شَهِدُوا عَنْ ضَغَنٍ وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ "، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا فَدَلَّ قَوْلُ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ شَهَادَةُ ضَغِينَةٍ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ وَالْحَالَةَ هَذِهِ يُوَرِّثُ تُهْمَةً، وَلَا شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَمِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ ثَمَّةَ لَا يَدُلُّ عَلَى الضَّغِينَةِ وَالتُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى هُنَاكَ شَرْطٌ فَاحْتُمِلَ أَنَّ التَّأْخِيرَ كَانَ لِتَأْخِيرِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُدَّعِي، وَالدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْحُدُودِ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ التَّأْخِيرُ؛ لِمَا قُلْنَا، وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا فَصْلُ السَّرِقَةِ فَإِنَّ الدَّعْوَى هُنَاكَ شَرْطٌ وَمَعَ هَذَا التَّقَادُمِ مَانِعٌ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ مَشَايِخِنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَعْنَى الضَّغِينَةِ وَالتُّهْمَةِ حِكْمَةُ الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ. وَالسَّبَبُ الظَّاهِرُ هُوَ كَوْنُ الْحَدِّ خَالِصَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ لَا عَلَى الْحِكْمَةِ، وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ فِي السَّرِقَةِ؛ فَيُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْحِكْمَةِ إلَّا إذَا كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ خَفِيًّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِحَرَجٍ، فَيُقَامُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ وَتُجْعَلُ الْحِكْمَةُ مَوْجُودَةً تَقْدِيرًا، وَهَهُنَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَلَمْ تُوجَدْ فِي السَّرِقَةِ؛ لِمَا بَيَّنَّا، فَيَجِبُ أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ التَّقَادُمِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِي السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى السَّرِقَةِ بَعْدَ التَّقَادُمِ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ فِي الِابْتِدَاءِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ السَّرِقَةَ وَيَقْطَعَ طَمَعَهُ عَنْ مَالِهِ احْتِسَابًا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَبَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ أَخْذَ الْمَالِ سَتْرًا عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَلَمَّا أَخَّرَ - دَلَّ تَأْخِيرُهُ عَلَى اخْتِيَارِ جِهَةِ السَّتْرِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ جِهَةِ الْحِسْبَةِ، فَلَمَّا شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قَصَدَ الْإِعْرَاضَ عَنْ جِهَةِ السَّتْرِ فَلَا يَصِحُّ إعْرَاضُهُ وَلَمْ يُجْعَلْ قَاصِدًا جِهَةَ الْحِسْبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْرَضَ عَنْهَا عِنْدَ اخْتِيَارِهِ جِهَةَ السَّتْرِ فَلَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ السَّرِقَةَ فَلَمْ تُقْبَلْ

стр. 1778

الشَّهَادَةُ عَلَى السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ يَقِفُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى، فَبَقِيَ مُدَّعِيًا أَخْذَ الْمَالِ لَا غَيْرَ؛ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ حِسْبَةً، إذْ التَّقَادُمُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ بَيْنَ بَدَلِ النَّفْسِ وَبَيْنَ إقَامَةِ الْحَدِّ بِالدَّعْوَى، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ نَفْسِهِ وَدَعْوَى الْقَذْفِ، فَلَا يُتَّهَمُ بِالتَّأْخِيرِ فَكَانَتْ الدَّعْوَى صَحِيحَةً مِنْهُ. وَالشَّيْخُ مَنْصُورُ الْمَاتُرِيدِيُّ ﵀ أَشَارَ إلَى مَعْنًى آخَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَكَيْتُهُ بِلَفْظِهِ: وَهُوَ أَنَّ عَادَةَ السُّرَّاقِ الْإِقْدَامُ عَلَى السَّرِقَةِ فِي حَالَةِ الْغَفْلَةِ وَانْتِهَازِ الْفُرْصَةِ فِي مَوْضِعِ الْخُفْيَةِ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ وَلَا يَعْرِفُهُمْ إلَّا بِهِمْ وَبِخَبَرِهِمْ، فَإِذَا كَتَمُوا - أَثِمُوا، وَقَدْ يَعْلَمُ الْمُدَّعِي شُهُودَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ، وَيَطْلُبُهَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهَا فَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهَا. وَإِذَا بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى السَّرِقَةِ بِالتَّقَادُمِ قُبِلَتْ فِي حَقِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَهَا فِي حَقِّ الْحَدِّ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهَا، وَالْحَدُّ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. وَأَمَّا الْمَالُ فَيَثْبُتُ مَعَهَا، ثُمَّ التَّقَادُمُ إنَّمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ الثَّلَاثَةِ؛ إذَا كَانَ التَّقَادُمُ فِي التَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ظَاهِرٍ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ بِأَنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ حَاكِمٌ فَحُمِلَ إلَى بَلَدٍ فِيهِ حَاكِمٌ، فَشَهِدُوا عَلَيْهِ - جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الْعُذْرِ فَلَا يَكُونُ التَّقَادُمُ فِيهِ مَانِعًا، ثُمَّ لَمْ يُقَدِّرْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لِلتَّقَادُمِ تَقْدِيرًا، وَفَوَّضَ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ كُلِّ حَاكِمٍ فِي زَمَانِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُوَقِّتُ فِي التَّقَادُمِ شَيْئًا، وَجَهِدْنَا بِهِ أَنْ يُوَقِّتَ؛ فَأَبَى، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَدَّرَاهُ بِشَهْرٍ فَإِنْ كَانَ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ - فَهُوَ مُتَقَادِمٌ، وَإِنْ كَانَ دُونَ شَهْرٍ - فَلَيْسَ بِمُتَقَادِمٍ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ أَدْنَى الْأَجَلِ فَكَانَ مَا دُونَهُ فِي حُكْمِ الْعَاجِلِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ التَّأْخِيرَ قَدْ يَكُونُ لِعُذْرٍ، وَالْأَعْذَارُ فِي اقْتِضَاءِ التَّأْخِيرِ مُخْتَلِفَةٌ فَتَعَذَّرَ التَّوْقِيتُ فِيهِ؛ فَفُوِّضَ إلَى اجْتِهَادِ الْقَاضِي فِيمَا يُعَدُّ إبْطَاءً وَمَا لَا يُعَدُّ، وَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الشُّهُودِ بِزِنًا مُتَقَادِمٍ هَلْ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ؟ حَكَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُمْ يُحَدُّونَ، وَتَأْخِيرُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِيَارِ جِهَةِ السَّتْرِ، فَخَرَجَ كَلَامُهُمْ عَنْ كَوْنِهِ شَهَادَةً؛ فَبَقِيَ قَذْفًا فَيُوجِبُ الْحَدَّ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ﵀ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُمْ وَإِنْ أَوْرَثَ تُهْمَةً وَشُبْهَةً فِي الشَّهَادَةِ - فَأَصْلُ الشَّهَادَةِ بَاقٍ، فَلَمَّا اُعْتُبِرَتْ الشُّبْهَةُ فِي إسْقَاطِ حَدِّ الزِّنَا عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ تُعْتَبَرَ حَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ لِإِسْقَاطِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْ الشُّهُودِ أَوْلَى. (وَمِنْهَا) قِيَامُ الرَّائِحَةِ وَقْتَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ فِي قَوْلِهِمَا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالْحُجَجُ سَتَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا. (وَمِنْهَا) عَدَدُ الْأَرْبَعِ فِي الشُّهُودِ فِي حَدِّ الزِّنَا؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وَقَوْلِهِ ﵎ ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] ؛ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُجَّةِ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّوْعِ الْآخَرِ؛ وَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَهُنَاكَ عَدَدُ الْأَرْبَعِ شَرْطٌ. كَذَا هَهُنَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُدُودِ فَإِنَّ عَدَدَ الْأَقَارِيرِ الْأَرْبَعِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا، فَكَذَا عَدَدُ الْأَرْبَعِ مِنْ الشُّهُودِ؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَدِ الْأَرْبَعِ فِي الشَّهَادَةِ يَثْبُتُ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الزِّنَا خَاصَّةً فَإِنْ شَهِدَ عَلَى الزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِنُقْصَانِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ، وَهَلْ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُحَدُّونَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إذَا جَاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ - لَمْ يُحَدُّوا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ، وَقَالَ الرَّابِعُ: رَأَيْتُهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ - أَنَّهُ يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ عِنْدَنَا وَلَا حَدَّ عَلَى الرَّابِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ إلَّا إذَا كَانَ قَالَ فِي الِابْتِدَاءِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، ثُمَّ فَسَّرَ الزِّنَا بِمَا ذَكَرَ فَحِينَئِذٍ يُحَدُّ. (وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُمْ إذَا جَاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ كَانَ قَصْدُهُمْ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ حِسْبَةً لِلَّهِ - تَعَالَى - لَا الْقَذْفَ، فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا. (وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّ ثَلَاثَةً شَهِدُوا عَلَى مُغِيرَةَ بِالزِّنَا، فَقَامَ الرَّابِعُ وَقَالَ: رَأَيْتُ أَقْدَامًا بَادِيَةً وَنَفَسًا عَالِيًا وَأَمْرًا مُنْكَرًا، وَلَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَقَالَ سَيّ دُنَا عُمَرُ ﵁ لَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْضَحْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَحَدَّ الثَّلَاثَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ ﵃، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ فَيَكُونُ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الشُّهُودِ كَلَامُ قَذْفٍ حَقِيقَةً، إذْ الْقَذْفُ هُوَ النِّسْبَةُ إلَى الزِّنَا وَقَدْ وُجِدَ مِنْ الشُّهُودِ حَقِيقَةً، فَيَدْخُلُونَ تَحْتَ آيَةِ الْقَذْفِ، إلَّا أَنَّا اعْتَبَرْنَا تَمَامَ عَدَدِ الْأَرْبَعِ إذَا جَاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ فَقَدْ قَصَدُوا إقَامَةَ الْحِسْبَةِ وَاجِبًا؛ حَقًّا لِلَّهِ

стр. 1779

تَعَالَى فَخَرَجَ كَلَامُهُمْ عَنْ كَوْنِهِ قَذْفًا وَصَارَ شَهَادَةً شَرْعًا، فَعِنْدَ النُّقْصَانِ بَقِيَ قَذْفًا حَقِيقَةً فَيُوجِبُ الْحَدَّ. وَلَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الزِّنَا، وَشَهِدَ رَابِعٌ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ - تُحَدُّ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ صَارَتْ قَذْفًا؛ لِنُقْصَانِ الْعَدَدِ، وَلَا حَدَّ عَلَى الرَّابِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ بَلْ حَكَى قَذْفَ غَيْرِهِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَ الْأَرْبَعِ عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ أَعْمَى أَوْ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ - حُدُّوا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ لَيْسَتْ لَهُمَا أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ أَصْلًا وَرَأْسًا، فَانْتُقِصَ الْعَدَدُ فَصَارَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا، وَالْأَعْمَى وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ لَيْسَتْ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ، أَوْ إنْ كَانَتْ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا وَسَمَاعًا فَقَصُرَتْ أَهْلِيَّتُهُمَا لِلشَّهَادَةِ فَانْتُقِصَ الْعَدَدُ فَصَارَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا، وَسَوَاءٌ عُلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ، وَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِمْضَاءِ فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا - فَكَذَلِكَ يُحَدُّونَ وَلَا يَضْمَنُونَ أَرْشَ الضَّرْبِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَاتِ، وَإِنْ كَانَ رَجْمًا - لَا يُحَدُّونَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ كَلَامَهُمْ وَقَعَ قَذْفًا وَمَنْ قَذَفَ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ الْمَقْذُوفُ - سَقَطَ الْحَدُّ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ حَصَلَ مِنْ الْقَاضِي، وَخَطَأُ الْقَاضِي عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْتُ الْمَالِ مَالُ الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ شَهِدَ الزَّوْجُ وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ - حُدَّ الثَّلَاثَةُ وَلَاعَنَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ قَذْفَ الزَّوْجِ يُوجِبُ اللِّعَانَ لَا الْحَدَّ، فَانْتُقِصَ الْعَدَدُ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ، فَصَارَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا؛ فَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ. وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ الشُّهُودَ الْأَرْبَعَةَ عَبِيدٌ أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي قَذْفٍ أَوْ عُمْيَانٌ - يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ فُسَّاقٌ - لَا يُحَدُّونَ، وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَبْدَ وَالْكَافِرَ لَا شَهَادَةَ لَهُمَا أَصْلًا، وَالْأَعْمَى وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ لَهُمَا شَهَادَةٌ سَمَاعًا وَتَحَمُّلًا لَا أَدَاءً، فَكَانَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا، وَالْفَاسِقُ لَهُ شَهَادَةٌ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا سَمَاعًا، وَإِذَا كَانَ كَلَامُ الْفَاسِقِ شَهَادَةً لَا قَذْفًا فَلَا يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ ادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَّ أَحَدَ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ عَبْدٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ حُرٌّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ أَحْرَارٌ إلَّا فِي أَرْبَعٍ: الشَّهَادَةِ وَالْقِصَاصِ وَالْعَقْلِ وَالْحُدُودِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. (وَمِنْهَا) اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مُجْتَمِعِينَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ - يَشْهَدُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَدُّونَ وَإِنْ كَثُرُوا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كَلَامَهُمْ قَذْفٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قَذْفًا شَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَقْتَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا انْعَدَمَتْ هَذِهِ الشَّرِيطَةُ - بَقِيَ قَذْفًا فَيُوجِبُ الْحَدَّ، حَتَّى لَوْ جَاءُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، وَقَعَدُوا فِي مَوْضِعِ الشُّهُودِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَاءُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَشَهِدُوا - جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِوُجُودِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَقْتَ الشَّهَادَةِ، إذْ الْمَسْجِدُ كُلُّهُ مَجْلِسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانُوا خَارِجِينَ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَشَهِدَ، ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ - يُضْرَبُونَ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانُوا مِثْلَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ جَاءَ رَبِيعَةُ وَمُضَرُ فُرَادَى - لَحَدَدْتُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْهُمْ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوَطْءُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ كَالْمَجْبُوبِ - لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ. وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ خَصِيًّا أَوْ عِنِّينًا - قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّ؛ لِتَصَوُّرِ الزِّنَا مِنْهُمَا؛ لِقِيَامِ الْآلَةِ - بِخِلَافِ الْمَجْبُوبِ - (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى دَعْوَى الشُّبْهَةِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ كَالْأَخْرَسِ - لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَادِرًا لَادَّعَى شُبْهَةً، وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا أَعْمَى قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى قَادِرٌ عَلَى دَعْوَى الشُّبْهَةِ لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ. وَلَوْ شَهِدُوا بِالزِّنَا، ثُمَّ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَى فَرْجِهَا - لَا تُبْطَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّحَمُّلِ، وَلَا بُدَّ لِلتَّحَمُّلِ مِنْ النَّظَرِ إلَى عَيْنِ الْفَرْجِ، وَيُبَاحُ لَهُمْ النَّظَرُ إلَيْهَا لِقَصْدِ إقَامَةِ الْحِسْبَةِ، كَمَا يُبَاحُ لِلطَّبِيبِ لِقَصْدِ الْمُعَالَجَةِ، وَلَوْ قَالُوا: نَظَرْنَا مُكَرَّرًا - بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُمْ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (وَمِنْهَا) اتِّحَادُ الشُّهُودِ، وَهُوَ أَنْ يُجْمِعَ الشُّهُودُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ فَإِنْ اخْتَلَفُوا - لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى فِي مَكَانِ كَذَا، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى فِي مَكَان آخَرَ، وَالْمَكَانَانِ مُتَبَايِنَانِ؛ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ فِيهِمَا فِعْلٌ وَاحِدٌ عَادَةً، كَالْبَلَدَيْنِ وَالدَّارَيْنِ وَالْبَيْتَيْنِ - لَا تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ وَلَا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِفِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَكَانَيْنِ، وَلَيْسَ

стр. 1780

عَلَى أَحَدِهِمَا شَهَادَةُ الْأَرْبَعِ وَلَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ أَيْضًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ يُحَدُّونَ. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ عَدَدَ الشُّهُودِ قَدْ اُنْتُقِصَ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ شَهِدَ بِفِعْلٍ غَيْرِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْفَرِيقُ الْآخَرُ، وَنُقْصَانُ عَدَدِ الشُّهُودِ يُوجِبُ صَيْرُورَةَ الشَّهَادَةِ قَذْفًا، كَمَا لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا. (وَلَنَا) أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ عِنْدَ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا زِنًا وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَكَانِ فَثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمْ شُبْهَةُ اتِّحَادِ الْفِعْلِ؛ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا إذَا اخْتَلَفُوا فِي الزَّمَانِ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي يَوْمِ كَذَا، وَاثْنَانِ فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ مِنْ الْبَيْتِ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ الْأُخْرَى مِنْهُ - يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ لِجَوَازِ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْفِعْلِ وَقَعَ فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ مِنْ الْبَيْتِ وَانْتِهَاؤُهُ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مِنْهُ؛ لِانْتِقَالِهِمَا مِنْهُ وَاضْطِرَابِهِمَا فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَشْهُودُ بِهِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَيْتُ كَبِيرًا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتَيْنِ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا، وَاثْنَانِ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ - لَا حَدَّ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا بِالزِّنَا طَوْعًا وَلَمْ تَثْبُتْ الطَّوَاعِيَةُ فِي حَقِّهَا، (وَأَمَّا) الرَّجُلُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ زِنَا الرَّجُلِ عَنْ طَوْعٍ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعِ، إلَّا أَنَّهُ تَفَرَّدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِإِثْبَاتِ زِيَادَةِ الْإِكْرَاهِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ، كَمَا لَوْ زَنَى بِهَا مُسْتَكْرَهَةً، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أَنَّ الْمَشْهُودَ قَدْ اخْتَلَفَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ غَيْرُ فِعْلِ مَنْ لَيْسَ بِمُكْرَهٍ فَقَدْ شَهِدُوا بِفِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا شَهَادَةُ الْأَرْبَعِ فَلَا يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَلَا الشُّهُودُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، خِلَافًا لِزُفَرَ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. ثُمَّ الشُّهُودُ إذَا اسْتَجْمَعُوا شَرَائِطَ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ، وَشَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي سَأَلَهُمْ الْقَاضِي عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ وَكَيْف هُوَ وَمَتَى زَنَى وَأَيْنَ زَنَى وَبِمَنْ زَنَى؟ أَمَّا السُّؤَالُ عَنْ مَاهِيَّةِ الزِّنَا؛ فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ غَيْرَ الزِّنَا الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الزِّنَا يَقَعُ عَلَى أَنْوَاعٍ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ، قَالَ ﵊: " الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ. " وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ الْكَيْفِيَّةِ؛ فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ الْجِمَاعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى جِمَاعًا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ. وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ الزَّمَانِ؛ فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِزِنًا مُتَقَادِمٍ، وَالتَّقَادُمُ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا، وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ الْمَكَانِ؛ فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْبَغْيِ، وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ الْمَزْنِيِّ بِهَا؛ فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَوْطُوءَةُ مِمَّنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْئِهَا كَجَارِيَةِ الِابْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا سَأَلَهُمْ الْقَاضِي عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ - فَوَصَفُوا، سَأَلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَهُوَ مُحْصَنٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ أَنْكَرَ الْإِحْصَانَ، وَشَهِدَ عَلَى الْإِحْصَانِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى الِاخْتِلَافِ - سَأَلَ الشُّهُودَ عَنْ الْإِحْصَانِ مَا هُوَ؛ لِأَنَّ لَهُ شَرَائِطَ يَجُوزُ أَنْ تَخْفَى عَلَى الشُّهُودِ، فَإِذَا وَصَفُوا - قُضِيَ بِالرَّجْمِ وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْإِحْصَانِ أَنَّهُ جَامَعَهَا أَوْ بَاضَعَهَا - صَارَ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْعُرْفِ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا - صَارَ مُحْصَنًا، وَهَذَا وَقَوْلُهُ جَامَعَهَا سَوَاءٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا يَصِيرُ مُحْصَنًا. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَطْءِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الزِّفَافِ، فَلَا يَثْبُتُ الْإِحْصَانُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَلَهُمَا أَنَّ الدُّخُولَ بِالْمَرْأَةِ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] حَرَّمَ الرَّبِيبَةَ بِشَرْطِ الدُّخُولِ بِأُمِّهَا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الدُّخُولِ هُوَ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّهَا تُحَرَّمُ بِمُجَرَّدِ نِكَاحِ الْأُمِّ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الِاخْتِلَافَ عَلَى الْقَلْبِ فَقَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَا يَصِيرُ مُحْصَنًا مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْوَطْءِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ يَصِيرُ مُحْصَنًا، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى الدُّخُولِ وَكَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ - هُوَ مُحْصَنٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَفَى بِالْوَلَدِ شَاهِدًا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمْ. (وَأَمَّا) شَرَائِطُ الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ فَمِنْهَا مَا يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، أَمَّا الَّذِي يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا فَمِنْهَا: الْبُلُوغُ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الصَّبِيِّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْحَدِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ جِنَايَةً، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ جِنَايَةً؛ فَكَانَ إقْرَارُهُ كَذِبًا مَحْضًا، وَمِنْهَا: النُّطْقُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ بِالْخِطَابِ وَالْعِبَارَةِ دُونَ الْكِتَابِ وَالْإِشَارَةِ، حَتَّى إنَّ الْأَخْرَسَ لَوْ كَتَبَ الْإِقْرَارَ فِي كِتَابٍ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ إشَارَةً مَعْلُومَةً - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالْبَيَانِ الْمُتَنَاهِي، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ

стр. 1781

بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ - لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالزِّنَا، وَالْبَيَانُ لَا يَتَنَاهَى إلَّا بِالصَّرِيحِ وَالْكِتَابَةِ - وَالْإِشَارَةُ بِمَنْزِلَةِ - الْكِتَابَةِ فَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ. وَأَمَّا الْبَصَرُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، فَيَصِحُّ إقْرَارُ الْأَعْمَى فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا كَالْبَصِيرِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَمْنَعُ مُبَاشَرَةَ سَبَبِ وُجُوبِهَا، وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالذُّكُورَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؛ حَتَّى يَصِحَّ إقْرَارُ الرَّقِيقِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمَرْأَةِ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ، وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الْحُدُودِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِ الْمَوْلَى، وَالْكَلَامُ فِي التَّصْدِيقِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَمَّا) الَّذِي يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ فَمِنْهَا: عَدَدُ الْأَرْبَعِ فِي حَدِّ الزِّنَا خَاصَّةً، وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيُكْتَفَى بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً فِي الشَّرْعِ لِرُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ، وَهُوَ الْمَعْنَى عِنْدَ التَّكْرَارِ وَالتَّوَحُّدِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ وَالْخَبَرُ لَا يَزِيدُ رُجْحَانًا بِالتَّكْرَارِ، وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ، بِخِلَافِ عَدَدِ الْمُثَنَّى فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ زِيَادَةَ ظَنٍّ عَلَيْهِ فِيهَا، إلَّا أَنَّ شَرْطَ الْعَدَدِ الْأَرْبَعِ فِي بَابِ الزِّنَا تَعَبُّدٌ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعِ التَّعَبُّدِ. (وَلَنَا) أَنَّ الْقِيَاسَ مَا قَالَهُ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالنَّصِّ وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ مَاعِزًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقَرَّ بِالزِّنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ﵊ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، هَكَذَا إلَى الْأَرْبَعِ، فَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ مَرَّةً مُظْهِرًا لِلْحَدِّ لَمَا أَخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْأَرْبَعِ» ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ بَعْدَ مَا ظَهَرَ وُجُوبُهُ لِلْإِمَامِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ. (وَأَمَّا) الْعَدَدُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْقَذْفِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالسُّكْرِ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إنَّهُ كُلَّمَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ فَعَدَدُ الْإِقْرَارِ فِيهِ كَعَدَدِ الشُّهُودِ وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ﵀: إنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ مَرَّتَيْنِ فِي مَكَانَيْنِ. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالسُّكْرِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - كَحَدِّ الزِّنَا، فَتَلْزَمُ مُرَاعَاةُ الِاحْتِيَاطِ فِيهِ بِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ كَمَا فِي الزِّنَا، إلَّا أَنَّهُ يُكْتَفَى هَهُنَا بِالْمَرَّتَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ الْأَرْبَعُ هُنَاكَ اسْتِدْلَالًا بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ وَالشُّرْبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَثْبُتُ بِنِصْفِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا؛ وَهُوَ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ، فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ، وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ التَّكْرَارُ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ إخْبَارٌ وَالْمُخْبَرُ لَا يَزْدَادُ بِتَكْرَارِ الْخَبَرِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا عَدَدَ الْأَرْبَعِ فِي بَابِ الزِّنَا بِنَصٍّ غَيْرِ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَمِنْهَا عَدَدُ الْمَجَالِسِ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ أَرْبَعَ مَجَالِسَ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَجَالِسُ الْقَاضِي أَوْ مَجَالِسُ الْمُقِرِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَجَالِسُ الْمُقِرِّ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَجَالِسُ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ ﵊ اعْتَبَرَ اخْتِلَافَ مَجَالِسِ مَاعِزٍ، حَيْثُ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، ثُمَّ يَعُودُ وَمَجْلِسُهُ ﵊ لَمْ يَخْتَلِفْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَفْسِيرِ اخْتِلَافِ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ: هُوَ أَنْ يُقِرَّ مَرَّةً، ثُمَّ يَذْهَبُ حَتَّى يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِ الْقَاضِي، ثُمَّ يَجِيءُ فَيُقِرُّ ثُمَّ يَذْهَبُ، هَكَذَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِ - لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ مَاعِزٍ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَوْ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى إقْرَارِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُقِرًّا فَالشَّهَادَةُ لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْإِقْرَارِ لَا لِلشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا فَالْإِنْكَارُ مِنْهُ رُجُوعٌ، وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ حَقًّا لِلَّهِ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا الصِّحَّةُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالسُّكْرِ حَتَّى لَوْ كَانَ سَكْرَانَ - لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، أَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَلِأَنَّ السَّكْرَانَ: مَنْ صَارَ بِالشُّرْبِ إلَى حَالٍ لَا يَعْقِلُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا فَكَانَ عَقْلُهُ زَائِلًا مَسْتُورًا حَقِيقَةً. وَأَمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا؛ فَلِأَنَّهُ إذَا غَلَبَ الْهَذَيَانُ عَلَى كَلَامِهِ؛ فَقَدْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ الْعَقْلِ، وَلِهَذَا لَمْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ فَيُورِثُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ، وَلِلْعَبْدِ حَقٌّ فِي حَدِّ الْقَذْفِ؛ فَيَصِحُّ مَعَ السُّكْرِ كَالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَإِذَا صَحَّا فَإِنْ دَامَ عَلَى إقْرَارِهِ - تُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ كُلُّهَا، وَإِنْ أَنْكَرَهُ فَالْإِنْكَارُ مِنْهُ رُجُوعٌ فَيَصِحُّ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ وَهُوَ حَدُّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ فِي حَقِّ الْقَطْعِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْقَذْفِ وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الزِّنَا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ كَالْمَجْبُوبِ - لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ؛ لِانْعِدَامِ

стр. 1782

الْآلَةِ، وَيَصِحُّ إقْرَارُ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ لِتَصَوُّرِ الزِّنَا مِنْهُمَا؛ لِتَحَقُّقِ الْآلَةِ، وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ إذَا أَقَرَّ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ - فَهُوَ مِثْلُ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ صَحِيحٌ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَزْنِيُّ بِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى دَعْوَى الشُّبْهَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ خَرْسَاءَ أَوْ أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ أَنَّهَا زَنَتْ بِأَخْرَسَ - لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ؛ لَادَّعَى النِّكَاحَ أَوْ أَنْكَرَ الزِّنَا وَلَمْ يَدَّعِ شَيْئًا فَيَنْدَرِئُ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا حَضْرَةُ الْمَزْنِيِّ بِهَا فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ غَائِبَةٍ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ غَائِبَةٍ - صَحَّ الْإِقْرَارُ وَقُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ بِالْغَيْبَةِ لَيْسَ إلَّا الدَّعْوَى وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؛ وَلِهَذَا رُجِمَ مَاعِزٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ حُضُورِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْمَزْنِيِّ بِهَا ثُمَّ إذَا صَحَّ إقْرَارُهُ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ غَائِبَةٍ يَعْرِفُهَا، فَحَضَرَتْ الْمَرْأَةُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ حَضَرَتْ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِمَّا أَنْ حَضَرَتْ بَعْدَ الْإِقَامَةِ، فَإِنْ حَضَرَتْ بَعْدَ الْإِقَامَةِ، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ بِهِ الرَّجُلُ - تُحَدُّ أَيْضًا كَمَا حُدَّ الرَّجُلُ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ وَادَّعَتْ عَلَى الرَّجُلِ حَدَّ الْقَذْفِ - لَا يُحَدُّ الرَّجُلُ حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدَّانِ، وَقَدْ أُقِيمَ أَحَدُهُمَا فَلَا يُقَامُ الْآخَرُ. وَإِنْ حَضَرَتْ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الرَّجُلِ فَإِنْ أَنْكَرَتْ الزِّنَا وَادَّعَتْ النِّكَاحَ أَوْ لَمْ تَدَّعِ، وَادَّعَتْ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الرَّجُلِ أَوْ لَمْ تَدَّعِ فَحُكْمُهُ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْعِلْمُ بِالْمَزْنِيِّ بِهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: زَنَيْتُ بِامْرَأَةٍ وَلَا أَعْرِفُهَا - صَحَّ إقْرَارُهُ وَيُحَدُّ وَالْعِلْمُ بِالْمَشْهُودِ بِهِ شَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ، حَتَّى لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَقَالُوا: لَا نَعْرِفُهَا - لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُقِرَّ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ يَبْنِي الْأَمْرَ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ - خُصُوصًا فِي الزِّنَا، فَكَانَ إقْرَارُهُ إخْبَارًا عَنْ وُجُودِ الزِّنَا مِنْهُ حَقِيقَةً، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ الْمَرْأَةِ وَنَسَبَهَا وَذَا لَا يُورِثُ شُبْهَةً، فَأَمَّا الشَّاهِدُ فَإِنَّهُ بِشَهَادَتِهِ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِقُصُورِ عِلْمِهِ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الْحَقِيقَةِ، فَقَوْلُهُمْ: لَا نَعْرِفُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ يُورِثُ شُبْهَةً؛ لِجَوَازِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ امْرَأَةٌ لَهُ فِيهَا شُبْهَةُ حِلٍّ أَوْ مِلْكٍ، فَهُوَ الْفَرْقُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَأَمَّا عَدَمُ التَّقَادُمِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ؟ أَمَّا فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِّ الزِّنَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ. (وَلَنَا) الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَانِعَ فِي الشَّهَادَةِ تَمَكُّنُ التُّهْمَةِ وَالضَّغِينَةِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ وَكَذَا فِي حَدِّ السَّرِقَةِ؛ لِمَا قُلْنَا. وَأَمَّا فِي حَدِّ الشُّرْبِ فَشَرْطٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قِيَامَ الرَّائِحَةِ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ عِنْدَهُمَا، وَلِهَذَا لَا يَبْقَى مَعَ التَّقَادُمِ، وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ الْعَهْدُ، وَلَكِنَّ رِيحَهَا لَا يُوجَدُ مِنْهُ - لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ عِنْدَهُمَا، خِلَافًا لَهُ. (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا عُرِفَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَإِجْمَاعُهُمْ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَمْ يَثْبُتْ فَتْوَاهُ عِنْدَ زَوَالِ الرَّائِحَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِابْنِ أَخٍ لَهُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: بِئْسَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ أَنْتَ، لَا أَدَّبْتَهُ صَغِيرًا وَلَا سَتَرْت عَلَيْهِ كَبِيرًا، ثُمَّ قَالَ ﵁: تَلْتِلُوهُ وَمَزْمِزُوهُ وَاسْتَنْكِهُوهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ رَائِحَةَ الْخَمْرِ - فَاجْلِدُوهُ، وَأَفْتَى ﵁ بِالْحَدِّ عِنْدَ وُجُودِ الرَّائِحَةِ. وَلَمْ يَثْبُتْ فَتْوَاهُ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ، فَلَا يَجِبُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا إجْمَاعَ، ثُمَّ إنَّمَا تُعْتَبَرُ الرَّائِحَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ سَكْرَانَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ سَكْرَانًا - فَلَا؛ لِأَنَّ السُّكْرَ أَدُلُّ عَلَى الشُّرْبِ مِنْ الرَّائِحَةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ جِيءَ بِهِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ لَا تَبْقَى الرَّائِحَةُ بِالْمَجِيءِ مِنْ مِثْلِهِ عَادَةً - يُحَدُّ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الرَّائِحَةُ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الْعُذْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ قِيَامُ الرَّائِحَةِ فِيهِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَإِذَا أَقَرَّ إنْسَانٌ بِالزِّنَا عِنْدَ الْقَاضِي؛ يَنْبَغِي أَنْ يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ أَوْ يَطْرُدَهُ، وَكَذَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ هَكَذَا فُعِلَ ﵊ بِمَاعِزٍ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " اُطْرُدُوا الْمُعْتَرِفِينَ ". أَيْ بِالزِّنَا، فَإِذَا أَقَرَّ أَرْبَعًا نُظِرَ فِي حَالِهِ أَهُوَ صَحِيحُ الْعَقْلِ أَمْ بِهِ آفَةٌ؟ هَكَذَا قَالَ ﵊ لِمَاعِزٍ أَبِكَ خَبَلٌ أَمْ بِكَ جُنُونٌ؟ وَبَعَثَ إلَى قَوْمِهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِ. فَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ سَأَلَهُ عَنْ مَاهِيَّةِ الزِّنَا وَعَنْ كَيْفِيَّتِهِ وَعَنْ مَكَانِهِ وَعَنْ الْمَزْنِيِّ بِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الشَّهَادَةِ،

стр. 1783

وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنْ الزَّمَانِ لِمَكَانِ احْتِمَالِ التَّقَادُمِ، وَالتَّقَادُمُ فِي الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الزَّمَانِ أَيْضًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ الصِّغَرِ، فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ - سَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ أَهُوَ مُحْصَنٌ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ حُكْمَ الزِّنَا يَخْتَلِفُ بِالْإِحْصَانِ وَعَدَمِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا مُحْصَنٌ - سَأَلَهُ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِحْصَانِ أَنَّهُ مَا هُوَ؟ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ شَرَائِطِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ فَإِذَا بَيَّنَ رَجَمَهُ. وَأَمَّا عِلْمُ الْقَاضِي فَلَا يَظْهَرُ بِهِ حَدُّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالسُّكْرِ وَالسَّرِقَةِ؛ حَتَّى لَا يَقْضِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ، لَكِنَّهُ يَقْضِي بِالْمَالِ فِي السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْأَمْوَالِ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ قَبْلَ زَمَانِ الْقَضَاءِ وَمَكَانِهِ أَوْ بَعْدَهُمَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ مُعَايَنَةً بِأَنْ رَأَى إنْسَانًا يَزْنِي وَيَشْرَبُ وَيَسْرِقُ، أَوْ بِسَمَاعِ الْإِقْرَارِ بِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ - لَزِمَهُ مُوجِبُ إقْرَارِهِ، إذْ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ - لَاحْتَاجَ الْقَاضِي إلَى أَنْ يَكُونَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ بِخِلَافِهِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَيَظْهَرُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ فِي زَمَانِ الْقَضَاءِ وَمَكَانِهِ كَالْقِصَاصِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي ظُهُورِ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِ زَمَانِ الْقَضَاءِ وَمَكَانِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي كِتَابِ آدَابِ الْقَاضِي، وَلَا يَظْهَرُ حَدُّ السَّرِقَةِ بِالنُّكُولِ، لَكِنَّهُ يَقْضِي بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ إمَّا بَدَلٌ، وَإِمَّا إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ، وَالْحَدُّ لَا يَحْتَمِلُ الْبَدَلَ وَلَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ، وَالْمَالُ يَحْتَمِلُ الْبَدَلَ وَالثُّبُوتَ بِالشُّبْهَةِ. وَأَمَّا الْخُصُومَةُ فَهَلْ هِيَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْحَدِّ بِالشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ؟ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ وَالْخُصُومَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا تُقَامُ حِسْبَةً لِلَّهِ - تَعَالَى - فَلَا يَتَوَقَّفُ ظُهُورُهَا عَلَى دَعْوَى الْعَبْدِ. وَلَا خِلَافَ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِيهَا شَرْطُ الظُّهُورِ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، لَكِنْ هَذَا الْحَقُّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ كَوْنِ الْمَسْرُوقِ مِلْكًا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلَّا بِالْخُصُومَةِ، وَفِي كَوْنِهَا شَرْطَ الظُّهُورِ بِالْإِقْرَارِ خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّهَا شَرْطُ الظُّهُورِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْقَذْفِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ، أَمَّا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى كَمَا فِي سَائِرِ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَعِنْدَنَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُغَلَّبُ فِيهِ، لَكِنْ لِلْعَبْدِ فِيهِ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ بِصِيَانَةِ عِرْضِهِ عَنْ الْهَتْكِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى عَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ شَرْطُ كَوْنِ النِّيَّةِ وَالْإِقْرَارِ مُظْهِرَيْنِ فِيهِ فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا - فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى وَالْخُصُومَةِ، وَالثَّانِي - فِي بَيَانِ مَنْ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ وَمَنْ لَا يَمْلِكُهَا، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَنَقُولُ - وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى: الْأَفْضَلُ لِلْمَقْذُوفِ أَنْ يَتْرُكَ الْخُصُومَةَ؛ لِأَنَّ فِيهَا إشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى تَرْكِهَا، وَكَذَا الْعَفْوُ عَنْ الْخُصُومَةِ وَالْمُطَالَبَةِ الَّتِي هِيَ حَقُّهَا مِنْ بَابِ الْفَضْلِ وَالْكَرَامَةِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وَقَالَ ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وَإِذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي يُسْتَحْسَنُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالْبَيِّنَةِ: أَعْرِضْ عَنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ نَدْبٌ إلَى السَّتْرِ وَالْعَفْوِ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، فَإِذَا لَمْ يَتْرُكْ الْخُصُومَةَ، وَادَّعَى الْقَذْفَ عَلَى الْقَاذِفِ، فَأَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي فَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا قَذَفَهُ، هَلْ يَحْلِفُ؟ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَذَكَرَ فِي آدَابِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا نَكِلَ - يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْحَدِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْلِفَ، فَإِذَا نَكِلَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالتَّعْزِيرِ لَا بِالْحَدِّ. وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ حَدُّ الْقَذْفِ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ، فَيَجْرِي فِيهِ الِاسْتِحْلَافُ كَمَا فِي سَائِرِ حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا فَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنَّهُ يَحْلِفُ وَيَقْضِي بِالْحَدِّ عِنْدَ النُّكُولِ اعْتَبَرَ مَا فِيهِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ فَأَلْحَقَهُ فِي التَّحْلِيفِ بِالتَّعْزِيرِ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَصْلًا اعْتَبَرَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُغَلَّبُ، فَأَلْحَقَهُ بِسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ الْخَالِصَةِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِحْلَافِ هُوَ النُّكُولُ، وَأَنَّهُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَدَلٌ، وَالْحَدُّ لَا يَحْتَمِلُ الْبَدَلَ، وَعَلَى أَصْلِهِمَا إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحِ إقْرَارٍ، بَلْ هُوَ إقْرَارٌ بِطَرِيقِ السُّكُوتِ، فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ، وَالْحَدُّ لَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ. إنَّهُ يَحْلِفَ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالتَّعْزِيرِ عِنْدَ النُّكُولِ

стр. 1784

دُونَ الْحَدِّ، اعْتَبَرَ حَقَّ الْعَبْدِ فِيهِ لِلِاسْتِحْلَافِ كَالتَّعْزِيرِ وَاعْتَبَرَ حَقَّ اللَّهِ لِلْمَنْعِ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عِنْدَ النُّكُولِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ كَحَدِّ السَّرِقَةِ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الِاسْتِحْلَافُ، وَلَا يَقْضِي عِنْدَ النُّكُولِ بِالْحَدِّ، وَلَكِنْ يَقْضِي بِالْمَالِ، وَكَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ - فِي الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ وَالنَّفْسِ: إنَّهُ يَحْلِفُ، وَعِنْدَ النُّكُولِ لَا يَقْضِي بِالْقِصَاصِ بَلْ بِالدِّيَةِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ عَلَى قَذْفِهِ - يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَذْفُ إلَى قِيَامِ الْحَاكِمِ مِنْ مَجْلِسِهِ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْحَبْسِ الْمُلَازَمَةُ أَيْ يُقَالُ لِلْمُدَّعِي: لَازِمْهُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْبَيِّنَةَ فِيهِ وَإِلَّا خُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ، هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَفِيلُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَلَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ، وَعِنْدَهُمَا يُكْفَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُؤْخَذُ الْكَفِيلُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ جَبْرًا، فَأَمَّا إذَا بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَأَعْطَى الْكَفِيلَ - فَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ النَّفْيِ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ؛ يُرَادُ بِهَا نَفْيُ الْجَوَازِ مِنْ الْأَصْلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْحَبْسَ جَائِزٌ فِي الْحُدُودِ، فَالْكَفَالَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ فِي الْحَبْسِ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي الْكَفَالَةِ، فَلَمَّا جَازَ الْحَبْسُ فَالْكَفَالَةُ أَحَقُّ بِالْجَوَازِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْكَفَالَةَ شُرِعَتْ لِلِاسْتِيثَاقِ، وَالْحُدُودُ مَبْنَاهَا عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ، قَالَ ﵊: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فَلَا يُنَاسِبُهَا الِاسْتِيثَاقُ بِالْكَفَالَةِ، بِخِلَافِ الْحَبْسِ فَإِنَّ الْحَبْسَ لِلتُّهْمَةِ مَشْرُوعٌ، رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ حَبَسَ رَجُلًا بِالتُّهْمَةِ» وَقَدْ ثَبَتَتْ التُّهْمَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ، فَجَازَ الْحَبْسُ فَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا الْقَاضِي - أَيْ لَمْ تَظْهَرْ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ الْحَبْسِ - فَلَا خِلَافَ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ، وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا حُبِسَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا لَا يُحْبَسُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْحَقَّ لَا يَظْهَرُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، فَالْحَبْسُ مِنْ أَيْنَ بِخِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ؟ فَإِنَّ سَبَبَ ظُهُورِ الْحَقِّ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ كَمَالُ عَدَدِ الْحُجَّةِ، إلَّا أَنَّ تَوَقُّفَ الظُّهُورِ لِتَوَقُّفِ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ فَثَبَتَتْ الشُّبْهَةُ؛ فَيُحْبَسُ. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْحَقَّ فَإِنَّهُ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وَحَبْسُ الْمُتَّهَمِ جَائِزٌ، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ بَيِّنَتِي غَائِبَةٌ أَوْ خَارِجُ الْمِصْرِ - لَا يُحْبَسُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، فَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لِلْمَقْذُوفِ عَلَى الْقَذْفِ، أَوْ أَقَرَّ الْقَاذِفُ بِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لَهُ: أَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى صِحَّةِ قَذْفِكَ. فَإِنْ أَقَامَ أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهُودِ عَلَى مُعَايَنَةِ الزِّنَا مِنْ الْمَقْذُوفِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِ بِالزِّنَا - سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ، وَيُقَامُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ - يُقِيمُ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَاذِفِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وَإِنْ طَلَبَ التَّأْجِيلَ مِنْ الْقَاضِي، وَقَالَ: شُهُودِي غُيَّبٌ، أَوْ خَارِجُ الْمِصْرِ - لَمْ يُؤَجِّلْهُ، وَلَوْ قَالَ: شُهُودِي فِي الْمِصْرِ أَجَّلَهُ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، وَلَازَمَهُ الْمَقْذُوفُ، وَيُقَالُ لَهُ: ابْعَثْ أَحَدًا إلَى شُهُودِكَ فَأَحْضِرْهُمْ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَعِنْدَهُمَا يُؤَجَّلُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَفِيلُ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي إخْبَارِهِ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةٌ فِي الْمِصْرِ، وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ الْإِحْضَارُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّأْخِيرِ إلَى الْمَجْلِسِ الثَّانِي وَأَخْذِ الْكَفِيلِ؛ لِئَلَّا يُفَوِّتَ حَقَّهُ عَسَى، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ فِي التَّأْجِيلِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ الثَّانِي مَنْعًا مِنْ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُعَدُّ تَأْجِيلًا وَلَا مَنْعًا مِنْ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي الْمِصْرِ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَبْعَثُهُ إلَى الشُّهُودِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَبْعَثُ مَعَهُ مِنْ الشُّرَطِ مَنْ يَحْفَظْهُ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى يُقِرَّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ - ضُرِبَ الْحَدُّ، وَلَوْ ضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ ثُمَّ أَقَامَ الْقَاذِفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ - قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَسَقَطَتْ بَيِّنَةُ الْجَلَدَاتِ، وَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ وَيُقَامُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ، كَمَا لَوْ أَقَامَهَا قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ أَصْلًا وَلَوْ ضُرِبَ الْحَدَّ بِتَمَامِهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْقَبُولِ فِي جَوَازِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ، وَأَنْ لَا يَصِيرَ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ

стр. 1785

مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ حَقِيقَةً، حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْذُوفَ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا، وَقَدْ ظَهَرَ زِنَاهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ؛ فَلَمْ يَصِرْ الْقَاذِفُ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ قَبُولِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي إقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَذْفِ قَدْ تَقَرَّرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ. وَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا فَقَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، ثُمَّ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ أُمَّ الْمَقْذُوفِ أَمَةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ، وَالْمَقْذُوفُ يَقُولُ: هِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، وَعَلَى الْمَقْذُوفِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ،. وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْقَاذِفُ: أَنَا عَبْدٌ وَعَلَيَّ حَدُّ الْعَبْدِ، وَقَالَ الْمَقْذُوفُ: أَنْت حُرٌّ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ الْأَحْرَارِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالْبَيِّنَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَذَفَ أُمَّ رَجُلٍ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ أُمَّهُ حُرَّةً مُسْلِمَةً - جَلَدَ الْقَاذِفَ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ يَثْبُتَانِ بِالْبَيِّنَةِ فَعِلْمُ الْقَاضِي أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ، وَالْإِحْصَانُ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَالْقَاضِي يَقْضِي بِعِلْمِهِ بِسَبَبِ وُجُوبِ هَذَا الْحَدِّ؛ فَلَأَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ بِشَرْطِ الْوُجُوبِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي - حَبَسَهُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ الْقَذْفُ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْذُوفُ أُمَّهُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَجَازَ أَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنْهُ بِالْحَبْسِ، وَإِنْ لَمْ تُقَمْ بَيِّنَتُهُ - أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا أَوْ أَخْرَجَهُ وَأَخَذَ الْكَفِيلَ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فَلَا يُؤْخَذُ الْكَفِيلُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَا يُعَزِّرُهُ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ مِنْ الْقَاضِي حُكْمٌ بِإِبْطَالِ إحْصَانِ الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ قَذْفَ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ الْحَدَّ لَا التَّعْزِيرَ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِ الْإِحْصَانِ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الْقَذْفِ وَاخْتَلَفَا فِي مَكَانِ الْقَذْفِ أَوْ زَمَانِهِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قُذِفَ فِي مَكَانِ كَذَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قُذِفَ فِي مَكَان آخَرَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قُذِفَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قُذِفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَوَجَبَ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَعِنْدَهُمَا لَا تُقْبَلُ. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِقَذْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ يُخَالِفُ الْقَذْفَ فِي مَكَان آخَرَ وَزَمَانٍ آخَرَ، فَقَدْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَذْفٍ غَيْرِ الْقَذْفِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ فَلَا يَثْبُتُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ اخْتِلَافَ مَكَانِ الْقَذْفِ وَزَمَانِهِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْقَذْفِ؛ لِجَوَازِ أَنَّهُ كَرَّرَ الْقَذْفَ الْوَاحِدَ فِي مَكَانَيْنِ وَزَمَانَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ وَالْكَلَامُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ وَالْإِعَادَةَ، وَالْمُعَادُ عَيْنُ الْأَوَّلِ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ حَقِيقَةً فَكَانَ الْقَذْفُ وَاحِدًا، فَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ، وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَاخْتَلَفَا فِي الْإِنْشَاءِ وَالْإِقْرَارِ، بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - لَا تُقْبَلُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ تَقْبَلَ وَيُحَدُّ. (وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ اخْتِلَافَ كَلَامِهِمَا فِي الْإِنْشَاءِ وَالْإِقْرَارِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْقَذْفِ، كَمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِإِنْشَاءِ الْبَيْعِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ - أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، كَذَا هَذَا. (وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْإِنْشَاءَ مَعَ الْإِقْرَارِ أَمْرَانِ مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ إثْبَاتُ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ، وَالْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ كَانَ، فَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ حَقِيقَةً فَكَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مُخْتَلِفًا، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ فَلَا تُقْبَلُ. وَنَظِيرُهُ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ - فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ لَا الْحَدُّ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: قَذَفْتُكِ بِالزِّنَا قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ - فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لَا اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ زَنَيْتُ إنْشَاءُ الْقَذْفِ فَكَانَ قَاذِفًا لَهَا لِلْحَالِ، وَهِيَ لِلْحَالِ زَوْجَتُهُ، وَقَذْفُ الزَّوْجِ يُوجِبُ اللِّعَانَ لَا الْحَدَّ، وَقَوْلُهُ: قَذَفْتُكِ بِالزِّنَا، إقْرَارٌ مِنْهُ بِقَذْفٍ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، وَهِيَ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً قَبْلَ التَّزَوُّجِ، وَقَذْفُ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ يُوجِبُ الْحَدَّ لَا اللِّعَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَنْ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ وَمَنْ لَا يَمْلِكُهَا فِي القذف] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ وَمَنْ لَا يَمْلِكُهَا فَنَقُولُ - وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى: الْمَقْذُوفُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا، فَإِنْ كَانَ حَيًّا فَلَا خُصُومَةَ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَ وَلَدَهُ أَوْ وَالِدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ كَانَ هُوَ الْمَقْذُوفُ صُورَةً وَمَعْنًى بِإِلْحَاقِ الْعَارِ بِهِ، فَكَانَ حَقُّ الْخُصُومَةِ لَهُ، وَهَلْ تَجُوزُ الْإِنَابَةُ فِي هَذِهِ الْخُصُومَةِ وَهُوَ التَّوْكِيلُ بِالْإِثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ

стр. 1786

لَا يَجُوزُ - وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ - وَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالِاسْتِيفَاءِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ حَضْرَةَ الْمَقْذُوفِ بِنَفْسِهِ شَرْطُ جَوَازِ الِاسْتِيفَاءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَتَقُومُ حَضْرَةُ الْوَكِيلِ مَقَامَ حَضْرَتِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدَّ عِنْدَهُ حَدُّ الْمَقْذُوفِ عَلَى الْخُلُوصِ، فَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالِاسْتِيفَاءِ جَمِيعًا. (وَلَنَا) أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ اسْتِيفَاءٌ مَعَ الشُّبْهَةِ؛ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَصَدَّقَ الْقَاذِفَ فِي قَذْفِهِ، وَالْحُدُودُ لَا تُسْتَوْفَى مَعَ الشُّبُهَاتِ وَلَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ أَوْ بَعْدَهَا - سَقَطَ الْحَدُّ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يُورَثُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يُورَثُ - وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي مَوْضِعِهَا - هَذَا إذَا كَانَ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ. (وَأَمَّا) إذَا كَانَ مَيِّتًا فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِوَلَدِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلِابْنِ ابْنِهِ، وَبِنْتِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَلِوَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا، أَنْ يُخَاصِمَ الْقَاذِفَ فِي الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَذْفِ: هُوَ إلْحَاقُ الْعَارِ بِالْمَقْذُوفِ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِإِلْحَاقِ الْعَارِ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مَعْنَى الْقَذْفِ رَاجِعًا إلَيْهِ بَلْ إلَى فُرُوعِهِ وَأُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُمْ الْعَارُ بِقَذْفِ الْمَيِّتِ؛ لِوُجُودِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ، وَقَذْفُ الْإِنْسَانِ يَكُونُ قَذْفًا لِأَجْزَائِهِ فَكَانَ الْقَذْفُ بِهِمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الْخُصُومَةِ؛ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ، ثُمَّ مَاتَ - أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلَدِ وَالْوَالِدِ حَقُّ الْخُصُومَةِ بَلْ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ أُضِيفَ إلَيْهِ وَهُوَ كَانَ مَحِلًّا قَابِلًا لِلْقَذْفِ صُورَةً وَمَعْنًى بِإِلْحَاقِ الْعَارِ بِهِ؛ فَانْعَقَدَ الْقَذْفُ مُوجِبًا حَقَّ الْخُصُومَةِ لَهُ خَاصَّةً، فَلَوْ انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ لَانْتَقَلَ إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَهَذَا الْحَدُّ لَا يَحْتَمِلُ الْإِرْثَ - لِمَا نَذْكُرُ - فَسَقَطَ ضَرُورَةً، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامَ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالَ وَالْخَالَاتِ لَا يَمْلِكُونَ الْخُصُومَةَ؛ لِأَنَّ الْعَارَ لَا يَلْحَقُهُمْ؛ لِانْعِدَامِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ فَالْقَذْفُ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى، وَكَذَا لَيْسَ لِمَوْلَى الْعَتَاقَةِ وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ صُورَةً وَمَعْنًى بِإِلْحَاقِ الْعَارِ بِهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ﵃ فِي أَوْلَادِ الْبَنَاتِ أَنَّهُمْ هَلْ يَمْلِكُونَ الْخُصُومَةَ؟ عِنْدَهُمَا يَمْلِكُونَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَمْلِكُونَ. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ لَا إلَى جَدِّهِ فَلَمْ يَكُنْ مَقْذُوفًا مَعْنًى بِقَذْفِ جَدِّهِ. (وَلَهُمَا) أَنَّ مَعْنَى الْوِلَادِ مَوْجُودٌ وَالنِّسْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ ثَابِتَةٌ بِوَاسِطَةِ أُمِّهِ؛ فَصَارَ مَقْذُوفًا مَعْنًى فَيَمْلِكُ الْخُصُومَةَ. وَهَلْ يُرَاعَى فِيهِ التَّرْتِيبُ بِتَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ عَلَى الْأَبْعَدِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ: لَا يُرَاعَى وَالْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ سَوَاءٌ فِيهِ، حَتَّى كَانَ لِابْنِ الِابْنِ أَنْ يُخَاصِمَ فِيهِ مَعَ قِيَامِ الِابْنِ الصُّلْبِيِّ. وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ يُرَاعَى فِيهِ التَّرْتِيبُ وَتَثْبُتُ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ حَقُّ الْخُصُومَةِ وَالْمُطَالَبَةِ بِالْقَذْفِ لِإِلْحَاقِ الْعَارِ بِالْمُخَاصِمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَارَ الْأَقْرَبِ يَزِيدُ عَلَى الْأَبْعَدِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْخُصُومَةِ. (وَلَنَا) أَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَيْسَ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْحَقُّ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ بَلْ يَثْبُتُ لَهُمْ ابْتِدَاءً لَا بِطَرِيقِ الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَيِّتِ إلَيْهِمْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَيِّتَ بِالْمَوْتِ خَرَجَ عَنْ احْتِمَالِ لُحُوقِ الْعَارِ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ الْحَقِّ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، فَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ، وَكَذَا لَا يُرَاعَى فِيهِ إحْصَانُ الْمُخَاصِمِ، بَلْ الشَّرْطُ إحْصَانُ الْمَقْذُوفِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَلَدُ أَوْ الْوَالِدُ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا - فَلَهُ حَقُّ الْخُصُومَةِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: إحْصَانُ الْمُخَاصِمِ شَرْطٌ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَلَا الْكَافِرِ أَنْ يُخَاصِمَ. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ إثْبَاتَ حَقِّ الْخُصُومَةِ لَهُ لِصَيْرُورَتِهِ مَقْذُوفًا مَعْنًى بِإِضَافَةِ الْقَذْفِ إلَى الْمَيِّتِ، وَلَوْ أُضِيفَ إلَيْهِ الْقَذْفُ ابْتِدَاءً - لَا يَجِبُ الْحَدُّ فَهَهُنَا أَوْلَى. (وَلَنَا) أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ لَعَيْنِ الْقَذْفِ بَلْ لِلُحُوقِ عَارٍ كَامِلٍ بِالْمَقْذُوفِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْصَنًا فَقَدْ لَحِقَ الْوَلَدَ عَارٌ كَامِلٌ فَلَا يُشْتَرَطُ إحْصَانُهُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لِلُحُوقِ عَارٍ كَامِلٍ بِهِ، وَقَدْ لَحِقَهُ بِدُونِهِ وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ قَتَلَهُ حَتَّى حُرِمَ الْمِيرَاثَ - فَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَلَوْ قَذَفَ رَجُلٌ أُمَّ ابْنِهِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ - فَلَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يُخَاصِمَ أَبَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ قَذَفَ وَلَدَهُ وَهُوَ حَيٌّ مُحْصَنٌ - لَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يُخَاصِمَ أَبَاهُ؛ تَعْظِيمًا لَهُ، فَفِي قَذْفِ الْأُمِّ الْمَيِّتَةِ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ الْمَوْلَى إذَا قَذَفَ أُمَّ عَبْدِهِ وَهِيَ حُرَّةٌ مَيِّتَةٌ - فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُخَاصِمَ مَوْلَاهُ فِي الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي بَيَان صِفَاتِ الْحُدُودِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا صِفَاتُ الْحُدُودِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: لَا خِلَافَ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالسُّكْرِ وَالسَّرِقَةِ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ بَعْدَ مَا ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، لَا حَقَّ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ، وَكَذَا يَجْرِي

стр. 1787

فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ حَتَّى لَوْ زَنَى مِرَارًا أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ مِرَارًا أَوْ سَكِرَ مِرَارًا - لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ هُوَ الزَّجْرُ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ، فَكَانَ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ احْتِمَالُ عَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَكَانَ فِيهِ احْتِمَالُ عَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحَدِّ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَلَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ أَوْ سَكِرَ أَوْ سَرَقَ فَحُدَّ، ثُمَّ زَنَى أَوْ شَرِبَ أَوْ سَرَقَ يُحَدُّ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَحْصُلْ، وَكَذَا إذَا سَرَقَ سَرِقَاتٍ مِنْ أُنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ فَخَاصَمُوا جَمِيعًا فَقُطِعَ لَهُمْ - كَانَ الْقَطْعُ عَنْ السَّرِقَاتِ كُلِّهَا، وَالْكَلَامُ فِي الضَّمَانِ نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَأَمَّا) حَدُّ الْقَذْفِ إذَا ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالْإِبْرَاءُ وَالصُّلْحُ، وَكَذَلِكَ إذَا عَفَا الْمَقْذُوفُ قَبْلَ الْمُرَافَعَةِ، أَوْ صَالَحَ عَلَى مَالٍ - فَذَلِكَ بَاطِلٌ وَيُرَدُّ بِهِ الصُّلْحُ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَصِحُّ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَكَذَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا بِالزِّنَا بِكَلِمَةٍ، أَوْ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِكَلَامٍ عَلَى حِدَةٍ - لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ سَوَاءٌ حَضَرُوا جَمِيعًا أَوْ حَضَرَ وَاحِدٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إذَا قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِكَلَامٍ عَلَى حِدَةٍ - فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ عَلَى حِدَةٍ، وَلَوْ ضُرِبَ الْقَاذِفُ تِسْعَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا، ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ ضُرِبَ السَّوْطَ الْأَخِيرَ فَقَطْ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يُضْرَبُ السَّوْطَ الْأَخِيرَ لِلْأَوَّلِ وَثَمَانِينَ سَوْطًا أُخَرَ لِلثَّانِي، وَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا فَحُدَّ، ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ - يُحَدُّ لِلثَّانِي بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا هَذَا الْحَدُّ لَا يُورَثُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ﵃، وَعِنْدَهُمْ يُورَثُ، وَيُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْفَرْعِ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلِفٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَهُوَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مَغْلُوبٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ هُوَ حَقُّ الْعَبْدِ أَوْ الْمُغَلَّبُ حَقُّ الْعَبْدِ. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ هَذَا الْحَدِّ؛ هُوَ الْقَذْفُ، وَالْقَذْفُ جِنَايَةٌ عَلَى عِرْضِ الْمَقْذُوفِ بِالتَّعَرُّضِ، وَعِرْضُهُ حَقُّهُ بِدَلِيلِ أَنَّ بَدَلَ نَفْسِهِ حَقُّهُ وَهُوَ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، أَوْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، فَكَانَ الْبَدَلُ حَقَّهُ، وَالْجَزَاءُ الْوَاجِبُ عَلَى حَقِّ الْإِنْسَانِ حَقُّهُ كَالْقِصَاصِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى، وَالدَّعْوَى لَا تُشْتَرَطُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ ﵎ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ اسْتِيفَاؤُهُ إلَى الْمَقْذُوفِ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الْقَذْفِ أَخَفُّ الضَّرَبَاتِ فِي الشَّرْعِ، فَلَوْ فُوِّضَ إلَيْهِ إقَامَةُ هَذَا الْحَدِّ - فَرُبَّمَا يُقِيمُهُ عَلَى وَجْهِ الشِّدَّةِ؛ لِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْغَيْظِ بِسَبَبِ الْقَذْفِ فَفُوِّضَ اسْتِيفَاؤُهُ إلَى الْإِمَامِ؛ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ لَا لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ. (وَلَنَا) أَنَّ سَائِرَ الْحُدُودِ إنَّمَا كَانَتْ حُقُوقَ اللَّهِ ﵎ عَلَى الْخُلُوصِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَهِيَ دَفْعُ فَسَادٍ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وَيَقَعُ حُصُولُ الصِّيَانَةِ لَهُمْ، فَحَدُّ الزِّنَا وَجَبَ؛ لِصِيَانَةِ الْأَبْضَاعِ عَنْ التَّعَرُّضِ، وَحَدُّ السَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَجَبَ؛ لِصِيَانَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ عَنْ الْقَاصِدِينَ، وَحَدُّ الشُّرْبِ وَجَبَ؛ لِصِيَانَةِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ فِي الْحَقِيقَةِ بِوَاسِطَةِ صِيَانَةِ الْعُقُولِ عَنْ الزَّوَالِ وَالِاسْتِتَارِ بِالسُّكْرِ، وَكُلُّ جِنَايَةٍ يَرْجِعُ فَسَادُهَا إلَى الْعَامَّةِ وَمَنْفَعَةُ جَزَائِهَا يَعُودُ إلَى الْعَامَّةِ، كَانَ الْجَزَاءُ الْوَاجِبُ بِهَا حَقَّ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - عَلَى الْخُلُوصِ تَأْكِيدًا لِلنَّفْعِ وَالدَّفْعِ؛ كَيْ لَا يَسْقُطَ بِإِسْقَاطِ الْعَبْدِ وَهُوَ مَعْنَى نِسْبَةِ هَذِهِ الْحُقُوقِ إلَى اللَّهِ ﵎، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الصِّيَانَةِ وَدَفْعَ الْفَسَادِ يَحْصُلُ لِلْعَامَّةِ بِإِقَامَةِ هَذَا الْحَدِّ، فَكَانَ حَقَّ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَى الْخُلُوصِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ شَرَطَ فِيهِ الدَّعْوَى مِنْ الْمَقْذُوفِ، وَهَذَا لَا يَنْفِي كَوْنَهُ حَقًّا لِلَّهِ - تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ - عَلَى الْخُلُوصِ، كَحَدِّ السَّرِقَةِ أَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ شَرْطًا. ثُمَّ نَقُولُ: إنَّمَا شُرِطَ فِيهِ الدَّعْوَى وَإِنْ كَانَ خَالِصَ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى عَزَّ اسْمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ يُطَالِبُ الْقَاذِفَ ظَاهِرًا أَوْ غَالِبًا؛ دَفْعًا لِلْعَارِ عَنْ نَفْسِهِ فَيَحْصُلُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحَدِّ كَمَا فِي السَّرِقَةِ؛ وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ تَجِبُ بِطَرِيقِ الْمُمَاثَلَةِ إمَّا صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِمَّا مَعْنًى لَا صُورَةً؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ جَبْرًا، وَالْجَبْرُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْمِثْلِ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْحَدِّ وَالْقَذْفِ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى؛ فَلَا يَكُونُ حَقَّهُ. وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ. (وَلَنَا) أَيْضًا دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ وِلَايَةَ الِاسْتِيفَاءِ لِلْإِمَامِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ حَقَّ الْمَقْذُوفِ لَكَانَ وِلَايَةَ الِاسْتِيفَاءِ لَهُ كَمَا فِي الْقِصَاصِ. (وَالثَّانِي) - أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِرِقِّ الْقَاذِفِ،

стр. 1788

وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ «﵊ مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْهَا فَمِقْدَارُ الْوَاجِبِ فِي حَدِّ الزِّنَا إذَا لَمْ يَكُنْ الزَّانِي مُحْصَنًا - مِائَةُ جَلْدَةٍ إنْ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا - فَخَمْسُونَ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ؛ وَلِأَنَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَالْجِنَايَةُ تَزْدَادُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتَنْتَقِصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، وَالْعَبْدُ أَنْقَصُ حَالًا مِنْ الْحُرِّ؛ لِاخْتِصَاصِ الْحُرِّ بِنِعْمَةِ الْحُرِّيَّةِ، فَكَانَتْ جِنَايَتُهُ أَنْقَصَ، وَنُقْصَانُ الْجِنَايَةِ يُوجِبُ نُقْصَانَ الْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ عَلَى قَدْرِ الْعِلَّةِ، هَذَا أَمْرٌ مَعْقُولٌ إلَّا أَنَّ التَّنْقِيصَ بِالتَّنْصِيفِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَقَادِيرِ ثَبَتَ شَرْعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ، وَفِي حَدِّ الشُّرْبِ وَالسُّكْرِ وَالْقَذْفِ ثَمَانُونَ فِي الْحُرِّ وَأَرْبَعُونَ فِي الْعَبْدِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَفِي حَدِّ السَّرِقَةِ لَا يَخْتَلِفُ قَدْرُ الْوَاجِبِ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵎ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَا يَخْتَلِفُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ جَوَازِ إقَامَةِ الْحُدُودِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا شَرَائِطُ جَوَازِ إقَامَتِهَا فَمِنْهَا مَا يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، أَمَّا الَّذِي يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا فَهُوَ الْإِمَامَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُقِيمُ لِلْحَدِّ هُوَ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهِ - إذَا ظَهَرَ الْحَدُّ عِنْدَهُ بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعًا عِنْدَنَا، وَمَرَّةً عِنْدَهُ وَبِالْمُعَايَنَةِ بِأَنْ رَأَى عَبْدَهُ زَنَى بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَوْ ظَهَرَ عِنْدَهُ بِالشُّهُودِ بِأَنْ شَهِدُوا عِنْدَهُ وَالْمَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْقَضَاءِ - فَلَهُ فِيهِ قَوْلَانِ، وَكَذَا فِي إقَامَةِ الْمَرْأَةِ الْحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهَا، وَإِقَامَةِ الْمُكَاتَبِ الْحَدَّ عَلَى عَبْدٍ مِنْ أَكْسَابِهِ لَهُ فِيهِ قَوْلَانِ، احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» وَهَذَا نَصٌّ. وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، فَإِنْ عَادَتْ - فَلْيَجْلِدْهَا، فَإِنْ عَادَتْ - فَلْيَجْلِدْهَا، فَإِنْ عَادَتْ - فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» أَيْ بِحَبْلٍ، وَهَذَا أَيْضًا نَصٌّ فِي الْبَابِ؛ وَلِأَنَّ السُّلْطَانَ إنَّمَا مَلَكَ الْإِقَامَةَ؛ لِتَسَلُّطِهِ عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَتَسَلُّطُ الْمَوْلَى عَلَى مَمْلُوكِهِ فَوْقَ تَسَلُّطِ السُّلْطَانِ عَلَى رَعِيَّتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، وَيَمْلِكُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَالْإِمَامُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: فَلَمَّا ثَبَتَ الْجَوَازُ لِلسُّلْطَانِ فَالْمَوْلَى أَوْلَى؛ وَلِهَذَا مَلَكَ إقَامَةَ التَّعْزِيرِ عَلَيْهِ، كَذَا الْحَدُّ. (وَلَنَا) أَنَّ وِلَايَةَ إقَامَةِ الْحُدُودِ ثَابِتَةٌ لِلْإِمَامِ بِطَرِيقِ التَّعْيِينِ، وَالْمَوْلَى لَا يُسَاوِيهِ فِيمَا شُرِعَ لَهُ بِهَذِهِ الْوِلَايَةِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْإِقَامَةِ اسْتِدْلَالًا بِوِلَايَةِ إنْكَاحِ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا ثَبَتَتْ لِلْأَقْرَبِ - لَمْ تَثْبُتْ لِمَنْ لَا يُسَاوِيهِ فِيمَا شُرِعَ لَهُ الْوِلَايَةُ وَهُوَ الْأَبْعَدُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ وِلَايَةَ إقَامَةِ الْحَدِّ إنَّمَا ثَبَتَتْ لِلْإِمَامِ؛ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ وَهِيَ صِيَانَةُ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقُضَاةَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ التَّعَرُّضِ خَوْفًا مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، وَالْمَوْلَى لَا يُسَاوِي الْإِمَامَ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقِفُ عَلَى الْإِمَامَةِ، وَالْإِمَامُ قَادِرٌ عَلَى الْإِقَامَةِ؛ لِشَوْكَتِهِ وَمَنَعَتِهِ وَانْقِيَادِ الرَّعِيَّةِ لَهُ قَهْرًا وَجَبْرًا، وَلَا يَخَافُ تَبِعَةَ الْجُنَاةِ وَأَتْبَاعِهِمْ؛ لِانْعِدَامِ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ، وَتُهْمَةُ الْمَيْلِ وَالْمُحَابَاةِ وَالْتَوَانِي عَنْ الْإِقَامَةِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّهِ فَيُقِيمُ عَلَى وَجْهِهَا فَيَحْصُلُ الْغَرَضُ الْمَشْرُوعُ لَهُ الْوِلَايَةُ بِيَقِينٍ. وَأَمَّا الْمَوْلَى فَرُبَّمَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ نَفْسِهَا وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُ؛ لِمُعَارَضَةِ الْعَبْدِ إيَّاهُ؛ وَلِأَنَّهُ رَقَبَانِيٌّ مِثْلُهُ يُعَارِضُهُ فَيَمْنَعُهُ عَنْ الْإِقَامَةِ - خُصُوصًا عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ عَلَى نَفْسِهِ - فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ، وَكَذَا الْمَوْلَى يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ الْعَبْدِ الشِّرِّيرِ، وَلَوْ قَصَدَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ أَمْوَالِهِ وَيَقْصِدَ إهْلَاكَهُ، وَيَهْرُبَ مِنْهُ فَيَمْتَنِعُ عَنْ الْإِقَامَةِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ فَقَدْ يُقِيمُ

стр. 1789

وَقَدْ لَا يُقِيمُ؛ لِمَا فِي الْإِقَامَةِ مِنْ نُقْصَانِ قِيمَتِهِ بِسَبَبِ عَيْبِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، أَوْ يَخَافُ سِرَايَةَ الْجَلَدَاتِ إلَى الْهَلَاكِ. وَالْمَرْءُ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْمَالِ، وَلَوْ أَقَامَ - فَقَدْ يُقِيمُ عَلَى الْوَجْهِ وَقَدْ لَا يُقِيمُ عَلَى الْوَجْهِ، بَلْ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يُسَاوِي الْإِمَامَ فِي تَحْصِيلِ مَا شُرِعَ لَهُ إقَامَةُ الْحَدِّ، فَلَا يُزَاحِمُهُ فِي الْوِلَايَةِ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ التَّعْزِيرَ: هُوَ التَّغْيِيرُ وَالتَّوْبِيخُ وَذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فَقَدْ يَكُونُ بِالْحَبْسِ وَقَدْ يَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَتَعْبِيسِ الْوَجْهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِضَرْبِ أَسْوَاطٍ عَلَى حَسَبِ الْجِنَايَةِ وَحَالِ الْجَانِي؛ لِمَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْمَوْلَى يُسَاوِي الْإِمَامَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّأْدِيبِ فَلَهُ قُدْرَةُ التَّأْدِيبِ، وَالْعَبْدُ يَنْقَادُ لِمِثْلِهِ لِلْمَوْلَى وَلَا يُعَارِضُهُ، فَالْمَوْلَى أَيْضًا لَا يَمْتَنِعُ عَنْ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْإِيلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ وَلَا تَعْيِيبًا فِيهِ، بِخِلَافِ الْحَدِّ. وَالثَّانِي - أَنَّ فِي التَّعْزِيرِ ضَرُورَةً لَيْسَتْ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ التَّعْزِيرِ مِمَّا يَكْثُرُ وُجُودُهَا، فَيَحْتَاجُ الْمَوْلَى إلَى أَنْ يُعَزِّرَ مَمْلُوكَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَفِي الرَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ فِي كُلِّ حِينٍ وَزَمَانٍ حَرَجٌ عَظِيمٌ عَلَى الْمَوَالِي؛ فَفُوِّضَتْ إقَامَةُ الْحَدِّ إلَى الْمَوَالِي شَرْعًا، أَوْ صَارَ الْمَوْلَى مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ دَلَالَةً، وَصَارَ نَائِبًا عَنْ الْإِمَامِ فِيهِ، وَلَا حَرَجَ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ؛ لِانْعِدَامِ كَثْرَةِ أَسْبَابِ وُجُوبِهِ وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِقَوْمٍ مَعْلُومِينَ، عُلِمَ ﵊ مِنْهُمْ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ الْحُدُودَ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِثْلُ الْأَمِيرِ وَالسُّلْطَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطَابًا لِلْأَئِمَّةِ فِي حَقِّ عَبِيدِهِمْ، وَالتَّخْصِيصُ لِلتَّرْغِيبِ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ؛ لِمَا أَنَّ الْأَئِمَّةَ وَالسَّلَاطِينَ لَا يُبَاشِرُونَ الْإِقَامَةَ بِأَنْفُسِهِمْ عَادَةً بَلْ يُفَوِّضُونَهَا إلَى الْحُكَّامِ وَالْمُحْتَسَبِينَ، وَقَدْ يَجِيءُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ تَقْصِيرٌ، وَيُحْتَمَلُ الْإِقَامَةُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ بِالسَّعْيِ لِرَفْعِ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ بِطَرِيقِ الْحِسْبَةِ، وَتَخْصِيصُ الْمَوْلَى لِلتَّرْغِيبِ لَهُمْ فِي الْإِقَامَةِ؛ لِاحْتِمَالِ الْمَيْلِ وَالتَّقْصِيرِ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ التَّعْزِيرَ؛ لِوُجُودِ مَعْنَى الْحَدِّ فِيهِ - وَهُوَ الْمَنْعُ - فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِمَا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْجَمِيعِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ وُجُوبِهَا تُوجَدُ فِي أَقْطَارِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إلَيْهَا، وَفِي الْإِحْضَارِ إلَى مَكَانِ الْإِمَامِ حَرَجٌ عَظِيمٌ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِخْلَافُ - لَتَعَطَّلَتْ الْحُدُودُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ وَلِهَذَا «كَانَ ﵊ يَجْعَلُ إلَى الْخُلَفَاءِ تَنْفِيذَ الْأَحْكَامِ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ» ، ثُمَّ الِاسْتِخْلَافُ نَوْعَانِ: تَنْصِيصٌ، وَتَوْلِيَةٌ، أَمَّا التَّنْصِيصُ: فَهُوَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ؛ فَيَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ إقَامَتُهَا بِلَا شَكٍّ. وَأَمَّا التَّوْلِيَةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: عَامَّةٌ، وَخَاصَّةٌ فَالْعَامَّةُ: هِيَ أَنْ يُوَلِّيَ رَجُلًا وِلَايَةً عَامَّةً، مِثْلَ إمَارَةِ إقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ عَظِيمٍ فَيَمْلِكُ الْمَوْلَى إقَامَةَ الْحُدُودِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَلَّدَهُ إمَارَةَ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ الْقِيَامَ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ - وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ مُعْظَمُ مَصَالِحِهِمْ - فَيَمْلِكُهَا، وَالْخَاصَّةُ: هِيَ أَنْ يُوَلِّيَ رَجُلًا وِلَايَةً خَاصَّةً، مِثْلَ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَتَنَاوَلْ إقَامَةَ الْحُدُودِ، وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ أَمِيرٌ عَلَى الْجَيْشِ الْكَبِيرِ فَإِنْ كَانَ أَمِيرَ مِصْرٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَغَزَا بِجُنْدِهِ - فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحُدُودِ فِي مُعَسْكَرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدِهِ، فَإِذَا خَرَجَ بِأَهْلِهِ أَوْ بِبَعْضِهِمْ مَلَكَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ يَمْلِكُ فِيهِمْ قَبْلَ الْخُرُوجِ. وَأَمَّا مَنْ أَخْرَجَهُ أَمِيرُ الْبَلَدِ غَازِيًا فَمَا كَانَ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَبَعْدَ الْخُرُوجِ، لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ الْإِقَامَةَ فَلَا يَمْلِكُ الْإِقَامَةَ، وَالْإِمَامُ الْعَدْلُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ وَيُنْفِذَ الْقَضَاءَ فِي مُعَسْكَرِهِ، كَمَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَلَى جَمِيعِ دَارِ الْإِسْلَامِ ثَابِتَةً، وَكَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَ قَاضِيًا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْإِمَامِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَأَمَّا الَّذِي يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ فَمِنْهَا الْبِدَايَةُ مِنْ الشُّهُودِ فِي حَدِّ الرَّجْمِ إذَا ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ الشُّهُودُ عَنْ الْبِدَايَةِ أَوْ مَاتُوا أَوْ غَابُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ - لَا يُقَامُ الرَّجْمُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَيُقَامُ الرَّجْمُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الشُّهُودَ فِيمَا وَرَاءَ الشَّهَادَةِ وَسَائِرَ النَّاسِ سَوَاءٌ، ثُمَّ لَا تُشْتَرَطُ الْبِدَايَةُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَكَذَا مِنْ الشُّهُودِ؛ وَلِأَنَّ الرَّجْمَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحَدِّ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّوْعِ الْآخَرِ وَهُوَ الْجَلْدُ، وَالْبِدَايَةُ مِنْ الشُّهُودِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِ كَذَا فِي الرَّجْمِ. (وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَرْجُمُ الشُّهُودُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ وَكَلِمَةُ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃

стр. 1790

وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؛ فَيَكُونُ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْطِ احْتِيَاطًا فِي دَرْءِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ إذَا بَدَءُوا بِالرَّجْمِ - رُبَّمَا اسْتَعْظَمُوا فِعْلَهُ فَيَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْجَلْدِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا عَرَفْنَا الْبِدَايَةَ شَرْطًا اسْتِحْسَانًا بِالْأَثَرِ - فَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي الرَّجْمِ خَاصَّةً فَيَبْقَى أَمْرُ الْجَلْدِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ الْجَلْدَ لَا يُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَفُوِّضَ اسْتِيفَاؤُهُ إلَى الْأَئِمَّةِ - بِخِلَافِ الرَّجْمِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَمِنْهَا أَهْلِيَّةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِلشُّهُودِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا، حَتَّى لَوْ بَطَلَتْ الْأَهْلِيَّةُ بِالْفِسْقِ أَوْ الرِّدَّةِ أَوْ الْجُنُونِ أَوْ الْعَمَى أَوْ الْخَرَسِ أَوْ حَدِّ الْقَذْفِ، بِأَنْ فَسَقَ الشُّهُودُ أَوْ ارْتَدُّوا أَوْ جُنُّوا أَوْ عَمُوا أَوْ خَرِسُوا أَوْ ضُرِبُوا حَدَّ الْقَذْفِ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ - لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اعْتِرَاضَ أَسْبَابِ الْجَرْحِ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَ إمْضَاءِ الْحَدِّ بِمَنْزِلَةِ اعْتِرَاضِهَا عِنْدَ الْقَضَاءِ بِهِ، وَاعْتِرَاضُهَا عِنْدَ الْقَضَاءِ يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ فَكَذَا عِنْدَ الْإِمْضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ عَنْ الْقَضَاءِ. وَأَمَّا مَوْتُ الشُّهُودِ وَغِيبَتُهُمْ عِنْدَ الْإِقَامَةِ فَلَا يَمْنَعَانِ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ إلَّا الرَّجْمُ، حَتَّى لَوْ مَاتُوا كُلُّهُمْ أَوْ غَابُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ - يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إلَّا الرَّجْمَ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَسْبَابِ الْجَرْحِ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ لَا تُبْطَلُ بِالْمَوْتِ وَالْغَيْبَةِ بَلْ تَتَنَاهَى وَتَتَقَرَّرُ وَتُخْتَمُ بِهَا الْعَدَالَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الْجَرْحَ، وَفِي حَدِّ الرَّجْمِ إنَّمَا يَمْنَعَانِ الْإِقَامَةَ لَا لِأَنَّهُمَا يُجَرِّحَانِ فِي الشَّهَادَةِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْبِدَايَةَ مِنْ الشُّهُودِ شَرْطُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ - وَلَمْ تُوجَدْ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الشُّهُودِ إذَا كَانُوا مَقْطُوعِي الْأَيْدِي أَوْ بِهِمْ مَرَضٌ لَا يَسْتَطِيعُونَ الرَّمْيَ - أَنَّ الْإِمَامَ يَرْمِي، ثُمَّ النَّاسُ، وَجَعَلَ قَطْعَ الْيَدِ أَوْ الْمَرَضَ عُذْرًا فِي فَوَاتِ الْبِدَايَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْمَوْتَ عُذْرًا فِيهِ، وَإِنْ ثَبَتَ الرَّجْمُ بِالْإِقْرَارِ يَبْدَأُ بِهِ الْإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي إقَامَةِ الْجَلَدَاتِ خَوْفُ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ شُرِعَ زَاجِرًا لَا مُهْلِكًا، فَلَا يَجُوزُ الْإِقَامَةُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ؛ لِمَا فِي الْإِقَامَةِ فِيهِمَا مِنْ خَوْفِ الْهَلَاكِ، وَلَا يُقَامُ عَلَى مَرِيضٍ حَتَّى يَبْرَأَ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ وَجَعُ الْمَرَضِ وَأَلَمُ الضَّرْبِ؛ فَيُخَافُ الْهَلَاكُ، وَلَا يُقَامُ عَلَى النُّفَسَاءِ حَتَّى يَنْقَضِيَ النِّفَاسُ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ نَوْعُ مَرَضٍ وَيُقَامُ عَلَى الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَيْسَ بِمَرَضٍ، وَلَا يُقَامُ عَلَى الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ وَتَطْهُرَ مِنْ النِّفَاسِ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَوْفَ هَلَاكِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدَةِ، وَيُقَامُ الرَّجْمُ فِي هَذَا كُلِّهِ إلَّا عَلَى الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْهَلَاكِ وَالرَّجْمُ حَدٌّ مُهْلِكٌ، فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْهَلَاكِ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَى الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إهْلَاكَ الْوَلَدِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَلَا يُجْمَعُ الضَّرْبُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَلَفِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، أَوْ إلَى تَمْزِيقِ جِلْدِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بَلْ يُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْكَتِفَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ وَالرَّأْسَ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ عَلَى الْفَرْجِ مُهْلِكٌ عَادَةً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵁ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقِ وَجْهَهُ وَمَذَاكِيرَهُ» وَالضَّرْبُ عَلَى الْوَجْهِ يُوجِبُ الْمُثْلَةَ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُثْلَةِ» ، وَالرَّأْسُ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ وَفِيهِ الْعَقْلُ فَيُخَافُ مِنْ الضَّرْبِ عَلَيْهِ فَوَاتُ الْعَقْلِ أَوْ فَوَاتُ بَعْضِ الْحَوَاسِّ. وَفِيهِ إهْلَاكُ الذَّاتِ مِنْ وَجْهٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أَيْضًا: لَا يُضْرَبُ الصَّدْرُ وَالْبَطْنُ، وَيُضْرَبُ الرَّأْسُ سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ أَمَّا الصَّدْرُ وَالْبَطْنُ؛ فَلِأَنَّ فِيهِ خَوْفَ الْهَلَاكِ. وَأَمَّا الرَّأْسُ؛ فَلِقَوْلِ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁: اضْرِبُوا الرَّأْسَ فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَانًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي قَتْلِ أَهْلِ الْحَرْبِ خُصُوصًا قَوْمًا كَانُوا بِالشَّامِ يَحْلِقُونَ أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ، ثُمَّ تَفْرِيقُ الضَّرْبِ عَلَى الْأَعْضَاءِ مَذْهَبُنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: يُضْرَبُ كُلُّهُ عَلَى الظَّهْرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ الْجَلْدُ وَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ ضَرْبِ الْجِلْدِ، وَالضَّرْبُ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ مُمَزِّقٌ لِلْجِلْدِ، وَبَعْدَ تَمْزِيقِ الْجِلْدِ لَا يُمْكِنُ الضَّرْبُ عَلَى الْجِلْدِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ فِي الْجَمْعِ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ خَوْفَ الْهَلَاكِ، وَهَذَا الْحَدُّ شُرِعَ زَاجِرًا لَا مُهْلِكًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ إقَامَةِ الْحُدُودِ فَأَمَّا حَدُّ الرَّجْمِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْبَطَ الْمَرْجُومُ بِشَيْءٍ، وَلَا أَنْ يُمْسَكَ، وَلَا أَنْ يُحْفَرَ لَهُ إذَا كَانَ رَجُلًا بَلْ يُقَامُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ مَاعِزًا لَمْ يُرْبَطْ وَلَمْ يُمْسَكْ وَلَا حُفِرَ لَهُ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ أَرْضٍ قَلِيلَةِ الْحِجَارَةِ إلَى أَرْضٍ كَثِيرَةِ الْحِجَارَةِ وَلَوْ رُبِطَ أَوْ مُسِكَ أَوْ حُفِرَ لَهُ لَمَا قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمَرْجُومُ امْرَأَةً فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ حَفَرَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْفِرْ، أَمَّا الْحَفْرُ؛ فَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ حَفَرَ لِلْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ
следующие страницы →