Полный текст (2 127 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
فِيهِ؛ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِ الْأَغْيَارِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى بَعْدَ وَفَاتِهِ أَمَّا سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏: إنَّهُ سَقَطَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَيُصْرَفُ إلَى الْخُلَفَاءِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ إنَّمَا كَانَ يَأْخُذُهُ كِفَايَةً لَهُ لِاشْتِغَالِهِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ مَشْغُولُونَ بِذَلِكَ فَيُصْرَفُ سَهْمُهُ إلَيْهِمْ كِفَايَةً لَهُمْ.
(وَلَنَا) أَنَّ ذَلِكَ الْخُمْسَ كَانَ خُصُوصِيَّةً لَهُ ﵊ كَالصَّفِيِّ الَّذِي كَانَ لَهُ خَاصَّةً، وَالْفَيْءُ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ خُصُوصٌ مِنْ الْفَيْءِ وَالصَّفِيِّ، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ خُصُوصٌ مِنْ الْخُمْسِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَعْدَهُ لَكَانَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ وَقَدْ قَالَ ﵊ «إنَّا - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» (وَأَمَّا) سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنَّهُ بَاقٍ وَيُصْرَفُ إلَى أَوْلَادِ بَنِي هَاشِمٍ مِنْ أَوْلَادِ سَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَغَيْرِهَا، يَسْتَوِي فِيهِ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ.
(وَأَمَّا) عِنْدَنَا فَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ بَقِيَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ أَنَّهُ كَيْفَ كَانَ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ لِفُقَرَاءِ الْقَرَابَةِ دُونَ أَغْنِيَائِهِمْ، يُعْطَوْنَ لِفَقْرِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ لَا لِقَرَابَتِهِمْ، وَقَدْ بَقِيَ كَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى فُقَرَاءُ قَرَابَتِهِ ﵊ كِفَايَتَهُمْ دُونَ أَغْنِيَائِهِمْ، وَيُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَيُجَاوَزُ لَهُمْ مِنْ الْخُمْسِ أَيْضًا لِمَا لَا حَظَّ لَهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى غَيْرُهُمْ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ فَيُقَسَّمُ الْخُمْسُ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلْيَتَامَى، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَيَدْخُلُ فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى فِيهِمْ، وَيُقَدَّمُونَ، وَلَا يُدْفَعُ إلَى أَغْنِيَائِهِمْ شَيْءٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِذَوِي الْقُرْبَى سَهْمٌ عَلَى حِدَةٍ يُصْرَفُ إلَى غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ فَإِنَّ - اللَّهَ تَعَالَى - جَعَلَ سَهْمًا لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ الْقَرَابَةُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «قَسَمَ الْخُمْسَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، وَأَعْطَى سَهْمًا مِنْهَا لِذَوِي الْقُرْبَى» ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ نَاسِخٌ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَلَا نَسْخَ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
(وَلَنَا) مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ السِّيَرِ أَنَّ سَيِّدَنَا أَبَا بَكْرٍ، وَسَيِّدَنَا عُمَرَ، وَسَيِّدَنَا عُثْمَانَ، وَسَيِّدَنَا عَلِيًّا ﵃ قَسَمُوا الْغَنَائِمَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلْيَتَامَى، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى قَرَابَةَ الرَّسُولِ ﵊ إذْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ مُخَالَفَةُ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمُخَالَفَةُ رَسُولِهِ ﵊ فِي فِعْلِهِ وَمَنْعُ الْحَقِّ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ، وَكَذَا لَا يُظَنُّ بِمَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - السُّكُوتُ عَمَّا لَا يَحِلُّ مَعَ مَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَكَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ ذَوِي الْقُرْبَى يَتَنَاوَلُ عُمُومَ الْقَرَابَاتِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ قَرَابَةُ الرَّسُولِ ﷺ خَاصَّةً وَكَذَا قَوْلُهُ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ قَسَمَ ﵊ الْخُمْسَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، فَأَعْطَى ﵊ ذَا الْقُرْبَى سَهْمًا» فَنَعَمْ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خَاصَّةً وَكَذَا قَوْلُهُ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى قَرَابَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِفَقْرِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ أَوْ لِقَرَابَتِهِمْ وَقَدْ عَلِمْنَا بِقِسْمَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ لِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ لَا لِقَرَابَتِهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِ الْغَنَائِمِ فَتَنَاوَلَ مِنْ وَبَرِ بَعِيرٍ، وَقَالَ: «مَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ وَلَا وَزْنُ هَذِهِ الْوَبَرَةِ إلَّا الْخُمْسُ وَهُوَ مَرْدُودٌ فِيكُمْ، رُدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ، فَإِنَّ الْغَلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لَمْ يَخُصَّ ﵊ الْقَرَابَةَ بِشَيْءٍ مِنْ الْخُمْسِ بَلْ عَمَّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِقَوْلِهِ ﵊ وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ فَدَلَّ أَنَّ سَبِيلَهُمْ سَبِيلُ سَائِرِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، يُعْطَى مَنْ يَحْتَاجُ مِنْهُمْ كِفَايَتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ أُعْطِيَ أَيُّ فَرِيقٍ اتَّفَقَ مِمَّنْ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى جَازَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ لِبَيَانِ الْمَصَارِفِ لَا لِإِيجَابِ الصَّرْفِ إلَى كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ شَيْئًا، بَلْ لِتَعْيِينِ الْمَصْرِفِ حَتَّى لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ،
стр. 1857
كَمَا فِي الصَّدَقَاتِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ فَفِي مَوْضِعَيْنِ فِي بَيَانِ.
مَنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ مِنْهُ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الِاسْتِحْقَاقِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ مِنْهَا هُوَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الْمُقَاتِلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَسَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ وَالْقِتَالَ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، وَذَا كَمَا يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ يَحْصُلُ بِثَبَاتِ الْقَدَمِ فِي صَفِّ الْقِتَالِ رَدًّا لِلْمُقَاتَلَةِ خَشْيَةَ كَرِّ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ وَكَذَا رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ بَدْرٍ كَانُوا ثَلَاثًا: ثُلُثٌ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ وَيَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَثُلُثٌ يَجْمَعُونَ الْغَنَائِمَ، وَثُلُثٌ يَكُونُونَ رَدًّا لَهُمْ خَشْيَةَ كَرِّ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مَرِيضًا أَوْ صَحِيحًا، شَابًّا أَوْ شَيْخًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا بِالْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ.
(فَأَمَّا) الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ، وَالذِّمِّيُّ وَالْعَبْدُ الْمَحْجُورُ، فَلَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِتَالُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ أَصْلًا؟ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ؟ وَهِيَ ضَرُورَةُ عُمُومِ النَّفِيرِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقُّوا كَمَالَ السَّهْمِ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى الْإِمَامُ وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «كَانَ لَا يُعْطِي الْعَبِيدَ وَالصِّبْيَانَ وَالنِّسْوَانَ سَهْمًا كَامِلًا مِنْ الْغَنَائِمِ» .
وَكَذَا لَا سَهْمَ لِلتَّاجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ إلَّا إذَا قَاتَلَ مَعَ الْعَسْكَرِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَسْكَرُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ فَكَانَ مُقَاتِلًا، وَلَا سَهْمَ لِلْأَجِيرِ لِانْعِدَامِ الدُّخُولِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، فَإِنْ قَاتَلَ نُظِرَ فِي ذَلِكَ إنْ تَرَكَ الْخِدْمَةَ فَقَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْعَسْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ فَلَا شَيْءَ لَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتْرُكْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مِقْدَارِ الِاسْتِحْقَاقِ وَبَيَانُ حَالِ الْمُسْتَحِقِّ وَهُوَ الْمُقَاتِلُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْمُقَاتِلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِلًا.
(وَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فَإِنْ كَانَ رَاجِلًا فَلَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ فَارِسًا فَلَهُ سَهْمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَرِوَايَاتُ الْأَخْبَارِ تَعَارَضَتْ فِي الْبَابِ، رُوِيَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ ﵊ «قَسَمَ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ» وَفِي بَعْضِهَا «أَنَّهُ ﵊ قَسَمَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ» إلَّا أَنَّ رِوَايَةَ السَّهْمَيْنِ عَاضَدَهَا الْقِيَاسُ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ أَصْلٌ فِي الْجِهَادِ، وَالْفَرَسُ تَابِعٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِعْلَ الْجِهَادِ يَقُومُ بِالرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَلَا يَقُومُ بِالْفَرَسِ وَحْدَهُ، فَكَانَ الْفَرَسُ تَابِعًا فِي بَابِ الْجِهَادِ وَلَا يَجُوزُ تَنْفِيلُ التَّبَعِ عَلَى الْأَصْلِ فِي السَّهْمِ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ إذَا تَعَارَضَتْ، فَالْعَمَلُ بِمَا عَاضَدَهُ الْقِيَاسُ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَتِيقُ مِنْ الْخَيْلِ وَالْفَرَسِ وَالْبِرْذَوْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي النُّصُوصِ بَيْنَ فَارِسٍ وَفَارِسٍ، وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ سَهْمِ الْفَرَسِ لِحُصُولِ إرْهَابِ الْعَدُوِّ بِهِ وَاَللَّهُ وَصَفَ جِنْسَ الْخَيْلِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵎ ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ، وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ ﵏ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْغَازِيَ تَقَعُ الْحَاجَةُ لَهُ إلَى فَرَسَيْنِ، يَرْكَبُ أَحَدَهُمَا وَيُجَنِّبُ الْآخَرَ حَتَّى إذَا أَعْيَا الْمَرْكُوبُ عَنْ الْكَرِّ وَالْفَرِّ تَحَوَّلَ إلَى الْجَنِيبَةِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمْ أَنَّ الْإِسْهَامَ لِلْخَيْلِ فِي الْأَصْلِ ثَبَتَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْخَيْلَ آلَةُ الْجِهَادِ ثُمَّ لَا يُسْهَمُ لِسَائِرِ آلَاتِ الْجِهَادِ، فَكَذَا الْخَيْلُ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهِ كَفَرَسٍ وَاحِدٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تُرَدُّ إلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ وُرُودَ الشَّرْعِ إنْ كَانَ مَعْلُولًا بِكَوْنِهِ آلَةً مُرْهِبَةً لِلْعَدُوِّ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْآلَاتِ فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ أَصْلُ الْإِرْهَابِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِمَا زَادَ عَلَى فَرَسَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، مَعَ أَنَّ مَعْنَى الْإِرْهَابِ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْفَرَسِ.
ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي حَالِ الْمُقَاتِلِ مِنْ كَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلًا فِي أَيِّ وَقْتٍ يُعْتَبَرُ وَقْتُ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ أَمْ وَقْتُ شُهُودِ الْوَقْعَةِ، فَعِنْدَنَا يُعْتَبَرُ وَقْتُ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا دَخَلَهَا عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يُعْتَبَرُ وَقْتُ شُهُودِ الْوَقْعَةِ، حَتَّى إنَّ الْغَازِيَ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا فَمَاتَ فَرَسُهُ أَوْ نَفَرَ، أَوْ أَخَذَهُ الْعَدُوُّ فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْغَنِيمَةِ بِالْجِهَادِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَقْتَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ بِالْمُقَاتَلَةِ، وَدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ بَابِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ لَا مِنْ بَابِ الْمُقَاتَلَةِ.
(وَلَنَا) أَنَّ اللَّهَ ﵎ جَعَلَ الْغَنَائِمَ لِلْمُجَاهِدِينَ، قَالَ ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]
стр. 1858
وَقَالَ - تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] وَقَالَ - جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وَكِبْرِيَاؤُهُ - ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] وَقَالَ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ، وَاَلَّذِي جَاوَزَ الدَّرْبَ فَارِسًا عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ مُجَاهِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْمُجَاوَزَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ جِهَادٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ جِهَادٌ قَوْلُهُ ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَلِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَا تَخْلُو عَنْ عُيُونِ الْكُفَّارِ وَطَلَائِعِهِمْ، فَإِذَا دَخَلَهَا جَيْشٌ كَثِيفٌ رِجَالًا وَرُكْبَانًا فَالْجَوَاسِيسُ يُخْبِرُونَهُمْ بِذَلِكَ، فَيَقَعُ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَتْرُكُوا الْقُرَى وَالرَّسَاتِيقَ هَرَبًا إلَى الْقِلَاعِ وَالْحُصُونِ الْمَنِيعَةِ، فَكَانَ مُجَاوَزَةُ الدَّرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ إرْهَابَ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ جِهَادٌ.
وَالثَّانِي أَنَّ فِيهِ غَيْظَ الْكَفَرَةِ وَكَبْتَهُمْ؛ لِأَنَّ وَطْءَ أَرْضِهِمْ وَعُقْرَ دَارِهِمْ مِمَّا يَغِيظُهُمْ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وَفِيهِ قَهْرُهُمْ وَمَا الْجِهَادُ إلَّا قَهْرُ أَعْدَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِإِعْزَازِ دِينِهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ فَدَلَّ أَنَّ مُجَاوَزَةَ الدَّرْبِ فَارِسًا عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ جِهَادٌ وَمَنْ جَاهَدَ فَارِسًا فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ، وَمَنْ جَاهَدَ رَاجِلًا فَلَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ، بِقَوْلِهِ ﵊ لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
وَأَمَّا أَمْرُ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي وَقْعَةٍ خَاصَّةٍ، بِأَنْ وَقَعَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا، ثُمَّ لَحِقَ الْمَدَدُ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: إنَّ الْمَدَدَ لَا يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ إلَّا إذَا شَهِدُوهَا، وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا إذَا دَخَلَ رَاجِلًا ثُمَّ اشْتَرَى فَرَسًا أَوْ اسْتَأْجَرَ، أَوْ اسْتَعَارَ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَلَهُ سَهْمُ الرِّجَالِ عِنْدَنَا؛ لِاعْتِبَارِ وَقْتِ الدُّخُولِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ؛ لِاعْتِبَارِ وَقْتِ الشُّهُودِ وَقَالَ الْحَسَنُ ﵀ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا قَاتَلَ فَارِسًا فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ، وَعَلَى هَذَا إذَا دَخَلَ فَارِسًا ثُمَّ بَاعَ فَرَسَهُ أَوْ آجَرَهُ، أَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَعَارَهُ فَقَاتَلَ وَهُوَ رَاجِلٌ فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ، ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ لَهُ سَهْمَ فَارِسٍ، وَسَوَّى عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْمَوْتِ، وَبَيْنَ الْبَيْعِ قَبْلَ شُهُودِ الْوَقْعَةِ وَبَعْدَهَا وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُجَاوَزَةَ فَارِسًا عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ دَلِيلُ الْجِهَادِ فَارِسًا، وَلَمَّا بَاعَ فَرَسَهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْجِهَادَ فَارِسًا، بَلْ قَصَدَ بِهِ التِّجَارَةَ، وَكَذَا هَذَا فِي الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالرَّهْنِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ شُهُودِ الْوَقْعَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بَعْدَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْغَازِيَ لَا يَبِيعُ فَرَسَهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِقَصْدِ التِّجَارَةِ عَادَةً، بَلْ لِقَصْدِ ثَبَاتِ الْقَدَمِ وَالتَّشَمُّرِ لِلْقِتَالِ بِعَامَّةِ مَا فِي وُسْعِهِ وَإِمْكَانِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانُ حُكْمِ الِاسْتِيلَاءِ مِنْ الْكَفَرَةِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ]
(فَصْلٌ) .
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الِاسْتِيلَاءِ مِنْ الْكَفَرَةِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ أَصْلِ الْحُكْمِ، وَالثَّانِي فِي بَيَانِ كَيْفِيَّتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ، إنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا حَتَّى لَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، وَأَخَذُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، لَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ رَدُّهَا إلَى أَرْبَابِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَكَذَا لَوْ قَسَمُوهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، أَخَذَهَا أَصْحَابُهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُمْ لَمْ تَجُزْ لِعَدَمِ الْمِلْكِ، فَكَانَ وُجُودُهَا وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ قِسْمَةِ الْإِمَامِ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، إنَّهَا جَائِزَةٌ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْإِمَامِ إنَّمَا تَجُوزُ عِنْدَنَا إذَا اجْتَهَدَ وَأَفْضَى رَأْيُهُ إلَى الْمِلْكِ، حَتَّى لَوْ قَسَمَ مُجَازَفَةً لَا تَجُوزُ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ هُنَاكَ قَضَاءٌ صَدَرَ مِنْ إمَامٍ جَائِزِ الْقَضَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ أَيْضًا إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَمُدَبِّرِيهِمْ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ، وَمُكَاتَبِيهِمْ، أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُمْ، وَإِنْ أَحْرَزُوهُمْ بِالدَّارِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ فَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِ الْحَرْبِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَمْلِكُونَهَا حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْحَرْبِيُّ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا جَازَ ذَلِكَ خَاصَّةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَمْلِكُونَهَا وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالٍ مَعْصُومٍ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالٍ مَعْصُومٍ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى الرِّقَابِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ عِصْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُخَاطَبُونَ بِالْحُرُمَاتِ إذَا بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعِبَادَاتِ وَالِاسْتِيلَاءُ يَكُونُ مَحْظُورًا، وَالْمَحْظُورُ
стр. 1859
لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ.
(وَلَنَا) أَنَّهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ يَمْلِكُهُ، كَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَى الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالصَّيْدِ، وَدَلَالَةُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِيلَاءَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ أَنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ يَزُولُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَتَزُولُ الْعِصْمَةُ ضَرُورَةً بِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ أَنَّ الْمِلْكَ هُوَ الِاخْتِصَاصُ بِالْمَحَلِّ فِي حَقِّ التَّصَرُّفِ، أَوْ شُرِعَ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَحَلِّ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الدُّخُولُ بِنَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَاطَرَةِ الرُّوحِ، وَإِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ، وَغَيْرُهُ قَدْ لَا يُوَافِقُهُ وَلَوْ وَافَقَهُ فَقَدْ لَا يَظْفَرُ بِهِ، وَلَوْ ظَفَرَ بِهِ قَلَّمَا يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِرْدَادُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُهُمْ، وَأَهْلُ الدَّارِ يَذُبُّونَ عَنْ دَارِهِمْ، فَإِذَا زَالَ مَعْنَى الْمِلْكِ أَوْ مَا شُرِعَ لَهُ الْمِلْكُ يَزُولُ الْمِلْكُ ضَرُورَةً.
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَوْلَوْا عَلَى عَبِيدِنَا فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ قَابِلٌ لِلتَّمْلِيكِ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَلِهَذَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ بِسَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ، وَالْمُدَبَّرَيْنِ، وَالْمُكَاتَبِينَ، وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَهَذَا إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ فَاسْتَوْلَوْا عَلَى عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا إذَا أَبَقَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذَهُ الْكُفَّارُ لَا يَمْلِكُونَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ يَمْلِكُونَهُ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ فَيَمْلِكُونَهُ قِيَاسًا عَلَى الدَّابَّةِ الَّتِي نَدَّتْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذَهَا الْكُفَّارُ وَسَائِرَ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ أَنَّهُ كَمَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَقَدْ زَالَ مِلْكُ الْمَالِكِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمَالِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الرِّقِّ؟ .
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ، فَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْأَحْرَارِ وَالْمُدَبَّرَيْنِ، وَالْمُكَاتَبِينَ، وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَدَلَالَةُ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِيلَاءِ هُوَ الْمَالُ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ إنَّمَا ثَبَتَتْ ضَرُورَةَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ هُوَ الْحُرِّيَّةُ، وَكَمَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَقَدْ زَالَ الْمِلْكُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَزُولُ الْمَالِيَّةُ الثَّابِتَةُ ضَرُورَةَ ثُبُوتِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزُولَ الرِّقُّ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ شَرْعًا، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، بِخِلَافِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ فِيهَا لَا تَثْبُتُ ضَرُورَةَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ وَالْأَمْوَالُ كُلُّهَا مَحَلٌّ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَبِخِلَافِ الْآبِقِ الْمُتَرَدِّدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ حَقِيقَةً صَادَفَهُ وَهُوَ مَالٌ مَمْلُوكٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْحَالِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، إلَّا أَنَّهُ تَأَخَّرَ إلَى وَقْتِ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ لِمَانِعٍ وَهُوَ مِلْكُ الْمَالِكِ، فَإِذَا أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ لِزَوَالِ الْمِلْكِ، فَيَعْمَلُ الِاسْتِيلَاءُ السَّابِقُ، وَعَمَلُهُ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ.
وَالْمِلْكُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الْمَالِ فَبَقِيَتْ الْمَالِيَّةُ ضَرُورَةَ الْمَرْءِ هَاهُنَا؛ لِاسْتِيلَاءِ حَالَ كَوْنِهِ مَالًا أَصْلًا، وَبَعْدَ مَا وُجِدَ الِاسْتِيلَاءُ لَا مَالِيَّةَ لِزَوَالِ الْمِلْكِ، فَلَمْ يُصَادِفْ الِاسْتِيلَاءُ مَحَلَّهُ فَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ فَنَقُولُ: مِلْكُ الْمُسْلِمِ يَزُولُ عَنْ مَالِهِ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ، وَيَثْبُتُ لَهُمْ عِنْدَنَا عَلَى وَجْهٍ لَهُ حَقُّ الْإِعَادَةِ، إمَّا بِعِوَضٍ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، حَتَّى لَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهَا وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ وَجَدَهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لَا يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ لَأَخَذَهُ بِمِثْلِهِ فَلَا يُفِيدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيمَةِ مُرَاعَاةَ الْجَانِبَيْنِ: جَانِبِ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ بِإِيصَالِهِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ الْخَاصِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَجَانِبِ الْغَانِمِينَ بِصِيَانَةِ مِلْكِهِمْ الْخَاصِّ عَنْ الزَّوَالِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ وَمُرَاعَاةَ الْحَقَّيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، إنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ لِلْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ لَيْسَ إلَّا الْحَقُّ الْمُتَأَكَّدُ، أَوْ الْمِلْكُ الْعَامُّ، فَكَانَتْ الْإِعَادَةُ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ رِعَايَةً لِلْمِلْكِ الْخَاصِّ أَوْلَى وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بَعِيرًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَوَجَدَهُ صَاحِبُهُ فِي الْمَغْنَمِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَقَالَ: «إنْ وَجَدْتَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لَكَ بِالْقِيمَةِ» .
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ بَاعَ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ مُسْتَحَقُّ الْإِعَادَةِ إلَى قَدِيمِ
стр. 1860
الْمِلْكِ فَبَقِيَ كَذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَأَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، أَخَذَهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِغَيْرِ شَيْءٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَالْحُرُّ مِنْ وَجْهٍ أَوْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَلِهَذَا لَا يَحْتَمِلُهُ بِسَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَإِذَا حَصَلُوا فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ وَجَبَ رَدُّهُمْ إلَى الْمَالِكِ الْقَدِيمِ.
وَلَوْ وَهَبَ الْحَرْبِيُّ مَا مَلَكَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَخَذَهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ، بِأَنْ بَاعَ مِنْ مُسْلِمٍ عَبْدَ الْمُسْلِمِ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَمْ تَصِحَّ، فَكَانَ هَذَا بَيْعًا فَاسِدًا، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ مَضْمُونٌ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعِوَضُ فَاسِدًا أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ إنْ شَاءَ، إنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ مُفِيدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِهِ لَكِنْ بِأَقَلَّ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ، وَلَا يَكُونُ هَذَا رِبًا، لِأَنَّ الرِّبَا فَضْلُ مَالٍ قُصِدَ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يُقَابِلُهُ.
وَالْمَالِكُ الْقَدِيمُ لَا يَأْخُذُهُ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ، بَلْ بِطَرِيقِ الْإِعَادَةِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِهِ بِمِثْلِهِ قَدْرًا لَا يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ وَلَوْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ أَخَذَهُ مِنْ الثَّانِي بِالثَّمَنِ الثَّانِي، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ، وَيَأْخُذَ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي النَّوَادِرِ - أَنَّ الْمَالِكَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ وَأَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي.
(وَجْهُ) رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّ أَخْذَ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ تَمَلُّكٌ بِبَدَلٍ فَأَشْبَهَ حَقَّ الشُّفْعَةِ، ثُمَّ حَقُّ الشَّفِيعِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي، فَكَذَا حَقُّهُ وَالْجَامِعُ أَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَابِقٌ عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي، وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ.
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي الْمَحَلِّ بِوَجْهٍ، بَلْ هُوَ زَائِلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ لَهُ حَقُّ الْإِعَادَةِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ، فَلَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ، فَلَا يَمْلِكُ نَقْضَهُ بِخِلَافِ حَقِّ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُ نَقْضَ الْمَشْفُوعِ فَيَقْتَضِي الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِتَمْلِيكِ الْبَائِعِ مِنْهُ عَلَى مَا عُرِفَ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ إذَا عَلِمَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِشِرَاءِ الْمَأْسُورِ، وَتَرَكَ الطَّلَبَ زَمَانًا لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَخْذَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ لِيُشْتَرَطَ لَهُ الطَّلَبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاثَبَةِ، وَعَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ يَبْطُلُ كَمَا يَبْطُلُ حَقُّ الشُّفْعَةِ بِتَرْكِ الطَّلَبِ عَلَى الْمُوَاثَبَةِ.
وَكَذَلِكَ هَذَا الْحَقُّ يُورَثُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ، كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ، وَعَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يُورَثُ كَمَا لَا يُورَثُ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَخْذَ لَيْسَ ابْتِدَاءَ تَمَلُّكٍ، بَلْ هُوَ إعَادَةٌ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ، بِخِلَافِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَحَقُّ الْإِعَادَةِ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْإِرْثَ كَحَقِّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ دُونَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْكُلِّ فَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ الْبَعْضُ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمَأْسُورَ رَجُلٌ فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْعَدُوُّ ثَانِيًا، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ أَحَقُّ مِنْ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُسِرَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ نَزَلَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ، فَكَانَ حَقُّ الْأَخْذِ لَهُ.
لَكِنْ إذَا أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنَيْنِ إنْ شَاءَ أَوْ يَدَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بِالثَّمَنِ فَقَدْ قَامَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنَيْنِ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمَالِ وَلَمْ يُوجَدْ الْأَسْرُ أَصْلًا، وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ، وَعَتَقَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا، وَكَذَا الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ.
(أَمَّا) إذَا أَعْتَقَهُ فَلِأَنَّ يَدَهُ زَالَتْ عَنْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَحَصَلَ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَعَتَقَ عَلَيْهِ، كَالْعَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا خَرَجَ إلَيْنَا مُسْلِمًا، وَالِاسْتِيلَادُ فَرْعُ النَّسَبِ، وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَهْرُ الْحَرْبِيِّ كَمَوْتِهِ، وَإِنْ مَاتَ عَتَقَتْ أُمُّ وَلَدِهِ، كَمَا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ، وَعِتْقُ الْمُدَبَّرِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْمُكَاتَبُ صَارَ فِي يَدِ نَفْسِهِ؛ لِزَوَالِ يَدِ الْمَوْلَى عَنْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَيَعْتِقُ، وَلِأَنَّهُ إذَا قُهِرَ الْمَوْلَى سَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ، فَعَتَقَ لِزَوَالِ رِقِّهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ حُرًّا فَاشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ حَقِيقَةً؛ إذْ الْحُرُّ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ، لَكِنَّهُ بَذَلَ مَالًا لِاسْتِخْلَاصِ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَكَانَ مُتَطَوِّعًا فِيهِ، فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمَرَهُ الْحُرُّ بِذَلِكَ فَفَعَلَهُ بِأَمْرِهِ رَجَعَ
стр. 1861
عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَكَأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمَالِ، فَأَقْرَضَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ فَفَعَلَ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَاضِ، وَلَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَمَتَاعُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي أَحْرَزُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَهُوَ لَهُمْ وَلَا حَقَّ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الَّذِي ذَكَرنَا حُكْمُ اسْتِيلَاءِ الْكَافِرِ فَأَمَّا حُكْمُ الشِّرَاءِ، فَنَقُولُ: الْحَرْبِيُّ إذَا خَرَجَ إلَيْنَا فَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ فِيهِ عِنْدَنَا؛ لَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ إلَيْنَا بِعَبْدِهِ فَأَسْلَمَ فِي يَدِهِ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْبُيُوعِ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِهِ عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَعَالَى، وَعِنْدَهُمَا لَا يَعْتِقُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ لِإِحْرَازِ الْكَافِرِ مَالَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ أَثَرًا فِي زَوَالِ الْعِصْمَةِ لَا فِي زَوَالِ الْمِلْكِ، فَإِنَّ مَالَ الْكَافِرِ مَمْلُوكٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الثَّابِتَ لِلْحَرْبِيِّ بِالشِّرَاءِ مِلْكٌ مَجْبُورٌ عَلَى إزَالَتِهِ، فَلَوْ لَمْ يَعْتِقْ بِإِدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ لَمْ يَبْقَ الْمِلْكُ الثَّابِتُ لَهُ شَرْعًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِتَعَذُّرِ الْجَبْرِ بِالْإِحْرَازِ بِوَجْهٍ، فَيُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ الْمَشْرُوعِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ثُمَّ طَرِيقُ الزَّوَالِ هُوَ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي الْأَصْلِ شَرْطَ زَوَالِ الْمِلْكِ وَالْعِصْمَةِ فِي اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ لِتَعَذُّرِ تَحْصِيلِ الْعِلَّةِ، فَأُقِيمَ الشَّرْطُ مَقَامَهُ عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْهُودِ مِنْ إقَامَةِ الشَّرْطِ مَقَامَ الْعِلَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ذِمِّيًّا فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ مَجْبُورٌ عَلَى بَيْعِ الذِّمِّيِّ أَيْضًا، وَلَا يُتْرَكُ لِيَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَوْ.
أَسْلَمَ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَعْتِقُ، وَهُوَ عَبْدٌ عَلَى حَالِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ كَانَ وَاجِبَ الْإِزَالَةِ لَكِنْ لَا طَرِيقَ لِلزَّوَالِ هَاهُنَا، فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ، وَلَوْ خَرَجَ هَذَا الْعَبْدُ إلَيْنَا، فَإِنْ خَرَجَ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ وَلَحِقَ بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ عَتَقَ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ، وَقَدْ قَهَرَ مَوْلَاهُ بِخُرُوجِهِ مُرَاغِمًا إيَّاهُ، فَصَارَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى نَفْسِهِ مُسْتَغْنِمًا إيَّاهَا، فَيَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ عَنْهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي إبَاقِ الطَّائِفِ: «هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ » وَلَوْ خَرَجَ غَيْرَ مُرَاغَمٍ فَإِنْ خَرَجَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لِلتِّجَارَةِ فَهُوَ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ لَكِنْ يَبِيعُهُ الْإِمَامُ، وَيَقِفُ ثَمَنَهُ لِمَوْلَاهُ أَمَّا كَوْنُهُ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ قَاهِرًا مُسْتَوْلِيًا، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ مُسْتَحَقُّ الزَّوَالِ بِالْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا وَقْفُ ثَمَنِهِ لِمَوْلَاهُ، فَلِأَنَّهُ بَاعَهُ عَلَى مِلْكِهِ.
وَكَذَا لَوْ لَمْ يَخْرُجْ مُرَاغِمًا وَلَكِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ يُعْتَقُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِلْكٌ مُسْتَحَقُّ الزَّوَالِ، مُحْتَاجٌ إلَى طَرِيقِ الزَّوَالِ، وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ إحْرَازُ نَفْسِهِ بِمَنْعِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّهُ أَسْبَقُ مِنْ إحْرَازِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لِيَمْلِكُوهُ، فَكَانَ أَوْلَى وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى الدَّارِ، وَلَكِنْ بَاعَهُ الْحَرْبِيُّ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ حَرْبِيٍّ، عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَبِلَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُعْتَقُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ كَمَا زَالَ مِلْكُ الْبَائِعِ عَنْهُ فَقَدْ ثَبَتَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فِيهِ، فَلَا يُعْتَقُ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا مِلْكٌ مُسْتَحَقُّ الزَّوَالِ مَوْقُوفٌ زَوَالُهُ عَلَى سَبَبِ الزَّوَالِ أَوْ شَرْطِ الزَّوَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَإِذَا عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ سَبَبٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ فَقَدْ رَضِيَ بِزَوَالِهِ إلَى غَيْرِهِ فَكَانَ بِزَوَالِهِ إلَيْهِ أَرْضَى.
لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الزَّوَالَ وَغَيْرُهُ مَا اسْتَحَقَّهُ، وَالرِّضَا بِالزَّوَالِ شَرْطُ الزَّوَالِ وَلَوْ أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ رَقِيقٌ فِيهَا، فَخَرَجَ هُوَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ تَبِعَهُ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَافِرًا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا فَهُوَ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ إلَى مَوْلَاهُ كَخُرُوجِهِ مَعَ مَوْلَاهُ وَلَوْ كَانَ خَرَجَ مَعَ مَوْلَاهُ لَكَانَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيَان مَعْنَى الدارين دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْكُفْرِ]
(فَصْلٌ) .
وَأَمَّا بَيَانُ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، فَنَقُولُ: لَا بُدَّ أَوَّلًا مِنْ مَعْرِفَةِ مَعْنَى الدَّارَيْنِ، دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْكُفْرِ؛ لِتُعْرَفَ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِمَا، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا بِهِ، تَصِيرُ الدَّارُ دَارَ إسْلَامٍ أَوْ دَارَ كُفْرٍ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ دَارَ الْكُفْرِ تَصِيرُ دَارَ إسْلَامٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا وَاخْتَلَفُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، إنَّهَا بِمَاذَا تَصِيرُ دَارَ الْكُفْرِ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهَا لَا تَصِيرُ دَارَ الْكُفْرِ إلَّا بِثَلَاثِ شَرَائِطَ، أَحَدُهَا: ظُهُورُ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً لِدَارِ الْكُفْرِ وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ آمِنًا بِالْأَمَانِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَمَانُ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنَّهَا تَصِيرُ دَارَ الْكُفْرِ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ قَوْلَنَا دَارُ الْإِسْلَامِ وَدَارُ الْكُفْرِ إضَافَةُ دَارٍ إلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا تُضَافُ الدَّارُ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ إلَى الْكُفْرِ
стр. 1862
لِظُهُورِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْكُفْرِ فِيهَا، كَمَا تُسَمَّى الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ، وَالنَّارُ دَارَ الْبَوَارِ؛ لِوُجُودِ السَّلَامَةِ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَوَارِ فِي النَّارِ وَظُهُورُ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ بِظُهُورِ أَحْكَامِهِمَا، فَإِذَا ظَهَرَ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِي دَارٍ فَقَدْ صَارَتْ دَارَ كُفْرٍ فَصَحَّتْ الْإِضَافَةُ، وَلِهَذَا صَارَتْ الدَّارُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ شَرِيطَةٍ أُخْرَى، فَكَذَا تَصِيرُ دَارَ الْكُفْرِ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إضَافَةِ الدَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ لَيْسَ هُوَ عَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ الْأَمْنُ وَالْخَوْفُ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَمَانَ إنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْخَوْفُ لِلْكَفَرَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَهِيَ دَارُ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمَانُ فِيهَا لِلْكَفَرَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْخَوْفُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَهِيَ دَارُ الْكُفْرِ وَالْأَحْكَامُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَمَانِ وَالْخَوْفِ لَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الْأَمَانِ وَالْخَوْفِ أَوْلَى، فَمَا لَمْ تَقَعْ الْحَاجَةُ لِلْمُسْلِمِينَ إلَى الِاسْتِئْمَانِ بَقِيَ الْأَمْنُ الثَّابِتُ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا تَصِيرُ دَارَ الْكُفْرِ، وَكَذَا الْأَمْنُ الثَّابِتُ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا يَزُولُ إلَّا بِالْمُتَاخَمَةِ لِدَارِ الْحَرْبِ، فَتَوَقَّفَ صَيْرُورَتُهَا دَارَ الْحَرْبِ عَلَى وُجُودِهِمَا مَعَ أَنَّ إضَافَةَ الدَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِمَا قُلْتُمْ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِمَا قُلْنَا، وَهُوَ ثُبُوتُ الْأَمْنِ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْكَفَرَةِ بِعَارِضِ الذِّمَّةِ وَالِاسْتِئْمَانِ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِضَافَةُ لِمَا قُلْتُمْ تَصِيرُ دَارَ الْكُفْرِ بِمَا قُلْتُمْ.
وَإِنْ كَانَتْ الْإِضَافَةُ لِمَا قُلْنَا لَا تَصِيرُ دَارَ الْكُفْرِ إلَّا بِمَا قُلْنَا، فَلَا تَصِيرُ مَا بِهِ دَارُ الْإِسْلَامِ بِيَقِينٍ دَارَ الْكُفْرِ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْهُودِ أَنَّ الثَّابِتَ بِيَقِينٍ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ دَارِ الْكُفْرِ حَيْثُ تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ؛ لِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ التَّرْجِيحَ لِجَانِبِ الْإِسْلَامِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» فَزَالَ الشَّكُّ عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ إنْ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْأَحْكَامِ، لَكِنْ لَا تَظْهَرُ أَحْكَامُ الْكُفْرِ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ - أَعْنِي الْمُتَاخَمَةَ وَزَوَالَ الْأَمَانِ الْأَوَّلِ - لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ إلَّا بِالْمَنَعَةِ، وَلَا مَنَعَةَ إلَّا بِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقِيَاسُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي أَرْضٍ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ظَهَرَ عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ، وَأَظْهَرُوا فِيهَا أَحْكَامَ الْكُفْرِ، أَوْ كَانَ أَهْلُهَا أَهْلَ ذِمَّةٍ فَنَقَضُوا الذِّمَّةَ.
وَأَظْهَرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ، هَلْ تَصِيرُ دَارَ الْحَرْبِ؟ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ، فَإِذَا صَارَتْ دَارَ الْحَرْبِ فَحُكْمُهَا إذَا ظَهَرْنَا عَلَيْهَا، وَحُكْمُ سَائِرِ دُورِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَلَوْ فَتَحَهَا الْإِمَامُ ثُمَّ جَاءَ أَرْبَابُهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوا بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءُوا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَعَادَ الْمَأْخُوذُ عَلَى حُكْمِهِ الْأَوَّلِ الْخَرَاجِيُّ عَادَ خَرَاجِيًّا، وَالْعُشْرِيُّ عَادَ عُشْرِيًّا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ اسْتِحْدَاثَ الْمِلْكِ، بَلْ هُوَ عَوْدُ قَدِيمِ الْمِلْكِ إلَيْهِ، فَيَعُودُ بِوَظِيفَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَضَعَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يَعُودُ عَشْرِيًّا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْإِمَامِ صَدَرَ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَلَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيَان الْأَحْكَامِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ]
(فَصْلٌ) .
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَأَنْوَاعٌ، مِنْهَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا زَنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ سَرَقَ، أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ، أَوْ قَذَفَ مُسْلِمًا لَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ.
وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أَصْلًا، وَلَوْ فَعَلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ هَرَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَقَعَ مُوجِبًا لِلْإِقَامَةِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْهَرَبِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَ مُسْلِمًا لَا يُؤْخَذُ بِالْقِصَاصِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا؛ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ إلَّا بِالْمَنَعَةِ؛ إذْ الْوَاحِدُ يُقَاوِمُ الْوَاحِدَ، وَالْمَنَعَةُ مُنْعَدِمَةٌ، وَلِأَنَّ كَوْنَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْرَثَ شُبْهَةً فِي الْوُجُوبِ.
وَالْقِصَاصُ لَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَيَضْمَنُ الدِّيَةَ خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا، وَتَكُونُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ ابْتِدَاءً.
أَوْ لِأَنَّ الْقَتْلَ وُجِدَ مِنْهُ.
وَلِهَذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْقَاتِلِ لَا عَلَى غَيْرِهِ، فَكَذَا الدِّيَةُ تَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ الصَّحِيحُ
ثُمَّ الْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّعَاوُنِ لِمَا يَصِلُ إلَيْهِ بِحَيَاتِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ مِنْ النُّصْرَةِ، وَالْعِزِّ، وَالشَّرَفِ بِكَثْرَةِ الْعَشَائِرِ، وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ لَهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا تَحْصُلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، فَلَا تَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْعَاقِلَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ، أَوْ أَمِيرَ جَيْشٍ وَزَنَا رَجُلٌ مِنْهُمْ، أَوْ سَرَقَ، أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ، أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً أَوْ عَمْدًا، لَمْ يَأْخُذْهُ الْأَمِيرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ إقَامَةُ
стр. 1863
الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إقَامَتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُهُ السَّرِقَةَ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا وَيُضَمِّنُهُ الدِّيَةَ فِي بَابِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ ضَمَانِ الْمَالِ.
وَلَوْ غَزَا الْخَلِيفَةُ أَوْ أَمِيرٌ الشَّامَ، فَفَعَلَ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَاقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ وَضَمَّنَهُ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ إلَى الْإِمَامِ، وَتَمَكُّنُهُ الْإِقَامَةَ بِمَالِهِ مِنْ الْقُوَّةِ وَالشَّوْكَةِ بِاجْتِمَاعِ الْجُيُوشِ وَانْقِيَادِهَا لَهُ، فَكَانَ لِعَسْكَرِهِ حُكْمُ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ شَذَّ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ؛ لِاقْتِصَارِ وِلَايَةِ الْإِمَامِ عَلَى الْمُعَسْكَرِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْحَرْبِيُّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّقَوُّمَ عِنْدَنَا يَثْبُتُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْعِزَّةِ، وَلَا عِزَّةَ إلَّا بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ التَّقَوُّمُ يَثْبُتُ بِالْإِسْلَامِ وَعَلَى هَذَا إذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ - وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْوَقْتُ، وَشَرْطُهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَالصَّلَاةُ الْوَاجِبَةُ إذَا فَاتَتْ عَنْ وَقْتِهَا تُقْضَى، كَالذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى مَضَى عَلَيْهِ أَوْقَاتُ صَلَوَاتٍ ثُمَّ عَلِمَ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ وُجُوبَ الشَّرَائِعِ يَعْتَمِدُ الْبُلُوغَ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالشَّرْعِ، بِالْإِجْمَاعِ إنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ، إلَّا أَنَّ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بَلْ إمْكَانُ الْوُصُولِ إلَيْهِ كَافٍ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا دَارُ الْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهَا دَارُ الْجَهْلِ بِهَا بِخِلَافِ وُجُوبِ الْإِيمَانِ، وَشُكْرِ النِّعَمِ، وَحُرْمَةِ الْكُفْرِ، وَالْكُفْرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ لَا يَقِفُ وُجُوبُهَا عَلَى الشَّرْعِ، بَلْ تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ عِنْدَنَا فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَقَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَقُولُ: لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ فِي جَهْلِهِ مَعْرِفَةَ خَالِقِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ وَتَوْحِيدُهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقِ نَفْسِهِ، وَسَائِرِ مَا خَلَقَ اللَّهُ فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا، وَلَمْ تَبْلُغْهُ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ حُكْمِيَّةٌ بِلَفْظِهِ.
وَعَلَى هَذَا إذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَعَاقَدَ حَرْبِيًّا عَقْدَ الرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا، فَعَاقَدَ حَرْبِيًّا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَّا مَا يَجُوزُ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ الْعَاقِدِينَ، أَمَّا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا فِي حَقِّ الْحَرْبِيِّ فَلِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْحُرُمَاتِ وَقَالَ - تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] وَلِهَذَا حَرُمَ مَعَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الَّذِي دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ أَخْذَ الرِّبَا فِي مَعْنَى إتْلَافِ الْمَالِ، وَإِتْلَافُ مَالِ الْحَرْبِيِّ مُبَاحٌ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ لِمَالِ الْحَرْبِيِّ، فَكَانَ الْمُسْلِمُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَخْذِهِ إلَّا بِطَرِيقِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ، فَإِذَا رَضِيَ بِهِ انْعَدَمَ مَعْنَى الْغَدْرِ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمَا مَعْصُومَةٌ عَلَى الْإِتْلَافِ، وَلَوْ عَاقَدَ هَذَا الْمُسْلِمُ الَّذِي دَخَلَ بِأَمَانٍ مُسْلِمًا أَسْلَمَ هُنَاكَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَا أَسِيرَيْنِ أَوْ دَخَلَا بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَتَعَاقَدَا عَقْدَ الرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ أَخْذَ الرِّبَا مِنْ الْمُسْلِمِ إتْلَافُ مَالٍ مَعْصُومٍ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ عَلَيْهِ أَنْ تَطِيبَ نَفْسُهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ زَادَ وَاسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» وَالسَّاقِطُ شَرْعًا، وَالْعَدَمُ حَقِيقَةً سَوَاءٌ فَأَشْبَهَ تَعَاقُدَ الْأَسِيرَيْنِ وَالتَّاجِرَيْنِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ أَخْذَ الرِّبَا فِي مَعْنَى إتْلَافِ الْمَالِ، وَمَالُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْإِتْلَافِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ بِالْقِصَاصِ وَلَا بِالدِّيَةِ عِنْدَنَا، وَحُرْمَةُ الْمَالِ تَابِعَةٌ لِحُرْمَةِ النَّفْسِ، بِخِلَافِ التَّاجِرَيْنِ وَالْأَسِيرَيْنِ، فَإِنَّ مَالَهُمَا مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ، وَعَلَى هَذَا إذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَأَدَانَهُ حَرْبِيٌّ أَوْ أَدَانَ حَرْبِيًّا، ثُمَّ خَرَجَ الْمُسْلِمُ وَخَرَجَ الْحَرْبِيُّ مُسْتَأْمَنًا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا لَا يَقْضِي بِالْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الْمُدَايَنَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَعَتْ هَدَرًا؛
стр. 1864
لِانْعِدَامِ وِلَايَتِنَا عَلَيْهِمْ وَانْعِدَامِ وِلَايَتِهِمْ أَيْضًا فِي حَقِّنَا، وَكَذَا غَصْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَادَفَ مَالًا غَيْرُ مَضْمُونٍ فَلَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حَرْبِيَّيْنِ دَايَنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ خَرَجَا مُسْتَأْمَنَيْنِ، وَلَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ لَقُضِيَ بِالدَّيْنِ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ، وَلَا يُقْضَى بِالْغَصْبِ لِمَا بَيَّنَّا إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ كَانَ هُوَ الْغَاصِبَ يُفْتَى بِأَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَادِرًا بِهِمْ نَاقِضًا عَهْدَهُمْ، فَتَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ، وَلَا تَتَحَقَّقُ التَّوْبَةُ إلَّا بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَعَلَى هَذَا: مُسْلِمَانِ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ بِأَنْ كَانَا تَاجِرَيْنِ مَثَلًا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا لَا قِصَاصَ عَلَى الْقَاتِلِ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ لِعَارِضِ أَمْرٍ، إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ، أَوْ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَوْ كَانَا أَسِيرَيْنِ، أَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ أَسِيرًا مُسْلِمًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْأَسِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمُسْتَأْمَنِينَ، وَإِنَّمَا الْأَسْرُ أَمْرٌ عَارِضٌ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الْأَسِيرَ مَقْهُورٌ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَصَارَ تَابِعًا لَهُمْ فَبَطَلَ تَقَوُّمُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا: الْحَرْبِيُّ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَنْفُذُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَنْفُذُ وَقِيلَ لَا خِلَافَ فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ يَنْفُذُ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوَلَاءِ أَنَّهُ هَلْ يَثْبُتُ مِنْهُ؟ عِنْدَهُمَا لَا يَثْبُتُ وَعِنْدَهُ يَثْبُتُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ رُكْنَ الْإِعْتَاقِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لِلْمُعْتَقِ، فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْإِعْتَاقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُفِيدُ زَوَالَ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ حَقِيقَةٌ، فَكُلُّ مَقْهُورٍ مَمْلُوكٌ، وَكُلُّ قَاهِرٍ مَالِكٌ، هَذَا دِيَانَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ سِوَى الْقُدْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، حَتَّى إنَّ الْعَبْدَ مِنْهُمْ إذَا قَهَرَ مَوْلَاهُ يَصِيرُ هُوَ مَالِكًا، وَمَوْلَاهُ مَمْلُوكًا، وَهَذَا لَا يُفِيدُهُ الْإِعْتَاقُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِ الْمَالِكِ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَشَايِخِنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ مُعْتَقٌ بِلِسَانِهِ مُسْتَرَقٌّ بِيَدِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى قَرِيبًا لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِصَرِيحِ الْإِعْتَاقِ فَكَيْفَ يُعْتَقُ بِالشِّرَاءِ وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَمَعَهُ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ إعْتَاقٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْكِتَابَةُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِشَرْطِ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ الْمُنْجَزُ، فَكَذَا الْمُعَلَّقُ وَالْمُضَافُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ صَحَّ اسْتِيلَادُهُ إيَّاهَا، حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَيْنَا بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ اكْتِسَابُ ثَبَاتِ النَّسَبِ لِلْوَلَدِ.
وَالْحَرْبِيُّ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَنْسَابَ أَهْلِ الْحَرْبِ ثَابِتَةٌ؟ وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، فَخَرَجَتْ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْبَيْعِ؛ لِكَوْنِهَا حُرَّةً مِنْ وَجْهٍ قَالَ ﵊: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَفَذَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِأَمَانٍ فَقَدْ لَزِمَهُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُعْتِقُ أَنْ يَسْتَرِقَّ بِيَدِهِ مَا أَعْتَقَهُ بِلِسَانِهِ، وَلَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَخَلَفَ الْمُدَبَّرَ، أَوْ خَلَفَ أُمَّ وَلَدِهِ الَّتِي اسْتَوْلَدَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ أَوْ قُتِلَ أَوْ أُسِرَ يُحْكَمُ بِعِتْقِهِمَا أَمَّا إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَ يُعْتَقَانِ بِمَوْتِ سَيِّدِهِمَا، وَالْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ الْمُعْتَزِلَةِ (وَأَمَّا) إذَا أُسِرَ فَلِأَنَّهُ صَارَ مَمْلُوكًا فَلَمْ يَبْقَ مَالِكًا ضَرُورَةً.
وَأَمَّا مُكَاتَبُهُ الَّذِي كَاتَبَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَدَخَلَ هُوَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُكَاتَبٌ عَلَى حَالِهِ، وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ عَلَيْهِ لِوَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ، وَكَذَلِكَ الرُّهُونُ وَالْوَدَائِعُ وَالدُّيُونُ الَّتِي لَهُ عَلَى النَّاسِ.
وَمَا كَانَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ فَهِيَ كُلُّهَا عَلَى حَالِهَا إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ هَذِهِ الْأَمْوَالُ، فَكَانَ حُكْمُ الْأَمَانِ فِيهَا بَاقِيًا، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ عَلَى الدَّارِ فَظَهَرَ الْحَرْبِيُّ أَوْ قُتِلَ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى الدَّارِ، فَمِلْكُهُ عَلَى حَالِهِ يَعُودُ فَيَأْخُذُ، أَوْ يَجِيءُ وَرَثَتُهُ فَيَأْخُذُونَهُ لَهُ أَمَّا إذَا هَرَبَ وَلَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُؤْسَرْ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا إذَا قُتِلَ وَلَمْ يَظْهَرْ، فَلِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، فَيَجِيئُونَ فَيَأْخُذُونَهُ، وَالْمُكَاتَبُ عَلَى حَالِهِ يُؤَدِّي إلَى وَرَثَتِهِ فَيُعْتَقُ، فَأَمَّا إذَا ظَهَرَ وَأُسِرَ، أَوْ أُسِرَ وَلَمْ يَظْهَرْ، أَوْ ظَهَرَ وَقُتِلَ يُعْتَقْ مُكَاتَبُهُ أَمَّا إذَا ظَهَرَ وَأُسِرَ، أَوْ أُسِرَ وَلَمْ يَظْهَرْ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ بِالْأَسْرِ وَكَذَا إذَا ظَهَرَ وَقُتِلَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بَعْدَ الظُّهُورِ قَتْلٌ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَيَبْطُلُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ بِالْأَسْرِ صَارَ مَمْلُوكًا فَلَمْ يَبْقَ مَالِكًا،
стр. 1865
فَسَقَطَتْ دُيُونُهُ ضَرُورَةً.
وَلَا يَصِيرُ مَالِكًا لِلْأَسْرِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُعْمَلُ عَلَيْهِ الْأَسْرُ، وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ يَسْقُطُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ فَلَا يَخْلُصُ السَّبْيُ لِلسَّابِي وَأَمَّا وَدَائِعُهُ فَهِيَ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُودَعِ.
(وَوَجْهُهُ) أَنَّ يَدَهُ عَنْ يَدِ الْغَانِمِينَ أَسْبَقُ، وَالْمُبَاحُ مُبَاحٌ لِمَنْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ يَدَ الْمُودَعِ يَدُهُ تَقْدِيرًا، فَكَانَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ بِالْأَسْرِ اسْتِيلَاءً عَلَى مَا فِي يَدِهِ تَقْدِيرًا، وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ الْغَانِمُونَ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ حَقِيقَةً، فَكَانَ فَيْئًا حَقِيقَةً لَا غَنِيمَةً، فَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْفَيْءِ وَأَمَّا الرَّهْنُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ، وَالزِّيَادَةُ لَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يُبَاعُ فَيَسْتَوْفِي قَدْرَ دَيْنِهِ، وَالزِّيَادَةُ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ]
(فَصْلٌ) .
وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ، فِي بَيَانِ رُكْنِ الرِّدَّةِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ صِحَّةِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الرِّدَّةِ أَمَّا رُكْنُهَا، فَهُوَ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ بَعْدَ وُجُودِ الْإِيمَانِ، إذْ الرِّدَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِيمَانِ، فَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِيمَانِ يُسَمَّى رِدَّةً فِي عُرْفِ الشَّرْعِ.
وَأَمَّا شَرَائِطُ صِحَّتِهَا فَأَنْوَاعٌ، مِنْهَا الْعَقْلُ، فَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ مِنْ شَرَائِطِ الْأَهْلِيَّةِ خُصُوصًا فِي الِاعْتِقَادَاتِ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَإِنْ ارْتَدَّ فِي حَالِ جُنُونِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ ارْتَدَّ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ صَحَّتْ؛ لِوُجُودِ دَلِيلِ الرُّجُوعِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ الذَّاهِبُ الْعَقْلِ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَصِحَّ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الْأَحْكَامَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِظَاهِرِ اللِّسَانِ لَا عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ، إذْ هُوَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ أَحْكَامَ الْكُفْرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكُفْرِ، كَمَا أَنَّ أَحْكَامَ الْإِيمَانِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ يَرْجِعَانِ إلَى التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَإِنَّمَا الْإِقْرَارُ دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا، وَإِقْرَارُ السَّكْرَانِ الذَّاهِبِ الْعَقْلِ لَا يَصْلُحُ دَلَالَةً عَلَى التَّكْذِيبِ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ.
وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ ﵄: لَيْسَ بِشَرْطٍ فَتَصِحُّ رِدَّةُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: شَرْطٌ حَتَّى لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ عَقْلَ الصَّبِيِّ فِي التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ الْمَحْضَةِ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ طَلَاقُهُ وَإِعْتَاقُهُ وَتَبَرُّعَاتُهُ، وَالرِّدَّةُ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ فَأَمَّا الْإِيمَانُ فَيَقَعُ مَحْضًا؛ لِذَلِكَ صَحَّ إيمَانُهُ وَلَمْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُ صَحَّ إيمَانُهُ فَتَصِحُّ رِدَّتُهُ، وَهَذَا لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِيمَانِ وَالرِّدَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُودِ الْإِيمَانِ وَالرِّدَّةِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَهُمَا أَفْعَالٌ خَارِجَةُ الْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ أَفْعَالِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ، وَالْإِقْرَارُ الصَّادِرُ عَنْ عَقْلٍ دَلِيلُ وُجُودِهِمَا، وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا إلَّا أَنَّهُمَا مَعَ وُجُودِهِمَا مِنْهُ حَقِيقَةً لَا يُقْتَلُ، وَلَكِنْ يُحْبَسُ لِمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ - اللَّهُ تَعَالَى - وَالْقَتْلُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الرِّدَّةِ عِنْدَنَا فَإِنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَالرِّدَّةُ مَوْجُودَةٌ وَأَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَتَصِحُّ رِدَّةُ الْمَرْأَةِ عِنْدَنَا؛ لَكِنَّهَا لَا تُقْتَلُ بَلْ تُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ تُقْتَلُ؛ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ - اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهَا الطَّوْعُ، فَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ الْمُكْرَهِ عَلَى الرِّدَّةِ اسْتِحْسَانًا إذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَصِحَّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ إنْ شَاءَ - اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا حُكْمُ الرِّدَّةِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّ لِلرِّدَّةِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْمُرْتَدِّ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مِلْكِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى تَصَرُّفَاتِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى وَلَدِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا إبَاحَةُ دَمِهِ إذَا كَانَ رَجُلًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا؛ لِسُقُوطِ عِصْمَتِهِ بِالرِّدَّةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
وَكَذَا الْعَرَبُ لَمَّا ارْتَدَّتْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى قَتْلِهِمْ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَتَابَ وَيُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُسْلِمَ، لَكِنْ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُ فَإِنْ أَسْلَمَ فَمَرْحَبًا وَأَهْلًا بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَبَى نَظَرَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ طَمِعَ فِي تَوْبَتِهِ، أَوْ سَأَلَ هُوَ التَّأْجِيلَ، أَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي تَوْبَتِهِ وَلَمْ يَسْأَلْ هُوَ التَّأْجِيلَ، قَتَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مُغْرِيَةِ خَبَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ إسْلَامِهِ فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ ﵁: مَاذَا
стр. 1866
فَعَلْتُمْ بِهِ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ ﵁: هَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَيْتًا ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيَرْجِعُ إلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ قَالَ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ثَلَاثًا، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧] وَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ حَمَلَتْهُ عَلَى الرِّدَّةِ، فَيُؤَجَّلُ ثَلَاثًا لَعَلَّهَا تَنْكَشِفُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَكَانَتْ الِاسْتِتَابَةُ ثَلَاثًا وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ - عَسَى - فَنَدَبَ إلَيْهَا فَإِنْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِزَوَالِ عِصْمَتِهِ بِالرِّدَّةِ، وَتَوْبَتِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَيَبْرَأَ عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، فَإِنْ تَابَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثَانِيًا فَحُكْمُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ كَحُكْمِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَنَّهُ إنْ تَابَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَكَذَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ؛ لِوُجُودِ الْإِيمَانِ ظَاهِرًا فِي كُلِّ كَرَّةٍ؛ لِوُجُودِ رُكْنِهِ، وَهُوَ إقْرَارُ الْعَاقِلِ وَقَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] فَقَدْ أَثْبَتَ الْإِيمَانَ بَعْدَ وُجُودِ الرِّدَّةِ مِنْهُ، وَالْإِيمَانُ بَعْدَ وُجُودِ الرِّدَّةِ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ، إلَّا أَنَّهُ إذَا تَابَ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ يَضْرِبُهُ الْإِمَامُ وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ إذَا تَابَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ حَبَسَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ السِّجْنِ حَتَّى يَرَى عَلَيْهِ أَثَرَ خُشُوعِ التَّوْبَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُبَاحُ دَمُهَا إذَا ارْتَدَّتْ، وَلَا تُقْتَلُ عِنْدَنَا، وَلَكِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِجْبَارُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ أَنْ تُحْبَسَ وَتَخْرُجَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَتُسْتَتَابُ وَيُعْرَضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا حُبِسَتْ ثَانِيًا، هَكَذَا إلَى أَنْ تُسْلِمَ أَوْ تَمُوتَ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ ﵀ وَزَادَ عَلَيْهِ - تُضْرَبُ أَسْوَاطًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَعْزِيرًا لَهَا عَلَى مَا فَعَلَتْ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ تُقْتَلُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلِأَنَّ عِلَّةَ إبَاحَةِ الدَّمِ هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَلِهَذَا قُتِلَ الرَّجُلُ وَقَدْ وُجِدَ مِنْهَا ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيَّةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْكُفْرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَغْلَظُ مِنْ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا رُجُوعٌ بَعْدَ الْقَبُولِ وَالْوُقُوفِ عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَحُجَجِهِ، وَذَلِكَ امْتِنَاعٌ مِنْ الْقَبُولِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْوُقُوفِ دُونَ حَقِيقَةِ الْوُقُوفِ، فَلَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَال.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا وَلَيَدًا» وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا شُرِعَ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ بِأَعْلَى الطَّرِيقَيْنِ عِنْدَ وُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ إجَابَتِهَا بِأَدْنَاهُمَا، وَهُوَ دَعْوَةُ اللِّسَانِ بِالِاسْتِتَابَةِ، بِإِظْهَارِ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَالنِّسَاءُ أَتْبَاعُ الرِّجَالِ فِي إجَابَةِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّهُنَّ فِي الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ يُسْلِمْنَ بِإِسْلَامِ أَزْوَاجِهِنَّ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ وَكَانَتْ تَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَقَعُ شَرْعُ الْقَتْلِ فِي حَقِّهَا وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَا يُفِيدُ وَلِهَذَا لَمْ تُقْتَلْ الْحَرْبِيَّةُ بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَتْبَعُ رَأْيَ غَيْرِهِ، خُصُوصًا فِي أَمْرِ الدِّينِ بَلْ يَتْبَعُ رَأْيَ نَفْسِهِ، فَكَانَ رَجَاءُ الْإِسْلَامِ مِنْهُ ثَابِتًا، فَكَانَ شَرْعُ الْقَتْلِ مُفِيدًا، فَهُوَ الْفَرْقُ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الذُّكُورِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا ارْتَدَّتْ لَا تُقْتَلُ عِنْدَنَا، وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ يُجْبِرُهَا مَوْلَاهَا إنْ احْتَاجَ إلَى خِدْمَتِهَا، وَيَحْبِسُهَا فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِيهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ قَائِمٌ، وَهِيَ مَجْبُورَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ شَرْعًا فَكَانَ الرَّفْعُ إلَى الْمَوْلَى رِعَايَةً لِلْحَقَّيْنِ، وَلَا يَطَؤُهَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ لَا يُقْتَلُ، وَإِنْ صَحَّتْ رِدَّتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵄؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْبَالِغِ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ وَالدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ بِاللِّسَانِ وَإِظْهَارِ حُجَجِهِ وَإِيضَاحِ دَلَائِلِهِ لِظُهُورِ الْعِنَادِ وَوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ فَلَاحِهِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الصَّبِيِّ فَكَانَ الْإِسْلَامُ مِنْهُ مَرْجُوًّا وَالرُّجُوعُ إلَى الدِّينِ مِنْهُ مَأْمُولًا، فَلَا يُقْتَلُ وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْحَبْسِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ يَكْفِيهِ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ، وَعَلَى هَذَا: صَبِيٌّ أَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ حَتَّى حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، فَبَلَغَ كَافِرًا وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إقْرَارٌ بِاللِّسَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يُقْتَلُ؛ لِانْعِدَامِ الرِّدَّةِ مِنْهُ إذْ هِيَ اسْمٌ لِلتَّكْذِيبِ بَعْدَ سَابِقَةِ التَّصْدِيقِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّصْدِيقُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَصْلًا لِانْعِدَامِ دَلِيلِهِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ ارْتَدَّ يُقْتَلُ لِوُجُودِ الرِّدَّةِ مِنْهُ بِوُجُودِ دَلِيلِهَا وَهُوَ الْإِقْرَارُ، فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْجُودُ مِنْهُ رِدَّةً حَقِيقَةً فَلَا يُقْتَلُ، وَلَكِنَّهُ يُحْبَسُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ؟ وَالْحُكْمُ فِي إكْسَابِهِ كَالْحُكْمِ فِي إكْسَابِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ حُكْمًا وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ فِي إكْسَابِ الْمُرْتَدِّ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ - اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا حُرْمَةُ الِاسْتِرْقَاقِ
стр. 1867
فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَسْتَرِقُّ، وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وَكَذَا الصَّحَابَةُ ﵃ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَلِأَنَّ اسْتِرْقَاقَ الْكَافِرِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَاسْتِرْقَاقُهُ لَا يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، إنَّهَا تُسْتَرَقُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ قَتْلُهَا، وَلَا يَجُوزُ إبْقَاءُ الْكَافِرِ عَلَى الْكُفْرِ إلَّا مَعَ الْجِزْيَةِ أَوْ مَعَ الرِّقِّ، وَلَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسْوَانِ، فَكَانَ إبْقَاؤُهَا عَلَى الْكُفْرِ مَعَ الرِّقِّ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ إبْقَائِهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَكَذَا الصَّحَابَةُ ﵃ اسْتَرَقُّوا نِسَاءَ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ الْعَرَبِ وَصِبْيَانَهُمْ حَتَّى قِيلَ: إنَّ أُمَّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ إيَاسٍ كَانَتْ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَمِنْهَا حُرْمَةُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ، فَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ الْمُرْتَدِّ لِمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْهَا أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ جِنَايَتَهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ أَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي، وَإِنَّمَا الْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّعَاوُنِ.
وَالْمُرْتَدُّ لَا يُعَاوَنُ، وَمِنْهَا الْفُرْقَةُ إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْ الْمَرْأَةِ كَانَتْ فُرْقَةً بِغَيْرِ طَلَاقٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الرَّجُلِ فَفِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَلَا تَرْتَفِعُ هَذِهِ الْفُرْقَةُ بِالْإِسْلَامِ وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ أَسْلَمَا مَعًا، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ فَسَدَ النِّكَاحُ.
وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَسَدَ النِّكَاحُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ كِتَابِ النِّكَاحِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إنْكَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَمِنْهَا حُرْمَةُ ذَبِيحَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ أَحَدٍ لِانْعِدَامِ الْمِلَّةِ وَالْوِلَايَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ تُحْبَطُ أَعْمَالُهُ لَكِنْ بِنَفْسِ الرِّدَّة عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِشَرِيطَةِ الْمَوْتِ عَلَيْهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَجِبُ عَلَيْهِ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ حُكْمُ الْمِلْكِ وَحُكْمُ الْمِيرَاثِ، وَحُكْمُ الدَّيْنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ تَكُونُ أَمْوَالُهُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ تَزُولُ أَمْوَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ تَزُولُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ مَقْصُورًا عَلَى الْحَالِ، أَمْ بِالرِّدَّةِ مِنْ حِينِ وُجُودِهَا عَلَى التَّوَقُّفِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - مِلْكُ الْمُرْتَدِّ لَا يَزُولُ عَنْ مَالِهِ بِالرِّدَّةِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِالْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ الْمِلْكُ فِي أَمْوَالِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ بُنِيَ حُكْمُ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ عِنْدَهُمَا كَمَا تَجُوزُ مِنْ الْمُسْلِمِ، حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ أَوْ دَبَّرَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ وَهَبَ نَفَذَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَعُقْدَةُ تَصَرُّفَاتِهِ مَوْقُوفَةٌ لِوُقُوفِ أَمْلَاكِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ جَازَ كُلُّهُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَ كُلُّهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا لَهُ حَالَةَ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْمِلْكِ وَأَهْلِيَّتِهِ وَهِيَ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّدَّةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي كَيْفِيَّةِ الْجَوَازِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: جَوَازُهَا جَوَازُ تَصَرُّفِ الصَّحِيحِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: جَوَازُ تَصَرُّفَاتِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْمُرْتَدَّ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ اخْتِيَارَ الْإِسْلَامِ بِيَدِهِ، فَيُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَخْلُصُ عَنْ الْقَتْلِ، وَالْمَرِيضُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الْمَرَضِ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَنَّى يَتَشَابَهَانِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَ زَوَالِ الْمِلْكِ وَهُوَ الرِّدَّةُ؛ لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْقَتْلِ.
وَالْقَتْلُ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْمَوْتِ، فَكَانَ زَوَالُ الْمِلْكِ عِنْدَ الْمَوْتِ مُضَافًا إلَى السَّبَبِ السَّابِقِ، وَهُوَ الرِّدَّةُ، وَلَا يُمْكِنُهُ اللَّحَاقُ بِدَارِ الْحَرْبِ بِأَمْوَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بَلْ يُقْتَلُ، فَيَبْقَى مَالُهُ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ لِلْحَالِ، إلَّا أَنَّا تَوَقَّفْنَا فِيهِ لِاحْتِمَالِ الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَادَ تَرْتَفِعُ الرِّدَّةُ مِنْ الْأَصْلِ، وَيُجْعَلُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، فَكَانَ التَّوَقُّفُ فِي الزَّوَالِ لِلْحَالِ لِاشْتِبَاهِ الْعَاقِبَةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ تَبَيَّنَ أَنَّ الرِّدَّةَ لَمْ تَكُنْ سَبَبًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ لِارْتِفَاعِهَا مِنْ الْأَصْلِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ صَادَفَ مَحَلَّهُ فَيَصِحُّ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا وَقَعَتْ سَبَبًا لِلزَّوَالِ مِنْ حِينِ وُجُودِهَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ زَائِلًا مِنْ حِينِ وُجُودِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ سَبَبِهِ، فَلَمْ يُصَادِفْ التَّصَرُّفُ مَحَلَّهُ فَبَطَلَ.
فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ مِلْكُهُ مَوْقُوفًا فَكَانَتْ تَصَرُّفَاتُهُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَيْهِ مَوْقُوفَةً ضَرُورَةً وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِيلَادُهُ حَتَّى إنَّهُ لَوْ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ فَادَّعَى وَلَدَهَا، إنَّهُ يَثْبُتُ
стр. 1868
النَّسَبُ، وَتَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ الْمَحَلَّ مَمْلُوكٌ لَهُ مِلْكًا تَامًّا.
(وَأَمَّا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَلِأَنَّ الْمِلْكَ الْمَوْقُوفَ لَا يَكُونُ أَدْنَى حَالًا مِنْ حَقِّ الْمِلْكِ، ثُمَّ حَقُّ الْمِلْكِ يَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَتَسْلِيمُهُ الشُّفْعَةَ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ، وَالثَّابِتُ لِلشَّفِيعِ حَقٌّ لَا يَحْتَمِلُ الْإِرْثَ، وَمُعَاوَضَتُهُ مَوْقُوفَةٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاوَاةِ.
(وَأَمَّا) الْمُرْتَدَّةُ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهَا عَنْ أَمْوَالِهَا بِلَا خِلَافٍ، فَتَجُوزُ تَصَرُّفَاتُهَا فِي مَالِهَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ، فَلَمْ تَكُنْ رِدَّتُهَا سَبَبًا لِزَوَالِ مِلْكِهَا عَنْ أَمْوَالِهَا بِلَا خِلَافٍ، فَتَجُوزُ تَصَرُّفَاتُهَا، وَإِذَا عُرِفَ حُكْمُ مِلْكِ الْمُرْتَدِّ وَحَالُ تَصَرُّفَاتِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهِ، فَحَالُ الْمُرْتَدِّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُسْلِمَ، أَوْ يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ، أَوْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ أَسْلَمَ فَقَدْ عَادَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ ارْتَفَعَتْ مِنْ الْأَصْلِ حُكْمًا، وَجُعِلَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ أَصْلًا، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ صَارَ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَعَتَقَ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرُوهُ وَمُكَاتَبُوهُ إذَا أَدَّى إلَى وَرَثَتِهِ، وَتَحِلُّ الدُّيُونُ الَّتِي عَلَيْهِ وَتُقْضَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ الْمَوْتِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا، وَقَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ فِي حَقِّ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ أَمْوَالِهِ الْمَتْرُوكَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْمَالِ بِالْمَوْتِ حَقِيقَةٌ لِكَوْنِهِ مَالًا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ لِانْتِهَاءِ حَاجَتِهِ بِالْمَوْتِ وَعَجْزِهِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى فِي اللَّحَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي حَقِّهِ، لِعَجْزِهِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَكَانَ فِي حُكْمِ الْمَالِ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِهِ، فَكَانَ اللَّحَاقُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ فِي كَوْنِهِ مُزِيلًا لِلْمِلْكِ، فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِاللَّحَاقِ، يُحْكَمُ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ، وَيُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَتَحِلُّ دُيُونُهُ الْمُؤَجَّلَةُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ، وَقَدْ وُجِدَ مَعْنًى.
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَيُؤَدِّي إلَى وَرَثَتِهِ فَيُعْتَقُ، وَإِذَا عَتَقَ فَوَلَاؤُهُ لِلْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتِقُ، وَلَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا فَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعُودَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَعُودَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَإِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ عَادَ عَلَى حُكْمِ أَمْلَاكِهِ فِي الْمُدَبَّرِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ، وَاللُّحُوقُ بِدَارِ الْحَرْبِ لَيْسَ بِمَوْتٍ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ يَلْحَقُ بِالْمَوْتِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي بِاللَّحَاقِ، فَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ لَمْ يَلْحَقْ، فَإِذَا عَادَ يَعُودُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي بِاللَّحَاقِ فَمَا وُجِدَ مِنْ مَالِهِ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ بِحَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ جُعِلَ خَلَفًا لَهُ فِي مَالِهِ، فَكَانَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ لَهُ كَأَنَّهُ وَكِيلُهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَهُ قَائِمًا عَلَى حَالِهِ.
وَمَا زَالَ مِلْكُ الْوَارِثِ عَنْهُ بِالْبَيْعِ، أَوْ بِالْعِتْقِ، فَلَا رُجُوعَ فِيهِ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْخَلَفِ كَتَصَرُّفِ الْأَصْلِ، بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ وَأَمَّا مَا أَعْتَقَ الْحَاكِمُ مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ إذَا كَانَ أَدَّى الْمَالَ إلَى الْوَرَثَةِ، لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَتَقَ بِأَدَاءِ الْمَالِ، وَالْعِتْقُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَمَا أُدِّيَ إلَى الْوَرَثَةِ إنْ كَانَ قَائِمًا أُخِذَ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُمْ عَنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ضَمَانُهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ بَعْدُ، يُؤْخَذُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ.
وَإِنْ عَجَزَ عَادَ رَقِيقًا لَهُ وَلَوْ رَجَعَ كَافِرًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَخَذَ طَائِفَةً مِنْ مَالِهِ وَأَدْخَلَهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ مَا قُضِيَ بِلَحَاقِهِ فَالْوَرَثَةُ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَتْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَتْهُ مَجَّانًا بِلَا عِوَضٍ، وَإِنْ وَجَدَتْهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَتْهُ بِالْقِيمَةِ فِي ذَوَاتِ الْقِيَمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَحِقَ وَقُضِيَ بِلَحَاقِهِ فَقَدْ زَالَ مِلْكُهُ إلَى الْوَرَثَةِ، فَهَذَا مَالُ مُسْلِمٍ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكَافِرُ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَوَجَدَهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِاللَّحَاقِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ هَذَا، وَرُجُوعُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِاللَّحَاقِ سَوَاءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا لَا حَقَّ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ جَنَى الْمُرْتَدُّ جِنَايَةً ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ إلَيْنَا ثَانِيًا، فَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ وَالْقَذْفِ يُؤْخَذُ بِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ ﵎ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ يَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ يُلْتَحَقُ بِالْمَوْتِ فَيُورِثُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُؤْخَذْ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِصَيْرُورَتِهِ فِي حُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمُ مَالِهِ الَّذِي خَلَّفَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الَّذِي لَحِقَ بِهِ فِي دَارِ
стр. 1869
الْحَرْبِ فَهُوَ مِلْكُهُ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْوَرَثَةِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمَالِ الْمَحْمُولِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِ الْمُرْتَدِّ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَكَانَ مَحَلُّ التَّمَلُّكِ بِالِاسْتِيلَاءِ لِسَائِرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْمِيرَاثِ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ﵃ فِي أَنَّ الْمَالَ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ وَقُضِيَ بِاللَّحَاقِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: هُوَ فَيْءٌ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» نَفَى أَنْ يَرِثَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَوَارِثُهُ مُسْلِمٌ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَرِثَهُ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا ﵁ قَتَلَ الْمُسْتَوْرِدَ الْعِجْلَيَّ بِالرِّدَّةِ، وَقَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ مُنْكِرٌ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ فِي كَوْنِهَا سَبَبًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ، كَالْمَوْتِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ.
فَإِذَا ارْتَدَّ فَهَذَا مُسْلِمٌ مَاتَ، فَيَرِثُهُ الْمُسْلِمُ فَكَانَ هَذَا إرْثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ لَا مِنْ الْكَافِرِ، فَقَدْ قُلْنَا بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ بِحَمْدِ اللَّهِ - تَعَالَى وَأَمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا فَالرِّدَّةُ إنْ كَانَتْ لَا تُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ يُمْكِنُ احْتِمَالُ الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ حُكْمِ الْإِرْثِ؟ وَذَلِكَ جَائِزٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؟ فَجَازَ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ فِي حَقِّ حُكْمِ الْإِرْثِ أَيْضًا؟ فَلَا يَكُونُ إرْثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فَيَكُونُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَالِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: ﵁ هُوَ فَيْءٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - هُوَ مِيرَاثٌ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ كَسْبَ الرِّدَّةِ مِلْكُهُ لِوُجُودِ سَبَبِ الْمِلْكِ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرْتَدَّ أَهْلُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْمِلْكِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَالرِّدَّةُ لَا تُنَافِيهَا بَلْ تُنَافِي مَا يُنَافِيهَا، وَهُوَ الرِّقُّ؛ إذْ الْمُرْتَدُّ لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِرْقَاقَ، وَإِذَا ثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهِ، احْتَمَلَ الِانْتِقَالَ إلَى وَرَثَتِهِ بِالْمَوْتِ، أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَوْتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرِّدَّةَ سَبَبٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ مِنْ حِينِ وُجُودِهَا بِطَرِيقِ الظُّهُورِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَا وُجُودَ لِلشَّيْءِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِ زَوَالِهِ فَكَانَ الْكَسْبُ فِي الرِّدَّةِ مَالًا لَا مَالِكَ لَهُ، فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِرْثَ فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَاللُّقَطَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُورَثُ مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُ الْوَارِثِ، وَهِيَ أَهْلِيَّةُ الْوِرَاثَةِ وَقْتَ الرِّدَّةِ، أَمْ وَقْتَ الْمَوْتِ، أَمْ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْوِرَاثَةِ وَقْتَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ إنَّمَا يَزُولُ عِنْدَهُمَا بِالْمَوْتِ فَتُعْتَبَرُ الْأَهْلِيَّةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا غَيْرُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ، يُعْتَبَرُ وَقْتُ الرِّدَّةِ لَا غَيْرُ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَهْلًا وَقْتَ الرِّدَّةِ وَرِثَ، وَإِنْ زَالَتْ أَهْلِيَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ يُعْتَبَرُ دَوَامُ الْأَهْلِيَّةِ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ.
(وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِرْثَ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ لَا بِطَرِيقِ الظُّهُورِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْإِرْثِ.
وَالْقَوْلُ بِالْإِرْثِ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ إيجَابُ الْإِرْثِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ فَإِذَا وُجِدَ الْمَوْتُ يَثْبُتُ الْإِرْثُ ثُمَّ يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الرِّدَّةِ وَزَوَالِ الْأَهْلِيَّةِ، فِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ يُمْنَعُ مِنْ الِاسْتِنَادِ، فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ الْأَهْلِيَّةِ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ مُسْلِمًا وَقْتَ الرِّدَّةِ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ، لَا يُورَثُ وَكَذَا إذَا مَاتَ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَوْ الْمَرْأَةُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ مَوْتِهِ.
(وَجْهُ) الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْإِرْثَ يَتْبَعُ زَوَالَ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ زَالَ بِالرِّدَّةِ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهَا، فَيَثْبُتُ الْإِرْثُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ قَوْلُهُ هَذَا إيجَابُ الْإِرْثِ قَبْلَ الْمَوْتِ قُلْنَا: هَذَا مَمْنُوعٌ بَلْ هَذَا إيجَابُ الْإِرْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ فِي مَعْنَى الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الْمَوْتِ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَكَانَتْ الرِّدَّةُ مَوْتًا مَعْنًى، وَكَذَا اخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فِيمَا إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَى الْقَاضِي بِاللَّحَاقِ، إنَّهُ تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْوِرَاثَةِ وَقْتَ الْقَضَاءِ بِاللَّحَاقِ أَمْ وَقْتَ اللَّحَاقِ؟ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَقْتَ الْقَضَاءِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ تُعْتَبَرُ وَقْتَ اللَّحَاقِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ وَقْتَ الْإِرْثِ وَقْتُ زَوَالِ الْمِلْكِ، وَمِلْكُ الْمُرْتَدِّ إنَّمَا يَزُولُ بِاللَّحَاقِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَعْجِزُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ الْمَتْرُوكِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّ الْعَجْزَ قَبْلَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ لِاحْتِمَالِ الْعَوْدِ، فَإِذَا قُضِيَ تَقَرَّرَ الْعَجْزُ وَصَارَ الْعَوْدُ بَعْدَهُ كَالْمُمْتَنِعِ عَادَةً، فَكَانَ الْعَامِلُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ هُوَ اللَّحَاقَ فَتُعْتَبَرُ الْأَهْلِيَّةُ وَقْتَئِذٍ.
(وَجْهُ) قَوْلِ
стр. 1870
أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَزُولُ إلَّا بِالْقَضَاءِ، فَكَانَ الْمُؤَثِّرُ فِي الزَّوَالِ هُوَ الْقَضَاءَ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ الْمُرْتَدَّةُ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ، وَلَوْ.
ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ ثُمَّ قُتِلَ الْأَبُ عَلَى رِدَّتِهِ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ يَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ قَطْعًا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ لَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَقَ فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ، فَلَا يَرِثُ مَعَ الشَّكِّ، وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ دُونَ الْمَرْأَةِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ مُسْلِمَةٍ وَرِثَهُ مَعَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ مُسْلِمَةٌ، فَكَانَ الْوَلَدُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِأُمِّهِ فَيَرِثُ أَبَاهُ، وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ عَنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ فَارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَوَلَدَتْ هُنَاكَ ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى الدَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَرَقُّ وَيَرِثُ أَبَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبِيهِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَلَدَتْهُ حَتَّى سُبِيَتْ ثُمَّ وَلَدَتْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ مَرْقُوقُ مُسْلِمٍ تَبَعًا لِأَبِيهِ، مَرْقُوقٌ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَلَا يَرِثُ أَبَاهُ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ مِنْ أَسْبَابِ الْحِرْمَانِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمَةً فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا، أَوْ وَطِئَ أَمَةً مُسْلِمَةً فَوَلَدَتْ لَهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِلْأُمِّ وَيَرِثُ أَبَاهُ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ كَافِرَةً لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إسْلَامُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا حُكْمُ الدَّيْنِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ: دُيُونُ الْمُرْتَدِّ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَالرِّدَّةِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا مِيرَاثٌ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ، إلَّا أَنْ لَا يَفِيَ بِهِ فَيَقْضِيَ الْبَاقِيَ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ وَرَوَى الْحَسَنُ ﵀ عَنْهُ أَنَّهُ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ لَا يَفِيَ بِهِ فَيَقْضِيَ الْبَاقِيَ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ وَقَالَ الْحَسَنُ ﵀: دَيْنُ الْإِسْلَامِ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَدَيْنُ الرِّدَّةِ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀ وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْإِنْسَانِ يُقْضَى مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، وَكَذَا دَيْنُ الْمَيِّتِ يُقْضَى مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ وَارِثِهِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّيْنِ يَمْنَعُ زَوَالَ مِلْكِهِ إلَى وَارِثِهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ؛ لِكَوْنِ الدَّيْنِ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِرْثِ، فَكَانَ قَضَاءُ دَيْنِ كُلِّ مَيِّتٍ مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ وَارِثِهِ وَمَالُهُ كَسْبُ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَمَالُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَفِ بِهِ كَسْبُ الْإِسْلَامِ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ فَيَقْضِي الْبَاقِيَ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيَان حُكْمُ وَلَدِ الْمُرْتَدِّ]
(فَصْلٌ) .
وَأَمَّا حُكْمُ وَلَدِ الْمُرْتَدِّ فَوَلَدُ الْمُرْتَدِّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي الرِّدَّةِ، فَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا فِي الْإِسْلَامِ، بِأَنْ وُلِدَ لِلزَّوْجَيْنِ وَلَدٌ وَهُمَا مُسْلِمَانِ، ثُمَّ ارْتَدَّا لَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ وَأَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ فَقَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، فَلَا يَزُولُ بِرِدَّتِهِمَا لِتَحَوُّلِ التَّبَعِيَّةِ إلَى الدَّارِ، إذْ الدَّارُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ التَّبَعِيَّةِ ابْتِدَاءً عِنْدَ اسْتِتْبَاعِ الْأَبَوَيْنِ، تَصْلُحُ لِلْإِبْقَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، فَمَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، تَبَعًا لِلدَّارِ، وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدَّانِ بِهَذَا الْوَلَدِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَكَبِرَ الْوَلَدُ، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ وَكَبِرَ، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ أَمَّا حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ فَمَعْلُومٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ وَيُقْتَلُ، وَالْمُرْتَدَّةُ تُسْتَرَقُّ وَلَا تُقْتَلُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْحَبْسِ وَأَمَّا حُكْمُ الْأَوْلَادِ فَوَلَدُ الْأَبِ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ تَبَعًا لَهُمَا، فَلَمَّا بَلَغَ كَافِرًا فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْهُ، وَالْمُرْتَدُّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ رِدَّةٌ حُكْمِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ لِوُجُودِ الْإِيمَانِ حُكْمًا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَا حَقِيقَةً، فَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لَكِنْ بِالْحَبْسِ لَا بِالسَّيْفِ إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ عَلَى قَدْرِ الْعِلَّةِ، وَلَا يُجْبَرُ وَلَدُ وَلَدِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ لَا يَتْبَعُ الْجَدَّ فِي الْإِسْلَامِ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ مُرْتَدِّينَ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ وَنُوحٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَيَنْبَغِي أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا فِي الرِّدَّةِ بِأَنْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَا وَلَدَ لَهُمَا، ثُمَّ حَمَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بَعْدَ رِدَّتِهَا، وَهُمَا مُرْتَدَّانِ عَلَى حَالِهِمَا، فَهَذَا الْوَلَدُ بِمَنْزِلَةِ أَبَوَيْهِ لَهُ حُكْمُ الرِّدَّةِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا، وَلَوْ لَحِقَا بِهَذَا الْوَلَدِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَبَلَغَ، وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ فَبَلَغُوا، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ وَسُبُوا جَمِيعًا، يُجْبَرُ وَلَدُ الْأَبِ وَوَلَدُ وَلَدِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقْتَلُونَ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ وَلَدُ وَلَدِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ.
(وَجْهُ) مَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ أَنَّ وَلَدَ الْأَبِ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَحْكُومًا بِرِدَّتِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ تَبَعٌ لَهُ فَكَانَ مَحْكُومًا بِرِدَّتِهِ تَبَعًا لَهُ، وَالْمُرْتَدُّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ رِدَّةٌ حُكْمِيَّةٌ فَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْحَبْسِ لَا بِالْقَتْلِ
стр. 1871
وَجْهُ) الْمَذْكُورِ فِي الْجَامِعِ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ إنَّمَا صَارَ مَحْكُومًا بِرِدَّتِهِ تَبَعًا لِأَبِيهِ، وَالتَّبَعُ لَا يَسْتَتْبِعُ غَيْرَهُ.
وَأَمَّا حُكْمُ الِاسْتِرْقَاقِ فَذُكِرَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ يُسْتَرَقُّ الْإِنَاثُ وَالذُّكُورُ الصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّ أُمَّهُمْ مُرْتَدَّةٌ وَهِيَ تَحْتَمِلُ الِاسْتِرْقَاقَ، وَالْوَلَدُ كَمَا تَبِعَ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ يَتْبَعُهَا فِي احْتِمَالِ الِاسْتِرْقَاقِ.
وَأَمَّا الْكِبَارُ فَلَا يُسْتَرَقُّونَ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ بِالْبُلُوغِ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْوِلْدَانُ فَيْءٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ أُمَّهُ مُرْتَدَّةٌ.
وَأَمَّا الْآخَرُ فَلِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ؛ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأَبَوَيْنِ فِي الرِّدَّةِ قَدْ انْقَطَعَتْ بِالْبُلُوغِ، وَهُوَ كَافِرٌ، فَكَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا، فَاحْتَمَلَ الِاسْتِرْقَاقَ وَلَوْ ارْتَدَّتْ امْرَأَةٌ وَهِيَ حَامِلٌ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَتْ وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ وَلَدُهَا فَيْئًا؛ لِأَنَّ السَّبْيَ لَحِقَهُ وَهُوَ فِي حُكْمِ جُزْءِ الْأُمِّ، فَلَا يَبْطُلُ بِالِانْفِصَالِ مِنْ الْأُمِّ وَالذِّمِّيُّ الَّذِي نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْإِرْثِ وَالْحُكْمُ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُدَبَّرَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ لَحَاقَهُ، اللَّحَاقُ بِالْمَوْتِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا لَا يُفْصَلُ، إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ: وَهُوَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُسْتَرَقُّ وَالْمُرْتَدُّ لَا يُسْتَرَقُّ وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ شَرْعَ الِاسْتِرْقَاقِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَاسْتِرْقَاقُ الْمُرْتَدِّ لَا يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ رَجَعَ بَعْدَ مَا ذَاقَ طَعْمَ الْإِسْلَامِ، وَعَرَفَ مَحَاسِنَهُ فَلَا يُرْجَى فَلَاحُهُ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَامِ الْبُغَاةِ]
(فَصْلٌ) .
وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِ الْبُغَاةِ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ: فِي تَفْسِيرِ الْبُغَاةِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَلْزَمُ إمَامَ أَهْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ عَلَيْهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُصْنَعُ بِهِمْ وَبِأَمْوَالِهِمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ إصَابَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُصْنَعُ بِقَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ قَضَايَاهُمْ أَمَّا تَفْسِيرُ الْبُغَاةِ، فَالْبُغَاةُ هُمْ الْخَوَارِجُ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ رَأْيِهِمْ أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كُفْرٌ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، يَخْرُجُونَ عَلَى إمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَيَسْتَحِلُّونَ الْقِتَالَ وَالدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَقُوَّةٌ.
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَلْزَمُ إمَامَ الْعَدْلِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنْ عَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّ الْخَوَارِجَ يُشْهِرُونَ السِّلَاحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَيُحْدِثُوا تَوْبَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُمْ لَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، فَيَأْخُذُهُمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَلَا يَبْدَؤُهُمْ الْإِمَامُ بِالْقِتَالِ حَتَّى يَبْدَءُوهُ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ لَا لِشَرِّ شِرْكِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، فَمَا لَمْ يَتَوَجَّهُ الشَّرُّ مِنْهُمْ لَا يُقَاتِلُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى تَعَسْكَرُوا وَتَأَهَّبُوا لِلْقِتَالِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْعَدْلِ، وَالرُّجُوعِ إلَى رَأْيِ الْجَمَاعَةِ أَوَّلًا لِرَجَاءِ الْإِجَابَةِ وَقَبُولِ الدَّعْوَةِ، كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَكَذَا رُوِيَ أَنْ سَيِّدَنَا عَلِيًّا ﵁ لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْلُ حَرُورَاءَ نَدَبَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى الْعَدْلِ، فَدَعَاهُمْ وَنَاظَرَ هُمْ، فَإِنْ أَجَابُوا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وَكَذَا قَاتَلَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ ﵁ أَهْلَ حَرُورَاءَ بِالنَّهْرَوَانِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ﵊ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ «إنَّكَ تُقَاتِلُ عَلَى التَّأْوِيلِ كَمَا تُقَاتِلُ عَلَى التَّنْزِيلِ» وَالْقِتَالُ عَلَى التَّأْوِيلِ هُوَ الْقِتَالُ مَعَ الْخَوَارِجِ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى إمَامَةِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵁؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ شَبَّهَ قِتَالَ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵁ عَلَى التَّأْوِيلِ بِقِتَالِهِ عَلَى التَّنْزِيلِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قِتَالِهِ بِالتَّنْزِيلِ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ مُحِقًّا فِي قِتَالِهِ بِالتَّأْوِيلِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إمَامَ حَقٍّ لَمَا كَانَ مُحِقًّا فِي قِتَالِهِ إيَّاهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ سَاعُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فَيُقْتَلُونَ دَفْعًا لِلْفَسَادِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَإِنْ قَاتَلَهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ لِكَوْنِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ دَعَاهُ الْإِمَامُ إلَى قِتَالِهِمْ أَنْ يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ غِنًى وَقُدْرَةٌ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَرْضٌ، فَكَيْفَ فِيمَا هُوَ طَاعَةٌ؟ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْتَزِلَ الْفِتْنَةَ، وَيَلْزَمَ بَيْتَهُ، مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ إمَامٌ يَدْعُوهُ إلَى الْقِتَالِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فَدَعَاهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِهِمْ وَبِأَمْوَالِهِمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَنَقُولُ: الْإِمَامُ إذَا قَاتَلَ أَهْلَ الْبَغْيِ فَهَزَمَهُمْ وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إلَيْهَا، فَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَقْتُلُوا مُدْبِرَهُمْ وَيُجْهِزُوا عَلَى
стр. 1872
جَرِيحِهِمْ لِئَلَّا يَتَحَيَّزُوا إلَى الْفِئَةِ فَيَمْتَنِعُوا بِهَا فَيَكُرُّوا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمَّا أَسِيرُهُمْ فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَتَلَهُ اسْتِئْصَالًا لِشَأْفَتِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ لِانْدِفَاعِ شَرِّهِ بِالْأَسْرِ وَالْحَبْسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ يَتَحَيَّزُونَ إلَيْهَا لَمْ يَتْبَعْ مُدْبِرَهُمْ، وَلَمْ يُجْهِزْ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَمْ يَقْتُلْ أَسِيرَهُمْ؛ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ شَرِّهِمْ عِنْدَ انْعِدَامِ الْفِئَةِ.
(وَأَمَّا) أَمْوَالُهُمْ الَّتِي ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعِينُوا بِكُرَاعِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ عَلَى قِتَالِهِمْ كَسْرًا لِشَوْكَتِهِمْ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا أَمْسَكَهَا الْإِمَامُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَا تَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ بِالِاسْتِيلَاءِ لِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ يَحْبِسُهَا عَنْهُمْ إلَى أَنْ يَزُولَ بَغْيُهُمْ فَإِذَا زَالَ رَدَّهَا عَلَيْهِمْ، وَكَذَا مَا سِوَى الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَكِنْ يُمْسَكُ وَيُحْبَسُ عَنْهُمْ إلَى أَنْ يَزُولَ بَغْيُهُمْ فَيُدْفَعَ إلَيْهِمْ لِمَا قُلْنَا وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَغْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالْحَرْقِ وَالْغَرَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَاتَلُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لَدَفْعِ شَرِّهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَيُقَاتَلُونَ بِكُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُوَادِعَهُمْ لِيَنْظُرُوا فِي أُمُورِهِمْ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ مَالًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ فَكُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالنِّسْوَانِ وَالْأَشْيَاخِ وَالْعُمْيَانِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّ قِتَالِهِمْ فَيَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْقِتَالِ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَلَا يُقْتَلُونَ إلَّا إذَا قَاتَلُوا، فَيُبَاحُ قَتْلُهُمْ فِي حَالِ الْقِتَالِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ، إلَّا الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي حُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَإِنْ كَانَ قَاتَلَ مَعَ مَوْلَاهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ يَخْدُمُ مَوْلَاهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يَزُولَ بَغْيُهُمْ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ.
(وَأَمَّا) الْكُرَاعُ فَلَا يُمْسَكُ وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ وَيُحْبَسُ ثَمَنُهُ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَادِلِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِقَتْلِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ مُبَاشَرَةً، وَإِذَا أَرَادَ هُوَ قَتْلَهُ، لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ، بِأَنْ يَعْقِرَ دَابَّتَهُ لِيَتَرَجَّلَ فَيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ سَائِرِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْهُ مُبَاشَرَةً وَتَسَبُّبًا ابْتِدَاءً إلَّا الْوَالِدَيْنِ.
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ الشِّرْكَ فِي الْأَصْلِ مُبِيحٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵎ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلَّا أَنَّهُ خُصَّ مِنْهُ الْأَبَوَانِ بِنَصٍّ خَاصٍّ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فَبَقِيَ غَيْرُهُمَا عَلَى عُمُومِ النَّصِّ بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي الْأَصْلِ عَاصِمٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَالْبَاغِي مُسْلِمٌ، إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ قَتْلُ غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ لَا لِشَوْكَتِهِمْ، وَدَفْعُ الشَّرِّ يَحْصُلُ بِالدَّفْعِ وَالتَّسْبِيبِ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ، فَبَقِيَتْ الْعِصْمَةُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْعَاصِمِ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ حُكْمِ إصَابَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَادِلَ إذَا أَصَابَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ دَمٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ، إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (وَأَمَّا) الْبَاغِي إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إنَّهُ مَضْمُونٌ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْبَاغِيَ جَانٍ فَيَسْتَوِي فِي حَقِّهِ وُجُودُ الْمَنَعَةِ وَعَدَمُهَا؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ يَسْتَحِقُّ التَّغْلِيظَ دُونَ التَّخْفِيفِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ قَالَ: وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ فَاتَّفَقُوا أَنَّ كُلَّ دَمٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَكُلُّ مَالٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَكُلُّ فَرْجٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَمِثْلُهُ لَا يَكْذِبُ فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَإِنَّهُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَالْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃ وَهُوَ أَنَّ لَهُمْ فِي الِاسْتِحْلَالِ تَأْوِيلًا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَكِنَّ لَهُمْ مَنَعَةً، وَالتَّأْوِيلُ الْفَاسِدُ عِنْدَ قِيَامِ الْمَنَعَةِ يَكْفِي لِرَفْعِ الضَّمَانِ، كَتَأْوِيلِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُنْقَطِعَةٌ لِوُجُودِ الْمَنَعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ الْوُجُوبُ مُفِيدًا لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ فَلَمْ يَجِبْ، وَلَوْ فَعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَظُهُورِ الْمَنَعَةِ أَوْ بَعْدَ الِانْهِزَامِ وَتَفَرُّقِ الْجَمْعِ يُؤْخَذُونَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَعَةَ إذَا انْعَدَمَتْ الْوِلَايَةُ وَبَقِيَ مُجَرَّدُ تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ، وَلَوْ قَتَلَ تَاجِرٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ تَاجِرًا آخَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ، أَوْ قَتَلَ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَسِيرًا آخَرَ أَوْ قَطَعَ، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ وَانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ عَسْكَرَ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي حَقِّ انْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ.
стр. 1873
وَدَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَادِلَ إذَا قَتَلَ بَاغِيًا لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِسُقُوطِ عِصْمَةِ نَفْسِهِ وَأَمَّا الْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إنْ قَالَ: قَتَلْتُهُ، وَكُنْتُ عَلَى حَقٍّ وَأَنَا الْآنَ عَلَى حَقٍّ لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَإِنْ قَالَ: قَتَلْتُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى بَاطِلٍ يُحْرَمُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ تَأْوِيلَهُ فَاسِدٌ، إلَّا أَنَّهُ أُلْحِقَ بِالصَّحِيحِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَنَعَةِ فِي حَقِّ الدَّفْعِ لَا فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّا نَعْتَبِرُ تَأْوِيلَهُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ هُوَ الْقَرَابَةُ، وَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، إلَّا أَنَّ قَتْلَ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ سَبَّبَ الْحِرْمَانَ فَإِذَا قَتَلَهُ عَلَى تَأْوِيلِ الِاسْتِحْلَالِ، وَالْمَنَعَةُ مَوْجُودَةٌ اعْتَبَرْنَاهُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ وَهُوَ دَفْعُ الْحِرْمَانِ، فَأَشْبَهَ الضَّمَانَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ: قَتَلْتُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى بَاطِلٍ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ إنَّمَا يَلْحَقُ بِالصَّحِيحِ إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُصِرَّ، فَلَا تَأْوِيلَ لَهُ، فَلَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِقَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: (أَمَّا) قَتْلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فَيُصْنَعُ بِهِمْ مَا يُصْنَعُ بِسَائِرِ الشُّهَدَاءِ، لَا يُغَسَّلُونَ، وَيُدْفَنُونَ فِي ثِيَابِهِمْ، وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُمْ إلَّا مَا لَا يَصْلُحُ كَفَنًا، وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ لِكَوْنِهِمْ مَقْتُولِينَ ظُلْمًا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ الْيَمَنِيَّ كَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ تَحْتَ رَايَةِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵄ فَأَوْصَى فِي رَمَقِهِ: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا، وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَارْمُسُونِي فِي التُّرَابِ رَمْسًا، فَإِنِّي رَجُلٌ مُحَاجٌّ أُحَاجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَأَمَّا) قَتْلَى أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا ﵁ مَا صَلَّى عَلَى أَهْلِ حَرُورَاءَ، وَلَكِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُدْفَنُونَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ مَوْتَى بَنِي سَيِّدِنَا آدَمَ ﵊.
وَيُكْرَهُ أَنْ تُؤْخَذَ رُءُوسُهُمْ، وَتُبْعَثَ إلَى الْآفَاقِ، وَكَذَلِكَ رُءُوسُ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُثْلَةِ، وَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا لَا تُمَثِّلُوا» فَيُكْرَهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ وَهَنٌ لَهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ جَزَّ رَأْسَ أَبِي جَهْلٍ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - يَوْمَ بَدْرٍ وَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ أَبَا جَهْلٍ كَانَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ.
وَيُكْرَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ كَالْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ سِلَاحًا إلَّا بِالْعَمَلِ وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمِزْمَارُ، وَهُوَ الْخَشَبُ وَالْقَصَبُ، وَكَذَا بَيْعُ الْخَمْرِ بَاطِلٌ، وَلَا يَبْطُلُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، وَهُوَ الْعِنَبُ كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ حُكْمِ قَضَايَاهُمْ، فَنَقُولُ: الْخَوَارِجُ إذَا وَلَّوْا قَاضِيًا فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ وَلَّوْا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَإِمَّا أَنْ وَلَّوْا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَإِنْ وَلَّوْا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَضَى بِقَضَايَا ثُمَّ رُفِعَتْ قَضَايَاهُ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ لَا يُنْفِذُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهَا حَقًّا؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، فَاحْتَمَلَ أَنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ بَاطِلٌ عَلَى رَأْيِ الْجَمَاعَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَنْفِيذُهُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَلَوْ كَتَبَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ بِكِتَابٍ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْفَذَهُ؛ لِأَنَّهُ تَنْفِيذٌ لِحَقٍّ ظَاهِرٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ لَا يُنْفِذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ حَقًّا، فَلَا يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ لِقَوْلِهِ ﵎ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]
وَإِنْ وَلَّوْا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَضَى فِيمَا بَيْنَهُمْ بِقَضَايَا، ثُمَّ رُفِعَتْ قَضَايَاهُ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ نَفَّذَهَا؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ إيَّاهُ قَدْ صَحَّتْ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِ الْقَضَايَا بِمَنْعَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، فَصَحَّتْ التَّوْلِيَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَضَى عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ، كَمَا إذَا رُفِعَتْ قَضَايَا قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ إلَى بَعْضِ قُضَاةِ أَهْلِ الْعَدْلِ.
وَمَا أَخَذُوا مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي ظَهَرُوا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ وَالزَّكَاةِ الَّتِي وِلَايَةُ أَخْذِهَا لِلْإِمَامِ لَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْإِمَامِ لِمَكَانِ حِمَايَتِهِ، وَلَمْ تُوجَدْ، إلَّا أَنَّهُمْ يُفْتُونَ بِأَنْ يُعِيدُوا الزَّكَاةَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ لَا يَصْرِفُونَهَا إلَى مَصَارِفهَا، فَأَمَّا الْخَرَاجُ فَمَصْرِفُهُ الْمُقَاتِلَةُ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْحَرْبِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
جَمَعَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ بَيْنَ مَسَائِلِ الْغَصْبِ وَبَيْنَ مَسَائِلِ الْإِتْلَافِ، وَبَدَأَ بِمَسَائِلِ الْغَصْبِ، فَنَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ
стр. 1874
فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: مَعْرِفَةُ مَسَائِلِ الْغَصْبِ فِي الْأَصْلِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ حَدِّ الْغَصْبِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ اخْتِلَافِ الْغَاصِبِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
(أَمَّا) حَدُّ الْغَصْبِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ ﵄: هُوَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهَرَةِ وَالْمُغَالَبَةِ بِفِعْلٍ فِي الْمَالِ وَقَالَ مُحَمَّد ﵀: الْفِعْلُ فِي الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِكَوْنِهِ غَصْبًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: هُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالٍ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالْإِزَالَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ.
(أَمَّا) الْكَلَامُ مَعَ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَهُوَ احْتَجَّ لِتَمْهِيدِ أَصْلِهِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] جَعَلَ الْغَصْبَ مَصْدَرَ الْأَخْذِ، فَدَلَّ أَنَّ الْغَصْبَ وَالْأَخْذَ وَاحِدٌ، وَالْأَخْذُ: إثْبَاتُ الْيَدِ، إلَّا أَنَّ الْإِثْبَاتَ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ يُسَمَّى: إيدَاعًا وَإِعَارَةً وَإِبْضَاعًا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْن الْمَالِكِ يُسَمَّى فِي مُتَعَارَفِ الشَّرْعِ: غَصْبًا، وَلِأَنَّ الْغَصْبَ إنَّمَا جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ تَعَدِّيًا، فَإِذَا وَقَعَ الْإِثْبَاتُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ وَقَعَ تَعَدِّيًا، فَيَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ تَعَدِّيًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنْ غَاصِبَ الْغَاصِبِ ضَامِنٌ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ لِزَوَالِهَا بِغَصْبِ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ، وَإِزَالَةُ الزَّائِلِ مُحَالٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَنَا) الِاسْتِدْلَال بِضَمَانِ الْغَصْبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالِكَ اسْتَحَقَّ إزَالَةَ يَدِ الْغَاصِبِ عَنْ الضَّمَانِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْغَصْبُ مِنْهُ إزَالَةَ يَدِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يُشَرِّعْ الِاعْتِدَاءَ إلَّا بِالْمِثْلِ بِقَوْلِهِ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَالثَّانِي: أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ ضَمَانَ زَجْرٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَمَانَ جَبْرٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّجْرِ، وَلِأَنَّ الِانْزِجَارَ لَا يَحْصُلُ بِهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ: ضَمَانُ جَبْرٍ، وَالْجَبْرُ يَسْتَدْعِي الْفَوَاتَ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ التَّفْوِيتِ لِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَسَّرَ أَخْذَ الْمَلِكِ تِلْكَ السَّفِينَةَ بِغَصْبِهِ إيَّاهَا، كَأَنَّهُ قَالَ : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَغْصِبُ كُلَّ سَفِينَةٍ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَخْذٍ غَصْبٌ، بَلْ هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ غَصْبَ ذَلِكَ الْمَلِكِ كَانَ إثْبَاتَ الْيَدِ عَلَى السَّفِينَةِ مَعَ إزَالَةِ أَيْدِي الْمَسَاكِينِ عَنْهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتٌ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ الْإِزَالَةَ.
(وَأَمَّا) قَوْلُهُ: الْغَصْبُ إنَّمَا أَوْجَبَ الضَّمَانَ لِكَوْنِهِ تَعَدِّيًا فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّ التَّعَدِّيَ فِي الْإِزَالَةِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ تَعَدِّيًا بِوُقُوعِهِ ضَارًّا بِالْمَالِكِ، وَذَلِكَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، وَإِعْجَازِهِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ تَفْوِيتِ الْيَدِ وَإِزَالَتِهَا.
(فَأَمَّا) مُجَرَّدُ الْإِثْبَاتِ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ الْإِثْبَاتُ تَعَدِّيًا، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَخْرُجُ زَوَائِدُ الْغَصْبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ، أَوْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْجَمَالِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ الْمَالِكِ وَقْتَ غَصْبِ الْأُمِّ، فَلَمْ تُوجَدْ إزَالَةُ يَدِهِ عَنْهَا، فَلَمْ يُوجَدْ الْغَصْبُ.
وَعِنْد مُحَمَّدٍ مَضْمُونَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ عِنْدَهُ: إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَقَدْ وُجِدَ الْغَصْبُ، وَهَلْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً عِنْدَنَا بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْمَنْعِ أَوْ الِاسْتِهْلَاكِ أَوْ الِاسْتِخْدَامِ جَبْرًا.
(أَمَّا) الْمُنْفَصِلَةُ: فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ﵃ فِي أَنَّهَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِهَا.
(وَأَمَّا) الْمُتَّصِلَةُ: فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: إذَا غَصَبَ جَارِيَةً قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَازْدَادَتْ فِي بَدَنِهَا خَيْرًا حَتَّى صَارَتْ قِيمَتهَا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَبَاعَهَا، وَسَلَّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا أَلْفَيْ دِرْهَم، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْبَائِعَ، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُشْتَرِي ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْبَائِعِ ضَمَّنَهُ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ قِيمَتَهَا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ أَيْضًا، كَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ.
وَحَكَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْخِلَافَ: أَنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ زِيَادَةً بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى، وَحَكَى الْخِلَافَ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الِاسْتِهْلَاكَ مُطْلَقًا، فَقَالَ: إلَّا أَنْ يَسْتَهْلِكَهَا، وَفَسَّرَهُ الْجَصَّاصُ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ فَقَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً فَيُقْتَلُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، أَنَّ الْمَغْصُوبَ إذَا كَانَ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً فَقَتَلَهُ الْغَاصِبُ خَطَأً يَكُونُ الْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ عَاقِلَةَ الْقَاتِلِ قِيمَتَهُ وَقْتَ الْقَتْلِ زَائِدَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْبَيْعَ وَالتَّسْلِيمَ غَصْبٌ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ إمْكَانِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ
стр. 1875
كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَبَعْدَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ لَمْ يَبْقَ مُتَمَكِّنًا، وَتَفْوِيتُ إمْكَانِ الْأَخْذِ تَفْوِيتُ الْيَدِ مَعْنًى، فَكَانَ غَصْبًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَهَذَا لِأَنَّ تَفْوِيتَ يَدِ الْمَالِكِ إنَّمَا كَانَ غَصْبًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ؛ لِكَوْنِهِ إخْرَاجَ الْمَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِك، وَإِعْجَازُهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِتَفْوِيتِ إمْكَانِ الْأَخْذِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ، وَلِهَذَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى غَاصِبِ الْغَاصِبِ وَمُودِعِ الْغَاصِبِ وَالْمُشَتَّرِي مِنْ الْغَاصِبِ، كَذَا هَذَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الْأَصْلَ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَقَعُ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ غَصْبًا لَهُ؛ لِأَنَّ غَصْبَ الْمَغْصُوبِ لَا يُتَصَوَّرُ، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ لَا يُتَصَوَّرُ إفْرَادُهَا بِالْغَصْبِ لِتَصِيرَ مَغْصُوبَةً بِالْبَيِّعِ وَالتَّسْلِيمِ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ فَإِنْ إفْرَادَهَا بِالْغَصْبِ بِدُونِ الْأَصْلِ مُتَصَوَّرٌ، فَلَمْ تَكُنْ مَغْصُوبَةً بِالْغَصْبِ الْأَوَّلِ لِانْعِدَامِهَا، فَجَازَ أَنْ تَصِيرَ مَغْصُوبَةً بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، فَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الزِّيَادَتَيْنِ، وَبِخِلَافِ الْقَتْل؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْمَغْصُوبِ مُتَصَوَّرٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْقَتْلِ غَيْرُ مَحَلِّ الْغَصْبِ، فَمَحَلُّ الْقَتْلِ هُوَ الْحَيَاةُ، وَمَحَلُّ الْغَصْبِ هُوَ مَالِيَّةُ الْعَيْنِ، فَتَحَقُّقُ الْغَصْبِ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقُ الْقَتْلِ، إلَّا أَنَّ الْمَضْمُونَ وَاحِدٌ، وَالْمُسْتَحَقُّ لِلضَّمَانِ وَاحِدٌ، فَيُخَيَّرُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ السَّابِقِ لَا شَكَّ فِيهِ، فَيَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلْغَاصِبِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ﵏.
(وَأَمَّا) الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ: فَالزِّيَادَةُ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ فَتَكُونُ مِلْكَهُ، فَكَانَ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ وَالْمَنْعُ وَالِاسْتِخْدَامُ وَالِاسْتِهْلَاكُ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي سَائِرِ أَمْلَاكِهِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ؛ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ فَالْمُسْتَنَدُ يَظْهَرُ مِنْ وَجْهٍ وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ مِنْ وَجْهٍ، فَيُعْمَلُ بِشُبْهَةِ الظُّهُورِ فِي الزَّوَائِدِ الْمُتَّصِلَةِ وَبِشُبْهَةِ الِاقْتِصَارِ فِي الْمُنْفَصِلَةِ، إذْ لَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْعَكْسِ لِيَكُونَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
(وَأَمَّا) عَلَى طَرِيقِ الظُّهُورِ الْمَحْضِ فَتَخْرِيجُهُمَا مُشْكِلٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ، وَالْغَاصِب إنَّمَا مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ، فَلَمْ يَكُنْ هُوَ بِالْقَتْلِ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، لِهَذَا افْتَرَقَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ عَلَى أَصْلِهَا: إذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ الْبَائِعِ، هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقْتَ الْغَصْبِ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَثْبُتُ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عِنْدَ اتِّحَادِ الذِّمَّةِ مِنْ بَابِ السَّفَهِ، بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الذِّمَّةَ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَلِيًّا وَالْآخَر مُفْلِسًا، فَكَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا وَبِخِلَافِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْقَتْلِ ضَمَانُ الدَّمِ وَأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، وَضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْمَالِ وَأَنَّهُ حَالٌّ، فَكَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا، ثُمَّ إذَا ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ وَقْتَ الْغَصْبِ أَوْ وَقْتَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ جَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ وَالثَّمَنُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ وَقْتَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالضَّمَانِ.
، وَلَوْ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا، فَجَاءَ آخَرُ وَغَصَبَهُ مِنْهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الثَّانِي أَمَّا تَضْمِينُ الْأَوَّلِ فَلِوُجُودِ فِعْلِ الْغَصْبِ مِنْهُ: وَهُوَ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ.
وَأَمَّا تَضْمِينُهُ الثَّانِيَ؛ فَلِأَنَّهُ فَوَّتَ يَدَ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ، وَيَدُهُ يَدُ الْمَالِكِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ مَالَهُ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهِ عَلَى الْمَالِكِ وَيَسْتَقِرُّ بِهِمَا الضَّمَانُ فِي ذِمَّتِهِ، فَكَانَتْ مَنْفَعَةُ يَدِهِ عَائِدَةً إلَى الْمَالِكِ، فَأَشْبَهَتْ يَدَ الْمُودِعِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ، إلَّا أَنَّ الْمَضْمُونَ وَاحِدٌ فَخَيَّرْنَا الْمَالِكَ لِتَعَيُّنِ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يُضَمِّنَ الْأَوَّلَ رَجَّعَ بِالضَّمَانِ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَغْصُوبَ مِنْ وَقْتِ غَصْبِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الثَّانِي غَصَبَ مِلْكَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الثَّانِي لَا يُرْجَعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ مِنْ وَجْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ الثَّانِي، وَمَتَى اخْتَارَ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا، هَلْ يَبْرَأُ الْآخَرُ عَنْ الضَّمَانِ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ؟ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ يَبْرَأُ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ تَضْمِينَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ ﵀ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مَا لَمْ يَرْضَ مَنْ اخْتَارَ تَضْمِينَهُ أَوْ يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ.
(وَجْهُ) رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ صَارَ الْمَغْصُوبُ مِلْكًا لِلَّذِي ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، فَلَا يَمْلِكُ
стр. 1876
الرُّجُوعَ بَعْدَ تَمْلِيكِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَأَمَّا قَبْلَ وُجُودِ الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ صَارَ الْمَغْصُوبُ مِلْكًا لِلَّذِي ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بَعْدَ تَمْلِيكِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَأَمَّا قَبْلَ وُجُودِ الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ، فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّمْلِيكُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.
(وَجْهُ) رِوَايَةِ الْجَامِعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ الْآخَرِ أَظْهَرَ أَنَّهُ رَاضٍ بِأَخْذِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُودِعِ، وَبِاخْتِيَارِ تَضْمِينِ الْأَوَّلِ أَظْهَرَ أَنَّ الثَّانِي مَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ يَدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مِنْ الثَّانِي فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ فَيُضَمِّنُ أَيَّهمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ جَازَ بَيْعُهُ وَالثَّمَنُ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ، نَفَذَ إعْتَاقُهُ اسْتِحْسَانًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَنْفُذُ قِيَاسًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ الْبَيْعُ الثَّانِي.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ وَلَا مِلْكَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْعَبْدِ» ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَلَا يَنْعَقِدُ إعْتَاقُهُ فِيهِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ إعْتَاقَ الْمُشْتَرِي صَادَفَ مِلْكًا عَلَى التَّوَقُّفِ فَيَنْعَقِدُ عَلَى التَّوَقُّفِ، كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ بِالدِّينِ إذَا أَعْتَقَهُ، ثُمَّ أَبْرَأَ الْغُرَمَاءُ الْمَيِّتَ عَنْ دُيُونِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ صَادَفَ مِلْكًا عَلَى التَّوَقُّفِ: أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ انْعَقَدَ عَلَى التَّوَقُّفِ وَهُوَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ الْخَالِي عَنْ الشَّرْطِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْعِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي التَّوَقُّفِ فَيَتَوَقَّفُ، وَإِذَا تَوَقَّفَ سَبَبُ الْمِلْكِ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فَيَتَوَقَّفُ الْإِعْتَاقُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ شُرُوطًا أُخَرُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ لِمَعْنَى الْغَرَرِ، وَفِي تَوْقِيفِ نَفَاذِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْغَرَرِ، وَلَوْ أَوْدَعَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُودَعِ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ فِي التَّضْمِينِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ لَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَوْدَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ.
وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُودَعَ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِالْإِيدَاعِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْغَرَرِ، وَهُوَ ضَمَانُ الِالْتِزَامِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُودَعُ فَالْجَوَابُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ فَالْغَاصِبُ يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمُودِعِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَالَهُ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُودَعَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ آجَرَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ أَوْ رَهَنَهُ مِنْ إنْسَانٍ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَ وَرَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ، إلَّا أَنَّ فِي الرَّهْنِ يَسْقُطُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى مَا هُوَ حُكْمُ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا ضَمَّنَ، وَالْمُرْتَهِنُ يَرْجِعُ بِدَيْنِهِ أَيْضًا.
أَمَّا رُجُوعُ الْمُرْتَهِنِ بِالضَّمَانِ، فَلَا شَكّ فِيهِ لِصَيْرُورَتِهِ مَغْرُورًا.
وَأَمَّا رُجُوعُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَفَادَ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَكِنْ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْأُجْرَةُ فَيَتَحَقَّقُ الْغُرُورُ فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَ مِلْكَ نَفْسِهِ وَرَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَاسْتَهْلَكَهُ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُرْتَهِنُ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ أَعَارَهُ الْغَاصِبُ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، وَأَيُّهُمَا ضَمَّنَ لَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِهِ أَمَّا الْغَاصِبُ، فَلَا شَكّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَعَارَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَلِأَنَّهُ اسْتَفَادَ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْغُرُورُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ مَنَافِعُ الْأَعْيَانِ الْمَنْقُولَةِ الْمَغْصُوبَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ مَضْمُونَةٌ، نَحْوُ مَا إذَا غَصَبَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً فَأَمْسَكَهُ أَيَّامًا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الزَّمَانِ، فَالْمَنْفَعَةُ الْحَادِثَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَلَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا، فَلَمْ يُوجَدْ الْغَصْبُ، وَعِنْدَهُ حَدُّ الْغَصْبِ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ.
وَقَدْ وُجِدَ فِي الْمَنَافِعِ وَالْمَنْفَعَةِ مَالٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ، وَتَصْلُحُ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ، فَتَحَقَّقَ الْغَصْبُ فِيهَا، فَيَجِبُ الضَّمَانُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ دَارًا أَوْ عَقَارًا فَانْهَدَمَ شَيْءٌ مِنْ
стр. 1877
الْبِنَاءِ، أَوْ جَاءَ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِالْبِنَاءِ وَالْأَشْجَارِ، أَوْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ فَبَقِيَتْ تَحْتَ الْمَاءِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ يَضْمَنُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَدْ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ فِي تَحْدِيدِ الْغَصْبِ أَنَّهُ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي الْعَقَارِ، كَمَا يُوجَدُ فِي الْمَنْقُولِ.
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ﵀ تَعَالَى فَقَدْ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ فِي حَدِّ الْغَصْبِ أَنَّهُ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ، وَالْفِعْلُ فِي الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَدْ وُجِدَ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ إخْرَاجِ الْمَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، أَوْ إعْجَازِ الْمَالِكِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَهَذَا كَمَا يُوجَدُ فِي الْمَنْقُولِ يُوجَدُ فِي الْعَقَارِ فَيَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَاتِ وَهِيَ: أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ دَارًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ وَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا يَضْمَنَانِ.
كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْمَنْقُولِ، فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ فِي ضَمَانِ الرُّجُوعِ، فَدَلَّ أَنَّ الْغَصْبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوَسَّفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَمَرَّا عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ الْغَصْبَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ بِفِعْلٍ فِي الْمَالِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْعَقَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا شَرْطُ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ: الِاسْتِدْلَال بِضَمَانِ الْغَصْبِ، فَإِنَّ أَخْذَ الضَّمَانِ مِنْ الْغَاصِبِ تَفْوِيتُ يَدِهِ عَنْهُ بِفِعْلٍ فِي الضَّمَانِ، فَيَسْتَدْعِي وُجُودَ مِثْلِهِ مِنْهُ فِي الْمَغْصُوبِ، لِيَكُونَ اعْتِدَاءً بِالْمِثْلِ، وَعَلَى أَنَّهُمَا إنْ سَلَّمَا تَحَقَّقَ الْغَصْبُ فِي الْعَقَارِ، فَالْأَصْلُ فِي الْغَصْبِ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الضَّمَانِ مِنْ الْغَاصِبِ إتْلَافُ مَالِهِ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَزُولُ يَدُهُ وَمِلْكُهُ عَنْ الضَّمَانِ، فَيَسْتَدْعِي وُجُودَ الْإِتْلَافِ مِنْهُ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَرِّعْ الِاعْتِدَاءَ، إلَّا بِالْمِثْلِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا الْإِتْلَافُ مِنْ الْغَاصِبِ لَا حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرَةٌ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ فَلِأَنَّ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ وَالتَّغْيِيبِ عَنْ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقِفُ عَلَى مَكَانِهِ، وَلِهَذَا لَوْ حَبَسَ رَجُلًا حَتَّى ضَاعَتْ مَوَاشِيهِ، وَفَسَدَ زَرْعُهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَالْعَقَارُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ وَالتَّحْوِيلَ، فَلَمْ يُوجَدْ الْإِتْلَافُ حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَيَنْتَفِي الضَّمَانُ لِضَرُورَةِ النَّصِّ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا غَصَبَ عَقَارًا فَجَاءَ إنْسَانٌ فَأَتْلَفَهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعَقَارِ فَيُعْتَبَرُ الْإِتْلَافُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ فِيهِ فَيَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ فَالْغَاصِبُ يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُتْلِفِ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.
(وَأَمَّا) مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَهَا، وَقَالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﵀ بَنَى الْجَوَابَ عَلَى أَصْلِ نَفْسِهِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا يَضْمَنَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ وَلَا بَأْسَ بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرُّجُوعِ ضَمَانُ إتْلَافٍ لَا ضَمَانُ غَصْبٍ وَالْعَقَارُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ بِلَا خِلَافٍ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا مِنْ أَهْلِهِ فَمَاتَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ أَصَابَتْهُ، بِأَنْ مَرِضَ فِي يَدِهِ فَمَاتَ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَغْصُوبِ مَالًا شَرْطُ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ، وَالْحُرُّ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ بِأَنْ عَقَرَهُ أَسَدٌ أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ يَضْمَنُ لِوُجُودِ الْإِتْلَافِ مِنْهُ تَسْبِيبًا، وَالْحُرُّ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مُبَاشَرَةً وَتَسْبِيبًا عَلَى مَا نَذْكُرهُ فِي مَسَائِلِ الْإِتْلَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ جَوَازُ بَيْعِهِ إذَا كَانَ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا مَعَ كَوْنِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ لِلْحَالِ.
وَفِي الْبَيْعِ إبْطَالُ السَّبَبِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ مُكَاتَبًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا، وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ مَضْمُونًا بِالْغَصْبِ كَالْمُكَاتَبِ، وَعَلَى أَصْلِهِمَا هُوَ حُرٌّ عَلَيْهِ دَيْنُ، وَالْحُرُّ لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَلَوْ غَصَبَ أُمَّ وَلَدٍ إنْسَانٌ فَهَلَكَتْ عِنْدَهُمْ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَلَا بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَا بِالْإِعْتَاقِ كَجَارِيَةٍ بَيْن رَجُلَيْنِ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْعَى هِيَ فِي شَيْءٍ أَيْضًا عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْمُدَبَّرِ، وَلَقَبُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ هَلْ هِيَ مُتَقَوِّمَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَالٌ أَمْ لَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ بِالْقَتْلِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُدَبَّرَ مُتَقَوِّمٌ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهَا كَانَتْ مَالًا مُتَقَوِّمًا، وَالِاسْتِيلَادُ لَا يُوجِبُ الْمَالِيَّةَ وَالتَّقَوُّمَ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1878
لَا يَثْبُتُ بِهِ إلَّا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْمَالِيَّةَ وَالتَّقَوُّمَ، كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الِاسْتِيلَادَ إعْتَاقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ «قَالَ فِي جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْعِتْقِ لِلْحَالِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، إلَّا أَنَّهُ تَأَخَّرَ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَمَنْ ادَّعَى التَّأَخُّرَ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ لِلْحَالِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ لِلْحَالِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ لِلْحَالِ مُبَاشَرَةُ سَبَبِ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ عِتْقٍ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقْوِيمِ، وَيَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ لِمَا قُلْنَا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ لِذِمِّيٍّ أَوْ لِمُسْلِمٍ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ لَيْسَا بِمَالٍ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا.
وَلَوْ دَبَغَهُ الْغَاصِبُ وَصَارَ مَالًا فَحُكْمُهُ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ خَمْرًا لِمُسْلِمٍ أَوْ خِنْزِيرًا لَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَكَذَا الْخِنْزِيرُ، فَلَا يَضْمَنَانِ بِالْغَصْبِ.
وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لِذِمِّيٍّ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبُ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْلِمًا غَيْرَ أَنَّ الْغَاصِبَ إنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَعَلَيْهِ فِي الْخَمْرِ مِثْلُهَا، وَفِي الْخِنْزِيرِ قِيمَتُهُ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا ضَمَانَ عَلَى غَاصِبِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً لِقَوْلِهِ فِي صِفَةِ الْخُمُورِ أَنَّهُ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وَصِفَةُ الْمَحَلِّ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّخْصِ وَقَوْلُهُ ﵊: «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لَعَيْنِهَا» أَخْبَرَ ﵊ كَوْنَهَا مُحَرَّمَةً وَجَعَلَ عِلَّةَ حُرْمَتِهَا عَيْنَهَا، فَتَدُورُ الْحُرْمَةُ مَعَ الْعَيْنِ، وَإِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً لَا تَكُونُ مَالًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَا يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ حَقِيقَةً، مُبَاحَ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: «فَأَعْلِمُوهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَلِلْمُسْلِمِ الضَّمَانُ إذَا غُصِبَ مِنْهُ خَلُّهُ وَشَاتُه وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلذِّمِّيِّ الضَّمَانُ إذَا غُصِبَ مِنْهُ خَمْرُهُ أَوْ خِنْزِيرُهُ؛ لِيَكُونَ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى: فَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: الْخَمْرُ مُبَاحٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَكَذَا الْخِنْزِيرُ، فَالْخَمْرُ فِي حَقِّهِمْ كَالْخَلِّ فِي حَقِّنَا، وَالْخِنْزِيرُ فِي حَقِّهِمْ كَالشَّاةِ فِي حَقِّنَا فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ شَرْعًا.
فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّهِمْ، وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّهِمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ الْبَقَاءِ، وَالْأَصْلُ فِي أَسْبَابِ الْبَقَاءِ هُوَ الْإِطْلَاقُ، إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ تَثْبُتُ نَصًّا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، أَوْ مَعْقُول الْمَعْنَى لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ هَاهُنَا، أَوْ يُوجَدُ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي الْحِلَّ لَا الْحُرْمَةَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] لِأَنَّ الصَّدَّ لَا يُوجَدُ فِي الْكَفَرَةِ، وَالْعَدَاوَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاجِبُ الْوُقُوعِ، وَلِأَنَّهَا سَبَبُ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُنَازَعَةُ سَبَبُ الْهَلَاكِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْحِلَّ لَا الْحُرْمَةَ، فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّهِمْ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: إنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ، كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعَ هِيَ حُرُمَاتٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَعَلَى هَذَا طَرِيقُ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ:.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَمْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الْحَالِ فَهِيَ بِعَرَضِ أَنْ تَصِيرَ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الثَّانِي بِالتَّخَلُّلِ وَالتَّخْلِيلُ، وَوُجُوبُ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ يَعْتَمِدُ كَوْنَ الْمَحَلِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمُتْلَفِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الْجُمْلَةِ وَلَا يَقِفُ عَلَى ذَلِكَ لِلْحَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُهْرَ وَالْجَحْشَ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي الْحَالِ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ مَنَعْنَا عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِالْمَنْعِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: «أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ» ، وَمِثْلُهُ لَا يَكْذِبُ، وَقَدْ دَانُوا شُرْبَ الْخَمْرِ وَأَكْلَ الْخِنْزِيرِ فَلَزِمَنَا تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَبَقِيَ الضَّمَانُ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافُ يُفْضِي إلَى التَّعَرُّضِ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إذَا غَصَبَ أَوْ أَتْلَفَ لَا يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ يُقْدِمُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ مَنْعُهُمْ وَتَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ خَمْرٌ غَصَبَهَا ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ فَهَلَكَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوْ خَلَّلَهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهَا يَضْمَنُ خَلًّا مِثْلَهَا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ حِينَ وُجُودِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْغَاصِبِ صُنْعٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ لَيْسَ مِنْ صُنْعِهِ، فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ
стр. 1879
صُنْعٌ آخَرُ سِوَى الْغَصْبِ، وَهُوَ إتْلَافُ خَلٍّ مَمْلُوكٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَيَضْمَنُ وَلَوْ غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ نَصْرَانِيٍّ صَلِيبًا لَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ صَلِيبًا؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا اسْتَخْدَمَ عَبْدُ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَوْ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ، أَوْ قَادَ دَابَّةً لَهُ، أَوْ سَاقَهَا، أَوْ رَكِبَهَا، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا أَنَّهُ ضَامِنٌ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ عَطِبَ فِي تِلْكَ الْخِدْمَةِ أَوْ فِي مُضِيِّهِ فِي حَاجَتِهِ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَيْهِ.
وَإِذَا أَثْبَتَ يَدَ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ فَقَدْ فَوَّتَ يَدَ الْمَالِكِ فَيَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ وَلَوْ دَخَلَ دَارَ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ فِي قَوْلِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ أَوْ بِسَاطِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهَلَكَ لَا يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ يَدِ الْمَالِكِ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النَّقْلِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْغَصْبُ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمُ الْغَصْبِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا حُكْمُ الْغَصْبِ فَلَهُ فِي الْأَصْلِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ إلَى الْآخِرَةِ، وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إلَى الدُّنْيَا.
أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْآخِرَةِ فَهُوَ الْإِثْمُ وَاسْتِحْقَاقُ الْمُؤَاخَذَةِ إذَا فَعَلَهُ عَنْ عِلْمٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّعَمُّدِ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْمُؤَاخَذَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَإِنْ فَعَلَهُ لَا عَنْ عِلْمٍ، بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مِلْكَهُ فَلَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ مَرْفُوعُ الْمُؤَاخَذَةِ شَرْعًا بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ﵊ بِقَوْلِهِ ﵊: «رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا» وَقَوْلُهُ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الدُّنْيَا، فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى حَالَ قِيَامِ الْمَغْصُوبِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى حَالِ هَلَاكِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى حَالِ نُقْصَانِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى حَالِ زِيَادَتِهِ.
(أَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى حَالِ قِيَامِهِ فَهُوَ وُجُوبُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِع: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الرَّدِّ، وَفِي بَيَانِ شَرْطِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَصِيرُ الْمَالِكُ بِهِ مُسْتَرِدًّا أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» ، وَقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ صَاحِبِهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا، فَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا صَاحِبِهِ فَلْيَرُدَّ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ الْأَخْذَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعْصِيَةٌ، وَالرَّدْعُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ بِرَدِّ الْمَأْخُوذِ، وَيَجِبُ رَدُّ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، كَمَا يَجِبُ رَدُّ الْأَصْلِ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِ الرَّدِّ فِيهِ، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِ الرَّدِّ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، كَمَا فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ.
(وَأَمَّا) شَرْطُ وُجُوبِ الرَّدِّ فَقِيَامُ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اُسْتُهْلِكَ صُورَةً وَمَعْنًى، أَوْ مَعْنًى لَا صُورَةً، يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ مِنْ الرَّدِّ إلَى الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْهَالِكَ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا الْغَاصِبُ أَوْ نَوَاةً فَغَرَسَهَا حَتَّى نَبَتَتْ، أَوْ بَاقِلَةً فَغَرَسَهَا حَتَّى صَارَتْ شَجَرَةً، أَوْ بَيْضَةً فَحَضَنَهَا حَتَّى صَارَتْ دَجَاجَةً، أَوْ قُطْنًا فَغَزَلَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ ثَوْبًا فَقَطَّعَهُ أَوْ خَاطَهُ قَمِيصًا، أَوْ لَحْمًا فَشَوَاهُ أَوْ طَبَخَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا أَوْ طَبَخَهَا، أَوْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ دَقِيقًا فَخَبَزَهُ، أَوْ سِمْسِمًا فَعَصَرَهُ، أَوْ عِنَبًا فَعَصَرَهُ، أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ سَيْفًا، أَوْ سِكِّينًا أَوْ صُفْرًا أَوْ نُحَاسًا فَعَمِلَهُ آنِيَةً، أَوْ تُرَابًا لَهُ قِيمَةٌ فَلَبِنَهُ أَوْ اتَّخَذَهُ خَزَفًا، أَوْ لَبَنًا فَطَبَخَهُ آجِرًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَرِدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَيَزُولُ مِلْكُهُ بِضَمَانِ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ، وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ ذَاتَ الْمَغْصُوبِ وَعَيْنَهُ قَائِمٌ بَعْدَ فِعْلِ الْغَاصِبِ، وَإِنَّمَا فَاتَ بَعْضُ صِفَاتِهِ، فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ، كَمَا إذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَقَطَّعَهُ وَلَمْ يَخِطْهُ، أَوْ صِبْغَهُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَغْصُوبِ كَانَ ثَابِتًا لِلْمَالِكِ، وَالْعَارِضُ وَهُوَ فِعْلُ الْغَاصِبِ مَحْظُورٌ، فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِالْعَدَمِ، فَيَبْقَى الْمَغْصُوبُ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ، فَتَبْقَى لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ.
(وَلَنَا) أَنَّ فِعْلَ الْغَاصِبِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَقَعَ اسْتِهْلَاكًا لِلْمَغْصُوبِ إمَّا صُورَةً وَمَعْنًى أَوْ مَعْنًى لَا صُورَةً، فَيَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ عَنْهُ، وَتَبْطُلُ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ، كَمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ حَقِيقَةً، وَدَلَالَةُ تَحَقُّقِ الِاسْتِهْلَاكِ أَنَّ الْمَغْصُوبَ قَدْ تَبَدَّلَ وَصَارَ شَيْئًا آخَرَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِيجَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ صُورَتُهُ وَلَا مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَلَا اسْمُهُ، وَقِيَامُ الْأَعْيَانِ بِقِيَامِ صُوَرِهَا
стр. 1880
وَمَعَانِيهَا الْمَطْلُوبَةِ مِنْهَا، وَفِي بَعْضِهَا إنْ بَقِيَتْ الصُّورَةُ فَقَدْ فَاتَ مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ عَادَةً، فَكَانَ فِعْلُهُ اسْتِهْلَاكًا لِلْمَغْصُوبِ صُورَةً وَمَعْنًى أَوْ مَعْنًى فَيَبْطُلُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ، إذْ الْهَالِكُ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ كَالْهَالِكِ الْحَقِيقِيِّ، وَلِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ الِاسْتِهْلَاكُ يَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَبْقَى فِي الْهَالِكِ، كَمَا فِي الْهَالِكِ الْحَقِيقِيِّ، فَتَنْقَطِعُ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ ضَرُورَةً، وَلِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ يُوجِبُ ضَمَانَ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةَ لِلْمَالِكِ لِوُقُوعِهِ اعْتِدَاءً عَلَيْهِ أَوْ إضْرَارًا بِهِ، وَهَذَا يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْ الْمَغْصُوبِ لِمَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا زَالَ مِلْكُ الْمَالِكِ بِالضَّمَانِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْغَاصِبِ فِي الْمَضْمُونِ لِوُجُودِ سَبَبِ الثُّبُوتِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ عَلَى مَالٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ فِعْلَهُ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ مُبَاحٌ لَا حَظَرَ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ بِهِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ لَبَنًا أَوْ آجِرًا أَوْ سَاجَةً فَأَدْخَلَهَا فِي بِنَائِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِرْدَادَ عِنْدَنَا، وَتَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ بِالْقِيمَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ الْمَعْهُودِ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ فِعْلَ الْغَاصِبِ مَحْظُورٌ، فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ، لِكَوْنِ الْمِلْكِ نِعْمَةً وَكَرَامَةً فَالْتَحَقَ فِعْلُهُ بِالْعَدَمِ شَرْعًا فَبَقِيَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، كَمَا كَانَ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْمَغْصُوبَ بِالْإِدْخَالِ فِي الْبِنَاءِ وَالتَّرْكِيبِ صَارَ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ الْأَوَّلِ لِاخْتِلَافِ الْمَنْفَعَةِ، إذْ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْمُرَكَّبِ غَيْرُ الْمَطْلُوبِ مِنْ الْمُفْرَدِ، فَصَارَ بِهَا تَبَعًا لَهُ، فَكَانَ الْإِدْخَالُ إهْلَاكًا مَعْنًى فَيُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَيَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، وَلِأَنَّ الْغَاصِبَ يَتَضَرَّرُ بِنَقْضِ الْبِنَاءِ، وَالْمَالِكُ وَإِنْ كَانَ يَتَضَرَّرُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ أَيْضًا لَكِنْ ضَرَرَهُ دُونَ ضَرَرِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهُ عِوَضٌ، فَكَانَ ضَرَرُ الْغَاصِبِ أَعْلَى، فَكَانَ أَوْلَى بِالدَّفْعِ، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَ مِنْ آخَرَ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ بَطْنَ نَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ، كَذَا هَذَا وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ ﵀ أَنَّ مَوْضُوعَ مَسْأَلَةِ السَّاجَةِ مَا إذَا بَنَى الْغَاصِبُ فِي حَوَالِي السَّاجَةِ لَا عَلَى السَّاجَةِ، فَأَمَّا إذَا بَنَى عَلَى نَفْسِ السَّاجَةِ لَا يَبْطُلُ مِلْكُ الْمَالِكِ، بَلْ يُنْقَضُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرِ الْهِنْدُوَانِيُّ ﵀؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى نَفْسِ السَّاجَةِ، لَمْ يَكُنْ الْغَاصِبُ مُتَعَدِّيًا بِالْبِنَاءِ لِيُنْقَضَ إزَالَةً لِلتَّعَدِّي.
وَإِذَا كَانَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا كَانَ مُتَعَدِّيًا عَلَى السَّاجَةِ، فَيُزَالُ تَعَدِّيهِ بِالنَّقْضِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَوَابَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْخِلَافُ فِي الْفَصْلَيْنِ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ كَيْفَ مَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ السَّاجَةِ، إلَّا بِنَقْضِ الْبِنَاءِ وَلُزُومِ ضَرَرٍ مُعْتَبَرٍ، هَذَا مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ الرَّدُّ بِدُونِ ذَلِكَ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بِالِاتِّفَاقِ، بَلْ يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ، وَلَوْ بِيعَتْ الدَّارُ فِي حَيَاةِ الْغَاصِبِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَانَ صَاحِبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي الثَّمَن، فَلَا يَكُونُ أَخَصَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْ الْعَيْنِ إلَى الْقِيمَةِ، فَبَطَلَ اخْتِصَاصُهُ بِالْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ خُوصًا فَجَعَلَهُ زِنْبِيلًا لَا سَبِيلَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّاجَةِ إذَا جَعَلَهَا بِنَاءً، وَلَوْ غَصَبَ نَخْلَةً فَشَقَّهَا فَجَعَلَهَا جُذُوعًا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجُذُوعَ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَغْصُوبِ قَائِمَةٌ.
وَإِنَّمَا فَرَّقَ الْأَجْزَاءَ فَأَشْبَهَ الثَّوْبَ إذَا قَطَعَهُ وَلَمْ يَخِطْهُ، وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَبَنَى عَلَيْهَا أَوْ غَرْسَ فِيهَا لَا يَنْقَطِعُ مِلْكُ الْمَالِكِ، وَيُقَالُ لِلْغَاصِبِ أَقْلِعْ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ وَرُدَّهَا فَارِغَةً؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ وَلَمْ تَصِرْ شَيْئًا آخَرَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَمْ تَتَرَكَّبْ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا جَاوَرَهَا الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ بِخِلَافِ السَّاجَةِ؛ لِأَنَّهَا رُكِّبَتْ وَصَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْبِنَاءِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُسَمِّي الْكُلَّ بِنَاءً وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِ ذَلِكَ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ مَقْلُوعًا، وَيَكُونُ لَهُ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ يَتَضَرَّرُ بِالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِالْقَلْعِ، وَالْمَالِكُ أَيْضًا يَتَضَرَّرُ بِنُقْصَانِ مِلْكِهِ، فَلَزِمَ رِعَايَةَ الْجَانِبَيْنِ، وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا، وَلَوْ غَصَبَ تِبْرَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَصَاغَهُ إنَاءً، أَوْ ضَرَبَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا يُعْطِيَهُ شَيْئًا لِأَجْلِ الصِّيَاغَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي قَوْلِهِمَا لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى الْغَاصِبِ مِثْلُ مَا غَصَبَ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا سَبَكَهُ وَلَمْ يَصُغْهُ، أَوْ جَعَلَهُ مُرَبَّعًا أَوْ مُطَوَّلًا أَوْ مُدَوَّرًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ صُنْعَ الْغَاصِبِ وَقَعَ اسْتِهْلَاكًا؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ بِالصِّيَاغَةِ صَارَ شَيْئًا آخَرَ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا غَصَبَ حَدِيدًا فَاتَّخَذَهُ سَيْفًا أَوْ سِكِّينًا وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ اسْتِهْلَاكَ الشَّيْءِ إخْرَاجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَوْضُوعَةً لَهُ مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الثَّمَنِيَّةَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مَا اسْتَحْدَثَ الصَّنْعَةَ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الِاسْتِهْلَاكُ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَوْ غَصَبَ صُفْرًا أَوْ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ آنِيَةً يُنْظَرُ إنْ
стр. 1881
كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِالضَّرْبِ وَالصِّنَاعَةِ عَنْ حَدِّ الْوَزْنِ.
وَإِنْ كَانَ يُبَاعُ عَدَدًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَوْزُونًا بِخِلَافِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِيهِمَا أَصْلٌ لَا يُتَصَوَّرُ سُقُوطُهُ أَبَدًا، وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَطَّعَهُ وَلَمْ يَخِطْهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَلَمْ يَشْوِهَا وَلَا طَبَخَهَا لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ، إذْ الذَّبْحُ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ، بَلْ هُوَ تَنْقِيصٌ وَتَعْيِيبٌ، فَلَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ، بَلْ يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلْمَالِكِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَصِيرُ الْمَالِكُ بِهِ مُسْتَرِدًّا لِلْمَغْصُوبِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْأَصْلُ أَنَّ الْمَالِكَ يَصِيرُ مُسْتَرِدًّا لِلْمَغْصُوبِ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَغْصُوبًا بِتَفْوِيتِ يَدِهِ عَنْهُ، فَإِذَا أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَعَادَهُ إلَى يَدِهِ فَزَالَتْ يَدُ الْغَاصِبِ ضَرُورَةً، إلَّا أَنْ يَغْصِبَهُ ثَانِيًا.
وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ الْمَسَائِلُ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا فَاسْتَخْدَمَهُ، أَوْ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا صَارَ مُسْتَرِدًّا لَهُ، وَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنْ الضَّمَانِ لِمَا قُلْنَا سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْيَدِ عَلَى الْعَيْنِ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا يَخْتَلِفُ بِالْعِلْمِ أَوْ الْجَهْلِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الْعِلْمُ شَرْطًا لِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ، فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِبُطْلَانِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَبَطَلَتْ يَدُ الْغَاصِبِ، وَكَذَا إذَا أَطْعَمَهُ الْغَاصِبُ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَبْرَأُ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ غَرَّهُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ أَطْعَمَهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ.
(وَلَنَا) أَنَّهُ أَكْلَ طَعَامَ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الضَّمَانَ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَاسْتَهْلَكَهُ، وَقَوْلُهُ غَرَّهُ الْغَاصِبُ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ الَّذِي اغْتَرَّ بِنَفْسِهِ حَيْثُ تَنَاوَلَ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْ مِلْكُ الْغَاصِبِ، وَالْمُغْتَرُّ بِنَفْسِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الضَّمَانَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا فَآجَرَهُ مِنْ الْغَاصِبِ لِلْخِدْمَةِ، أَوْ ثَوْبًا فَآجَرَهُ مِنْهُ لِلُبْسِ، أَوْ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ وَقَبِلَ الْغَاصِبُ الْإِجَارَةَ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا صَحَّتْ صَارَتْ يَدُ الْغَاصِبِ عَلَى الْمَحَلِّ يَدَ إجَارَةٍ، وَأَنَّهَا يَدٌ مُحِقَّةٌ فَتَبْطُل يَدُ الْغَصْبِ ضَرُورَةً، فَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ حِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ بِالْإِجَارَةِ، وَقَالُوا فِي الْغَاصِبِ إذَا آجَرَ الْعَبْدَ الْمَغْصُوبَ مِنْ مَوْلَاهُ لِيَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا مَعْلُومًا أَنَّهُ يَسْقُطُ ضَمَانُ الْغَصْبِ حِينَ يَبْتَدِئُ بِالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا مُتَعَلِّقَةٌ بِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ، وَالْأُجْرَةُ فِي اسْتِئْجَارِ الْعَبْدِ وَالثَّوْبِ تَجِبُ بِالتَّسْلِيمِ وَهُوَ التَّخْلِيَةُ.
وَهَهُنَا تَجِبُ بِالْعَمَلِ لَا بِنَفْسِ التَّخْلِيَةِ؛ لِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَلَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَغْصُوبَةَ مِنْ الْغَاصِبِ لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ فِي.
قِيَاسِ.
قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَبْرَأُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِي هَلْ يَصِيرُ قَابِضًا بِالتَّزْوِيجِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْبَيْعِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْغَاصِبُ لِتَعْلِيمِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ فَهُوَ جَائِزٌ، لَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَرِدًّا لِلْعَبْدِ وَلَا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ عَنْ الضَّمَانِ، بَلْ هُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ عَلَى ضَمَانِهِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجِرْهُ لِغَسْلِ الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ هَاهُنَا مَا وَقَعَتْ عَلَى الْمَغْصُوبِ، فَلَمْ تَثْبُتْ يَدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ لِتَبْطُلَ عَنْهُ يَدُ الْغَاصِبِ، فَبَقِيَ فِي يَدِ الْغَصْبِ كَمَا كَانَ، فَبَقِيَ مَضْمُونًا كَمَا كَانَ بِخِلَافِ اسْتِئْجَارِ الْمَغْصُوبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِذَا رَدَّ الْغَاصِبُ الثَّانِي الْمَغْصُوبَ عَلَى الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ بَرِئَ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ الْمَالِكِ مِنْ وَجْهٍ فَيَصِحُّ الرَّدُّ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِ الْمَغْصُوبِ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَالثَّانِي: مِلْكُ الْغَاصِبِ الْمَضْمُونَ.
(أَمَّا) وُجُوبُ الضَّمَانِ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرْطِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْغَاصِبُ عَنْ عُهْدَتِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَالْمَغْصُوبُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ، فَعَلَى الْغَاصِبِ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ ضَمَانِ الْغَصْبِ ضَمَانُ اعْتِدَاءٍ، وَالِاعْتِدَاءُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا بِالْمِثْلِ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَالْمِثْلُ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى، فَأَمَّا الْقِيمَةُ فَمِثْلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ جَبْرِ الْفَائِتِ، وَمَعْنَى الْجَبْرِ بِالْمِثْلِ أَكْمَلُ مِنْهُ مِنْ الْقِيمَةِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الْمِثْلِ إلَى الْقِيمَةِ إلَّا عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: الْجَوْزُ وَالْبَيْضُ مَضْمُونَانِ بِالْقِيمَةِ لَا بِالْمِثْلِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ الْمَذْرُوعَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إيجَابُ الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فَيَجِبُ
стр. 1882
الْمِثْلُ مَعْنًى وَهُوَ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهَا الْمِثْلُ الْمُمْكِنُ، وَالْأَصْلُ فِي ضَمَانِ الْقِيمَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ لِلَّذِي لَمْ يُعْتَقْ وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ وَارِدًا فِي إتْلَافِ كُلِّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ دَلَالَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) شَرْطُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فَشَرْطُ وُجُوبِ ضَمَانِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ عَلَى الْغَاصِبِ: عَجْزُهُ عَنْ رَدِّ الْمَغْصُوبِ، فَمَا دَامَ قَادِرًا عَلَى رَدِّهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلْغَصْبِ: هُوَ وُجُوبُ رَدِّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ بِالرَّدِّ يَعُودُ عَيْنُ حَقِّهِ إلَيْهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالضَّمَانُ خَلَفٌ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْخَلَفِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ رَدِّ الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ الرَّدِّ بِفِعْلِهِ بِأَنْ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِأَنْ اسْتَهْلَكَهُ غَيْرُهُ، أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ بِأَنْ هَلَكَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ إنَّمَا صَارَ مَضْمُونًا بِالْغَصْبِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ لَا بِالْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ لَيْسَ صُنْعَهُ، لَكِنْ عِنْدَ الْهَلَاكِ يَتَقَرَّرُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ يَتَقَرَّرُ الْعَجْزُ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ فَيَتَقَرَّرُ الضَّمَانُ.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ادَّعَى الْغَاصِبُ هَلَاكَ الْمَغْصُوبِ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ بَيِّنَةً، فَإِنْ أَقَامَهَا وَإِلَّا حَبَسَهُ الْقَاضِي مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ لَأَظْهَرَهُ، ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ ثَبَتَ عَجْزُهُ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ فَيُحْبَسُ، كَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَطُولِبَ بِهِ فَادَّعَى الْإِفْلَاسَ، وَمِنْ شَرْطِ الْخِطَابِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ مَوْجُودًا فِي أَيْدِي النَّاس، حَتَّى لَوْ غَصَبَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ لَا يُخَاطَبُ بِأَدَائِهِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ، بَلْ يُخَاطَبُ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ اخْتَصَمَا فِي حَالِ انْقِطَاعِهِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحْكَمُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَوْمَ الْغَصْبِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَوْمَ الِانْقِطَاعِ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْغَصْبَ أَوْجَبَ الْمِثْلَ عَلَى الْغَاصِبِ وَالْمَصِيرُ إلَى الْقِيمَةِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالتَّعَذُّرُ حَصَلَ بِسَبَبِ الِانْقِطَاعِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ، كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ ضَمَانِ الْمِثْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَالْقِيمَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ هُوَ الْغَصْبُ، وَالْحُكْمُ يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ سَبَبِهِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ مِثْلَ الْمَغْصُوبِ، وَبِالِانْقِطَاعِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ لَمْ يَبْطُلْ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا ثَبَتَ يَبْقَى لِتَوَهُّمِ الْفَائِدَةِ، وَتَوَهُّمُ الْعَوْدِ هَهُنَا ثَابِتٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يَخْتَارَ الِانْتِظَارَ إلَى وَقْتِ إدْرَاكِهِ فَيَأْخُذَ الْمِثْلَ، وَإِذَا بَقِيَ الْمِثْلُ وَاجِبًا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ فَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ حَقُّهُ مِنْ الْمِثْلِ إلَى الْقِيمَةِ بِالْخُصُومَةِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْخُصُومَةِ، فَأَمَّا عِلْمُ الْغَاصِبِ بِكَوْنِ الْمَغْصُوبِ مِلْكَ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، حَتَّى لَوْ أَخَذَ مَالًا عَلَى وَجْهٍ يَحِقُّ لَهُ أَخْذُهُ ظَاهِرًا وَفِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ، كَمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا أَوْ مَلَكَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَتَصَرَّفَ فِيهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ يَضْمَنُ لَكِنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ، وَهُوَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْمُؤَاخَذَةِ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
(وَأَمَّا) وَقْتُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فَوَقْتُ وُجُودِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِالْغَصْبِ، وَوَقْتُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ: وَقْتُ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ يَوْمَ الْغَصْبِ، حَتَّى لَا يَتَغَيَّرَ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَا تَغَيُّرِ الْمَحَلِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَرَاجُعَ السِّعْرِ لِفُتُورٍ يُحْدِثُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْغَاصِبُ عَنْ عُهْدَةِ الضَّمَانِ: فَاَلَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ عُهْدَتِهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَدَاءُ الضَّمَانِ إلَى الْمَالِكِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي طَرِيقِ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ أَدَاؤُهُ، وَلَوْ هَلَكَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ الثَّانِي فَأَدَّى الْقِيمَةَ إلَى الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الضَّمَانَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا بِالْأَدَاءِ إلَى الْمَالِكِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الضَّمَانَ خَلَفٌ عَنْ الْعَيْنِ قَائِمٌ مَقَامَهُ، ثُمَّ لَوْ رَدَّ الْعَيْنَ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ، فَكَذَا إذَا رَدَّ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَدُّ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالثَّانِي الْإِبْرَاءُ وَهُوَ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ دَلَالَةً.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَنَحْوُ أَنْ يَقُولَ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ الضَّمَانِ، أَوْ أَسْقَطْتُهُ عَنْكَ، أَوْ وَهَبْتُهُ مِنْكَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْقَاطِ، وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلسُّقُوطِ فَيَسْقُطُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ أَنْ يَخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ أَحَدِ الْغَاصِبَيْنِ فَيَبْرَأُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَ تَضْمِينِ أَحَدِهِمَا إبْرَاءٌ لِلْآخَرِ دَلَالَةً لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ
стр. 1883
فَيَبْرَأُ إمَّا بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ، أَوْ بِشَرِيطَةِ رِضَا مَنْ اخْتَارَ تَضْمِينَهُ، أَوْ الْقَضَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ ضَمَانِ الْعَيْنِ وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَسَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ ﵏، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَصِحُّ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ، وَإِسْقَاطُ الْأَعْيَانِ لَا يُعْقَلُ فَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ وَبَقِيَتْ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً كَمَا كَانَتْ، وَإِذَا هَلَكَتْ ضَمِنَ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْعَيْنَ صَارَتْ مَضْمُونَةً بِنَفْسِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فَكَانَ هَذَا إبْرَاءً عَنْ الضَّمَانِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهِ فَيَصِحُّ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلَوْ أَجَّلَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ بِبَدَلِ الْغَصْبِ صَحَّ التَّأْجِيلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالًا بِالْقَرْضِ.
(وَلَنَا) أَنَّ عَدَمَ اللُّزُومِ فِي الْقَرْضِ لِكَوْنِهِ جَارِيًا مَجْرَى الْإِعَارَةِ لِمَا بُيِّنَ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ، وَالْأَجَلُ لَا يَلْزَمُ فِي الْعَوَارِيّ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي الْغَصْبِ فَيَلْزَمُهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ لُزُومُ التَّأْجِيلِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ الدَّيْنُ، إلَّا أَنَّ عَدَمَ اللُّزُومِ فِي بَابِ الْقَرْضِ لِضَرُورَةِ الْإِعَارَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا فَيَلْزَمُ عَلَى الْأَصْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) مِلْكُ الْغَاصِبِ الْمَضْمُون فَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ أَصْلِ الْحُكْمِ أَنَّهُ سَبَبٌ أَمْ لَا، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ ثُبُوتِهِ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: يَثْبُتُ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا لِلثُّبُوتِ ابْتِدَاءً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَثْبُتُ أَصْلًا، حَتَّى أَنَّ مَنْ غَصَبَ عَبْدًا وَاكْتَسَبَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، ثُمَّ هَلَكَ الْعَبْدُ وَضَمِنَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ فَالْكَسْبُ مِلْكٌ لِلْغَاصِبِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ مِلْكٌ لِلْمَالِكِ، وَلَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ وَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ إلَى الْمَالِكِ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ انْتَظَرَ إلَى أَنْ يَظْهَرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَنْتَظِرْ وَضَمِنَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ، وَلَوْ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ يُنْظَرُ إنْ أَخَذَ صَاحِبُهُ الْقِيمَةَ بِقَوْلِ نَفْسِهِ الَّتِي سَمَّاهَا وَرَضِيَ بِهَا، أَوْ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهِ، أَوْ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ بِنُكُولِ الْغَاصِبِ عَنْ الْيَمِينِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يَأْخُذُ عَبْدَهُ بِعَيْنِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مُدَبَّرًا يَعُودُ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمَالِكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، وَالْغَصْبُ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ، وَالْمِلْكُ نِعْمَةٌ وَكَرَامَةٌ فَلَا يُسْتَفَادُ بِالْمَحْظُورِ، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ لَا يُقَابِلُ الْعَيْنَ، وَإِنَّمَا يُقَابِلُ الْيَدَ الْفَائِتَةَ، فَلَا تُمْلَكُ بِهِ الْعَيْنُ، كَمَا فِي غَصْبِ الْمُدَبَّرِ.
(وَلَنَا) أَنَّ مِلْكَ الْغَاصِبِ يَزُولُ عَنْ الضَّمَانِ، فَلَوْ لَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْ الْمَضْمُونِ لَمْ يَكُنْ الِاعْتِدَاءُ بِالْمِثْلِ، وَلِأَنَّهُ إذَا زَالَ مِلْكُ الْغَاصِبِ عَنْ الضَّمَانِ وَأَنَّهُ بَدَلُ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِقِيمَتِهِ وَمَلَكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَدَلَ بِكَمَالِهِ لَوْ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ الْمَغْصُوبِ لَاجْتَمَعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِ الْمَالِكِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَإِذَا زَالَ مِلْكُ الْمَالِكِ عَنْ الْمَغْصُوبِ فَالْغَاصِبُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مَالٍ قَابِلٍ لَلْمِلْكِ لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهِ، فَيَمْلِكُهُ كَمَا يَمْلِكُ الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِمَا، وَبِهِ تَبَيَّنَّ أَنَّ مَا هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ فَهُوَ مُبَاحٌ لَا حَظْرَ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الْمِلْكُ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ فَيَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ، لَكِنْ لَا يَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحِلِّ التَّمَلُّكَ ابْتِدَاءً، وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ أَخَذَ صَاحِبُهُ الْقِيمَةَ بِقَوْلِ الْغَاصِبِ بِأَنْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ بِقَوْلِ الْغَاصِبِ وَبِيَمِينِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ، ذَكَرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْمَأْخُوذِ وَتَرَكَ الْعَبْدَ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْمَأْخُوذَ وَأَخَذَ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ بَعْضُ بَدَلِ الْعَيْنِ لَا كُلُّهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ بَدَلَ الْمَغْصُوبِ بِكَمَالِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ أَرَادَ اسْتِرْدَادَ الْعَبْدِ، فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَ الْعَبْدَ، حَتَّى يَأْخُذَ الْقِيمَةَ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ قَبْلَ رَدِّ الْقِيمَةِ لَا يَرُدُّ الْقِيمَةَ وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْ الْغَاصِبِ فَضْلَ الْقِيمَةِ إنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ فَضْلٌ عَلَى مَا أَخَذَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَى الْقِيمَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ الْعَبْدُ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا قَالَهُ الْغَاصِبُ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ مَا قَالَ الْغَاصِبُ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، فَلَا سَبِيلَ لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا فَصَّلَ الْكَرْخِيُّ ﵀؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ بِهَذَا الْبَدَلِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَثْبَتَ الْخِيَارَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي زِيَادَةِ الْقِيمَةِ فَادَّعَى الْغَاصِبُ أَنَّهَا حَدَثَتْ بَعْدَ التَّضْمِينِ، وَادَّعَى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَهُ، كَانَ الْجَصَّاصُ يَقُولُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ قَدْ صَحَّ فَلَا يَفْسَخُ الشَّكُّ.
(وَأَمَّا) وَقْتُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ: فَهُوَ وَقْتُ وُجُودِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الضَّمَانِ يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْغَصْبِ.
فَكَذَا
стр. 1884
فِي الْمَضْمُونِ، فَيَظْهَرُ فِي الْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ وَالرِّبْحِ.
وَأَمَّا شَرْطُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْمَضْمُونِ فَمَا هُوَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الضَّمَانِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الضَّمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَالْمَغْصُوبُ قَبْلَ اخْتِيَارِ الضَّمَانِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يَخْتَارَ الضَّمَانَ، حَتَّى يَهْلَكَ الْمَغْصُوبُ عَلَى مِلْكِهِ وَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ هَلَاكِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَيُخَاصِمُ الْغَاصِبَ فِي الْقِيمَةِ لَهُ ذَلِكَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فِي الضَّمَانِ وَالْمَضْمُونِ جَمِيعًا، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُبْنَى الصُّلْحُ عَنْ الْمَغْصُوبِ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ عَلَى أَضْعَافِ قِيمَتِهِ أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ.
(وَوَجْهُ) الْبِنَاءِ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الضَّمَانُ بِنَفْسِ الْهَلَاكِ عِنْدَهُمَا وَهُوَ مَالٌ مُقَدَّرٌ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ تَكُونُ رِبًا، وَلَمَّا تَوَقَّفَ الْوُجُوبُ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَالِكِ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الِاخْتِيَارُ، كَانَ الصُّلْحُ تَقْدِيرًا لِقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ هَذَا الْقَدْر، وَتَمْلِيكًا لِلْمَغْصُوبِ بِهِ، كَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ الْغَاصِبِ بِهِ، فَجَازَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) صِفَةُ الْمِلْكِ الثَّابِتِ لِلْغَاصِبِ فِي الْمَضْمُونِ: فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ لَهُ يَظْهَرُ فِي حَقِّ نَفَاذِ التَّصَرُّفَاتِ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ يَنْفُذُ، كَمَا تَنْفُذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ فِي الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِأَنْ يَأْكُلَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُطْعِمَهُ غَيْرَهُ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ، فَإِذَا حَصَلَ فِيهِ فَضْلٌ هَلْ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَمُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ، حَتَّى يُرْضِيَ صَاحِبَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقَ بِالْفَضْلِ إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اسْتِحْسَانٌ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مَضْمُونٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْغَاصِبِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا، فَلَا مَعْنَى لِلْمَنْعِ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَتَوْقِيفِ الْحِلِّ عَلَى رِضَا غَيْرِ الْمَالِكِ، كَمَا فِي سَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَيَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ؛ لِأَنَّهُ رِبْحُ مَا هُوَ مَضْمُونٌ وَمَمْلُوكٌ، وَرِبْحُ مَا هُوَ مَضْمُونٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ يَطِيبُ لَهُ عِنْدَهُ لِمَا نَذْكُرُ، فَرِبْحُ الْمَمْلُوكِ الْمَضْمُونِ أَوْلَى.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ أَضَافَهُ قَوْمٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَدَّمُوا إلَيْهِ شَاةً مَصْلِيَّةً فَجَعَلَ ﵊ يَمْضُغُهُ وَلَا يُسِيغُهُ، فَقَالَ ﵊: «إنَّ هَذِهِ الشَّاةَ لَتُخْبِرُنِي أَنَّهَا ذُبِحَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَالُوا: هَذِهِ الشَّاةُ لِجَارٍ لَنَا ذَبَحْنَاهَا لِنُرْضِيَهُ بِثَمَنِهَا، فَقَالَ ﵊ أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى، أَمَرَ ﵊ بِأَنْ يُطْعِمُوهَا الْأُسَارَى» ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ وَلَا أَطْلَقَ لِأَصْحَابِهِ الِانْتِفَاعَ بِهَا، وَلَوْ كَانَ حَلَالًا طَيِّبًا لَأَطْلَقَ مَعَ خَصَاصَتِهِمْ وَشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَى الْأَكْلِ، وَلِأَنَّ الطَّيِّبَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
وَفِي هَذَا الْمِلْكِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ، وَالْمُسْتَنَدُ يَظْهَرُ مِنْ وَجْهٍ وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ مِنْ وَجْهٍ، فَكَانَ فِي وُجُودِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحِلُّ وَالطَّيِّبُ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ مِنْ وَجْهٍ حَصَلَ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ، أَوْ وَقَعَ مَحْظُورًا بِابْتِدَائِهِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ خُبْثٍ، وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ قَبْلَ الْإِرْضَاءِ يُؤَدِّي إلَى تَسْلِيطِ السُّفَهَاءِ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَفَتْحِ بَابِ الظُّلْمِ عَلَى الظَّلَمَةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالدَّقِيقِ، حَتَّى يُرْضِيَ صَاحِبَهُ وَلَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرْعَهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، حَتَّى يُرْضِيَ صَاحِبَهُ وَيَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُكْرَهُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْفَضْلِ فَظَاهِرُ هَذَا الْإِطْلَاقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمَا يُكْرَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، حَتَّى يَرْضَى صَاحِبُهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ الزَّرْعِ وَالطَّحْنِ فَقَالَ فِي الطَّحْنِ مِثْلَ قَوْلِهِمَا: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، حَتَّى يُرْضِيَ صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ لَمْ تَهْلَكْ بِالطَّحْنِ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا مِنْ التَّرْكِيبِ إلَى التَّفْرِيقِ، فَكَأَنَّ عَيْنَ الْحِنْطَةِ قَائِمَةٌ، فَكَانَ حَقُّ الْمَالِكِ فِيهَا قَائِمًا خِلَافَ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ يَهْلَكُ بِالزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَغِيبُ فِي الْأَرْضِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا مُتَقَوِّمًا، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَالِكِ فِيهِ حَقٌّ، فَلَمْ يُكْرَهْ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِيمَنْ غَصَبَ نَوًى فَصَارَ نَخْلًا أَنَّهُ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، كَمَا فِي الْحِنْطَةِ إذَا زَرَعَهَا.
وَقَالَ فِي الْوَدِيِّ إذَا غَرَسَهُ فَصَارَ نَخْلًا أَنَّهُ يُكْرَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، حَتَّى يُرْضِيَ صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ النَّوَى يَعْفَنُ وَيَهْلَكُ، وَالْوَدِيُّ يَزِيدُ فِي نَفْسِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الشَّاةِ إذَا ذَبَحَهَا فَشَوَاهَا أَنَّهُ لَا يَسَعُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا وَلَا يُطْعِمَ أَحَدًا، حَتَّى يَضْمَنَ الْقِيمَةَ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا غَائِبًا، أَوْ حَاضِرًا لَا يَرْضَى بِالضَّمَانِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهَا، وَإِذَا دَفَعَ الْغَاصِبُ
стр. 1885
قِيمَتَهَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ كَذَلِكَ إذَا ضَمَّنَهُ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ، أَوْ ضَمَّنَهُ الْحَاكِمُ، وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِاخْتِلَافِ رِوَايَةٍ، بَلْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، حَتَّى يَرْضَى صَاحِبُهُ بِحِلِّهِ يَحْتَمِلُ الْإِرْضَاءَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَيَحْتَمِلُ الْإِرْضَاءَ بِاخْتِيَارِ الضَّمَانِ.
فَالْمَذْكُورُ هَهُنَا مُفَسَّرٌ فَيُحْمَلُ الْمُجْمَلُ عَلَى الْمُفَسَّرِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: حَتَّى يُرْضِيَهُ عَلَى الْإِرْضَاءِ بِاخْتِيَارِ الضَّمَانِ، وَرِضَاهُ لَا عَلَى الْإِرْضَاءِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ اخْتِيَارِ الضَّمَانِ، وَيَحِلُّ بَعْدَهُ سَوَاءٌ أَدَّى الضَّمَانَ أَوْ لَا، وَهَذَا قَوْلُهُمَا، وَهُوَ.
قِيَاسُ.
قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الشَّاةِ الْمَشْوِيَّةِ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَيَأْكُلُهَا وَيُطْعِمُهَا مَنْ شَاءَ سَوَاءٌ أَدَّى الضَّمَانَ أَمْ لَا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا أَدَّى الضَّمَانَ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَبْرَأَهُ عَنْ الضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ إذَا ضَمَّنَهُ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ، أَوْ ضَمَّنَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُضَمِّنُهُ، إلَّا بَعْدَ طَلَبِهِ، فَكَانَ مِنْهُ اخْتِيَارًا لِلضَّمَانِ وَرِضًا بِهِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ فَنَقَصَتْهُ الْغَلَّةُ أَنَّهُ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ وَالْغَلَّةَ لَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا فِي قَوْلِهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هِيَ طَيِّبَةٌ أَمَّا ضَمَانُ النُّقْصَانِ فَلِأَنَّ الِاسْتِغْلَالَ وَقَعَ إتْلَافًا، فَيَضْمَنُ قَدْرَ مَا أَتْلَفَ وَيَطِيبُ لَهُ قَدْرُ الْمَضْمُونِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَيْسَ بِرِبْحٍ وَالنَّهْيُ وَقَعَ عَنْ الرِّبْحِ.
(وَأَمَّا) الْغَلَّةُ فَلِلْغَاصِبِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِلْمَالِكِ، وَهِيَ فُرَيْعَةُ مَسْأَلَةِ الْمَنَافِعِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي مَوْضِعِهَا.
(وَأَمَّا) التَّصَدُّقُ بِالْغَلَّةِ وَهِيَ الْأُجْرَةُ عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهَا خَبِيثَةٌ لِحُصُولِهَا بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، فَكَانَ سَبِيلُهَا التَّصَدُّقَ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَهَذَا رِبْحٌ مَضْمُونٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّحْرِيمَ لِعَدَمِ الضَّمَانِ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فَوْقَ الضَّمَانِ، وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا كُرًّا فَنَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ، وَأَخْرَجَتْ ثَلَاثَةَ أَكْرَارٍ، يَغْرَمُ النُّقْصَانَ وَيَأْخُذُ رَأْسَ الْمَالِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ أَمَّا ضَمَانُ النُّقْصَانِ فَلِأَنَّ الْغَاصِبَ نَقَصَ الْأَرْضَ بِالزِّرَاعَةِ، وَذَلِكَ إتْلَافٌ مِنْهُ، وَالْعَقَارُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِالْفَضْلِ فَلِحُصُولِهِ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، وَهِيَ الزِّرَاعَةُ فِي أَرْضِ الْغَصْبِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِلْكًا لَهُ، وَيَطِيبُ لَهُ قَدْرُ النُّقْصَانِ وَقَدْرُ الْبَذْرِ لَمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ الرِّبْحِ، وَذَا لَيْسَ بِرِبْحٍ فَلَمْ يَحْرُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ أَلْفًا فَاشْتَرَى جَارِيَةً فَبَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ جَارِيَةً فَبَاعَهَا بِثَلَاثَةِ آلَافٍ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الرِّبْحِ فِي قَوْلِهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ مَضْمُونٌ مَمْلُوكٌ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ يَمْلِكُهُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْغَصْبِ وَمُجَرَّدُ الضَّمَانِ يَكْفِي لِلطَّيِّبِ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَ الضَّمَانُ وَالْمِلْكُ وَهُمَا يَقُولَانِ الطَّيِّبَ، كَمَا لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الضَّمَانِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْمِلْكِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، وَفِي هَذَا الْمِلْكِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُفِيدُ الطَّيِّبُ.
وَلَوْ اشْتَرَى بِالْأَلْفِ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَوَهَبَهَا، أَوْ اشْتَرَى بِهِ طَعَامًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَأَكَلَهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الرِّبْحُ، وَلِأَنَّ الْخَبَثَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِشُبْهَةِ عَدَمِ الْمِلْكِ، وَالشُّبْهَةُ تُوجِبُ التَّصَدُّقَ أَمَا لَا تُوجِبُ التَّضْمِينَ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا خَلَطَ الْمُسْتَوْدِعُ إحْدَى الْوَدِيعَتَيْنِ بِالْأُخْرَى خَلْطًا لَا يَتَمَيَّزُ أَنَّ الْمَخْلُوطَ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَكِنْ لَا يَطِيبُ لَهُ، حَتَّى يُرْضِيَ صَاحِبَهُ عَلَى مَا نَذْكُرهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ شَيْئًا هَلْ يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ؟ .
ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ ﵀ وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا وَيَنْقُدَ مِنْهَا، وَإِمَّا أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا وَيَنْقُدَ مِنْ غَيْرِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُشِيرَ إلَى غَيْرِهَا وَيَنْقُدَ مِنْهَا، وَإِمَّا أَنْ يُطْلِقَ إطْلَاقًا وَيَنْقُدَ مِنْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ الطَّيِّبُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، إلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا وَالنَّقْدِ مِنْهَا، وَذَكَرَ أَبُو نَصْرٍ الصَّفَّارُ وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَطِيبُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ ﵀ أَنَّهُ لَا يَطِيبُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي نَصْرٍ وَأَبِي اللَّيْثِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي دَرَاهِمُ مُطَلَّقَةٌ، وَالْمَنْقُودَةُ بَدَلٌ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ، أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِشَارَةِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى الدَّرَاهِمِ لَا تُفِيدُ التَّعْيِينَ، فَالْتَحَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا بِالْعَدَمِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ دَرَاهِمَ مُطْلَقَةً، وَالدَّرَاهِمُ الْمَنْقُودَةُ بَدَلًا عَنْهَا، فَلَا يَخْبُثُ الْمُشْتَرَى، وَالْكَرْخِيُّ كَذَلِكَ يَقُولُ: إذَا لَمْ تَتَأَكَّدْ الْإِشَارَةُ بِمُؤَكَّدٍ وَهُوَ النَّقْدُ مِنْهَا فَإِذَا تَأَكَّدَتْ بِالنَّقْدِ مِنْهَا تَعَيَّنَ الْمُشَارُ إلَيْهِ، فَكَانَ الْمَنْقُودُ بَدَلَ الْمُشْتَرَى، فَكَانَ خَبِيثًا.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ اسْتَفَادَ بِالْحَرَامِ مِلْكًا مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، أَوْ الشُّبْهَةِ
стр. 1886
فَيَثْبُتُ الْخَبَثُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إنْ أَشَارَ إلَى الدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ إنْ كَانَ لَا يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ جَوَازِ الْعَقْدِ بِمَعْرِفَةِ جِنْسِ النَّقْدِ وَقَدْرِهِ، فَكَانَ الْمَنْقُودُ بَدَلَ الْمُشْتَرَى مِنْ وَجْهٍ نُقِدَ مِنْهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَإِنْ لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا وَنَقَدَ مِنْهَا، فَقَدْ اسْتَفَادَ بِذَلِكَ سَلَامَةَ الْمُشْتَرَى فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فَيَخْبُثُ الرِّبْحُ، وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْجَامِعَيْنِ وَالْمُضَارَبَةُ دَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ اخْتَارَ الْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا بِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ لِازْدِحَامِ الْحَرَامِ، وَجَوَابُ الْكُتُبِ أَقْرَبُ إلَى التَّنَزُّهِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلِأَنَّ دَرَاهِمَ الْغَصْبِ مُسْتَحَقَّةُ الرَّدِّ عَلَى صَاحِبِهَا، وَعِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ، فَتُبَيِّنَ أَنَّ الْمُشْتَرَى كَانَ مَقْبُوضًا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَلَمْ يَحِلَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ امْرَأَةً وَسِعَهُ أَنْ يَطَأَهَا، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْفَسِخُ الشِّرَاءُ، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ ثَوْبًا فَاشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً لَا يَسَعُهُ أَنْ يَطَأهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهِ امْرَأَةً حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا لِمَا قُلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ نُقْصَانِ الْمَغْصُوبِ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي بَيَانِ مَا يَكُونُ مَضْمُونًا مِنْ النُّقْصَانِ، وَمَا لَا يَكُونُ مَضْمُونًا مِنْهُ وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إذَا عَرَضَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَا يُوجِبُ نُقْصَانَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، وَالْعَارِضُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَوَاتَ جُزْءٍ مِنْ الْمَغْصُوبِ، أَوْ فَوَاتَ صِفَةٍ مَرْغُوبٍ فِيهَا، أَوْ مَعْنًى مَرْغُوبٍ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ السِّعْرِ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ نُقْصَانُ الْمَغْصُوبِ، وَنُقْصَانُ السِّعْرِ لَيْسَ بِنُقْصَانِ الْمَغْصُوبِ، بَلْ لِفُتُورٍ يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا.
وَإِنْ كَانَ فَوَاتُ جُزْءٍ مِنْ الْمَغْصُوبِ، أَوْ فَوَاتُ صِفَةٍ مَرْغُوبٍ فِيهَا، أَوْ مَعْنًى مَرْغُوبٍ فِيهِ فَالْمَغْصُوبُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا يَكُونُ مَضْمُونًا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِيهِ صُنْعٌ وَلَا اخْتِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بَعْضُ الْمَغْصُوبِ صُورَةً وَمَعْنًى، أَوْ مَعْنًى لَا صُورَةً وَهَلَاكُ كُلِّ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونٌ بِكُلِّ الْقِيمَةِ، فَهَلَاكُ بَعْضِهِ يَكُونُ مَضْمُونًا بِقَدْرِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ جَبْرِ الْفَائِتِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْفَوَاتِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا سَقَطَ عُضْوٌ مِنْ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَوْ لَحِقَهُ زَمَانَةٌ، أَوْ عَرَجٌ، أَوْ شَلَلٌ، أَوْ عَمَى، أَوْ عَوَرٌ، أَوْ صَمَمٌ، أَوْ بَكَمٌ، أَوْ حُمَّى، أَوْ مَرَضٌ آخَرُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ الْمَوْلَى وَيُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ لِوُجُودِ فَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ، أَوْ فَوَاتِ صِفَةٍ مَرْغُوبٍ فِيهَا، وَلَوْ زَالَ الْبَيَاضُ مِنْ عَيْنِهِ فِي يَدِ الْمُولَى، أَوْ أَقْلَعَ الْحُمَّى رَدَّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ بِسَبَبِ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ النُّقْصَانَ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ الِانْتِفَاعِ عَلَى طَرِيقِ الدَّوَامِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَبَقَ الْمَغْصُوبُ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ مِنْ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ أَبَقَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ زَنَتْ الْجَارِيَةُ الْمَغْصُوبَةُ، أَوْ سَرَقَتْ إذَا لَمْ تَكُنْ زَنَتْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِفَوَاتِ مَعْنًى مَرْغُوبٍ فِيهِ وَهُوَ الصِّيَانَةُ عَنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ عُيُوبًا مُوجِبَةً لِلرَّدِّ فِي بَابِ الْبَيْعِ، وَجُعْلُ الْآبِقِ عَلَى الْمَالِكِ، وَهَلْ يُرْجَعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا يُرْجَعُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يُرْجَعُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْجُعْلَ مِنْ ضَرُورَاتِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْمَغْصُوبِ وَاجِبٌ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا يُمْكِنُهُ الرَّدُّ إلَّا بِإِعْطَاءِ الْجُعْلِ، فَكَانَ مِنْ ضَرُورَاتِ الرَّدِّ فَيَكُونُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْجُعْلَ إنَّمَا يَجِبُ بِحَقِّ الْمَالِكِ، وَالْمِلْكُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَيَكُونُ الْجُعْلُ عَلَيْهِ كَمُدَاوَاةِ الْجِرَاحَةِ.
وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ، أَوْ الْجَارِيَةُ الْمَغْصُوبَةُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ قَتِيلًا، أَوْ جَنَى عَلَى حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ فِي نَفْسٍ، أَوْ مَا دُونَهَا جِنَايَةً رُدَّ إلَى مَوْلَاهُ، وَيُقَالُ لَهُ ادْفَعْهُ بِجِنَايَتِهِ، أَوْ افْدِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ وَيَرْجِعُ الْمُولَى عَلَى الْغَاصِبِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الضَّمَانَ إنَّمَا وَجَبَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِهِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ مَالًا يُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِالْبَيْعِ، أَوْ الْفِدَاءِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِمَّا أَدَّاهُ عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ قَتَلَ الْمَغْصُوبُ نَفْسَهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ضَمِنَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ بِالْغَصْبِ، وَلَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ نَفْسَهُ هَدَرٌ فَصَارَ كَمَوْتِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ أَمَةً فَوَلَدَتْ، ثُمَّ قَتَلَتْ وَلَدَهَا، ثُمَّ مَاتَتْ ضَمِنَ قِيمَةَ الْأُمِّ وَلَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَبِرَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مِنْ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ بِأَنْ غَصَبَ عَبْدًا شَابًّا فَشَاخَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، أَوْ جَارِيَةً شَابَّةً فَصَارَتْ
стр. 1887
عَجُوزًا فِي يَدِهِ ضَمِنَ النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّ الْكِبَرَ يُوجِبُ فَوَاتَ جُزْءٍ، أَوْ صِفَةٍ مَرْغُوبٍ فِيهَا، وَكَذَلِكَ إذَا غَصَبَ جَارِيَةً نَاهِدًا فَانْكَسَرَ ثَدْيُهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ نُهُودَ الثَّدْيَيْنِ صِفَةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا، أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِهِ : ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ: ٣٣] وَأَمَّا نَبَاتُ اللِّحْيَةِ لِلْأَمْرَدِ فَلَيْسَ بِمَضْمُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنُقْصَانٍ، بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ فِي الرِّجَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حَلْقَ اللِّحْيَةِ يُوجِبُ كَمَالَ الدِّيَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ عَبْدًا قَارِئًا فَنَسَى الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، أَوْ مُحْتَرِفًا فَنَسَى الْحِرْفَةَ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْقُرْآنِ وَالْحِرْفَةِ مَعْنًى مَرْغُوبٌ فِيهِ.
وَأَمَّا حَبَلُ الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ بِأَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَحَبَلَتْ فِي يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى أَحْبَلَهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ بِفِعْلِ الْمَوْلَى، فَلَا يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهَا الْمَوْلَى فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَبَلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مِنْ زَوْجٍ كَانَ لَهَا فِي يَدِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ الزَّوْجِ حَصَلَ بِتَسْلِيطِ الْمَوْلَى فَصَارَ كَأَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ، أَوْ حَدَثَ فِي يَدِهِ، وَإِنْ حَبَلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مِنْ زِنًا أَخَذَهَا الْمَوْلَى وَضَمَّنَهُ نُقْصَانَ الْحَبَلِ، وَالْكَلَامُ فِي قَدْرِ الضَّمَانِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يُنْظَرُ إلَى مَا نَقَّصَهَا الْحَبَلُ وَإِلَى أَرْشِ عَيْبِ الزِّنَا فَيَضْمَنُ الْأَكْثَرَ وَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِيهِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَضْمَنَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ أَخَذَ بِالْقِيَاسِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الْحَبَلَ وَالزِّنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْبٌ عَلَى حِدَةٍ، فَكَانَ النُّقْصَانُ الْحَاصِلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نُقْصَانًا عَلَى حِدَةٍ، فَيُفْرَدُ بِضَمَانٍ عَلَى حِدَةٍ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الضَّمَانَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْحَبَلِ إنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِ الزِّنَا، فَلَمْ يَكُنْ نُقْصَانًا بِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ، حَتَّى يُفْرَدَ بِحُكْمٍ عَلَى حِدَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إيجَابِ أَحَدِهِمَا فَأَوْجَبْنَا الْأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ يَدْخُلُ فِي الْأَكْثَرِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْأَكْثَرِ فِي الْأَقَلِّ، فَإِنْ رَدَّهَا الْغَاصِبُ حَامِلًا فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمَوْلَى مِنْ الْوِلَادَةِ فَبَقِيَ وَلَدُهَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَعِنْدَهُمَا لَا يَضْمَنُ إلَّا نُقْصَانَ الْحَبَلِ خَاصَّةً.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الرَّدَّ وَقَعَ صَحِيحًا مِنْ الْغَاصِبِ فِي الْقَدْرِ الْمَرْدُودِ وَهُوَ مَا وَرَاءَ الْفَائِتِ بِالْحَبَلِ، وَالْهَلَاكُ بَعْدَ الرَّدِّ حَصَلَ فِي يَدِ الْمَالِكِ بِسَبَبٍ وُجِدَ فِي يَدِهِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ جَارِيَةً حُبْلَى فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ نِفَاسِهَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ كَذَا هَذَا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ وَهُوَ الْحَبَلُ أَوْ الزِّنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَى إلَى الْوِلَادَةِ، وَالْوِلَادَةُ أَفْضَتْ إلَى الْمَوْتِ، فَكَانَ الْمَوْتُ مُضَافًا إلَى السَّبَبِ السَّابِقِ، وَإِذَا حَصَلَ الْهَلَاكُ بِذَلِكَ السَّبَبِ تَبَيَّنَ أَنَّ الرَّدَّ لَمْ يَصِحَّ لِانْعِدَامِ شَرْطِ صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ مِثْلَ الْأَخْذِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَصَارَ كَأَنَّهَا وَلَدَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا كَذَا هَذَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ هُوَ التَّسْلِيمُ ابْتِدَاءً لَا الرَّدُّ، وَقَدْ وُجِدَ التَّسْلِيمُ فَخَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ.
وَبِخِلَافِ الْحُرَّةِ إذَا زَنَا بِهَا مُكْرَهَةً فَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ بِالْأَخْذِ لِيَلْزَمَهُ الرَّدُّ عَلَى وَجْهِ الْأَخْذِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ زَنَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ثُمَّ رَدَّهَا عَلَى الْمَالِكِ فَحَدَثَ فِي يَدِهِ، وَنَقَّصَهَا الضَّرْبُ ضَمِنَ الْغَاصِبُ الْأَكْثَرَ مِنْ نُقْصَانِ الضَّرْبِ وَمِمَّا نَقَّصَهَا الزِّنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا نُقْصَانُ الزِّنَا.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا إنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ فِي يَدِ الْمَالِكِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ فَيُضَافُ إلَى حِينِ وُجُودِ السَّبَبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِسَبَبٍ وُجِدَ فِي يَدِهِ وَهُوَ الضَّرْبُ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ حَصَلَ فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵁ نَظَرَ إلَى وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُمَا نَظَرَا إلَى وَقْتِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَهُوَ النُّقْصَانُ.
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَهُ مُبَاحَ الدَّمِ فَقُتِلَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي: أَنَّهُ يُنْتَقَضُ الْعَقْدُ وَيُرْجَعُ عَلَى الْبَائِعِ بِكُلِّ الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ سَارِقًا فَقُطِعَ فِي يَدِهِ رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ اعْتِبَارًا لِلسَّبَبِ السَّابِقِ، وَعِنْدَهُمَا يَقْتَصِرُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَالِ، وَيَكُونُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُضَافُ النُّقْصَانُ إلَى سَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، وَذَلِكَ السَّبَبُ لَمْ يُوجِبْ ضَرْبًا جَارِحًا فَكَيْفَ يُضَافُ نُقْصَانُ الْجُرْحِ إلَيْهِ.
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي شُهُودِ الزِّنَا: إذَا رَجَعُوا بَعْدَ إقَامَةِ الْجَلَدَاتِ أَنَّهُمْ لَا يُضَمَّنُونَ بِنُقْصَانِ الْجُرْحِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَمْ تُوجِبْ ضَرْبًا جَارِحًا، فَلَمْ يُضَفْ نُقْصَانُ الْجُرْحِ إلَيْهَا كَذَا هَذَا، قِيلَ لَهُ: إنَّ النُّقْصَانَ لَا يُضَافُ إلَى السَّبَبِ
стр. 1888
السَّابِقِ هَهُنَا، كَمَا لَا يُضَافُ إلَى شَهَادَةِ الشُّهُودِ هُنَاكَ، إلَّا أَنَّهُ وَجَبَ الضَّمَانُ هَهُنَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ضَمَانِ الْغَصْبِ لَا يَقِفُ عَلَى الْفِعْلِ فَيَسْتَنِدُ الضَّرْبُ إلَى سَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَلَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ أَثَرُهُ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهَا ضُرِبَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَانْجَرَحَتْ عِنْدَ الضَّرْبِ لَا بِالضَّرْبِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَضَمِنَ الْغَاصِبُ، كَذَا هَذَا، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ مِنْ نُقْصَانِ الضَّرْبِ وَمِنْ نُقْصَانِ الزِّنَا لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ النُّقْصَانَيْنِ جَمِيعًا حَصَلَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ الضَّمَانَيْنِ، فَيَجِبُ الْأَكْثَرُ، وَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِيهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ الْمَغْصُوبَةُ سَرَقَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَرَدَّهَا عَلَى الْمَالِكِ فَقُطِعَتْ عِنْدَهُ، يَضْمَنُ الْغَاصِبُ نِصْفَ قِيمَتِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا لَا يَضْمَنُ إلَّا نُقْصَانَ السَّرِقَةِ وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ اعْتَبَرَ نُقْصَانَ الْقَطْعِ هَهُنَا، وَلَمْ يَعْتَبِرْ نُقْصَانَ عَيْبِ السَّرِقَةِ، وَاعْتَبَرَ نُقْصَانَ عَيْبِ الزِّنَا هُنَاكَ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْقَطْعِ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ نُقْصَانِ السَّرِقَةِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا، فَدَخَلَ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ بِخِلَافِ نُقْصَانِ عَيْبِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ نُقْصَانِ الضَّرْبِ؛ لِذَلِكَ اخْتَلَفَ اعْتِبَارُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ حُمَّتْ الْجَارِيَةُ الْمَغْصُوبَةُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَرَدَّهَا عَلَى الْمَوْلَى فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ مِنْ الْحُمَّى الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ، إلَّا مَا نَقَّصَهَا الْحُمَّى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُلُ بِالْآلَامِ الَّتِي لَا تَتَحَمَّلُهَا النَّفْسُ وَإِنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى أَنْ يَتَنَاهَى، فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْتُ حَاصِلًا بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، فَلَا يَضْمَنُ إلَّا قَدْرَ نُقْصَانِ الْحُمَّى، وَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً مَحْمُومَةً أَوْ حُبْلَى، أَوْ بِهَا جِرَاحَةٌ، أَوْ مَرَضٌ آخَرُ سِوَى الْحُمَّى فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهَا وَبِهَا ذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا مَاتَتْ فِي يَدِ الْمَوْلَى بِحَبَلٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، حَيْثُ جُعِلَ هُنَالِكَ مَوْتُهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ كَمَوْتِهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَلَمْ يُجْعَلْ هَهُنَا مَوْتُهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ كَمَوْتِهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ.
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ الْهَلَاكَ هُنَاكَ حَصَلَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ وَهُوَ الْحَبَلُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَيْهِ فَأُضِيفَ إلَيْهِ كَأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّدَّ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ شَرْطِ الصِّحَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْهَلَاكُ هَهُنَا إنْ حَصَلَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْمَوْلَى لَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْحَبَلَ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.
فَإِذَا غَصَبَهَا فَقَدْ صَارَتْ مَضْمُونَةً بِالْغَصْبِ؛ لِأَنَّ انْعِقَادَ سَبَبِ الْهَلَاكِ لَا يَمْنَعُ دُخُولَهَا فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ضَمَانِ الْغَصْبِ لَا يَقِفُ عَلَى فِعْلِ الْغَاصِبِ، فَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ تَقَرَّرَ الضَّمَانُ لَكِنْ مَنْقُوصًا بِمَا بِهَا مِنْ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الْغَصْبِ إلَّا كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ جَارِيَةً سَمِينَةً فَهَزَلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَنَّ عَلَيْهِ نُقْصَانَ الْهُزَالِ، وَلَوْ عَادَتْ سَمِينَةً فِي يَدِهِ فَرَدَّهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْهُزَالِ انْجَبَرَ بِالسِّمَنِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا، وَكَذَا إذَا قُلِعَتْ سِنُّهَا فِي يَدِهِ فَنَبَتَتْ فَرَدَّهَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا نَبَتَتْ ثَانِيًا جُعِلَ كَأَنَّهَا لَمْ تُقْلَعْ، وَكَذَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهَا فِي يَدِهِ فَرَدَّهَا مَعَ الْأَرْشِ لِمَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ نُقْصَانُ الْوِلَادَةِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ لِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الْمَغْصُوبِ بِالْوِلَادَةِ، إلَّا إذَا كَانَ لَهُ جَابِرٌ فَيَنْعَدِمُ الْفَوَاتُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ الْأُمُّ أَوْ الْوَلَدُ جَمِيعًا قَائِمَيْنِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَإِمَّا أَنْ هَلَكَا جَمِيعًا فِي يَدِهِ، وَإِمَّا أَنْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَا قَائِمَيْنِ رَدَّهُمَا عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ لِنُقْصَانِ الْوِلَادَةِ انْجَبَرَ بِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَتِهِ وَفَاءٌ بِالنُّقْصَانِ انْجَبَرَ بِقَدْرِهِ وَضَمِنَ الْبَاقِيَ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ ﵃، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِالنُّقْصَانِ وَقْتَ الرَّدِّ، ثُمَّ حَصَلَ بِهِ وَفَاءٌ بَعْدَ الرَّدِّ، لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، فَلَا تَصْلُحُ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ، وَقَالُوا: إنَّ نُقْصَانَ الْحَبَلِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، بِأَنْ غَصَبَ جَارِيَةً حَائِلًا فَحَمَلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَرَدَّهَا إلَى الْمَالِكِ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ، وَنَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ.
وَفِي الْوَلَدِ وَفَاءٌ لَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ شَيْئًا، خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا بِيعَتْ بَيْعًا فَاسِدًا وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَنَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ وَفِي الْوَلَدِ وَفَاءً فَرَدُّ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ مَعَ الْوَلَدِ إلَى الْبَائِعِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا خِلَافًا لِزُفَرَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ لَهُ جَارِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ، فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَقِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَوَلَدَتْ فَنَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَفِي الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِالنُّقْصَانِ أَنَّهُ يَبْقَى الْوَاجِبُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفِ وَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعِنْدَ
стр. 1889
زُفَرَ ﵀ يَبْقَى فِيمَا وَرَاءَ النُّقْصَانِ وَيَسْقُطُ بِقَدْرِهِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ أَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَهُوَ النُّقْصَانُ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ جَبْرًا لَهُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ جَبْرِ الْفَائِتِ، وَقَدْ حَصَلَ الْفَوَاتُ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ جَابِرٍ وَالْوَلَدُ لَا يَصْلُحُ جَابِرًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَالْوَلَدُ مِلْكُهُ أَيْضًا، وَلَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ مِلْكُ الْإِنْسَانِ جَابِرًا لِمِلْكِهِ فَلَزِمَ جَبْرُهُ بِالضَّمَانِ.
(وَلَنَا) أَنَّ هَذَا نُقْصَانٌ صُورَةً لَا مَعْنًى، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا كَنُقْصَانِ السِّنِّ وَالسِّمَنِ وَالْقَطْعِ، وَقَدْ مَرَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ نُقْصَانًا مَعْنًى: أَنَّ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوِلَادَةُ، وَاتِّحَادُ سَبَبِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ النُّقْصَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مِثْلُ الْفَائِتِ، فَالسَّبَبُ الَّذِي فَوَّتَ أَفَادَ لَهُ مِثْلَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَلَمْ يَحْصُلْ الْفَوَاتُ إلَّا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، وَالصُّورَةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ بِالْقِيمَةِ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ.
وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّ جَبْرَ مِلْكِهِ بِمِلْكِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ النُّقْصَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ الْفَوَاتِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَابِرِ، وَإِنْ هَلَكَا جَمِيعًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ ضَمِنَ قِيمَةَ الْأُمِّ يَوْمَ غَصَبَ؛ لِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِيهَا، وَلَمْ يَضْمَنْ قِيمَةَ الْوَلَدِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَغْصُوبٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَضْمَنُ لِوُجُودِ الْغَصْبِ فِيهِ، وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ قَتَلَ الْوَلَدَ، أَوْ بَاعَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَعَ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنْ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْغَاصِبِ عِنْدَنَا فَالْأَمَانَةَ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِوُجُودِ سَبَبِ الضَّمَانِ فِيهَا، وَقَدْ وُجِدَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأُمِّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَنَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَالْوَلَدُ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ ضَمِنَ قِيمَةَ الْأُمِّ يَوْمَ الْغَصْبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَضَمِنَ مِنْ الْوَلَدِ نِصْفَ قِيمَتِهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، يَدْخُلُ ذَلِكَ النِّصْفُ فِي قِيمَةِ الْأُمِّ، وَإِنْ شِئْت ضَمَّنْته قِيمَةَ الْأُمِّ يَوْمَ وَلَدَتْ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ بِأُمِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ إذَا انْجَبَرَ بِالْوَلَدِ كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ الضَّمَانِ فِي الْحَاصِلِ أَلْفًا وَمِائَةً، فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ قِيمَةُ الْأُمِّ تَامَّةً بَقِيَ نِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ قِيمَةُ الْأُمِّ تِسْعَمِائَةٍ بَقِيَ كُلُّ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ، فَإِنْ هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ رَدَّ الْأُمَّ وَضَمِنَ نُقْصَانَ الْوِلَادَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْوَلَدِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ أَمَانَةً فَإِنْ هَلَكَتْ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ ضَمِنَ قِيمَةَ الْأُمِّ يَوْمَ غَصَبَ وَرَدَّ الْوَلَدَ وَلَا تُجْبَرُ الْأُمُّ بِالْوَلَدِ.
وَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الْأُمِّ بِخِلَافِ ضَمَانِ النُّقْصَانِ أَنَّهُ يُجْبَرُ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْجَبْرَ هُنَاكَ لِاتِّحَادِ سَبَبِ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ، وَلَمْ تُوجَدْ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْوَلَدِ وَلَيْسَتْ سَبَبًا لِهَلَاكِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا، فَلَمْ يَتَّحِدْ السَّبَبُ فَيَتَعَذَّرُ الْجَبْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ وَلَمْ يَخِطْهُ أَنَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ غَيْرَ أَنَّ النُّقْصَانَ إنْ كَانَ يَسِيرًا لَا خِيَارَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ، إلَّا ضَمَانُ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ وَتَعْيِيبٌ فَيُوجِبُ ضَمَانَ نُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا بِأَنْ قَطَعَهُ قَبَاءً، أَوْ قَمِيصًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ مَقْطُوعًا وَضَمَّنَهُ مَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْطُوعٍ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ الْفَاحِشَ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْمَنَافِعِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ الثَّوْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِمَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ، فَكَانَ اسْتِهْلَاكًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا، وَلَمْ يَشْوِهَا وَلَا طَبَخَهَا، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الشَّاةَ وَضَمَّنَهُ نُقْصَانَ الذَّبْحِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ، كَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ سَلَخَهَا الْغَاصِبُ وَأَرَّبَهَا أَوْ لَا، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَوَاهَا وَلَا طَبَخَهَا، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الشَّاةَ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ.
(وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ ذَبْحَ الشَّاةِ إنْ كَانَ نُقْصَانًا صُورَةً فَهُوَ زِيَادَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الشَّاةِ اللَّحْمُ، وَالذَّبْحُ وَسِيلَةٌ إلَى هَذَا الْمَقْصُودِ، فَلَمْ يَكُنْ نُقْصَانًا، بَلْ كَانَ زِيَادَةً حَيْثُ رَفَعَ عَنْهُ مُؤْنَةَ الْوَسِيلَةِ، فَكَانَ الْغَاصِبُ مُحْسِنًا فِي الذَّبْحِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَإِذَا اخْتَارَ أَخْذَ اللَّحْمِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ، إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ التَّرْكِ عَلَيْهِ، وَيُضَمِّنُهُ الْقِيمَةَ لِفَوَاتِ مَقْصُودِ مَا فِي الْجُمْلَةِ.
(وَجْهُ) رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّ الشَّاةَ كَمَا يُطْلَبُ مِنْهَا اللَّحْمُ يُطْلَبُ مِنْهَا مَقَاصِدُ أُخَرُ مِنْ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالتِّجَارَةِ، فَكَانَ الذَّبْحُ تَفْوِيتًا لِبَعْضِ الْمَقَاصِدِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهَا، فَكَانَ تَنْقِيصًا لَهَا وَاسْتِهْلَاكًا مِنْ وَجْهٍ، فَيَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ تَضْمِينِ النُّقْصَانِ وَخِيَارُ تَضْمِينِ الْقِيمَةِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ.
وَعَلَى هَذَا
стр. 1890
الْأَصْلِ يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ عَيْنًا مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَنَقَلَهَا إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى فَالْتَقَيَا وَالْعَيْنُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَقِيمَتُهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا فِي مَكَانِ الْغَصْبِ أَنَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُطَالِبَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِقِيمَتِهَا الَّتِي فِي مَكَانِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهَا قِيَمُ أَعْيَانٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَإِذَا نَقَلَهَا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَقِيمَتُهَا فِيهِ أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا فِي مَكَانِ الْغَصْبِ فَقَدْ نَقَصَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِالنَّقْلِ، فَلَوْ أُجْبِرَ عَلَى أَخْذِ الْعَيْنِ لَتَضَرَّرَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ طَالَبَهُ بِالْقِيمَةِ الَّتِي فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ الْعَوْدَ إلَى مَكَانِ الْغَصْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ.
وَقَدْ انْتَقَصَ السِّعْرُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ هُنَاكَ مَا حَصَلَ بِصُنْعِهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ وَلَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِي ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَحْضُ صُنْعِ اللَّهِ أَعْنِي مَصْنُوعَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَيْنِ فِي الْمَكَانِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ مِثْلَ قِيمَتِهَا فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، أَوْ أَكْثَرَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلْغَصْبِ هُوَ وُجُوبُ رَدِّ الْعَيْنِ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ، وَالْمَصِيرُ إلَى الْقِيمَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَهَهُنَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْزَمُهُ، فَلَا يَمْلِكُ الْعُدُولَ إلَى الْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَ السِّعْرُ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جُعِلَتْ أَثْمَانَ الْأَشْيَاءِ، وَمَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ لِعِزَّتِهَا وَقِلَّتِهَا عَادَةً، فَلَمْ يَكُنْ النَّقْلُ نُقْصَانًا لَهَا بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْحَمْلِ وَالْمُؤْنَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِيمَةِ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِرَدِّ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلْغَصْبِ.
وَالْمَصِيرُ إلَى الْقِيمَةِ لِعَارِضِ الْعَجْزِ أَوْ الضَّرَرِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ قَائِمَةً فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ هَالِكَةً فَالْتَقَيَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ أَخَذَ قِيمَتَهَا الَّتِي كَانَتْ وَقْتَ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهَا إذَا هَلَكَتْ تَبَيَّنَّ أَنَّ الْغَصْبَ السَّابِقَ وَقَعَ إتْلَافًا مِنْ حِينِ وُجُودِهِ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ مِنْ حِينِ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، يُنْظَرُ إنْ كَانَ سِعْرُهَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي الْتَقَيَا فِيهِ أَقَلَّ مِنْ سِعْرِهَا فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْقِيمَةَ الَّتِي لِلْعَيْنِ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْمِثْلِ فِي هَذَا الْمَكَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ نَقَصَ الْعَيْنَ بِالنَّقْلِ إلَى هَذَا الْمَكَانِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ اخْتِلَافَ قِيمَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَهَا حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ لِمَكَانِ الْحَمْلِ وَالْمُؤْنَةِ، فَالْجَبْرُ عَلَى الْأَخْذِ فِي هَذَا الْمَكَانِ يَكُونُ إضْرَارًا بِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْقِيمَةَ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَةً، وَقِيمَتُهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ أَقَلُّ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ مِثْلَ قِيمَتِهَا فِي مَكَانِ الْغَصْبِ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا فِي مَكَانِ الْخُصُومَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، فَالْغَاصِبُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْطَى الْمِثْلَ فِي مَكَانِ الْخُصُومَةِ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الْقِيمَةَ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ فِي إلْزَامِ تَسْلِيمِ الْمِثْلِ فِي مَكَانِ الْخُصُومَةِ ضَرَرًا بِالْغَاصِبِ، وَفِي التَّأْخِيرِ إلَى الْعَوْدِ إلَى مَكَانِ الْغَصْبِ ضَرَرًا بِالْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَيُسَلِّمُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ الْقِيمَةَ الَّتِي لَهُ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالتَّأْخِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، فَانْتَقَصَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِصُنْعِهِ، أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، فَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَةَ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَعَفِنَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، أَوْ ابْتَلَّتْ، أَوْ صَبَّ الْغَاصِبُ فِيهَا مَاءً فَانْتَقَصَتْ قِيمَتُهَا أَنَّ صَاحِبَهَا بِالْخِيَارِ.
إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِعَيْنِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ مِثْلَ مَا غُصِبَتْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَوْدَةَ بِانْفِرَادِهَا لَا قِيمَةَ لَهَا فِي أَمْوَالِ الرِّبَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَهَا قِيمَةٌ، وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ، وَلِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً تُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، وَلَوْ غَصَبَ دِرْهَمًا صَحِيحًا، أَوْ دِينَارًا صَحِيحًا فَانْكَسَرَ فِي يَدِهِ، أَوْ كَسَرَهُ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَفَاوَتُ الصَّحِيحُ وَالْمُكَسَّرُ فِي الْقِيمَةِ لَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَتَفَاوَتُ فَصَاحِبُهَا بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِعَيْنِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِعَيْنِهِ وَيُضَمِّنَهُ
стр. 1891
النُّقْصَانَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ إنَاءَ فِضَّةٍ، أَوْ ذَهَبٍ فَانْهَشَمَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، أَوْ هَشَّمَهُ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِعَيْنِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا بِانْفِرَادِهَا، فَأَمَّا مَعَ الْأَصْلِ فَمُتَقَوِّمَةٌ، خُصُوصًا إذَا حَصَلَتْ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّضْمِينِ، وَالتَّضْمِينُ بِالْمِثْلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فَوَجَبَ التَّضْمِينُ بِالْقِيمَةِ، ثُمَّ لَا سَبِيلَ إلَى تَضْمِينِهِ بِجِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا فَلَزِمَ تَضْمِينُهُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ إيجَابُ الْمِثْلِ مُمْكِنٌ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وَلَوْ قَضَى عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ، ثُمَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ ﵃؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْعَيْنِ، وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ، وَكَذَلِكَ آنِيَةُ الصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالشَّبَّةِ وَالرَّصَاصِ إنْ كَانَتْ تُبَاعُ وَزْنًا فَهِيَ وَآنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُبَاعُ وَزْنًا لَمْ تَخْرُجْ بِالصِّنَاعَةِ عَنْ حَدِّ الْوَزْنِ، فَكَانَتْ مَوْزُونَةً، فَكَانَتْ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَإِذَا انْهَشَمَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَحَدَثَ فِيهَا عَيْبٌ فَاحِشٌ أَوْ يَسِيرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ كَذَلِكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَلَا يَكُونُ التَّقَابُضُ فِيهِ شَرْطًا بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ إذَا نَقَصَ مِنْ وَصْفِهِ لَا مِنْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَتْ تُبَاعُ عَدَدًا فَانْكَسَرَتْ أَوْ كُسِّرَتْ إنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يُورِثْ فِيهِ عَيْبًا فَاحِشًا، فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ خِيَارُ التَّرْكِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَيُضَمِّنُهُ نُقْصَانَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ أَوْرَثَ عَيْبًا فَاحِشًا فَصَاحِبُهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَأَخَذَ قِيمَةَ النُّقْصَانِ.
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا صَحِيحًا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ عَصِيرًا فَصَارَ خَلًّا فِي يَدِهِ، أَوْ لَبَنًا حَلِيبًا فَصَارَ مَخِيضًا، أَوْ عِنَبًا فَصَارَ زَبِيبًا، أَوْ رُطَبًا فَصَارَ تَمْرًا أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ الشَّيْء بِعَيْنِهِ وَلَا شَيْء لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا، فَلَمْ تَكُنْ الْجَوْدَةُ فِيهَا بِانْفِرَادِهَا مُتَقَوِّمَةً، فَلَا تَكُونُ مُتَقَوِّمَةً، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ مِثْلَ مَا غَصَبَ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا طَرِيقُ مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ فَهُوَ أَنْ يُقَوَّمَ صَحِيحًا وَيُقَوَّمَ وَبِهِ الْعَيْبُ، فَيَجِبُ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ النُّقْصَانِ، إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ زِيَادَةِ الْمَغْصُوبِ: فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إذَا حَدَثَتْ زِيَادَةٌ فِي الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَالزِّيَادَةُ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْ الْمَغْصُوبِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ فَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَعَ الْأَصْلِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ، أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدِ كَالْأَرْشِ وَالْعُقْرِ، أَوْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ أَصْلًا كَالْكَسْبِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ مِنْهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، فَكَانَ مِلْكَهُ، وَمَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدِ بَدَلُ جُزْءٍ مَمْلُوكٍ، أَوْ بَدَلُ مَا لَهُ حُكْمُ الْجُزْءِ، فَكَانَ مَمْلُوكًا لَهُ وَغَيْرُ الْمُتَوَلِّدِ كَسْبٌ مَلَكَهُ، فَكَانَ مِلْكَهُ.
وَأَمَّا بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الْأُجْرَةُ بِأَنْ آجَرَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ يَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ عِنْدَنَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ مُتَقَوِّمَةٍ بِأَنْفُسِهَا عِنْدَنَا، حَتَّى لَا تُضْمَنَ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْ الْغَاصِبِ، وَعِنْدَهُ هِيَ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ بِأَنْفُسِهَا مَضْمُونَةٌ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ كَالْأَعْيَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ فَإِنْ كَانَتْ مُتَوَلِّدَةً كَالْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ وَنَحْوِهَا أَخَذَهَا الْمَالِكُ مَعَ الْأَصْلِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ يُنْظَرُ، إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَيْنَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ فِي الْمَغْصُوبِ وَهُوَ تَابِعٌ لِلْمَغْصُوبِ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَتْ عَيْنَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ لِلْمَغْصُوبِ، بَلْ هِيَ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا، تَزُولُ عَنْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَتَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ لِلضَّمَانِ، وَبَيَانُ هَذَا فِي مَسَائِلَ إذَا غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ الْغَاصِبُ بِصِبْغِ نَفْسِهِ، فَإِنْ صَبَغَهُ أَحْمَرَ، أَوْ أَصْفَرَ بِالْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَلْوَانِ سِوَى السَّوَادِ، فَصَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ مِنْ الْغَاصِبِ وَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ، أَمَّا وِلَايَةُ أَخْذِ الثَّوْبِ؛ فَلِأَنَّ الثَّوْبَ مِلْكُهُ لِبَقَاءِ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ.
وَأَمَّا ضَمَانُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ؛ فَلِأَنَّ لِلْغَاصِبِ عَيْنَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ، فَلَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِ
стр. 1892
مِلْكِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِضَمَانٍ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الثَّوْبَ عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ يَوْمَ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى جَبْرِهِ عَلَى أَخْذِ الثَّوْبِ، إذْ لَا يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ إلَّا بِضَمَانٍ وَهُوَ قِيمَةُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ.
وَلَا سَبِيلَ إلَى جَبْرِهِ عَلَى الضَّمَانِ لِانْعِدَامِ مُبَاشَرَةِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ مِنْهُ وَقِيلَ لَهُ خِيَارٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ لَهُ تَرْكَ الثَّوْبِ عَلَى حَالِهِ، وَكَانَ الصِّبْغُ فِيهِ لِلْغَاصِبِ فَيُبَاعُ الثَّوْبُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا، كَمَا إذَا انْصَبَغَ لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَالصِّبْغُ مِلْكُ الْغَاصِبِ وَالتَّمْيِيزُ مُتَعَذَّرٌ، فَصَارَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ فَيُبَاعُ الثَّوْبُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ لَا لِلْغَاصِبِ، وَإِنْ كَانَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ مِلْكٌ أَيْضًا وَهُوَ الصِّبْغُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ أَصْلٌ وَالصِّبْغَ تَابِعٌ لَهُ، فَتَخْيِيرُ صَاحِبِ الْأَصْلِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُخَيَّرَ صَاحِبُ التَّبَعِ، وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَ الثَّوْبَ بِالْعُصْفُرِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ تَبَعٍ، وَإِنْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: صَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَرَكَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ، بَلْ يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: السَّوَادُ وَسَائِرُ الْأَلْوَانِ سَوَاءٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّوَادَ نُقْصَانٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁؛ لِأَنَّهُ يُحْرِقُ الثَّوْبَ فَيُنْقِصُهُ، وَعِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ كَسَائِرِ الْأَلْوَانِ.
وَقِيلَ إنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ، وَجَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي سَوَادٍ يَنْقُصُ وَجَوَابُهُمَا فِي سَوَادٍ يَزِيدُ، وَقِيلَ كَانَ السَّوَادُ يُعَدُّ نُقْصَانًا فِي زَمَنِهِ، وَزَمَنَهُمَا كَانَ يُعَدُّ زِيَادَةً، فَكَانَ اخْتِلَافُ زَمَانٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْعُصْفُرُ إذَا نَقَصَ الثَّوْبَ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ ثَلَاثِينَ فَعَادَتْ قِيمَتُهُ بِالصَّبْغِ إلَى عِشْرِينَ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى قَدْرِ مَا يَزِيدُ هَذَا الصَّبْغُ لَوْ كَانَ فِي ثَوْبٍ يُزِيدُ هَذَا الصَّبْغُ قِيمَتَهُ وَلَا يُنْقِصُ، فَإِنْ كَانَ يُزِيدُهُ قَدْرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَصَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَرَكَ الثَّوْبَ عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَخَذَ مِنْ الْغَاصِبِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، كَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀؛ لِأَنَّ الْعُصْفُرَ نَقَّصَ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ خَمْسَةً فِيهِ صِبْغٌ فَانْجَبَرَ نُقْصَانُ الْخَمْسَةِ بِهِ، أَوْ صَارَتْ الْخَمْسَتَانِ قِصَاصًا وَبَقِيَ نُقْصَانُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخَمْسَةٍ، وَكَذَلِكَ السَّوَادُ عَلَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ بِعُصْفُرِ نَفْسِهِ وَبَاعَهُ وَغَابَ، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُ الثَّوْبِ يَقْضِي لَهُ بِالثَّوْبِ وَيَسْتَوْثِقُ مِنْهُ بِكَفِيلٍ أَمَّا الْقَضَاءُ بِالثَّوْبِ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ، فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الثَّوْبَ أَصْلٌ وَالصِّبْغُ تَابِعٌ لَهُ، فَكَانَ صَاحِبُ الثَّوْبِ صَاحِبَ أَصْلٍ، فَكَانَ اعْتِبَارُ جَانِبِهِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الِاسْتِيثَاقُ بِكَفِيلٍ؛ فَلِأَنَّ لِلْغَاصِبِ فِيهِ عَيْنَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ، وَلَوْ وَقَعَ الثَّوْبُ الْمَغْصُوبُ فِي صِبْغِ إنْسَانٍ فَصُبِغَ بِهِ، أَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِثَوْبِ إنْسَانٍ فَأَلْقَتْهُ فِي صِبْغِ غَيْرِهِ فَانْصَبَغَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الصِّبْغُ عُصْفُرًا أَوْ زَعْفَرَانًا، فَصَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ شَاءَ امْتَنَعَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى جَبْرِهِ عَلَى الضَّمَانِ؛ لِانْعِدَامِ مُبَاشَرَةِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ مِنْهُ، فَيُبَاعُ الثَّوْبُ، فَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَقِّهِ فَيَضْرِبُ صَاحِبُ الثَّوْبِ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ.
وَصَاحِبُ الصِّبْغِ يَضْرِبُ بِقِيمَةِ الصِّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ قِيمَةُ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الصِّبْغِ الْقَائِمِ فِي الثَّوْبِ لَا فِي الصِّبْغِ الْمُنْفَصِلِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ لَا لِلْغَاصِبِ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ سَوَادًا أَخَذَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ الصَّبْغِ، بَلْ يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ إنْ كَانَ غَاصِبًا؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْأَلْوَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَذَلِكَ السَّمْنُ يُخْلَطُ بِالسَّوِيقِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ يُخْلَطُ بِهِ، فَالسَّوِيقُ بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ وَالسَّمْنُ بِمَنْزِلَةِ الصِّبْغِ؛ لِأَنَّ السَّوِيقَ أَصْلٌ وَالسَّمْنَ كَالتَّابِعِ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: سَوِيقٌ مَلْتُوتٌ، وَلَا يُقَالُ: سَمْنٌ مَلْتُوتٌ.
وَأَمَّا الْعَسَلُ إذَا خُلِطَ بِالسَّمْنِ، أَوْ اخْتَلَطَ بِهِ فَكُلَاهُمَا أَصْلٌ.
وَإِذَا خُلِطَ الْمِسْكُ بِالدُّهْنِ أَوْ اخْتَلَطَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ يَزِيدُ الدُّهْنَ وَيُصْلِحُهُ كَانَ الْمِسْكُ بِمَنْزِلَةِ الصِّبْغِ، وَإِنْ كَانَ دُهْنًا لَا يَصْلُحُ بِالْخَلْطِ وَلَا تَزِيدُ قِيمَتُهُ كَالْأَدْهَانِ الْمُنْتِنَةِ فَهُوَ هَالِكٌ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ ثَوْبًا وَمِنْ إنْسَانٍ صِبْغًا فَصَبَغَهُ بِهِ ضَمِنَ لِصَاحِبِ الصِّبْغِ صِبْغًا مِثْلَ صِبْغِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ صِبْغَهُ وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ فَبَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُهُ
стр. 1893
وَحُكْمُ مَا إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ بِصِبْغِ نَفْسِهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الصِّبْغَ بِالضَّمَانِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ، وَلَوْ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ ثَوْبًا وَمِنْ آخَرَ صِبْغًا فَصَبَغَهُ فِيهِ، ثُمَّ غَابَ، وَلَمْ يُعْرَفْ فَهَذَا وَمَا إذَا انْصَبَغَ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ سَوَاءٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الصِّبْغِ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ سَبِيلٌ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصِّبْغَ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْإِتْلَافِ مِنْهُ، فَمَلَكَهُ بِالضَّمَانِ وَزَالَ عَنْهُ مِلْكُ صَاحِبِهِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إذَا غَابَ الْغَاصِبُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُعْرَفُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ فِعْلِهِ فِي إدَارَةِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ حَصَلَ لَا بِصِبْغِ أَحَدٍ، وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا وَعُصْفُرًا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَصَبَغَهُ بِهِ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ يَأْخُذُ الثَّوْبَ مَصْبُوغًا وَيُبْرِئُ الْغَاصِبَ مِنْ الضَّمَانِ فِي الْعُصْفُرِ وَالثَّوْبِ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ عُصْفُرًا مِثْلَهُ ثُمَّ يَصِيرُ كَأَنَّهُ صَبَغَ ثَوْبَهُ بِعُصْفُرِ نَفْسِهِ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ عُصْفُرَهُ وَمَلَكَهُ بِالضَّمَانِ، فَهَذَا رَجُلٌ صَبَغَ ثَوْبًا بِعُصْفُرِ نَفْسِهِ فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ وَاحِدٌ فَالْغَاصِبُ خَلَطَ مَالَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِمَالِهِ، وَخَلْطُ مَالِ الْإِنْسَانِ بِمَالِهِ لَا يُعَدُّ اسْتِهْلَاكًا لَهُ بَلْ يَكُونُ نُقْصَانًا، فَإِذَا اخْتَارَ أَخْذَ الثَّوْبِ فَقَدْ أَبْرَأَهُ عَنْ النُّقْصَانِ، وَلَوْ كَانَ الْعُصْفُرُ لِرَجُلٍ وَالثَّوْبُ لِآخَرَ فَرَضِيَا أَنْ يَأْخُذَاهُ، كَمَا يَأْخُذُ الْوَاحِدُ أَنْ لَوْ كَانَا لَهُ فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ هَهُنَا اخْتَلَفَ، فَكَانَ الْخَلْطُ اسْتِهْلَاكًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ غَصَبَ إنْسَانٌ عُصْفُرًا وَصَبَغَ بِهِ ثَوْبَ نَفْسِهِ ضَمِنَ عُصْفُرًا مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ عَلَيْهِ عُصْفُرَهُ وَلَهُ مِثْلٌ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُصْفُرِ أَنْ يَحْبِسَ الثَّوْبَ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ أَصْلٌ وَالْعُصْفُرَ تَبَعٌ لَهُ وَالسَّوَادُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعُصْفُرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ الِاسْتِهْلَاكِ، وَالْأَلْوَانُ كُلُّهَا فِي حُكْمِ ضَمَانِ الِاسْتِهْلَاكِ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ غَصَبَ دَارًا فَجَصَّصَهَا، ثُمَّ رَدَّهَا قِيلَ لِصَاحِبِهَا: أَعْطِهِ مَا زَادَ التَّجْصِيصُ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ الدَّارِ أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبُ جِصَّهُ؛ لِأَنَّ لِلْغَاصِبِ فِيهَا عَيْنَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ وَهُوَ الْجِصُّ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَيُخَيَّرُ صَاحِبُ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَصْلٍ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَغَرِمَ لِلْغَاصِبِ مَا زَادَ التَّجْصِيصُ فِيهَا وَإِنْ شَاءَ رَضِيَ بِأَنْ يَأْخُذَ جِصَّهُ، وَلَوْ غَصَبَ مُصْحَفًا فَنَقَطَهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ لِصَاحِبِهِ أَخْذَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: صَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مَا زَادَ النَّقْطُ فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَنْقُوطٍ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ النَّقْطَ زِيَادَةٌ فِي الْمُصْحَفِ، فَأَشْبَهَ الصِّبْغَ فِي الثَّوْبِ.
(وَجْهُ) مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ النَّقْطَ أَعْيَانٌ لَا قِيمَةَ لَهَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ بَقِيَ مُجَرَّدُ عَمَلِهِ وَهُوَ النَّقْطُ وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا يَتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَلِأَنَّ النَّقْطَ فِي الْمُصْحَفِ مَكْرُوهٌ، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «جَرِّدُوا الْقُرْآنَ» ، وَإِذَا كَانَ التَّجْرِيدُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ كَانَ النَّقْطُ مَكْرُوهًا، فَلَمْ يَكُنْ زِيَادَةً، فَكَانَ لِصَاحِبِ الْمُصْحَفِ أَخْذُهُ، وَلَوْ غَصَبَ حَيَوَانًا فَكَبِرَ فِي يَدِهِ أَوْ سَمِنَ، أَوْ ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ، فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ، وَإِنَّمَا الزِّيَادَةُ نَمَاءُ مِلْكِ الْمَالِكِ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ جَرِيحًا، أَوْ مَرِيضًا فَدَاوَاهُ حَتَّى بَرَأَ وَصَحَّ لِمَا قُلْنَا، وَلَا يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَالِكِ بِمَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ أَوْ شَجَرٌ فَسَقَاهُ الْغَاصِبُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ، حَتَّى انْتَهَى بُلُوغُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ نَخْلًا أَطْلَعَ فَأَبَّرَهُ وَلَقَّحَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيمَا أَنْفَقَ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ كَانَ حَصَدَ الزَّرْعَ فَاسْتَهْلَكَهُ، أَوْ جَذَّ مِنْ الثَّمَرِ شَيْئًا، أَوْ جَزَّ الصُّوفَ، أَوْ حَلَبَ كَانَ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَضْمَن، وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَفَتَلَهُ، أَوْ غَسَلَهُ، أَوْ قَصَّرَهُ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ فِيهِ، أَمَّا الْفَتْلُ فَإِنَّهُ تَغْيِيرُ الثَّوْبِ مِنْ صِفَةٍ إلَى صِفَةٍ.
(وَأَمَّا) الْغَسْلُ فَإِنَّهُ إزَالَةُ الْوَسَخِ عَنْ الثَّوْبِ وَإِعَادَةٌ لَهُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى، وَالصَّابُونُ أَوْ الْحُرُضُ فِيهِ يَتْلَفُ وَلَا يَبْقَى.
وَأَمَّا الْقُصَارَةُ فَإِنَّهَا تَسْوِيَةُ أَجْزَاءِ الثَّوْبِ، فَلَمْ يَحْصُلْ فِي الْمَغْصُوبِ زِيَادَةُ عَيْنِ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ فِيهِ، وَلَوْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا فَلِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَ الْخَلَّ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا لَهُ فِي الْخَمْرِ، وَإِذَا صَارَ خَلًّا حَدَثَ الْخَلُّ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ؛ لِأَنَّ الْمِلْحَ الْمُلْقَى فِي الْخَمْرِ يَتْلَفُ فِيهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ كَذَا
стр. 1894
هَذَا وَقِيلَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ لَا بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ أَنَّهُ إنْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ كَانَ مِلْكَهُ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ.
وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ إنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ فِعْلِ الدِّبَاغِ، وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا يَتَقَوَّمُ، إلَّا بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَدَبَغَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَيْتَةُ مُلْقَاةً عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَ جِلْدَهَا فَدَبَغَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْجِلْدِ؛ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي الطَّرِيقِ إبَاحَةٌ لِلْأَخْذِ كَإِلْقَاءِ النَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ، وَلَوْ هَلَكَ الْجِلْدُ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ مَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْغَصْبِ السَّابِقِ، وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْإِتْلَافِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ وَقْتَ الْغَصْبِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِتْلَافُ مِنْ الْغَاصِبِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، وَإِتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَلَوْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ مُتَقَوِّمٍ كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِمَا فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَغْرَمَ لَهُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ صَاحِبِهِ، وَلِلْغَاصِبِ فِيهِ عَيْنُ مِلْكٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ فَلَزِمَ مُرَاعَاةُ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الْجِلْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ لَضَمَّنَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَ مَا دَبَغَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَذَكَرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا وَيُعْطِيهِ الْمَالِكُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ عِنْدَهُمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ أَنْ لَوْ كَانَ الْجِلْدُ ذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوغٍ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوِّمًا مَمْلُوكًا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ، كَمَا إذَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ فَاسْتَهْلَكَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ، أَمَّا الْمَالِيَّةُ وَالتَّقَوُّمُ فَلِأَنَّ الْجِلْدَ بِالدَّبَّاغِ صَارَ مَالًا مُتَقَوِّمًا.
(وَأَمَّا) الْمِلْكُ فَلِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا لَهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَبَعْدَهُ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِيمَا إذَا دَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَذَا هَذَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ التَّقَوُّمَ حَدَثَ بِصُنْعِ الْغَاصِبِ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْحَادِثَ بِفِعْلِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ حَقًّا لَهُ، فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فَالْتُحِقَ هَذَا الْوَصْفُ بِالْعَدَمِ، فَكَانَ هَذَا إتْلَافُ مَالٍ لَا قِيمَةَ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَلِأَنَّ تَقَوُّمَ الْجِلْدِ تَابِعٌ لِمَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِالدِّبَاغِ وَمَا زَادَ الدِّبَاغُ مَضْمُونٌ فِيهِ فَكَذَا مَا هُوَ تَابِعٌ لَهُ يَكُونُ مُلْحَقًا بِهِ، وَالْمَضْمُونُ بِبَدَلٍ لَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ كَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَلَمْ يُوجَدْ الْأَصْلُ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْجِلْدُ ذَكِيًّا فَدَبَغَهُ فَإِنْ دَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ، فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِلْكُ صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ قَائِمٌ لَمْ يُنْتَقَصْ، وَلَوْ دَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَدْبُوغٍ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ إذَا صَبَغَهُ أَصْفَرَ، أَوْ أَحْمَرَ بِصِبْغِ نَفْسِهِ، وَلَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ جَعَلَ هَذَا الْجِلْدَ أَدِيمًا، أَوْ زِقًّا، أَوْ دَفْتَرًا، أَوْ جِرَابًا، أَوْ فَرْوًا لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ حَيْثُ تَبَدَّلَ الِاسْمُ وَالْمَعْنَى، فَكَانَ اسْتِهْلَاكًا لَهُ مَعْنًى، ثُمَّ إنْ كَانَ الْجِلْدُ ذَكِيًّا فَلَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَإِنْ كَانَ مَيْتَةً فَلَا شَيْءَ، وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرَ الْمُسْلِمِ فَصَارَ خَمْرًا فِي يَدِهِ، أَوْ خَلًّا ضَمِنَ عَصِيرًا مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ فِي يَدِهِ بِصَيْرُورَتِهِ خَمْرًا، أَوْ خَلًّا، وَالْعَصِيرُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمُ اخْتِلَافِ الْغَاصِبِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا حُكْمُ اخْتِلَافِ الْغَاصِبِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا قَالَ الْغَاصِبُ هَلَكَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِي، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْغَاصِبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْبِسُ الْغَاصِبَ مُدَّةً لَوْ كَانَ قَائِمًا لَأَظْهَرَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ لِمَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلْغَصْبِ هُوَ وُجُوبُ رَدِّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، وَالْقِيمَةُ خَلَفٌ عَنْهُ فَمَا لَمْ يَثْبُتْ الْعَجْزُ عَنْ الْأَصْلِ لَا يَقْضِي بِالْقِيمَةِ الَّتِي هِيَ خَلْفٌ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْغَصْبِ، أَوْ فِي جِنْسِ الْمَغْصُوبِ وَنَوْعِهِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ وَقْتَ الْغَصْبِ، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الضَّمَانَ وَهُوَ يُنْكِرُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ
стр. 1895
إذْ الْقَوْلُ فِي الشَّرْعِ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْغَاصِبُ بِمَا يَدَّعِي الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَادَّعَى الرَّدَّ عَلَيْهِ لَا يُصَدَّقُ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْغَصْبِ إقْرَارٌ بِوُجُودِ سَبَبِ وُجُودِ الضَّمَانِ مِنْهُ فَهُوَ بِقَوْلِهِ: رَدَدْت عَلَيْك يَدَّعِي انْفِسَاخَ السَّبَبِ، فَلَا يُصَدَّقُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْغَاصِبُ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَ الْعَيْبَ فِي الْمَغْصُوبِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِوُجُودِ الْغَصْبِ مِنْهُ إقْرَارٌ بِوُجُودِ الْغَصْبِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ فِي ضَمَانِهِ فَهُوَ يَدَّعِي إحْدَاثَ الْعَيْبِ مِنْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَيَدَّعِي خُرُوجَ بَعْضِ أَجْزَائِهِ عَنْ ضَمَانِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ أَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غَصَبَ الدَّابَّةَ وَنَفَقَتْ عِنْدَهُ وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَدَّهَا إلَيْهِ وَأَنَّهَا نَفَقَتْ عِنْدَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ شُهُودَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِالْغَصْبِ وَمَا عَلِمُوا بِالرَّدِّ، فَبَنَوْا الْأَمْرَ عَلَى ظَاهِرِ بَقَاءِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إلَى وَقْتِ الْهَلَاكِ وَشُهُودُ الْغَاصِبِ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ بِالرَّدِّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَهُوَ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَى الرَّدِّ أَوْلَى، كَمَا فِي شُهُودِ الْجُرْحِ مَعَ شُهُودِ التَّزْكِيَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ أَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ هَذَا الْعَبْدَ وَمَاتَ عِنْدَهُ وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْعَبْدَ مَاتَ فِي يَدِ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْغَصْبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ فِي يَدِ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْغَصْبِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، فَلَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَالْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ شُهُودَ الْغَاصِبِ اعْتَمَدُوا اسْتِصْحَابَ الْحَالِ، وَهُوَ حَالُ الْيَدِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ لِلْمَوْلَى لِجَوَازِ أَنَّهُمْ عَلِمُوهَا ثَابِتَةً، وَلَمْ يَعْلَمُوهَا بِالْغَصْبِ وَظَنُّوا تِلْكَ الْيَدَ قَائِمَةً فَاسْتُصْحِبُوهَا وَشُهُودُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ تَحَقُّقَ الْغَصْبِ، فَكَانَتْ شَهَادَتُهُمْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْغَاصِبَ غَصَبَ هَذَا الْعَبْدَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ هُوَ وَالْعَبْدُ، فَالضَّمَانُ وَاجِبٌ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْغَاصِبِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ فَالْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ، فَبَقِيَتْ بَيِّنَةُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِلَا مُعَارِضٍ فَلَزِمَ الْعَمَلُ بِهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْإِمْلَاءِ: إذَا أَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ فِي يَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَأَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْغَاصِبِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَيِّنَتَهُ قَامَتْ عَلَى إثْبَاتِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ الرَّدُّ، وَبَيِّنَةُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ قَامَتْ عَلَى إبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَهُوَ الْغَصْبُ، فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الرَّدِّ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّابَّةَ نَفَقَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ مِنْ رُكُوبِهِ، وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَدَّهَا إلَيْهِ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَعَلَى الْغَاصِبِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْغَاصِبِ لَا تَدْفَعُ بَيِّنَةَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَمِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ رَدَّهَا، ثُمَّ غَصَبَهَا ثَانِيًا وَرَكِبَهَا فَنَفَقَ فِي يَدِهِ فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ شُهُودُ صَاحِبِ الدَّابَّةِ أَنَّ الْغَاصِبَ قَتَلَهَا، وَشَهِدَ شُهُودُ الْغَاصِبِ أَنَّهُ رَدَّهَا إلَيْهِ لِمَا قُلْنَا، كَمَا إذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ غَصَبْنَا مِنْكَ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: كُنَّا عَشَرَةً، قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا يُصَدَّقُ، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يُصَدَّقُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: غَصَبْنَا مِنْكَ حَقِيقَةٌ لِلْجَمْعِ، وَالْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَاجِبٌ وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الْوَاحِدِ تَرْكٌ لِلْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ فَيُصَدَّقُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَهَهُنَا لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ غَصَبْنَا إخْبَارٌ عَنْ وُجُودِ الْغَصْبِ مِنْ جَمَاعَةٍ مَجْهُولِينَ، فَلَوْ عَمِلْنَا بِحَقِيقَتِهِ لَأَلْغَيْنَا كَلَامَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَجَازِ أَوْلَى مِنْ الْإِلْغَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلُ الْإِتْلَافِ]
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَسَائِلُ الْإِتْلَافِ فَالْكَلَامُ فِيهَا أَنَّ الْإِتْلَافَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ وَرَدَ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَإِمَّا أَنْ وَرَدَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ، فَإِنْ وَرَدَ عَلَى بَنِي آدَمَ فَحُكْمُهُ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ وَرَدَ عَلَى غَيْرِ بَنِي آدَمَ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ إذَا اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شُرُوطِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ الضَّمَانِ الْوَاجِبِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ: فَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِتْلَافَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الشَّيْءِ إخْرَاجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً، وَهَذَا اعْتِدَاءٌ وَإِضْرَارٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ،
следующие страницы →