← Баляга

Баляга · id 8187

أسرار البلاغة - ت محمود شاكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (421 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولا يرضى منها بأن تَتَمهَّل في حركتها، ثم لما بدأ بذلك أوّلاً اعتبره في التشبيه آخِراً فقال: نُطِيرُ غراباً، ولم يقل: غراب يطير مثلاً، وذلك أن الغرابَ وكلَّ طائر إذا كان واقعاً هادئاً في مكان، فأُزْعِج وأُخِيفَ وأُطِير منه، أو كان قد حُبس في يدٍ أو قَفَصٍ فأُرسل، كان ذلك لا محالةَ أسرعَ لطيرانه وأعجلَ وأمدَّ له وأبعدَ لأمَدِهِ، فإنَّ تلك الفَزْعةَ التي تعرِضُ له من تنفيره، أو الفرحة التي تُدركه وتَحْدُثُ فيه من خَلاصه وانفلاته، ربما دعته إلى أن يستمرّ حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار، لأنه يجوز حينئذ أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأوّل، وأن لا يُسْرِع في طيرانه، بل يمضي على هِينَتِه ويتحرّك حركةَ غيرِ المستعجلِ فاعرفه. ومما حقُّه أنْ يكون على فَرْط الاستقصاء في التشبيه وفضل العناية بتأكيد ما بُدئ به، قولُ أبي نواس في صِفة البازي: كأنّ عَيْنَيه إذَا مَا أتْأرَا ... فَصَّانِ قِيَضَا من عَقِيقٍ أَحْمَرَا في هَامةٍ غَلْبَاءَ تَهْدِي مِنْسَرَا ... كَعَطْفةِ الجِيم بِكَفِّ أَعْسَرَا أراد أن يشبّه المِنقار بالجيم، والجيمُ خطَّان الأول الذي هو مبدأُه وهو الأعلى، والثاني وهو الذي يذهب إلى اليسار، وإذا لم توصل فلها تعريقٌ كما لا يخفى، والمنقار إنّما يُشبه الخطَّ الأعلى فقط، فلما كان كذلك قال:

стр. 177

كَعَطْفة الجيم ولم يقل كالجيم، ثم دَقَّق بأن جعلها بكف أعسر، لأن جيمَ الأعسر قالوا أشبهُ بالمنقار من جيم الأيمن، ثم إنه أراد أن يؤكّد أنّ الشبهَ مقصورٌٌ على الخط الأعلى من شكل الجيم فقال: يقولُ مَنْ فِيها بعَقْلٍ فكَّرا ... ولو زَادها عَيناً إلى فاءٍ وَرَا فَاتَّصَلتْ بالجيم صَارت جَعْفَرَا، فأراك عياناً أنه عَمَد في التشبيه إلى الخط الأول من الجيم دون تعريقها، ودون الخط الأسفل، أما أمر التعريق وإخراجُه من التشبيه فواضحٌ، لأن الوصل يسقط التعريق أصلاً، وأما الخط الثاني فهو،، وإن كان لا بد منه مع الوصل، فإنه إذْ قال لو زادها عيناً إلى فَاءَ ورَا ثم قال فاتصلت بالجيم، فقد بيَّن أن هذا الخط الثاني خارجٌ أيضاً من قصده في التشبيه، من حيث كانت زيادةُ هذه الحروف ووصلُها هي السببَ في حدوثه، وينبغي أن يكون قوله بالجيم، يعني بالعطفة المذكورة من الجيم، ولأجل هذه الدقة قال يقول مَنْ فيها بعقل فكَّرَا، فمهّد لما أراد أن يقول، ونبّه على أنّ بالمشبِّه حاجةً إلى فضل فكرٍ، وأن يكون فكره فكرَ من يراجع عَقْله ويستعينه على تمام البيان، وجملة القول أنك متى زدت في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد خلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفاضُل، ثم تختلف المنازل في الفضل، بحسب الصُّورة في استنفادِكَ قوَّة الاستقصاء، أو رِضاك بالعَفْو دون الجَهْدِ.

стр. 178

فصل اعلم أن مما يزدادُ به التشبيهُ دقّةً وسِحْرَاً، أن يجيء في الهيئات التي تقع على الحركات، والهيئةُ المقصودة في التَّشبيه على وجهين أحدهما أن تقترن بغيرها من الأوصاف كالشكل واللون ونحوهما، والثاني أن تُجرَّدَ هيئةُ الحركة حتى لا يُراد غيرها، فمن الأوّل قوله: والشمسُ كالمرآةِ في كفِّ الأشل أراد أن يُريك مع الشَّكل الذي هو الاستدارة، ومع الإشراق والتلألؤ على الجملة، الحركةَ التي تراها للشمس إذا أنعمتَ التأمُّل، ثم ما يحصُل في نُورها من أجل تلك الحركة، وذلك أن للشمس حركةً متصلةً دائمةً في غاية السرعة، ولنُورها بسبب تلك الحركة تموُّجٌ واضطرابٌْ عَجَبٌ، ولا يتحصل هذا الشبهُ إلا بأن تكون المرآة في يد الأشَلِّ، لأن حركتها تدور وتتصل ويكون فيها سرعة وقلقٌ شديد، حتى ترى المرآة، ويقع الاضطراب الذي كأنه يَسْحَرُ الطَّرْف، وتلك حال الشمس بعينها حين تُحِدُّ النظر وتُنفذ البصر، حتى تتبيّن الحركةَ العجيبة في جِرْمها وضوئِها، فإنك ترى شُعاعُها كأنه يَهُمُّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها، ثم يبدو له فيرجع في الانبساط الذي بدأه، إلى انقباضٍ كأنه يجمعه من جوانب الدائرة إلى الوسط، وحقيقة حالِها في ذلك مما لا يكمُل البصرُ

стр. 179

لتقريره وتصويره في النفس، فضلاً عن أن تكمل العبارة لتأديتهِ، ويبلغ البيانُ كُنْهَ صورته، ومثلُ هذا التشبيه، وإن صُوِّر في غير المرآة، قولُ المهلّبي الوزير: الشمس من مشرقها قد بدتْ ... مُشْرِقةً ليسَ لها حَاجِبُ كأنَّهَا بُوتَقَةٌ أُحْمِيتْ ... يَجُولُ فيها ذَهَبٌ ذَائبُ وذلك أنّ الذهب الذائب يتشكل بأشكال البوتقة، فيستدير إذا كانت البوتقة على النار، فإنه يتحرّك فيها حركةً على الحدِّ الذي وصفتُ لك، طَبْع الذهب من النُّعومة، وفي أجزائه من شدة الاتصال والتلاحم، يمنعه أن يقع فيه غليان على الصفة التي تكون في الماء ونحوه، مما يتخللُه الهواء فيرتفع وسطه ارتفاعاً شديداً، ولكن جُملته كأنها تتحرك بحركة واحدة، ويكون فيها ما ذكرتُ من انبساط إلى الجوانب، ثم انقباض إلى الوسط، فاعرفه، ومن عجيب ما جُمِع فيه بينَ الشكل وهيئة الحركة، قول الصنوبري: كأنَّ في غُدْرَانِها ... حَواجباً ظلَّتْ تُمَطّْ أراد ما يبدو في صَفْحة الماء من أشكال كأنصاف دوائرَ صغارِ ثم إنك تراها تمتدّ امتداداً يَنْقص من انحنائها وتَحَدُّبها، كما تُباعد بين طرفَي القوس وتثنيهما إلى ناحية الظهر، كأنك تُقرّبها من الاستواءِ وتسلُبُها بعض شكل التقوُّس، الذي هو إقبال طرفيها على الآخر، ومتى حدثتْ هذه الصفة في تلك

стр. 180

الأشكال الظاهرة على متون الغُدران، كانت أشبه شيء بالحواجب إذا مُدَّتْ، لأن الحاجب لا يخفى تقويسُه، ومدُّه ينقُص من تقويسه، ومن لطيف ذلك أيضاً أعني الجمع بين الشكل وهيئةِ الحركة، قولُ ابن المعتزّ يصف وُقوع القَطْر على الأرض: بَكَرَتْ تُعِيرُ الأرْضَ ثوبَ شَبابِ ... رَجَبِيّةٌ محمودةُ الإسكابِ نَثَرتْ أوائلُهَا حَياً فكأنَّه ... نَقْطٌ على عَجَلٍ بَبَطْن كتابِ وأمَّا هيئةُ الحركة مجرَّدةً من كل وصف يكون في الجسم، فيقع فيها نوع من التركيب، بأن يكون للجسم حركاتٌ في جهاتٍ مختلفةٍ، نحو أنَّ بعضها يتحرك إلى يمين والبعض إلى شمال، وبعضٌ إلى فوق وبعض إلى قُدّام ونحو ذلك، وكلما كان التفاوُتُ في الجهاتُ التي تتحرك أبعاضُ الجسم إليها أشدَّ، كان التركيب في هيئة المتحرِّك أكثر، فحركةُ الرَّحا والدُّولاب وحركة السهم لا تركيب فيها، لأن الجهة واحدةٌ، ولكن في حركة المُصْحف في قوله: " فانطباقاً مرَّةً وانفتَاحَا ". تركيبٌ لأنه في إحدى الحالتين يتحرك إلى جهة غير جهته في الحالة الأخرى،

стр. 181

فمما جاء في التشبيه معقوداً على تجريد هيئة الحركة، ثم لَطُفَ وغَرُبَ لما فيه من التفصيل والتركيب، قولُ الأعشى يصف السفينةَ في البحر وتقَاذُفَ الأمواج بها: تَقِصُ السفينُ بجانبَيه كما ... يَنْزُو الرُّبَاحُ خَلا لَهُ كَرَعُ الرُّبَاح الفصيل، وقيل القِرد، والكَرَعُ ماء السماء، شبَّه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفَصِيل في نَزْوه، وذلك أن الفصيل إذا نَزَا، ولا سيما في الماء، وحين يعتريه ما يعتري المُهْرَ ونحوه من الحيوانات التي هي في أوّل النَّشْء، كانت له حركات متفاوتة تصيرُ لها أعضاؤه في جهات مختلفة، ويكون هناك تسفُّلٌ وتصعُّدٌ على غير ترتيب، وبحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى، فلا يتبيّنه الطرْفٍُ مرتفعاً حتى يراه منحطّاً متسفِّلاً، ويَهْوِي مرّةً نحو الرأس ومرّةً نحو الذنب، وذلك أشبهُ شيء بحال السَّفِينةِ وهيئةِ حركاتها حين يتدافعها الموجُ، ونظيرهُ قولُ الآخر، يصف الفصيل وهو يثِبُ على الناقة ويعلوها ويُلقي نفسه عليها، لأنّها قد بركت فلا يتمكن من أن يرتضع، فهو يفعل ذلك لِتَثُور الناقة: يقتاعُها كلُّ فَصِيلٍ مُكْرَمِ ... كالحَبشِيِّ يرتقي في السُلَّمِ يقتاعها يفتعل من قولهم: قاع البعير الناقة، إذا ضربَها، يَقُوعها

стр. 182

قَوْعاً، أراد يعلوها وَيَثبتُ عليها، وشبّه بالحبشي في هذه الحالة المخصوصة، لما يكون له عند ارتقائه في السُلَّم من تَصعُّدِ بعضِ أعضائه وتسفُّل بعضِ، على اضطراب مفرطٍ وغَيْثَرة شديدة، وذلك كما ترى في أنه اختلافٌ في جهات أبعاض الجسم على غير نظام مضبوط، كحركات الفصيلِ في الماء وقد خلا له، وقد عرَّفتك أن الاختلاف في جهات الحركات الواقعة في أبعاض الجسم، كالتركيب بين أوصاف مختلفة، ليحصُل من مجموعها شبه خاصّ. واعلم أنّ هذه الهيئات يغلبُ عليها الحكم المستفاد من العبرة الثانية، وذلك أن كل هيئة من هيئات الجسم في حركاته إذا لم يتحرك في جهة واحدة، فمن شأنها أن تقِلَّ وتعزّ في الوجود، فيُباعدها ذلك أيضاً من أن تقع في الفكر بسرعة، زيادةَ مباعدةٍ مضمومة إلى ما يوجب حديثُ التركيب والتفصيل فيها،، ألاَ ترى أن الهيئة التي اعتمدها في تشبيه البَرْق بالمصحف، ليست تكون إلا في النادر من الأحوال، وبعد عَمْد من الإنسان، وخروج عن العادة، وبقصدٍ خاصّ أو عَبَثٍ غالب على النفس غير معتاد وهكذا حال الفصيل في وثوبه على أُمّه ليثيرها واستنانِهِ في الماء ونَزْوِهِ، كما توجبه رؤيتُه الماءَ خالياً،

стр. 183

وطباعُ الصِّغَر والفَصِيلةُ مما لا يُرَى إلا نادراً، وليس الأمر في هذا النحو كالأمر في حركة الدُّولاب والرَّحا والسهم ونحو ذلك من الحركات المعتادة التي تقع في مَصارِف العيونِ كثيراً، ومما يقوَى فيها أن يكون سببُ غرابته قلّةَ رؤية العيون له، ما مضى من تشبيه الشمس بالمرآة في كفّ الأشّل، وذلك أن الهيئةَ التي تراها في حركة المرآة إذا كانت في كفّ الأشلّ، مما يُرَى نادراً وفي الأقلّ، فربما قضى الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآةً في يد مرتعش، هذا وليس موضع الغرابة من التشبيه دوام حركة المرآة في يد الأشلّ فقط، بل النكتة والمقصودُ فيما يتولَّدُ من دوام تلك الحركة من الالتماع وتموَّج الشعاع، وكونه في صورةِ حركاتٍ من جوانب الدائرة إلى وسطها، وهذه صفةٌ لا تقوم في نفس الرائي المرآةَ الدائمةَ الاضطراب، إلاّ أن يستأنف تأمّلاً، وينظر متثبِّتَاً في نظره متمهلاً، فكأن ها هنا هيئتين كلتاهما من هيئات الحركة إحداهما حركة المرآة على الخصوص الذي يوجبه ارتعاش اليد والثانية حركةُ الشعاع واضطرابُه الحادث من تلك الحركة، وإذا كان كون المرآة في يد الأشلّ مما يُرَى نادراً، ثم كانت هذه الصفة التي هي كائنةٌ في الشُّعاع، إنما تُرَى وتُدرَك في حال رؤية حركة المرآة بجَهْدٍ وبعد استئنافِ إعمالٍ للبصر، فقد بعُدت عن حدّ ما تُعْتاد رؤيته مرّتين، ودخلت في النادرِ الذي لا تألفه العيون من جهتين فاعرفه. واعلم أنه كما تُعْتَبرَ هيئة الحركة في التشبيه، فكذلك تُعْتَبَر هيئةُ السكون على الجملة وبحسب اختلافه، نحو هيْئة المضطجع وهيئة الجالس ونحو ذلك، فإذا وَقَع في شيء من هيئات الجسم في سكونه تركيبٌ وتفصيلٌ،

стр. 184

لَطُف التشبيه وحَسُن، فمن ذلك قول ابن المعتزّ يصف سَيْلاً: فلما طَغَا ماؤُه في البلاد ... وغَصَّ به كُلُّ وادٍ صَدِي تَرَى الثورَ في مَتْنِهِ طافياً ... كَضَجْعَة ذي التاج في المَرْقَدِ وكقول المتنبي في صفة الكلب: " يُقْعِي جُلوس البَدَوِيِّ المُصطَلِي ". فقد اختَصَّ هيئة البدويّ المصطلي، في تشبيه هيئة سكون أعضاء الكلب ومواقعها فيها، ولم يَنَل التشبيهُ حظّاً من الحسن، إلا بأنّ فيه تفصيلاً من حيث كان لكل عُضوٍ من الكلب في إقعائه موقعٌ خاصّ، وكان مجموع تلك الجهات في حكم أشكال مختلفة تؤلَّف فتجيء منها صُورة خاصّة، ومن لطيف هذا الجنس قوله في صفة المصلوب: كأنه عاشقُ قد مَدَّ صفحتَهُ ... يومَ الوداع إلى توديع مرتحلِ أو قائمٌ من نُعاسٍ فيه لُوثَتُه ... مُواصلٌ لتمطِّيهٍ من الكَسَلِ ولم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل، ولو قال كأنه متمطٍّ من نعاس واقتصر عليه، كان قريب المتناول، لأن الشَّبه إلى هذا القدر يقع في

стр. 185

نفس الرائي المصلوبَ، لكونه من حَدِّ الجملة، فأمَّا بهذا الشرط وعلى هذا التقييد الذي يفيد به استدامَةَ تلك الهيئة، فلا يحضر إلا مع سَفَرٍ من الخاطر، وقُوّةٍ من التأمل، وذلك لحاجته أن ينظر إلى غير جهة فيقول هو كالمتمطّي، ثم يقول المتمطِّي يمدّ ظهره ويديه مدّةً، ثم يعود إلى حالته، فيزيد فيه أنه مُواصلٌ لذلك، ثم إذا أراد ذلك طلب عِلّته، وهي قيام اللُّوثة والكَسل في القائم من النعاس، وهذا أصلٌ فيما يزيد به التفصيل، وهو أن يُثَبت في الوصف أمرٌ زائدٌ على المعلوم المتعارَف، ثم يُطْلب له علّةٌ وسببٌ. ويُشبه التشبيهَ في البيت قولُ الآخر، وهو مذكور معه في الكتب: لم أرَ صَفّاً مثلَ صَفِّ الزُّطّ ... تِسْعِين منهم صُلِبوا في خطِّ مِنْ كُلِّ عالٍ جِذْعُه بالشطِّ ... كأنه في جِذْعِه المُشْتَطِّ أخو نُعاسٍ جَدَّ في التمطّي ... قد خامر النومَ ولم يَغِطّ فقوله جدّ في التمطي، شرطٌ يُتمّ التشبيه، كما أن قوله مواصلٌ كذلك، إلاّ أن في اشتراط المواصلة من الفائدة ما ليس في هذا وذلك أنه يجوز أن يبالغ ويجتهد ويَجِدَّ في تمطّيه، ثم يدع ذلك في الوقت، ويعود إلى الحالة التي يكون عليها في السلامة مما يدعو إلى التمدُّد، وإذا كان كذلك، كان المستفاد من هذه العبارة صورةُ التمطّي وهيئتُه الخاصّة، وزيادةُ معنًى، وهو بلوغُ الصفة،

стр. 186

غاية ما يمكن أن يكون عليها، وهذا كلُّه مستفاد من الأوّل، ثم فيه زيادة أخرى، وهو أَخصُّ ما يُقصَد من صفة المصلوب، وهي الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها، فأمّا قوله بعدُ: قد خامر النومَ ولم يَغِطِّ، هو وإن كان كأنه يحاول أن يرُيَنا هذه الزيادةَ من حيث يُقال إنه إذا أخذه النعاسُ فتمطَّى ثم خامرَ النومَ، فإن الهيئة الحاصلة له من جِدّه في التمطّي تبقى له فليس ببالغ مبلغَ قوله: مواصلٌ لتمطِّيه، وتقييده من بعدُ بأنه من الكسل، واحتياطه قبل بقوله " فيه لُوثتُه ". وشبيه بالأوّل في الاستقصاء قول ابن الرومي: كَأنَّ له في الجَوِّ حَبْلاً يَبُوعُه ... إذا ما انقضى حَبْلٌ أُتيحَ لَهُ حَبْلُ يُعانِقُ أنْفاسَ الرِّياح مُودِّعاً ... ودَاعَ رَحِيلٍ لا يُحَطُّ له رَحْلُ فاشتراطُهُ أن يكون له بعد الحب الذي ينهي ذَرْعُه حبلٌ آخر يخرجُ من بَوْع الأوَّل إليه، كقوله مواصل لتمطِّيه من الكسل، في استيفاء الشَّبه، والتنبيه على استدامته، لأنه إذا كان لا يزال يبُوع حبلاً لم يقبِض باعَه ولم يُرسل يَدَه، وفي ذلك بقاءَ شبه المصلوب على الاتِّصال فاعرفه. واعلم أن من حقِّك أن لا تضع الموازنة بين التشبيهين في حاجة أحدهما إلى زيادة من التأمل على وقتنا هذا ولكن تنظر إلى حالهما في قُوَى العقل ولم تسمع بواحد منهما، فتعلم أَنْ لو أرادهما مريدٌ، أو اتّفقا له جميعاً ولم يكن قد سمع بواحدٍ منهما أيُّهما كان يكون أسهلَ عليه، وأسرعَ إليه،

стр. 187

وأعطى بيديه، وأيَّهما تجده أدلَّ على ذكاء مَنْ تسمعه منه، وأرجَى لِتخرُّج مَنْ يقوله، وذلك أن تقابل بين تشبيه النُّّجوم بالمصابيح والمصابيح بها، وبين تشبيه سَلِّ السيوف بعقائق البرق وتشبيهها بسلّ السيوف، فإنك تعلم أن الأوّل يقع في نفس الصبِّ أوّل ما يُحسّ بنفسه، وأن الثاني لا يجُيب إجابته، ولا يَبْذُل طاعته وكذلك تعلم أنّ تشبيه الثريا بنَوْر العنقود لا يكون في قُرْب تشبيهها بتفتّح النَّور وأنّ تشبيه الشمس بالمرآة المجلوَّة كما مضى، يقع في نفس الغِرِّ العاميّ والصبيّ، ولا يقع تشبيهها بالمرآة في كفّ الأشلّ إلا في قلب المميّز الحصيف وتشبيهُها في حركتها تلك بمرآةٍ تضطربُ على الجملة، من غير أن تُجعَل في كفّ الأشلّ، قد يقع لمن لا يقع له بهذا التقييد، وذلك لِما مضى من حاجته إلى الفكرة في حال الشمس، وأنّ حركتها دائمةٌ متصلة، ثم طَلبِ متحرّكٍ حركةً غيرَ اختيارية، وجعلِ حركةِ المرآة صادرةً عن تلك الحركة ومأسورةً في حكمها دَائماً. وإنما اشترطتُ عليك هذا الشرط لأنه لا يمتنع أن يسبق الأوّل إلى تشبيه لطيفُ بحسن تأمّله وحِدّة خاطره، ثم يَشيع ويتَّسع، ويُذكَر ويُشْهَر حتى يخرج إلى حد المبتذَل، وإلى المشترَك في أصله، وحتى يجري مع دقة تفصيل فيه مجرى المجمل الذي تقوله الوليدة الصغيرة والعجوزة الوَرْهاء، فإنك تعلم أن قولنا لا يُشَقُّ غُباره الآنَ في الابتذال كقولنا لا يُلْحَق ولا يُدرَك، وهو كالبرق ونحو ذلك، إلاّ أنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا أنه

стр. 188

لم يكن كذلك من أصله، وأن هذا الابتذال أتاه بعد أن قَضَى زماناً بطراءة الشباب وجِدّة الفتاء وبعزّة المنيع، ولو قد مَنَعك جانبه وطوى عنك نفسَهُ، لعرفتَ كيف يَشُقُّ مطلَبهُ ويصعُب تناوله، ومثلُ هذا وأظهر منه أمراً أنَّ قولنا أمّا بَعْدُ، منسوبٍ في الأصل إلى واحد بعينه، وإن كان الآن في البذْلة كقولنا هذا بعد ذاك، مثلاً، وهكذا الحلم في الطرق التي ابتدأها الأوَّلون، والعبارات التي لخّصها المتقدمون، والقوانين التي وَضعوها حتى صارت في الاشتراك كالشيء المشترَك من أوَّله، والمبتذَلِ الذي لم يكن الصَّوْنُ من شأنه، والمبذول الذي لم يعترض دونه المنع في شيء من زمانه، ورُبّ نفيس جُلب إليك من الأمكنة الشاسعة، ورُكِبَ فيه النَّوَى الشَطُون، وقُطِعَ به عرضُ الفيافي، ثم أخفَى عنك فَضْلَه حتى جَهِلتَ قدره أنْ سهُل مرامُه، واتسع وجوده، ولو انقطع مَدَده عنك حتى تحتاج إلى طلبه من مظِنَّته، لعلمت إحسان الجائي به إليك، والجالبِ المقرِّب نَيلَه عليك، ولأكثرتَ من شكره بعد أن أقللت، وأخذتَ نفسك بتَلاَفي ما أهملت، وكذلك رُبّ شيء نال فوق ما يستحقّه من شَغف النفوس به، وأكثرَ مما توجبه المنافع الراجعة إليه، لأنه لا يتسع اتِّساعَ الأوَّل الذي فوائده أعمُّ وأكثرُ، ووجودُ العِوَض عنه عند الفقد أعسر، فَكَسَبَتْ عِزَّْةُ الوجود هذا عِزّاً لم يستحقَّه بفضله، كما منعتْ سَعَتُه الآخرَ فضلاً هو ثابت له في أصله،

стр. 189

ويتصل بهذا الموضع حديث عبد الرحمن بن حسّان، وذلك أنه رجع إلى أبيه حسَّان وهو صبيّ، يبكي ويقول لَسَعَني طائر، فقال حسان: صِفْهُ يا بُنيَّ، فقال كأنه مُلْتَفٌّ في بُرْدَىْ حِبرَة، وكان لسعَهُ زُنْبُور، فقال حسّان قال ابنِي الشِّعر وربِّ الكعبة أفلا تراه جَعل هذا التشبيه مما يُستدَلُّ به على مقدار قُوّة الطبعِ، ويُجْعَل عِياراً في الفَرْق بين الذهن المستعدّ للشعر وغير المستعدّ له، وسَرَّه ذلك من ابنه كما سرّه نفس الشعر حين قال في وقت آخر: اللهُ يَعْلَمُ أنِّي كنتُ مُنْتَبِذاً ... في دار حَسّانَ أَصْطَادُ اليَعَاسِيبا فإن قلت إن التشبيه يُتصوَّر في مكان الصِّبْغ والنَّقْش العجيب، ولم يَعْجِب حسّانَ هذا وإنما أعجبه قولُه ملتفّ، وحُسنُ هذه العبارة، إذ لو قال: طائر فيه كوَشْي الحبرة، لم يكن له هذا الموقع، فهو أن يكون مشبهاً ما أنت فيه، فمن حيث دِلالته على الفطنة في الجملة، قيل مُسلَّمٌ لك أن نكتة الحسن في قوله ملتفّ، ولكن لا يسلَّم أنه خارج من الغَرَض، بل هو عينُ المراد من التَّشبيه وتمامُه فيه، وذلك أنه يفيد الهيئةَ الخاصّة في ذلك الوشي والصِّبغ وصورةَ الزنبور في اكتسائه لهما، ويُؤَدَى الشبه كما مضى من طريق التفصيل دون الجملة، فما ظننتَ أنّه يُبعده عما نحن بصدده، هو الذي يُدنيه منه، ولقد نفيتَ العيبَ من حيث أردت إثباته.

стр. 190

فصل في التشبيه المتعدِّد والفرق بينه وبين المركّب اعلم أنِّي قد قدّمتُ بيانَ المركَّب من التشبيه، وها هنا ما يُذكَر مع الذي عرَّفتك أنه مركَّب ويُقرَن إليه في الكُتب، وهو على الحقيقة لا يستحق صفة التركيب، ولا يشارك الذي مَضَى ذكرُه في الوصف الذي له كان تشبيهاً مركّباً، وذلك أن يكون الكلام معقوداً على تشبيه شيئين بشيئين ضربةً واحدةً، إلاّ أن أحدهما لا يداخل الآخر في الشَّبه، ومثاله في قول امرئ القيس: كأنَّ قُلُوبَ الطَّير رَطْباً ويابساً ... لَدَى وَكْرِهَا العُنّابُ والحشَفُ البَالي وذلك أنه لم يقصِد إلى أن يجعل بين الشيئين اتصالاً، وإنما أراد اجتماعاً في مكانٍ فقط، كيف ولا يكون لمضامَّة الرَّطْب من القلوب اليابسَ هيئةٌ يُقصَد ذِكْرُها، أو يُعنَى بأمرها، كما يكون ذلك لتباشيرِ الصُّبح في أثناء الظلماء، وكون الشَّقِيقة على قَامتها الخضراء، فيودِّيَ ذلك الشبهَ الحاصلَ من مُداخلة أحد المذكورين الآخرَ واتّصاله به، اجتماعُ الحشَف البالي والعُنّاب، كيف ولا فائدة لأن ترى العُنّاب مع الحشَف، أكثر من كونهما في مكان واحد، ولو أن اليابسة من القُلوب كانت مجموعةً ناحيةً، والرطبة كذلك في ناحية أخرى، لكان التشبيه بحاله، وكذلك لو فرَّقت التشبيه فقلت: كأنّ الرَّطب من القلوب عُنّابٌ، وكأنّ اليابس حَشَفٌ بالٍ، لم تر أحدَ التشبيهين

стр. 191

موقوفاً في الفائدة على الآخر، وليس كذلك الحكم في المرَكَّبات التي تقدَّمتْ، وقد يكون في التشبيه المركَّب ما إذا فضضتَ تركيبَهُ وجدت أحد طرفيه يخرُج عن أن يصلح تشبيهاً لِما كان جاء في مقابتله مع التركيب بيانُ ذلك أن الجِلال في قوله " كَطِرْفٍ أشهبٍ مُلْقَى الجِلال ". في مقابلة الليل، وأنت لو قلت كأن الليل جِلال وسَكَتَّ لم يكن شيئاً، وقد يكون الشيء منه إذا فُضَّ تركيبه استوى التشبيه في طَرَفيه، إلا أن الحال تتغير، ومثال ذلك قوله: وكأن أجرامَ النُّجومِ لوامعاً ... دُرَرٌ نُثِرْنَ على بِسَاطٍ أزرقِ فأنت وإن كنت إذا قلت: كأنّ النجوم دُرَرٌ، وكأن السماء بساطٌ أزرق، وجدت التشبيه مقبولاً معتاداً مع التفريق، فإنك تعلم بُعد ما بين الحالتين، ومقدارَ الإحسانَ الذي يذهب من البين، وذلك أن المقصودَ من التشبيه أن يُرِيَك الهيئةَ التي تملأ النواظر عَجباً وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر الله تعالى من طُلوع النجوم مؤتلفةً مُفْتَرِقةً في أديم السماء وهي زرقاءُ زُرْقَتها الصافية التي تخدع العين، والنجوم تتلألأ وتبرُق في أثناء تلك الزرقة، ومَنْ لك بهذه الصورة إذا فرَّقت التشبيه، وأزلت عنه الجمع والتركيب؟ وهذا أظهر من أن يَخْفَى،

стр. 192

وإذْ قد عرفتَ هذه التفاصيل، فاعلم أن ما كان من التركيب في صورة بيت امرئ القيس، فإنما يستحق الفضيلة من حيثُ اختصار اللفظ وحُسن الترتيب فيه، لا لأن للجمع فائدةً في عين التشبيه، ونظيرُه أنَّ للجمع بين عِدّة تشبيهاتٍ في بيتٍ كقوله: بَدَت قمراً ومَاسَت خُوطَ بانٍ ... وفَاحت عنبراً ورَنَتْ غزالاَ مكاناً من الفضيلة مرموقاً، وشأواً ترى فيه سابقاً ومسبوقاً لا أنّ حقائق التشبيهات تتغير بهذا الجمع، أو أن الصُوَر تتداخل وتتركّب وتأتلف ائتلافَ الشكلين يصيران إلى شكل ثالث، فكونُ قدِّها كخُوط البان، لا يزيد ولا ينقص في شبه الغزال حين ترنُو منه العينان، وهكذا الحكم في أنها تفوح فَوْحَ العنبر، ويلوح وَجهها كالقمر، وليس كذلك بيت بشار: كأنّ مثار النقع، لأن التشبيه هناك كما مضى مركَّب وموضوع على أن يُريَك الهيئةَ التي ترى عليها النَّقْع المظلم، والسيوفُ في أثنائه تبرُق وتُومِض وتعلو وتنخفض، وترى لها حَرَكات من جهات مختلفة كما يوجبه الحال حين يحمَى الجِلاد، وترتكض بفرسانها الجياد. كما أن قول رؤبة مثلاً: فيها خطوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ... كأنّها في الجِلْد تَوْلِيعُ البَهقْ

стр. 193

ليس القَصْدُ فيه أن يُرِيَك كل لونٍ على الانفراد، وإنما القصدُ أن يُرَى الشَّبه من اجتماع اللونين، وقول البحتري: تري أحْجَالَهُ يَصْعَدْنَ فِيه ... صُعودَ البَرْق في الغَيْمِ الجَهَامِ لا يريد به تشبيه بياض الحُجول على الانفراد بالبَرْق، بل المقصودُ الهيئةُ الخاصّة الحاصلةُ من مخالطة أحد اللونين الآخر، كذلك المقصود في بيت بشّار بتشبيه النَّقع والسيوف فيه، بالليل المتهاوي كواكبه، لا تشبيهَ الليلِ بالنَّقْع من جانب، والسيوف بالكواكب من جانب، ولذلك وجب الحكم، كما كنت ذكرت في موضع، بأنّ الكلام إلى قوله: وأسيافنا في حكم الصلة للمصدر، وجارٍ مجرى الاسم الواحد، لئلا يقع في التشبيه تفريق ويُتوهَّم أنه كقولنا كأن مثار النقع ليل وكأن السيوف كواكب، ونصبُ الأسياف لا يمنع من تقدير الاتصال، ولا يوجب أن يكون في تقدير الاستئناف، لأن الواو فيها معنى مع، كقوله: " فإنِّي وقَىّاراً بهَا لَغَرِيب " وقوله كُلُّ رجلٍ وَضَيْعَتُهُ، وهي إذا كانت بمعنى مع،

стр. 194

لم يكن في معطوفها الانقطاع، وأن يكون الكلام في حكم جملتين، ألا ترى أن قولهم: لو تُرِكت النَّاقَةُ وفصيلَها لَرَضِعَها، لا يكون بمنزلة أن تقول لو تُركت الناقة ولو تُرك فصيلها، فتجعل الكلام جملتين وكذا لا يمكنك أن تقول كل رجل كذا وضيعَتُهُ كذا، فتفرَّق الخبر عنهما كما يجوز في قولك زيد وعمرو كريمان، أن تقول: زيد كريم وعمرو كريم، وهذا موضع غامض، وللكلام فيه موضع آخر، وإن أردت أن تزداد تبييناً، لأن التشبيه إذا كان معقوداً على الجمع دون التفريق، كان حالُ أحد الشيئين مع الآخر حالَ الشَّيء في صلة الشيء وتابعاً له ومبنيّاً عليه، حتى لا يُتصوَّر إفراده بالذكر، فالذي يُفضي بك إلى معرفة ذلك أنك تجد في هذا الباب ما إذا فُرّق لم يَصْلُح للتشبيه بوجْهٍ، كقوله: كأنَّما المِرِّيخُ والمُشتَرِي ... قُدّامَهُ في شامِخ الرِّفعَهْ مُنصرفٌ بالليل عن دعوةٍ ... قد أُسْرِجَت قُدَّامَهُ شَمْعَه لو قلت كأنّ المريخ منصرفٌ بالليل عن دعوة، وتركت حديث المشتري والشَّمعة، كأن خَلْفاً من القول، وذاك أن التشبيه لم يكن للمِرِّيخ من حيث هو نفسه، ولكن من حيث الحالة الحاصلة له من كون المشترِي أمامه، وأنت وإن كنت تقول: المشترِي شمعة، على التشبيه العامِي الساذج في قولهم

стр. 195

كأنّ النُّجوم مصابيح وشموع، فإنه لم يضع التشبيه على هذا وإنما قصد إلى الهيئة التي يكتسبها المِرِّيخ من كون المُشْتَرِي أمَامه، وهكذا قولُ ابن المعتزّ: كأنَّهُ وكأنَّ الكأسَ في فَمِهِ ... هلالُ أوَّل شهرٍ غابَ في شَفَقِ لم يقصد أن يشبه الكأسَ على الانفراد بالهلال، والشَّفة بالشفق على الاستئناف، بل أراد أن يشبّه مجموع الصُّورتين، ألا ترى أنك لو فرّقت لم تَحْلَ من التشبيه بطائل، إذ لا معنى لأن تقول: كأن الشفة شفق، وتسكت، أترى أن قولَه: بَيَاضٌ في جَوانِبه احمرارٌ ... كَما احْمَرَّتْ من الخجَلِ الخُدودُ استوجبت الفضل والخروج من التشبيه العاميّ، وأن يقال قد زاد زيادةً لم يُسبق إليها، إلا بالتركيب والجمع، وبأن ترك أن يُرَاعَى الحمرة وَحْدَها. وقال القاضي أبو الحسن ﵀: لو اتفق له أنْ يقول احمرار في جوانبه بياض، لكان قد استوفى الحسن وذلك لأن خَدَّ الخَجَلِ هكذا، يُحْدِقُ البياضُ فيه بالحمرة لا الحمرة بالبياض، إلاّ أنه لعله وجد الأمر كذلك في الوَرْدة، فشبّه على طريق العكس فقال هذا البياضُ حوله الحمرة

стр. 196

ها هنا، كالحمرة حولها البياض هناك، فانظر الآن، إنْ فرَّقت، كيف يتفرَّق عنك الحسن والإحسان، ويحضرُ العِيُّ ويذهب البَيان لأن تشبيه البياض على الانفراد لا معنى له، وأما تشبيهُ الحمرة، وإن كانت تصحّ على الطريقة الساذجة أعني تشبيه الورد الأحمر بالخد فإنه يَفْسُد من حيث أن القصد إلى جنس من الورد مخصوصٌ، هو ما فيه بياضٌ تُحدِق به حمرةٌ، فيجب أن يكون وصف المشبَّه به على هذا الشرط أيضاً، وبهذا الاختصاص ولما ذكرت لك، تجد أحد المشبَّهين في الأمر الأْعمّ الأكثر وقد ذُكِر في صلة الآخر، ولم يُعطَف عليه كقوله: " والشَّيْبُ ينهضُ في الشَبابِ " و " بَيَاض فِي جَوانِبه احمرارُ ". وأشباه ذلك، فإن جاءت الواو كانت واو حال كقوله: كأنَّما المِرِّيخُ والمُشْتَرِي ... قُدّامه في شامخ الرفعه وهي إذا كانت حاليّة، فهي كالصفة في كونها تابعة، وبحيث لا ينفرد بالذكر، بل يُذكر في ضمن الأول، وعلى أنه من تَبَعه وحاشيته، وهكذا الحكم في الطرف الآخر، ألا ترى قوله: ليل تهاوَى كواكبه

стр. 197

فَتَهاوى كواكبه، جملة من الصِّفة لليل، وإذا كان كذلك، فالكواكب مذكورة على سبيل التَّبَع لليل، ولو كانت مستبِدّةً بشأنها لقُلتَ: ليل وكواكب، وكذلك قوله: لَيْلٌ يَصِيحُ بِجَانبيه نَهارُ وأشدُّ من ذلك أن يجيء كما في الطَّرف الثاني كقوله: " كما احمرَّت من الخَجَلِ الخُدودُ " وبيتُ امرئ القيس على خلاف هذه الطريقة، لأن أحد الشيئين فيه في الطرفين معطوف على الآخر، أما في طَرف الخبرِ، وهو طرف المشبَّه به، فبيّنٌ وهو قوله: " العُنّاب والحَشَفُ البالِي " وأما في طرف المُخْبَرِ عنه، وهو المشبَّه، فإنك وإن كنت ترى اسماً واحداً، هو القلوب، فإن الجمع الذي تفيده الصيغةُ في المتفق يجري مجرى العطف في المختلف، فاجتماعُ شيئين أو أشياء في لفظ أو جمعٍ، لا يوجب أن أحدهما في حكم التابع للآخر، كما يكون ذلك إذا جرى الثاني في صفة الأول أو حاله أو ما شابه ذلك، هذا وقد صرّح بالعطف في البدل، وهو المقصود فقال: رطباً ويابساً.

стр. 198

واعلم أنه قد يجيء في هذا الباب شيء له حدٌّ آخر، وهو نحو قوله: إني وتزييني بمَدحِيَ معشراً ... كمُعلَّقٍ دُرّاً على خِنْزِيرِ هو على الجملة جمعٌ بين شيئين في عَقْد تشبيه، إلاّ أن التشبيه في الحقيقة لأحدهما، ألا ترى أن المعنى على أنَّ فِعْلَهُ في التزيين بالمدح، كفِعل الآخر في محاولته أن يزّين الخنزير بتعليق الدُرّ عليه؟ ووجه الجمع أنّ كل واحد منهما يضع الزينة حيث لا يظهر لها أثرٌ، لأن الشيء غير قابل للتحسين، ومتى كان المشبَّه به كمعلّق في البيت، فلا شكّ أن التشبيه لا يرجع إلى ذات الشيء، بل المعنى المشتقّ منه الصفة، وإذا رجع إليه مقروناً بصلته على ما مضى في نحو مَا زَالَ يَفْتِل في الذِّروة والغارب، فقد شبّه تزيينَه بالمدح مَن ليس من أهله، بتعليق الدُّر على الخنزير هكذا بجملته، لا بالتعليق غير معدًّى إلى الدُّرّ والخنزير، فالشبهُ مأخوذ من مجموع المَصْدَر وما في صلته، ولا بُدّ للواو في هذا النحو أن تكون بمعنى مع، وأمرها فيه أبين، إذ لا يمكن أن يقال إنّي كذا وإنّ تزييني كذا، لأنه ليس معنا شيئان يكون أحدُهما خبراً عن ضمير المتكلم في إني الذي هو المعطوف عليه، والآخرُ عن تزييني المعطوف، كما يكون نحو بيت بشّارٍ شَيئان يمكن في ظاهر اللفظ أن يُجعل أحدهما خبراً عن النَّقع، والآخر عن الأسياف، إلى أن تجيء إلى فساده من جهة المعنى، فأنت في نحو إني وتزييني مُلْجَأٌ إلى جعل الواو بمعنى مع من كل وجه، حتى

стр. 199

لا تقدر على إخراج الكلام إلى صورةٍ تكون فيها الواو عارية من معنى مع، ويكون تشبيهاً بعد تشبيه. فإن قلتَ إنّ في مُعلِّقٍ معنى الذات والصفةِ معاً، فيمكن أن يكون أراد أن يشبّه نفسه بذات الفاعل وتزيينه بالفعل نفسه، أقول لو أُريد إنّي كمعلّق دُرّاً على خنزير، وإن تزييني بمدحي معشراً كتعليق دُرّ على خنزير، كان قولاً ظاهر السقوط، لما ذكرتُ من أنه لا يُتصوَّر أن يشبّه المتكلم نفسَه، من حيث هو زيدٌ مثلاً، بمعلّق الدُرّ على الخنزير من حيث هو عَمْرٌو، وإنما يشبّه الفعل بالفِعْلِ فاعرفه. فإن قلت فما تقول في قوله: وحتى حسبتُ الليلَ والصبحَ إذ بَدَا ... حِصانَين مُخْتالَين جَوْناً وأشْقَرَا فإن ظاهره أنه من جنس المفرَّق، أقول نعم، إلا أن ثَمَّةَ شيئاً كالجمع، وهو أنّ لاقتران الحصانين الجون والأشقر في الاختيال ضرباً من الخُصوصية في الهيئة، لكنه لا يبلغ مبلغَ ليلٌ تَهاوَى كواكبُه، ولا مبلَغَ قوله: " وَالصُّبْحُ مثل غُرّةٍ في أدْهَمِ ". كما أنّ قولَه:

стр. 200

دُون التَّعانُقِ ناحلَين كَشَكْلَتَي ... نَصْبٍ أَدَقَّهُما وضَمَّ الشاكلُ لا يكون كقوله: إني رَأيتُك في نَومي تُعانِقُني ... كما تُعانِقُ لامُ الكَاتِبِ الألِفَا فإن هذا قد أدَّى إليك شكلاً مخصوصاً لا يُتصوَّر في كل واحد من المذكورين على الانفراد بوجه، وصُورةً لا تكون مع التفريق وأما المتنبي فأراك الشيئين في مكان واحد وشدّد في القُرب بينهما، وذاك أنه لم يعرض لهيئة العِناقِ ومخالفتها صورة الافتراق، وإنما عَمد إلى المبالغة في فرط النُّحول، واقتصر من بيان حال المُعانقة على ذكر الضَّمِّ مطلقاً والأوّل لم يُعْنَ بحديث الدقّة والنحول، وإنما عُني بأمر الهيئة التي تحصل في العناق خاصّةً، من انعطاف أحد الشكلين على صاحبه، والتفاف الحبيب بمُحِبّه، كما قال: لَفَّ الصَّبا بقَضِيبٍ قضِيبَا وأجاد وأصاب الشبه أحسن إصابةٍ، لأن خَطَّى اللام والألف في لا ترى رأسيهما في جهتين، وتراهما قد تماسًّا من الوسط، وهذه هيئة المعتنقين على الأمر بالمعروف، فأما قصد المتنبي فليس بصفة عِناق على الحقيقة، وإنما هو تضامٌّ وتلاصقٌ، وهو بنحو قوله:

стр. 201

ضَمَمْتُهُ ضَمَّةً عدنا بِها جَسَداً ... فَلَوْ رَأَتْنَا عَيُونٌ ما خَشِينَاها أشبهُ، لأن القصد في مثله شدّة الالتصاق، من غير تعريج على هيئة الاعتناق، وذهب القاضي في بيت المتنبي إلى أنه كأنه معنى مُفْرد غير مأخوذ من قوله: كما تُعانِقُ لامُ الكَاتِبِ الألفَا وقال: ولئن كان أخذه، كما يقولون، فليس عليه مَعْتَب، لأنّ التعب في نقله ليس بأقلّ من التعبِ في ابتدائه. وهذا التفضيل والتفصيل من قول القاضي ليس قادحاً في غرضي، لأنّي أردتُ أن أُرِيَك مثالاِ في وضع التشبيه على الجمع والتفريق، وأجعل البيتين مِعياراً فيما أردت، ولئن كان المتنبي قد زاد على الأوّل، فليس تلك الزيادة من حيث وضع الشبه على تركيب شكلين، ولكن من جهة أخرى، وهي الإغراق في الوصف بالنحول وجَمْعِ ذلك للخِلَّين معاً، ثم إصابة مثالٍ له ونظيرٍ من الخطِّ، فاعرف ذلك، ولا تظنّ أن قصدي المفاضلة بين البيتين من حيث القول في السابق والمسبوق، والأخذ والسرقة، فتحسبَ أني خالفت القاضي فيما حكم به.

стр. 202

فصل " هذا فنٌّ غير ما تقدَّم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل ". اعلم أنّي قد عرّفتك أن كل تمثيل تشبيهٌ، وليس كل تشبيه تمثيلاً، وثبَّتُّ وجهَ الفرق بينهما، وهذا أصلٌ إذا اعتبرتَه وعرَضت كلَّ واحدٍ منهما عليه فوجدته يجيء في التشبيه مجيئاً حسناً، وينقاد القياس فيه انقياداً لا تَعسُّف فيه، ثم صادفته لا يطاوعك في التمثيل تلك المطاوعة، ولا يجري في عِنَان مرادك ذلك الجري ظهر لك نوعٌ من الفرق والفصل بينهما غير ما عرفتَ، وانفتح منه بابٌ إلى دقائق وحقائق، وذلك جَعْلُ الفرعِ أصلاً والأصل فرعاً، وهو إذا استقريت التشبيهات الصريحة وجدته يكثُر فيها، وذلك نحوُ أنهم يشبّهون الشيء فيها بالشيء في حال، ثم يعطفون على الثاني فيشبّهونه بالأول، فترى الشيء مُشبَّهَاً مرّةً، ومشبَّهاً به أخرى، فمن أظهر ذلك أنك تقول في النجوم كأنها مصابيح، ثم تقول في حالة الأخرى في المصابيح كأنها نجوم ومثلُه في الظهور والكثرة تشبيهُ الخدّ بالورد، والورد بالخدّ وتشبيه الرَّوض المنوَّر بالوَشْي المُنَمْنَم ونحو ذلك، ثم يُشبَّه النقش والوَشْيُ في الحُلَل بأنوار الرياض وتُشبَّه العيون بالنرجس، ثم يُشبَّه النرجس بالعيون، كقول أبي نواس: لَدَى نَرْجِسٍ عَضِّ القِطَافِ كأنّه ... إذَا مَا مَنَحْنَاهُ العُيونَ عُيونُ

стр. 203

وكذلك تشبيه الثَّغر بالأقاحي، ثم تشبيهُها بالثعر، كقول ابن المعتز: والأُقحوانُ كالثَّنايا الغُرّ ... قد صُقِلتْ أنوارُه بالقَطْرِ وقول التَّنوخي: أقْحوانٌ مُعانقٌ لشقيقٍ ... كثُغُورٍ تَعَضُّ وردَ الخدودِ وبعدهُ، وهو تشبيه النرجس بالعيون: وعُيونٌ من نَرْجِس تَتَراءَى ... كعُيونٍ مَوْصُولةِ التَّسهيدِ وكما يشبّهون السيوف عند الانتضاء بعقائق البُرُوق، كما قال: وسَيْفِي كَالعَقِيقة وهو كِمْعِي ... سِلاَحِي لا أفلَّ ولاَ فُطَارَا ثم يعودون فيشبّهون البَرْق بالسيوف المُنْتضَاة، كما قال ابن المعتزّ يصف سحابة: وساريةٍ لا تَمَلُّ البكا ... جَرَى دَمْعها في خُدُود الثَّرَى سَرَت تقدَحُ الصُّبْحَ في ليلها ... ببرْقٍ كَهِنْدِيةٍ تُنضَى

стр. 204

وكقول الآخر يصف نار السَّذَق: ومازال يعلوعَجاجُ الدُّخان ... إلى أن تَلوَّنَ منه زُحَلْ وكنّا نرى الموجَ من فِضّةٍ ... فذَّهبهُ النُّورُ حتى اشتعلْ شَراراً يُحاكى انقضاضَ النجومِ ... وبَرْقاً كإيماض بِيضِ تُسَلّ ومن لطيفه قول علي بن محمد بن جعفر: دِمَنٌ كأنَّ رِياضَها ... يُكْسَيْنَ أعلاَمَ المَطَارِفْ وكأنَّما غُدْرَانُها ... فيها عُشورٌ من مَصَاحِفْ وكأنّما أنوارُها ... تهتزُّ في نَكْبَاء عاصفْ طُرَرُ الوَصَائف يَلْتَق ... ين بها إلى طُرَر الوَصَائفْ وكأنّ لَمْعَ بُروقِها ... في الجوّ أسيافُ المُثَاقِفْ المقصود البيت الأخير، ولكن البيت إذا قُطع عن القطعة كان كالكعاب تُفرَد عن الأتراب، فيظهر فيها ذُلُّ الاغتراب، والجوهرة الثمينة مع أخواتها في العقد أبهى في العين، وأملأُ بالزين، منها إذا أفردتْ عن النظائر، وبَدَت فَذَّةً للناظر،

стр. 205

يشبّهون الجواشن والدروع بالغدير يضرب الريح متنَه فيتكسَّر، ويقع فيه ذلك الشَنَج المعلوم كقوله: بيضاءَ زَغْفٍ نَثْلةٍ سُلَمِيَّةٍ ... لها رَفْرَفٌ فوق الأَنَامِل من عَلُ أَشْبَرَنيها الهالكيّ كأنها ... غَدِيرٌ جَرَت في متنه الرِّيحُ سَلسَلُ وقال: سابغةً من جياد الدُّروع ... تَسْمَعُ للسيف فيها صَلِيلاَ َمتْنِ الغَدِير زَفَتْهُ الدَّبورُ ... يجرُّ المُدَجَّجُ منها فُضُولاَ وقال البحتري: َمْشُون في زَغْفٍ كأنّ مُتونَها ... في كل مَعْرَكةٍ مُتونُ نِهَاءِ وهو من الشهرة بحيث لا يخفى، ثم إنهم يعكسون هذا التشبيه فيشبّهون الغُدران والبِرَك بالدروع والجواشن، كقول البحتري يصف البِرْكة:

стр. 206

ذا عَلَتْها الصَّبا أبدت لها حُبُكاً ... مِثْل الجَواشِنِ مصقولاً حواشيها ومن فاتن ذلك وفاخره، لاستواء أوّله في الحسن وآخره، قول أبي فراس الحمداني: نظُر إلى زَهْرِ الربيعِ ... والماءِ في بِرَك البديع إذا الرياحُ جرَتْ علي ... هِ في الذَّهابِ وفي الرجوعِ نثَرَتْ على بِيض الصَّفَا ... ئح بيننا حَلَق الدروعِ وتُشبَّه أنوارُ الرياض بالنجوم، كقوله: َكَتِ السماءُ بها رَذَاذَ دُموعِها ... فغَدت تَبسَّمُ عن نجومِ سماءِ ثم تُشبَّه النجوم بالنَّوْر كقوله: قد أقذِفُ العيسَ في ليلٍ كأنّ به ... وَشياً من النَّوْرِ أو رَوْضَاً من العُشُبِ وكقول ابن المعتز: كأنّ الثُّريَّا في أواخرِ ليلها ... تَفَتُّحُ نَوْرٍ أو لجامٌ مُفَضَّضُ وقال:

стр. 207

وتَوقَّد المِرِّيخُ بين نُجومها ... كبَهارَةٍ في رَوْضَةٍ من نرجسِ وكذلك تُشبَّه غُرّة الفرس الأدهم بالنَّجم أو الصبح، ويجعل جسمه كالليل، كما قال ابن المعتزّ: جاء سَليلاً من أبٍ وأمّ ... أدهمَ مصقولَ ظَلامِ الجِسْمِ قد سُمِّرت جَبْهَتُه بنجْمِ وكما قال كاتب المأمون يصف فرساً: قَدْ بَعثْنَا بجَوَادٍ ... مِثْلَه لَيْس يُرامُ فَرسٌ يُزهَى به للحُ ... سْنِ سَرْجٌ ولِجامٌ وَجْهُه صبحٌ ولكن ... سائر الجِسْم ظلامُ وَالذي يصلح للمَوْ ... لَى على العبدِ حَرَامُ وقال ابن نُباتة: وأَدْهَمَ يستمد الليلُ منه ... وتطلُع بين عَيْنَيه الثُّرَيَّا ثم يُعكَس فيشبَّه النجمُ أو الصبح بالغرّة في الفرس، كقول ابن المعتزّ:

стр. 208

والصُّبح في طُرّة ليلٍ مُسْفِرِ ... كأنه غُرّةُ مُهرٍ أشقرِ وتُشبَّهُ الجواري في قدودهن بالسَّرْوِ تشبيهاً عامّيّاً مُبْتذَلاً، ثم إنهم قد جعلوا فيه الفَرْعَ أصلاً، فشبّهوا السَّرْوَ بهنّ، كقوله: حُفَّتْ بسَرْوٍ كالقِيانِ تَلَحفّتْ ... خُضْرَ الحريرِ على قَوَامٍ مُعْتَدِلْ فكأنّها والرِّيحَ حين تُمِيلُها ... تَبْغِي التعانُق ثم يَمْنَعُها الخَجَلْ والمقصود من البيت الأول ظاهرٌ، وفي البيت الثاني تشبيه من جِنس الهيئة المجرَّدة من هيئات الحركة، وفيه تفصيل طريفٌ فاتنٌ، فقد رَاعَى الحركتين حركة التهيُّؤ للدنوّ والعناق، وحركة الرُّجوع إلى أصل الافتراق، وأدَّى ما يكون في الحركة الثانية من سرعةِ زائدةٍ تأديةً تحْسبَ معها السّمعَ بصراً، تبييناً للتشبيه كما هو وتصوُّراً، لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرعُ لا محالة من حركتها في حال خروجها عن مكانها من الاعتدال، وكذلك حركةُ من يُدركه الخجَلُ فيرتدع، أسرعُ أبداً من حركته إذا همَّ بالدنوّ، فإزعاج الخوف والوَجَل أبداً أقوى من إزعاج الرجاء والأمل، فمع الأوّل تمهُّل الاختبار، وسعة الحِوار، ومع الثاني حَفْزُ الاضطرار وسلطان الوُجوب، وأعود إلى الغَرض، ومن تشبيه السَّرو بالنساء قولُ ابن المعتزّ:

стр. 209

ظلِلتُ بمَلْهَى خَيْرِ يومٍ وليلةٍ ... تَدُور علينا الكأسُ في فِتيةٍ زُهْرِ بكَفِّ غزالٍ ذي عِذارٍ وطُرّةٍ ... وصُدْغَين كالقَافَيْن في طَرَفَيْ سَطْرِ لَدَى نرجسٍ غَضٍّ وسَرْوٍ كأنه ... قُدودُ جَوارٍ مِلْنَ في أُزُرٍ خُضْرِ وتُشَبَّهُ ثُدِيُّ الكواعب بالرُمّان كقوله: وَبِمَا تَبِيتُ أَنَاملي ... يَجْنِينَ رُمّانَ النُّحورِ وقولِ المتنبي: وقابَلني رُمَّانتا غُصنِ بانةٍ ... يَمِيل به بدرٌ ويُمسكه حِقْفُ وقوله: يخطّن بِالعيدان في كُلِّ منزلٍ ... وَيَخْبَأْنَ رُمَّان الثُّدِيِّ النواهِد ثم يُقلَب فيُشبَّه الرّمان بالثُدِيّ، كقول: ورُمّانةٍ شَبَّهتُها إذ رأيتُها ... بثَدْيِ كَعابٍ أو بحُقّةِ مَرْمرِ مُنمنَمةٍ صفراءَ نُضِّد حولها يواقيتُ حُمْرٌ في مُلاءٍ مُعصْفَرِ

стр. 210

وتُشبَّه الجداول والأنهار بالسيوف، يراد بياض الماء الصَّافي وبصيصُه، مع شكل الاستطالة الذي هو شكل السيف، كقول ابن المعتز: أعددتُ للجارِ وللعُفاة ... كُومَ الأعالي مُتَسامياتِ رَوازِقاً في المَحْلِ مُطعِمَاتِ يعني نخلاً، ثم قال بعد أبيات: تُسقَى بأنْهارٍ مُفَجَّراتِ ... على حَصَى الكافورِ فَائضاتِ بَرِيئَةِ الصَّفْوِ من القَذَاةِ ... مثلِ السُّيوفِ المتعرِّياتِ ابن بابك: فما سَيلٌ تُخلّصهُ المَحَاني ... كما سُلَّت من الخِلَلِ المناصِلْ أبو فراس: والماءُ يفصِل بين زَهْ ... رِ الرَّوْض في الشَطَّين فَصْلاَ كَبِساطِ وَشْي جَرَّدت ... أيدي القُيُونِ عليه نَصْلاَ كشاجم: وتَرَى الجداوِل كالسُّيو ... فِ لَها سَوَاقٍ كالمباردْ

стр. 211

آخر: وفي الجداول أسيافٌ مُحَادَثَةٌ ... والطير تَسْجع أهْزاجاً وأرمالاَ وقال ذو الرمّة: فما انشقَّ ضَوْءُ الصبح حتى تَبيَّنت ... جَداولُ أمثالُ السُّيُوف القواطِعِ ابن الرومي: عَلى حِفافَيْ جَدْولٍ مَسجورِ ... أبيضَ مثلِ المُهْرَقِ المنشورِ أو مثلِ متن الصارم المشهور ثم يَقْلبونَ أحدَ طرفي التشبيه على الآخر، فيشبّهون السيوفَ بالجداول، كقوله: وتخالُ ما ضربوا بهنّ جداولاً ... وتَخَال ما طَعَنُوا به أَشْطَانَا ابن بابك: وأُهدِي إلى الغارات عَزْماً مشيَّعاً ... وبأساً وباعاً في اللِّقاءِ ومِقْصَلا سَفِيهَ مَقَطِّ الطُرَّتين أَشيمهُ ... فيُوحي إلى الأعضاء أن تَتَزيَّلاَ أغَرَّ كأني حين أَخْضِبُ حَدَّه ... خرقتُ به في مُلْتَقَى الرَّوض جَدْوَل

стр. 212

اَ السرّى: وكم خَرَقَ الحجابَ إلى مَقَامٍ ... تَوارَى الشمسُ فيه بالحجابِ كأنّ سُيوفَه بين العَوالي ... جَداولُ يطَّرِدْنَ خِلالَ غابِ وله أيضاً: كأنّ سيوف الهِندِ بين رِماحه ... جداولُ في غابٍ سَمَا فتأشَّبا وتُشبَّه الأسنّة، كما لا يخفى، بالنجوم، كما قال: وأَسِنَّةً زُرقاً تُخالُ نجومَا وقال البحتري: وتراه في ظُلَم الوَغَى فتخالُه ... قَمراً يكُرُّ على الرِّجال بكَوْكَبِ يعني السنان، وقال ابن المُعتزّ: وَتَراه يُصغِي في القناة بكَفِّه ... نَجْماً ونجماً في القناة يَجُرُّه ومثله سواءً قوله: كأنما الحرْبةُ في كفِّه ... نجمُ دُجَى شيَّعه البَدْرُ

стр. 213

ثم قد شبّهوا الكواكب بالسِّنان، كقول الصنوبري: بشَّر بالصُّبح كوكبُ الصُّبحِ ... فاضَ وجِنْحُ الدُّجَى كَلا جِنْحِ فَهْوَ على الفَجْرِ كالسِّنان هَوَى ... للعين لمَّا هَوَى على رُمْحِ ابن المعتزّ: شرِبتُها والديكُ لم يَنْتَبِهْ ... سَكْرَانُ مِن نَوْمَتِهِ طافحُ ولاَحت الشِّعرى وجَوْزَاؤها ... كمثل زُجٍّ جَرَّهُ رامحُ وهذه إن أردت الحقَّ، قضيّةٌ قد سبقت وقَدُمت، فقد قالوا: المسك الرامح، على معنى أن كوكباً يتقدّمه وهو رمحه، ولا شكّْ أن جُلّ الغرض في جعل ذلك الكوكب رمحاً أن يقدّروه سناناً، فالرمح رُمْحٌ بالسنان، وإذا لم يكن السنان فهو قناة، ولذلك قال: ورمحاً طويلَ القَناةِ عَسُولاً ومن ذلك أن الدموع تُشبَّه إذا قَطَرت على خدود النساء

стр. 214

بالطَّلّ والقَطْر على ما يُشْبِهُ الخدودَ من الرياحين، كقول الناشئ: بَكَتْ للفراق وقَد رَاعَها ... بُكَاءُ الحبيب لبُعْدِ الدِّيارِ كأنَّ الدُّموعَ على خدّها ... بقيّةُ طَلٍّ على جُلّنارِ وشبيه به قول ابن الرومي: لو كنتَ يوم الوَداع حاضرَنا ... وهُنَّ يُطِفئْن غُلّةَ الوجدِ لم ترَ إلا الدموعَ ساكبةً ... تَقْطُر من مُقْلةٍ على خدِّ كأنَّ تلك الدموعَ قَطْرُ نَدًى ... يقطُر من نَرْجِس على وَرْدِ ثم يُعكَس، كقول البحتري: شقائقُ يَحْمِلن النَدَى فكأنَّه ... دُمُوع التصابي في خُدود الخَرائِد وشبيهٌ به قولُ ابن المعتزّ، وبعد قوله في النرجس: كأن عيون النرجس الغضِّ حولها ... مداهنُ دُرٍّ حشْوُهنّ عقيقُ إذا بلَّهُنّ القَطْرُ خِلْتُ دُمُوعَها ... بُكاءَ عُيونٍ كُحْلُهنَّ خَلُوقُ وفي فنّ آخر منه خارجٍ عن جنس ما مضى، يُشِّبه الشيخ إذا أفناه الهَرَم، وحناه القِدَم، حتى يدخل رأسه في منكبيه بالفرخ كما قال:

стр. 215

ثلاثُ مِئِينَ قَدْ مَضَيْنَ كواملاً ... وَهَا أنَا هذا أَرتجي مرَّ أربعِ فأصبحتُ مِثْلَ الفَرْخِ في العُشِّ ثاوياً ... إذا رَام تَطْيَاراً يقالُ له قَعِ وهو كثير، ثم يُعكس فيُشبَّه بالشيخ، كما قال أبو نواس يرثى خَلَفاً الأحمر: لو كان حَيٌّ وَائلاً من التَّلَفْ ... لَوألَتْ شَغْوَاءُ في أَعلَى شَعَفْ أمُّ فُرَيخٍ أَحرزَتْه في لَجَفْ ... مُزَغَّبِ الأَلغادِ لم يأكُل بكَفّ كأنه مُسْتَقْعَدٌ من الخَرَفْ وأعاده في قصيدة أخرى في مرثيته أيضاً: لاَ تَئِلُ العُصْمُ في الهِضابِ ولا ... شَغْواءُ تَغْذُو فَرْخَينِ في لَجَفِ تَحْنُو بجُؤْشُوشها على ضَرِمٍ ... كقِعدة المُنْحَنى من الخَرفِ
следующие страницы →