← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8194

التمهيد في علم التجويد

ابن الجزري

Полный текст (174 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من الأول، والأول أصل له، ولا يجوز أخذ الأول من الثاني، لأنه يصير مأخوذاً من المعدوم. واستدلوا أيضاً أن العرب لما لم تعرب أشياء من الكلام بالحركات، التي هي أصل الإعراب، أعربته بالحروف التي أخذت الحركات منها، وذلك نحو التثنية والجمع السالم، ونحو الأسماء الستة، قالوا ألا ترى أنهم لما لم يعربوا هذا بالحركات أعربوه بالحروف التي أخذت الحركات منها. وقال آخرون: حروف الممد واللين مأخوذة من الحركات، واستدلوا على ذلك بأن الحركات إذا أشبعت حدثت منها هذه الحروف الثلاثة. واستدلوا أيضاً أن العرب قد استغنت في بعض كلامها عن الواو بالضمة، وعن الياء بالكسرة، وعن الألف بالفتحة، فيكتفون بالأصل عن الفرع، لدلالة الأصل على فرعه، كقول الشاعر: فلولا أن الأطبا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأساة فحذفت الواو من (كانوا) وأبقيت الضمة تدل عليها، وقال الآخر: دار لسلمى إذه من هواكا فحذفت الياء من (هي) بعد أن سكنت، لدلالة الكسرة عليها، وقال الآخر: فبيناه يشري رحله قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب

стр. 37

يريد فبينما هو، فأسكن الواو ثم حذفها، لدلالة الضمة عليها، ويقولون: أن في الدار، فيحذفون الألف من (أنا) لدلالة الفتحة عليها، وقرأ هشام بن عروة ﴿ونادى نوح ابنه وكان﴾ بفتح الهاء، يريد

стр. 38

ابنها، فحذفت الألف لدلالة الفتحة عليها، ووجه هذه القراءة أنه كان ابن زوجته ربيبه، ولم يكن ابنه لصلبه. وقال بعض أهل النظر: ليست الحروف مأخوذة من الحركات ولا الحركات مأخوذة من الحروف، إذ لم يسبق أحد الصنفين الآخر، على ما قدمناه من قول من قال الحروف والحركات لم يسبق أحدهما الآخر، وحجته، وهو قول ظاهر.

стр. 39

الباب السابع في ذكر ألقاب الحروف وعللها فصل نذكر فيه ألقاب الحروف وأنسابها اعلم أن ألقاب الحروف عشرة، لقبها بها الخليل بن أحمد في أول كتاب العين. الأول منها الحروف الحلقية، وهي ستة: الهمزة والهاء والحاء والعين والخاء والغين، هذه الحروف تخرج من الحلق، فنسبهن إلى الموضع الذي يخرجن منه، ولم يذكر الخليل معهن الألف، لأنها تخرج من هواء الفم، وتتصل إلى آخر الحلق.

стр. 40

الثني اللهوية، وهما حرفان: القاف والكاف، سميا بذلك لأنهما منسوبان إلى اللهاة، واللهاة بين الفم والحلق. الثالث الشجرية، وهي ثلاثة أحرف: الجيم والشين والضاد، سمين بذلك لأنهن نسبن إلى الموضع الذي يخرجن منه، وهو مفرج الفم، قال الخليل: الشجر مفرج الفم، أي مفتحه، وقال غيره الشجر مجمع اللحيين عند العنفقة. الرابع الأسلية، وهي ثلاثة أحرف: الصاد والسين والزاي، سموا بذلك لأنهن نسبن إلى الموضع الذي يخرجن منه، وهو أسلة اللسان، أي مستدقه.

стр. 41

الخامس النطعية، وهي ثلاثة: الطاء والدال والتاء، سموا بذلك لأنهن يخرجن من نطع الغار الأغلى، وهو سفقه، فنسبن إليه. السادس اللثوية، وهي ثلاثة: الظاء والذال والثاء، سماهن بذلك الخليل، نسبهن إلى اللثة، لأنهن يخرجن منها، واللثة اللحم المركب فية الأسنان. السابع الذلقية، ويقال لها الذلقية، باسكان اللام وفتحها، والذولقية، وهي ثلاثة: الراء واللام والنون، سماهن الخليل بذلك لأنهن ينسبن إلى الموضع الذي منه مخرجهن، وهو طرف اللسان، وطرف كل شيء ذلقه. الثامن الشفهية، ويقال، وهي ثلاثة: الفاء والباء والميم، سموا بذلك لأنهن ينسبن إلى الموضع الذي منه مخرجهن، وهو بين الشفتين. التاسع الجوفية، وهي ثلاثة: الواو والألف والياء، سموا بذلك لأنهن ينسبن إلى آخر انقطاع مخرجهن وهو الجوف، وزاد غير الخليل معهن الهمزة، لأن مخرجها من الصدر، وهو يتصل بالجوف.

стр. 42

العاشر الهوائية، وهي الجوفية، وتقدم شرحها. فصل نذكر فيه صفات الحروف وعللها الأول المهموسة، وهي عشرة، يجمعها قولك (سكت فحثه شخص) ومعنى الحرف المهموس أنه حرف جرى معه النفس عند النطق به، لضعفه وضعف الاعتماد عليه عند خروجه، فهو أضعف من المجهور، وبعض الحروف المهموسة أضعف من بعض، فالصاد [والخاء أقوى من غيرهما، لأن في] الصاد إطباقاً وصفيراً واستعلاء، وهن من صفات بالقوة، والخاء فيه استعلاء، وإنما لقبت هذه الحروف بالمهموسة لأن الهمس الحس الخفي الضعيف، فلما كانت ضعيفة لقبت بذلك، قال الله تعالى: ﴿فلا تسمع إلا همساً﴾ قيل هو حس الإقدام. ومنه قول أبي زبيد في صفة الأسد: فباتوا يدلجون وبات يسري ... بصير بالدجى هاد هموس الثاني المجهورة، وهي أقوى من المهموسة، وبعضها أقوى من بعض، على

стр. 43

قدر ما فيها من الصفات القوية، وهي ما عدا المهموسة. ومعنى الحرف المجهور أنه حرف قوي، منع النفس أن يجري معه عند النطق به لقوته وقوة الاعتماد عليه في موضع خروجه، وإنما لقبت بالجهر لأن الجهر الصوت الشديد القوي، فلما كانت في خروجها كذلك لقبت به، لأن الصوت يجهر بها. الثالث الحروف الشديدة، وهي ثمانية أحرف يجمعها قولك (أجدت كقطب) ، ومعنى الحرف الشديد أنه حرف اشتد لزومه لموضعه، وقوي فيه حتى منع الصوت أن يجري معه عند اللفظ به. والشدة من علامات قوة الحرف، فإن كان مع الشدة جهر وإطباق واستعلاء فذلك غاية القوة، فإذا اجتمع اثنان من هذه الصفات أو أكثر فهي غاية القوة، كالطاء الذي اجتمع

стр. 44

فيه الجهر والشدة والإطباق والاستعلاء. فالجهر والشدة والإطباق والصفير والاستعلاء من علامات القوة، والهمس والرخاوة والخفاء من علامات الضعف. وإنما لقبت بالشدة لاشتداد الحرف في مخرجه حتى لا يخرج معه صوت ألا ترى أنك تقول في الحرف الشديد: أج أت، فلا يجري النفس مع الجيم والتاء، وكذا أخواتها. الرابع الحروف الرخوة، وهي ما عدا الشديدة، وما عدا قولك: (لم يروعنا) ، وهي ثلاثة عشر حرفاً، ومعنى الرخو أنه حرف ضعف الاعتماد عليه عند النطق به فجرى معه الصوت، فهو أضعف من الشديد، ألا ترى أنك تقول: أس أش فجرى النفس والصوت معهما، وكذلك أخواتها. وإنما لقبت بالرخوة لأن الرخاوة اللين، واللين ضد الشدة. فإذا كان أحد الصفات الضعيفة في حرف كان فيه ضعف، وإذا اجتمعت فيه كان ذلك أضعف له، نحو الهاء التي هي مهموسة رخوة خفية، وكل واحد من هذه الصفات من صفات الضعف.

стр. 45

الخامس الحروف الزائدة، وهي عشرة أحرف يجمعها قولك (اليوم تنساه) ومعنى تسميتها بذلك لأنه لا يقع في كلام العرب حرف زائد في اسم ولا فعل إلا أحد هذه العشرة يأتي زائدا على وزن الفعل، [ليس بفاء ولا عين ولا لام، وقد يجتمع في الفعل] زائدتان منها وثلاث زوائد، نحو انكسر واستبشر، الهمزة والنون، والهمزة والسين والتاء زوائد، وقد يجتمع منها أربعة في المصادر، نحو استبشار، الهمزة والسين والتاء والألف زوائد. وقد تقع هذه الحروف أصولا غير زوائد ألا الألف، فإنها لا تكون أصلا إلا منقلبة عن حرف آخر. السادس الحروف المذبذبة، وهي الزوائد المذكورة إلا الألف، سميت أيضا بذلك لأنها لا تستقر أبداً على حال، تقع مرة زوائد ومرة أصولا. السابع: الحروف الأصلية، وهي ما عدا الزوائد المذكورة، سميت بذلك لأنها لا تقع أبداً في الكلام إلا أصولاً، إما فاء الفعل أو عينه أو لامه.

стр. 46

الثامن: حروف الإطباق، وهي أربعة أحرف، الطاء والظاء والصاد والضاد، سميت بذلك لأن طائفة من اللسان تنطبق مع الريح إلى الحنك عند النطق بها، مع استعلائها في الفم، وبعضها أقوى من بعض، فالطاء أقواها في الإطباق وأمكنها، لجهرها وشدتها. والظاء أضعفها في الإطباق، لرخاوتها وانحرافها إلى طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا. والصاد والضاد متوسطتان في الإطباق. التاسع: الحروف المنفتحة، وهي ما عدا حروف الإطباق، وسميت بالمنفتحة لأن اللسان لا ينطبق مع الريح إلى الحنك عند النطق بها، ولا ينحصر الريح بين اللسان والحنك، بل ينفتح ما بينهما ويخرج الريح عند النطق بها. العاشر: حروف الاستعلاء، وهي سبعة، منها حروف الإطباق، والغين والخاء والقاف، وسميت بذلك لأن الصوت يعلو عند النطق بها إلى الحنك، فينطبق الصوت مستعلياً بالريح مع طائفة من اللسان مع الحنك، هذا مع حروف الإطباق، ولا ينطبق الصوت مع الغين والخاء والقاف، وإنما يستعلي الصوت غير منطبق.

стр. 47

الحادي عشر: الحروف المستفلة، وهي ما عدا المستعلية، سميت مستفلة لأن اللسان يستفل بها إلى قاع الفم عند النطق بها على هيئة مخارجها. الثاني عشر: حروف الصفير، وهي ثلاثة: الزاي والسين والصاد سميت بذلك لأن الصوت يخرج معها عند النطق بها يشبه الصفير، فالصفير نم علامات القوة، والصاد أقواها للإطباق والاستعلاء اللذين فيها، والزاي تليها لجهر فيها، والسين أضعفها لهمس فيها. الثالث عشر: حروف القلقة، ويقال اللقلقة، وهي خمسة أحرف، يجمعها قولك (قطب جد) . سميت بذلك لظهور صوت يشبه النبرة عند الوقوف عليهن، وزيادة إتمام النطق بهن، فذلك الصوت في الوقف عليهن أبين منه في الوصل بهن. وقيل أصل هذه الصفة القاف، لأنه حرف لا يقدر أن يؤتى به ساكناً لشدة استعلائه. وأشبهه في ذلك أخواته. قال الخليل: القلقلة شدة الصياح، وقال اللقلقة شدة الصوت.

стр. 48

الرابع عشر: حروف الإبدال، وهي اثنا عشر حرفاً، يجمعها قولك (طال يوم أنجدته) . سميت بذلك لأنها تبدل من غيرها، تقول هذا أمر لازب ولازم، فتبدل أحدهما من الآخر، فالميم بدل من الباء، ولا تقول الباء بدل من الميم، لأن الباء ليست من حروف الإبدال، إنما يبدل غيرها منها، ولا تبدل من غيرها. وليس البدل في هذا جارياً في كل شيء، إنما هو موقوف على السماع من العرب بنقل، ولا يقاس عليه، فلم يأت في السماع من العرب حرف يكون بدلاً من غيره إلا من أحد هذه الاثني عشر حرفا، فاعلم. الخامس عشر: حروف المد واللين، وهي ثلاثة أحرف: الألف، والواو الساكنة التي قبلها ضمة، والياء الساكنة التي قبلها كسرة. سميت بذلك لأن الصوت يمتد بها ويلين، وذلك في مخرجها حين يسمع السامع مدها. والألف هي الأصل في ذلك، والواو والياء مشبهتان الألف، لأنهما ساكنتان كالألف، ولأن حركة ما قبلهما منهما كالألف، يتولدان من إشباع الحركة قبلهما كالألف، فاعلم. السادس عشر: حرفا اللين، وهما الياء الساكنة التي قبلها فتحة، والواو الساكنة التي قبلها فتحة، سميتا بذلك لأنهما تخرجان في لين وقلة كلفة على اللسان، لكنهما نقصتا عن متشابهة الألف، لتغير حركة ما قبلهما عن جنسيهما، فنقصتا المد الذي في الألف، وبقي اللين فيهما لسكونهما، فشبهتا بذلك. السابع عشر: الحروف الهوائية، وهي حروف المد واللين. وإنما سميت بالهوائية لأن كل واحد منهن يهوى عند اللفظ به في الفم، فعمدة خروجها من هواء الفم. وأصل ذلك الألف، والواو والياء ضارعتا الألف في ذلك، والألف أمكن في هواء الفم من الواو والياء، ولا يعتمد اللسان عند النطق بها إلى موضع من الفم.

стр. 49

الثامن عشر: الحروف الخفية، وهي أربعة: الهاء، وحروف المد واللين. سميت بالخفية، لأنها تخفى في اللفظ إذا اندرجت بعد حرف قبلها، والخفاء الهاء قووها بالصلة والزوائد. والألف أخفى في هذه الحروف، لأنها لا علاج لها على اللسان عند النطق بها، ولا لها مخرج تنسب إليه على الحقيقة، ولا يتحرك أبداً، ولا تتغير حركة ما قبلها، ولا يعتمد اللسان عند النطق بها على عضو من أعضاء الفم، إنما يخرج من هواء الفم حتى ينقطع النفس والصوت في آخر الحلق، وقال بعض العلماء في الهمزة خفاء يسير، وكذلك النون الساكنة فيها خفاء. التاسع عشر: حروف العلة، وهي ثلاثة: حروف المد واللين، وزاد الهمزة جماعة. وإنما سميت بذلك لأن التغيير والعلة والانقلاب لا يكون في جميع كلام العرب إلا في أحدها، تعتل الياء والواو فتنقلبان ألفاً مرة وهمزة مرة، نحو (قال وسقى) . وتنقلب الهمزة ياء مرة وواواً مرة وألفاً مرة، نحو (راس ويومن وبير) . وأدخل قوم الهاء في هذه الحروف لأنها تقلب همزة في نحو ماء وأيهات، فاعلم. العشرون: حروف التفخيم: وهي حروف الإطباق، وقد يفخم مثلها لبعض الحروف في كثير من الكلام اللام والراء، نحو ٠الطلاق) و (الصلاة) في قراءة ورش، و (ربكم) و (رحيم) . وتفخيم اسم الله تعالى لازم إذا كان ما قبله فتحة أو ضمة، نحو (وكان الله) و (يعلم الله) .

стр. 50

والطاء أمكن في التفخيم من أخواتها. وزاد مكي الألف، وهو وهم. الحادي والعشرون: حروف الإمالة، وهي ثلاثة: الألف والراء وهاء التأنيث. سميت بذلك، لأن الإمالة في كلام العرب لا تكون إلا فيها، لكن الألف وهاء التأنيث لا يتمكن من إمالتهما إلا بإمالة الحرف الذي قبلهما. والهاء لا تمال إلا في الوقف، والراء والألف في الوقف والوصل، وتقدم معنى الإمالة. فالألف وهاء التأنيث يمالان ويمال ما قبلهما من أجلهما، والراء يمال ما قبلها من أجلها وتمال من أجل غيرها. الثاني والعشرون: الحروف المشربة، ويقال المخالطة، بكسر اللام وفتحها وهي الحروف التي اتسعت فيها العرب فزادتها على التسعة والعشرين المستعملة، وهي ستة أحرف: النون المخفاة، والألف الممالة، والألف المفخمة، وهي التي يخالط لفظها تفخيم يقربها من لفظ الواو، [نحو (الصلاة) في قراءة ورش] ، وصاد بين بين، وهمزة بين بين. هذه الخمسة مستعملة في القرآن. والسادس حرف لم يستعمل في القراءة، وهو بين الجيم والشين، لغة لبعض العرب، قال

стр. 51

ابن دريد: يقولون في غلامك: غلامش. فهي مشربة بغيرها، وهي مخالطة في اللفظ لغيرها. الثالث والعشرون: الحرف المكرر، وهو الراء، سمي بذلك لأنه يتكرر على اللسان عند النطق به، كأن طرف اللسان يرتعد به، وأظهر ما يكون إذا اشتدت، ولا بد في القراءة من إخفاء تكريرها، وقد جرى فيه [الصوت] لتكرره وانحرافه إلى اللام، فصار كالرخوة. الرابع العشرون: حرفا الغنة، وهما النون والميم الساكنان، سميتا بذلك لأن فيهما غنة تخرج من الخياشيم عند النطق بهما، فهي زيادة فيهما، ومثلهما التنوين. الخامس والعشرون: حرفا الانحراف، وهما الراء واللام، سميتا بذلك لأنهما انحرفا عن مخرجهما حتى اتصلا بمخرج غيرهما، وعن صفتهما إلى صفة غيرهما. أما اللام فهو حرف من الحروف الرخوة، لكنه انحرف به اللسان مع الصوت إلى الشدة، ولم يعترض في منع خروج الصوت اعتراض الشديد، ولا خرج معه الصوت كله كخروجه مع الرخو، فهو بين صفتين. وأما الراء فهو حرف

стр. 52

انحرف عن مخرج النون، الذي هو أقرب المخارج إليه، إلى مخرج اللام، وهو أبعد من مخرج النون من مخرجه، فسمي منحرفاً لذلك. السادس والعشرون: الحرف الجرسي، وهو الهمزة، سميت بذلك لاستثقالهما في الكلام ولذلك جاز فيها التحقيق والتخفيف والبدل والحذف وبين بين وإلقاء الحركة. والجرس في اللغة الصوت، قال الخليل: الجرس الصوت، ويقال: جرست الكلام تكلمت به. أي [صوت، فكأنه الحرف الصوتي، أي المصوت به عند النطق به، وكل الحروف] يصوت بها لكن الهمزة لها مزية زائدة في ذلك، فلذلك استثقل الجمع بين همزتين في كلمة وكلمتين. السابع والعشرون: الحرف المستطيل، وهو الضاد المعجمة، سميت بذلك لأنها استطالت عن الفم عند النطق بها حتى اتصلت [بمخرج اللام، وذلك لما فيها من القوة بالجهر والإطباق والاستعلاء، قويت واستطاعت في الخروج من مخرجها. الثامن والعشرون: الحرف المتفشي، وهو الشين. سميت بذلك لأنها تفشت

стр. 53

في مخرجها عند النطق بها حتى اتصلت] بمخرج الظاء وقيل إن في الياء تفشياً. فقلت: الواو كذلك. وقال قوم حروف التفشي ثمانية: الميم والشين والفاء والراء والثاء والصاد والسين والضاد، تفشي الميم بالغنة، والشين والثاء بالانتشار، والفاء بالتأفف، والراء بالتكرير، والصاد والسين بالصفير، والضاد بالاستطالة. قلت: ومن جعل الميم حرف تفش بالغنة يلزمه النون، لأنه حرف أغن. ومن لقب الصاد والسين بالتفشي لصفيرهما يلزمه الزاي لأن فيه ما فيها من الصفير. ومعنى التفشي هو كثرة خروج بين اللسان والحنك وانبساطه في الخروج عند النطق بها حتى يتصل الحرف بمخرج غيره. التاسع والعشرون، والثلاثون: الحروف المصمتة والحروف المذلقة، بهاذين اللقبين لقب ابن دريد الحروف كلها، قال: ومعنى المصمتة، على ما فسره الأخفش، أنها حروف أصمتت أي منعت أن تختص ببناء كلمة في لغة العرب إذا كثرت حروفها، لاعتياصها على اللسان، فهي حروف لا تنفرد بنفسها في كلمة أكثر من ثلاثة أحرف حتى يكون معها غيرها من الحروف المذلقة، فمعنى المصمتة الممنوعة من أن تكون منفردة في كلمة طويلة، من قولهم: صمت إذا منع نفسه الكلام.

стр. 54

ومعنى الحروف المذلقة، على ما فسره الأخفش، أنها حروف عملها وخروجها من طرف اللسان وما يليه من الشفتين، وطرف كل شيء ذلقه، فسميت بذلك إذ هي من طرف اللسان، وهو ذلقه، وهي أخف الحروف على اللسان وأكثر امتزاجاً بغيرها، وهي ستة أحرف: ثلاثة تخرج من الشفتين، ولا عمل لها في اللسان، وهي الفاء والباء والميم. وثلاثة تخرج من أسلة اللسان إلى مقدم الغار الأعلى، وهن الراء والنون واللام، يجمع الستة هجاء قولك (فر من لب) . فهذه الستة هي المذلقة، والمصمتة ما عداها من الحروف، وهن إثنان وعشرون حرفاً. واللف خارجة عن المصمتة والمذلقة، لأنها هواء لا مستقر لها في المخرج. الحادي والثلاثون: الحروف الصتم: وهي الحروف التي ليست من الحلق، وما عدا حروف الحلق. سميت صمتا لتمكنها في خروجها من الفم واستحكامها فيه، يقال للمحكم المصتم، حكاه الخليل وغيره. وقال الخليل في كتاب العين: الحروف الصتم التي ليست من الحلق. الثاني والثلاثون: الحرف المهتوف، وهو الهمزة. سميت بذلك لخرزجها من الصدر كالتهوع، فتحتاج إلى ظهور قوي شديد، والهتف الصوت، يقال هتف به إذا صوت، وهو في المعنى بمنزلة تسميتهم للهمزة بالجرسي لأن الجرس الصوت الشديد، والهتف الصوت الشديد. الثالث والثلاثون: الحرف الراجع، وهو الميم الساكنة. سميت بذلك لأنها ترجع في

стр. 55

مخرجها إلى الخياشيم لما فيها من الغنة. وينبغي أن يشاركها في هذا اللقب النون الساكنة، لأنها ترجع أيضاً إلى الخياشيم للغنة التي فيها. الرابع والثلاثون: الحرف المتصل، وهو الواو. وذلك لأنها تهوي في مخرجها في الفم لما فيها من اللين حتى بمخرج الألف. قلت: والياء كذلك، فينبغي أن تلقب كالواو.

стр. 56

مقدمة نذكر فيها تأليف الكلام [إن قلت: كيف يتألف الكلام] من هذه الحروف؟ قلت: ائتلافه من أربعة أشياء: من حرف متحرك، وحرف ساكن، ومن حركة، ومن سكون. وذلك يرجع إلى شيئين: حرف ساكن وحرف متحرك، فالحرف المتحرك أكثر في كلام العرب من الساكن [كما أن الحركة أكثر من السكون، وإنما كان المتحرك أكثر من الساكن] لأنك لا تبتدئ إلا بمتحرك، وقد يتصل به حرف آخر متحرك، [وآخر متحرك] ، وآخر بعد ذلك متحرك، ولا يجوز أن تبتدئ بساكن، ولا أن تصل ساكناً بساكن، إلا أن يكون الأول حرف مد ولين أو الثاني سكن للوقف، فلذلك كانت الحركة أكثر من السكون.

стр. 57

والحروف هي مقاطع تعرض للصوت الخارج مع النفس مبتدأ مستطيلا فتمنعه عن اتصاله بغايته، فحيث ما عرض ذلك المقطع سمي حرفا، وسمي ما يسامته ويحاذيه من الحلق والفم واللسان والشفتين مخرجاً، ولذلك اختلف الصوت باختلاف المخارج واختلاف صفاتها. والاختلاف هو خاصية حكمة الله تعالى المودعة فينا إذ بها يحصل التفاهم، ولولا ذلك لكان الصوت واحداً بمنزلة أصوات البهائم التي هي من مخرج واحد على صفة واحدة، فلم يتميز الكلام ولا يعلم المراد، فبالاختلاف يعلم وبالاتفاق يعدم. الفصل نذكر فيه اشتراك اللغات في الحروف وانفراد بعضها ببعض فنقول: الحروف التسعة والعشرون المشهورة اشترك لغات العرب ولغات العجم في استعمالها، إلا الظاء المعجمة، فانها للعرب خاصة، انفرد العرب بها دون العجم. وقيل إن الحاء أيضاً انفردت بها العرب. قال الأصمعي: ليس في الرومية ولا في الفارسية ثاء، ولا في السريانية ذال. وكذا ستة أحرف انفردت بكثرة استعمالها العرب، وهي قليلة في لغات العجم، ولا توجد في لغات كثير منهم، وهي العين والصاد والضاد والقاف والظاء والثاء. وانفردت أيضاً باستعمال الهمزة متوسطة ومتطرفة، ولم تستعمل ذلك العجم إلا في أول الكلام، وليس في لسان اختلاف في لفظ التنوين.

стр. 58

وقد ذكرنا ألقاب الحروف وصفاتها وتعليل ذلك. ولنتكلم الآن على مخارج الحروف مجملة، وعلى الحروف مفردة.

стр. 59

الباب الثامن في مخارج الحروف والكلام على كل حرف بانفرادفصل مخارج الحروف عند الخليل سبعة عشر مخرجاً. وعند سيبويه وأصحابه ستة عشر، لإسقاطهم الجوفية. وعند الفراء وتابعيه أربعة عشر، لجعلهم مخرج الذلقية واحداً. ويحصر المخارج الحلق واللسان والشفتان، ويعمها الفم. فللحلق ثلاثة مخارج، لسبعة أحرف:

стр. 60

فمن أقصاه الهمزة، والألف، لأن مبدأه من الحلق، ولم يذكر الخليل هذا الحرف هنا، والهاء. ومن وسطه العين والحاء المهملتان. ومن أدناه الغين والخاء. وللسان عشرة مخارج لثمانية عشر حرفاً: فمن أقصاه مما يلي الحلق وما يحاذيه من الحنك الأعلى القاف. دونه قليلاً مثله الكاف. ومن وسطه الحنك الأعلى الجيم والشين والياء. ومن وسطه ووسط الحنك الأعلى الجيم والشين والياء. ومن إحدى حافتيه وما يحاذيها من الاضراس، من اليسرى. صعب ومن اليمنى أصعب، الضاد. ومن رأس حافته وطرفه ومحاذيها من الحنك الأعلى من اللثة اللام. ومن رأسه أيضاً ومحاذيه من اللثة النون. ومن ظهره ومحاذيه من اللثة الراء. هذا على مذهب سيبويه، وعند الفراء وتابعيه مخرج اللثة واحد. ومن رأسه أيضاً وأصول الثنيتين العليين الطاء والتاء والدال. ومن رأسه أيضاً وبين أصول الثنيتين الظاء والذال والثاء. ومن طرفي الثنيتين وباطن الشفة السفلى الفاء. وللشفتين الباء والميم والواو. والغنة من الخيشوم من داخل الأنف، هذا السادس عشر. وأحرف المد من جو الفم وهو السابع عشر.

стр. 61

فصل نذكر فيه ما يتعلق بكل حرف من التجويد أما الهمزة: فتقدم الكلام على مخرجها ونسبتها وصفتها، وهي حرف مجهور، شديد، منفتح، مستفل، لا يخالطها نفس. وهي من حروف الإبدال وحروف الزوائد. وهي لا صورة لها في الحظ، وإنما تعلم بالشكل والمشافهة. والناس يتفاضلون في النطق بها على مقدار غلظ طباعهم ورقتها، فمنهم من يلفظ بها لفظاً تستبشعه الأسماع، وتنبو عنه القلوب، ويثقل على العلماء بالقراءة، وذلك مكروه، معيب من اخذ به. وروي عن الأعمش أنه كان

стр. 62

يكره شدة النبرة، يعني الهمز في القراءة. وقال أبو بكر بن عياش: إمامنا يهمز (مؤصدة) فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته يهمزها. ومنهم من يغلظ اللفظ بها، وهو خطأ. ومنهم من يشددها في تلاوته، يقصد بذلك تحقيقها، وأكثر ما يستعملون ذلك بعد المد، فيقول: (يا أيها) . ومنهم من يأتي بها في لفظه مسهلة، وذلك لا يجوز إلا فيما أحكمت الرواية تسهيله. والذي ينبغي أن القارئ، إذا همز أن يأتي بالهمزة سلسلة في النطق، سهلة في الذوق، من غير لكز ولا ابتهار لها ولا خروج بها عن حدها، ساكنة كانت أو متحركة، يألف ذلك طبع كل أحد، ويستحسنه أهل العلم بالقراءة، وذلك المختار. وقليل من يأتي بها كذلك في زماننا هذا، ولا يقدر القارئ عليه إلا برياضة شديدة، كما كان حمزة يقول: إنما الهمز رياضة. وقال أبان بن تغلب: فاذا أحسن الرجل سلها أي تركها.

стр. 63

وينبغي للقارئ إذا سهل الهمزة أن يجعلها بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها، وذلك مذكور في كتب القراءات، فلذلك أضربنا عن ذكره هنا. وينبغي أيضاً للقارئ أن يتحفظ من إخفاء الهمزة إذا انضمت أو انكسرت، وكان بعد كل منهما أو قبله ضمة أو كسرة، نحو قوله: ﴿إلى بارئكم﴾ ﴿سئل﴾ ﴿متكئون﴾ ﴿أعدت﴾ . وينبغي للقارئ إذا وقف على الهمزة المتطرفة بالسكون [أن يظهرها في وقفه، لبعد مخرجها وضعفها بالسكون] وذهاب حركتها، لأن كل حرف سكن خف إلا الهمزة، فإنها إذا سكنت ثقلت، لا سيما إذا كان قبلها ساكن، سواء كان الساكن حرف علة أو صحة، نحو قوله: ﴿دفء﴾ و ﴿الخبء﴾ و ﴿السماء﴾ و ﴿شيء﴾ ولهذا المعنى آثر هشام تسهيلها على تسهيل المتوسطة، هذا ما يتعلق بحكم الهمزة. وأما الباء: فهي تخرج من المخرج الثاني عشر من مخارج الفم، مما بين

стр. 64

الشفتين، مع تلاصقهما، وقد تقدم الكلام على أنها مجهورة شديدة منفتحة مستفلة مقلقلة. فإذا التقتا من كلمتين، وكانت أولاهما ساكنة، كان إدغامها إجماعا نحو قوله: ﴿فاضرب به﴾ وإذا سكنت ولقيها ميم أو فاء، نحو قوله: ﴿يا بني اركب معنا﴾ ، ﴿أو يغلب فسوف﴾ جاز فيها الإظهار والإدغام، فالإظهار لاختلاف اللفظ والإدغام لقرب المخرج. وإذا التقت الباء المتحركة وجب إثبات كل منهما على صيغته مرققاً، مخافة أن يقرب اللفظ من الإدغام، وذلك نحو قوله ﴿سبباً﴾ و ﴿حبب إليكم﴾ و ﴿الكتاب بالحق﴾ ونحو ذلك. فصل وإذا سكنت الباء وجب على القارئ أن يظهرها مرققة، وأن يقلقها، سواء كان الإسكان لازما أو عارضا، لا سيما إذا أتى بعدها واو، وذلك نحو قوله: ﴿ربوة﴾ و ﴿عبرة﴾ ، وقوله ﴿فانصب﴾ . وأما العارض فنحو قوله: ﴿الحساب﴾ و ﴿الكتاب﴾ و ﴿لهب﴾ و ﴿حسب﴾ ونحو ذلك.

стр. 65

فصل وإذا وقع بعد الباء ألف وجب على القارئ أن يرقق اللفظ بها، لا سيما إذا وقع بعدها حرف استعلاء أو إطباق، نحو قوله: ﴿باغ﴾ و ﴿بارئكم﴾ و ﴿باسط﴾ و ﴿الأسباط﴾ و ﴿الباطل﴾ و ﴿بالغ﴾ ونحو ذلك. فكثير من القراء يتعمدون اللفظ بها شديدة، فيخرجونها عن حدها، ويفخمون لفظها، فاحذر ذلك، واحذر أيضاً إذا رققتها أن تدخلها إمالة، فكثير ما يقع في ذلك عامة المغاربة. وأما التاء: فتقدم الكلام على أنها تخرج من المخرج الثامن من مخارج الفم، وهي من فوق الثنايا العليا، مصعد إلى جهة الحنك يسيراً مما يقابل طرف اللسان، وهي مهموسة شديدة منفتحة مستفلة. وقيل إنها من حروف القلقلة، وهذا في غاية ما يكون من البعد، لأن كل حروف القلقلة مجهورة شديدة، ولو لزم ذلك في التاء للزم في الكاف. فلولا الهمس الذي في التاء لكانت دالاً، ولولا الجهر الذي في الدال لكانت تاء، إذ المخرج واحد، وقد اشتركا في الصفات.

стр. 66

فإذا نطقت بها وبعدها ألف غير المحالة فاحذر تغليظها وأن تنحو بها إلى الكسر، وكلاهما محذوران، بل تنطق بها مرققة، وذلك نحو ﴿تائبون﴾ و ﴿تأكلون﴾ . فصل وأما إذا سكنت وأتى بعدها طاء أو دال أو تاء وجب إدغامها فيهن، فإذا أدغمت في الطاء وجب إظهار الإدغام مع إظهار الإطباق والاستعلاء. وذلك نحو قوله: ﴿قالت طائفة﴾ ، لأن في الأصل إطباقاً مع إطباق وكذا استعلاء مع استعلاء، وذلك غاية القوة، لا سيما مع الجهر والشدة. وإذا تكررت التاء في كلمة نحو قوله: ﴿تتوفاهم﴾ أو كلمتين الأولى متحركة، أظهرتهما إظهاراً بيناً، نحو قوله: ﴿كدت تركن﴾ وإن تكررت ثلاث مرات نحو قوله: ﴿الراجفة * تتبعها﴾ فبيان هذا الحرف لازم، لأن في اللفظ به صعوبة. قال مكي في الرعاية: هو بمنزلة الماشي يرفع رجله مرتين أو ثلاث مرات، ويردها في كل مرة إلى الموضع الذي رفعها منه، وهذا ظاهر ألا ترى أن اللسان إذا لفظ بالتاء الأولى رجع إلى موضعه ليلفظ بالثانية، ثم يرجع ليلفظ بالثالثة، وذلك صعب فيه تكلف. وإذا جاءت قبل حرف الإطباق في كلمة لزم بيانها وتخليصها بلفظ مرقق غير مفخم، وذلك نحو قوله: ﴿أفتطمعون﴾ و ﴿لا تطرد﴾

стр. 67

و ﴿لا تطغوا﴾ و ﴿لا تطغوا﴾ و ﴿تطهيراً﴾ ونحو ذلك، لأن الطاء والتاء من مخرج واحد، لكن الطاء حرف قوي فيه جهر وشدة وإطباق واستعلاء، والتاء منسلفة منفتحة مهموسة، والقوي إذا تقدم الضعيف وهو مجاوره جذبه إلى نفسه، ألا ترى أن التاء إذا وقعت بعد حرف إطباق لم يكن بد من أن تبدل منها طاء، وذلك نحو: ﴿اصطفى﴾ ، و ﴿اضطر﴾ ، ليعمل اللسان عملاً واحداً، وإن حال بينهما حائل نحو قوله: ﴿اختلط﴾ وجب بيان التاء مرققة، مع ترقيق اللام، لئلا تقرب التاء من لفظ الطاء التي بعدها، وتصير اللام مفخمة. وإذا سبقت الطاء التاء وكانت ساكنة أدغمت الطاء فيها، فإذا نطقت بها لخصت صوت الطاء مع الإتيان بصوت الإطباق، ثم تأتي بالتاء مرققة على أصلها. وهذا قليل في زماننا، ولا يقدر عليه إلا الماهر المجود، ولم أر أحداً نبه عليه، وذلك نحو قوله: ﴿بسطت إلي﴾ ، و ﴿فرطت﴾ ، و ﴿أحطت﴾ ، وهذا ونحوه تحكمه المشافهة. قال شريح في نهاية الإتقان: القراء قد يتفاضلون فيها، يعني التاء،

стр. 68

فتلتبس في ألفاظهم بالسين لقرب مخرجها، فيحدثون فيها رخاوةً وصفيراً، وذلك أنهم لا يصعدون بها إلى جهة الحنك، إنما ينحون بها إلى جهة الثنايا، وهناك مخرج السين. وإذا قرأت بحرف ورش وفخمت اللام فليكن احتفالك بترقيق التاء أكثر، لقرب الحرف القوي من التاء، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿تصلى ناراً﴾ . وإذا سكنت التاء وأتى بعدها حرف من حروف المعجم فاحذر إخفاءها في نحو قوله: ﴿فتنة﴾ وقيل لأن التاء حرف فيه ضعف، وإذا سكن ضعف، فلا بد من إظهاره لشدته. وأما الثاء: فتقدم الكلام على أنها تخرج من المخرج العاشر من الفم، وهو ما بين [طرف] اللسان وأطراف الثنايا العليا، وهي مهموسة رخوة منفتحة مستفلة، فإذا نطقت بها فوفها حقها من صفاتها، وإياك أن تحدث فيها جهراً، فيلتبس لفظها بالذال، لأنهما من مخرج واحد. وإذا وقع بعد الثاء ألف فالفظ بها مرققة غير مغلظة، نحو قوله: ﴿ثالث﴾ و ﴿ثامنهم﴾ ونحوه.

стр. 69

وإذا تكررت الثاء وجب بيانها، نحو قوله: ﴿ثالث ثلاثة﴾ ونحوه، مخافة أن يدخل الكلام إخفاء. وإذا وقعت الثاء الساكنة قبل حرف استعلاء وجب بيانها، لضعفها وقوة الاستعلاء بعدها، نحو قوله: ﴿أثخنتموهم﴾ و ﴿إن يثقفوكم﴾ وشبهه. وأما الجيم: فتقدم الكلام على أنها تخرج من المخرج الثالث من مخارج الفم، وهو من وسط اللسان، بينه وبين وسط الحنك، وهي مجهورة شديدة منفتحة مستفلة مقلقلة، فإذا نطقت بها فوفها حقها من صفاتها. وإذا سكنت الجيم، سواء كان سكونها لازماً أو عارضاً، فإن كان لازماً وجب التحفظ من أن تجعل شيئاً، لأنهما من مخرج واحد، فإن قوماً يغلطون

стр. 70

فيها، لا سيما إذا أتى بعدها زاي أو سين، فيحدثون همساً ورخاوة ويدغمونها في الزاي والسين، ويذهبون لفظها، وذلك نحو قوله: ﴿اجتمعوا﴾ و ﴿النجدين﴾ [و ﴿اجتنبوا﴾ و ﴿خرجت﴾ و ﴿وجهك﴾ ] و ﴿تجزي﴾ و ﴿تجزون﴾ و ﴿رجزاً﴾ ونحو ذلك، فلا بد أن ينطق بجهرها وشدتها وقلقلتها. وإذا كان سكونها عارضاً فلا بد من إظهار جهرها وشدتها وقلقلتها، وإلا ضعفت وانمزجت بالشين، وذلك نحو قوله: ﴿أجاج﴾ و ﴿فخراج﴾ ونحو ذلك في الوقف. وإذا أتت الجيم مشددة أو مكررة وجب على القارئ بيانها، لقوة اللفظ بها وتكرير الجهر والشدة فيها، نحو قوله: ﴿حاججتم﴾ و ﴿حاجه﴾ ، فإن أتى بعد الجيم المشددة حرف مشدد خفي كان البيان لهما جميعاً آكد، لئلا يخفى الحرف الذي بعد الجيم وليظهر الجيم، نحو قوله: ﴿يوجهه﴾ ، والبيان لهما لازم، لصعوبة اللفظ بإخراج الهاء المشددة [بعد الجيم المشددة] ، لأجل خفاء الهاء.

стр. 71

وأما الحاء المهملة: فتقدم الكلام على أنها تخرج من المخرج الثاني من وسط الحلق، بعد مخرج العين، لأنهما جميعاً من وسطه، وهي مهموسة رخوة منفتحة مستفلة، فإذا نطقت بها فوفها حقها من صفاتها. قال الخليل في كتاب العين: لولا بحة في الحاء لكانت مشبهة بالعين. يريد في اللفظ إذ المخرج والصفات متقاربة، ولهذه العلة لم يتألف في كلام العرب عين وحاء، في كلمة، أصليتان، لا تجد إحداهما مجاورة للأخرى في كلمة إلا بحاجز بينهما، وكذلك الهاء مع الحاء، ولذلك قال بعض العرب في معهم: محم، فأبدل من العين حاء، لقرب الحاء في الصفة، ولأن مخرجهما واحد، ولبعد الهاء في الصفة من العين مع خفاء الهاء، فلما أبدل من العين حاء أدغمت الهاء التي بعدها فيها، على إدغام الثاني في الأول.

стр. 72

وإذا أتى بعد الحاء ألف وجب على القارئ أن يلفظ بها مرققة، وينبغي أن يتحفظ ببيان لفظها عند مجيء العين بعدها، لأنهما من مخرج واحد، فإذا وقعت الحاء قبل العين خيف أن يقرب اللفظ من الإخفاء أو من الإدغام، نحو قوله: ﴿زحزح عن﴾ و ﴿المسيح عيسى﴾ ونحوه. فإذا كانت الحاء ساكنة كان البيان آكد، لأنها بسكونها قد تهيأت للإدغام، إذ كل حرف أدغم لا بد من إسكانه قبل أن يدغم، فإذا سكنت الحاء قبل العين قربت من الإدغام، فيجب إظهارها، وذلك نحو قوله: ﴿فاصفح عنهم﴾ البيان في هذه لازم. فإن لقيها مثلها كان البيان لازماً، إن لم يقرأ بالإدغام، نحو قوله: ﴿لا أبرح حتى﴾ . وإن لاصقها هاء كان البيان لازماً وكيداً، لئلا تدغم الهاء فيها، لقرب المخرجين، ولأن الحاء أقوى من الهاء، فهي تجذب الهاء إلى نفسها، وهذا كثير ما يقع فيه الناس، نحو قوله: ﴿فسبحه﴾ فالتحفظ بإظهارها واجب.

стр. 73

وأما الخاء: فتقدم الكلام على أنها من أول المخرج الثالث من الحلق، وهي مما يلي الفم، وهي حرف مهموس مستعل رخو منفتح، فإذا نطقت بها فوفها حقها من صفاتها. وإذا وقع بعدها ألف فلا بد من تفخيم لفظها لاستعلائها، وكذلك كل حرف من حروف الاستعلاء، وكذا إن كانت مفتوحة ولم يجيء بعدها ألف. قال ابن الطحان الأندلسي في تجويده: المفخمات على ثلاثة أضرب: ضرب يتمكن التفخيم فيه، وذلك إذا كان أحد حروف الاستعلاء مفتوحاً. وضرب يكون دون ذلك، وهو أن يقع حرف منها مضموناً. وضرب دون ذلك، وهو أن يكون حرف منها مكسوراً. قلت: وهذا قول حسن، غير أني أختار أن تكون على خمسة أضرب: ضرب يتمكن التفخيم فيه، وهو أن يكون بعد حرف الاستعلاء ألف.

стр. 74

وضرب دون ذلك، وهو أن يكون مفتوحاً، ودونه وهو أن يكون مضموناً، ودونه وهو أن يكون ساكناً، ودونه وهو أن يكون مكسوراً. واحذر إذا فخمتها قبل الألف أن تفخم الألف معها، فإنه خطأ لا يجوز، وكثيراً ما يقع القراء في مثل هذا ويظنون أنهم قد أتوا بالحروف مجودة، وهؤلاء مصدرون في زماننا، يقرئون الناس القراءات. فالواجب أن يلفظ بهذه كما يلفظ بها إذا قلت: ها، يا، قال الجعبري: وإياك واستصحاب تفخيم لفظها ... إلى الألفات التاليات فتعثرا وقال شيخنا ابن الجندي ﵀ وتفخيم الألف بعد حروف الاستعلاء خطأ، وذلك نحو ﴿خائفين﴾ و ﴿غالبين﴾ و ﴿قال﴾ و ﴿طال﴾ و ﴿خاف﴾ و ﴿غاب﴾ ونحو ذلك. وبعض القراء يفخمون لفظها إذا جاورها ألف، ولا يفعلون ذلك في نحو (غلب) و (خلق) ، قال شريح في نهاية الإتقان: وتفخيم لفظها على كل حال هو الصواب لاستعلائها.

стр. 75

وينبغي أن يخلص لفظها إذا سكنت وإلا ربما انقلبت غيناً، كقوله: ﴿لا تخشى﴾ و ﴿اختار موسى﴾ و ﴿اختلط﴾ و ﴿يختم﴾ ونحو ذلك. وأما الدال المهملة: فتقدم الكلام على مخرجها، وهو مخرج التاء المذكور، وعلى أنها مجهورة شديدة منفتحة مستفلة متقلقلة. وإذا سكنت الدال، وسواء كان سكونها لازماً أو عارضاً، فلا بد من قلقلتها [وبيان شدتها وجهرها، فإن كان سكونها لازماً، سواء كان من كلمة أو من كلمتين وأتى بعدها حرف من حروف المعجم، لا سيما النون فلا بد من قلقلتها] وإظهارها، لئلا تخفى عند النون وغيرها، لسكونها واشتراكهما في الجهر، نحو قوله: ﴿لقد لقينا﴾ و ﴿لقد رأى﴾ و ﴿قد نرى﴾ و ﴿القدر﴾ و ﴿العدل﴾
следующие страницы →