الدارقطنيُّ، يقولُ: "قُرئ عَلَى أبي القاسم البغوي: أخبرك فلان". وقال أبو نُعَيم: "قُرِئ عَلَى عبد الله بن جعفر بن فارس: حدثنا هارون بن سليمان". ومِن ذلك: "أخبرنا فلانٌ مِن كتابِه"، ورأيتُ ابنَ مُسَيَّب يفعله! وهذا لا ينبغي، فإنه تدليس، والصوابُ قولُك: "في كتابه". (١)
стр. 37
ومِن التدليس أن يكون قد حَضَر طِفْلاً (١) على شيخٍ وهو ابنُ سنتينِ أو ثلاث، فيقول: "أنبأنا فلان"، ولم يقل: "وأنا حاضر". فهذا الحضورُ العَرِيُّ عن إذنِ المُسْمِع لا يُفيد اتصالاً، بل هو دون الإجازة، فإن الإجازة نوعُ اتصالٍ عند (٢) أئمة (٣) .
وحضورُ ابنِ (٤) عامٍ أو عامَيْنَ إذا لم يَقترن بإجازةٍ كلا شيءَ، إلا أن يكون حضورُه على شيخٍ حافظٍ أو محدِّثٍ وهو يَفْهَمُ ما يُحَدِّثُه (٥) . فيكون إقرارُه بكتابةِ اسمِ الطفل بمنزلةِ الإِذن منه له في الرواية.
ومن صُوَر الأداء: "حدَّثَنا حَجَّاجُ (٦) بن محمد قال: قال ابن جُرَيج". فصيغةُ "قال" لا تدلُّ على اتصال.
стр. 38
وقد اغتُفِرَتْ في الصحابة، كقول الصحابيّ: "قال رسول الله ﷺ ". فحُكْمُها الاتصالُ، إذا كان مِمَّن تُيُقِّنَ سَمَاعُه من رسول الله ﷺ . فإن كان لم يكن له إلا مُجرَّدُ رُؤْية، فقولُه: "قال رسول الله ﷺ " محمولٌ على الإرسال. كـ: محمود بن الرَّبِيع، وأبي أُمَامة بن سَهْل، وأبي الطُّفَيل، ومروان.
وكذلك "قال" مِن التابعيّ المعروفِ بلقاء ذلك الصحابي، كقول عُروة: "قالت عائشة"، وكقولِ ابن سيرين: "قال أبو هريرة". فحُكمُه الاتصال.
وأرفَعُ من لفظةِ "قال": لفظةُ "عن". وأرفَعُ مِن "عن": "أخبرنا"، و "ذَكَر لنا"، و "أنبأنا". وأرفعُ من ذلك: "حدَّثَنا"، و "سَمِعتُ". وأما في اصطلاح المتأخرين، فـ "أنبأنا"، و "عن"، و "كَتبَ إلينا": واحِدٌ.
стр. 39
(٢٢) المقلوب:
هو ما رواه الشيخُ بإسنادٍ لم يكن كذلك، فيَنقلِبُ عليه ويَنُطُّ من إسنادِ حديثٍ إلى مَتْنٍ آخَرَ بعدَه. أو: أن يَنقلِبَ عليه اسمُ راوٍ، مِثْل مُرَّة بن كعب بـ كعب بن مُرَّة، وسَعْد بن سِنان بـ سِنَان بن سَعْد. فَمَن فعَلَ (١) ذلك خطأً، فقريب. ومَن تعمَّد ذلك وركَّبَ متناً على إسنادٍ ليس له، فهو سارقُ الحديث، وهو الذي يقال في حَقَّه: "فلانٌ يَسرِقُ الحديث".
ومِن ذلك: أن يَسْرِقَ حديثاً ما سَمِعَه، فيدَّعِي سماعَهُ مِن رجل. وإن سَرَق، فأَتى بإسنادٍ ضعيفٍ لمتنٍ لم يَثْبُت سنَدُه، فهو أخفُّ جُرماً مِمَّن سَرَق حديثاً لم يصحَّ متنُه، وركَّب له إسناداً صحيحاً، فإن هذا نوعٌ من الوضع والافتراء. فإن كان ذلك في متون الحلال والحرام، فهو أعظمُ إثماً، وقد تبوَّأَ بيتاً في جهنم!
وأمَّا سَرِقَةُ (٢) السَّماع وادَّعاءُ ما لم يَسمع من الكتب والأجزاء، فهذا كذبٌ مجرَّد، ليس مِن الكذب على الرسول ﷺ ، بل مِن الكذب عَلَى الشيوخ. ولن يُفِلحَ مَن تعاناه، وقلَّ مَن سَتَر الله عليه منهم! فمِنهم مَنْ يَفتضِحُ في حياتِه، ومنهم من يَفتَضِحُ بعدَ وفاتِه. فنسألُ الله السَّتر والعفو.
стр. 40
فصل
لا تُشتَرَطُ العدالةُ حالةَ التحمُّل، بل حالةَ الأداء. فيَصِحُّ سماعُهُ كافراً، وفاجراً، وصَبيّاً. فقد رَوَى جُبَير بن مُطْعِم ﵁ أنه سَمِعَ النبيَّ ﷺ (١) يقرأ في المغرب بـ "الطُّوْر"، فسَمِعَ ذلك حالَ شِرْكِه، ورَوَاه مُؤْمِناً.
واصطلح المحدِّثون (٢) على جَعْلِهم سَمَاعَ ابن خمس سنين: سَمَاعاً، وما دونها: حُضُوراً. واستأنَسُوا بأنَّ محموداً (٣) عَقَل مَجَّةً (٤) ، ولا دليلَ فيه. والمعتبَرُ فيه إنما هو أهليةُ الفهم والتمييز.
стр. 41
(١) مسألة:
يَسُوغُ التصرُّفُ في الإسناد بالمعنى إلى صاحب الكتابِ أو الجزء. وكرِهَ بعضُهم أن يزيدَ في ألقابِ الرواة في ذلك، وأن يزيدَ تاريخَ سماعِهم، وبقراءةِ مَن سَمِعُوا، لأنه قَدْرٌ زائدٌ عَلَى المعنَى.
ولا يَسُوغُ، إذا وَصَلْتَ إلى الكتاب أو الجزء، أن تَتصرَّفَ في تغيير أسانيدِه ومُتُونِه. ولهذا قال شيخنا ابنُ وهب: "ينبغي أن يُنظَرَ فيه: هل يَجبُ؟ أو هو مُستَحْسَن؟ وقُوَّى بعضُهم الوجوبَ، مع تجويزهم (١) الروايةَ بالمعنى، وقالوا: ما لَهُ أن يُغيِّر التصنيفَ. وهذا كلامٌ فيه ضَعف.
стр. 42
أمَّا إذا نقلنا من "الجزء" شيئاً إلى تصانيِفنا وتخارِيجِنا، فإنه ليس في ذلك تَغْيِيرٌ (١) للتصنيف الأول". قلتُ: ولا يَسُوغُ تغييرُ ذلك إلا في تقطيع حديثٍ، أو في جَمْعِ أحاديثَ مفرَّقةٍ إسنادُها واحد. فيقال فيه: "وبِهِ إلى النبي ﷺ ".
(٢) مسألة:
تَسمَّحَ بعضُهم أن يقول: "سَمِعتُ فلاناً" فيما قَرَأه عليه، أو يَقرؤُه عليه الغيرُ. وهذا خلافُ الاصطلاح، أو من بابِ الرواية بالمعنى. ومنه قولُ المؤرِّخين (٢) : "سَمِع فلاناً وفلاناً".
(٣) مسألة:
إذا أَفرَد حديثاً مِن مِثْل "نسخة هَمَّام"، أو "نسخة أبي مُسْهِر": فإنْ حافَظَ على العبارة، جاز وِفاقاً، كما يقول مسلم:
стр. 43
"فذكَرَ أحاديثَ، منها: وقال رسولُ ﷺ ". وإلا فالمحقِّقون على الترخيصِ في التصريفِ السائِغ.
(٤) مسألة:
اختصارُ الحديث وتقطيعُه جائزٌ إذا لم يُخِلَّ معنىً. ومِن الترخيصِ تقديمُ مَتْنٍ سَمِعهَ على الإسناد، وبالعكس. كأن يقول: "قال رسولُ الله ﷺ : (النَّدَمُ تَوْبَة) . أخبَرَنا به: فلان، عن فلان".
(٥) مسألة:
إذا ساقَ حديثاً بإسنادٍ، ثم أَتبعَه بإسنادٍ آخَرَ وقال: "مِثْله"، فهذا يجوزُ للحافظ المميِّز للألفاظ. فإن اختَلَف اللفظُ، قال: "نحوه"، أو قال: "بمعناه"، أو "بنحوٍ منه".
(٦) مسألة:
إذا قال: "حدَّثَنا فلانٌ مذاكَرةً"، دَلَّ على وَهْنٍ مَّا، إذْ المذاكرةُ يُتَسمَّحُ فيها. ومِن التساهلِ السَّماعُ من غير مقابلة: فإن كان كثيرَ الغَلَط، لم يَجُز. وإن جَوَّزْنا ذلك، فيَصِحُّ فيما صَحَّ مِن الغلط دون المغلوط. وإن نَدَر الغَلَطُ، فمُحَتمَلٌ. لكن لا يجوزُ له فيما بعدُ أن يُحدِّث مِن أصلِ شيخِه.
стр. 44
(٢٣) آدابُ المحدِّث:
تصحيحُ النيَّةِ من طالب العلم متعيَّنٌ. فَمَن طَلَب الحديثَ للمكاثرة، أو المفاخرة، أو ليَروِيَ، أو لِيتناوَلَ الوظائفَ، أو ليُثْنَى عليه وعلى معرفتِه: فقد خَسِر. وإنْ طلَبَه لله، وللعمل به، وللقُربةِ بكثرة الصلاة على نبيِّه ﷺ ، ولنفعِ الناس: فقد فاز. وإن كانت النيَّةُ ممزوجةً (١) بالأمرينِ: فالحكمُ للغالب.
وإن كان طَلَبَه لفَرْطِ المحبةِ فيه، مع قطع النظر عن الأجْرِ، وعن بني آدم: فهذا كثيراً ما يَعتري (٢) طلبةَ العُلُوم، فلعلَّ النيَّةَ أن يَرزُقَها اللهُ بعدُ. وأيضاً فَمَن طَلَب العلم للآخِرة: كَسَاهُ العِلمُ خَشْيَةً لله (٣) ، واستَكانَ وتواضَعَ. ومَن طَلَبَه للدنيا: تكبَّرَ به وتَكَثَّر (٤) وتجبَّر، وازدَرَى بالمسلمين العامَّة، وكان عاقبةُ أمرِه إلى سِفَالٍ وحَقَارة.
فليحتسِب المحدِّثُ بحديثهِ، رجاءَ الدخولِ في قوله ﷺ : (نَضَّرَ اللهُ امرءاً سَمِعَ مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَن لم يَسمعها) .
стр. 45
وَلْيَبْذُلْ نفسَه للطلبةِ الأخيار، لا سيما إذا تَفرَّد. وَلْيَمْتَنِعْ مع الهَرَمِ وتغيُّرِ الذهن. وَلْيَعْهَد إلى أهله وإخوانه حالَ صحته: أنكم متى رأيتموني تغيَّرتُ، فامنَعُوني مِن الرواية.
فمن تَغيَّرَ بسُوءِ حفظٍ، وله أحاديثُ معدودة قد أَتقَنَ روايتَها (١) : فلا بأس بتحديثِه بها زمنَ تغيُّره. ولا بأس بأن يُجيزَ مرويَّاتِه حالَ تغيُّره، فإنَّ أصولَه مضبوطةٌ ما تغيَّرَتْ، وهو فَقَدْ وَعَىَ (٢) ما أجاز. فإن اختَلَط وخَرِفَ، امتُنِعَ مِن أخْذِ الإجازةِ منه.
ومِن الأدب أن لا يُحدِّثَ مع وجودِ مَن هو أَولَى منه، لِسِنِّه (٣) وإتقانِه. وأن لا يُحَدِّث بشيءٍ يرويه غيرُه أعلى مِنه. وأن لا يَغُشّ المبتدئين (٤) ، بل يَدُلّهم على المُهِمّ، فالدِّينُ النصيحة. فإنْ دَلَّهم على مُعَمَّرٍ عامِّيٍّ، وعَلِمَ قُصورَهم في إقامِة مرويَّاتِ العامِّيِّ، نَصَحهم ودَلَّهم على عارفٍ يَسمعون بقراءتهِ، أو حَضَر مع العامِّيِّ ورَوَى بنُزولٍ، جَمْعاً بين الفوائد.
ورُوي أنَّ مالكاً ﵀ كان يَغتسِلُ للتحديث، ويَتبخَّرُ،
стр. 46
ويتطيَّبُ، ويَلبَسُ ثيابَه الحسنة، ويَلزمُ الوَقارَ والسَّكينة، ويَزْبُرُ (١) مَن يَرفعُ صوتَه، ويُرَتِّلُ الحديث.
وقد تَسمَّح الناسُ في هذه الأعصار بالإسراع المذموم، الذي يَخفَى معه بعضُ الألفاظ. والسماعُ هكذا لا ميزة له على الإجازة، بل الإجازةُ صِدْقٌ. وقولُك: "سَمِعتُ – أو قرأتُ – هذا الجزءَ كلَّه" مع التَّمْتَمَةِ ودَمْجِ بعض الكلمات: كَذِبٌ.
وقد قال النَّسائيُّ في عِدَّةِ أماكنَ مِن صحيحه: "وذَكَرَ كلمةً معناها: كذا وكذا". وكان الحُفَّاظُ يَعقِدون مجالسَ للإملاء، وهذا قد عُدِمَ اليومَ. والسَّماعُ بالإملاء يكون مُحقَّقاً ببيانِ الألفاظِ للمُسمِع والسامع.
ولْيجتنِبْ روايةَ المشكلات، مِمَّا لا تحملُه قلوبُ العامَّة. فإن رَوَى ذلك، فليكن في مجالس خاصة. وَيَحرُمُ عليه روايةُ الموضوع، وروايةُ المطروح، إلا أن يُبَيِّنه للناسِ ليَحْذَرُوه.
الثقة:
تُشتَرَطُ العدالةُ في الراوي، كالشاهد. ويمتازُ الثقةُ بالضبطِ
стр. 47
والإتقان. فإن انضافَ إلى ذلك المعرفةُ والإكثارُ، فهو حافظٌ.
والحُفَّاظُ طبقات:
стр. 48
١- في ذِرْوَتِها: أبو هريرة ﵁.
٢- وفي التابعين كـ: ابنِ المسيَّب.
٣- وفي صِغارِهم كـ: الزُّهريّ.
٤- وفي أتباعِهم كـ: سفيان، وشعبة، ومالك. ثم:
стр. 49
٥- ابن المبارك، ويحيى بن سعيد، ووكيع، وابن مهدي. ثم:
٦- كأصحابِ هؤلاء، كـ: ابن المَدِيني، وابن مَعِين، وأحمد، وإسحاق، وخَلْق. ثم:
٧- البخاريّ، وأبي زُرْعَة، وأبي
стр. 50
حاتم، وأبي داود، ومُسْلِم. ثم:
٨- النَّسائيّ، وموسى بن هارون، وصالح جَزَرَة، وابن خُزَيمة. ثم:
٩- ابن الشَّرْقي. ومِمَّن يُوصَفُ بالحفظ والإتقانِ، جماعةٌ من الصحابة والتابعين.
стр. 51
ثم:
١٠- عُبَيد الله بن عمر، وابن عَوْن، ومِسْعَر. ثم:
١١- زائدة، واللَّيث، وحمَّاد بن زيد. ثم:
١٢- يزيد بن هارون، وأبو أسامة، وابن وهب. ثم:
стр. 52
١٣- أبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن نُمَير، وأحمد بن صالح. ثم:
١٤- عَبَّاس الدُّوْرِي، وابن وارَهْ، والترمذيّ، وأحمد بن أبي خَيْثَمة، وعبد الله بن أحمد. ثم:
стр. 53
١٥- ابنُ صاعِد، وابن زياد النيسابوريّ، وابن جَوْصَا، وابن الأَخْرَم. ثم:
١٦- أبو بكر الإسماعيليّ، وابن عَدِيّ، وأبو أحمد الحاكم. ثم:
стр. 54
١٧- ابن مَنْدَه، ونحوه. ثم:
١٨- الَبرْقَانيّ، وأبو حازم العَبْدَوِيّ. ثم:
١٩- البيهقيّ، وابن عبد البَرّ. ثم:
٢٠- الحُمَيديّ، وابن طَاهِر. ثم:
٢١- السِّلَفِيّ، وابن السَّمْعاني. ثم:
стр. 55
٢٢- عبد القادر، والحازميّ. ثم:
٢٣- الحافظ الضياء، وابن سيّد الناس خطيب تونس. ثم:
٢٤- حفيده حافظ وقتِه أبو الفتح.
ومِمَّن تقدَّم (١) من الحفاظِ في الطبقةِ الثالثة: عَدَدٌ من الصحابةِ وخلقٌ من التابعين وتابعيهم، وهلُمَّ جراً إلى اليوم. فمِثلُ يحيى القطان يقال فيه:
١- إمامٌ، وحُجَّةٌ، وثَبْتٌ، وجِهْبِذٌ، وثِقَةٌ ثِقَةٌ. ثم:
٢- ثقةٌ، حافظٌ. ثم:
стр. 56
٣- ثقةٌ، مُتقِنٌ. ثم:
٤- ثقةٌ عارفٌ، وحافظٌ صَدوقٌ، ونحوُ ذلك.
فهؤلاء الحُفَّاظُ الثقات: إذا انفردَ الرجلُ مِنهم مِن التابعين، فحديثهُ: (صحيحٌ) . وإن كان مِن الأتباعِ، قيل: (صحيحٌ، غريبٌ) . وإن كان مِن أصحاب الأتباع، قيل: (غريبٌ، فَرْدٌ) . ويَنْدُرُ تفرُّدهم، فتجدُ الإمامَ مِنهم عندهَ مِئتا ألف حديث، لا يكادُ ينفرد بحديثينِ ثلاثة! ومَن كان بعدَهم: فأين ما يَنفرِدُ به؟ ما عَلِمْتُهُ، وقد يوُجَد.
ثم نَنْتَقِلُ إلى:
٥- اليَقِظ، الثقة، المتوسِّطِ المعرفةِ والطَّلَبِ (١) .
فهو الذي يُطلَقُ عليه أنه: "ثقة"، وهُمْ جُمهورُ رجالِ "الصحيحين". فتابِعِيُّهم إذا انفَرَد بالمَتْن، خُرِّجَ حديثُه ذلك في الصحاح. وقد يَتوقَّفُ كثيرٌ من النقَّاد في إطلاق "الغرابة" مع "الصحة" في حديثِ أتباعِ الثقات. وقد يُوجَدُ بعضُ ذلك في الصحاح دون بعض (٢) .
وقد يُسمِّي جماعةٌ من الحفاظ الحديثَ الذي ينفرد به مثلُ هُشَيْم وحفص بن غِياثٍ: (منكراً) . فإن كان المنفردُ مِن طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارةَ عَلَى
стр. 57
ما انفردَ به (١) مثلُ عثمان بن أبي شيبة، وأبي سَلَمة التَّبُوذَكِيّ، وقالوا: (هذا منكر) .
فإن رَوَى أحاديثَ من الأفراد المنكرة، غَمَزُوه وليَّنوا حديثَه، وتوقفوا في توثيقه. فإن رَجَع عنها، وامَتَنع مِن روايتها، وجَوَّز على نفسِه الوَهَمَ: فهُو خيرٌ له، وأرجَحُ لعدالته. وليس مِن حَدِّ الثقةِ أنَّهُ لا يَغلَطُ ولا يُخطِئ، فَمَن الذي يَسْلَمُ مِن ذلك غيرُ المعصومِ الذي لا يُقَرُّ على خطأ!
فصل
الثقة: مَن وثَّقَه كثيرٌ، ولم يُضعَّف. ودُونَه: مَن لم يُوَثَّق ولا ضُعِّف. فإن خُرِّج (٢) حديثُ هذا في "الصحيحين"، فهو مُوَثَّق بذلك. وإن صَحَّح له مثلُ الترمذيِّ وابنِ خزيمة، فجيِّدٌ أيضاً. وإن صَحَّحَ له كالدارقطنيِّ والحاكم، فأقلُّ أحوالهِ: حُسْنُ حديثه.
وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين إطلاقُ اسم "الثقة" عَلَى: مَن لم يُجْرَح، مع ارتفاع الجهالةِ عنه. وهذا يُسمَّى: "مستوراً"، ويُسمىَّ: "محلهُّ الصدق"، ويقال فيه: "شيخ".
стр. 58
وقولُهم: "مجهول"، لا يلزمُ منه جهالةُ عينِه. فإن جُهِلَ عينُه وحالُه، فأَولَى أن لا يَحتجُّوا به. وإن كان المنفردُ عنه مِن كبارِ الأثبات، فأقوى لحاله، ويَحتَجُّ بمثلِه جماعةٌ كالنَّسائيّ وابنِ حِباَّن.
ويَنْبُوعُ معرفةِ الثقات: تاريخُ البخاريِّ، وابن أبي حاتم، وابن حِبَّان، وكتابُ "تهذيب الكمال".
فصل
مَن أَخرَج له الشيخان عَلَى قسمين:
- أحدهما: ما احتَجَّا به في الأصول.
- وثانيهما: مَن خرَّجا له متابعةً وشَهادَةً واعتباراً.
فَمَن احتَجَّا به - أو أحدُهما - ولم يُوثَّق، ولا غُمِزَ: فهو ثقة، حديثُه قويٌّ.
ومَن احتَجَّا به - أو أحدُهما - (١) وتُكُلِّم فيه:
стр. 59
فتارةً يكون الكلامُ فيه تعنُّتاً، والجمهورُ على توثيقِه، فهذا حديثُهُ قويٌّ أيضاً (١) . وتارةً يكون الكلامُ في تليينِهِ وحِفظِهِ، له اعتبار، فهذا حديثُه لا يَنحطُّ عن مرتبة (الحسَن) التي قد نُسمِّيها: (من أدنى درجات الصحيح) . فما في "الكتابين" بحمد الله رجلٌ احتَجَّ به البخاريُّ أو مسلمٌ في الأصولِ ورواياتُه ضعيفة، بل حَسَنةٌ أو صحيحة.
ومن خَرَّجَ له البخاريُّ أو مسلمٌ في الشواهد والمتابَعات، ففيهم مَن في حِفظِه شيء، وفي توثيِقه تردُّد. فكلُّ مَن خُرِّجَ له في "الصحيحين"، فقد قَفَزَ القَنْطَرة. فلا مَعْدِلَ عنه، إلا ببرهانٍ بَيِّن.
стр. 60
نعم، الصحيحُ مراتب، والثقاتُ طَبَقات: فليس مَنْ وُثِّق مطلقاً كَمَنْ تُكُلِّمَ فيه، وليس مَن تُكُلِّم في سُوءِ حفظِه واجتهادِه في الطَّلَب كَمَنْ ضعَّفوه، ولا مَن ضعَّفوه ورَوَوْا له كَمَنْ تركوه، ولا مَن تركوه كَمَنْ اتَّهموه وكذَّبوه. فالترجيحُ يَدخُلُ عند تعارُضِ الروايات. وحَصْرُ الثقاتِ في مصنَّفٍ كالمتعذَّر، وضَبْطُ عَدَدِ المجهولين مستحيل!
فأمَّا مَن ضُعِّفَ، أو قيل فيه أدنى شيء: فهذا قد ألَّفتُ فيه مختصراً سمَّيتُه بـ "المُغنِي"، وبَسَطتُ فيه مؤلَّفاً سَمَّيتُه بـ "الميزان".
فصل
ومِن الثقات الذين لم يُخْرَجْ لهم في "الصحيحين" خَلْقٌ، مِنهم:
- مَن صَحَّح لهم الترمذيُّ، وابنُ خزيمة. ثم:
- مَن رَوَى لهم النسائي، وابنُ حِبَّان، وغيرُهما. ثم:
- مَن لم يُضَعِّفْهم أحدٌ، واحتَجَّ هؤلاء المصنِّفون بروايتهم.
وقد قيل في بعضهم: "فلانٌ ثقة"، "فلان صدوق"، "فلان لا بأس به"، "فلان ليس به بأس"، "فلان محلُّه الصدق"، "فلان شيخ"، "فلان مستور"، "فلان رَوَى عنه شعبة، أو مالك، أو يحيى". وأمثالُ
стр. 61
ذلك، كـ: "فُلان حسَنُ الحديث"، "فلانٌ صالحُ الحديث"، "فلانٌ صدوقٌ إن شاء الله".
فهذه العبارات كلُّها جيَّدة، ليسَتْ مُضعِّفةً لحالِ الشيخ. نعم، ولا مُرَقِّيةً لحديِثه إلى درجة الصِّحَّةِ الكاملةِ المتفَقِ عليها، لكنْ كثيرٌ مِمَّن ذَكَرْنا مُتَجَاذَبٌ بين الاحتجاجِ به وعَدَمِه.
وقد قيل في جَمَاعاتٍ: "ليس بالقويّ، واحتُجَّ به". وهذا النَّسائيُّ قد قال في عِدَّةٍ: "ليس بالقويّ"، ويُخرِجُ لهم في كتابه. قال: "قولُنا: (ليس بالقوي) ليس بجَرْحٍ مُفْسِد".
والكلامُ في الرُّواة يَحتاجُ إلى وَرَعٍ تامّ، وبَراءةٍ مِن الهوى والمَيْل، وخِبرةٍ كاملةٍ بالحديثِ، وعِلَلِه، ورجالِه. ثم نحن نفتَقِرُ إلى تحرير عباراتِ التعديلِ والجرح، وما بين ذلك مِن العباراتِ المُتَجَاذَبَة. ثم أهَمُّ مِن ذلك، أن نَعلمَ بالاستقراءِ التامِّ عُرْفَ ذلك الإمامِ الجِهْبِذ، واصطلاحَه، ومقاصِدَه، بعباراتِه الكثيرة.
стр. 62
أما قولُ البخاري: "سكتوا عنه"، فظاهِرُها أنهم ما تعرَّضوا له بجَرْحٍ ولا تعديلٍ. وعَلِمْنا مقصدَه بها بالاستقراء، أنها بمعنى: "تركوه". وكذا عادَتُه إذا قال: "فيه نظر"، بمعنى أنه: "مُتَّهَم"، أو: "ليس بثقة". فهو عنده أسْوَأُ حالاً من: "الضعيف". وبالاستقراء، إذا قال أبو حاتم: "ليس بالقويّ"، يُريد بها: أنَّ هذا الشيخ لم يَبلُغ درَجَة القويِّ الثَّبْت. والبخاريُّ قد يُطلقُ عَلَى الشيخ: "ليس بالقوي"، ويريد أنه: "ضعيف".
ومِن ثَمَّ، قيل تجبُ (١) حكاية الجرح والتعديل: "فَمِنهم مَن نَفَسُهُ حادٌّ في الجَرْح، ومِنهم مَن هو معتدل، ومِنهم مَن هو متساهل". فالحادُّ فيهم: يحيى بن سعيد، وابن معين، وأبو حاتم، وابن خِراش، وغيرُهم. والمعتدلُ فيهم: أحمد بن حنبل، والبخاريّ، وأبو زُرْعَة. والمتساهلُ كـ: الترمذيّ، والحاكم، والدارقطنيّ في بعض الأوقات.
стр. 63
وقد يكون نَفَسُ الإمام – فيما وافَقَ مذهبَه، أو في حالِ شيخِه – ألطفَ منه فيما كان بخلاف ذلك. والعِصمةُ للأنبياءِ والصديقين وحُكَّام القِسْط.
ولكنَّ هذا الدينَ مؤيَّدٌ محفوظٌ مِن الله تعالى، لم يَجتمع علماؤه عَلَى ضلالة، لا عَمْداً ولا خطأ. فلا يَجتمِعُ اثنانِ عَلَى توثيقِ ضعيف، ولا عَلَى تضعيفِ ثقة. وإنما يقعُ اختلافُهم في مراتبِ القُوَّةِ أو مراتبِ الضعف. والحَاكمُ مِنهم يَتكلَّمُ بحسبِ اجتهادِهِ، وقُوَّةِ مَعارِفِه. فإن قُدِّرَ (١) خطؤه في نقده، فله أجرٌ واحدٌ، والله الموفق.
стр. 64
وهذا فيما إذا تكلَّموا في نقدِ شيخ، وَرَدَ شيءٌ (١) في حِفظِه وغَلَطِه. فإن كان كلامُهم فيه مِن جهةِ مُعتَقَدِه، فهو على مراتب: فمنهم:
- مَن بِدْعَتُه غليظة. ومنهم:
- مَن بِدْعَتُه دون ذلك. ... ومنهم:
- الداعي إلى بدعتِه. ومنهم:
- الكافُّ، وما بينَ ذلك.
فمتى جَمَع الغِلَظَ والدعوةَ، تُجُنِّبَ الأخذُ عنه. ومتى جَمَع الخِفَّةَ والكفَّ، أَخذوا عنه وقَبِلُوه. فالغِلَظُ كـ: غُلاةِ الخوارج، والجهمية، والرافضة. والخِفَّةُ كـ: التشيُّع، والإِرجاء. وأمَّا مَن استَحلَّ الكذبَ نَصْراً لِرَأْيِه كالخطَّابيَّة، فبالأولى رَدُّ حديثهِ.
قال شيخنا ابنُ وَهْب: العقائدُ أَوجبَتْ تكفيرَ البعضِ للبعض، أو التبديعَ، وأَوجبَتْ العَصَبِيَّةَ. ونشأ من ذلك الطعنُ بالتكفيرِ والتبديع، وهو كثيرٌ في الطبقة المتوسِّطةِ من المتقدمين. والذي تَقرَّرَ عندنا: أنه لا تُعتَبرُ المذاهبُ في الرواية، ولا نُكفِّرُ (٢)
стр. 65
أهلَ القِبلة، إلا بإنكارِ مُتواترٍ من الشريعة. فإذا اعتَبَرْنَا (١)
стр. 66
ذلك، وانضمَّ إليه الورَعُ والضبطُ والتقوى: فقد حَصَل مُعْتمَدُ الرواية. وهذا مذهبُ الشافعيّ ﵁، حيث يقول: "أَقبَلُ شهادةَ أهلِ الأهواءِ، إلا الخَطَّابيَّة من الرَّوَافِض".
قال شيخنا: وهل تُقبَلُ روايةُ المبتدِع فيما يؤيِّدُ به مذهبَه؟ فمَن رأى رَدَّ الشهادةِ بالتُّهْمَة، لم يَقبَل. ومَن كان داعيةً مُتَجاهِراً ببدعتِه، فَلْيُترَك إهانةً له، وإخماداً لمذهبِه. اللهم إلا أن يكون عنده أثَرٌ تفرَّدَ به، فنُقدِّمُ سَمَاعَهُ منه.
стр. 67
ينبغي أن
تُتَفَقَّدَ حالُ الجارح مع مَن تَكلَّم فيه باعتبار الأهواء: فإن لاحَ لك انحرافُ الجارح، ووجدتَ توثيقَ المجروح من جهةٍ أخرى، فلا تَحفِلْ بالمنحرِف وبغَمْزِه المبهَم. وإن لم تجد توثيقَ المغموز، فتأَنَّ وترفَّقْ.
قال شيخُنا ابنُ وَهْب ﵀:
ومِن ذلك: الاختلافُ الواقعُ بين المتصوِّفة وأهلِ العلمِ الظاهرِ، فقد وَقَع بينهم تنافُرٌ أوجَبَ كلامَ بعضِهم في بعض. وهذه غَمْرَةٌ (١) لا يَخلُصُ منها إلا العالمُ الوَافي بشواهد الشريعة. ولا أَحْصُرُ ذلك في العلم بالفروع، فإنَّ كثيراً من أحوال المُحِقِّين (٢) من الصوفية لا يَفِي بتمييزِ حَقِّه من باطِلِه عِلمُ الفروع. بل لا بُدَّ مِن
стр. 68
معرفةِ القواعدِ الأصولية، والتمييزِ بين الواجبِ والجائز، والمستحيلِ عقلاً، والمستحيلِ عادَةً.
وهو مقامٌ خَطِر، إذ القادِحُ في مُحِقِّ الصُّوفية داخلٌ في حديث: (مَن عادَى لي وَلِيّاً، فقد بارَزَني بالمُحارَبة) . والتارِكُ لإنكارِ الباطلِ
стр. 69
مِمَّا سَمِعَه مِن بعضِهم تاركٌ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 70
ومِن ذلك: الكلامُ بسبب الجهل بمراتب العلوم، فيُحتاجُ إليه في المتأخرين أكثَرُ. فقد انتَشَرَتْ علومٌ للأوائل وفيها حَقٌّ: كالحسابِ والهندسةِ والطِّبٌ، وباطلّ: كالقولِ في الطبيعيَّاتِ وكثيرٍ من الإلهيَّاتِ وأحكامِ النجوم. فيَحتاجُ القادحُ أن يكون مُميِّزاً بين الحقِّ والباطل، فلا يُكفِّرَ مَن ليس بكافر، أو يَقبلَ رواية الكافر.
ومنه: الخَلَلُ الواقعُ بسببِ عَدَمِ الوَرَعِ، والأَْخْذِ بالتوهُّم، والقرائنِ التي قد تَتخلَّفُ (١) . قال ﷺ : (الظَّنُّ أكذَبُ الحديث) . فلا بُدّ من العلم والتقوى في الجَرْح. فلصُعُوبةِ
стр. 71
اجتماع هذه الشرائط في (١) المزكِّين، عَظُمَ خَطَرُ الجَرْح والتعديل.
(٢٤) المُؤْتلف والمختلف (٢) :
فَنٌّ واسعٌ مُهِمٌّ، وأهمُّه ما تكرَّر وكَثُر. وقد يَنْدُرُ كـ: أَجْمَد بن عُجْيَان، وآبِي اللَّحْم، وابنِ أَتَشٍ الصَّنْعَانيّ، ومحمد بن عَبَادَة الواسِطيّ العِجْليّ، ومحمد بن حُبَّان الباهِليّ، وشُعَيث بن مُحَرَّر. والله أعلم.
стр. 72
تَمَّتْ المقدِّمةُ المُوقظة
طابَقها ودقَّقها ونسَّقها الفقيرُ إلى مولاه:
أبو حَمِيد أحمدُ بنُ الشَّيخِ إسماعيل الأَقْطَش المصريّ عفا الله عنه وعن أبيه
في ليلة الجمعة ثالث أيَّامِ التشريقِ سنة تسعٍ وعشرين وأربعمائةٍ وألف
وصَلِّ اللهُمَّ وسَلِّمْ وبارِكْ عَلَى سَيِّدنا محمَّد
وعَلَى آله الطيّبين الطاهرين
وصحبه أجمعين