Полный текст (3 279 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
١٢٦٧ - حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ , قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ , قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونًا , يَقُولُ: «أَنَا أَكْبَرُ مِنَ الْإِرْجَاءِ»
стр. 1332
١٢٦٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْكَاذِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْرٍ الضَّرِيرُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ زَاذَانَ , وَمَيْسَرَةَ , قَالَا: أَتَيْنَا الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقُلْنَا: مَا هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي وَضَعْتَ؟ وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ كِتَابَ الْمُرْجِئَةِ , قَالَ زَاذَانُ: قَالَ لِي: يَا أَبَا عُمَرَ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مِتُّ قَبْلَ أَنْ أُخْرِجَ هَذَا الْكِتَابَ , أَوْ قَبْلَ أَنْ أَضَعَ هَذَا الْكِتَابَ "
стр. 1333
١٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ السَّرَّاجُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِشْكَابَ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ , قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ لَيْثٍ , عَنِ الْحَكَمِ , عَنْ سَعْدٍ الطَّائِيِّ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ⦗٩٠٥⦘ الْخُدْرِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: الْوَلَايَةُ بِدْعَةٌ , وَالْإِرْجَاءُ بِدْعَةٌ , وَالشَّهَادَةُ بِدْعَةٌ "
стр. 1334
١٢٧٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاذِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ , قَالَ: اجْتَمَعْنَا فِي الْجَمَاجِمِ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ , وَمَيْسَرَةُ أَبُو صَالِحٍ , وَضَحَّاكٌ الْمُشْرِفِيُّ , وَبُكَيْرٌ الطَّائِيُّ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِرْجَاءَ بِدْعَةٌ , وَالْوَلَايَةَ بِدْعَةٌ , وَالْبَرَاءَةَ بِدْعَةٌ , وَالشَّهَادَةَ بِدْعَةٌ "
стр. 1335
١٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ , فِي مَسَائِلِ الْمَرُّوذِيِّ قَالَ: فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنِ اسْتَثْنَيْتُ فِي إِيمَانِي أَكُنْ شَاكًّا قَالَ: لَا , ثُمَّ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: يَكُونُ إِيمَانُهُ مِثْلَ إِيمَانِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَا , قَالَ: فَيَكُونُ إِيمَانُهُ مِثْلَ إِيمَانِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَا: قَالَ: " فَالْمُرْجِئَةُ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ "
стр. 1336
١٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَفِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، وَعَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ" ⦗٩٠٦⦘
١٢٧٣ - وَكَانَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ آدَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَفْقَهِهِمْ، وَكَانَ مُرْجِئًا فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر الوافر]
لَأَوَّلُ مَنْ تُفَارِقُ غَيْرَ شَكٍّ ... تُفَارِقُ مَا يَقُولُ الْمُرْجِؤُنَا
وَقَالُوا: مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ جَوْرٍ ... وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بِجَائِرِينَا
وَقَالُوا: مُؤْمِنٌ دَمُهُ حَلَالٌ ... وَقَدْ حَرُمَتْ دِمَاءُ الْمُؤْمِنِينَا
. قَالَ الشَّيْخُ ﵀: قَدْ ذَكَرْتُ مِنْ حَالِ الْإِيمَانِ وَصِفَتِهِ مِمَّا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِصِحَّتِهِ، وَمَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَ التَّمَسُّكُ بِهِ وَالْحَذَرَ مِمَّنْ خَالَفَ ذَلِكَ، وَحَادَ عَنْهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَالْوِقَايَةَ مِنَ الْمِحَنِ
стр. 1337
الكتاب الثاني: القدر
تحقيق ودراسة: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي
стр. 1338
الطبعة: الثانية ١٤١٨ هـ
стр. 1339
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تمهيد
قبل الدراسات التحليلية لموضوعات الرسَالَة نقدم التَّمْهِيد فِي بَيَان مَفْهُوم الْقدر وتاريخ نشأة الْقَدَرِيَّة
الْقدر
وَالْقدر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَعند السّلف عبارَة عَن علم الله الشَّامِل لجَمِيع الموجودات وتقديرها جملَة وتفصيلا أَي تحديدها ذاتا وَصفَة زَمَانا ومكانا كَمَا وَكَيْفِيَّة مَاهِيَّة وخاصية ونوعا ثمَّ كِتَابَة ذَلِك كُله فِي أم الْكتاب قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين بِخَمْسِينَ ألف سنة كَمَا نَص على ذَلِك الحَدِيث الشريف فِيمَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره كتب الله مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء
قَالَ أَبُو حَازِم ﵀ إِن الله علم قبل أَن يكْتب وَكتب قبل ان يخلق فَمضى الْخلق على علم الله وَكتابه
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد ﵀ الْقدر قدرَة الرَّحْمَن
стр. 1340
قَالَ ابْن عقيل إِن الإِمَام أَحْمد شفي الْقُلُوب بِلَفْظِهِ وَهِي ذَات بَيَان وشمول معَان
وَقَالَ الرَّاغِب الْقدر بِوَضْعِهِ يدل على الْقُدْرَة وعَلى الْمَقْدُور الْكَائِن بِالْعلمِ وَحَاصِله وجود شَيْء فِي وَقت وعَلى حَال بوفق الْعلم والإرادة وَالْقَوْل
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالْقدر اسْم لما صدر مُقَدرا عَن فعل الْقَادِر يُقَال قدرت الشَّيْء وَقدرته بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف فَهُوَ قدر أَي مَقْدُور ومقدر كَمَا يُقَال هدمت الْبناء فَهُوَ هدم أَي مهدوم وقبضت الشَّيْء فَهُوَ قبض أَي مَقْبُوض فالإيمان بِالْقدرِ هُوَ الْإِيمَان بتقدم علم الله سُبْحَانَهُ بِمَا يكون من أكساب الْخلق وَغَيرهَا من الْمَخْلُوقَات وصدور جَمِيعهَا عَن تَقْدِير مِنْهُ وَخلق لَهَا خَيرهَا وشرها
وَهَذَا الْمَفْهُوم يدل عَلَيْهِ مَا تضمنته الْكتب السلفية من الرِّوَايَات والْآثَار فِي هَذَا الْبَاب مثل الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة واللالكائي فِي شرح أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَابْن الْقيم فِي كِتَابه شِفَاء العليل وَالْبَيْهَقِيّ فِي الِاعْتِقَاد وَغَيرهم من أهل الْعلم
стр. 1341
فَمن الْآيَات القرانية الدَّالَّة على ثُبُوت الْقدر بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور قَوْله تَعَالَى وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَخلق كل شء فقدره تَقْديرا
وَقَوله إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر
وَقَوله ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
وَقَوله ﴿وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وحفظا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
وَقَوله وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار
وَقَوله وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء بِقدر فأسكناه فِي الأَرْض﴾
وَقَوله ﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾
وَقَوله قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا هُوَ مَوْلَانَا وعَلى الله فَليَتَوَكَّل
стр. 1342
الْمُؤْمِنُونَ)
وَقَوله وَمَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير
فَهَذِهِ الْآيَات وأمثالها تدل على شُمُول علمه تَعَالَى لجَمِيع مخلوقاته
وكتابتها قبل خلقهَا طبقًا لما قدره الله وَعلمه
وَمِمَّا جَاءَ فِي السّنة فِي بَيَان معنى الْقدر قَوْله ﷺ إِن أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ رب وماذا أكتب قَالَ أكتب مقادير كل شَيْء حَتَّى تقوم السَّاعَة
قَالَ ابْن الْقيم وَهَذَا الَّذِي كتبه الْقَلَم هُوَ الْقدر لما رَوَاهُ ابْن وهب أَخْبرنِي عمر بن مُحَمَّد أَن سُلَيْمَان بن مهْرَان حَدثهُ قَالَ قَالَ لي عبَادَة بن الصَّامِت ادعوا إِلَى ابْني وَهُوَ يَمُوت لعَلي أخبرهُ بِمَا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ أَن أول شَيْء خلقه الله من خلقه الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ يَا رب مَاذَا اكْتُبْ قَالَ الْقدر
وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا عبد الْمُؤمن كُنَّا عِنْد الْحسن فَأَتَاهُ يزِيد بن أبي مَرْيَم السَّلُولي يتَوَكَّأ على عَصَاهُ فَقَالَ يَا أَبَا سعيد أَخْبرنِي عَن قَوْله ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ فَقَالَ الْحسن نعم وَالله إِن الله ليقضي الْقَضِيَّة فِي السَّمَاء حَتَّى يضْرب لَهَا أَََجَلًا أَنه كَائِن فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي سَاعَة كَذَا وَكَذَا فِي الْخَاصَّة والعامة حَتَّى ان الرجل ليَأْخُذ عَصَاهُ مَا ياخذها إِلَّا بِقَضَاء وَقدر قَالَ
стр. 1343
يَا أَبَا سعيد وَالله لقد أَخَذتهَا وَإِنِّي عَنْهَا لَغَنِيّ ثمَّ لَا صَبر لي عَنْهَا
قَالَ الْحسن أَلا ترى
قَالَ ابْن الْقيم وَاخْتلف فِي الضَّمِير فِي قَوْله من قبل أَن نبرأها فَقيل هُوَ عَائِد على الْأَنْفس لقربها مِنْهُ وَقيل على الأَرْض وَقيل عَائِد على الْمُصِيبَة وَالتَّحْقِيق أَن يُقَال عَائِد على الْبَريَّة الَّتِي تعم هَذَا كُله دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَقَوله نبرأها فينتظم التقادير الثَّلَاثَة انتظاما وَاحِدًا وَالله أعلم
قَالَ الْخطابِيّ ﵀ قد يحْسب كثير من النَّاس أَن معنى الْقدر من الله وَالْقَضَاء مِنْهُ معنى الْإِجْبَار والقهر للْعَبد على مَا قَضَاهُ وَمَا قدره ويتوهم أَن قَوْله ﷺ فحج آدم مُوسَى من هَذَا الْوَجْه وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِخْبَار من تقدم علم الله سُبْحَانَهُ بِمَا يكون من أَفعَال الْعباد وأكسابهم وصدورهما عَن تَقْدِير مِنْهُ وَخلق لَهَا خَيرهَا وشرها
القدريه
وَلَقَد تكلم ابْن بطة ﵀ عَن تنبئ الرَّسُول ﷺ بِظُهُور الْقَدَرِيَّة المكذبين للقدر وَتكلم عَن نشأتهم وتاريخهم وَذَلِكَ فِي الْبَاب الثَّانِي من الْجُزْء الْحَادِي عشر وعنوانه بَاب ذكر أَئِمَّة المضلين الَّذين أَحْدَثُوا الْكَلَام فِي الْقدر وَأول من ابتدعه وأنشأه ودعا إِلَيْهِ
أما تنبؤه ﷺ بِظُهُور الْقَدَرِيَّة وتحذيره مِنْهَا فقد جَاءَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله ﷺ إِنَّمَا أَتَخَوَّف على أمتِي ثَلَاثًا
١ - التَّصْدِيق بالنجوم
٢ - والتكذيب بِالْقدرِ
стр. 1344
٣ - وحيف الْأَئِمَّة // صَحِيح بشواهده //
وَقَوله ﷺ سَيكون فِي أمتِي مسخ وَذَلِكَ فِي الْقَدَرِيَّة والزندقية // صَحِيح //
وَقَالَ أَيْضا كَأَنِّي بنسائهم يطفن حول ذِي الخلصة تصطك إلياتهين مشركات وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَهِي سوء رَأْيهمْ حَتَّى يخرجُوا الله من أَن يقدر الْخَيْر كَمَا اخرجوه من أَن يقدر الشَّرّ // صَحِيح //
وَقد نشأت الْقَدَرِيَّة بعد ذَلِك فِي الْأمة الإسلامية كَمَا تنبأ بِهِ ﷺ فَكَانَ أول من أحدث القَوْل بِنَفْي الْقدر فِي الْإِسْلَام كَمَا ينْقل ابْن بطة رجل من أهل الْعرَاق يُقَال لَهُ سِيبَوَيْهٍ الْبَقَّال ويسميه الْبَعْض السوسن ويكنى أَبَا يُونُس كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم ثمَّ تنصر وَلم يكن لَهُ تبع على هَذَا الرَّأْي فِي الْبِدَايَة سوى الملاحين ثمَّ أَخذ عَنهُ معبد الْجُهَنِيّ فَدَعَا النَّاس إِلَى هَذِه الْمقَالة فَأخذ غيلَان الدِّمَشْقِي عَن معبد وَكَانَ مَشْهُورا بالدعوة إِلَى الْقدر فِي عهد عمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ قتل فِي عهد هِشَام بن عبد الْملك لما عَاد إِلَى الدعْوَة إِلَى الْقَدَرِيَّة بعد أَن أعْطى الْعَهْد لعمر بن عبد الْعَزِيز أَنه تَابَ عَن العقيدة الْقَدَرِيَّة وَكَانَ السّلف لَا يحترمون معبدًا بل يأمرون بإهانته واحتقاره وَعدم الْجُلُوس مَعَه فَعَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ بَينا طَاوُوس يطوف بِالْبَيْتِ لقِيه معبد الْجُهَنِيّ فَقَالَ لَهُ طَاوُوس أَنْت معبد فَقَالَ نعم قَالَ فَالْتَفت إِلَيْهِم طَاوُوس فَقَالَ هَذَا معبد فأهينوه وَكَانَ الْحسن ينْهَى عَن مُجَالَسَته
стр. 1345
ثمَّ جَاءَت الْمُعْتَزلَة بعد ذَلِك فاعتنقت هَذَا الْمَذْهَب وَكَانَ زعيمهم فِي ذَلِك عَمْرو بن عبيد وواصل ابْن عَطاء وَغَيرهمَا من رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة فطوروا القَوْل بِنَفْي الْقدر حَتَّى جعلُوا نفي الْقدر اُحْدُ أَرْكَان مَذْهَبهم وَسموا ذَلِك عدلا وَذَلِكَ لِأَن عَدَالَة الرب لَا تتمّ فِي نظرهم إِلَّا بِنَفْي الْقَضَاء وَالْقدر وَأَن العَبْد هُوَ الَّذِي يخلق أَفعَال نَفسه فَالله تَعَالَى لَيْسَ خَالِقًا لأفعال الْعباد كَمَا يَزْعمُونَ
وَبعد هَذَا التَّمْهِيد فِي شرح مَفْهُوم الْقدر والتاريخ للقدرية نعرض فِي الْفُصُول الْعشْرَة التالية دراسة تحليلية لما تضمنته المخطوطة من الموضوعات مَعَ التَّعْلِيق عَلَيْهَا
стр. 1346
الْفَصْل الأول وجوب الْإِيمَان بِالْقدرِ
أثبت ابْن بطة وجوب الْإِيمَان بِالْقدرِ بِمَا رَوَاهُ من الْأَحَادِيث والْآثَار الَّتِي أوردهَا فِي الْبَاب الرَّابِع من الْجُزْء التَّاسِع من هَذَا الْكتاب وعنوانه بَاب التَّصْدِيق بِأَن الْإِيمَان لَا يَصح لأحد وَلَا يكون العَبْد مُؤمنا حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره وان المكذب بذلك إِن مَاتَ عَلَيْهِ دخل النَّار والمخالف لذَلِك من الْفرق الهالكة
وَوُجُوب الْإِيمَان بِالْقدرِ مَوضِع إِجْمَاع عُلَمَاء السّنة تَوَاتَرَتْ بِهِ أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة مِمَّا لَا مجَال مَعَه للشَّكّ والتردد فِي إِثْبَات الْقدر وَوُجُوب الْإِيمَان بِهِ وَقد روى ابْن بطة فِي هَذَا الْبَاب أَنه ﷺ قَالَ إِن الله تَعَالَى لَو عذب أهل السَّمَاوَات وَالْأَرضين عذبهم غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم كَانَت رَحمته إيَّاهُم خيرا لَهُم من أَعْمَالهم وَلَو أَن لأمرئ أحدا ذَهَبا يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الله حَتَّى ينْفد ثمَّ لم يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره دخل النَّار // صَحِيح //
وَفِيمَا رَوَاهُ عَطاء بن رَبَاح قَالَ سَأَلت الْوَلِيد بن عبَادَة بن الصَّامِت كَيفَ كَانَت وَصِيَّة أَبِيك حِين حَضَره الْمَوْت فَقَالَ دَعَاني فَقَالَ يَا بني اتَّقِ الله وَاعْلَم أَنَّك لن تتقي الله وَلنْ تبلغ الْعلم حَتَّى تؤمن بِاللَّه وَحده وتؤمن بِالْقدرِ
стр. 1347
خَيره وشره قلت يَا أَبَت كَيفَ لي أَن أُؤْمِن بِالْقدرِ خَيره وشره قَالَ تعلم أَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَأَن مَا أخطأك لم يكن ليصيبك هَذَا الْقدر فَإِن مت على غير هَذَا دخلت النَّار سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ أَي رب وَمَا أكتب قَالَ الْقدر فَجرى الْقَلَم تِلْكَ السَّاعَة بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى الْأَبَد // صَحِيح //
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر أَن اول من تكلم فِي الْقدر معبد الْجُهَنِيّ فَخرجت أَنا وَحميد بن عبد الرَّحْمَن نُرِيد مَكَّة فَقلت لَو لَقينَا أحدا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُول هَؤُلَاءِ الْقَوْم فلقينا عبد الله ابْن عمر فاكتنفته أَنا وصاحبي أَحَدنَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله فَعلمت أَنه سيكل الْمَسْأَلَة إِلَيّ فَقلت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِنَّه قد ظهر قبلنَا نَاس يتقفرون هَذَا الْعلم ويطلبونه ويزعمون ان لَا قدر إِنَّمَا الْأَمر أنف قَالَ فَإِذا لقِيت أُولَئِكَ فَأخْبرهُم أَنِّي مِنْهُم بَرِيء وَأَنَّهُمْ مني برَاء وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن لأَحَدهم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه فِي سَبِيل الله مَا قبل الله مِنْهُ شَيْئا حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره ثمَّ قَالَ حَدثنَا عمر بن الْخطاب قَالَ بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ أقبل رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب وَذكر حَدِيث الْإِيمَان بِطُولِهِ إِلَى قَوْله فَمَا الْإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَحده وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وبالبعث بعد الْمَوْت وَالْجنَّة وَالنَّار وَالْقدر خَيره وشره
قَالَ صدقت وَذكر تَمام الحَدِيث بِطُولِهِ // صَحِيح //
وَفِي الْأَثر عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ لن يجد عبد طعم الْإِيمَان وَوضع يَده فِي فِيهِ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ وَيعلم أَنه ميت وانه مَبْعُوث إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة والْآثَار المروية عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن
стр. 1348
بعدهمْ من الْأَئِمَّة فِي إِثْبَات الْقدر وَوُجُوب الْإِيمَان بِهِ رَوَاهَا ابْن بطة فِي هَذَا الْبَاب
قلت هَذِه الْأَحَادِيث والْآثَار كلهَا صَرِيحَة فِي الدّلَالَة على أَن من لم يُؤمن بِالْقدرِ لَا يقبل الله مِنْهُ عمله مهما قدم من أَنْوَاع الْبر وَلَو أنْفق مثل أحد ذَهَبا وَأَن حَقِيقَة الْإِيمَان وَالتَّقوى لَا تتمّ إِلَّا بِالْإِيمَان بوحدانية الله وَالْإِيمَان بِالْقدرِ وَأَن الْإِيمَان بِالْقدرِ لَا يتم للْمُسلمِ حَتَّى يعلم أَن مَا أخطأه لم يكن ليصيبه وَأَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه وَأَن ذَلِك هُوَ الْقدر
стр. 1349
الْفَصْل الثَّانِي أزلية الْقدر
يستشهد ابْن بطة على هَذَا الْمَعْنى بِمَا أوردهُ من الْآيَات وَالْأَحَادِيث والْآثَار فِي بَابَيْنِ من أَبْوَاب الْإِبَانَة وهما الْبَاب السَّابِع وَالثَّامِن من الْجُزْء الثَّامِن
أما أَولهمَا فَهُوَ بَاب الْإِيمَان بِأَن الله قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين وَمن خَالف ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة وَأما ثَانِيهمَا فَهُوَ بَاب الْإِيمَان بِأَن الله تَعَالَى خلق الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَكتب مَا هوكائن فَمن خَالفه فَهُوَ من الْفرق الهالكة
وجماع القَوْل فِي مرويات هذَيْن الْبَابَيْنِ أَن الله تَعَالَى قدر مقادير الْخَلَائق كلهَا قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين بِخَمْسِينَ ألف سنة وَعلم بهَا أزلا وَأَن أول مَا خلق الله الْقَلَم ثمَّ أمره بِكِتَابَة مَا سَيكون إِلَى قيام السَّاعَة من خلق ورزق وبر وفجور وَرطب ويابس ثمَّ ختم الله عَلَيْهِ بعد الْفَرَاغ من كِتَابَة الْمَقَادِير فَكل مَا يجْرِي فِي الدُّنْيَا لم يكت إِلَّا بِالْقضَاءِ وَالْقدر السَّابِقين فِي الْأَزَل فَهُوَ تَعَالَى عَالم بِكُل شَيْء قبل وجوده جملَة وتفصيلا كعلمه بِهِ بعد وجوده فَعلم أهل الْجنَّة من أهل النَّار وَأهل السَّعَادَة من أهل الشَّقَاء وَكتب حَيَاة كل نفس وأجلها وَمَا يُصِيبهَا فِي الدُّنْيَا من خير أَو شَرّ وَمَا تعمله كل نفس فِي حَيَاتهَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَأهل الْجنَّة ميسرون لعمل أهل الْجنَّة وَأهل النَّار ميسرون لعمل أهل النَّار وَالنَّاس يعْملُونَ فِي الدُّنْيَا فِيمَا فرغ مِنْهُ كِتَابَة وتقديرا وعلما
стр. 1350
فَلَا يُوجد شَيْء خَارج قَضَاء الله وَقدره لم يسْبق بِهِ علمه وَلم يجر بِهِ قلمه كَمَا جَاءَ بَيَان ذَلِك فِي حَدِيث سراقَة بن مَالك ﵁ حَيْثُ قَالَ يَا رَسُول الله أنعمل لأمر فرغ مِنْهُ اَوْ لأمر نأتنفه فَقَالَ بل لأمر فرغ مِنْهُ فَقَالَ سراقَة ابْن مَالك يار سَوَّلَ الله فَفِيمَا الْعَمَل إِذا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
وَفِي كِتَابَة الْمَقَادِير الأزلية جَاءَ قَوْله تَعَالَى ﴿ن والقلم وَمَا يسطرون﴾ وَقَوله ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فدلت الْآيَة الأولى على أَن الله تَعَالَى أقسم بالقلم الَّذِي سطر الْمَقَادِير فِي الْأَزَل ودلت الْآيَة الثَّانِيَة على ان الْمَلَائِكَة الموكلين بِحِفْظ أَعمال الْعباد اليومي وكتابتها كَانُوا يستنسخون من الْكتاب السَّابِق الَّذِي كتبه الْقَلَم فِي أم الْكتاب أزلا فَيكون عمل الرجل اليومي مطابقا لما يستنسخ من اللَّوْح الْمَحْفُوظ كَمَا فسره بذلك حبر الْأمة عبد الله بن عَبَّاس ﵄
وَمَعَ ثُبُوت أزلية الْقدر بِالْكتاب وَالسّنة زعمت الْقَدَرِيَّة أَن الله تَعَالَى لم يقدر مقادير الْأَشْيَاء أزلا وَالْأَمر آنف لم يعلم بِهِ الله إِلَّا بعد وجوده تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
قلت إِن أزلية الْقدر الإلهي مِمَّا تَوَاتَرَتْ بِهِ الرِّوَايَات من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة وَغَيرهم من عُلَمَاء السّنة الَّذين ألفوا فِي بَيَان مَذْهَب السّلف مثل الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة واللالكائي فِي شرح أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي كثير من مؤلفاته وَابْن الْقيم الجوزية فِي كِتَابه شِفَاء العليل وَالْبَيْهَقِيّ فِي الِاعْتِقَاد بِالْإِضَافَة إِلَى مَا رَود من ذَلِك فِي كثير من آيَات الله الْبَينَات المثبتة للقدر الأزلي لَهُ تَعَالَى هدفهم جَمِيعًا الرَّد على الْقَدَرِيَّة الْمُنكرَة لذَلِك
والجدير بِالذكر أَن ثُبُوت الْقدر الأزلي وَالْإِيمَان بِهِ لَا يسْقط المسؤولية عَن
стр. 1351
الْمُكَلّفين فَلَا يجوز لأحد الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ فِي ترك الْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة أمرا أَو نهيا لِأَن ذَلِك مَا تَقْتَضِيه نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فالإيمان بِالْقدرِ دون الْعَمَل بالشريعة هُوَ مَذْهَب الجبرية كَمَا أَن التَّمَسُّك بتكاليف الشَّرِيعَة دون الْإِيمَان بِالْقدرِ هُوَ مَذْهَب الْقَدَرِيَّة وَلَا شكّ ان كلا من المذهبين بَاطِل رد عَلَيْهِمَا عُلَمَاء السّنة فِي كل زمَان وَمذهب أهل السّنة يُوجب الْإِيمَان بِالْقدرِ مَعَ الْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة دون احتجاج بِالْقضَاءِ وَالْقدر فِي ارْتِكَاب الْمعاصِي وَترك الْوَاجِبَات لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لأَصْحَابه لما سَأَلُوهُ عَن ذَلِك اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية إِن الْقدر نؤمن بِهِ وَلَا نحتج بِهِ فَمن احْتج بِالْقدرِ فحجته داحضة وَمن اعتذر بِالْقدرِ فعذره غير مَقْبُول وَلَو كَانَ الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ مَقْبُولًا لقبل من إِبْلِيس وَغَيره من العصاة وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لم يقطع سَارِق وَلَا قتل قَاتل وَلَا أقيم حد على ذِي جريمة وَلَا جوهد فِي سَبِيل الله وَلَا أَمر بِمَعْرُوف وَلَا نهي عَن مُنكر وَقد سُئِلَ رَسُول الله عَن هَذَا فَقيل يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَسلف الْأمة وأئمتهم متفقون على أَن الْعباد مأمورون بِمَا أَمرهم الله بِهِ منهيون عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ ومتفقون على الْإِيمَان بوعده ووعيده الَّذِي نطق بِهِ الْكتاب وَالسّنة ومتفقون أَنه لَا حجَّة لأحد على الله فِي وَاجِب تَركه ومحرم فعله بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة على عباده وَمن احْتج بِالْقدرِ على ترك مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور أَو دفع مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص فِي الْوَعْد والوعيد فَهُوَ أعظم ضلالا وافتراء على الله وَمُخَالفَة لدين الله من أُولَئِكَ الْقَدَرِيَّة وَقد عقد ابْن الْقيم لبَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة بَابا خَاصّا عنوانه الْبَاب السَّابِع فِي أَن سبق الْمَقَادِير بالسعادة والشقاء لَا يَقْتَضِي ترك الْأَعْمَال بل يُوجب
стр. 1352
الِاجْتِهَاد والحرص لِأَنَّهُ تَقْدِير بالأسباب
ثمَّ قَالَ يسْبق إِلَى أفهام كثير من النَّاس أَن الْقَضَاء وَالْقدر إِذا كَانَ قد سبق فَلَا فَائِدَة فِي الْأَعْمَال وَأَن مَا قَضَاهُ الرب سُبْحَانَهُ وَقدره لَا بُد من وُقُوعه فتوسط الْعَمَل لَا فَائِدَة فِيهِ وَفِيه سبق إِيرَاد هَذَا السُّؤَال من الصَّحَابَة على النَّبِي ﷺ فَأجَاب بِمَا فِيهِ الشِّفَاء وَالْهَدْي فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ بن أبي طَالب كُنَّا فِي جَنَازَة فِي بَقِيع الْغَرْقَد فَأَتَانَا رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ مخصرة فَنَكس فَجعل ينْكث بمخصرته ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد مَا من نفس منفوسة إِلَّا كتب مَكَانهَا من الْجنَّة وَالنَّار وَإِلَّا قد كتبت شقية أَو سعيدة فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا وَنَدع الْعَمَل فَمن كَانَ منا من أهل السَّعَادَة فسيصير إِلَى عمل السَّعَادَة وَمن كل من أهل الشقاوة فسيصير إِلَى عمل أهل الشقاوة فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر أما أهل السَّعَادَة فييسرون لعمل أهل السَّعَادَة وَأما أهل الشَّقَاء فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثمَّ قَرَأَ ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾
ثمَّ قَالَ بعد أَن أورد عدَّة رِوَايَات فِي هَذَا الْبَاب فاتفقت هَذِه الْأَحَادِيث ونظائرها على أَن الْقدر السَّابِق لَا يمْنَع الْعَمَل وَلَا يُوجب الاتكال عَلَيْهِ بل يُوجب الْجد وَالِاجْتِهَاد وَلِهَذَا قَالَ بعض الصَّحَابَة لما سمع هَذَا الحَدِيث مَا كنت أَشد اجْتِهَادًا مني الْآن وَهَذَا مِمَّا يدل على جلالة فقه الصَّحَابَة ودقة أفهامهم وَصِحَّة علومهم فَإِن النَّبِي ﷺ أخْبرهُم بِالْقدرِ السَّابِق وجريانه على الخليقة بالأسباب فَإِن العَبْد ينَال مَا قدر لَهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي أقدر عَلَيْهِ وَمكن مِنْهُ
стр. 1353
وهيء لَهُ فَإِذا أَتَى بِالسَّبَبِ أوصله إِلَى الْقدر الَّذِي سبق لَهُ فِي أم الْكتاب وكل مَا زَاد اجْتِهَادًا فِي تَحْصِيل السَّبَب كَانَ حُصُول الْمَقْدُور أدنى إِلَيْهِ وَهَذَا كَمَا إِذا قدر لَهُ أَن يكون من اعْلَم أهل زَمَانه فَإِنَّهُ لَا ينَال ذَلِك إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ والحرص على التَّعَلُّم وأسبابه فَإِذا قدر لَهُ أَن يرْزق الْوَلَد لم ينل ذَلِك إِلَّا بِالنِّكَاحِ اَوْ التَّسَرِّي وَالْوَطْء
وَإِذا قدر لَهُ أَن يستغل من أرضه من الْمغل كَذَا وَكَذَا لم ينله إِلَّا بالبذر وَفعل أَسبَاب الزَّرْع وَإِذ قدر الشِّبَع والري فَذَلِك مَوْقُوف على الْأَسْبَاب المحصلة لذَلِك من الْأكل وَالشرب واللبس وَهَذَا هُوَ شان امور المعاش والمعاد فَمن عطل الْعَمَل اتكالا على الْقدر السَّابِق فَهُوَ بِمَنْزِلَة من عطل الْأكل وَالشرب وَالْحَرَكَة فِي المعاش وَسَائِر أَسبَابه اتكالا على مَا قدر لَهُ فالقدر السَّابِق معِين على الْأَعْمَال وَمَا يحث عَلَيْهَا ومقتضي لَهَا لَا أَنه منَاف لَهَا وصاد عَنْهَا وَهَذَا مَوضِع مزلة قدم من ثبتَتْ قدمه فَازَ بالنعيم الْمُقِيم وَمن زلت قدمه عَنهُ هوى إِلَى قَرَار الْجَحِيم فالنبي ﷺ أرشد الْأمة فِي الْقدر إِلَى امرين هما سَببا السَّعَادَة الْإِيمَان بالأقدار فَإِنَّهُ نظام التَّوْحِيد والإتيان بالأسباب الَّتِي توصل إِلَى خَيره وتحجز عَن شَره وَذَلِكَ نظام الشَّرْع فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى نظام التَّوْحِيد وَالْأَمر فَأبى المنحرفون إِلَّا الْقدح بإنكاره فِي أصل التَّوْحِيد أَو الْقدح بإثباته فِي أصل الشَّرْع وَلم تتسع عقلوهم الَّتِي لم يلق الله عَلَيْهَا من نوره للْجمع بَين مَا جمعت الرُّسُل جَمِيعهم بَينه وَهُوَ الْقدر وَالشَّرْع والخلق وَالْأَمر وَهدى الله الَّذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَالنَّبِيّ ﷺ شَدِيد الْحِرْص على جمع هذَيْن الْأَمريْنِ للْأمة وَقَالَ ﷺ احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن الْعَاجِز من لم يَتَّسِع للأمرين وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 1354
الْفَصْل الثَّالِث شُمُول الْقدر الالهي لجَمِيع أَفعَال الْعباد وضرورة تحَققه
عقد ابْن بطة لبَيَان هَذَا الْمَعْنى بَابا خَاصّا وَهُوَ الْبَاب الثَّالِث من الْجُزْء التَّاسِع عنوانه بَاب الْإِيمَان بِأَن الله إِذا قضى من النُّطْفَة خلقا كَانَ وَإِن عزل صَاحبهَا وَمن رد ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
قررت النُّصُوص الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب أَن إِرَادَته تَعَالَى غالبة ومشيئته فِي خلقه مَاضِيَة فَلَا يقدر أحد من خلقه على أَن يجلب لنَفسِهِ مَا لم يرد الله لَهُ من الْخيرَات وَالْمَنَافِع كمالا يقدر على أَن يدْفع عَن نَفسه مَا قدر الله عَلَيْهِ من الشرور والمضار فَالله تَعَالَى لَا يمنعهُ مَانع من تَنْفِيذ إِرَادَته كَمَا لَا يقدر أحد من خلقه أَن ينفذ خلاف مُرَاده سُبْحَانَهُ خلافًا للْعَبد فِي ذَلِك فَالله تَعَالَى قد يحول بَينه وَبَين مُرَاده إِذا لم يرد لَهُ ذَلِك أزلا مهما أُوتِيَ العَبْد من قُوَّة واجتهاد وَمهما أُوتِيَ من حزم وحيلة واحتياط وبيانا لهَذَا الْمَعْنى يَقُول الرَّسُول ﷺ لَو أَن المَاء الَّذِي يكون مِنْهُ الْوَلَد يبيت على صَخْرَة لأخرج الله مِنْهُ ولدا ليخلقن الله نسمَة هُوَ خَالِقهَا // صَحِيح // وَقَالَ ﷺ مَا قدر الله لنَفس أَن تخرج إِلَّا وَهِي كائنة // صَحِيح // وَذَلِكَ حينما جَاءَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن لي جَارِيَة أفأعزل عَنْهَا قَالَ سيأتيها مَا قدر لَهَا
стр. 1355
فَذهب ثمَّ جَاءَ فَقَالَ يَا رَسُول الله ألم تَرَ إِلَى الْجَارِيَة الَّتِي سَأَلتك عَنْهَا فَإِنَّهَا قد حبلت
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَمَا قدر الله لنَفس أَن تخرج إِلَّا وَهِي كائنة // صَحِيح //
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ أَصَابَنَا نسَاء يَوْم خَيْبَر فَكُنَّا نعزل عَنْهُن وَنحن نُرِيد الْفِدَاء فسألوا رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ لَيْسَ من كل المَاء يخلق الْوَلَد وَإِن الله إِذا أَرَادَ شَيْئا لَا يمنعهُ شَيْء وَسَأَلَ رجل من أَشْجَع رَسُول الله ﷺ عَن الْعَزْل فَقَالَ مَا يقدر الله فِي الرَّحِم فسيكون // صَحِيح //
وَفِي الْأَثر الَّذِي رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم ان السّلف كَانُوا يَقُولُونَ النُّطْفَة الَّتِي قدر مِنْهَا الْوَلَد لَو ألقيت على صَخْرَة لَخَرَجت تِلْكَ النَّسمَة مِنْهَا
فَدلَّ كل من الْأَحَادِيث والْآثَار على شُمُول إرداته تَعَالَى وَأَنه إِذا أَرَادَ شَيْئا لَا يمنعهُ شَيْء وَلَا يكون إِلَّا مَا أَرَادَ سُبْحَانَهُ وَأَن ذَلِك هُوَ مَذْهَب السّلف يجب على الْمُسلمين مَعْرفَته وَالْإِيمَان بِهِ فَمن زعم خلاف ذَلِك فقد زعم أَن مَشِيئَة الْعباد أغلب من مَشِيئَة الله وَأَنَّهُمْ أقدر على مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ على مَا يُرِيد وَهَذَا عين الشّرك بِاللَّه تَعَالَى الله عَمَّا تَقوله الملحدة الْقَدَرِيَّة علوا كَبِيرا
وَمن زعم ان السّرقَة وَشرب الْخمر وَأكل مَال الْحَرَام لَيْسَ بِقَضَاء وَقدر من الله زعم ان هَذَا الْإِنْسَان قَادر على أَن يَأْكُل رزق غَيره وَأَن مَا أَخذه وَأكله وَملكه وَتصرف فِيهِ من أَحْوَال الدُّنْيَا وأموالها كَانَ إِلَيْهِ وبقدرته يَأْخُذ مِنْهَا مَا يَشَاء وَيَضَع مَا يَشَاء وَيُعْطِي من يَشَاء وَيمْنَع من يَشَاء إِن شَاءَ أغْنى نَفسه
стр. 1356
أغناه وَإِن شَاءَ أَن يفقرها أفقرها وَمذهب أهل السّنة ان مَا سَاقه الله على عباده من رزق حَلَال أَو حرَام وَمن خير اَوْ شَرّ فَهُوَ بِقدر من الله تَعَالَى وان الْمَقْتُول مَاتَ فِي أَجله الْمَحْدُود لَهُ أزلا خلافًا لهَؤُلَاء الْقَدَرِيَّة الَّتِي تزْعم أَنه تَعَالَى لَا يقدر وَلَا يرْزق الْحَرَام وَإِنَّمَا العَبْد هُوَ الَّذِي يرْزق لنَفسِهِ من الْحَرَام بقدرته دون إِرَادَة الرب وَأَن الْمَقْتُول مَاتَ بِدُونِ أَجله فَأثْبت ابْن بطة أَن كل ذَلِك من الله تَعَالَى فَالله هُوَ الَّذِي يرْزق الْحَلَال وَالْحرَام وَأَن الْمَقْتُول مَاتَ فِي أَجله الْمَحْدُود لَهُ وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَمَا تزعمه الْقَدَرِيَّة فَهُوَ مَذْهَب بَاطِل دلّ على بُطْلَانه الْكتاب وَالسّنة والْآثَار المنقولة عَن السّلف من ذَلِك مَا جَاءَ فِي الْأَثر عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ الزِّنَا بِقدر وَشرب الْخمر بِقدر وَالسَّرِقَة بِقدر
وَجَاء رجل إِلَى سَالم بن عبد الله فَقَالَ الزِّنَا بِقدر قَالَ نعم
قَالَ قدر الله عَليّ ويعذبني عَلَيْهِ قَالَ فَأخذ لَهُ سَالم الْحَصْبَاء هَكَذَا كَانَ السّلف يثبتون أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يقدر كل شَيْء سَوَاء فِي ذَلِك الْخَيْر وَالشَّر
قلت وَمَا ذكره ابْن بطة من شُمُول الْقدر الإلهي لجَمِيع أَفعَال الْعباد وَأَن مَا قدره لَا بُد من تحَققه ونفاذه هُوَ مَذْهَب السّلف الصَّالح الثَّابِت بِالْكتاب وَالسّنة لم يُخَالف فِي ذَلِك سوى الْقَدَرِيَّة الَّتِي تزْعم ان أَفعَال الْعباد مخلوقة لَهُ دون مَشِيئَة من الله تَعَالَى بل يَزْعمُونَ أَنه تَعَالَى غير قَادر على أَفعَال الْعباد فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ
فَمن الْأَدِلَّة الدَّالَّة على شُمُول الْقدر الإلهي بِأَفْعَال الْعباد وَغَيرهَا من الْمَخْلُوقَات قَوْله تَعَالَى ذَلِكُم الله ربكُم خَالق كل شَيْء فَدخل فِيهِ
стр. 1357
الْأَعْيَان وَالْأَفْعَال من الْخَيْر وَالشَّر
وَقَالَ أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء فنفى ان يكون خَالق غَيره وَنفى أَن يكون شَيْء سواهُ غير مَخْلُوق
وَمن أصرح الْأَدِلَّة وأوضحها دلَالَة على أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لَهُ تَعَالَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَأخْبر أَن أَعْمَالهم مخلوقة لله وَفِيمَا رَوَاهُ البقيهي عَن قَتَادَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى (أتعبدون مَا تنحتون) قَالَ الْأَصْنَام (وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) قَالَ خَلقكُم وَخلق مَا تَعْمَلُونَ بِأَيْدِيكُمْ وَقَالَ تَعَالَى وَخلق كل شَيْء وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم فامتدح بالقولين جَمِيعًا فَكَمَا لَا يخرج شَيْء من علمه لَا يخرج شَيْء غَيره من خلقه وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ فَأخْبر أَن قَوْلهم وسرهم وجهرهم خلقه وَهُوَ بِجَمِيعِ ذَلِك عليم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنه هُوَ أضْحك وأبكى وَأَنه هُوَ أمات وَأَحْيَا﴾ فَكَمَا كَانَ مميتا محييا بِأَن خلق الْمَوْت والحياة كَانَ مضحكا مبكيا بِأَن خلق الضحك والبكاء وَقد يضْحك الْكَافِر سُرُورًا بقتل الْمُسلمين وَهُوَ مِنْهُ كفر وَقد يبكي خوفًا بِظُهُور الْمُسلمين وَهُوَ مِنْهُ كفر ثَبت أَن الْأَفْعَال كلهَا خَيرهَا وشرها صادرة عَن خلقه وإحداثه إِيَّاهَا وبمثل مَا جَاءَت الْآيَات القرآنية من الدّلَالَة على شُمُول الْقدر الإلهي لأفعال الْعباد وَغَيرهَا جَاءَت السّنة عَن رَسُول الله ﷺ من ذَلِك مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من عُلَمَاء السّنة
стр. 1358
عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يصنع كل صانع وصنعته وَفِي حَدِيث آخر عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يَقُول أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا خلقت الْخَيْر وَقدرته فطوبى لمن خلقته للخير وخلقت الْخَيْر لَهُم وأجريت الْخَيْر على يَدَيْهِ أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا خلقت الشَّرّ وَقدرته فويل لمن خلقت الشَّرّ لَهُ وخلقته للشر وأجريت الشَّرّ على يَدَيْهِ
قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية والقدرية الثَّانِيَة الْمَجُوسِيَّة الَّذين يجْعَلُونَ لله شُرَكَاء فِي خلقه كَمَا جعل الْأَولونَ لله شُرَكَاء فِي عِبَادَته فَيَقُولُونَ خَالق الْخَيْر غير خَالق الشَّرّ وَيَقُول من كَانَ مِنْهُم فِي ملتنا إِن الذُّنُوب الْوَاقِعَة لَيست وَاقعَة بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وَرُبمَا قَالُوا وَلَا يعلمهَا أَيْضا وَيَقُولُونَ أَن جَمِيع أَفعَال الْحَيَوَان وَاقع بِغَيْر رقدرته وَلَا صنعه فيجحدون مشيئتة النافدة وَقدرته الشاملة وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس الْقدر نظام التَّوْحِيد فَمن وحد الله وآمن بِالْقدرِ تمّ توحيده وَمن وحد الله وَكذب بِالْقدرِ نقض تَكْذِيبه توحيده ويزعمون أَن هَذَا هُوَ الْعدْل ويضمون إِلَى ذَلِك سلب الصِّفَات ويسمونه التَّوْحِيد
وَقَالَ ابْن الْقيم فِي قصيدته النونية اسْتِدْلَالا على شُمُول الْقدر الإلهي لأفعال الْعباد وَغَيرهَا من الْمَخْلُوقَات
(وَهُوَ الْقَدِير فَكل شَيْء فَهُوَ مَقْدُور ... لَهُ طَوْعًا بِلَا عصيان)
(وَعُمُوم قدرته تدل بِأَنَّهُ ... هُوَ خَالق الْأَفْعَال للحيوان)
(هِيَ خلقه حَقًا وأفعال لَهُم ... حَقًا وَلَا يتناقض الْأَمْرَانِ)
(لَكِن اهل الْجَبْر والتكذيب بالأقدار ... مَا فتحت لَهُم عينان)
стр. 1359
قَالَ شَارِح القصيدة الدكتور خَلِيل هراس ﵀ وَالْحق الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة أَن أَفعَال الْحَيَوَانَات تنْسب إِلَى الله على انه خَالِقهَا وموجدها كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وتنسب إِلَيْهَا على أَنَّهَا أَفعَال لَهَا صادرة عَن قدرهَا وإراداتها الْحَادِثَة وَلَا تنَافِي بَين الْأَمريْنِ فَإِن معنى كَونهَا مخلوقة لله أَن الله خلق جَمِيع الْأَسْبَاب الَّتِي وجدت بهَا مثل الْقدر والإرادات والحواس والآلات والمواد الخارجية الَّتِي تقع عَلَيْهَا الْأَفْعَال وَمعنى كَونهَا أفعالا للعباد أَنهم هم الَّذين باشروها بقدرهم وإراداتهم مُبَاشرَة تجوز اتصافهم بهَا على الْحَقِيقَة فَيُقَال صلى وَصَامَ وزنى وسرق هَذَا هُوَ مَذْهَب الْأمة الْوسط الَّذِي يجمع بَين الْآيَات الدَّالَّة على عُمُوم خلقه سُبْحَانَهُ مثل قَوْله الله خَالق كل شَيْء
وَبَين الْآيَات الدَّالَّة على نِسْبَة الْأَفْعَال إِلَى الْعباد وَهِي كَثِيرَة مثل قَوْله تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْت﴾ وَقَوله ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون﴾ الْآيَة وَقَوله ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَلَكِن أهل الْجَبْر الَّذين ينفون عَن العَبْد الْقُدْرَة على الْفِعْل وَلَا يسمونه فَاعِلا إِلَّا على جِهَة الْمجَاز والقدرية الَّذين يَزْعمُونَ أَن العَبْد مُسْتَقل بِخلق أَفعاله دون أَن تتَعَلَّق بهَا قدرَة الله ومشيئته نظرُوا إِلَى الْمَسْأَلَة بِعَين أَعور حِين أَخذ كل مِنْهُم بِجَانِب من الْحق دون جَانب فالمجبرة غلبوا عُمُوم الْقُدْرَة والمشيئة فَلم يجْعَلُوا للْعَبد فعلا وَلَا جَعَلُوهُ مسؤولا عَمَّا يصدر مِنْهُ إِذْ لَا يسْأَل عَمَّا لَيْسَ من فعله والقدرية غلبوا جَانب التَّكْلِيف وَالْأَمر وَالنَّهْي فخصصوا فِي الْقدر والمشيئة وعزلوا أَفعَال الْعباد عَن الدُّخُول تحتهما تَحْقِيقا لمسؤولية العَبْد وتصحيحا للتكليف وَهَكَذَا نظرت كل من الطَّائِفَتَيْنِ نظرا قاصرا فَلم يُؤمنُوا بِالْكتاب كُله الدَّال على إِثْبَات عُمُوم قَضَاء الله وَقدره ومشيئته وعَلى ان
стр. 1360
أَفعَال الْعباد وَاقعَة مِنْهُم بقدرتهم ومشيئتهم فَلَو وفقوا لذَلِك كَمَا وفْق لَهُ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة لهدوا
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَلَو كَانَت الْأَفْعَال غير مخلوقة لَكَانَ الله سُبْحَانَهُ خَالق بعض الْأَشْيَاء دون جَمِيعهَا وَهَذَا خلاف مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات وَمَعْلُوم أَن الْأَفْعَال أَكثر من الْأَعْيَان فَلَو كَانَ الله خَالق الْأَعْيَان وَالنَّاس خالقي الْأَفْعَال لَكَانَ خلق النَّاس أَكثر من خلقه ولكانوا أتم قدرَة مِنْهُ وَأولى بِصفة الْمَدْح من رَبهم سُبْحَانَهُ ...
قلت وَلَا يتعارض مَا ثَبت من أَنه تَعَالَى خَالق أَفعَال الْعباد مَعَ مَا ثَبت من قَوْله ﷺ وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك لِأَن الْمَقْصُود من هَذِه الْكَلِمَة لَيْسَ نفي خلق الشَّرّ عَن الله تَعَالَى وَإِنَّمَا الْمَقْصُود مِنْهَا كَمَا قدره شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وعلامة ابْن قيم الجوزية وَالْبَيْهَقِيّ أَن الشَّرّ الْمَحْض لَيْسَ من أَفعاله تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يخلق الشَّرّ الْمَحْض إِذْ جَمِيع أَفعاله تَعَالَى فِيهَا حِكْمَة وعاقبة محمودة وَلَيْسَ فِيهَا شَرّ بِالنِّسْبَةِ لَهُ تَعَالَى وَإِن كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ للمخلوقين فَهَذَا معنى قَوْله ﷺ وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك
قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية الْحَسَنَة مُضَافَة إِلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أحسن بهَا من كل وَجه ... فَمَا من وَجه من وُجُوهًا إِلَّا وَهُوَ يَقْتَضِي الْإِضَافَة إِلَيْهِ وَأما السَّيئَة فَهُوَ إِنَّمَا يخلقها حِكْمَة وَهِي بِاعْتِبَار تِلْكَ الْحِكْمَة من إحسانه فَإِن الرب لَا يفعل سَيِّئَة قطّ بل فعله كُله حسن وحسنات وَفعله كُله خير وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي دُعَاء الاستفتاح الْخَيْر بيديك وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك فَإِنَّهُ لَا يخلق شرا مَحْضا بل كَانَ مَا يخلقه فَفِيهِ حِكْمَة هُوَ باعتبارها خير وَلَكِن قد يكون فِيهِ شَرّ لبَعض النَّاس وَهِي شَرّ جزئي إضافي فَأَما شَرّ كلي أَو شَرّ مُطلق
стр. 1361
فالرب منزه عَنهُ وَهَذَا هُوَ الشَّرّ الَّذِي لَيْسَ إِلَيْهِ وَأما الشَّرّ الجزئي الإضافي فَهُوَ خير بِاعْتِبَار حكمته وَلِهَذَا لَا يُضَاف إِلَيْهِ مُفردا بل إِمَّا أَن يدْخل فِي عُمُوم الْمَخْلُوقَات كَقَوْلِه تَعَالَى وَخلق كل شَيْء وَإِمَّا أَن يُضَاف إِلَى السَّبَب كَقَوْلِه ﴿من شَرّ مَا خلق﴾ وَأما أَن يحذف فَاعله كَقَوْل الْجِنّ ﴿وَأَنا لَا نَدْرِي أشر أُرِيد بِمن فِي الأَرْض أم أَرَادَ بهم رَبهم رشدا﴾
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي معنى هَذِه الْآيَة وَالشَّر لَا يتَقرَّب بِهِ إِلَيْك
وَهَذَا قَلِيل من كثير مِمَّا ذكره عُلَمَاء السّنة فِي بَيَان شُمُول الْقدر الإلهي لأفعال الْعباد فقد توسع ابْن الْقيم فِي كِتَابه شِفَاء العليل فِي بَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة أَكثر من غَيره فَمن أَرَادَ مزيدا من الْإِيضَاح فِي الْمَسْأَلَة فَعَلَيهِ مُرَاجعَة هَذَا الْكتاب حَيْثُ عقد بَابا خَاصّا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة عنوانه الْبَاب السَّادِس عشر فِيمَا جَاءَ فِي السّنة من تفرد الرب تَعَالَى بِخلق أَعمال الْعباد كَمَا هُوَ متفرد بِخلق ذواتهم وصفاتهم ثمَّ أورد أَدِلَّة طَوِيلَة فِي ذَلِك مِمَّا يطول ذكره هُنَا نكتفي بِهَذَا الْقدر خوف الإطالة
وَهُنَاكَ جَانب آخر نبه عَلَيْهِ ابْن بطة على مَا تقدم بَيَانه وَهُوَ أَن كلا من الْحَلَال وَالْحرَام يُسمى رزقا من الله عِنْد أهل السّنة إِذْ لَا رَازِق غير الله تَعَالَى وخالفت الْقَدَرِيَّة فِي ذَلِك فأنكرت أَن يكون الْحَرَام رزقا من الله تَعَالَى كَمَا أنْكرت أَن يكون الْمَقْتُول مَيتا بأجله الْمَحْدُود وَهَذَا الَّذِي وضحه ابْن بطة هُوَ
стр. 1362
مَحل إِجْمَاع لَدَى عُلَمَاء السّنة
سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقيل لَهُ إِن الرجل إِذا قطع الطَّرِيق وسرق أَو اكل الْحَرَام وَنَحْو ذَلِك هَل هُوَ رزقه الَّذِي ضمن الله تَعَالَى لَهُ أم لَا
فَأجَاب قَائِلا الْحَمد لله لَيْسَ هَذَا هُوَ الرزق الَّذِي أَبَاحَهُ الله لَهُ وَلَا يحب ذَلِك وَلَا يرضاه وَلَا أمره أَن ينْفق مِنْهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ وَكَقَوْلِه تَعَالَى وأنفقوا مِمَّا رزقناكم وَنَحْو ذَلِك لم يدْخل فِيهِ الْحَرَام بل من أنْفق من الْحَرَام فَإِن الله تَعَالَى يذمه وَيسْتَحق بذلك الْعقَاب فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِحَسب دينه وَقد قَالَ الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ وَلَكِن هَذَا الرزق الَّذِي سبق بِهِ علم الله وَقدره كَمَا فِي // الحَدِيث الصَّحِيح // عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يجمع خلق أحدكُم فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله إِلَيْهِ الْملك فَيُؤْمَر بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب رزقه وَعَمله وأجله وشقي أَو سعيد فَكَمَا أَن الله كتب مَا يُعلمهُ من خير أَو شَرّ وَهُوَ يثيبه على الْخَيْر ويعاقبه على الشَّرّ فَكَذَلِك كتب مَا يرْزق من حَلَال أَو حرَام مَعَ أَنه يُعَاقِبهُ على الرزق الْحَرَام وَلِهَذَا كل مَا فِي الْوُجُود وَاقع بِمَشِيئَة الله وَقدره كَمَا تقع سَائِر الْأَعْمَال لَكِن لَا عذر لأحد بِالْقدرِ بل الْقدر يُؤمن بِهِ وَلَيْسَ لأحد أَن يحْتَج على الله بِالْقدرِ بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة وَمن احْتج بِالْقدرِ على ركُوب الْمعاصِي فحجته داحضة وَمن اعتذر بِهِ فعذره غير مَقْبُول كَالَّذِين قَالُوا ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ وَالَّذين قَالُوا ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ إِلَى أَن قَالَ فَأَما الرزق الَّذِي ضمنه الله لِعِبَادِهِ فَهُوَ قد ضمن لمن يتقيه أَن يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَأما من لَيْسَ من الْمُتَّقِينَ فضمن لَهُ مَا يُنَاسِبه بِأَن يمنحه مَا يعِيش بِهِ فِي الدُّنْيَا ثمَّ يُعَاقِبهُ فِي
стр. 1363
الْآخِرَة كَمَا قَالَ عَن الْخَلِيل ﴿وارزق أَهله من الثمرات من آمن مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ قَالَ ﴿وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا ثمَّ أضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير﴾ إِلَى آخر مَا قَالَه هُنَالك
وَسُئِلَ أَيْضا ﵀ عَن الْمَقْتُول هَل مَاتَ بأجله أم قطع الْقَاتِل أَجله فَأجَاب الْمَقْتُول كَغَيْرِهِ من الْمَوْتَى لَا يَمُوت أحد قبل أَجله وَلَا يتَأَخَّر أحد عَن أَجله بل سَائِر الْحَيَوَان وَالْأَشْجَار لَهَا آجال لَا تتقدم وَلَا تتأخر فَإِن أجل الشَّيْء هُوَ نِهَايَة عمره وعمره مُدَّة بَقَائِهِ فالعمر مُدَّة الْبَقَاء وَالْأَجَل نِهَايَة الْعُمر بالانقضاء ... وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ إِلَّا أَن الْأَجَل أجلان أجل مُطلق يعلم الله وَأجل مُقَيّد وَبِهَذَا يتَبَيَّن معنى قَوْله ﷺ من سره أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وينسأ لَهُ فِي أَجله فَليصل رَحمَه فَإِن الله أَمر الْملك أَن يكْتب لَهُ أَََجَلًا وَقَالَ إِن وصل رَحمَه زِدْته كَذَا وَكَذَا وَالْملك لَا يعلم أيزداد ام لَا لَكِن الله يعلم مَا يسْتَقرّ عَلَيْهِ الْأَمر فَإِذا جَاءَ ذَلِك لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر
وَقد يسْأَل سَائل كَيفَ أَنه تَعَالَى يخلق وَيقدر الْمعْصِيَة ويعاقب عَلَيْهَا وَالطَّاعَة فيثيب عَلَيْهَا أَقُول إِن الْإِجَابَة على هَذَا السُّؤَال ستأتي فِي التَّعْلِيق على الْفَصْل التَّالِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 1364
الْفَصْل الرَّابِع أزلية الْعلم الالهي بِأَهْل الْجنَّة وَالنَّار وتعيينهم وَالْحكم عَلَيْهِم بذلك
وَاسْتدلَّ ابْن بطة على هَذِه الْمسَائِل بِمَا ذكره من الْآيَات وَمَا رَوَاهُ من الْأَحَادِيث والْآثَار المروية عَن السّلف فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب من هَذَا الْكتاب وَهِي الْبَاب الْخَامِس وَالسَّادِس من الْجُزْء الثَّامِن وَالْبَاب الثَّانِي من الْجُزْء التَّاسِع وَهَذِه الْأَبْوَاب هِيَ
(بَاب مَا رُوِيَ أَن الله تَعَالَى خلق خلقه كَمَا شَاءَ لما شَاءَ فَمن شَاءَ خلقه للجنة وَمن شَاءَ خلقه للنار سبق بذلك علمه وَنفذ فِيهِ حكمه وَجرى فِيهِ قلمه وَمن جَحده فَهُوَ من الْفرق الهالكة
(بَاب الْإِيمَان بِأَن الله أَخذ ذُرِّيَّة آدم من ظَهره فجعلهم فريقين فريقا للجنة وفريقا للسعير
٣ - (بَاب الْإِيمَان بِأَن السعيد والشقي من سعد أَو شقي فِي بطن أمه وَمن رد ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
وَحَاصِل مَا تقرره النُّصُوص فِي هَذِه الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة أَنه تَعَالَى علم أهل الْجنَّة وَالنَّار وَأهل السَّعَادَة والشقاء أزلا وحددهم وميز بَعضهم عَن بعض وَذَلِكَ عِنْدَمَا أَخذ الله ذُرِّيَّة آدم من ظَهره فَأخذ كل طيبَة بِيَدِهِ الْيُمْنَى بَيْضَاء نقية وَأخْبر أَنَّهَا من أَصْحَاب الْجنَّة وَأخذ كل خبيثة بِيَدِهِ الْأُخْرَى سَوْدَاء على هَيْئَة الفحم
стр. 1365
وَبَين أَنهم من أَصْحَاب النَّار ثمَّ أَعَادَهَا فِي صلب آدم بعد أَن أشهدهم على أنفسهم أَنه رَبهم وخالقهم وَأخذ الْمِيثَاق مِنْهُم على عدم مخالفتهم الْعَهْد عِنْدَمَا يُرْسل إِلَيْهِم الرُّسُل فِي الدُّنْيَا
أما أهل السَّعَادَة فَإِنَّهُم يُوفونَ الْعَهْد بعد وجودهم فِي الدُّنْيَا فيكونون من أهل الْجنَّة وَأما الأشقياء فَإِنَّهُم ينقضون الْمِيثَاق فيكونون من أَصْحَاب السعير وَقد ثَبت أَيْضا بالأحاديث الصَّحِيحَة أَنه إِذا اسْتَقر الْجَنِين فِي الرَّحِم أَتَاهُ ملك الْأَرْحَام فَيكْتب أَنه شقي أَو سعيد فخلق أَحَدنَا يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ ثمَّ يكون علقَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله إِلَيْهِ الْملك بِأَرْبَع كَلِمَات رزقه وَعَمله وأجله وشقي أَو سعيد وَلِهَذَا يقسم ﷺ قَائِلا فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع ثمَّ يُدْرِكهُ مَا سبق لَهُ فِي الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع ثمَّ يُدْرِكهُ مَا سبق لَهُ فِي الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها
كل ذَلِك سبق بِهِ علم الله وَمضى بِهِ قدره وَجرى بِهِ قلمه فِي الْأَزَل قبل وجود آدم وَذريته وَقبل اسْتِقْرَار الأجنة فِي بطُون أمهاتها بِخَمْسِينَ ألف سنة فَلَا بُد أَن يكون مآل كل امْرِئ إِلَى مَا قدر لَهُ من السَّعَادَة أَو الشَّقَاء وَالْجنَّة أَو النَّار فالسعيد إِلَى الْجنَّة مهما عمل من عمل أهل النَّار لِأَنَّهُ تَعَالَى سيوفقه بِعَمَل يدْخل بِهِ الْجنَّة قبل مَوته وَلَو بلحظه فَيكون بذلك من أهل الْجنَّة والشقي إِلَى النَّار مهما عمل من عمل أهل الْجنَّة فكم من رجل يعْمل فِيمَا يَبْدُو للنَّاس بِعَمَل أهل السَّعَادَة حَتَّى لَا يكون بَينه وَبَين الْجنَّة إِلَّا ذِرَاع فَيعْمل فِي آخر حَيَاته بِعَمَل يُوجب لَهُ النَّار فَيكون من أَصْحَاب النَّار وَقد يكون العَبْد مَكْتُوبًا عِنْد الله سعيدا من أهل الْجنَّة وَهُوَ يعْمل فِيمَا يَبْدُو للنَّاس بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى إِذا كَانَ فِي آخر حَيَاته وَفقه الله بِعَمَل يدْخل بِهِ الْجنَّة فَيكون
стр. 1366
بذلك من أهل الْجنَّة فبذلك نعلم أَن الله خلق الْإِنْسَان لوَاحِدَة من المنزلتين إِمَّا للجنة وَإِمَّا للنار وَمَعَ هَذَا كُله فقد بَين الرَّسُول الْكَرِيم ﷺ أَن الْإِيمَان بِالْقدرِ لَا يمْنَع الْعَمَل بِطَاعَة الله وَرَسُوله فَلَا يجوز لأحد أَن يتقاعس عَن الْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة الَّتِي جَاءَت بهَا الرُّسُل الْكِرَام عَلَيْهِم الصَّلَاة السَّلَام احتجاجا بِالْقدرِ وبيانا لهَذَا الْمَعْنى يَقُول الرَّسُول ﷺ مَا من نفس منفوسة إِلَّا كتب مَكَانهَا من الْجنَّة اَوْ النَّار وَإِلَّا كتبت شقية أَو سعيدة فَقَالَ رجل أَفلا نَتَّكِل على كتابها يَا رَسُول الله وَنَدع الْعَمَل قَالَ لَا وَلَكِن اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما أهل الشَّقَاء فييسرون لعمل أهل الشَّقَاء وَأما أهل السَّعَادَة فييسرون لعمل أهل السَّعَادَة ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى﴾ // أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد //
قلت وَمَا ذكره ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة من إِثْبَات الْعلم الإلهي الأزلي بِأَهْل الْجنَّة وَالنَّار السعيد والشقي مِنْهُم وتمييز بَعضهم عَن بعض لم يخْتَلف فِي ذَلِك أحد سوى الْقَدَرِيَّة الْأَوَائِل الَّذين يُنكرُونَ علمه السَّابِق وَتَقْدِيره الأزلي إِذْ ثَبت بأدلة من الْكتاب وَالسّنة أَن الله خلق النَّاس فريقين فريقا للجنة وفريقا للسعير علمهمْ قبل وجودهم بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم كَمَا بَينه ابْن بطة وَغَيره من عُلَمَاء السّنة وَلَكِن الجدير بِالذكر هُنَا أَن تحديده تَعَالَى بأصحاب الْجنَّة وَالنَّار وتعيينهم وَالْحكم عَلَيْهِم بذلك أزلا لَا يَعْنِي أَن الله جعلهم من أهل الْجنَّة وَالنَّار بِدُونِ أَسبَاب تَقْتَضِي ذَلِك فالمؤمن يدْخل الْجنَّة بِسَبَب إيمَانه وجده فِي الطَّاعَة وَالْعَمَل الصَّالح وَالْكَافِر يدْخل النَّار بِسَبَب كفره وَكَذَلِكَ العَاصِي وَالْفَاسِق يستحقان النَّار إِن لم يغْفر الله لَهما بِسَبَب تقصيرهما فِي الْعَمَل الصَّالح وارتكابهما الْكَبَائِر إِذْ وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا
стр. 1367
الصَّالِحَات أَن يدخلهم الْجنَّة بأعمالهم إِن شَاءَ جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ كَمَا وعد الَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات أَن يدخلهم النَّار جَزَاء بِمَا اقترفوا من السَّيِّئَات فالرب يعلم أَن فلَانا سيعمل عمل أهل الْجنَّة فَيَجْعَلهُ بذلك من أهل الْجنَّة وَفُلَانًا سيعمل عمل أهل النَّار فَيكون بذلك من أهل النَّار وَمِمَّا يُوضح ذَلِك قَوْله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عمر بن الْخطاب وَغَيره أَن الله تَعَالَى قَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ وخلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ // أوردهُ ابْن الْقيم // وَفِي الْأَثر عَن أبي قلَابَة قَالَ إِن الله كتب أهل النَّار وَمَا هم عاملون وَأهل الْجنَّة وَمَا هم عاملون فطوى الْكتاب وَرفع الْقَلَم
وَمن الْآيَات القرآنية الدَّالَّة على أَن الله تَعَالَى يدْخل السُّعَدَاء الْجنَّة والأشقياء النَّار يَوْم الْقِيَامَة على مُقْتَضى أَعْمَالهم الَّتِي قدموها فِي الدُّنْيَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنِّي جزيتهم الْيَوْم بِمَا صَبَرُوا أَنهم هم الفائزون﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿وجزاهم بِمَا صَبَرُوا جنَّة وَحَرِيرًا﴾
وَقَوله ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية﴾
وَقَوله وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ وَمَا
стр. 1368
ألتناهم من عَمَلهم من شَيْء)
وَقَوله ﴿هَل ثوب الْكفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
وَقَالُوا ماسلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين
وأمثال هَذَا فِي الْقُرْآن كثير جدا فَبين سُبْحَانَهُ فِيمَا يذكرهُ من سَعَادَة الْآخِرَة وشقاوتها أَن ذَلِك سَيكون جَزَاء بِالْأَعْمَالِ الْمَأْمُور بهَا والمنهي عَنْهَا كَمَا يذكر نَحْو ذَلِك فِيمَا يَقْتَضِيهِ من الْعُقُوبَات والمثوبات فِي الدُّنْيَا أَيْضا
قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم﴾ قَالَ على علم بِمَا يكون قبل أَن يخلقه ... وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير وَمُقَاتِل على علمه فِيهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق أَي على مَا سبق فِي علمه أَنه ضال قبل أَن يخلقه وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ على علم مِنْهُ بعاقبة
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث تَعْلِيقا على حَدِيث الشقي من شقي فِي بطن أمه والسعيد من سعد فِي بطن أمه مَا نَصه هَذَا من بَاب الْعلم أَي علم الله أَن فلَانا سيعطى الْحُرِّيَّة وَالِاخْتِيَار فيختار مَا يُفْضِي للسعادة وَفُلَانًا سيعطاهما فيختار سَبِيل الشَّقَاء
وعَلى هَذَا الضَّوْء يفهم الْقَارئ جَمِيع الْآيَات وَالْأَحَادِيث الَّتِي يكَاد يفهم
стр. 1369
مِنْهَا الْجَبْر مثل فَمنهمْ شقي وَسَعِيد ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾ ... يكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد هَؤُلَاءِ إِلَى الْجنَّة وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاء إِلَى النَّار وَلَا أُبَالِي ...
لقد كتب الله على نَفسه الرَّحْمَة وَمن رَحمته بالمكلفين أَن منحهم سَعَادَة الْحُرِّيَّة وَالِاخْتِيَار والإرادة فَإِن استفادوا من هَذِه الموهبة وَعمِلُوا صَالحا سعدوا وَإِن أهملوها شَقوا إِذن فسعادة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمار إِيمَان واستقامة وشقاؤها ثمار انحراف والمكلف قَادر على تَمْثِيل الدورين وَهَذَا ناموس عَام ثَابت نعم علم الله مَاذَا سيفعل مُطلق مُكَلّف وَعلم مَا سَيكون لأعمال الْمُكَلف من أثر فِي مستقبله وَلَكِن علمه لَا يَقْتَضِي جبر الْمُكَلف إِذْ الْجَبْر والتكليف لَا يَجْتَمِعَانِ بل يَعْنِي الْإِحَاطَة والشمول إِذْ هما لله وَحده ... لقد عبد الله طَرِيق السَّعَادَة وأمرنا بسلوكه وكفل لنا سَلامَة الْوُصُول إِن صممنا على الْوُصُول أما الشَّقَاء فظلمة لَا تخيم إِلَّا حَيْثُ يَنْعَدِم النُّور وَهُوَ طَاقَة كامنة فِينَا لَا تنعدم إِلَّا إِذا أردنَا إعدامها
وَقَالَ ابْن الْقيم بعد أَو أورد أَحَادِيث وآثار تدل على أَن عمل العَبْد هُوَ السَّبَب فِي سعادته أَو شقاوته قَالَ فَهَذِهِ وَغَيرهَا تدل على أَن الله سُبْحَانَهُ قدر أَعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقب خلق أَبِيهِم وأراهم لأبيهم آدم صورهم وأشكالهم ... فَالله سُبْحَانَهُ قد علم قبل أَن يُوجد عباده أَحْوَالهم وَمَا هم عاملون وَمَا هم إِلَيْهِ سائرون ثمَّ أخرجهم إِلَى هَذِه الدَّار ليظْهر معلومه الَّذِي علمه فيهم كَمَا علمه وابتلاهم من الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَيْر وَالشَّر بِمَا أظهر معلومه فاستحقوا الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب بِمَا قَامَ بهم من الْأَفْعَال
стр. 1370
وَالصِّفَات الْمُطَابقَة للْعلم السَّابِق وَلم يَكُونُوا يسْتَحقُّونَ ذَلِك وَهِي فِي علمه قبل أَن يعملوها فَأرْسل رسله وَأنزل كتبه وَشرع شرائعه إعذارا إِلَيْهِم وَإِقَامَة للحجة عَلَيْهِم لِأَن لَا يَقُولُوا كَيفَ تعاقبنا على علمك فِينَا وَهَذَا لَا يدْخل تَحت كسبنا وقدرتنا فَلَمَّا ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل الْعقَاب على معلومه الَّذِي أظهره الِابْتِلَاء والاختبار ...
ذكر الشَّيْخ رشيد رضَا فِي تَفْسِيره فِي قَوْله تَعَالَى وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْإِنْس وَالْجِنّ إِن الله ذرأهم لِجَهَنَّم لأجل إعراضهم عَن أوَامِر الله يدل لذَلِك السِّيَاق فِي نفس الْآيَة لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ وَأُولَئِكَ هم الغافلون
وَقَالَ فِي تَفْسِير الْآيَة مَعْنَاهُ نقسم أننا خلقنَا وبثثنا فِي الْعَالم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لأجل سُكْنى جَهَنَّم وَالْمقَام فِيهَا أَي كَمَا ذرأنا للجنة مثل ذَلِك وَهُوَ متقضى استعداد الْفَرِيقَيْنِ فَمنهمْ شقي وَسَعِيد فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير وبماذا كَانَ هَؤُلَاءِ معدين لِجَهَنَّم دون الْجنَّة وَمَا صفاتهم المؤهلة لذَلِك
الْجَواب ذَلِك بِأَن لَهُم قلوبا لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا ... إِلَخ
وَرجح ابْن تَيْمِية أَن تكون اللَّام فِي الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ الْآيَة للغاية وَلَيْسَت للعاقبة وَضعف قَول الَّذين يَقُولُونَ إِنَّهَا للعاقبة لِأَن معنى الْعَاقِبَة غير مُنَاسِب هُنَا وَذَلِكَ لِأَن لَام الْعَاقِبَة الَّتِي لم يقْصد فِيهَا الْفِعْل لأجل الْعَاقِبَة إِنَّمَا تكون من جَاهِل أَو عَاجز فَالْأول
следующие страницы →