Полный текст (3 279 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
المشيئتين أصلا لِأَن مَشِيئَة الله عَامَّة شَامِلَة لجَمِيع الأكوان دون حُدُود وَلَا اسْتثِْنَاء ومشيئة الْعباد محدودة مُقَيّدَة بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فَلَا مُنَافَاة بَين الْمُقَيد وَالْمُطلق وَبَين الْعَام وَالْخَاص وَلِأَن نفس مَشِيئَة العَبْد هِيَ من الله تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي جعل الْعباد يختارون ويريدون فالمشيئة الْعَامَّة الشاملة لله رب الْعَالمين وَحده والمشيئة المحدودة الْمقيدَة بِالْمَشِيئَةِ الْعَامَّة هِيَ مَشِيئَة الْأَنْسَاب إِن الْإِنْسَان هُوَ صَنْعَة الله ومشيئته من مَشِيئَته فَهُوَ فِي مَشِيئَته وإرادته وأفكاره ونوازعه مَخْلُوق لله بِمَشِيئَة الله ... وَمَعَ هَذَا فَإِن الْإِنْسَان مطَالب من دَاخل ذَاته وخارجها أَن يسْتَعْمل عقله كَمَا يسْتَعْمل جوارحه من سمع وبصر وذوق وشم ... فالعقل هُوَ الْعين الَّتِي يبصر بهَا الْإِنْسَان وُجُوه الغايات الَّتِي تحرّك نَحْوهَا إِرَادَته وَيعْمل لَهَا كل قواه كَمَا يسْتَعْمل عَيْنَيْهِ فِي النّظر إِلَى الْأَشْيَاء ويحرك يَده لتناولها أَو رجله للسعي نَحْوهَا
فَهَذِهِ الْآيَات السَّابِقَة تضع الْإِرَادَة الْحَادِثَة أَمَام ضدين من الْأَفْعَال أَحدهمَا يُؤَدِّي فعله إِلَى الْحُصُول على الدُّنْيَا وَالْآخر نتيجة الْفَوْز بِالآخِرَة فَإِذا نَحن وَضعنَا هَذِه الْآيَات الَّتِي تثبت تَخْيِير الله سُبْحَانَهُ للإرادة البشرية بَين الضدين بِجَانِب آيَات الْمَشِيئَة الإلهية الْمُطلقَة فهمنا كَيفَ تعْمل هَذِه الْمَشِيئَة فِي حَيَاة الْبشر وَكَيف تخْتَار بعض النَّاس للهدى وَالْبَعْض الآخر للضلال
إِن الله يهدي من يَشَاء وَقد شَاءَ بِنَصّ آيَات الْإِرَادَة أَن يهدي من يخْتَار الْآخِرَة وَهُوَ يضل من يَشَاء كَمَا تنص على ذَلِك آيَات الْمَشِيئَة الْمُطلقَة وَقد شَاءَ سُبْحَانَهُ أَن الَّذِي يختاره الله من النَّاس للضلال كَمَا هُوَ وَاضح صَرِيح بِنَصّ آيَات الْإِرَادَة الإنسانية المخيرة
هم الَّذين يُرِيدُونَ الدُّنْيَا وَزينتهَا وحرثها وثوابها كَمَا قَالَ أَيْضا مُبينًا الَّذين يختارهم للهدى ويمدهم بِهِ وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه وَالله
стр. 1402
بِكُل شَيْء عليم) أَي أَن الْهدى الإلهي لَا يمده الله بِهِ إِلَّا من يخْتَار الْإِيمَان كَمَا لَا يمْنَع الله الْهدى إِلَّا عَن الْكَافرين من النَّاس وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُول ﴿إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ فَبين هُنَا أَن الْخَتْم على الْقُلُوب لَا يَجعله الله إِلَّا للَّذين اخْتَارُوا الْكفْر على الْإِيمَان
كَمَا قَالَ أَيْضا ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا ذَلِك بِأَنَّهُم كذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين﴾ فَأثْبت فِي هَذِه الْآيَة أَن الصّرْف عَن آيَات الله أَو الْخَتْم على الْقلب أَو الْإِمْدَاد بالضلال إِنَّمَا يتنزل على العَبْد بِنَاء على اخْتِيَاره حَيْثُ بَين أَن الصّرْف عَن آيَاته وَعَن الْحق إِنَّمَا يتنزل على العَبْد نتيجة لاختياراته فِي مَوَاقِف الِابْتِلَاء حَيْثُ تكبر فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَحَيْثُ اخْتَار سَبِيل الغي وَترك سَبِيل الرشد كَمَا قَالَ تَعَالَى أَيْضا فِي بني إِسْرَائِيل ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيَات الله وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا وبكفرهم وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما﴾
وَذَلِكَ يثبت مَا سبق أَن ذَكرْنَاهُ من أَن الإضلال أَو الْهدى والختم والطبع إِنَّمَا يطبعه على قُلُوب الْعباد بكفرهم وَقد يظنّ الْبَعْض فِي هَذِه الْآيَات السَّابِقَة شُبْهَة الْجَبْر وَذَلِكَ ناتج من عدم فهم سنة الله فِي مُعَاملَة الْعباد وَالَّتِي تحدثنا عَنْهَا
стр. 1403
فِي الْفَصْل السَّابِق حَيْثُ تبين لنا أَن الأقدار الجبرية تنزل بِنَا على اختيارهم وشبهة الجبرية الناجمة فِي أذهان الْبَعْض عَن هَذِه الْآيَات السَّابِقَة نتيجة ظنهم أَن الْكفْر والضلال إِنَّمَا نتج عَن الطَّبْع والختم وَالصرْف الالهي عَن الْحق وَلَكِن الْآيَات تثبت صَرَاحَة أَن الْخَتْم والطبع وَالصرْف لَا تصيب إِلَّا الَّذين بدؤوا بِاخْتِيَار الْكفْر والضلال والتكبر فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَذَلِكَ يَعْنِي أَن أَفعَال الله النفسية فيهم وَالَّتِي عبر عَنْهَا بالطبع والختم وَالصرْف عَن الْحق لَيست سوى الْإِمْدَاد الإلهي بِمَا يخْتَار الْإِنْسَان لنَفسِهِ وَحَيْثُ أَن هَؤُلَاءِ قد اخْتَارُوا سَبِيل الغي وَتركُوا سَبِيل الرشد اَوْ اخْتَارُوا الْكفْر وَتركُوا الْإِيمَان فَإِن الله حسب سنته قد أمدهم بِمَا يطْلبُونَ من ثَوَاب الدُّنْيَا وحرمهم من ثَوَاب الْآخِرَة وَذَلِكَ بالطبع والختم على قُلُوبهم وصرفهم عَن آيَاته وَمن ثمَّ تكون هَذِه الْآيَات دَلِيلا قَوِيا على الِاخْتِيَار وَمن ثمَّ فَلَيْسَ بَين المجموعتين مَجْمُوعَة آيَات الْمَشِيئَة الإلهية ومجموعة آيَات الْإِرَادَة الإنسانية أدنى تعَارض أَو تنَافِي وَلذَلِك فقد جمع الله فِي آيَة وَاحِدَة عمل إِرَادَة الْإِنْسَان المتمشية والمتناسقة والداخلة فِي المجال اللامحدودة لإرادته سُبْحَانَهُ وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُول جلّ وَعلا ﴿كلا إِنَّه تذكرة فَمن شَاءَ ذكره وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله هُوَ أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة﴾
وَيَقُول أَيْضا ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمين أعد لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾
كَمَا يَقُول ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾
стр. 1404
فَهَذِهِ الْمَجْمُوعَة من الْآيَات تثبت للْإنْسَان إِرَادَته ومشيئته الْحرَّة المختارة وَلكنهَا تؤكد بانطوائها ككل شَيْء فِي الْوُجُود تَحت مَشِيئَته سُبْحَانَهُ وَمن ثمَّ نجد أننا يجب علينا أَن نرْجِع إِلَى هَذِه الْآيَات جَمِيعًا وَلَيْسَ إِلَى بَعْضهَا لكَي نَعْرِف الْحَقِيقَة الْكَامِلَة
وَيَقُول شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية توضيحا لعدم التَّعَارُض بَين المشيئتين وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ لَا يدل على أَن العَبْد لَيْسَ بفاعل لفعله الِاخْتِيَارِيّ وَلَا أَنه لَيْسَ بِقَادِر عَلَيْهِ وَلَا أَنه لَيْسَ بمريد بل يدل على أَنه لَا يشاؤه إِلَّا ان يَشَاء الله وَهَذِه الْآيَة رد على الطَّائِفَتَيْنِ الْمُجبرَة الْجَهْمِية والمعتزلة الْقَدَرِيَّة فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ فَأثْبت للْعَبد مَشِيئَة وفعلا ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ فَبين أَن مَشِيئَة العَبْد معلقَة بِمَشِيئَة الله وَالْأولَى رد على الجبرية وَهَذِه رد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ قد يَشَاء العَبْد مَا لَا يشاؤه الله كَمَا يَقُولُونَ إِن الله يَشَاء مَا لَا يشاؤون
وَقَالَ أَيْضا وَمِمَّا اتّفق عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها مَعَ إِيمَانهم بِالْقضَاءِ وَالْقدر وَأَن الله خَالق كل شَيْء وَأَنه مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَأَنه يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء ان الْعباد لَهُم مَشِيئَة وقدرة يَفْعَلُونَ بمشيئتهم وقدرتهم مَا أقدرهم الله عَلَيْهِ مَعَ قَوْلهم أَن الْعباد لَا يشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كلا إِنَّه تذكرة فَمن شَاءَ ذكره وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾
وَقَالَ إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا
стр. 1405
تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين)
وَالْقُرْآن قد أخبر بِأَن الْعباد يُؤمنُونَ ويكفرون ويفعلون ويعملون ويكسبون ويطيعون ويعصون ويقيمون الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة ويحجون ويعتمرون وَيقْتلُونَ ويزنزن وَيَسْرِقُونَ ويصدقون ويكذبون ويأكلون وَيَشْرَبُونَ ويقاتلون ويحاربون فَلم يكن من السّلف وَالْأَئِمَّة من يَقُول أَن العَبْد لَيْسَ بفاعل وَلَا مُخْتَار وَلَا مُرِيد وَلَا قَادر وَلَا قَالَ أحد مِنْهُم أَنه فَاعل مجَازًا بل من تكلم مِنْهُم بِلَفْظ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز متفقون على أَن العَبْد فَاعل حَقِيقَة وَالله تَعَالَى خَالق ذَاته وَصِفَاته وأفعاله فَكل مَا يَقع من الْعباد بإرادتهم ومشيئتهم فَهُوَ الَّذِي جعلهم فاعلين لَهُ بمشيئتهم وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يكرههم على مَا لَا يريدوه كَمَا يكره الْمَخْلُوق الْمَخْلُوق وَمن قَالَ لَا مَشِيئَة فِي الْخَيْر وَلَا فِي الشَّرّ فقد كذب وَمن قَالَ أَنه يَشَاء شَيْئا من الْخَيْر وَالشَّر بِدُونِ مَشِيئَة الله فقد كذب بل لَهُ مَشِيئَة لكل مَا يَفْعَله بِاخْتِيَارِهِ من خير وَشر وكل ذَلِك إِنَّمَا يكون بِمَشِيئَة الله وَقدرته فَلَا بُد من الْإِيمَان بِهَذَا وَهَذَا ليحصل الْإِيمَان بِالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَالْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره وَإِن مَا أصَاب العَبْد لم يكن ليخطئه وَمَا أخطأه لم يكن ليصيبه
وَقَالَ ابْن الْقيم إِن مرتبَة الْمَشِيئَة قد دلّ عَلَيْهَا إِجْمَاع الرُّسُل من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم وَجَمِيع الْكتب الْمنزلَة من عِنْد الله والفطرة الَّتِي فطر الله عَلَيْهَا خلقه وأدلة الْعُقُول والعيان وَلَيْسَ فِي الْوُجُود مُوجب وَمُقْتَضى إِلَّا مَشِيئَة الله وَحده فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن هَذَا عُمُوم التَّوْحِيد الَّذِي لَا يقوم إِلَّا بِهِ والمسلمون من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم مجمعون على أَنه مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا
стр. 1406
لم يَشَأْ لم يكن وَخَالفهُم فِي ذَلِك من لَيْسَ مِنْهُم فِي هَذَا الْموضع وَإِن كَانَ مِنْهُم فِي مَوضِع آخر فجوزوا أَن يكون فِي الْوُجُود مَا لَا يَشَاء الله وَإِن يَشَاء مَا لَا يكون وَخَالف الرُّسُل كلهم وأتباعهم من نفي مَشِيئَة الله بِالْكُلِّيَّةِ وَلم يثبت لَهُ سُبْحَانَهُ مَشِيئَة واختيارا أوجد بهَا الْخلق كَمَا يَقُوله طوائف من أَعدَاء الرُّسُل من الفلاسفة وأتباعهم
стр. 1407
الْفَصْل الثَّامِن إِيمَان الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من السّلف بِالْقدرِ
الْآثَار المروية عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من عُلَمَاء السّنة فِي إِثْبَات الْقدر وَالرَّدّ على الْقَدَرِيَّة كَثِيرَة جدا أَتَى بهَا ابْن بطة فِي هَذَا الْكتاب على منهجين
الْمنْهَج الأول ذكره لَهَا عقب إِيرَاد الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة حَيْثُ يسْتَدلّ أَولا على مَا تضمنته أَبْوَاب الْكتاب من مَوْضُوعَات الْقدر بِالْآيَاتِ القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة ثمَّ يقفى عَلَيْهَا بالآثار المروية عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة وَقد يَسُوق هَذِه الْآثَار خلال مَا يذكرهُ من الْآيَات وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة
الْمنْهَج الثَّانِي أَنه خص الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة من الْجُزْء التَّاسِع من هَذَا الْكتاب وَجَمِيع الْجُزْء الْعَاشِر وَفِيه ثَلَاثَة أَبْوَاب يذكر أَقْوَال هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين من عُلَمَاء الحَدِيث وَالْفِقْه وَالتَّفْسِير فَبَدَأَ أَولا بِبَيَان مَذْهَب الشَّيْخَيْنِ أَبُو بكر وَعمر ﵄ ثمَّ أتبع ذَلِك بِكَلَام بَقِيَّة أجلاء الصَّحَابَة مثل عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن عَبَّاس وَابْن عمر وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن سَلام وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وسلمان الْفَارِسِي وَأبي الدَّرْدَاء وَسَعِيد بن أبي وَقاص وَأبي هُرَيْرَة وَعمْرَان بن
стр. 1408
الْحصين وَأبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَأبي ذَر وبلال بن رَبَاح وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان وَغَيرهم من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
ثمَّ أعقب ذَلِك بِبَيَان مَذْهَب التَّابِعين فِي الْقدر مِنْهُم الْحسن الْبَصْرِيّ ومطرف بن شخير وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد بن جبر وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ ووهب بن مُنَبّه وطاووس الْيَمَانِيّ وَمَكْحُول وَعِكْرِمَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَأَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ ثمَّ يَلِي ذَلِك بَيَان مَذْهَب من بعد التَّابِعين من الْمُحدثين والمفسرين وَالْفُقَهَاء مثل الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك بن أنس وسُفْيَان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَالْإِمَام الشَّافِعِي وَغَيرهم من فُقَهَاء الْأمة ومحدثيهم مِمَّن يطول ذكر أسمائهم تَفْصِيلًا وَفِيمَا يَلِي موجز لمَذْهَب هَؤُلَاءِ السّلف فِي الْقدر كَمَا بَينه ابْن بطة من خلال أَقْوَالهم الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُم فهم يُؤمنُونَ جَمِيعًا بِأَن الله تَعَالَى قدر مقادير الْخَلَائق كلهَا قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين بِخَمْسِينَ ألف سنة وَأَنه تَعَالَى خَالق كل شَيْء فَلَا يُوجد فِي ملكه إِلَّا مَا يُرِيد وَقدر الْخَيْر وَالشَّر وأفعال الْعباد جَمِيعًا فَالْعَبْد لَا يملك لنَفسِهِ الْهِدَايَة والضلال والضر والنفع والسعادة والغواية فَالله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يقدر ذَلِك وَحده فَالْعَبْد دَائِما أمره تَحت مَشِيئَة الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يخلق الْإِنْسَان شقيا أَو سعيدا ويخلق فريقا من النَّاس للجنة وفريقا للسعير وَقد أَخذ ذُرِّيَّة آدم من ظَهره فَبين أهل الْجنَّة من أهل النَّار وَيسر عمل السَّعَادَة للسعداء فجعلهم بذلك من أهل الْجنَّة وَيسر عمل الشَّقَاء للأشقياء فجعلهم بذلك من أهل النَّار يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَيخْتم على قُلُوب من أَرَادَهُ من عباده وَيجْعَل الغشاوة عَلَيْهِم فَلَا يسمعُونَ نِدَاء الْحق وَلَا يبصرون نور الْهِدَايَة ويؤمنون بضرورة نَفاذ الْقدر الإلهي فَلَو أطبق الْعَالم على خلاف مُرَاده لَا ينفذ إِلَّا مَا يُريدهُ وهم يُؤمنُونَ كَذَلِك بَان إِزَالَة الْجَبَل من مَكَانَهُ أَهْون من إِزَالَة مَا قدره الله أزلا وانه كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن من رزق وقحط وإحياء وإماتة يُؤْتِي الْملك من يَشَاء وينزعه مِمَّن يَشَاء
стр. 1409
ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء وَأَنه تَعَالَى خلق آدم للْأَرْض يَوْم ان خلق فَلَا بُد من ان يَأْكُل من الشَّجَرَة الَّتِي كَانَت سَببا لِخُرُوجِهِ من الْجنَّة
وَقدر الأقوات والأرزاق قبل الأجساد وَكَانَ الْقدر قبل الْبلَاء وأنزلهم الغرف قبل أَن يطيعوه وَالنَّار قبل أَن يعصوه وكل مقتول لَا يقتل إِلَّا فِي أَجله الْمَكْتُوب وموعده المحدد لَهُ دون تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير عَن أَجله الْمُسَمّى فالخلق أدق شَأْنًا من أَن يعصوا الله طرفَة عين بِمَا لَا يُرِيد وَالْإِيمَان بِالْقدرِ عِنْد هَؤُلَاءِ السّلف الصَّالح هُوَ العروة الوثقى لَا انفصام لَهَا وَمن لم يُؤمن بِالْقدرِ كَانَ ذَلِك عِنْدهم نقضا للتوحيد لِأَن الْإِيمَان بِالْقدرِ هُوَ نظام التَّوْحِيد وَقد اوضحوا ذَلِك للْأمة خير توضيح فِي خطبهم ورسائلهم وَفِي محاوراتهم مَعَ المنكرين للقدر مِمَّا رَوَاهُ ابْن بطة عَنْهُم وهم يُؤمنُونَ بِأَن كل امرىء يعْمل فِيمَا فرغ مِنْهُ علما وتقديرا وَكِتَابَة وَمَعَ ذَلِك فهم يَعْتَقِدُونَ بِأَنَّهُ كَذَلِك لَا بُد من الْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة فَلَا يتم إِيمَان امرىء إِلَّا بِالْجمعِ بَين الْإِيمَان بِالْقدرِ وَالْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة أمرا ونهيا ويؤمنون بِأَن السُّعَدَاء يدْخلُونَ الْجنَّة مهما عمِلُوا من عمل أهل النَّار إِذْ يخْتم لَهُم بِعَمَل أهل السَّعَادَة وَبِأَن الأشقياء يكون مآلهم إِلَى النَّار مهما عمِلُوا من عمل أهل الْجنَّة إِذْ يخْتم لَهُم بِعَمَل أهل النَّار وكل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَأَن أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ إِذا أَرَادَ الله لَهُ ذَلِك أزلا وَإِلَّا فَلَا وَأَنه تَعَالَى لَو عذب أهل سماواته وَأهل أرضه عذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو أدخلهم الْجنَّة كَانَت رَحمته بهم أوسع من أَعْمَالهم وَخيرا لَهُم من تِلْكَ الْأَعْمَال وَلَو كَانَ لامرىء مثل أحد ذَهَبا يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الله لَا يقبل الله مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره وَمِمَّا اعْتمد عَلَيْهِ ابْن بطة فِي إِيضَاح مَذْهَب السّلف فِي الْقدر مَا نقل إِلَيْنَا كثيرا فِي هَذَا الْبَاب من تَفْسِير السّلف لآيَات الْقدر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم بِمَا يُوَافق مَذْهَب السّلف من إِثْبَات الْقدر وَالرَّدّ على الْقَدَرِيَّة نقل ذَلِك إِلَيْنَا عَن مشاهير أَئِمَّة الْمُفَسّرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة بأسانيد مُتَّصِلَة إِلَيْهِم مِنْهُم حبر الْأمة عبد الله بن عَبَّاس وَمُجاهد بن
стр. 1410
جبر وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَزيد بن أسلم وَأَبُو الْعَالِيَة وضحاك بن مُزَاحم وَكثير غَيرهم موضحا بذلك مَذْهَب السّلف بِالْقدرِ خير توضيح وَقد جَاءَ التحذير فِي كَلَام كثير من السّلف عَن الْجِدَال فِي الْقدر وَالِاسْتِمَاع إِلَى كَلَام الْقَدَرِيَّة ومجالستهم وعيادة مرضاهم وتشييع موتاهم وَالصَّلَاة خَلفهم وَعَلَيْهِم إِذا مَاتُوا وعللوا ذَلِك بِأَنَّهُم نَصَارَى هَذِه الْأمة ومجوسها وَمِنْهُم من شبههم باليهود تَارَة وبالمنانية أُخْرَى وقرروا رد شَهَادَتهم إِذا شهدُوا على شَيْء وَقد نقل ابْن بطة عَن السّلف الصَّالح أَنهم كَانُوا لَا يكلمون من كَانَ مُتَّهمًا بِالْقدرِ
وَمن السّلف من يرى أَنه يجب أَن تسل ألسنتهم من أقفيتهم وَفِي رِوَايَة عَنْهُم أَنهم يستتابون فَإِن تَابُوا وَإِلَّا نفوا عَن ديار الْمُسلمين وَهُنَاكَ رَأْي آخر لَهُم انهم يستتابون وَإِلَّا ضربت أَعْنَاقهم وَيَقُولُونَ إِن النَّصَارَى أشركت الْمَسِيح وَالْيَهُود أشركت عَزِيزًا والقدرية أشركت نَفسهَا والشيطان وَقد أفتى جمَاعَة من السّلف مِنْهُم حَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد بن زيد وَيزِيد بن زُرَيْع وَبشر بن الْمفضل والمعتمر بن سُلَيْمَان أَن من زعم أَنه يَسْتَطِيع أَن يَشَاء خلاف مَشِيئَة الله فِي ملكه فقد أصبح مُشْركًا حَلَال الدَّم إِلَّا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان فَإِنَّهُ قَالَ الْأَحْسَن من السُّلْطَان استتابته وَقد أفتى مَالك عدم جَوَاز تَزْوِيج الْقَدَرِيَّة مستدلا بقوله تَعَالَى ﴿ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار وَالله يَدْعُو إِلَى الْجنَّة وَالْمَغْفِرَة بِإِذْنِهِ وَيبين آيَاته للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون﴾
كَمَا أفتى بِعَدَمِ جَوَاز الصَّلَاة خَلفهم وَأمر الْبَعْض من السّلف وَهُوَ جَعْفَر ابْن مُحَمَّد رجلا صلى خلف القدري خمسين سنة ان يُعِيد صَلَاة خمسين سنة الَّتِي صلاهَا خَلفه وحذر وَاثِلَة بن الْأَسْقَع وَهُوَ صَاحب رَسُول الله ﷺ عَن
стр. 1411
الصَّلَاة خلف القدري كَمَا حذر وَكِيع أَيْضا أَن لَا يُصَلِّي خلف قدري وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي عِنْدَمَا رأى قوما يتجادلون فِي الْقدر بَين يَدَيْهِ لِأَن يلقى الله العَبْد بِكُل ذَنْب مَا خلا الشّرك بِاللَّه خير من ان يلقاه بِشَيْء من هَذَا الْأَهْوَاء كَانَ هَذَا قَلِيلا من كثير مِمَّا شرح بِهِ ابْن بطة مَذْهَب السّلف فِي مَسْأَلَة الْقَضَاء وَالْقدر وَهُوَ فِي حَقِيقَته يرجع إِلَى مَدْلُول الْكتاب وَالسّنة الَّذِي تقدم بَيَانه من خلال دراستنا لنصوص الْكتاب وَالسّنة الَّتِي أوردهَا ابْن بطة فِي أَبْوَاب هَذَا الْكتاب
وَكَانَ مَقْصُود ابْن بطة ﵀ من إِيرَاد مَذْهَب السّلف وَشرح موقفهم من مَسْأَلَة الْقدر بعد عرضه لأدلة الْكتاب وَالسّنة كَانَ مَقْصُوده بذلك التَّنْبِيه على أَن مَذْهَب السّلف لَا يخْتَلف عَن مَدْلُول نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فِي مَسْأَلَة الْقدر كَمَا هُوَ الْحَال فِي سَائِر مسَائِل العقيدة
стр. 1412
الْفَصْل التَّاسِع الرَّد على الْقَدَرِيَّة وَبَيَان حكمهم فِي الدُّنْيَا وجزاؤهم فِي الْآخِرَة
وَقد تكلم الْمُؤلف عَن الْقَدَرِيَّة فِيمَا ذكره من الْآيَات وَالْأَحَادِيث والْآثَار المروية عَن الْأَئِمَّة فِي بَابَيْنِ من هَذَا الْكتاب وَهِي الْبَاب السَّابِع من الْجُزْء التَّاسِع وعنوانه بَاب مَا رُوِيَ فِي المكذبين بِالْقدرِ
وَالْبَاب الأول من الْجُزْء الْحَادِي عشر وموضوعه بَاب جَامع فِي الْقدر وَمَا رُوِيَ فِي أَهله
وَقد تضمن هَذَانِ البابان الْكَلَام فِي الموضوعات الْآتِيَة
١ - الرَّد على المكذبين بِالْقدرِ بإثباته عَن طَرِيق الْكتاب وَالسّنة وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَا تضمنته بعض المناظرات بَين أهل السّنة والقدرية من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة
٢ - بَيَان حكم الْقَدَرِيَّة فِي الدُّنْيَا
٣ - بَيَان جزائهم فِي الْآخِرَة
وَلَقَد قوبلت الْقَدَرِيَّة بِجَمِيعِ طوائفها بردود فعل عنيفة من قبل عُلَمَاء السّنة ابْتِدَاء من عهد الصَّحَابَة الَّذين أدركوا نشأتهم مثل عبد الله بن عمر وَابْن عَبَّاس وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة وَقد جمع ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب أَدِلَّة متنوعة
стр. 1413
فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة من الْآيَات وَالْأَحَادِيث والْآثَار المنقولة عَن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من فُقَهَاء الْمُسلمين وأئمتهم وَمن المحاورات والمناظرات وَمن كَلَام الْعَرَب وأشعارهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام فِي إِثْبَات الْقَضَاء وَالْقدر وَمن الرسائل الْمَكْتُوبَة من عُلَمَاء السّنة إِلَى المنكرين للقدر إِجَابَة عَن سُؤَالهمْ عَن الْقدر مثل رِسَالَة عمر بن عبد الْعَزِيز لعامله بعد أَن طلب ذَلِك مِنْهُ حث فِيهَا على لُزُوم السّنة ومجانبة الْبِدْعَة ورسالة أُخْرَى مُطَوَّلَة لعبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون توسع فِيهَا فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة على ضوء مفاهيم الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة كل ذَلِك أوردهُ ابْن بطة اسْتِدْلَالا بِهِ على وجوب إِثْبَات الْقدر وَلُزُوم الْإِيمَان والتصديق بِهِ وإيذانا بِأَنَّهُ لَا مجَال للشَّكّ فِي ثُبُوت الْقدر وَوُجُوب الْإِيمَان بِهِ بعد هَذِه الْأَدِلَّة اليقينية القاطعة الصَّرِيحَة فِي الْمَوْضُوع فَمن الْأَدِلَّة الصَّرِيحَة الْوَاضِحَة فِي إِثْبَات الْقدر قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ وَقد نزلت الْآيَة الْكَرِيمَة عِنْدَمَا قَالَ أَبُو جهل الْأَمر إِلَيْنَا إِن شِئْنَا استقمنا وَإِن شِئْنَا لم نستقم
وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء لما سُئِلَ عَن الْقدر يَكْفِي حجَّة ثَلَاث آيَات من كتاب الله وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾
وَقَوله ﴿فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿كلا إِنَّهَا تذكرة فَمن شَاءَ ذكره﴾
جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا
стр. 1414
فَقَالَ النَّاس مَه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دَعْوَة كنت نَبيا وآدَم بَين الرّوح والجسد // صَحِيح // وَهَذَا يَعْنِي انه سببق فِي علم الله تَعَالَى قبل أَن يخلق نبيه وَكتب عِنْده فِي أم الْكتاب انه نَبِي هَذِه الْأمة ثمَّ خلقه الله نَبيا مُرْسلا كَمَا علم أزلا فَالْحَدِيث دَلِيل صَرِيح فِي إِثْبَات الْقدر
وَفِي الْأَثر عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لقد أخرج الله آدم من الْجنَّة قبل أَن يدخلهَا يَعْنِي أَنه تَعَالَى قدر خُرُوج آدم من الْجنَّة قبل أَن يسكنهُ إِيَّاهَا لكَي يسكنهُ فِي الأَرْض مَعَ ذُريَّته إِلَى اجل مُسَمّى ثمَّ قَرَأَ ابْن عَبَّاس ﵁ هَذِه الْآيَة ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ الْآيَة
وَمِمَّا أبطل بِهِ الْعلمَاء حجج المكذبين بِالْقدرِ وَمَا يَظُنُّونَهُ من ظلم الله لعَبْدِهِ إِذا جازاه على مَا قدره عَلَيْهِ من الضلال مِمَّا أبطل بِهِ الْعلمَاء ذَلِك مَا يرَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو عِصَام الْعَسْقَلَانِي وَغَيرهمَا من أهل الْعلم من أَن الظُّلم والجور إِنَّمَا يكونَانِ من صِفَات الله لَو قُلْنَا بِوُجُوب هِدَايَة الله وعصمته للْعَبد أما وَإِن ذَلِك فِي حَقِيقَته تفضل مِنْهُ فَأمر الْفضل إِلَيْهِ يؤتيه من يَشَاء من عباده ويمنعه من يَشَاء وَلَا لوم يلْحقهُ فِي ذَلِك
وَمن الْأَشْعَار الَّتِي جَاءَ فِيهَا إِثْبَات الْقدر قَول لبيد
(إِن تقوى رَبنَا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وَعجل)
(من هداه سبل الْخَيْر اهْتَدَى ... ناعم البال وَمن شَاءَ أضلّ)
وَقَول نَابِغَة أَيْضا
(وَلَيْسَ امْرُؤ نائلا من هَوَاهُ ... شَيْئا إِذا هُوَ لم يكْتب)
стр. 1415
أما حكم الْقَدَرِيَّة فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُم يعاملون مُعَاملَة الْكفَّار فَلَا تُعَاد مرضاهم وَلَا تشيع موتاهم وَلَا يصلى خَلفهم وَلَا يجالسون وَلَا يكلمون وَلَا ينْكحُونَ وَذَلِكَ لقَوْله ﷺ إِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم وَلَا تصلوا عَلَيْهِم وهم شيعَة الدَّجَّال وَحقّ على الله أَن يلحقهم بالدجال // حسن لغيره //
وَأفْتى مَالك ﵀ أَن لَا يصلى خلف القدري وَلَا ينْكح لَهُ وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيّ عَن القدري فَقَالَ لَا تُجَالِسُوهُمْ وَمنع غير وَاحِد من السّلف عَن مجالسة الْقَدَرِيَّة وَقد بَين ابْن بطة أَن الابتعاد عَن الْقَدَرِيَّة وَترك مجالستهم يعْصم الْمَرْء عَن فتنتهم اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك من رجل عَالم يُرِيد إِقَامَة الْحجَّة على الْقَدَرِيَّة وإجراء المناظرة مَعَهم لكَي يبين لَهُم فَسَاد مَذْهَبهم وخطر رَأْيهمْ الَّذِي قد يخفى على كثير من النَّاس فَلَا مَانع حِينَئِذٍ من إِجْرَاء المناظرة والمناقشة مَعَ الْقَدَرِيَّة اما جَزَاء المكذبين بِالْقدرِ فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُ كفار من أَصْحَاب النَّار اسْتشْهد ابْن بطة على ذَلِك بِكَثِير من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة والْآثَار المنقولة عَن السّلف من ذَلِك قَوْله تَعَالَى إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ جَاءَ مُشْرِكُوا قُرَيْش إِلَى رَسُول الله ﷺ يخاصمونه بِالْقدرِ فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر﴾ الْآيَة
стр. 1416
وقرأمحمد بن كَعْب الْقرظِيّ هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ مَا نزلت إِلَّا تعبيرا لأهل الْقدر
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ فوَاللَّه مَا نزلت هَذِه الْآيَة إِلَّا فيهم يَعْنِي فِي الْقَدَرِيَّة
وَقَالَ ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة عَاق وَلَا مدمن خمر وَلَا مكذب بِالْقدرِ // حَدِيث حسن //
كَمَا وَردت عدَّة رِوَايَات أُخْرَى عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم تنص على أَن الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة من ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن عمر وَحُذَيْفَة وَأَبُو هُرَيْرَة بطرق مُتعَدِّدَة ان النَّبِي ﷺ قَالَ إِن لكل أمة مجوسا ومجوس هَذِه الْأمة الْقَدَرِيَّة فَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشيعوهم وَلَا تصلوا عَلَيْهِم
وَقَالَ ابْن مَسْعُود مَا كَانَ كفر بعد نبوة إِلَّا كَانَ مفتاحه التَّكْذِيب بِالْقدرِ
وَقَالَ نَافِع مولى ابْن عمر اولئك قوم كفرُوا بعد إِيمَانهم يَعْنِي
стр. 1417
الْقَدَرِيَّة
وَجَاء رجل إِلَى عبد الله بن عمر ﵄ فَقَالَ نَاس يَتَكَلَّمُونَ بِالْقدرِ فَقَالَ أُولَئِكَ القدريون وَأُولَئِكَ يصيرون إِلَى أَن يَكُونُوا مجوس هَذِه الْأمة
стр. 1418
الْفَصْل الْعَاشِر النَّهْي عَن الْبَحْث فِي الْقدر
بَين ابْن بطة وجوب الْإِمْسَاك عَن الْخَوْض فِي الْقدر فِي أول الْخطْبَة لهَذَا الْكتاب بِمَا اسْتشْهد بِهِ من الْأَحَادِيث والْآثَار عَن السّلف وَبَين أَن ذَلِك مَذْهَب أهل السّنة ثمَّ عقد بَابا خَاصّا لهَذَا الْغَرَض وَهُوَ الْبَاب الثَّالِث من الْجُزْء الْحَادِي عشر وعنوانه بَاب مَا أَمر النَّاس من ترك الْبَحْث والتنقير عَن الْقدر والخوض فِيهِ
وَقد جَاءَ النَّهْي عَن الْخَوْض والجدال فِي الْقدر فِي أَحَادِيث وآثار مَرْفُوعَة ذكرهَا ابْن بطة فِي هَذَا الْبَاب يُسْتَفَاد مِنْهَا وجوب الْإِمْسَاك عَن الْكَلَام فِي الْقدر وَعَن السُّؤَال عَنهُ بكيف ولماذا قدر كَذَا وَكَذَا وَذَلِكَ لِأَن الْقدر سر من أسرار الله اخْتصَّ بِهِ الرب فَلم يطلع عَلَيْهِ احدا من خلقه فَلَا يَنْبَغِي للمخلوق التطلع إِلَى مَا لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته فَلَا يسْأَل عَن الْحِكْمَة فِي الْقدر وسر الله فِيهِ فَالْوَاجِب الْإِيمَان وَالتَّسْلِيم ورد مَا اسْتشْكل من حكمه إِلَى الله تَعَالَى دون أَن يجْهد نَفسه للسؤال عَن الْحِكْمَة والسر فِيهِ فقد خرج رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم على أَصْحَابه وهم يتنازعون فِي الْقدر فَكَأَنَّمَا فقئ فِي وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ أَبِهَذَا أمرْتُم أَبِهَذَا وكلتم انْظُرُوا مَا أَمرتهم فَاتَّبعُوهُ وَمَا نهيتهم عَنهُ فَاجْتَنبُوهُ إِنَّمَا هَلَكت الْأُمَم قبلكُمْ فِي هَذَا إِذا ذكر الْقدر فأمسكوا وَإِذا ذكر أَصْحَابِي فأمسكوا وَإِذا ذكر النُّجُوم فأمسكوا ... إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث
стр. 1419
المروية فِي هَذَا الْبَاب فِي النَّهْي عَن الْخَوْض فِي الْقدر
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ لما سُئِلَ عَن الْقدر شَيْء أَرَادَ الله أَن لَا يطلعكم عَلَيْهِ فَلَا تريدوا من الله مَا أَبى عَلَيْكُم ووقف ذَات يَوْم على أنَاس يتحدثون فِي الْقدر فَقَالَ إِنَّكُم قد أَفَضْتُم فِي أَمر لن تدركوا غوره
وَبلغ عمر بن الْخطاب أَن نَاسا تكلمُوا فِي الْقدر فَقَامَ خطييبا وحذرهم عَن ذَلِك قَائِلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أسمع رجلَيْنِ تكلما فِيهِ إِلَّا ضربت أعناقهما فَأمْسك النَّاس عَن الْكَلَام فِي الْقدر حَتَّى نبغت نَابِغَة أَو نبغة بِالشَّام
وَقد أوضح ابْن بطة موقف عَامَّة السّلف ومنهجهم فِي مَسْأَلَة الْقدر فَقَالَ وَقد كَانَ سلفنا وأئمتنا رَحْمَة الله عَلَيْهِم يكْرهُونَ الْكَلَام فِي الْقدر وَينْهَوْنَ عَن خصومه أَهله وموادعتهم القَوْل أَشد النَّهْي ويتبعون فِي ذَلِك السّنة وآثار الْمُصْطَفى ﷺ
وَبعد ان ذكر ابْن بطة ادلة وجوب الْإِمْسَاك عَن الْكَلَام فِي الْقدر قَالَ مَا نَصه
فَجَمِيع مَا قدر وبيناه فِي هَذَا الْبَاب يلْزم الْعُقَلَاء الْإِيمَان بِالْقدرِ وَالرِّضَا وَالتَّسْلِيم لقَضَاء الله وَقدره وَترك الْبَحْث والتنقير وَإِسْقَاط لم وَكَيف وليت وَلَوْلَا فَإِن هَذَا كُله اعتراضات من العَبْد على ربه وَمن الْجَاهِل على الْعَالم مُعَارضَة من الْمَخْلُوق الضَّعِيف الذَّلِيل على الْخَالِق الْقوي الْعَزِيز وَالرِّضَا وَالتَّسْلِيم طَرِيق الْهدى وسبل اهل التَّقْوَى وَمذهب من شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه فَهُوَ يُؤمن بِالْقدرِ كُله خَيره وشره وَأَنه وَاقع بمقدور الله جرى وَمن يعلم أَن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
стр. 1420
وَمن الجدير بِالذكر أَن ابْن بطة قد أجَاب عَمَّا قد يسْتَشْكل فِي هَذَا الْمقَام حَيْثُ يُوجد هُنَاكَ أَدِلَّة أُخْرَى على خلاف مَا تقدم يُسْتَفَاد مِنْهَا جَوَاز الْكَلَام والمناقشة فِي مَسْأَلَة الْقدر وَإجَابَة عَن هَذَا الْإِشْكَال قَالَ مَا نَصه
فَإِن قَالَ قَائِل هَذَا فقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وَعَن جمَاعَة من التَّابِعين وفقهاء الْمُسلمين أَنهم تكلمُوا فِيهِ وفسروا آيَات من الْقُرْآن يدل ظَاهرهَا وتفسيرها على الْعلم بِالْقدرِ وَقد رَأينَا جمَاعَة من الْعلمَاء ألفوا فِيهِ كتبا وصنفوه أبوابا وَرووا أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ تعلمُوا من الْقدر مَا لَا تضلون وَهَذَا مُخَالف لقَوْله إِذا ذكر الْقدر فأمسكوا فإنني أرجع إِلَيْهِ بِجَوَاب مَا سَأَلَ عَنهُ من ذَلِك بِأَن أَقُول لَهُ اعْلَم رَحِمك الله أَن كلا الْوَجْهَيْنِ صَحِيحَانِ وكلا الْأَمريْنِ وَاجِب الْقبُول لَهما وَالْعَمَل بهَا وَذَلِكَ ان الْقدر على وَجْهَيْن احدهما فرض علينا علمه ومعرفته وَالْإِيمَان بِهِ والتصديق بِجَمِيعِهِ وَالْآخر فَحَرَام علينا التفكير فِيهِ وَالْمَسْأَلَة عَنهُ والمناظرة عَلَيْهِ وَالْكَلَام لأَهله وَالْخُصُومَة بِهِ فَالْوَاجِب علينا علمه والتصديق بِهِ وَالْإِقْرَار بِجَمِيعِهِ أَن نعلم أَن الْخَيْر وَالشَّر من الله وَأَن الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة بِقَضَاء الله وَقدره وان مَا أَصَابَنَا لم يكن ليخطئنا وَمَا اخطأنا لم يكن ليصيبنا وَأَن الله خلق الْجنَّة وَخلق لَهَا أَهلا وعلمهم بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم ووفقهم لأعمال الصَّالِحَة رضيها أَمرهم بهَا فوفقهم لَهَا وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهَا وشكرهم بهَا وأثابهم الْجنَّة عَلَيْهَا تفضلا مِنْهُ وَرَحْمَة وَخلق النَّار وَخلق لَهَا أَهلا أحصاهم عددا وَعلم مَا يكون مِنْهُم وَقدر عَلَيْهِم مَا كرهه لَهُم خذلهم بهَا وعذبهم لأَجلهَا غير ظَالِم لَهُم وَلَا هم معذورون فِيمَا حكم عَلَيْهِم بِهِ فَكل هَذَا وأشباهه من علم الْقدر الَّذِي لزم الْخلق علمه وَالْإِيمَان بِهِ وَالتَّسْلِيم لأمر الله وَحكمه وقضائه وَقدره لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
وَسَيَأْتِي من علم الْقدر وَمَا يجب على الْمُسلمين علمه والمعرفة بِهِ وَمَا لَا يسعهم جَهله مشروحا مفصلا فِي أبوابه على مَا جَاءَ نَص التَّنْزِيل وَمَضَت بِهِ سنة
стр. 1421
الرَّسُول ﷺ وَبِاللَّهِ نستعين وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
واما الْوَجْه الآخر من علم الْقدر الَّذِي لَا يحل النّظر فِيهِ وَلَا الْفِكر بِهِ وَحرَام على الْخلق القَوْل فِي كَيفَ وَلم وَمَا السَّبَب مِمَّا هُوَ سر الله المخزون وَعلمه الْمكنون الَّذِي لم يطلع عَلَيْهِ مُكَلّفا مقربا وَلَا نَبيا مُرْسلا وحجب الْعُقُول عَن تخيل كنه علمه والناظر فِيهِ كالناظر فِي عين الشَّمْس كلما ازْدَادَ فِيهِ نظرا إزداد فِيهِ تحيرا وَمن الْعلم بكيفيتها بعدا فَهُوَ التفكر فِي الرب كَيفَ فعل كَذَا وَكَذَا ثمَّ يقيس فعل الله بِفعل عباده فَمَا رَآهُ من فعل الْعباد جورا يظنّ أَنما مَا كَانَ من فعل مثله جور فينفي ذَلِك الْفِعْل عَن الله فَيصير بَين أَمريْن إِمَّا ان يعْتَرف لله بِقَضَائِهِ وَقدره وَيرى أَنه جور من فعله وَإِمَّا أَن يرى مِمَّن ينزه الله عَن الْجور فينفي عَنهُ قَضَاءَهُ وَقدره فَيجْعَل مَعَ الله آلِهَة كَثِيرَة يحولون بَين الله وَبَين مَشِيئَته فبالفكر فِي هَذَا أَو شبهه والتفكير والبحث والتنقير مِنْهُ هَلَكت الْقَدَرِيَّة حَتَّى صَارُوا زنادقة وملحدة ومجوسا حَيْثُ قاسوا فعل الرب بِأَفْعَال الْعباد وشبهوا الله بخلقه وَلم يعوا عَنهُ وَمَا خاطبهم بِهِ حَيْثُ يَقُول لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
стр. 1422
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْجُزْء الثَّامِن من كتاب الْإِبَانَة عَن شَرِيعَة الْفرْقَة النَّاجِية ومجانبة الْفرق المذمومة وَهُوَ الأول من كتاب الْقدر تأليف أبي عبد الله عبيد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حمدَان بن بطة ﵁ رِوَايَة الشَّيْخ أبي الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ البسري بِالْإِجَازَةِ عَنهُ ﵁ رِوَايَة الشَّيْخ الإِمَام أبي الْحسن على بن عبيد الله بن نصر بن عبيد الله بن الزَّاغُونِيّ نفعنا الله وإياه بِالْعلمِ آمين
فِيهِ ثَمَانِيَة أَبْوَاب
١ - بَاب ذكر مَا أخبرنَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَنه ختم على قُلُوب من أَرَادَ من عباده فهم لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحق وَلَا يسمعونه وَلَا يبصرونه وَأَنه طبع على قُلُوبهم
٢ - بَاب ذكر مَا أعلمنَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَنه يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَأَنه لَا يهدي بِالْمُرْسَلين والكتب والآيات والبراهين إِلَّا من سبق فِي علم الله أَنه يهديه
стр. 1423
٣ - بَاب ذكر مَا أخبرنَا الله تَعَالَى أَنه أرسل الْمُرْسلين إِلَى النَّاس يَدعُونَهُمْ إِلَى عبَادَة رب الْعَالمين ثمَّ أرسل الشَّيَاطِين على الْكَافرين تحرضهم على تَكْذِيب الْمُرْسلين وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
٤ - بَاب ذكر مَا أعلمنَا الله تَعَالَى أَن مَشِيئَة الْخلق تبع لمشيئته وَأَن الْخلق لَا يشاؤون إِلَّا مَا شَاءَ الله
٥ - بَاب مَا رُوِيَ أَن الله تَعَالَى خلق خلقه كَمَا شَاءَ لما شَاءَ فَمن شَاءَ خلقه للجنة وَمن شَاءَ خلقه للنار سبق بذلك علمه وَنفذ فِيهِ حكمه وَجرى بِهِ قلمه وَمن جَحده فَهُوَ من الْفرق الهالكة
٦ - بَاب الْإِيمَان بِأَن الله أَخذ ذُرِّيَّة آدم من ظَهره فجعلهم فريقين فريقا للجنة وفريقا للسعير
٧ - بَاب الْإِيمَان بِأَن الله قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين وَمن خَالف ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
٨ - بَاب الْإِيمَان بِأَن الله تَعَالَى خلق الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَكتب مَا هُوَ كَائِن فَمن خَالفه فَهُوَ من الْفرق الهالكة
стр. 1424
مُقَدِّمَةٌ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَهْلِ الْحَمْدِ وَوَلِيِّهِ، الْمَنَّانِ، الْجَوَّادِ، الَّذِي ثَوَابُهُ جَزْلٌ، وَعَطَاؤُهُ فَضْلٌ، وَأَيَادِيهِ مُتَتَابِعَةٌ، وَنِعْمَاؤُهُ سَابِغةٌ، وَإِحْسَانُهُ مُتَوَاتِرٌ، وَحُكْمُهُ عَدْلٌ، وَقَوْلُهُ فَصْلٌ، حَصَرَ الْأَشْيَاءَ فِي قُدْرَتِهِ، وَأَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ وَنَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ يَا إِخْوَانِي، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِأَقْصَدِ الطَّرِيقِ وَأَهْدَاهَا، وَأَرْشَدِ السُّبُلِ وَأَسْوَاهَا، فَهِيَ طَرِيقُ الْحَقِّ الَّتِي اخْتَارَهَا وَارْتَضَاهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ أَقْصَدُ الطُّرُقِ، وَمَنَاهِجَهُ أَوْضَحُ الْمْنَاهِجِ، وَهِيَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَجَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ رَأَيًا مُتَّبَعًا وَلَا هَوًى مُبْتَدَعًا وَلَا إِفْكًا مُخْتَرَعًا، وَهُوَ الْإِقْرَارُ لِلَّهِ بِالْمُلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْأُمُورِ، سَابِقُ الْعِلْمِ بِكُلِّ كَائِنٍ، وَنَافِذُ الْمَشِيئَةِ فِيمَا يُرِيدُ، كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُ وَكُلُّ مَا هُوَ فِيهِ بِقَضَاءٍ
стр. 1425
وَتَدْبِيرٍ , لَيْسَ مَعَهُ شَرِيكٌ وَلَا دُونَهُ مُدْبِرٌ وَلَا لَهُ مُضَادٌّ , بِيَدِهِ تَصَارِيفُ الْأُمُورِ , وَهُوَ الْآخِذُ بِعُقَدِ النَّوَاصِي , وَالْعَالِمُ بِخَفِيَّاتِ الْقُلُوبِ وَمَسْتُورَاتِ الْغُيُوبِ , فَمَنْ هَدَاهُ بِطَوْلٍ مِنْهُ اهْتَدَى , وَمَنْ خَذَلَهُ ضَلَّ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا عُذْرٍ , خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَخَلَقَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَهْلًا هُمْ سَاكِنُوهَا , أَحْصَاهُمْ عَدَدًا , وَعَلِمَ أَعْمَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ , وَجَعَلَهُمْ شَقِيًّا وَسَعِيدًا , وَغَوِيًّا وَرَشِيدًا , وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ وَأَخَذَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَقَدَّرَ أَعْمَالَهُمْ , وَقَسَّمَ أَرْزَاقُهُمْ , وَأَحْصَى آجَالَهُمْ , وَعَلِمَ أَعْمَالَهُمْ , فَكُلُّ أَحَدٍ يَسْعَى فِي رِزْقٍ مَقْسُومٍ وَعَمَلٍ مَحْتُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ , قَدْ عَلِمَ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا , فَلَا مَحِيصَ لَهَا عَمَّا عَلِمَهُ مِنْهَا , وَقَدَّرَ حَرَكَاتِ الْعِبَادِ وَهِمَمَهُمْ وَهَوَاجِسَ قُلُوبِهِمْ وَخَطَرَاتِ نُفُوسِهِمْ , فَلَيْسَ أَحَدٌ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً وَلَا يَهِمُّ هِمَّةً إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَخَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ , وَخَلَقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامِلًا يَعْمَلُ بِهِ , فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ إِلَّا لَمَّا خُلِقَ لَهُ , وَأَرَادَ قَوْمًا لِلْهُدَى , فَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لِلْإِيمَانِ وَحَبَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَرَادَ آخَرِينَ لِلضَّلَالِ فَجَعَلَ صُدُورَهُمْ ضَيِّقَةً حَرِجَةً , وَجَعَلَ الرِّجَاسَةَ عَلَيْهِمْ , وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِأَوَامِرَ , وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ فَرَائِضَ , فَلَنْ يُؤَدُّوهَا إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ وَمَعُونَتِهِ , وَحَرَّمَ مَحَارِمَ وَحَّدَ حُدُودًا , فَلَنْ يَكُفُّوا عَنْهَا إِلَّا بِعِصْمَتِهِ , فَالْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ لَهُ , وَوَاقِعَةٌ
стр. 1426
عَلَيْهِمْ حُجَّتُهُ غَيْرَ مَعْذُورِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ , لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ , فَلَمْ يَزَلِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ عَلَى هَذَا جَمِيعًا عَلَى أُلْفَةِ الْقُلُوبِ وَاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ , كِتَابُ اللَّهِ عِصْمَتُهُمْ، وَسُنَّةُ الْمُصْطَفَى إِمَامُهُمْ , لَا يَسْتَعْمِلُونَ الْآرَاءَ وَلَا يَفْزَعُونَ إِلَى الْأَهْوَاءِ , فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ , وَالْقُلُوبِ بِعِصْمَةِ مَوْلَاهَا مَحْرُوسَةٌ , وَالنُّفُوسُ عَنْ أَهْوَائِهَا بِعِنَايَتِهِ مَحْبُوسَةٌ حَتَّى حَانَ حِينُ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشِّقْوَةُ وَحَلَّتْ عَلَيْهِ السَّخْطَةُ , وَظَهَرَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عِلْمِهِ مَخْذُولِينَ , وَفِي كِتَابِهِ السَّابِقِ أَنَّهُمْ إِلَى أَعْدَائِهِمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ مُسَلِّمُونَ , وَمِنَ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطُونَ , فَحِينَئِذٍ دَبَّ الشَّيْطَانُ بِوَسْوَسَتِهِ , فَوَجَدَ مَسَاغًا لِبُغْيَتِهِ , وَمَرْكِبًا وَطِيًّا إِلَى ظَفَرِهِ بِحَاجَتِهِ , فَسَكَنَ إِلَيْهِ الْمُنْقَادُ إِلَى الشُّبُهَاتِ وَالسَّالِكُ فِي بَلِيَّاتِ الطُّرُقَاتِ , فَاتَّخَذَهَا دَلِيلًا وَقَائِدًا , وَعَنِ الْوَاضِحَةِ حَائِدًا , طَالِبُ رِيَاسَةٍ , وَبَاغِي فِتْنَةٍ , مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وَعَابِدٌ لِهَوَاهُ , عَلَيْهِ يَرِدُ وَعَنْهُ يَصْدُرُ , قَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ , فَلَمْ يَسْتَشْهِدْهُ وَلَمْ يَسْتَشِرْهُ , فَفِي آذَانِهِمْ وَقَرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى , كَأَنَّهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يُنْدَبُوا , وَعَنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ لَمْ يُزْجَرُوا , فَهُمْ عَنْ سَبِيلِ مَنْ أَرْشَدَهُ اللَّهِ مُتَبَاعِدُونَ، وَلِأَهْوَائِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ مُتَّبِعُونَ , وَاسْتَحْوَذَ الشَّيْطَانُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْرَحِ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَوْرَدَهُ بِحَارَ الْعَمَى , فَهُمْ فِي حَيْرَةٍ يَتَرَدَّدُونَ , فَجَارُوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ , فَقَالُوا
стр. 1427
بِيَدِ الشَّيْطَانِ مِنْ أَمْرِ الْخَلْقِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ اللَّهِ، وَمَشِيئَتُهُ فِيهِمْ حَائِلَةٌ تُدَوِّنُ مَشِيئَةَ اللَّهِ لَهُمْ , فَضَعَّفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَوَهَّنُوهُ , وَرَدُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَكَذَّبُوهُ , وَقَوَوْا مِنْ أَمْرِ الشَّيْطَانِ مَا ضَعَّفَهُ اللَّهُ حِينَ قَالَ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا وَأَئِمَّتُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ فِي الْقَدَرِ , وَيَنْهَوْنَ عَنْ خُصُومَةِ أَهْلِهِ وَمُوَاضَعَتِهِمُ الْقَوْلَ أَشَدَّ النَّهْيِ , وَيَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ السُّنَّةَ وَآثَارَ الْمُصْطَفَى ﷺ .
стр. 1428
١٢٧٤ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَاصِرُ السُّنَّةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ الزَّاغُونِيُّ، أَحْسَنَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُسْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ بَطَّةِ إِجَازَةً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاغِنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ , قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ , عَنْ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكٍ الْهُذَلِيِّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ الْحَضْرَمِيِّ , عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ»
стр. 1429
١٢٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْمَحَامِلِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَسَدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْخَيَّاطُ الْوَاسِطِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ سِنَانٍ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ , عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ , فَخَرَجَ مُغْضَبًا كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَوَمَا نُهِيتُمْ عَنْ هَذَا؟ إِنَّمَا هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي هَذَا , إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا , وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا , وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا»
стр. 1430
١٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْبَيَّعُ بِالْبَصْرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَفٍ الضَّبِّيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ , عَنْ حُمَيْدٍ , وَمَطَرٍ , وَدَاوُدَ , وَعَامِرٍ الْأَحْوَلِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ , عَنْ ⦗٢٤٠⦘ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقَدَرِ , فَكَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَبِهَذَا وُكِّلْتُمْ؟ انْظُرُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَاتَّبِعُوهُ , وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ , فَاجْتَنِبُوهُ»
стр. 1431
١٢٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَتُّوثِيُّ ⦗٢٤١⦘ بِالْبَصْرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ , قَالَ: أَنْبَأَ ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمَانَ , عَنْ عَقِيلٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا فَسَمِعَ نَاسًا يَتَذَاكَرُونَ الْقَدَرَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ قَدْ أَخَذْتُمْ فِي شُعْبَتَيْنِ بَعِيدَتَيِ الْغَوْرِ , فِيهِمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
стр. 1432
١٢٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَفٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ , عَنْ حَبِيبٍ , وَحُمَيْدٍ , أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ , سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ , فَقَالَ: وَادِيَانِ عَمِيقَانِ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُمَا، قِفْ عِنْدَ أَدْنَاهُ , ⦗٢٤٢⦘ وَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُجْزَى بِعَمَلِهِ , وَتَوَكَّلْ تَوَكُّلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ "
стр. 1433
١٢٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ , قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ , وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ»
стр. 1434
١٢٨٠ - حَدَّثَنَا النَيْسَابُورِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَنْبَسَةَ ⦗٢٤٣⦘ الْوَرَّاقُ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي زِيَادٌ أَبُو عَمْرٍو , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ , فَقَالَ: شَيْءٌ أَرَادَ اللَّهُ أَلَّا يُطْلِعَكُمْ عَلَيْهِ , فَلَا تُرِيدُوا مِنَ اللَّهِ مَا أَبَى عَلَيْكُمْ "
стр. 1435
١٢٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ , قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ بُرْقَانَ , عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , قَالَ: ثَلَاثٌ ارْفُضُوهُنَّ: مَا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَالنُّجُومُ , وَالنَّظَرُ فِي الْقَدَرِ.
стр. 1436
١٢٨٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ الْكُوفِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْإِسْكَافَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ الرَّازِيَّ , يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْرَحَ بِاللَّهِ وَيَتَمَتَّعَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ فَلَا يَسْأَلَنَّ عَنْ سِرِّ اللَّهِ يَعْنِي الْقَدَرَ قَالَ الشَّيْخُ ﵁: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الْإِمْسَاكِ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْقَدَرِ وَالنَّظَرِ فِيهِ , وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ⦗٢٤٤⦘ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيهِ , وَفَسَّرُوا آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ ظَاهِرُهَا وَتَفْسِيرُهَا عَلَى الْعِلْمِ بِالْقَدَرِ , وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ أَلَّفُوا فِيهِ كُتُبًا وَصَنَّفُوهُ أَبْوَابًا. وَرَوَوْا أَيْضًا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا مِنَ الْقَدَرِ مَا لَا تَضِلُّونَ» , وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: «إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا» , فَإِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْهِ بِجَوَابِ مَا سَأَلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَقُولَ لَهُ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ كِلَا الْوَجْهَيْنِ صَحِيحَانِ , وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ وَاجِبُ الْقَبُولِ لَهُمَا وَالْعَمَلِ بِهِمَا , وَذَلِكَ أَنَّ الْقَدَرَ عَلَى وَجْهَيْنِ , وَأَمْرُ النُّجُومِ عَلَى وَجْهَيْنِ , وَأَمْرُ الصَّحَابَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَأَمَّا أَمْرُ النُّجُومِ: فَأَحَدُهُمَا وَاجِبٌ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ , فَأَمَّا مَا يَجِبُ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَهُوَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ النُّجُومِ مَا يَهْتَدِي بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ , وَيَعْرِفُ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالصَّلَاةَ وَالطُّرُقَاتِ , فَبِهَذَا الْعِلْمِ مِنَ النُّجُومِ نَطَقَ الْكِتَابُ وَمَضَتِ السُّنَّةُ. وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ , وَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِمْسَاكُ عَنْهُ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ فَهُوَ أَنْ لَا يَحْكُمَ لِلنُّجُومِ بِفِعْلٍ , وَلَا يَقْضِيَ لَهَا بِحُدُوثِ أَمْرِهِ كَمَا يَدَّعِي الْجَاهِلُونَ مِنْ عِلْمِ الْغُيُوبِ بِعِلْمِ النُّجُومِ , وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَكَذَلِكَ أَمْرُ الصَّحَابَةِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ , فَأَمْرُهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: ⦗٢٤٥⦘ أَحَدُهُمَا: فُرِضَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ. وَالْآخَرُ: وَاجِبٌ عَلَيْنَا الْإِمْسَاكُ عَنْهُ وَتَرْكُ الْمَسْأَلَةِ وَالْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ عَنْهُ: فَأَمَّا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَهُوَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ وَصْفِهِمْ , وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَظِيمِ أَقْدَارِهِمْ , وَعُلُوِّ شَرَفِهِمْ , وَمَحَلِّ رُتَبِهِمْ , وَمَا أَمَرَنَا بِهِ مِنَ الِاتِّبَاعِ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ , وَعِلْمُ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ , وَعِلْمُ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا حُبُّهُمْ لِأَجْلِهِ مِنْ فَضْلِهِمْ وَعِلْمِهِمْ , وَنَشْرُ ذَلِكَ عَنْهُمْ , لِتَنْحَاشَ الْقُلُوبُ إِلَى طَاعَتِهِمْ , وَتَتَأَلَّفُ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ , فَهَذَا كُلُّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ , وَمِنْ كَمَالِ دِينِنَا طَلَبُهُ. وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَيْنَا تَرْكُهُ , وَفُرِضَ عَلَيْنَا الْإِمْسَاكُ عَنْهُ , وَحَرَامٌ عَلَيْنَا الْفَحْصُ وَالتَّنْقِيرُ عَنْهُ هُوَ النَّظَرُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ , وَالْخُلُقُ الَّذِي كَانَ جَرَى مِنْهُمْ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُشْتَبَهٌ , وَنُرْجِئُ الشُّبُهَةَ إِلَى اللَّهِ , وَلَا نَمِيلُ مَعَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , وَلَا نَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ , وَلَا نُخْرِجُ أَحَدًا مِنْهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ , وَلَا نَجْعَلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ حُجَّةً فِي سَبِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ , وَلَا نَسُبُّ أَحَدًا مِنْهُمْ لِسَبِّهِ صَاحِبَهُ , وَلَا نَقْتَدِي بِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ جَرَى مِنْهُ عَلَى صَاحِبِهِ , وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى هُدًى وَتُقًى وَخَالِصِ إِيمَانٍ , لَأَنَّا عَلَى يَقِينٍ مِنْ نَصِّ التَّنْزِيلِ وَقَوْلِ الرَّسُولِ , أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَخَيْرُهُ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ , وَلَأَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُمْ وَلَوْ جَاءَ بِأَعْمَالِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ , وَلَوْ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا ذَنْبَ لَهُ وَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ لَمَا بَلَغَ ذَلِكَ أَصْغَرَ صَغِيرَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ أَدْنَاهُمْ , وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ , وَلَا شَيْءَ ⦗٢٤٦⦘ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ صَغِيرٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأَمَّا الْقَدَرُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فُرِضَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَمَعْرِفَتُهُ , وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِجَمِيعِهِ. وَالْآخَرُ: فَحَرَامٌ عَلَيْنَا التَّفَكُّرُ فِيهِ وَالْمَسْأَلَةُ عَنْهُ , وَالْمُنَاظَرَةُ عَلَيْهِ , وَالْكَلَامُ لِأَهْلِهِ , وَالْخُصُومَةُ بِهِ. فَأَمَّا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ وَالْإِقْرَارُ بِجَمِيعِهِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مِنَ اللَّهِ , وَأَنَّ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ , وَأَنَّ مَا أَصَابَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئُنَا وَمَا أَخْطَأْنَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبُنَا , وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا , عَلِمَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ , وَوَفَّقَهُمْ لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ رَضِيَهَا أَمَرَهُمْ بِهَا , فَوَفَّقَهُمْ لَهَا , وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهَا , وَشَكَرَهُمْ بِهَا , وَأَثَابَهُمُ الْجَنَّةَ عَلَيْهَا تَفَضُّلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً , وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا , أَحْصَاهُمْ عَدَدًا , وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ , وَقَدَّرَ عَلَيْهِمْ مَا كَرِهَهُ لَهُمْ , خَذَلَهُمْ بِهَا وَعَذَّبَهُمْ لِأَجْلِهَا غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَا هُمْ مَعْذُورُونَ فِيمَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ , فَكُلُّ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِنْ عِلْمِ الْقَدَرِ الَّذِي لَزِمَ الْخَلْقَ عِلْمُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ , فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَسَيَأْتِي مِنْ عِلْمِ الْقَدَرِ وَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِلْمُهُ وَالْمَعْرِفَةُ بِهِ وَمَا لَا يَسَعَهُمْ جَهْلُهُ مَشْرُوحًا مُفَصَّلًا فِي أَبْوَابِهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ نَصُّ التَّنْزِيلِ وَمَضَتْ بِهِ سُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ وَبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ , وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ , وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. ⦗٢٤٧⦘ وَأَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ عِلْمِ الْقَدَرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ النَّظَرُ فِيهِ وَلَا الْفِكْرُ بِهِ , وَحَرَامٌ عَلَى الْخَلْقِ الْقَوْلُ فِيهِ كَيْفَ وَلِمَ وَمَا السَّبَبُ مِمَّا هُوَ سِرُّ اللَّهِ الْمَخْزُونُ وَعِلْمُهُ الْمَكْتُومُ الَّذِي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا , وَحَجَبَ الْعُقُولَ عَنْ تَخَيُّلِ كُنْهِ عِلْمِهِ , وَالنَّاظِرُ فِيهِ كَالنَّاظِرِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ , كُلَّمَا ازْدَادَ فِيهِ نَظَرًا ازْدَادَ فِيهِ تَحَيُّرًا , وَمِنَ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهَا بُعْدًا , فَهُوَ التَّفَكُّرُ فِي الرَّبِّ كَيْفَ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا , ثُمَّ يَقِيسُ فِعْلَ اللَّهِ بِفِعْلِ عِبَادِهِ , فَمَا رَآهُ مِنْ فِعْلِ الْعِبَادِ جَوْرًا يَظُنُّ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ مِثْلِهِ جَوْرٌ , فَيَنْفِي ذَلِكَ الْفِعْلَ عَنِ اللَّهِ , فَيَصِيرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ لِلَّهِ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَيَرَى أَنَّهُ جَوْرٌ مِنْ فِعْلِهِ , وَإِمَّا أَنْ يَرَى أَنَّهُ مِمَّنْ يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنِ الْجَوْرِ , فَيَنْفِي عَنْهُ قَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ , فَيَجْعَلُ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً كَثِيرَةً يَحُولُونَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ مَشِيئَتِهِ , فَبِالْفِكْرِ فِي هَذَا وَشِبْهِهِ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ وَالْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ عَنْهُ هَلَكَتِ الْقَدَرِيَّةُ حَتَّى صَارُوا زَنَادِقَةً وَمُلْحِدَةً وَمَجُوسًا , حَيْثُ قَاسُوا فِعْلَ الرَّبِّ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَشَبَّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَلَمْ يَعُوا عَنْهُ مَا خَاطَبَهُمْ بِهِ , حَيْثُ يَقُولُ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فَمِمَّا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيهِ وَلَا يَسْأَلَ عَنْهُ , وَلَا يَقُولَ فِيهِ لِمَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ , لِمَ خَلَقَ اللَّهُ إِبْلِيسَ وَهُوَ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ أَنَّهُ سَيَعْصِيهِ , وَأَنْ سَيَكُونُ عَدُوًّا لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ؟ وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْمَخْلُوقِينَ إِذَا عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا يَكُونُ عَدُوًّا لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ , وَمُضَادًا لَهُ فِي مَحَابِّهِ , وَعَاصِيًا لَهُ فِي أَمْرِهِ , وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ: إِنَّ هَذَا خَطَأٌ وَضَعْفُ رَأْيٍ وَفَسَادُ نِظَامِ الْحِكْمَةِ , فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ وَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُصِبْ فِي فِعْلِهِ حَيْثُ خَلَقَ إِبْلِيسَ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ إِبْلِيسَ أَنَّهُ يَخْلُقُ إِبْلِيسَ عَدُوًّا ⦗٢٤٨⦘ لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ أَصْلًا فَقَدْ كَفَرَ. وَهَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ الْمُلْحِدَةِ , فَالَّذِي يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِبْلِيسَ وَقَدْ عَلِمَ مِنْهُ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُ , وَيَعْلَمُوا أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ ذَلِكَ عَدْلٌ صَوَابٌ , وَفِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْعِبَادِ عِلْمُهُ وَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَفَكَّرُوا فِيهِ وَيُعَارِضُوهُ بِآرَائِهِمْ وَيَقِيسُوهُ بِعُقُولِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ , لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ لِمَ جَعَلَ اللَّهُ لِإِبْلِيسَ سُلْطَانًا عَلَى عِبَادِهِ وَهُوَ عَدُوُّهُ وَعَدُّوهُمْ مُخَالِفٌ لَهُ فِي دِينِهِ , ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الْخُلْدَ وَالْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى , وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ لَا يَجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ , لَوْ شَاءَ أَنْ يُهْلِكَهُ مِنْ سَاعَتِهِ لَفَعَلَ , وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْعِبَادِ لَكَانَ خَطَأً , وَكَانَ يَجِبُ فِي أَحْكَامِ الْعَدْلِ مِنَ الْعِبَادِ أَنْ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ عَبْدٌ وَهُوَ عَدُوٌّ لَهُ وَلِأَحِبَّائِهِ وَمُخَالِفٌ لِدِينِهِ وَمُضَادٌّ لَهُ فِي مَحَبَّتِهِ أَنْ يُهْلِكَهُ مِنْ سَاعَتِهِ , وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُضِلُّ عَبِيدَهُ وَيُفْسِدُهُمْ , فَفِي حُكْمِ الْعَقْلِ وَالْعَدْلِ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَنْ لَا يُسَلِّطَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ , وَلَا يَجْعَلَ لَهُ سُلْطَانًا وَلَا مَقْدِرَةً , وَلَوْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عِنْدَ الْبَاقِينَ مِنْ عِبَادِهِ ظُلْمًا وَجَوْرًا حَيْثُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُفْسِدُهُمْ عَلَيْهِ وَيُضَادُّهُ فِيهِمْ وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ , وَقَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ وَهَلَكَتِهِ , فَمِمَّنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْدِلْ حِينَ جَعَلَ لِإِبْلِيسَ الْخُلْدَ وَالْبَقَاءَ وَسَلَّطَهُ عَلَى بَنِي آدَمَ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُهْلِكَ إِبْلِيسَ مِنْ سَاعَتِهِ حِينَ أَغْوَى عِبَادَهُ فَقَدْ كَفَرَ , وَهَذَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَرُدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَلَا يُقَالُ فِيهِ لِمَ وَلَا كَيْفَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَمِنْ ذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِإِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ أَنْ يَأْتُوا بَنِي آدَمَ فِي جَمِيعِ أَطْرَافِ الْأَرْضِ , يَأْتُونَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ لِقَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] وَجَعَلَهُمْ يَجْرُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ مَجْرَى ⦗٢٤٩⦘ الدَّمِ وَلَمْ يَجْعَلِ لِلرُّسُلِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنَ السُّلْطَانِ مِثْلَ مَا جَعَلَ لَهُمْ , وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي أَحْكَامِ الْعِبَادِ لَكَانَ مِنَ الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ أَنْ يَكُونَ مَعَ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ عَلَامَةٌ كَعَلَامَةِ السُّلْطَانِ , أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَجْرَاسٌ يَعْرِفُونَهُمْ بِهَا , وَيَسْمَعُونَ حِسَّهُمْ فَيَأْخُذُونَ حِذْرَهُمْ مِنْهُمْ , حَتَّى إِذَا جَاءُوا مِنْ بَعِيدٍ عَلِمَ الْعِبَادُ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَضِلُّونَ النَّاسَ , فَيَأْخُذُونَ حِذْرَهُمْ , أَوْ يَجْعَلَ لِلرُّسُلِ أَنْ يُزَيِّنُوا وَيُوَصِّلُوا إِلَى صُدُورِ النَّاسِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا يُوَسْوِسُ الشَّيْطَانُ ذُرِّيَّتَهُ وَيُزَيِّنُوا لَهُمُ الْمَعْصِيَةَ , فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ عَبِيدِهِ الْبَاقِينَ ظُلْمًا وَجَوْرًا لِأَنَّ الْعِبَادَ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ فَيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ مِنْ إِبْلِيسَ , وَالرُّسُلُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُزَيِّنُوا فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ طَاعَةَ اللَّهِ وَمَعْرِفَتَهُ كَمَا يُزَيِّنُ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ مَعْصِيَتَهُ بِالْوَسْوَسَةِ , فَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِإِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ سُلْطَانًا أَنْ يَأْتُوا عَلَى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ وَيُوَسْوِسُ فِي صُدُورِهِمُ الْمَعَاصِيَ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْدِلْ حَيْثُ جَعَلَ لِإِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ هَذَا السُّلْطَانَ عَلَى بَنِي آدَمَ فَقَدْ كَفَرَ , وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَرُدُّ عِلْمُهُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّسْلِيمِ فِيهِ إِلَيْهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ لِمَ سَلَّطَ اللَّهُ الْكُفَّارَ عَلَى الرُّسُلِ فِي الدُّنْيَا , وَسَلَّطَ الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى قَتَلُوهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ وَقَتَلُوا الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ , وَإِنَّمَا سَلَّطَ اللَّهُ أَعْدَاءَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ لِيُكْرِمَ أَوْلِيَاءَهُ فِي الْآخِرَةِ بِهَوَانِ أَعْدَائِهِ , وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَمْنَعَ الْكَافِرِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَيُهْلِكَ الْكُفَّارَ مِنْ سَاعَتِهِ , وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ أَفْعَالِ بَعْضِ مُلُوكِ الْعِبَادِ كَانَ جَوْرًا عِنْدَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ حَيْثُ سَلَّطَ أَعْدَاءهُ عَلَى أَنْصَارِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى هَلَكَتِهِمْ مِنْ ⦗٢٥٠⦘ وَقْتِهِمْ , فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَظَنَّ أَنَّ هَذَا جَوْرٌ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ حَيْثُ سَلَّطَ الْكُفَّارَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُسَلِّطْهُمْ وَإِنَّمَا الْكُفَّارُ قَتَلُوا أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَأَوْلِيَاءَهُ بِقُوَّتِهِمْ وَاسْتِطَاعَتِهِمْ , وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْصُرَ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ حَتَّى غَلَبُوهُ وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ أَحَبَّ نَصْرَهُ وَتَمْكِينَهُ فَمَنْ ظَنَّ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] , لَا يُشْبِهُ عَدْلُهُ عَدْلَ الْمَخْلُوقِينَ , كَمَا أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْخَلْقِ لَا يُشْبِهُهُ. وَخَصْلَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ لِمَ مَكَّنَ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ فِي الْبِلَادِ , وَأَعَانَهُمْ بِقُوَّةِ الْأَبْدَانِ وَرَشَاقَةِ الْأَجْسَامِ , وَأَيَّدَهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ , ثُمَّ أَمَرَ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ أَنْ يُعِدُّوا لَهُمُ السِّلَاحَ وَالْقُوَّةَ , وَأَنْ يُحَارِبُوهُمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ , وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَمُدَّهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ , ثُمَّ قَالَ هُوَ لِنَفْسِهِ: إِنِّي مَعَكُمْ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَهُ مِنْ وَقْتِهِ بِأَيِّ أَنْوَاعِ الْهَلَاكِ شَاءَ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ , وَبِغَيْرِ أَنْصَارٍ وَلَا سِلَاحٍ , فَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَحْكَامِهِمْ لَكَانَ جَوْرًا وَفَسَادًا أَنْ يُقَوِّيَ أَعْدَاءَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ , وَيَمُدَّهُمْ بِالْعُدَّةِ , وَيُؤَيِّدَهُمْ بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَالْقُوَّةِ , ثُمَّ يَنْدُبُ أَوْلِيَاءَهُ لِمُحَارَبَتِهِمْ , فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْعُدَّةَ وَالْقُوَّةَ وَالسِّلَاحَ الَّذِي فِي أَعْدَاءِ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِهِمْ وَعَطِيَّةِ اللَّهِ لَهُمْ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِهِمْ وَعَطِيَّتِهِ لَهُمْ وَهُوَ جَوْرٌ مِنْ فِعْلِهِ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمْ وَقَوَّاهُمْ وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَسْلِبَهُمْ إِيَّاهُ وَيُهْلِكَهُمْ مِنْ سَاعَتِهِ فَقَدْ كَفَرَ , وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَعْدَاءَهُ وَقَوَّاهُمْ وَسَلَّطَهُمْ , وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ لَفَعَلَ , وَاللَّهُ أَعْدَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَمِمَّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيهِ , لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُضْمِرَ فِي نَفْسِهِ ⦗٢٥١⦘ فَيَقُولُ: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَالْهَوَامَّ وَالسِّبَاعَ الَّتِي تَضُرُّ بَنِي آدَمَ وَلَا تَنْفَعُهُمْ وَسَلَّطَهَا عَلَى بَنِي آدَمَ وَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَخْلُقَهَا مَا خَلَقَهَا , وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ مُلُوكِ الْعِبَادِ لَقَالَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ: هَذَا غِشٌّ لَنَا وَمَضَرَّةٌ عَلَيْنَا بِغَيْرِ حَقٍّ حَيْثُ جَعَلَ مَعَنَا مَا يَضُرُّ بِنَا وَلَا نَنْتَفِعُ نَحْنُ وَلَا هُوَ بِهِ , فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْدِلْ حَيْثُ خَلَقَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَالسِّبَاعَ وَكُلَّمَا يُؤْذِي بَنِي آدَمَ وَلَا يَنْفَعُهُمْ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ خَالِقًا غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ , وَهَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ وَالْمَجُوسِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ , فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْإِيمَانُ بِهِ , وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا وَعَلِمَ أَنَّهَا تَضُرُّ بِعِبَادِهِ وَتُؤْذِيهِمْ وَهُوَ عَدْلٌ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا خَلَقَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَخَصْلَةٌ أُخْرَى لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ وَيُضْمِرَ فِي نَفْسِهِ , لِمَ تَرَكَ اللَّهُ الْعِبَادَ حَتَّى يَجْحَدُوهُ وَيُشْرِكُوا بِهِ وَيَعْصُوهُ , ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى هِدَايَتِهِمْ , وَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يَمْنَعَ قُلُوبَهُمْ أَنْ تَدْخُلَهَا شَهْوَةُ شَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَتِهِ , أَوْ مَحَبَّةُ شَيْءٍ مِنْ مُخَالَفَتِهِ , وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُبَغِّضَ إِلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ مَعْصِيَتَهُ وَمُخَالَفَتِهِ، وَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَ مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَتِهِ مَعَ هِمَّتِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى أَفْضَلِ عَمَلِ عَبْدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ , فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ؟ فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْدِلْ حَيْثُ لَمْ يَمْنَعِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ , وَلَمْ يَمْنَعِ الْقُلُوبَ أَنْ يَدْخُلَهَا حُبُّ شَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَلَمْ يَهْدِ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرَادَ هِدَايَةَ الْخَلْقِ وَطَاعَتَهُمْ لَهُ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَعْصِيَهُ أَحَدٌ وَلَا يَكْفُرَ أَحَدٌ فَلَمْ يَقْدِرْ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدَرَ عَلَى هِدَايَةِ ⦗٢٥٢⦘ الْخَلْقِ وَعِصْمَتِهِمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَهُوَ جَوْرٌ مِنْ فِعْلِهِ فَقَدْ كَفَرَ , وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ , وَتَرْكُ الْخَوْضِ فِيهِ وَالْمَسْأَلَةِ عَنْهُ , وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْكُفَّارَ وَأَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ , وَخَلَقَ الْعُصَاةَ وَأَمَرَهُمْ بِالطَّاعَةِ وَجَعَلَ حُبَّ الْمَعَاصِي فِي قُلُوبِهِمْ , فَعَصَوْهُ بِنِعْمَتِهِ , وَخَالَفُوهُ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِنْ قُوَّتِهِ , وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَهُوَ يُعَذِّبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَلُومُونَ غَيْرُ مَعْذُورِينَ , وَاللَّهُ عَدْلٌ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ بِهِمْ , وَغَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ , وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ جَمِيعًا , لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﵎ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فَهَذَا مِنْ عِلْمِ الْقَدَرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ الْبَحْثُ عَنْهُ وَلَا الْكَلَامُ فِيهِ , وَلَا التَّفَكُّرُ فِيهِ , وَبِكُلِّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْتُهُ وَمَا أَنَا ذَاكِرُهُ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهِ , لَا يَرُدُّ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا قَدَرِيٌّ خَبِيثٌ مَشُومٌ قَدْ زَاغَ قَلْبُهُ وَأَلْحَدَ فِي دِينِ اللَّهِ وَكَفَرَ بِاللَّهِ، وَسَأَذْكُرُ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حُمَيْدٍ
стр. 1437
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي ذِكْرِ مَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِ مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَا يَسْمَعُونَهُ وَلَا يُبْصِرُونَهُ وَأَنَّهُ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]. وَقَالَ ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]. وَقَالَ ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وَقَالَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥].
стр. 1438
وَقَالَ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] الْآيَةَ. وَقَالَ ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣]. وَقَالَ أَيْضًا ﴿وَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧]. وَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨]. وَقَالَ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]. وَقَالَ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧]. وَقَالَ ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا
стр. 1439
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ١٩٨]. وَقَالَ ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧]. وَقَالَ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦]. وَقَالَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]. فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْعُقَلَاءُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقًا مِنْ عِبَادِهِ أَرَادَ بِهِمُ الشَّقَاءَ , فَكَتَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ عِنْدَهُ , فَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ , فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَقِّ أَنْ يَقْبَلُوهُ وَغَشَّى أَبْصَارَهُمْ عَنْهُ , فَلَمْ يُبْصِرُوهُ , وَجَعَلَ فِي آذَانِهِمُ الْوَقْرَ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ , وَجَعَلَ
стр. 1440
قُلُوبَهُمْ ضَيِّقَةً حَرِجَةً وَجَعَلَ عَلَيْهَا أَكِنَّةً وَمَنَعَهَا الطَّهَارَةَ فَصَارَتْ رِجْسَةً لِأَنَّهُ خَلَقَهُمْ لِلنَّارِ , فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَبُولِ مَا يُنَجِّيهِمْ مِنْهَا , فَإِنَّهُ قَالَ اللَّهُ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَرْضٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَانُ بِهِ , وَأَنْ يَرُدُّوا عِلْمَ ذَلِكَ وَمُرَادَ اللَّهِ فِيهِ إِلَى اللَّهِ , وَيَحْمِلُ جَهْلَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمَخْلُوقِينَ أَنْ يَتَفَكَّرُوا فِيهِ وَلَا يَقُولُوا: لِمَ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ , وَلَا كَيْفَ صَنَعَ ذَلِكَ , وَفَرْضٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ عَدْلٌ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ , لِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُ لِلَّهِ , وَالْمُلْكَ مُلْكُهُ , وَالْعَبِيدَ عَبِيدُهُ , يَفْعَلُ بِهِمْ مَا يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ , وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُغْنِي مَنْ يَشَاءُ , وَيُفْقِرُ مَنْ يَشَاءُ , وَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ وَيَحْمَدُهُ عَلَى السَّعَادَةِ , وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ وَيَذُمُّهُ عَلَى الشَّقَاءِ، وَهُوَ عَدْلٌ فِي ذَلِكَ , لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَاخْتَصَّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَحَبَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ , وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ , وَسَمَّاهُمْ
следующие страницы →