← Акыда

Акыда · id 8206

الإبانة الكبرى - ابن بطة

ابن بطة

Полный текст (3 279 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

٤٥١ - وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَذَكَرَ ⦗٢٦٨⦘ قِصَّةً طَوِيلَةً قَالَ: «وَجَعَلَ أُولَئِكَ يُلْقُونَ الْمَسَائِلَ» قَالَ: قُلْتُ: " هَذَا مِمَّا لَا أَتَكَلَّمُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لَهُمْ: «أَيُّ شَيْءٍ تَقُولُونَ إِذَا دَخَلْتُمُ الْمَسْجِدَ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ تَقُولُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ؟» فَسَكَتُوا، قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَؤُلَاءِ لَا يَدْرُونَ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ إِذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَإِذَا خَرَجُوا، يَسْأَلُونَ عَنِ الْقُرْآنِ؟ أَمْرُ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ، وَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا

стр. 2662

بَابُ ذِكْرِ مِحْنَةِ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ أَذَنَةَ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ، وَرُجُوعِ الْوَاثِقِ عَنْ مَذْهَبِهِ

стр. 2663

٤٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ الْقَاضِي الْبِسْتِيُّ، وَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِحِ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ إِدْرِيسَ الْقَزْوِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُمْتَنِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ ⦗٢٧٠⦘ التَّيْمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ الْهَاشِمِيُّ، وَكَانَ مِنْ وُجُوهِ بَنِي هَاشِمٍ وَأَهْلِ الْجَلَالَةِ وَالسِّنِّ مِنْهُمْ، قَالَ: حَضَرْتُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ جَلَسَ يَنْظُرُ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ، فَنَظَرْتُ إِلَى قِصَصِ النَّاسِ تُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَيَأْمُرُنَا بِالتَّوْقِيعِ فِيهَا وَإِنْشَاءِ الْكُتُبِ لِأَصْحَابِهَا، وَتُخْتَمُ وَتُدْفَعُ إِلَى صَاحِبِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ، وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَفَطِنَ وَنَظَرَ إِلَيَّ، فَغَضَضْتُ عَنْهُ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ مِنِّي وَمِنْهُ مِرَارًا ثَلَاثًا، إِذَا نَظَرَ إِلَيَّ غَضَضْتُ وَإِذَا اشْتَغَلَ نَظَرْتُ، فَقَالَ لِي: يَا صَالِحُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُمْتُ قَائِمًا، فَقَالَ: فِي نَفْسِكَ مِنَّا شَيْءٌ تُحِبُّ أَنْ تَقُولَهُ، أَوْ قَالَ: تُحِبُّ أَنْ تَقُولَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: عُدْ إِلَى مَوْضِعِكَ، فَعُدْتُ. وَعَادَ فِي النَّظَرِ حَتَّى إِذَا قَامَ قَالَ لِلْحَاجِبِ: لَا يَبْرَحْ صَالِحٌ فَانْصَرَفَ النَّاسُ، ثُمَّ أَذِنَ لِي وَقَدْ هَمَّتْنِي نَفْسِي، فَدَخَلْتُ دَعَوْتُ لَهُ، فَقَالَ لِيَ: «اجْلِسْ» فَجَلَسْتُ، فَقَالَ: «يَا صَالِحُ تَقُولُ لِي مَا دَارَ فِي نَفْسِكَ أَوْ أَقُولُ أَنَا مَا دَارَ فِي نَفْسِكَ ⦗٢٧١⦘ أَنَّهُ دَارَ فِي نَفْسِكَ؟» قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَعْزِمُ عَلَيْهِ وَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ فَقَالَ: «وَأَقُولُ أَنَا، كَأَنِّي بِكَ وَقَدِ اسْتَحْسَنْتَ مَا رَأَيْتَ مِنَّا»، فَقُلْتَ: أَيُّ خَلِيفَةٍ خَلِيفَتُنَا إِنْ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَوَرَدَ عَلَى قَلْبِي أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَهَمَّتْنِي نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ: يَا نَفْسُ هَلْ تَمُوتِينَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهَلْ تَمُوتِينَ قَبْلَ أَجَلِكِ، وَهَلْ يَجُوزُ الْكَذِبَ فِي جِدٍّ أَوْ هَزْلٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَارَ فِي نَفْسِي إِلَّا مَا قُلْتَ، أَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: " وَيْحَكَ، اسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُولُ لَكَ، فَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ الْحَقَّ، فَسُرِّيَ عَنِّي وَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي وَمَنْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكَ وَأَنْتَ خَلِيفَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَابْنُ عَمِّ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؟ فَقَالَ لِي: " مَا زِلْتُ أَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ صَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ الْوَاثِقِ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْنَا ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَهْلِ أَذَنَةَ، فَأُدْخِلَ الشَّيْخُ عَلَى الْوَاثِقِ وَهُوَ جَمِيلُ الْوَجْهِ، تَامُّ الْقَامَةِ، حَسَنُ الشَّيْبَةِ، فَرَأَيْتُ الْوَاثِقَ قَدِ اسْتَحْيَا مِنْهُ وَرَقَّ لَهُ، فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ وَيُقَرِّبُهُ حَتَّى قُرِّبَ مِنْهُ، فَسَلَّمَ الشَّيْخُ فَأَحْسَنَ السَّلَامَ، وَدَعَا فَأَبْلَغَ وَأَوْجَزَ، فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: اجْلِسْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «يَا شَيْخُ نَاظِرِ ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ عَلَى مَا يُنَاظِرُكَ عَلَيْهِ»، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ أَبِي دؤادٍ يَقِلُّ وَيَضْعُفُ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ، فَغَضِبَ الْوَاثِقُ وَعَادَ مَكَانَ الرِّقَةِ لَهُ غَضَبًا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ يَصْبُو، وَيَقِلُّ وَيَضْعُفُ عَنْ مُنَاظَرَتِكَ أَنْتَ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بِكَ، وَأْذَنْ لِي فِي مُنَاظَرَتِهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: مَا دَعَوْتُكَ إِلَّا لِمُنَاظَرَتِهِ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ إِلَى مَا دَعَوْتُ النَّاسَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: إِلَى أَنْ تَقُولَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. ⦗٢٧٢⦘ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ مَا نَقُولُ. قَالَ: أَفْعَلُ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، وَاجِبَةٌ دَاخِلَةٌ فِي عُقْدَةِ الدِّينِ، فَلَا يَكُونُ الدِّينُ كَامِلًا حَتَّى يُقَالَ فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ، هَلْ سَتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي دِينِهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ الشَّيْخُ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأُمَّةَ إِلَى مَقَالَتِكَ هَذِهِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ. فَقَالَ الشَّيْخُ: تَكَلَّمْ. فَسَكَتَ، فَالْتَفَتَ الشَّيْخُ إِلَى الْوَاثِقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: وَاحِدَةٌ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ حِينَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ﴿الْيَوْمُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، كَانَ اللَّهُ الصَّادِقَ فِي إِكْمَالِ دِينِهِ أَمْ أَنْتَ الصَّادِقُ فِي نُقْصَانِهِ، فَلَا يَكُونُ الدِّينُ كَامِلًا حَتَّى يُقَالَ فِيهِ بِمَقَالَتِكَ هَذِهِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: أَجِبْ يَا أَحْمَدُ، فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اثْنَتَانِ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: اثْنَتَانِ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، عَلِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْ جَهِلَهَا؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: عَلِمَهَا. قَالَ الشَّيْخُ: فَدَعَا النَّاسُ إِلَيْهَا؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثٌ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: ثَلَاثٌ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ فَاتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَلِمَهَا كَمَا زَعَمْتَ، وَلَمْ ⦗٢٧٣⦘ يُطَالِبْ أُمَّتَهُ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الشَّيْخُ: وَاتَّسَعَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: نَعَمْ. فَأَعْرَضَ الشَّيْخُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْوَاثِقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدَّمْتُ الْقَوْلَ أَنَّ أَحْمَدَ يَصْبُو وَيَقِلُّ وَيَضْعُفُ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَكَ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃، فَلَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَهُ مَا اتَّسَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: نَعَمْ، إِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَنَا مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَلَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْنَا، اقْطَعُوا قِيدَ هَذَا الشَّيْخِ. لَمَّا قُطِعَ ضَرَبَ الشَّيْخُ بِيَدِهِ إِلَى الْقَيْدِ لِيَأْخُذَهُ، فَجَاذَبَهُ الْحَدَّادُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: دَعِ الشَّيْخَ لِيَأْخُذَهُ، فَأَخَذَهُ الشَّيْخُ فَوَضَعَهُ فِي كُمِّهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: لِمَ جَاذَبْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ الشَّيْخُ: لِأَنِّي نَوَيْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ إِلَى مَنْ أُوصِي إِلَيْهِ إِذَا أَنَا مِتُّ أَنْ يَجْعَلَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ كَفَنِي حَتَّى أُخَاصِمَ بِهِ هَذَا الظَّالِمَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ عَبْدَكَ هَذَا لِمَ قَيَّدَنِي؟ وَرَوَّعَ أَهْلِي وَوَلَدِي وَإِخْوَانِي بِلَا حَقٍّ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيَّ؟. وَبِكَى الشَّيْخُ، فَبَكَى الْوَاثِقُ فَبَكَيْنَا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْوَاثِقُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حَلٍّ ⦗٢٧٤⦘ وَسَعَةٍ مِمَّا نَالَهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي حِلٍّ وَسَعَةٍ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِكْرَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ كُنْتَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ: إِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً فَعَلْتُ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: تُقِيمُ قِبَلَنَا، فَيَنْتَفِعُ بِكَ فِتْيَانُنَا. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَدَّكَ إِيَّايَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ هَذَا الظَّالِمُ أَنْفَعُ لَكَ مِنْ مَقَامِي عَلَيْكَ، وَأُخْبِرُكَ بِمَا فِي ذَلِكَ أَصِيرُ إِلَى أَهْلِي وَوَلَدِي، فَأَكُفُّ دُعَاءَهُمْ، فَقَدْ خَلَّفْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: فَتَقَبَّلْ مِنَّا صِلَةً تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى دَهْرِكَ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَحِلُّ لِي أَنَا عَنْهَا غَنِّيٌّ، وَذُو مِرَّةٍ سَوِيٌّ، قَالَ: فَاسْأَلْ حَاجَتَكَ. قَالَ: أَوَتَقْضِيهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تُخَلِّي سَبِيلِي السَّاعَةَ وَتَأْذَنْ لِي فِيهِ. قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ وَخَرَجَ. قَالَ صَالِحٌ: قَالَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ: فَرَجَعْتُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَظُنُّ الْوَاثِقَ بِاللَّهِ كَانَ رَجَعَ عَنْهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ

стр. 2664

بَابُ ذِكْرِ مُنَاظَرَةِ هَذَا الشَّيْخِ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ نَقَلْتُهَا مِنْ كُتُبِ بَعْضِ شُيُوخِ بَلْدَتِنَا، وَكَتَبْتُهَا مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، وَهِيَ أَتَمُّ مِنْ هَذِهِ وَأَشْبَعُ فِي حِجَاجِهَا، فَأَعَدْتُهَا لِمَوْضِعِ الزِّيَادَةِ

стр. 2665

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْتُ فِي كُتُبِ بَعْضِ شُيُوخِنَا بِخَطِّهِ: ٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ، قَالَ: " كُنْتُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ جَلَسَ لِلنَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ لِلْعَامَّةِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْقِصَّةِ الْأُولَى أَوْ شَبِيهًا بِهَا حَتَّى بَلَغَ مِنْهَا إِلَى قَوْلِهِ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ حِينَ نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ فِي الْقُرْآنِ ﴿الْيَوْمُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وَقُلْتَ أَنْتَ: الدِّينُ لَا يَكُونُ كَامِلًا حَتَّى يُقَالَ بِمَقَالَتِكَ، أَكَانَ اللَّهُ الصَّادِقَ فِي إِكْمَالِهِ أَمْ أَنْتَ الصَّادِقَ فِي نُقْصَانِهِ؟ فَسَكَتَ أَحْمَدُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ ثِنْتَانِ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: «يَا أَحْمَدُ الْكَلِمَةُ الَّتِي يُكَوِّنُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الْأَشْيَاءَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهَا؟» فَسَكَتَ أَحْمَدُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: «ثَلَاثٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ» ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: «يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي حَيْثُ كَانَ اللَّهُ فِي وِحْدَانِيَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ كَانَ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا؟» قَالَ: بَلْ تَامًّا. قَالَ: «فَكَيْفَ يَكُونُ تَامًّا مَنْ لَا كَلَامَ لَهُ»، فَسَكَتَ أَحْمَدُ. فَقَالَ: أَرْبَعٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ⦗٢٧٦⦘ قَالَ الشَّيْخُ: «يَا أَحْمَدُ أَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا تَامَّ الْعِلْمِ، أَمْ كَانَ جَاهِلًا؟» فَسَكَتَ أَحْمَدُ: فَقَالَ: خَمْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: " يَا أَحْمَدُ، قَوْلُهُ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] الْكَلِمَةُ مِنْهُ أَمْ خَلَقَهَا مِنْ غَيْرِهِ؟ " فَأَمْسَكَ أَحْمَدُ، فَقَالَ: سِتٌّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ " وَذَكَرَ مِنَ الْقِصَّةِ فِي الْقَيْدِ وَغَيْرِهَا شَبِيهًا بِمَا مَضَى فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ وَزَادَ فِيهِ: " قَالَ الْوَاثِقُ: يَا شَيْخُ زِدْ أَحْمَدَ مِنْ هَذِهِ الْحُجَجِ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ. قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكُمْ نَزَلَ الْعِلْمُ، وَمِنْكُمُ اقْتَبَسْنَاهُ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ قَدْ عَلِمْنَا وَعَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، أَلَيْسَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَّغَنَا هَذَا الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ؟ أَمْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ حَتَّى نُتَابِعَكَ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْنَا، فَقَدْ نَسَبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ كَتَمَ أَمْرًا أَمَرَهُ اللَّهُ إِبْلَاغَنَا إِيَّاهُ، فَسَكَتَ أَحْمَدُ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. قَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ قَوْلُ اللَّهِ : يَا مُوسَى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعَبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَخْلُوقًا؟ فَسَكَتَ أَحْمَدُ. ⦗٢٧٧⦘ قَالَ الْوَاثِقُ: يَا شَيْخُ سَلْنِي حَاجَةً. قَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَرُدَّنِي السَّاعَةَ إِلَى مَنْزِلِي الَّذِي أُخْرِجْتُ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِرَدِّهِ مُكْرَمًا. قَالَ صَالِحٌ: فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ: فَرَجَعْتُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ تِلْكِ الْمَقَالَةِ، وَرَجَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَاثِقُ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ يُنَاظِرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ حَتَّى مَاتَ "

стр. 2666

بَابُ مُنَاظَرَةِ ابْنِ الشَّحَّامِ قَاضِي الرَّيِّ لِلْوَاثِقِ

стр. 2667

٤٥٤ - قَالَ الشَّيْخُ: وَوَجَدْتُ أَيْضًا فِي كِتَابِ هَذَا الشَّيْخِ بِخَطِّهِ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو الشِّمْرِ السِّيبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الرَّازِيِّ قَالَ: " كُنْتُ يَوْمًا خَارِجًا مِنْ بَابِ خُرَاسَانَ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْقَاضِيَ ابْنَ الشَّحَّامِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضِي الرَّيِّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِيَ: الْبَيْتَ الْبَيْتَ، فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِي الَّذِي أَسْكَنُهُ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ فَارْتَدْتُ خَانًا لِلْغِلْمَانِ وَالدَّوَابِّ، فَخَرَجْتُ فَارْتَدْتُ مَوْضِعًا ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: تَأَهَّبْ لِلْخُرُوجِ مَعِيَ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، فَقُلْتُ: أَعَزَّ اللَّهُ الْقَاضِيَ، وَأَيُّ شَيْءٍ السَّبَبُ؟ فَقَالَ: حَاجَةٌ عَرَضَتْ، وَمَسْأَلَةٌ أَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ عَنْهَا، فَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي أَشَدَّ دَفْعٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى ذَلِكَ، فَاكْتَرَيْتُ زَوْرَقًا إِلَى سُرَّ مَنْ ⦗٢٧٩⦘ رَأَى، وَأَنْزَلْتُ فِيهِ الدَّوَابَّ وَالْغِلْمَانَ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَهُوَ، فَلَمَّا صِرْتُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ذَاكَرْتُهُ بِالْحَاجَةِ مَا هِيَ فَقَالَ: يَحْكِي قَوْمٌ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَأُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ هَذَا شِفَاهًا، فَتَغَيَّرْتُ عَلَيْهِ أَشَدَّ تَغَيُّرٍ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: أَظُنُّ أَنَّ مَنِيَّتَهُ قَدْ سَاقَتْهُ وَسَاقَتْنِي مَعَهُ حَتَّى وَافَيْتُ سُرَّ مَنْ رَأَى، فَقَالَ: اطْلُبْ خَانًا نَنْزِلْهُ، فَنَزَلَ الْخَانَ وَنَزَلْتُ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ ثَمَّ فَاخْرُجْ فَاسْأَلِ النَّاسَ مَتَى مَجْلِسُهُ، فَسَأَلْتُ، فَقِيلَ لِي: فِي غَدَاةِ غَدٍ يَجْلِسُ، فَقَالَ لِلْغِلْمَانِ: قُومُوا بِوَقْتٍ ثُمَّ أَنَّهُ نَامَ وَفِكْرِي يَجُولُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ طُلُوعُ الْفَجْرِ، صَاحَ بِغِلْمَانِهِ فَأَسْرَجُوا ثُمَّ أَنْبَهَنِي ثُمَّ جَدَّدَ الطُّهْرَ، وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَتَبَخَّرَ، فَقُلْتُ: أَرْجُو أَنْ يَدَعَنِي هَاهُنَا وَيْمِضِيَ، فَلَمَّا رَكِبَ قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ مَعِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيْسَ غَيْرُ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَزَلْ يَسِيرُ وَأَنَا مَعَهُ فِي رِكَابِهِ حَتَّى وَافِينَا بَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ الْقَضَاءِ وَسَوَادُهُ وَذَيْلَتُهُ، وَكَانَ رَجُلًا عَظِيمَ الْخَلْقِ، لَا يَمُرُّ بِقَوْمٍ إِلَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ لِلْحُجَّابِ يَسْتَأْذِنُونَ لِي عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُعْلِمُوهُ أَنِّي قَاضِي الرَّيِّ، فَنَظَرَ الْحُجَّابُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالُوا: يَقُولُ لَهُ: لَمْ يُؤْذِنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ الْحَاجِبُ فَمَا أَبْطَأَ حَتَّى خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ لِي: قُلْ لَهُ يَنْزِلُ فَنَزَلَ وَاعْتَمَدَ عَلَى يَدَيَّ، وَأَنَا أَذَكَرُ اللَّهَ وَأُسَبِّحُ، فَلَمْ يَزَلْ يَدْخُلُ مِنْ دِهْلِيزٍ إِلَى دِهْلِيزٍ حَتَّى دَخَلْنَا إِلَى الصَّحْنِ، فَإِذَا جَمَاعَةٌ يَتَنَاظَرُونَ، وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ فِي الدَّارِ، حَتَّى وَافَى إِلَى الْقَوْمِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ جَلَسَ، فَجَعَلَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ أَطْرَقُوا إِلَى الْأَرْضِ وَتَشَاغَلُوا بِالْكَلَامِ، وَإِذَا أَطْرَقَ إِلَى الْأَرْضِ نَظَرُوا إِلَيْهِ، فَنَحْنُ هَكَذَا حَتَّى شِيلَ السِّتْرُ، فَإِذَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَالِسٌ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ وَلَمْ يَزَلِ الْقَوْمُ يَتَكَلَّمُونَ فِيمَا جِئْنَا فِيهِ، ⦗٢٨٠⦘ ثُمَّ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لِابْنِ الشَّحَّامِ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: عَامِلٌ مِنْ عُمَّالِكَ، قَاضِي الرَّيِّ، أُعْرَفُ بِابْنِ الشَّحَّامِ فَقَالَ: حَاجَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جِئْتُ قَاصِدًا مِنَ الرَّيِّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهِ وَأَسْمَعُهُ مِنْهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فَقَالَ لَهُ: قُلْ مَا شِئْتَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى شَرِيطَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُجِيبُ لِي غَيْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يُعَارِضُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ، فَقَالَ: ذَلِكَ لَكَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ كَانَ لَهُ بَيْتٌ يُدْخِلُهُ فِي حَوَائِجِهِ، وَهُوَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، فَجَرَتْ مِنْهُ يَمِينٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْبَيْتَ مَخْلُوقٌ سِوَاهُ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَدَخَلَ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ، طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ أَمْ لَا؟ فَضَجَّ أَهْلُ الْمَجْلِسِ، وَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَسْأَلَةُ حِيلَةٍ. قَالَ: فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ هَكَذَا، وَعَدْتَنِي أَنْ لَا يُجِيبَنِي غَيْرُكَ وَلَا يُعَارِضَنِي فِي الْمَسْأَلَةِ، فَأَسْكَتَهُمْ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَيْفَ حَلَفَ؟ قَالَ لَهُ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ بَيْتٌ، وَكَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ الْبَيْتَ مَخْلُوقٌ سِوَاهُ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: لَا، وَقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا طُلِّقَتْ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أُلْقِيَ السِّتْرُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، ثُمَّ وَثَبَ الْقَاضِي وَاعْتَمَدَ عَلَى يَدَيَّ، فَقُلْتُ: لَيْتَهُ تَرَكَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَاتِلِي، فَلَمَّا صِرْنَا فِي آخِرِ الصَّحْنِ، عَرَضَ لَنَا خَادِمٌ ⦗٢٨١⦘ وَمَعَهُ فَرَّاشٌ عَلَى كَتِفِهِ بَدْرَةٌ، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: اسْتَعِنْ بِهَذِهِ فِي مَصْلَحَتِكَ، وَلَا تُخَلِّ مَجْلِسَنَا مِنْ حُضُورِكَ، ثُمَّ رَجَعَ الْخَادِمُ وَلَمْ يَزَلِ الْفَرَّاشُ مَعَهُ إِلَى الْخَانِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ حُلَّ الْبَدْرَةَ، فَحَلَلْتُهَا، فَقَالَ: احْثُ بِيَدِكَ لِلْفَرَّاشِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي الْيَمِينِ، فَقَالَ: بِالِاثْنَتَيْنِ، فَحَثَيْتُ لَهُ حَثْيَةً مَا حَمَلَتْ يَدَايَ، وَانْصَرَفَ الْفَرَّاشُ ثُمَّ قَالَ لِي: شُدَّهَا وَضَعْهَا فِي الصُّنْدُوقِ. وَقَالَ: اطْلُبْ زَوْرَقًا لِلْانْحِدَارِ إِلَى بَغْدَادَ، فَاكْتَرَيْتُ لَهُ زَوْرَقًا، وَخَرَجَ مِنْ يَوْمِهِ مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى إِلَى بَغْدَادَ "

стр. 2668

بَابُ مُنَاظَرَةِ رَجُلٍ آخَرَ بِحَضْرَةِ الْمُعْتَصِمِ

стр. 2669

٤٥٥ - قَالَ الشَّيْخُ: وَوَجَدْتُ فِي كِتَابِ هَذَا الشَّيْخِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ زُرْقَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ، يَقُولُ: لَمَّا جِيءَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ وَأُحْضِرَ لِلْمِحْنَةِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَحْبُوسٌ قَالَ: الْخُرَاسَانِيُّ: هَذَا الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ أَعْرِضُوهُ عَلَيَّ، قَالَ: تَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: هَذَا الَّذِي تَدْعُونُ إِلَيْهِ عَلِمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَوَسِعَهُمُ السُّكُوتُ عَنْهُ؟ فَأَطْرَقَ الْمُعْتَصِمُ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا وَسِعَكُمْ مَا وَسِعَ الْقَوْمَ؟ قَالَ: فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: أَخْلُوا لِي بَيْتًا، فَأُخْلِيَ لَهُ بَيْتٌ، فَطَرَحَ نَفْسَهُ فِيهِ عَلَى قَفَاهُ وَرَفَعَ رِجْلَيْهِ مَعَ الْحَائِطِ، وَهُوَ يَقُولُ: عَلِمَهُ اللَّهُ وَعَلِمَهُ رَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونُ، وَوَسِعَهُمُ السُّكُوتُ عَنْهُ وَسِعَنَا مَا وَسِعَ الْقَوْمَ، صَدَقَ الْخُرَاسَانِيُّ، مَا زَالَ يَقُولُ ذَلِكَ وَيُرَدِّدُهُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، لَا يَجِدُ فِيهِ حُجَّةً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَمَرَ بِإِحْضَارِ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَأَحْضَرَ الْقَوْمَ، فَبَدَأَ الْخُرَاسَانِيُّ فَأَسْكَتَهُمْ وَقَطَعَ حُجَّتَهُمْ، فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: خَلُّوا عَنِ الْخُرَاسَانِيِّ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا مَتَى يَخْرُجُ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ يَفْتِنُ الْعَامَّةَ وَيَقُولُ: غَلَبْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَغَلَبْتُ قُضَاتَهُ وَشُيُوخَهُ وَعُلَمَاءَهُ، وَقَهَرْتُهُ وَأَدْحَضْتُ حُجَّتَهُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ يَا أَحْمَدُ، ⦗٢٨٣⦘ ثُمَّ قَالَ: جُرُّوا بِرِجْلِهِ، فَجَرُّوا بِرِجْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَتَعَلَّقَتِ الرَّزَّةُ بِغَلْصَمَتِهِ، فَقَالَ: اجْذِبُوهُ فَجَذَبُوهُ فَانْقَطَعَ رَأْسُهُ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَسَمِعْتُ اللِّسَانَ يَقُولُ فِي الرَّأْسِ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ سَكَتَ قَالَ أَحْمَدُ: فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا بَصَّرَنِي فِي أَمْرِي، وَشُجِّعَ بِهِ قَلْبِي "

стр. 2670

بَابُ مُنَاظَرَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى بْنِ مَشْكَوَيْهِ الْهَمْدَانِيِّ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ

стр. 2671

٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيِدِ بْنِ مُسَبَّحٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَاسِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّفَّارُ الْقَنْطَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مَشْكَوَيْهِ الْهَمَذَانِيُّ، قَالَ: " أُدْخِلْتُ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُتَكَنِّي بِالْوَاثِقِ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَقْبَلَ بِالْمَسْأَلَةِ عَلَيَّ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي رَجُلٌ مُرَوَّعٌ وَلَا عَهْدَ لِي بِكَلَامِ الْخُلَفَاءِ مِنْ قَبْلِكَ. " فَقَالَ: لَا تَرْعَ وَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ، مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقُلْتُ: «كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»، فَقَالَ: أَشْهَدُ لَتَقُولَنَّ مَخْلُوقًا أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قَالَ: " فَقُلْتُ: إِنَّكَ إِنْ تَضْرِبْ عُنُقِي، فَإِنَّكَ فِي مَوْضِعِ ذَلِكَ إِنْ جَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَتَثَبَّتْ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِمَّا أَنْ أَكُونَ عَالِمًا فَتَثْبُتَ حُجَّتِي، وَإِمَّا أَنْ أَكُونَ جَاهِلًا فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي لِأَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَخَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَابْنُ عَمِّ نَبِيِّهِ" ⦗٢٨٥⦘ فَقَالَ: أَمَا تَقْرَأُ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، قُلْتُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْكُلِّيَّةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ خَاصٌّ أَمْ عَامٌّ؟»، قَالَ: عَامٌّ. قُلْتُ: " لَا، بَلْ خَاصٌّ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فَهَلْ أُوتِيَتْ مُلْكَ سُلَيْمَانَ ﵇؟ فَحَذَفَنِي بِعَمُودٍ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُوهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَأُخْرَجْتُ إِلَى قُبَّةٍ قُرَيْبَةٍ مِنْهُ، فَشُدَّ عَلَيْهَا كِتَافِي، فَنَادَيْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ ضَارِبٌ عُنُقِي، وَأَنَا مُتَقَدِّمُكَ، فَاسْتَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا" فَقَالَ: أَخْرِجُوا الزِّنْدِيقَ وَضَعُوهُ فِي أَضْيَقِ الْمَحَابِسِ، فَأُخْرِجْتُ إِلَى دَارِ الْعَامَّةِ، فَإِذَا أَنَا بِابْنِ أَبِي دُؤَادٍ يُنَاظِرُ النَّاسَ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ: يَا خُرَّمِيُّ قُلْتُ: «أَنْتَ وَالَّذِينَ مَعَكَ وَهُمْ شِيعَةُ الدَّجَّالِ» فَحَبَسَنِي فِي سِجْنِ بِبَغْدَادَ يُقَالُ لَهُ الْمُطَبَّقُ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ رُقْعَةً يُشَجِّعُونَنِي وَيُثَبِّتُونَنِي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ، فَقَرَأْتُ مَا فِيهَا، فَإِذَا فِيهَا: [البحر البسيط] عَلَيْكَ بِالْعِلْمِ وَاهْجُرْ كُلَّ مُبْتَدَعٍ ... وَكُلَّ غَاوٍ إِلَى الْأَهْوَاءِ مَيَّالِ وَلَا تَمِيلَنَّ يَا هَذَا إِلَى بِدَعٍ ... يَضِلُّ أَصْحَابُهَا بِالْقِيلِ وَالْقَالِ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ ... لَيْسَ الْقُرْآنُ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بَالِ لَوْ أَنَّهُ كَانَ مَخْلُوقًا لَصَيَّرَهُ ... رَيْبُ الزَّمَانِ إِلَى مَوْتٍ وَإِبْطَالِ ⦗٢٨٦⦘ وَكَيْفَ يَبْطُلُ مَا لَا شَيْءَ يُبْطِلُهُ ... أَمْ كَيْفَ يَبْلَى كَلَامُ الْخَالِقِ الْعَالِي وَهَلْ يُضِيفُ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ أَحَدٍ ... إِلَى الْبِلَى غَيْرُ ضُلَّالٍ وَجُهَّالِ فَلَا تَقُلْ بِالَّذِي قَالُوا وَإِنْ سَفِهُوا ... وَأَوْثَقُوكَ بِأَقْيَادٍ وَأَغْلَالِ أَلَمْ تَرَ الْعَالِمَ الصَّبَّارَ حَيْثُ بُلِيَ ... بِالسَّوْطِ هَلْ زَالَ عَنْ حَالٍ إِلَى حَالِ فَاصْبِرْ عَلَى كُلِّ مَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِهِ ... فَالصَّبْرُ سِرْبَالُهُ مِنْ خَيْرِ سِرْبَالِ يَا صَاحِبَ السِّجْنِ فَكِّرْ فِيمَ تَحْسِبُهُ ... أُقَاتِلٌ هُوَ أَمْ عَوْنٌ لِقَتَّالِ أَمْ هَلْ أَتَيْتَ بِهِ رَأْسًا لِرَافِضَةٍ ... يَرَى الْخُرُوجَ لَهُمْ جَهْلًا عَلَى الْوَالِي أَمْ هَلْ أُصِيبَ عَلَى خَمْرٍ وَمِعْزَفَةٍ ... يُصَرِّفُ الْكَأْسَ فِيهَا كُلَّ ضَلَّالِ مَا هَكَذَا هُوَ بَلْ لَكِنَّهُ وَرِعٌ ... عَفٌّ عَفِيفٌ عَنِ الْأَعْرَاضِ وَالْمَالِ ثُمَّ ذَكَرَنِي بَعْدَ أَيَّامٍ وَأَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَأَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: عَسَاكَ مُقِيمًا عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي كُنْتُ سَمِعْتُهُ مِنْكَ؟ فَقُلْتُ: «وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَأَدْعُوَ رَبِّي ﵎ فِي لِيَلِي وَنَهَارِي أَلَّا يُمِيتَنِي إِلَّا عَلَى مَا كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنِّي» قَالَ: أُرَاكَ مُتَمَسِّكًا قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ قُلْتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ لَقِيتُ فِيهِ الْعُلَمَاءَ بِمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَالْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَةِ، وَالشَّامِ، وَالثُّغُورِ، فَرَأَيْتُهُمْ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. فَقَالَ لِي: وَمَا السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ؟ قُلْتُ: " سَأَلْتُ عَنْهَا الْعُلَمَاءَ فَكُلٌّ يُخْبِرُ وَيَقُولُ: إِنَّ صِفَةَ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ مُخْلِصًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ، وَيَشْهَدُ الْعَبْدُ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ لِسَانِهِ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ، وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللَّهِ، وَيَعْلَمُ الْعَبْدُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ مِنْ خَلْقِهِ مَا ⦗٢٨٧⦘ هُمْ فَاعِلُونَ، وَمَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ خَلْفَ كُلِّ إِمَامٍ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلَاةُ الْمَكْتُوبَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَدِّمَ وَقْتًا أَوْ تُؤَخِّرَ وَقْتًا، وَأَنْ نَشْهَدَ لِلْعَشَرَةِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْجَنَّةِ، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ إِذَا جَرَى كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالتَّقْصِيرُ فِي السَّفَرِ إِذَا سَافَرَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا بِالْهَاشِمِيِّ - ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا - وَتَقْدِيمُ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَتَرْكِيبُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْجَهْرُ بِآمِينَ، وَإِخْفَاءُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَنْ تَقُولَ بِلِسَانِكَ وَتَعْلَمَ يَقِينًا بِقَلْبِكَ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَالْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَمُنْكَرٍ وَنكِيرٍ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ أَهْلَ ⦗٢٨٨⦘ الْكَبَائِرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ النَّارِ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِيهَا إِلَّا مُشْرِكٌ، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ اللَّهَ بِأَبْصَارِهِمْ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ الْأَرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالسَّمَاوَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا مِنِّي أَمَرَ بِي فَقَلَعَ لِي أَرْبَعَةَ أَضْرَاسٍ، وَقَالَ: أَخْرِجُوهُ عَنِّي لَا يُفْسِدُ عَلَيَّ مَا أَنَا فِيهُ، فَأُخْرِجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَسَأَلَنِي عَمَّا جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ الْخَلِيفَةِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: لَا نَسِيَ اللَّهُ لَكَ هَذَا الْمَقَامَ حِينَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ نَكْتُبَ هَذَا عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِنَا، وَنُعَلِّمَهُ أَهْلَنَا وَأَوْلَادَنَا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى ابْنِهِ صَالِحٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ هَذَا الْحَدِيثَ وَاجْعَلْهُ فِي رَقٍّ أَبْيَضَ وَاحْتَفِظْ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ خَيْرِ حَدِيثٍ كَتَبْتَهُ، إِذَا لَقِيتَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَلْقَاهُ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ

стр. 2672

٤٥٧ - وَحَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسَبِّحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُنْتَصِرُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: أَصْبَحَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ⦗٢٨٩⦘ ذَاتَ يَوْمٍ مَغْمُومًا، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مِمَّ غَمُّكَ؟ قَالَ: " رَأَيْتُ فِيَ مَنَامِي دَاوُدَ النَّبِيَّ ﵇ قَدْ صَافَحَنِي، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ إِلَّا خَيْرٌ، نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ لِلرُّؤْيَا، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ أَيُّوبَ لَابْتُلِيتُ فِي بَدَنِي، وَلَوْ كَانَ يَعْقُوبَ لَابْتُلِيتُ فِي وَلَدِي، وَلَكِنَّهُ دَاوُدُ ابْتُلِيَ فِي دِينِهِ، وَأَنَا أَخَافُ اللَّهَ أَنْ أُبْتُلَى فِي دِينِي» فَمَا كَانَتْ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى امْتُحِنَ فَأَجَابَ، قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْمِحْنَةِ لِأَصْحَابِهِ، إِذْ جَاءَتْهُ جَارِيَةٌ بِرُقْعَةٍ فَدَفَعَتْهَا إِلَيْهِ، فَقَرَأَهَا ثُمَّ بَكَى قَالَ: فَسُئِلَ عَمَّا فِيهَا فَقَالَ: بَعْضُ الْأَبْيَاتِ، فَإِذَا هِيَ: [البحر الطويل] يَا ابْنَ الْمَدِينِيِّ الَّذِي عَرَضَتْ لَهُ ... دُنْيَا فَجَادَ بِدِينِهِ لِيَنَالَهَا مَاذَا دَعَاكَ إِلَى انْتِحَالِ مَقَالَةٍ ... قَدْ كُنْتَ تَزْعُمُ كَافِرًا مَنْ قَالَهَا أَمْرٌ بَدَا لَكَ رُشْدُهُ فَتَبِعْتَهُ ... أَمْ زَهْرَةُ الدُّنْيَا أَرَدْتَ نَوَالَهَا فَلَقَدْ عَهِدْتُكَ لَا أَبَا لَكَ جَاهِدًا ... صَعْبَ الْمَقَالَةِ لِلَّتِي تُدْعَى لَهَا إِنَّ الْمُعَزَّى مَنْ يُصَابُ بِدِينِهِ ... لَا مَنْ يُرَزَّى نَاقَةً وَفِصَالَهَا

стр. 2673

٤٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ سِوَارٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ الْمُغَلِّسِيِّ الْحِمَّانِيُّ الصَّفَّارُ، قَالَ: ⦗٢٩٠⦘ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ أَبُو الْحَسَنِ، بِبَغْدَادَ فَوْقَ قَصْرِ طَاقَ عَبْدُوَيْهِ قَالَ: كَتَبَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمِرِّيسِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى أَبِي يَسْأَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبِي: «عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، فَإِنْ يَفْعَلْ فَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ نِعْمَةٍ، وَإِنْ لَا يَفْعَلْ فَهِيَ وَاللَّهِ الْهَلَكَةُ»، أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَبَاهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " لَيْسَ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ الْمُرْسَلِينَ حُجَّةٌ، وَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الْقُرْآنِ بِدْعَةٌ اشْتَرَكَ فِيهِ السَّائِلُ وَالْمُجِيبُ، أَمَّا السَّائِلُ فَتَعَاطَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَتَكَلَّفَ الْمُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ، وَمَا أَعْرِفُ خَالِقًا إِلَّا اللَّهُ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، فَانْتَهِ بِنَفْسِكَ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ مَعَكَ فِي الْقُرْآنِ إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ اللَّهُ بِهَا تَكُنْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ، إِنَّ ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَونَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] "

стр. 2674

٤٥٩ - حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الطَّبَّاخُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ حَسَّانَ، مِنْ كَرْخِ سُرَّ مَنْ رَأَى قَالَ: قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: ⦗٢٩١⦘ رَآنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَمَا كَلَّمَنِي، فَلَمَّا كَانَ فِي غَدٍ، رَآنِي فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر البسيط] يَا طَالِبَ الْعِلْمِ صَارِمْ كُلَّ بَطَّالِ ... وَكُلَّ غَاو إِلَى الْأَهْوَاءِ مَيَّالِ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعْرِفُهُ ... لَيْسَ الْقُرْآنُ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بَالِ لَوْ أَنَّهُ كَانَ مَخْلُوقًا لَغَيَّرَهُ ... رَيْبُ الزَّمَانِ إِلَى مَوْتٍ وَإِبْطَالِ وَكَيْفَ يَبْطُلُ مَا لَا شَيْءَ يُبْطِلُهُ ... أَمْ كَيْفَ يَبْلَى كَلَامُ الْخَالِقِ الْعَالِي

стр. 2675

٤٦٠ - وَحَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ النَّحْوِيُّ، قَالَ: " وَالْإِلُّ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، وَمِنْهُ قِرَاءَةٌ مَنْ قَرَأَ (جَبْرَائِيلَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " إِلٌّ هَاهُنَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، وَخَيَّرَ الْعَبْدَ كَأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿لَا يَرْقَبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلَكَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ، جَاءُوا بِأُسَارَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ كَذِبِ صَاحِبِكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: هَاتُوهُ، فَقَالُوا: مِمَّا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ وَزَعَمَ أَنَّهُ قُرْآنٌ: يَا ضِفْدَعُ نَقِّي نَقِّي، لَا الْمَاءُ تَشْرَبِينَ وَلَا الطَّعَامُ تَأْكُلِينَ، وَمِنْهُ شَاةٌ سَوْدَاءُ تَحْلِبُ لَبَنًا أَبْيَضَ، هَذَا مِنَ الْعَجَبِ قَالَ: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، أَيْنَ ذَهَبَ بِكُمْ؟ هَلْ خَرَجَ هَذَا مِنْ إِلٍّ؟ ⦗٢٩٢⦘ قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى:: وَهَذَا أَحَدُ الْأَدِلَّاءِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا

стр. 2676

٤٦١ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: سَأَلْتُ الْمُشَوِّفَ الْفَيْلَسُوفَ صَدِيقَ إِبْرَاهِيمَ، فَقُلْتُ لَهُ: «أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّوْعُ مِنْ غَيْرِ جَوْهَرِ الْجِنْسِ؟» قَالَ: لَا. فَقُلْتُ لَهُ: «أَفَطِنْتَ لِمَا أَرَدْتُ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَحَمَدْتُهُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: «لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَسْحٌ مِنْ قُطْنٍ»

стр. 2677

٤٦٢ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسَانَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ كَيْسَانَ: أَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ وَهُوَ الْخَالِقُ»، وَأَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ وَهُوَ مَخْلُوقٌ»، وَأَقُولُ: «إِنَّ الْقُرْآنَ أَمْرُهُ لَا خَالِقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ» ⦗٢٩٣⦘ ثُمَّ قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَثَعْلَبٍ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ

стр. 2678

٤٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَاشِمِيُّ الْخَطِيبُ، كَانَ فِي جَامِعِ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَضَرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عِنْدَ عَفَّانَ وَكَانَ أَوَّلَ مَا امْتُحِنَ عَفَّانُ، وَسَأَلَهُ يَحْيَى بَعْدَمَا امْتُحِنَ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ أَخْبِرْنَا بِمَا كَلَّمَكَ بِهِ إِسْحَاقُ وَمَا كَانَ مَرَّدَهُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا زَكَرِيَّا لَمْ أُسَوِّدْ وَجْهَكَ وَلَا وُجُوهَ أَصْحَابِكَ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنِّي لَمْ أُجِبْ»، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ كَانَ؟ قَالَ: " قَرَأَ عَلَيَّ الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الْمَأْمُونُ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ مِنَ الرَّقَةِ، فَإِذَا فِيهِ: امْتَحِنْ عَفَّانَ وَادْعُهُ إِلَى أَنْ يَقُولَ: الْقُرْآنُ - يَعْنِي: مَخْلُوقٌ - فَإِنْ أَجَابَ فَأَقِرَّهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْكَ إِلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ، فَاقْطَعْ عَنْهُ الَّذِي تُجْرِي عَلَيْهِ " قَالَ عَفَّانُ: " فَلَمَّا قَرَأَ عَلَيَّ، قَالَ لِي إِسْحَاقُ: مَا تَقُولُ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] " فَقَالَ لِي إِسْحَاقُ: يَا شَيْخُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُجِبْهُ إِلَى ⦗٢٩٤⦘ مَا يَدْعُوكَ إِلَيْهِ يَقْطَعْ عَنْكَ مَا يُجْرِي عَلَيْكَ، وَإِنْ قَطَعَ عَنْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَطَعْنَا نَحْنُ أَيْضًا، فَقَالَ: قَالَ عَفَّانُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَقَوْلُ اللَّهِ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي وَانْصَرَفْتُ، فَسُرَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ وَيَحْيَى وَأَصْحَابُهُمْ " قَالَ حَنْبَلٌ: فَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: " سُبْحَانَ اللَّهِ كَانَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ يَعْنِي: فِي هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ وَيَذْكُرُونَهُمَا، وَكُنَّا مِنَ النَّاسِ فِي أَمْرِهِمَا مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، قَامَا لِلَّهِ بِأَمْرٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ مِثْلُ مَا قَامَا بِهِ عَفَّانُ وَأَبُو نُعَيْمٍ

стр. 2679

٤٦٤ - وَحَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ الشِّيرَجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْأَعْيُنُ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَفَّانَ وَقَدْ دَعَاهُ إِسْحَاقُ لِهَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ: " أَعْطُونِي ثِيَابِي، فَجَاءُوهُ بِقَمِيصٍ جَدِيدٍ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا يَكُونُ لَكُمْ، هَاتُوا قَمِيصًا خَلَقًا. قَالَ: فَأَلْبَسْتُهُ إِيَّاهُ، يَعْنِي: لِضَرْبِ الْعُنُقِ "

стр. 2680

٤٦٥ - وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبَزَّازُ، قَالَ: ⦗٢٩٥⦘ " لَمَّا امْتُحِنَ عَفَّانُ قَالَ: امْتَحَنَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِكِتَابِ الْمَأْمُونِ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ يُجْرِي عَلَى عَفَّانَ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يُجْرِي عَلَيْهِ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَكَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: امْتَحِنْ عَفَّانَ، فَإِنْ أَجَابَ إِلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مَا كُنَّا نُجْرِي، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ، فَأَسْقِطْ عَنْهُ مَا كَانَ يُجْرَى عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِسْحَاقُ فَأَحْضَرَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ الْمَأْمُونِ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: يَا شَيْخُ إِنَّهُ يَقْطَعُ عَنْكَ مَا كَانَ يُجْرِي عَلَيْكَ إِنْ لَمْ تُجِبْ، فَلَا أَدْرِي مَا رَدَّ عَلَيْهِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ: فَأَحْسَنَ إِسْحَاقُ فِي أَمْرِهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ أَنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَرِيضٌ، وَقَدِ امْتَحَنَهُ فَلَمْ يُجِبْ، وَلَا أَحْسَبُ يَصِلُ كِتَابِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا وَقَدْ تُوُفِّيَ

стр. 2681

٤٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ بْنُ أَبِي عِصْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْخَالَقَانِيُّ، عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ، يَقُولُ حِينَ أَنْشَدَهُ أَبُو الرُّمَّةِ هَذَا ⦗٢٩٦⦘ الشِّعْرَ فِي بِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ: «اكْتُبُوا هَذَا الشِّعْرَ وَتَعَلَّمُوهُ فَهُوَ أَنْفَعُ لَكُمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلِّمُوهُ صِبْيَانَكُمْ، وَرَأَيْتُ بِشْرًا يُعْجِبُهُ هَذَا الشِّعْرُ إِذَا أُنْشِدَهُ»: [البحر الخفيف] أَيُّهَا النَّاسُ فَاسْتَقِيمُوا إِلَى الْ ... حَقِّ وَخَافُوا عُقُوبَةَ الرَّحْمَنِ وَاتَّقُوا يَوْمَ يَنْجَلِي الْأَمْرُ فِيهِ ... لَكُمْ مِنْ كَرَامَةٍ أَوْ هَوَانِ فَإِلَى جَنَّةٍ الْخُلْدُ فِيهَا أَمْ ... إِلَى جَاحِمٍ مِنَ النِّيرَانِ يَوْمَ يَجْمَعُكُمُ الْإِلَهِ لِيَوْمٍ ... فِيهِ شَابَتْ ذَوَائِبُ الْوِلْدَانِ فَأَجِيبُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَعَمَّا ... قُلْتُمُوهُ يَا مَعْشَرَ الْمُجَّانِ أَزَعَمْتُمْ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَكَذَبْتُمْ ... . . . وَمُنْزِلِ الْفُرْقَانِ بَلْ كَلَامُ الْإِلَهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ... وَلَا مَيِّتٍ مَعَ الْإِنْسَانِ كُلُّ خَلْقٍ يَبِيدُ لَا شَكَّ فِيهِ ... أَيُّ خَلْقٍ يَبْقَى عَلَى الْحَدَثَانِ لَا تَقُولُوا بِقَوْلِ بِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ ... وَالْعَنُوهُ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ بِشْرٍ ... كَاسْتِعَاذَتِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا أَرَادَ الَّذِي أَرَادَ سِوَى الشِّرْكِ ... وَلَكِنْ كَنَّى عَنِ الْأَوْثَانِ بِالْقُرْآنِ أَهْتَدِي وَضَلَّ الَّذِي ضَلَّ ... وَكُلُّ مُخَاصِمٍ بِالْقُرْآنِ فَعَلَيْكُمْ بِدِينِكُمْ لَا تَبِيعُوهُ ... بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعِيشَةِ فَانِ لَا عَلَى الشِّرْكِ تَرْقُدُونَ وَإِنْ مُتُّمْ ... عَلَى الدِّينِ صِرْتُمْ لِلْجِنَانِ فَاقْبَلُوا النُّصْحَ مِنْ أَخٍ بَذَلَ النُّصْحَ ... لَكُمْ مِنْ ضَمِيرِهِ وَاللِّسَانِ

стр. 2682

بَابُ الْقَوْلِ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ

стр. 2683

٤٦٧ - سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ سَلْمَانَ النِّجَادَ، يَقُولُ: " وَمِنَ الْفِرَقِ الْهَالِكَةِ قَوْمٌ أَحْدَثُوا شَيْئًا أَنْكَرَهُ الْعُلَمَاءُ. وَذَكَرَ أَنَّ الصُّورِيَّ كَانَ نَزَلَ بَغْدَادَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ سُوقَ يَحْيَى وَأَظْهَرَ التَّقَلُّلَ وَالتَّقَشُّفَ، وَقَالَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ: «إِنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ»، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ الْحَرَكَةَ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِ، فَطَائِفَةٌ تَنْصُرُهُ، وَطَائِفَةٌ تُنْكِرُ عَلَيْهِ فَسَأَلُوا عَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ وَهَارُونَ الْحَمَّالَ فَعَرَضَا كَلَامَهُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ "

стр. 2684

٤٦٨ - وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ ⦗٢٩٨⦘ اللَّهِ: إِنَّ رَجُلًا قَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ يَخُوضُونَ فِيهِ، وَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشْيَخَةِ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا يَقُولُونَ، وَقَدْ جَاءُوا بِكَلَامِهِ عَلَى أَنْ يَعْرِضُوهُ عَلَيْكَ وَهَذِهِ الرُّقْعَةُ، فَقَالَ: " هَاتِهَا. فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، فَكَانَ فِيهَا: خَلَقَ اللَّهُ لَنَا عُقُولًا، وَأَلْهَمَنَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَأَلْهَمَنَا الرُّشْدَ، وَأَوْجَبَ عَلَيْنَا فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا الشُّكْرَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَهَكَذَا إِيمَانُنَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَنِيَّةٌ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْفِعْلِ، إِذْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا عَلَى الْقَوْلِ، فَمَنْ قَالَ: «إِنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ يُرِيدُ الْقَوْلَ فَهُوَ كَافِرٌ»، وَبَعْدَ هَذَا يُعْرَضُ كَلَامِي عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ خَطَأً رَجَعْتُ وَتُبْتُ إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَرَأَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْفِعْلِ، فَرَمَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِالرُّقْعَةِ مِنْ يَدِهِ، وَغَضِبَ شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: " هَذَا أَهْلٌ أَنْ يُحَذَّرَ عَنْهُ وَلَا يُكَلَّمَ، هَذَا كَلَامُ جَهْمٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا قُلْتَ مَخْلُوقٌ عَلَى الْحَرَكَةِ، هَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْكَرَابِيسِيِّ، إِنَّمَا أَرَادَ: الْحَرَكَاتُ مَخْلُوقَةٌ، هَذَا قَوْلُ جَهْمٍ، وَيْلَهُ إِذَا قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَخْلُوقٌ؟، قَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ؟ وَعَلَى مَنْ نَزَلَ؟ وَمَنْ يُجَالِسُ؟ قُلْتُ: هُوَ غَرِيبٌ، قَالَ: حَذِّرُوا عَنْهُ، لَيْسَ يُفْلِحُ أَصْحَابُ الْكَلَامِ. ⦗٢٩٩⦘ ثُمَّ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ بِمُجَانَبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: انْظُرْ كَيْفَ قَدْ قَدَّمَ التَّوْبَةَ أَمَامَهُ: إِنْ أَنْكَرَ عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ تُبْتُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أُنْكِرُهُ عَلَيْهِ

стр. 2685

٤٦٩ - وَحَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَسُئِلَ عَنْ مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ فَقَالَ: هَذَا كَلَامُ سُوءٍ رَدِيءٌ، وَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " مَخْلُوقٌ؟ مَنْ قَالَ هَذَا، فَهُوَ قَوْلُ سُوءٍ، يُدْعَوْ إِلَى كَلَامِ جَهْمٍ، يُحَذَّرُ عَنْ صَاحِبِ هَذَا الْكَلَامِ، وَلَا يُجَالَسُ، وَلَا يُكَلَّمُ حَتَّى يَرْجِعَ وَيَتُوبَ، وَهَذَا عِنْدِي يَدْعُو إِلَى كَلَامِ جَهْمٍ، الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَخْلُوقٌ هُوَ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، فَهَذِهِ صِفَاتُهُ وَأَسْمَاؤُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ، يُحَذَّرُ عَنْ صَاحِبِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَصِفَاتُ اللَّهِ وَأَسْمَاؤُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِمًا، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَخْلُوقٌ فَقَدْ قَالَ مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّةِ "

стр. 2686

٤٧٠ - وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَافْلَائِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ ⦗٣٠٠⦘ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْإِيمَانِ أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " وَقَرَأَ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟ مَا هُوَ اللَّهُ مَخْلُوقٌ " قَالَ الشَّيْخُ: فَالْقَوْلُ فِي هَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالتَّسْلِيمِ لِمَا قَالُوهُ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، لِأَنَّ أَمَلَ الْإِيمَانِ وَذُرْوَةَ سَنَامِهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ لِأَنَّ الْقَدَرِيَّةَ تَقُولُ: إِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَحَرَكَاتِهِمْ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَالْأَصْلُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا: التَّسْلِيمُ لِمَا قَالَتْهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَرْكُ الْكَلَامِ فِيمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ الْأَئِمَّةُ، فَهُمُ الْقُدْوَةُ وَهُمْ كَانُوا أَوْلَى بِإِكْلَامٍ مِنَّا، نَسْأَلُ اللَّهَ عِصْمَةً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَعِيَاذًا مِنْ مُخَالَفَتِهِ

стр. 2687

بَابُ التَّصْدِيقِ بِأَنَّ اللَّهَ ﵎ كَلَّمَ مُوسَى، وَبَيَانِ كُفْرِ مَنْ جَحَدَهُ وَأَنْكَرَهُ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ جَحَدَ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى، فَقَدْ أَبْطَلَ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَبَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَدَّ عَلَى اللَّهِ قَوْلَهُ، وَكَذَّبَ بِمَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَرَدَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وَقَالَ ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وَقَالَ ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وَقَالَ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وَقَالَ ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩]، وَقَالَ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]،

стр. 2688

وَقَالَ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]، وَقَالَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ﴾ [النازعات: ١٥] فَأَنْكَرَ الْجَهْمِيُّ الْخَبِيثُ الْمَلْعُونُ هَذَا كُلَّهُ، وَرَدَّهُ وَجَحَدَ بِهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَا تَكَلَّمَ قَطُّ وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَزَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ كَالْحِجَارَةِ الصُّمِّ الْبُكْمِ الْجَمَادِ الْخُرْسِ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُدُهَا الْجَاهِلِيَّةُ، لَا تَسْمَعُ، وَلَا تُبْصِرُ، وَلَا تَنْطِقُ، وَلَا تَنْفَعُ، وَلَا تَضُرُّ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُنَزِّهَ اللَّهَ وَيَرْفَعَهُ عَنِ التَّشْبِيهِ بِبَنِي آدَمَ يَتَكَلَّمُونَ وَيَسْمَعُونَ وَيُبْصِرُونَ، وَيَقُولُ: إِنَّ الْكَلَامَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ جَوْفٍ بِلِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ وَحَلْقٍ وَلَهَوَاتً، فَيَنْفُونَ عَنِ اللَّهِ الْقُدْرَةَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا بِآلَاتِ الْكَلَامِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ كَوَّنَ شَيْئًا فَعَبَّرَ عَنْهُ، وَخَلَقَ صَوْتًا، فَأَسْمَعَ مُوسَى ذَلِكَ الْكَلَامَ، قُلْنَا: هَلْ شَاهَدْتُمُوهُ وَعَايَنْتِمُوُهُ حَتَّى عَلِمْتُمْ أَنَّ هَذَا هَكَذَا كَانَ؟ قَالُوا: لَا،

стр. 2689

قُلْنَا: بَلَغَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: لَا. قُلْنَا: فَهَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ السَّالِفَةِ، أَوْ قَالَهُ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ؟ قَالُوا: لَا، وَلَكِنَّ الْمَعْقُولَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، قُلْنَا: فَهَلْ يَجُوزُ لِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وَكَوَّنَهُ أَنْ يَقُولَ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]؟ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُكَلِّمَ لِمُوسَى كَانَ غَيْرَ اللَّهِ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقًا ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَأَنَّ مُوسَى أَجَابَهُ وَعَبَدَهُ مِنْ دُونِهِ، وَمَضَى إِلَى فِرْعَوْنَ بِرِسَالَةِ مَخْلُوقٍ، وَأَمَرَ فِرْعَوْنَ أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ اللَّهُ فِيمَا وَصَفَ بِهِ كِتَابَهُ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وَقَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] فَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَفَصِيحِ اللِّسَانِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامٌ إِلَّا مِنْ مُتَكَلِّمٍ، كَمَا لَا يَكُونُ رَسُولٌ إِلَّا مِنْ مُرْسَلٍ، وَلَا عَطَاءٌ إِلَّا مِنْ مُعْطٍ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، فَأَدْخَلَ ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] تَأْكِيدًا لِلْكَلَامِ وَلِنَفْيِ الْمَجَازِ، فَإِنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَقُولَ إِنْسَانٌ: كَلَّمْتُ فُلَانًا فِي كِتَابِي وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِي تَكْلِيمًا

стр. 2690

٤٧١ - حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ ⦗٣٠٤⦘ فَرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غَزْوَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْأَصْمَعِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] قَالَ: «تَأْكِيدًا لَكَلَامِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا تُرْجُمَانَ بَيْنَهُمَا وَلَا رَسُولَ»، قُلْتُ: فَمَا مَوْضِعُهُ مِنَ الْكَلَامِ؟ قَالَ: " كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لَأَضْرِبَنَّكَ ضَرْبًا، وَلَأَفْعَلَنَّ بِكَ فِعْلَا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، فَفَصَلَ بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالْكَلَامِ، لِأَنَّ جَمِيعَ رُسُلِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ إِنَّمَا أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِالْوَحْيِ. فَلَوْلَا مَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مُوسَى مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي لَا تُرْجُمَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ، لَمَا قَالَ: ﴿وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وَلَمَا كَانَ لَهُ هُنَاكَ فَضِيلَةٌ وَمَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُكَلِّمْهُ اللَّهُ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِمَا خَصَّ بِهِ مُوسَى، وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّةَ لَا بِمَشَاهَدَةٍ عَلِمُوا مَا يَدَّعُونَ، وَلَا بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ يُصَدِّقُونَ، وَلَا مَا قَالَهُ ﷺ وَصَحَابَتُهُ يَقْبَلُونَ، وَلَا فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَدْخُلُونَ، وَلَا لِكَلَامِ الْعَرَبِ وَفَصِيحِ اللِّسَانِ يَعْرِفُونَ، فَهُمْ لِأَهْوَائِهِمْ يَعْبُدُونَ، وَبِالْمَعْقُولِ مِنْ غَيْرِ عَقْلٍ صَحِيحٍ يَدِينُونَ، وَتَعَالَى اللَّهُ عُلُوًّا كَبِيرًا عَمَّا يَقُولُونَ " فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ جَوْفٍ وَفَمٍ وَلِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ، أَفَتَرَى ⦗٣٠٥⦘ الْجَوَارِحَ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا كَانُوا يَعْلَمُونَ، حَتَّى تَنْطِقَ بِكَلَامٍ مَفْهُومٍ وَأَمْرٍ مَعْلُومٍ، فَهَلْ كَانَ لَهَا جَوْفٌ وَأَلْسِنَةٌ وَشِفَاهٌ وَلَهَوَاتٌ؟ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجِلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فَالَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ مِنْ غَيْرِ جَوْفٍ وَلَا لِسَانٍ وَلَا شَفَتَيْنِ قَادِرٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ هُوَ بِمَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ لِمَنْ شَاءَ، وَلَا نَقُولُ بِلِسَانٍ وَلَا بِجَوْفٍ وَلَا شَفَتَيْنِ. قَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ صَمَدٌ رَوْحَانِيُّونَ، لَا أَجْوَافَ لَهُمْ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وَقَالَ ﴿يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]. وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنِ الْجِبَالِ أَنَّهَا تُسَبِّحُ، فَقَالَ ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾. وَقَدْ قَالَ ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَذَلِكَ، فَقَالَ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ⦗٣٠٦⦘ وَمِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّةَ الْمُلْحِدَةَ تَجْحَدُهُ كُلَّهُ وَتُنْكِرُهُ، فَتَجْحَدُ الْقُرْآنَ وَتَرُدَّ الْآثَارَ، فَمَنْ أَنْكَرَ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى كَلَامًا بِصَوْتٍ تَسْمَعُهُ الْأُذُنَانِ وَتَعِيهِ الْقُلُوبُ، لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَا تُرْجُمَانَ وَلَا رَسُولَ، فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَجَحَدَ بِالْقُرْآنِ، وَعَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَتِيبَهُ، فَإِنْ تَابَ وَرَجَعَ عَنْ مَقَالَتِهِ، وَإِلَّا ضَرَبَ عُنُقَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْإِمَامُ وَصَحَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذِهِ مَقَالَتُهُ فَفَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ هِجْرَانُهُ وَقَطِيعَتُهُ، فَلَا يُكَلِّمُونَهُ، وَلَا يُعَامِلُونَهُ، وَلَا يَعُودُونَهُ إِذَا مَرِضَ، وَلَا يَشْهَدُونَهُ إِذَا مَاتَ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، وَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَا يُزَوَّجُ، وَإِنْ مَاتَ لَمْ تَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ "

стр. 2691

٤٧٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ حُمَيْدٍ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ⦗٣٠٧⦘ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَكِسَاءُ صُوفٍ، وَبُرْنُسُ صُوفٍ، وَنَعْلَانِ مِنْ جَلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ ذَكِيٍّ، فَقَالَ: مَنْ ذَا الْعِبْرَانِيُّ الَّذِي يُكَلِّمُنِي مِنَ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: أَنَا اللَّهُ "

стр. 2692

٤٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النِّجَادُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " احْتَجَّ آدَمُ ⦗٣٠٨⦘ وَمُوسَى ﵉، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ، فَأَخْرَجْتَنَا مِنْهَا. فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، وَكَلَّمَكَ تَكْلِيمًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ

стр. 2693

٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ٤٧٥ - وَحَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ الْعَاقُولِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْخُزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ ⦗٣٠٩⦘ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵀ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مُوسَى ﵇، قَالَ: يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا مِنَ الْجَنَّةِ. فَأَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُونَا آدَمُ؟ فَقَالَ آدَمُ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَعَلَّمَكَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ آدَمُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ أَنْتَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا وَجَدْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلِمَ تَلُومُنِي فِي شَيْءٍ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي "؟ ⦗٣١٠⦘ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»

стр. 2694

٤٧٦ - حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى السَّاجِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ، يَقُولُ: بَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِقَوْلِ آدَمَ لِمُوسَى: أَنْتَ مُوسَى نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ؟ فَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: بَلْ أَحْدَثَ كَلَامًا فِي شَجَرَةٍ سَمِعَهُ مُوسَى، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُمْ: وَقَدْ أَحْدَثَ اللَّهُ كَلَامًا لِنَبِيِّنَا ﷺ فِي ذِرَاعِ شَاةٍ، فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي الْكَلَامِ

стр. 2695

٤٧٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ⦗٣١١⦘ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ﵇ يَوْمَ الطُّورِ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الْكَلَامِ الَّذِي نَادَاهُ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ هَذَا كَلَامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: يَا مُوسَى كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلَافِ لِسَانٍ، وَلِي قُوَّةُ الْأَلْسُنِ كُلِّهَا، وَأَنَا قَوِيٌّ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالُوا: يَا مُوسَى صِفْ لَنَا كَلَامَ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِذًا لَا أَسْتَطِيعُ. قَالُوا: يَا مُوسَى فَشَبِّهْهُ. قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى أَصْوَاتِ الصَّوَاعِقِ الَّتِي تُقْبِلُ فِي أَجْلَى جَلَاوَةٍ، وَسَمَعْتُوهُ قَطُّ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَلَيْسَ بِهِ "

стр. 2696

٤٧٨ - قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي مَجْلِسِ اللَّيْثِيِّ وَفِيهِ خَتَنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: " قَالَ لَهُ مُوسَى: يَا رَبِّ هَذَا كَلَامُكَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى «أَنَا أُكَلِّمُكُ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ بَدَنُكَ احْتِمَالَهُ، وَلَوْ كَلَّمْتُكَ بِأَشَدَّ مِنْ هَذَا لَمُتَّ»

стр. 2697

٤٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، قَالَ: " لَمَّا نُودِيَ مُوسَى مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ قَالَ: مَنْ أَنْتَ الَّذِي تُنَادِينِي؟ قَالَ: «أَنَا رَبُّكُ الْأَعْلَى»

стр. 2698

٤٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ⦗٣١٣⦘ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ جَابِرٍ الْحِمْصِيِّ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى وَكَلَّمَهُ بِالْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا سِوَى كَلَامِهِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَيْ رَبِّ هَذَا كَلَامُكَ؟ قَالَ: «لَا، وَلَوْ كَلَّمْتُكَ بِكَلَامِي لَمْ تَسْتَقِمْ لَهُ» قَالَ: " يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشْبَهَ كَلَامَكَ؟ قَالَ: «لَا، وَأَشَدُّ شَبَهًا بِكَلَامِي أَشَدُّ مَا تَسْمَعُونَ مِنْ هَذِهِ الصَّوَاعِقِ»

стр. 2699

٤٨١ - حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فَرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْجَنْبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَاجَى مُوسَى بِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَايَا كُلُّهَا، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ الْآدَمَيِّينَ، مَقَتَهُمْ مِمَّا وَقَعَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ »

стр. 2700

٤٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَيَّاضِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ⦗٣١٥⦘ طَلْحَةُ، عَنْ يُونُسَ، أَظُنُّهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ كَعْبَ الْأَحْبَارَ، يَقُولُ: " لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كَلَّمَهُ بِالْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا قَبْلَ لِسَانِهِ، فَطَفِقَ يَقُولُ: «أَيْ رَبِّ مَا أَفْقَهُ هَذَا»، فَكَلَّمَهُ اللَّهُ بِلِسَانِهِ أَخُو الْأَلْسِنَةِ بِمِثْلِ صَوْتِهِ، فَقَالَ مُوسَى: «أَيْ رَبِّ هَكَذَا كَلَامُكَ؟» قَالَ اللَّهُ لَهُ: «لَا، لَوْ كَلَّمْتُكَ كَلَامِي، لَمْ تَكُ شَيْئًا». قَالَ مُوسَى: «أَيْ رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ كَلَامَكَ؟» قَالَ: «لَا، وَأَقْرَبُ خَلْقِي شَبَهًا بِكَلَامِي الصَّوَاعِقُ»
следующие страницы →