← Джавами‘

Джавами‘ · id 820

المجموع المفيد الممتاز من كتب العلامة ابن باز

ابن باز

Полный текст (144 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الصلاة وأهميتها الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن على المرء أن يهتم بالصلاة؛ لأن أمرها عظيم، ومكانتها كبيرة، وأن يخلص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن يتبرأ مما سوى الله كائنا من كان، وأن يؤمن ويعتقد أنه سبحانه هو المعبود بالحق، وما عبد من دونه فهو باطل، كما قال في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، وفي سورة لقمان قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الأسراء: ٢٣]، وقال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]. هذا الأساس العظيم هو أصل دين الإسلام، وهو أول شيء يدخل به العبد في دين الله الإسلام، ثم يلي هذه الشهادة الشهادة بأن محمداً رسول الله، هاتان الشهادتان هما أصل الدين لا يصح دين بدونهما، إحداهما لا تغني عن الأخرى، فبعد مبعث محمد ﷺ لا بد منهما، فلا إسلام إلا بتوحيد الله، ولا إسلام إلا بالإيمان بأن محمداً رسول الله ﵊، فلو أن إنساناً يصوم النهار ويقوم الليل، ويعبد الله بكل العبادات، ولكنه لم يؤمن بمحمد ﷺ بعدما بعثه الله، فإنه يكون بذلك كافراً، بل من أكفر الناس عند جميع أهل العلم، ولو أنه شهد أن محمداً رسول الله وصدقه، وعمل كل شيء، إلا أنه يشرك بالله - يعبد مع الله غيره من ملك أو نبي أو صنم أو شجر أو حجر أو جني أو كوكب - صار بذلك كافراً ضالاً، ولو قال: إن محمداً رسول الله، فلا بد من الإيمان بهما جميعاً، لا بد من توحيد الله، والإخلاص له. ولا بد من الإيمان بأن محمداً رسول الله، بعثه الله إلى الثقلين -إلى الجن والإنس-، وكان الرسل الماضون يبعث كل واحد منهم إلى قومه خاصة، لكن نبينا محمداً ﵊ بعثه الله إلى الناس كافة، إلى العرب والعجم، إلى الجن والإنس، إلى

стр. 72

الذكور والإناث، إلى الأغنياء والفقراء، إلى الحكام والمحكومين، كلهم داخلون في رسالته ﵊، فمن أجاب هذه الدعوة التي جاء بها وانقاد لها وآمن بها دخل الجنة، ومن استكبر دخل النار، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]. وقال ﵊: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار»، وقال النبي ﵊: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»، وقد قال الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﵊. ثم بعد هاتين الشهادتين أمر الصلاة، فهي التي تلي هاتين الشهادتين، وهي الركن الأعظم بعد هاتين الشهادتين، فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. جاء في مسند أحمد بإسناد جيد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً بين أصحابه فقال: «من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف»، قال بعض الأئمة في هذا: إنما يحشر من أضاع الصلاة مع هؤلاء الصناديد من الكفرة الأشقياء: فرعون، وهامان، وقارون، وأبي بن خلف؛ لكونه شابههم، والإنسان مع من شابه. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] يعني أشباههم ونظراءهم. فمن كانت علته الرياسة حتى ترك الصلاة حشر مع فرعون؛ لأن فرعون حمله ما هو فيه من الملك على التكبر، وعادى موسى ﵊ من أجل ذلك، فصار من الأشقياء الذين باعوا بالخسارة وصاروا إلى النار، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] نعوذ بالله من ذلك. ومن حملته وظيفته أو وزارته على التخلف عن الصلاة، صار شبيهاً بهامان وزير فرعون فيحشر معه يوم القيامة نعوذ بالله من ذلك، فإن تركها من أجل المال والشهوات والنعم، شابه قارون الذي أعطاه الله المال

стр. 73

العظيم فاستكبر وطغى، حتى خسف الله به الأرض وبداره، فيكون شبيهاً به فيحشر معه يوم القيامة إلى النار. أما إن شغله عن الصلاة وعن حق الله البيع والشراء والمعاملات والمكاسب الدنيوية، فإنه يكون شبيهاً بأبي بن خلف - تاجر أهل مكة - فيحشر معه إلى النار، نسأل الله العافية من الكفرة وأعمالهم. والمقصود أن أمر الصلاة عظيم، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (١)، وقال ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٢). أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن بريدة ﵁، وخرج مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٣). فالأمر عظيم وخطير جداً، إذا نظرنا في حال الناس اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقد كثر المتخلفون عن الصلاة والمتساهلون بأدائها في الجماعة، فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين الهداية. والله جل وعلا أوسع النعم وأكثر الخيرات، ولكن ابن آدم مثل ما قال الله جل وعلا: ﴿كَلا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]. أدر الله النعم وأوسع الخير، فقابلها الكثير من الناس بالعصيان والكفران، نعوذ بالله من ذلك، فالواجب الحذر، والواجب التبليغ، كل إنسان يبلغ من حوله ويجتهد في بذل الدعوة وبذل التوجيه لمن حوله من المتخلفين، ومن المتكاسلين، ومن المقصرين في الصلاة وغيرها من حقوق الله وحق عباده؛ لعل الله أن يهديهم بأسبابه، وقد كان النبي ﷺ يقول: «فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع».

стр. 74

وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن من تركها تهاوناً وإن لم يجحد وجوبها يكفر كفرا أكبر؛ لهذه الآيات والأحاديث التي سبق ذكرها، ولو قال إنه يؤمن بوجوبها، إذا تركها تهاوناً فقد تلاعب بهذا الأمر الواجب، وقد عصى ربه معصية عظيمة، فيكفر بذلك في أصح قولي العلماء؛ لعموم الأدلة، ومنها قول الرسول ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، ما قال من جحد وجوبها، بل قال: «من تركها»، فهذا يعم من جحد ومن لم يجحد، وهكذا قوله ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، ما قال إذا جحد وجوبها. فالرسول ﵊ أفصح الناس ﵊، فهو أفصح الناس، وهو أعلم الناس، يستطيع أن يقول إذا تركها جاحداً لها، أو إذا جحد وجوبها، لا يمنعه من هذه الكلمة التي تبين الحكم لو كان الحكم كما قال هؤلاء، فلما أطلق ﵊ كفره فقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، دل ذلك على أن مجرد الترك والتعمد لهذا الواجب العظيم يكون به كافراً كفراً أكبر - نسأل الله العافية - ورِدّة عن الإسلام، نعوذ بالله من ذلك. ولا يجوز للمرأة المسلمة بعد ذلك أن تبقى معه حتى يرجع إلى الله ويتوب إليه، وقد قال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل ﵀: (كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة). فذكر أنهم مجمعون على أن ترك الصلاة كفر، ولم يقولوا بشرط أن ينكر وجوبها، أو يجحد وجوبها، أما من قال: إنها غير واجبة، فهذا كافر عند الجميع كفراً أكبر، وإذا قال: إنها غير واجبة فقد كفر عند جميع أهل العلم، ولو صلى مع الناس، متى جحد الوجوب كفر إجماعاً، نسأل الله العافية. وهكذا لو جحد وجوب الزكاة، أو وجوب صوم رمضان أو جحد وجوب الحج مع الاستطاعة كفر إجماعاً، نسأل الله العافية. وهكذا لو قال: إن الزنا حلال، أو الخمر حلال، أو اللواط حلال، أو العقوق حلال، أو الربا حلال، كفر بإجماع المسلمين، نسأل الله العافية؛ لأنه استحل ما حرمه الله، لكن إذا كان مثله يجهل ذلك وجب تعليمه، فإن أصر على جحد الوجوب كفر إجماعا كما تقدم، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

стр. 75

كيفية صلاة النبي ﷺ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أما بعد: فهذه كلمات موجزة في بيان صفة صلاة النبي ﷺ ، أردت تقديمها إلى كل مسلم ومسلمة ليجتهد كل من يطلع عليها في التأسي به ﷺ في ذلك، لقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) رواه البخاري، وإلى القارئ بيان ذلك: ١ - يسبغ الوضوء، وهو أن يتوضأ كما أمره الله؛ عملا بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وقول النبي ﷺ : «لا تقبل صلاة بغير طهور» (٢) وقوله ﷺ للذي أساء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء … » (٣) ٢ - يتوجه المصلي إلى القبلة وهي الكعبة أينما كان بجميع بدنه قاصدا بقلبه فعل الصلاة التي يريدها من فريضة أو نافلة، ولا ينطق بلسانه بالنية، لأن النطق باللسان غير مشروع لكون النبي ﷺ لم ينطق بالنية ولا أصحابه ﵃، ويجعل له سترة يصلي إليها إن كان إماما أو منفردا، واستقبال القبلة شرط في الصلاة إلا في مسائل مستثناة معلومة موضحة في كتب أهل العلم. ٣ - يكبر تكبيرة الإحرام قائلا الله أكبر ناظرا ببصره إلى محل سجوده. ٤ - يرفع يديه عند التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى حيال أذنيه. ٥ - يضع يديه على صدره، اليمنى على كفه اليسرى لثبوت ذلك عن النبي ﷺ .

стр. 76

٦ - يسن أن يقرأ دعاء الاستفتاح وهو: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد. وإن شاء قال بدلا من ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وإن أتى بغيرهما من الاستفتاحات الثابتة عن النبي ﷺ فلا بأس، والأفضل أن يفعل هذا تارة وهذا تارة لأن ذلك أكمل في الاتباع، ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ويقرأ سورة الفاتحة لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١) ويقول بعدها آمين جهرا في الصلاة الجهرية، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن. ٧ - يركع مكبرا رافعا يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه جاعلا رأسه حيال ظهره واضعا يديه على ركبتيه مفرقا أصابعه ويطمئن في ركوعه ويقول: سبحان ربي العظيم، والأفضل أن يكررها ثلاثا أو أكثر ويستحب أن يقول مع ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. ٨ - يرفع رأسه من الركوع رافعا يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه قائلا: سمع الله لمن حمده إن كان إماما أو منفردا، ويقول حال قيامه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أما إن كان مأموما فإنه يقول عند الرفع: ربنا ولك الحمد إلى آخر ما تقدم، ويستحب أن يضع كل منهما - أي الإمام والمأموم - يديه على صدره كما فعل في قيامه قبل الركوع لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي ﷺ من حديث وائل ابن حجر وسهل بن سعد ﵄. ٩ - يسجد مكبرا واضعا ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك، فإن شق عليه قدم يديه قبل ركبتيه مستقبلا بأصابع رجليه ويديه القبلة ضاما أصابع يديه ويسجد على أعضائه السبعة: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين. ويقول: سبحان ربي الأعلى، ويكرر ذلك ثلاثا أو أكثر، ويستحب أن يقول مع ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، ويكثر من الدعاء لقول النبي صلى الله

стр. 77

عليه وسلم: «أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» (١) ويسأل ربه من خير الدنيا والآخرة سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا، ويجافي عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لقول النبي ﷺ : «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (٢) ١٠ - يرفع رأسه مكبرا ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى ويضع يديه على فخذيه وركبتيه ويقول: رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني واجبرني، ويطمئن في هذا الجلوس. ١١ - يسجد السجدة الثانية مكبرا ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى. ١٢ - يرفع رأسه مكبرا ويجلس جلسة خفيفة كالجلسة بين السجدتين وتسمى جلسة الاستراحة، وهي مستحبة وإن تركها فلا حرج وليس فيها ذكر ولا دعاء ثم ينهض قائما إلى الركعة الثانية معتمدا على ركبتيه إن تيسر ذلك وإن شق عليه اعتمد على الأرض، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر له من القرآن بعد الفاتحة ثم يفعل كما فعل في الركعة الأولى. ١٣ - إذا كانت الصلاة ثنائية أي ركعتين كصلاة الفجر والجمعة والعيد جلس بعد رفعه من السجدة الثانية ناصبا رجله اليمنى مفترشا رجله اليسرى واضعا يده اليمنى على فخذه اليمنى قابضا أصابعه كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد وإن قبض الخنصر والبنصر من يده وحلق إبهامها مع الوسطى وأشار بالسبابة فحسن لثبوت الصفتين عن النبي ﷺ ، والأفضل أن يفعل هذا تارة وهذا تارة ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وركبته، ثم يقرأ التشهد في هذا الجلوس وهو: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل

стр. 78

إبراهيم إنك حميد مجيد)، ويستعيذ بالله من أربع فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال، ثم يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة لعموم قول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود لما علمه التشهد: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» (١) وفي لفظ آخر: «ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء» (٢) وهذا يعم جميع ما ينفع العبد في الدنيا والآخرة، ثم يسلم عن يمينه وشماله قائلا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. ١٤ - إن كانت الصلاة ثلاثية كالمغرب أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء فإنه يقرأ التشهد المذكور آنفا مع الصلاة على النبي ﷺ ثم ينهض قائما معتمدا على ركبتيه رافعا يديه إلى حذو منكبيه قائلا: الله أكبر ويضعهما - أي يديه - على صدره كما تقدم ويقرأ الفاتحة فقط وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة عن الفاتحة في بعض الأحيان فلا بأس لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيد ﵁، وإن ترك الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأول فلا بأس لأنه مستحب وليس بواجب في التشهد الأول، ثم يتشهد بعد الثالثة من المغرب وبعد الرابعة من الظهر والعصر والعشاء كما تقدم ذلك في الصلاة الثنائية ثم يسلم عن يمينه وشماله ويستغفر الله ثلاثا ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ويسبح الله ثلاثا وثلاثين ويحمده مثل ذلك ويكبره مثل ذلك ويقول تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويقرأ أية الكرسي وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس بعد كل صلاة، ويستحب تكرار هذه السور، الثلاث ثلاث مرات بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب لورود الأحاديث بها عن النبي ﷺ ، وكل هذه الأذكار سنة

стр. 79

وليست بفريضة، ويشرع لكل مسلم ومسلمة أن يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل صلاة الفجر ركعتين، الجميع اثنتا عشرة ركعة وهذه الركعات تسمى الرواتب لأن النبي ﷺ كان يحافظ عليهما في الحضر، أما في السفر فكان يتركها إلا سنة الفجر والوتر فإنه كان ﵊ يحافظ عليهما حضرا وسفرا، والأفضل أن تصلى هذه الرواتب والوتر في البيت، فإن صلاها في المسجد فلا بأس لقول النبي ﷺ : «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (١) والمحافظة على هذه الركعات من أسباب دخول الجنة لقول النبي ﷺ : «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته تطوعا بنى الله له بيتا في الجنة» (٢) رواه مسلم في صحيحه. وإن صلى أربعا قبل العصر، واثنتين قبل صلاة المغرب، واثنتين قبل صلاة العشاء فحسن لأنه قد صح عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك، وإن صلى أربعا بعد الظهر وأربعا قبلها فحسن لقوله ﷺ : «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله تعالى على النار» (٣) رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن أم حبيبة ﵂. والمعنى أنه يزيد على السنة الراتبة ركعتين بعد الظهر لأن السنة الراتبة أربع قبلها وثنتان بعدها. فإذا زاد ثنتين بعدها حصل ما ذكر في حديث أم حبيبة ﵂. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 80

كيفية صلاة المريض أجمع أهل العلم على أن من لا يستطيع القيام، له أن يصلي جالسا، فإن عجز عن الصلاة جالسا فإنه يصلي على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، والمستحب أن يكون على جنبه الأيمن، فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا لقوله ﷺ لعمران بن حصين: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» (١) رواه البخاري وزاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيا» ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام، بل يصلي قائما فيومئ بالركوع ثم يجلس ويومئ بالسجود. لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ولقوله ﷺ : «صل قائما» ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وإن كان بعينه مرض فقال ثقات من علماء الطب: إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك وإلا فلا، فله أن يصلي مستلقيا. ومن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإن عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته، إن كان ظهره متقوسا فصار كأنه راكع فمتى أراد الركوع زاد في انحنائه قليلا، ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر من الركوع ما أمكنه ذلك، وإن لم يقدر على الإيماء برأسه كفاه النية والقول. ولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله ثابتا بأي حال من الأحوال للأدلة السابقة. ومتى قدر المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجزا عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو إيماء، انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته، وإذا نام المريض أو غيره عن صلاة أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه من النوم أو حال ذكره لها، ولا يجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه. لقوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» (٢) وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ولا يجوز ترك الصلاة بأي حال من الأحوال، بل يجب على المكلف أن يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته، فلا يجوز له ترك المفروضة حتى يفوت وقتها ولو كان مريضا ما دام عقله ثابتا، بل عليه أن يؤديها في وقتها حسب استطاعته، فإذا تركها عامدا وهو عاقل عالم بالحكم الشرعي مكلف

стр. 81

يقوى على أدائها ولو إيماء فهو عالم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك. لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١) ولقوله ﵊: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (٢) وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير حسبما يتيسر له، إن شاء قدم العصر مع الظهر وإن شاء أخرالظهر مع العصر، وإن شاء قدم العشاء مع المغرب، وإن شاء أخر المغرب مع العشاء. أما الفجر فلا تجمع مع ما قبلها ولا مع ما بعدها، لأن وقتها منفصل عما قبلها وعما بعدها. هذا بعض ما يتعلق بأحوال المريض في طهارته وصلاته. واسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين، ويكفر سيئاتهم، وأن يمن علينا جميعا بالعفو والعافية في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 82

فضل صيام رمضان وقيامه مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، سلك الله بي وبهم سبيل أهل الإيمان، ووفقني وإياهم للفقه في السنة والقرآن. آمين. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فهذه نصيحة موجزة تتعلق بفضل صيام شهر رمضان وقيامه، وفضل المسابقة فيه بالأعمال الصالحة، مع بيان أحكام مهمة قد تخفى عل بعض الناس. ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان، ويخبرهم ﵊ أنه شهر تفتح فيه أبواب الرحمة وأبواب الجنة وتغلق فيه أبواب جهنم وتغل فيه الشياطين، ويقول ﷺ : «إذا كانت أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب جهنم فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» (١). ويقول ﵊: «جاءكم شهر رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء، ينظر الله على تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله» (٢). ويقول ﵊: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣). ويقول ﵊: يقول الله : «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته

стр. 83

وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (١). والأحاديث في فضل صيام رمضان وقيامه وفضل جنس الصوم كثيرة. فينبغي للمؤمن أن ينتهز هذه الفرصة وهي ما منَّ الله به عليه من إدراك شهر رمضان فيسارع إلى الطاعات، ويحذر من السيئات، ويجتهد في أداء ما افترض الله عليه ولا سيما الصلوات الخمس، فإنها عمود الإسلام وهي أعظم الفرائض بعد الشهادتين. فالواجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة عليها وأداؤها في أوقاتها بخشوع وطمأنينة. ومن أهم واجباتها في حق الرجال؛ أداؤها في الجماعة في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كما قال : ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقال : ﴿قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون … ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] إلى أن قال : ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون. أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون: ٩ - ١١]. وقال النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٢). وأهم الفرائض بعد الصلاة أداء الزكاة كما قال : ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥] وقال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ [النور: ٥٦]، وقد دل كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم على أن من لم يؤد زكاة ماله يعذب به يوم القيامة. وأهم الأمور بعد الصلاة والزكاة صيام رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة المذكورة في قول النبي صلى اله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان،

стр. 84

وحج البيت» (١)، ويجب على المسلم أن يصون صيامه وقيامه عما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال؛ لأن المقصود بالصيام هو طاعة الله سبحانه، وتعظيم حرماته، وجهاد النفس على مخالفة هواها في طاعة مولاها، وتعويدها الصبر عما حرم الله، وليس المقصود مجرد ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات؛ ولهذا صح عن النبي ﷺ أنه قال: «الصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» (٢). وصح عنه ﷺ أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (٣). فعلم بهذه النصوص وغيرها أن الواجب على الصائم الحذر من كل ما حرم الله عليه والمحافظة على كل ما أوجب الله عليه، وبذلك يرجى له المغفرة والعتق من النار وقبول الصيام والقيام. وهناك أمور قد تخفى على بعض الناس: منها: أن الواجب على المسلم أن يصوم إيماناً واحتساباً لا رياء ولا سمعة ولا تقليداً للناس أو متابعة أهل بلده، بل الواجب عليه أن يكون الحامل له على الصوم هو إيمانه بأن الله قد فرض عليه ذلك، واحتسابه الأجر عند ربه في ذلك، وهكذا قيام رمضان يجب أن يفعله المسلم إيماناً واحتساباً لا لسبب آخر، ولهذا قال ﵊: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (٤). ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس: ما قد يعرض للصائم من جراح أو رعاف أو قيء أو ذهاب الماء أو البنزين إلى حلقه بغير اختياره، فكل هذه الأمور لا

стр. 85

تفسد الصوم، لكن من تعمد القيء فسد صومه لقول النبي ﷺ : «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء» (١). ومن ذلك: ما قد يعرض للصائم من تأخير غسل الجنابة إلى طلوع الفجر، وما يعرض لبعض النساء من تأخر غسل الحيض أو النفاس إلى طلوع الفجر، إذا رأت الطهر قبل الفجر، فإنه يلزمها الصوم، ولا مانع من تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الفجر ن ولكن ليس لها تأخيره إلى طلوع الشمس؛ بل يجب عليها أن تغتسل وتصلي الفجر قبل طلوع الشمس، وهكذا الجنب ليس له تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الشمس، بل يجب عليه أن يغتسل ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس، ويجب على الرجل المبادرة بذلك حتى يدرك صلاة الفجر مع الجماعة. ومن الأمور التي لا تفسد الصوم: تحليل الدم، وضرب الإبر، غير التي يقصد بها التغذية، لكن تأخير ذلك إلى الليل أولى وأحوط إذا تيسر ذلك؛ لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢)، وقوله ﵊: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (٣). ومن الأمور التي لا يخفى حكمها على بعض الناس: عدم الاطمئنان في الصلاة سواء كانت فريضة أو نافلة، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول اله ﷺ على أن الاطمئنان ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه، وهو الركود في الصلاة والخشوع فيها وعدم العجلة حتى يرجع كل فقار إلى مكانه. وكثير من الناس يصلي في رمضان صلاة التراويح صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها بل ينقرها نقراً، وهذه الصلاة على هذا الوجه باطلة، وصاحبها آثم غير مأجور. ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس: ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة، وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطأ مخالف للأدلة.

стр. 86

وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أن صلاة الليل موسع فيها فليس فيها حد محدود لا تجوز مخالفته، بل ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة، وربما صلى أقل من ذلك في رمضان وفي غيره. ولما سئل ﷺ عن صلاة الليل قال: «مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» (١) متفق على صحته. ولم يحدد ركعات معينة لا في رمضان ولا في غيره، ولهذا صلى الصحابة ﵃ في عهد عمر ﵁ في بعض الأحيان ثلاثاً وعشرين ركعة، وفي بعضها إحدى عشرة ركعة، كل ذلك ثبت عن عمر ﵁ وعن الصحابة في عهده، وكان بعض السلف يصلي في رمضان ستاً وثلاثين ركعة ويوتر بثلاث، وبعضهم يصلي إحدى وأربعين، ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أهل العلم، كما ذكر ﵀ أن الأمر في ذلك واسع، وذكر أيضاً أن الأفضل لمن أطال القراءة والركوع والسجود أن يقلل العدد، ومن خفف القراءة والركوع والسجود زاد في العدد، هذا معنى كلامه ﵀. ومن تأمل سنته ﷺ علم أن الأفضل في هذا كله هو صلاة إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، في رمضان وغيره؛ لكون ذلك هو الموافق لفعل النبي ﷺ في غالب أحواله، ولأنه أرفق بالمصلين وأقرب إلى الخشوع والطمأنينة، ومن زاد فلا حرج ولا كراهية كما سبق. والأفضل لمن صلى مع الإمام في قيام رمضان أن لا ينصرف إلا مع الإمام؛ لقول النبي ﷺ : «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة» (٢). ويشرع لجميع المسلمين الاجتهاد في أنواع العبادة في هذا الشهر الكريم من صلاة النافلة، وقراءة القرآن بالتدبر والتعقل والإكثار من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير

стр. 87

والاستغفار والدعوات الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله ، ومواساة الفقراء والمساكين، والاجتهاد في بر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الجار، وعيادة المريض، وغير ذلك من أنواع الخير؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: «ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله» (١)، ولما روي عنه ﵊ أنه قال: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه» (٢)، ولقوله ﵊ في الحديث الصحيح: «عمرة في رمضان تعدل حجة. أو قال: حجة معي» (٣). والأحاديث والآثار الدالة على شرعية المسابقة والمنافسة في أنواع الخير في هذا الشهر الكريم كثيرة. والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا، ويصلح أحوالنا ويعيذنا جميعاً من مضلات الفتن، كما نسأله سبحانه أن يصلح قادة المسلمين، ويجمع كلمتهم على الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 88

الاختيارات العلمية في مسائل الحج والعمرة كتاب المناسك ١ - الحج والعمرة واجبان على كل مسلم حر مكلف مع الاستطاعة مرة في العمر. ٢ - الحج واجب على الفور مع الاستطاعة في أصح قولي العلماء. ٣ - يجب الحج على من كان عليه دين ويستطيع الحج وقضاء الدين. ٤ - الأفضل عدم الاقتراض لأداء الحج. ٥ - لا يصح حج من كان تاركاً للصلاة، وكذا من كان يصلي ويدع الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١) رواه الخمسة وهم: أحمد وأهل السنن الأربعة بإسناد صحيح، وقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة» (٢) رواه مسلم في صحيحه. ٦ - من حج من مال حرام صح الحج؛ لأن أعمال الحج كلها بدنية وعليه التوبة من الكسب الحرام. ٧ - يصح حج المرأة بلا محرم مع الإثم؛ لأنه لا يجوز لها السفر بدون محرم ولو للحج والعمرة. ٨ - إذا حج الصبي أو العبد صح منهما ولا يجزئهما عن حجة الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» (٣) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بإسناد حسن.

стр. 89

٩ - من مات ولم يحج وهو يستطيع الحج وجب الحج عنه من التركة أوصى بذلك أو لم يوصِ. ١٠ - لا تصح الإنابة في الحج عمن كان صحيح البدن ولو كان فقيراً سواء كان فرضاً أو نفلاً، أما العاجز لكبر سن أو مرض لا يرجى برؤه فإنه يلزمه أن ينيب من يؤدي عنه الحج المفروض والعمرة المفروضة إذا كان يستطيع ذلك بماله؛ لعموم قول الله سبحانه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾. ١١ - العمى ليس عذراً في الإنابة للحج فرضاً كان أو نفلاً، وعلى الأعمى أن يحج بنفسه إذا كان مستطيعاً؛ لعموم الأدلة. ١٢ - الأفضل لمن حج الفريضة تقديم نفقة الحج النافلة للمجاهدين؛ لأن النبي ﷺ قدم الجهاد على الحج النفل، كما في الحديث الصحيح. ١٣ - من اجتمع عليه حج الفريضة وقضاء صيام واجب كالكفارة وقضاء رمضان أو نحوهما قدم الحج. ١٤ - لا نعلم أقل حد بين العمرة والعمرة، أما من كان من أهل مكة فالأفضل له الاشتغال بالطواف والصلاة وسائر القربات وعدم الخروج خارج الحرم لأداء عمرة إن كان قد أدى عمرة الإسلام. باب المواقيت ١ - الواجب على جميع الحجاج والعمار أن يحرموا من الميقات الذي يمرون عليه أو يحاذونه جواً أو براً أو بحراً؛ لحديث ابن عباس المذكور آنفاً. ٢ - النبي ﷺ هو الذي وقت المواقيت الخمسة: ذو الحليفة والجحفة وقرن المنازل ويلملم وذات عرق، لكن وافق اجتهاد عمر ﵁ توقيته لأهل العراق ذات عرق لسنة الرسول ﷺ ، وكان لم يعلم ذلك حين وقت لهم ذات عرق فوافق اجتهاده ﵁ سنة الرسول ﷺ .

стр. 90

٣ - من جاوز الميقات بلا إحرام وجب عليه الرجوع، فإن لم يرجع فعليه دم، وهو سبع بقرة، أو سبع بدنة، أو رأس من الغنم يجزئ في الأضحية، إذا كان حين مر على الميقات ناوياً الحج أو العمرة؛ لحديث ابن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين. ٤ - من بدا له الحج وهو في مكة فإنه يحرم من مكانه، أما العمرة فلابد من خروجه للحل؛ لحديث عائشة ﵂ في ذلك. ٥ - من توجه إلى مكة غير مريد الحج أو العمرة لم يجب عليه الإحرام؛ لأن النبي ﷺ إنما أوجب الإحرام على من نوى الحج أو العمرة أو كليهما. والعبادات توقيفية ليس لأحد أن يوجب ما لم يوجبه الله ورسوله، كما أنه ليس له أن يُحرِّم ما لم يحرمه الله ورسوله، لكن من لم يؤد الفريضة وجب عليه الإحرام بالحج في وقته أو بالعمرة في أي وقت أداءً لما أوجبه الله عليه من الحج والعمرة من أي ميقات يمر عليه. ٦ - جدة ليست ميقاتاً للوافدين وإنما هي ميقات لأهلها ولمن وفدوا إليها غير مريدين للحج أو العمرة ثم أنشأوا الحج أو العمرة منها، لكن من وفد إلى الحج أو العمرة من طريق جدة ولم يحاذِ ميقاتاً قبلها أحرم منها (١). ٧ - أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة. باب الإحرام ١ - يشرع للمحرم التلفظ بما نوى من حج أو عمرة أو قران، فيقول: اللهم لبيك عمرة، إن كان أراد العمرة، أو يقول: اللهم لبيك حجاً، إن أراد الحج، أو: "اللهم لبيك عمرة وحجاً، إذا أراد القران. والأفضل لمن قدم في أشهر الحج وليس معه هدي أن يحرم بالعمرة وحدها ثم يلبي بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة؛ تأسياً بالنبي (٢) ﷺ وأصحابه ﵃.

стр. 91

٢ - الصبي والجارية دون التمييز ينوي عنهما وليهما ويلبي عنهما ويجنبهما ما يجتنبه المحرم، ويكونان طاهري الثياب حين الطواف بهما. ٣ - إن كان الصبي والجارية مميزين أحرما بإذن وليهما ويفعلان ما يفعله الكبير، فإن عجزا عن الطواف والسعي حملا، ووليهما هو الذي يتولى الحج بهما، سواء كان أباهما أو أمهما أو غيرهما. ٤ - النية تكفي المستنيب، ولا يحتاج إلى ذكر اسمه، وإن سماه لفظاً عند الإحرام فهو أفضل. ٥ - لا يجوز لمن أهل بالحج أو العمرة عن نفسه أو عن غيره تغيير النية عمن أهل عنه إلى شخص آخر. ٦ - لا تشترط الطهارة الصغرى ولا الكبرى لمن أراد الإحرام، ولهذا صح الإحرام من الحائض والنفساء، وإنما يستحب للجميع الغسل، ويستحب أن يكون الإحرام بعد صلاة مفروضة أو نافلة في حق غير الحائض والنفساء؛ لأن الصلاة لا تصح منهما. ٧ - (أ) إذا وصلت الحائض أو النفساء للميقات وجب عليهما أن تحرما إذا كان الحج فريضة أو العمرة. أما إن كانا مستحبين وقد أدتا حجة الإسلام وعمرة الإسلام فإنه يشرع لهما الإحرام من الميقات كغيرهما من الطاهرات في الحج والعمرة؛ رغبة في الخير وتزوداً من الأعمال الصالحة؛ لقول الله : ﴿تزودا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾، ولحديث أسماء بنت عميس ﵂، فإنها ولدت في الميقات محمد بن أبي بكر، فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل وتحرم، فإذا طهرت الحائض أو النفساء طافتا وسعتا لحجهما أو عمرتهما ثم قصرتا إن كانتا محرمتين بالحج والعمرة (١) فإنه يشرع لهما جعل إحرامهما عمرة فتطوفان وتسعيان وتقصران وتحلان ثم تحرمان بالحج في اليوم الثامن كسائر الحجاج المحلين، وإن بقيتا على إحرامهما ولم تحلا فلا بأس، لكن ذلك خلاف السنة؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه في حجة الوداع أن يحلوا ويجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي.

стр. 92

(ب) يجوز للحائض قراءة القرآن، لعدم وجود الدليل الصريح المانع من ذلك ولكن بدون مس المصحف، وحديث: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن" (١) ضعيف. ٨ - يجوز للمرأة أخذ حبوب منع العادة في الحج ورمضان إذا لم يكن فيها مضرة بعد استشارة طبيب مختص. ٩ - كان النبي ﷺ يهل (٢) بنسكه إذا انبعثت به راحلته، ومثل الراحلة السيارة يستحب الإهلال في الحج أو العمرة إذا ركب السيارة من الميقات، وهكذا إذا ركبها عند التوجه من مكة إلى منى يوم الثامن. ١٠ - الاشتراط يكون وقت الإحرام إذا دعت الحاجة إليه؛ لحديث عائشة ﵂ في قصة ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها قالت: يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال لها ﷺ : «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» (٣). ١١ - لا يجوز وضع الطيب على ملابس الإحرام، وإنما السنة تطييب البدن عند الإحرام، فإن طيبها لم يلبسها حتى يغسلها. ١٢ - لا بأس بتغيير ملابس الإحرام بملابس أخرى جديدة أو مغسولة، كما أنه لا بأس أن يغسل ملابس الإحرام التي عليه إذا أصابها وسخ أو نجاسة، ويجب غسلها من النجاسة. ١٣ - من وقع على إحرامه دم كثير وجب عليه غسله، ولا يصلي فيه وفيه نجاسة، ولا يضر اليسير من الدم عرفاً. ١٤ - من لم يجد الإزار لبس السراويل، ومن لم يجد النعلين لبس الخفين بدون قطع، وحديث ابن عمر ﵄ في القطع منسوخ في أصح قولي العلماء؛ لأن النبي ﷺ لما خطب الناس في عرفة ذكر في خطبته: «أن من لم

стр. 93

يجد إزاراً لبس السراويل، ومن لم يجد نعلين لبس الخفين» (١)، ولم يذكر القطع؛ فدل على النسخ. ١٥ - ليس للمرأة ملابس معينة تحرم فيها، ولها أن تحرم بما شاءت، مع مراعاة عدم التبرج وعدم لبس الملابس التي تدعو إلى الفتنة، مع ترك النقاب والقفازين، ولها ستر وجهها ويديها بغير ذلك. ١٦ - قد أجمع العلماء على صحة الإحرام بأي واحد من الأنساك الثلاثة، فمن أحرم بأي واحد منها صح إحرامه، والقول بأن الإفراد والقران قد نسخا قول باطل، لكن التمتع أفضل في أصح أقوال العلماء في حق من لم يسق الهدي، أما من ساق الهدي فالقران له أفضل؛ تأسياً بالنبي ﷺ . ١٧ - من اعتمر في أشهر الحج ورجع لأهله ثم أحرم بالحج مفرداً فليس عليه دم التمتع؛ لأنه في حكم من أفرد الحج، وهو قول عمر وابنه عبد الله ﵄ وغيرهما من أهل العلم. أما إن سافر إلى غير بلده كالمدينة أو جدة أو الطائف أو غيرها ثم رجع محرماً بالحج فإن ذلك لا يخرجه عن كونه متمتعاً في أصح قولي العلماء، وعليه هدي التمتع. ١٨ - من أحرم بالحج في أشهر الحج شرع له أن يفسخه إلى عمرة، وهكذا القارن بين الحج والعمرة يشرع له أن يفسخ إحرامه إلى العمرة، إذا لم يكن معهما هدي (٢)؛ لصحة السنة عن رسول الله ﷺ بذلك، ويكونان بذلك في حكم المتمتع. ١٩ - من نوى التمتع أو القران ثم غير النية إلى الإفراد وهو في الميقات قبل أن يحرم بواحدة منهما فلا بأس؛ لأن النسك إنما يلزم بالإحرام، أما النية السابقة قبل الإحرام فإنها غير ملزمة ولا حرج عليه. ٢٠ - لا يصح لمن لبى بالقران أو التمتع أن يقلبهما إلى الإفراد؛ لما تقدم في المسألة التي قبلها.

стр. 94

٢١ - على من أهل بالعمرة ثم رفضها التوبة إلى الله سبحانه وإتمام مناسك العمرة فوراً؛ لقوله سبحانه: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية، فإن كان قد جامع فعليه ذبيحة تذبح بمكة وتوزع على فقرائها، مع إتمام مناسك العمرة؛ لعموم الآية المذكورة، وعليه عمرة أخرى من الميقات الذي أحرم منه بالعمرة الفاسدة، وهكذا زوجته إن كانت غير مكرهة، مع التوبة إلى الله سبحانه من ذلك. باب محظورات الإحرام ١ - لا يأخذ المحرم من بشرته ولا من أظفاره، ولا من شعره شيئاً حتى يحل التحلل الأول. ٢ - لا حرج في استعمال الصابون المعطر؛ لأنه ليس طيباً ولا يسمى مستعمله متطيباً، وإنما فيه رائحة حسنة فلا يضره إن شاء الله، وإن تركه تورعاً فهو حسن. ٣ - الحناء ليس طيباً فلا شيء فيه في حق المحرم والمحرمة. ٤ - لا حرج في لبس الهميان والحزام والمنديل. ٥ - المرأة المحرمة لا حرج عليها أن تلبس الجوارب والخفين؛ لأنها عورة، ولكن لا تنتقب ولا تلبس القفازين؛ لأن رسول الله ﷺ نهى المرأة المحرمة عن ذلك، ولكن تغطي وجهها بغير النقاب ويديها بغير القفازين. ٦ - يباح للمرأة سدل الخمار على وجهها بلا عصابة فهي غير مشروعة، وإن مس الخمار وجهها فلا شيء عليها ويجب عليها ذلك عند وجود الرجل الأجنبي. أما النقاب فلا يجوز لها حال كونها محرمة؛ لأن النبي ﷺ نهى المحرمة عن ذلك وعن لبس القفازين، لكن تغطي وجهها ويديها بغير ذلك. ٧ - من جامع زوجته قبل التحلل الأول بطل حجه وحجها ووجب على كل واحد منهما بدنة مع إتمام مناسك الحج، فمن عجز منهما عنها صام عشرة أيام، وعليهما الحج من قابل مع الاستطاعة والاستغفار والتوبة.

стр. 95

٨ - من جامع بعد التحلل الأول وقبل الثاني فعليه وعلى زوجته إن كانت مطاوعة شاة أو سُبع بقرة، ومن عجز منهما صام عشرة أيام. ٩ - من جامع قبل طواف الإفاضة أو بعده قبل السعي إذا كان عليه سعي فعليه دم. ١٠ - من أنزل عامداً بعد التحلل الأول وقبل الثاني من غير جماع فلا شيء عليه، فإن صام ثلاثة أيام أو ذبح شاة أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع فهو حسن؛ خروجاً من خلاف من قال بوجوب الفدية وأحوط، عملاً بقول النبي ﷺ : «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (١). ١١ - من احتلم وهو محرم فلا شيء عليه سوى الغسل. باب الفدية ١ - ليس على المحرم شيء إن قلم أظافره أو نتف إبطه أو قص شاربه أو حلق عانته أو تطيب ناسياً أو جاهلاً؛ لقول الله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقول النبي ﷺ : «قال الله قد فعلت» (٢)، ولحديث صاحب الجبة. ٢ - من خلع الإحرام ولبس المخيط جاهلاً أو ناسياً فعليه المبادرة بخلع المخيط متى علم أو ذكر ولا شيء عليه؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ : «أن الله قال: قد فعلت»، وثبت عنه ﷺ أن رجلاً أحرم في جبة وتضمخ بخلوق واستفتاه في ذلك، فقال ﷺ : «اغسل عنك أثر الخلوق ثلاثاً وانزع الجبة» (٣). ولم يأمره بالفدية من أجل جهله.

стр. 96

باب صيد الحرم ١ - الأدلة الشرعية دلت على أن الحسنات تضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، وتضاعف بكميات كثيرة في الزمان الفاضل كرمضان وعشر ذي الحجة، والمكان الفاضل كالحرمين. وأما السيئات فالذي عليه المحققون من أهل العلم أنها تضاعف من حيث الكيفية لا من حيث العدد؛ لقول الله سبحانه: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٨٦]. ٢ - من هم بالإلحاد في الحرم المكي فهو متوعد بالعذاب الأليم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج: ٢٥]، فإذا ألحد أيَّ إلحاد - وهو: الميل عن الحق - فإنه متوعد بهذا الوعيد لهذه الآية الكريمة، لأن الوعيد على الهم بالإلحاد يدل على أن الوعيد في نفس الإلحاد أشد وأعظم. باب دخول مكة ١ - لم يأمر النبي ﷺ بالدخول من باب السلام، وإنما دخل منه، فإن تيسر ودخل منه فهو أفضل وإلا فلا حرج. ٢ - السنة للمحرم تغطية كتفيه بالرداء إلا في طواف القدوم فإنه يضطبع بردائه، فإذا انتهى أعاد رداءه على كتفيه. والاضطباع هو: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر إلى أن ينتهي من الطواف، ثم يجعل الرداء على عاتقيه قبل ركعتي الطواف. ٣ - يشرع للطائف استلام الحجر الأسود والركن اليماني في كل شوط، كما يستحب له تقبيل الحجر الأسود واستلامه بيده اليمنى إذا تيسر ذلك بدون مشقة، أما مع المشقة والزحام فيكره، ويشرع أن يشير للحجر الأسود بيده أو بعصا ويكبر، أما الركن اليماني فلم يرد فيه فيما نعلم دليل يدل على الإشارة إليه. وإن استلم الحجر الأسود بيده أو بعصا قَبَّل ما استلم به؛ تأسياً بالنبي ﷺ إذا لم يتيسر تقبيل الحجر.

стр. 97

٤ - يشرع للطائف صلاة ركعتي الطواف خلف المقام؛ للآية الكريمة، وللأحاديث الواردة، فإن لم يتيسر صلاهما فيما شاء من بقية المسجد. ٥ - المعروف عند أهل العلم أنه يجوز أن يواصل بين طوافين أو أكثر ثم يصلي لكل طواف ركعتين. ٦ - الوضوء شرط في صحة الطواف في أصح قولي العلماء، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ لما أراد أن يطوف توضأ ثم طاف، كما صح ذلك عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ . وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام" (١). فإذا اننتقضت الطهارة فعليه أن يتطهر ويعيد الطواف من أول شوط كالصلاة، سواء كان الطواف فرضاً أو نفلاً. ٧ - الأرجح أن خروج الدم لا يؤثر في الطواف إذا كان يسيراً من غير الدبر والقبل كالصلاة. ٨ - متى طهرت النفساء قبل الأربعين جاز لها الطواف وغيره، وليس لأقل النفاس حد، أما أكثره فأربعون يوماً، فإن لم تطهر بعد الأربعين اغتسلت وصامت وصلت وطافت وحلت لزوجها، وتتوضأ لكل صلاة حتى ينقطع الدم كالمستحاضة. ٩ - من قطع طوافه للصلاة بدأ من حيث انتهى ولا يلزمه العود إلى أول الشوط في أصح قولي العلماء، وإن بدأ من أول الشوط خروجاً من الخلاف فهو حسن إن شاء الله؛ لما فيه من الاحتياط. (أ) يجوز لحامل الطفل أن ينوي الطواف والسعي عنه وعن الطفل؛ لأن النبي ﷺ لما سألت المرأة عن الطفل فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» (٢)، ولم يأمرها أن تخصه بطواف أو بسعي؛ فدل ذلك على أن طوافها به وسعيها به مجزئ عنهما.

стр. 98

١٠ - يستحب للحاج والمعتمر وغيرهما أن يشرب من ماء زمزم إذا تيسر له ذلك، ويجوز له الوضوء منه، ويجوز أيضاً الاستنجاء به والغسل من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وقد ثبت عنه ﷺ أنه نبع الماء من بين أصابعه ثم أخذ الناس حاجتهم من هذا الماء ليشربوا وليتوضئوا وليغسلوا ثيابهم وليستنجوا. كل هذا وقع؛ وماء زمزم إن لم يكن مثل الماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﵌ لم يكن فوق ذلك، فكلاهما ماء شريف. ١١ - لا حرج في بيع ماء زمزم ولا نقله من مكة. ١٢ - في التفضيل بين كثرة النافلة وكثرة الطواف خلاف، والأرجح أن يكثر من هذا وهذا ولو كان غريباً. وذهب بعض أهل العلم إلى التفضيل فاستحبوا الإكثار من الطواف في حق الغريب ومن الصلاة في حق غيره، والأمر في ذلك واسع ولله الحمد. ١٣ - من دخل الحرم بعد العصر أو بعد الفجر فليس له أن يصلي غير سنة الطواف وكل سنة ذات سبب كتحية المسجد. ١٤ - المشروع لمن سعى أن يقول في أول شوط: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]، أما تكرار ذلك فلا أعلم ما يدل على استحبابه. ١٥ - لا يجب الصعود على الصفا والمروة ويكفي الساعي استيعاب ما بينهما، ولكن الصعود عليهما هو السنة والأفضل إذا تيسر ذلك. ١٦ - السعي في الطابق العلوي صحيح كالسعي في الأسفل؛ لأن الهواء يتبع القرار. ١٧ - الأرجح أن من ترك شيئاً من السعي أو نسيه أكمله إن لم يطل الفصل. ١٨ - من ترك شوطاً أو أكثر من السعي في العمرة فعليه أن يعود ويأتي بالسعي كاملاً ولو عاد إلى بلده، وهو في حكم الإحرام الذي يمنعه من زوجته وكل المحظورات، وعليه أن يقصر مرة أخرى بعد السعي، والتقصير الأول لا يصح. ١٩ - من سعى من غير طهارة أجزأه ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطاً في السعي وإنما هي مستحبة.

стр. 99

٢٠ - لا حرج على من قدَّم السعي على الطواف خطأً أو نسياناً، وقد ثبت عنه ﷺ أن رجلاً سأله فقال: سعيت قبل أن أطوف؟ فقال: «لا حرج» (١)؛ فدل ذلك على أنه إن قدَّم السعي أجزأه، ولكن الأحوط أن لا يفعله عمداً، ومتى وقع منه نسياناً أو جهلاً فلا حرج. باب صفة الحج والعمرة ١ - المشروع للحاج الحلال أن يحرم بالحج يوم التروية من مكانه، سواء كان في داخل مكة أو خارجها أو في منى؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين حلوا من العمرة أن يحرموا بالحج يوم التروية من منازلهم. ٢ - من كان مقيماً في منى يوم الثامن من ذي الحجة أحرم من مكانه ولا حاجة لدخوله إلى مكة؛ لعموم حديث ابن عباس الوارد في ذلك، وهو قوله ﷺ لما ذكر المواقيت: «ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ حتى أهل مكة يهلون من مكة» (٢). ٣ - لا يصح حج من وقف خارج حدود عرفة ولو كان قريباً منها. ٤ - من وقف يوم عرفة قبل الزوال فقط فأكثر أهل العلم على عدم إجزاء الوقوف. وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وجماعة إلى أن من وقف في عرفة قبل الزوال يجزئه ذلك؛ لعموم حديث عروة بن مضرس، حيث قال النبي ﷺ : « … وقد وقف بعرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً» (٣)، فأطلق النهار، قالوا: فهذا يشمل ما قبل الزوال وما بعده، ولكن الجمهور على خلافه وأنه لا يجزئ الوقوف يوم عرفة إلا بعد الزوال؛ لأنه ﷺ وقف بعد الزوال وهذا هو الأحوط.

стр. 100

٥ - من وقف بعد الزوال أجزأه فإن انصرف قبل المغرب فعليه دم إن لم يعد إلى عرفة ليلاً أعني ليلة النحر. ٦ - من وقف بعرفة ليلاً أجزأه ولو مر بها مروراً. ٧ - يمتد وقت الوقوف بعرفة من فجر اليوم التاسع إلى آخر ليلة النحر؛ للأحاديث الواردة في ذلك. والأفضل والأحوط أن يكون الوقوف بعرفة بعد الزوال أو في الليل من اليوم التاسع؛ خروجاً من خلاف الجمهور القائلين بعدم إجزاء الوقوف بعرفة قبل الزوال. ٨ - يجب على الحاج المبيت في مزدلفة إلى نصف الليل، وإذا كمل وبقي إلى الفجر حتى يسفر كان أفضل. ٩ - يجوز للنساء مطلقاً الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل من ليلة مزدلفة وهي ليلة النحر ولو كنَّ قويات، وهكذا بقية الضعفاء من كبار السن والمرضى وأتباعهم؛ لأن النبي ﷺ رخص في ذلك. ١٠ - من مر بمزدلفة ولم يبت بها ثم عاد قبل الفجر ومكث بها ولو يسيراً فلا شيء عليه. ١١ - من ترك المبيت في مزدلفة فعليه دم. ١٢ - لا يتعين جمع الحصى من مزدلفة بل يجوز من منى. ١٣ - لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل منتصف الليل من ليلة النحر، وكذا طواف الإفاضة. ١٤ - الصحيح أن رمي جمرة العقبة في النصف الأخير من ليلة النحر مجزئ للضعفة وغيرهم، ولكن يشرع للمسلم القوي أن يجتهد حتى يرمي في النهار؛ اقتداء بالنبي ﷺ ، لأنه ﷺ رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس.

стр. 101

١٥ - حديث ابن عباس ﵄: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (١) ضعيف؛ لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس. وعلى فرض صحته فهو محمول على الندب؛ جمعاً بين الأحاديث، كما نبه على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀. ١٦ - لا يجوز الرمي قبل الزوال في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن لم يتعجل؛ لأن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال في الأيام الثلاثة المذكورة، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢)، ولأن العبادات توقيفية لا يجوز فيها إلا ما أقره الشرع المطهر. ١٧ - لم يثبت دليل على منع الرمي ليلاً والأصل جوازه، والأفضل الرمي نهاراً في يوم العيد كله وبعد الزوال في الأيام الثلاثة إذا تيسر ذلك، والرمي في الليل إنما يصح عن اليوم الذي غربت شمسه، ولا يجزئ عن اليوم الذي بعده. فمن فاته الرمي نهار العيد رمى ليلة إحدى عشرة إلى آخر الليل، ومن فاته الرمي قبل غروب الشمس في اليوم الحادي عشر رمى بعد غروب الشمس في ليلة اليوم الثاني عشر، ومن فاته الرمي في اليوم الثاني عشر قبل غروب الشمس رمى بعد غروب الشمس في ليلة اليوم الثالث عشر، ومن فاته الرمي نهاراً في اليوم الثالث عشر حتى غابت الشمس فاته الرمي ووجب عليه دم؛ لأن وقت الرمي كله يخرج بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر. ١٨ - لا يشترط بقاء الحصى في المرمى ولكن يشترط وقوعه فيه، فلو وقعت الحصاة في المرمى ثم خرجت منه أجزأت في ظاهر كلام أهل العلم، وممن صرح بذلك النووي ﵀ في المجموع، ولا يشرع رمي الشاخص بل السنة الرمي في الحوض. ١٩ - من شك هل وقع الحصى في المرجم أم لا فعليه التكميل حتى يتيقن. ٢٠ - لا يجوز الرمي مما في الحوض، أما الذي بجانبه فلا حرج.

стр. 102

٢١ - الأحوط أن لا يرمي بحصى قد رمي به. ٢٢ - من رمى الجمرات السبع كلها دفعة واحدة فهي عن حصاة واحدة، وعليه أن يأتي بالباقي. ٢٣ - يجب الترتيب في رمي الجمرات، فيبدأ بالأولى ثم الثانية ثم الثالثة وهي جمرة العقبة. ٢٤ - لا يستحب غسل الحصى بل يرمى به من غير غسل؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃. ٢٥ - يصح تأخير الرمي كله إذا دعت الحاجة إلى ذلك إلى اليوم الثالث عشر ويرميه مرتباً، فيبدأ برمي جمرة العقبة عن يوم النحر، ثم يرجع فيرمي الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة عن اليوم الحادي عشر، ثم يرجع فيرمي الثلاث عن اليوم الثاني عشر ثم يرجع ويرميهن عن الثالث عشر إن لم يتعجل، لكن السنة أن يرمي الجمار كما رماها النبي ﷺ ، فيرمي جمرة العقبة يوم العيد بسبع حصيات ثم يرمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر بادئاً بالصغرى التي تلي مسجد الخيف ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، ثم يرمي الثلاث في اليوم الثاني عشر كذلك، ثم يرمي الثلاث في اليوم الثالث عشر كما رماها في الحادي عشر والثاني عشر إذا لم يتعجل في اليوم الثاني عشر. ٢٦ - تجوز الإنابة في الرمي عن العاجز، كالمريض وكبير السن والأطفال، ويلحق بهم ذات الأطفال التي ليس لديها من يحفظهم. ٢٧ - لا تجوز الوكالة في الرمي إلا لعذر شرعي، كما تقدم ذلك. ٢٨ - من وكل غيره في الرمي من غير عذر شرعي، فالرمي باقٍ عليه ولو كان حجه نافلة على الصحيح، فإن لم يرم فعليه دم يذبح في مكة للفقراء إذا فات الوقت ولم يرم بنفسه. ٢٩ - من ناب عن غيره بدأ بنفسه عند كل جمرة. ٣٠ - من أراد الرمي عن غيره فله حالتان، وهما: أن يرمي عن نفسه جميع الجمار ثم عن مستنيبه. والأخرى أن يرمي عن نفسه وعن مستنيبه عند كل جمرة، وهذا هو

стр. 103

الصواب دفعاً للحرج والمشقة، ولعدم الدليل الذي يوجب خلاف ذلك. ٣١ - الذبح أو النحر في اليوم الأول خير وأفضل من الثاني والثاني خير من الثالث والثالث خير من الرابع. ٣٢ - الحلق في الحج والعمرة أفضل لأن النبي ﷺ دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاثاً والمقصرين واحدة. ولا يكفي أخذ بعض الرأس؛ بل لابد من تقصيره كله كالحلق، إلا إذا كان أداء العمرة قريباً من وقت الحج فإن الأفضل فيها التقصير حتى يكون الحلق في الحج؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أصحابه بالتقصير لما فرغوا من طوافهم وسعيهم في حجة الوداع، إلا من كان معه الهدي فإنه بقي على إحرامه ولم يأمرهم بالحلق؛ لأن أداءهم للعمرة كان قبل الحج بأيام قليلة. (أ) من سبق له أن قصر من بعض رأسه جاهلاً أو ناسياً وجوب التعميم فلا شيء عليه. والمرأة تقصر من كل ضفيرة أُنملة فأقل. (ب) من نسي الحلق أو التقصير وتحلل بعد الرمي فإنه ينزع ثيابه إذا ذكر ثم يحلق أو يقصر ثم يلبسهما، فإن قصر وهو عليه ثيابه جهلاً منه أو نسياناً فلا شيء عليه؛ لعموم قوله سبحانه: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وحديث صاحب الجبة. ٣٣ - لا دليل لمن قال بعدم جواز تأخير طواف الإفاضة عن ذي الحجة، والصواب جواز التأخير، ولكن الأولى المبادرة به. ٣٤ - الواجب على من حاضت قبل طواف الإفاضة أن تنتظر هي ومحرمها حتى تطهر ثم تطوف الإفاضة، فإن لم تقدر جاز لها السفر ثم تعود لأداء طواف الإفاضة، فإن كانت لا تستطيع العودة وهي من سكان المناطق البعيدة كأندونيسيا أو المغرب وأشباه ذلك جاز لها على الصحيح أن تتحفظ وتطوف بنية الحج وأجزأها ذلك عند جمع من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهما الله وآخرون من أهل العلم.

стр. 104

٣٥ - على القارن والمفرد سعي واحد، فإن فعلاه مع طواف القدوم أجزأهما ولا يلزمهما أن يأتيا بسعي آخر، فإن لم يفعلاه مع طواف القدوم وجب أن يأتيا به مع طواف الإفاضة. ٣٦ - المبيت في منى يسقط عن أصحاب الأعذار كالسقاة والمريض الذي يشق عليه المبيت في منى، لكن يشرع لهم أن يحرصوا في بقية الأوقات على المكث بمنى مع الحجاج؛ تأسياً بالنبي ﷺ وأصحابه ﵃ إذا تيسر ذلك. ٣٧ - يرخص للسقاة والرعاة والعاملين على مصلحة الحجاج أن يتركوا المبيت في منى ويؤخروا الرمي لليوم الثالث إلا يوم النحر فالمشروع للجميع فعله وعدم تأخيره. ٣٨ - من ترك المبيت في منى جاهلاً حدودها مع القدرة على المبيت فعليه دم؛ لأنه ترك واجباً من غير عذر شرعي وكان الواجب عليه أن يسال حتى يؤدي الواجب. ٣٩ - إذا اجتهد الحاج في التماس مكان في منى ليبيت فيه فلم يجد فلا حرج عليه أن ينزل خارجها، ولا فدية عليه لعموم قول الله سبحانه: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). ٤٠ - من ترك المبيت في منى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر بلا عذر فعليه دم. ٤١ - من أدركه الغروب في اليوم الثاني عشر وقد ارتحل من منى فهو في حكم النافر، ولا شيء عليه. أما من أدركه الغروب ولم يرتحل فإنه يلزمه المبيت في ليلة الثالث عشر والرمي في اليوم الثالث عشر بعد الزوال؛ لقول الله سبحانه: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣]؛ ومن غابت عليه الشمس في اليوم الثاني عشر قبل أن يرتحل لا يسمى متعجلاً.

стр. 105

٤٢ - من ترك طواف الوداع أو شوطاً منه فعليه دم يذبح في مكة ويوزع على فقرائها، ولو رجع وأتى به فإن الدم لا يسقط عنه. ٤٣ - لا يصح الطواف بغير طهارة؛ لأن النبي ﷺ لما أراد أن يطوف توضأ، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» (١)، ولما صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام" وروي مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والموقوف أصح، وهو في حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من جهة الرأي. ٤٤ - ليس على الحائض والنفساء وداع؛ لقول ابن عباس ﵄: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" (٢) متفق على صحته. والنفساء مثلها عند أهل العلم. ٤٥ - من طاف طواف الوداع قبل تمام الرمي لم يجزئه عن الوداع؛ لكونه أداه قبل وقته، وإن سافر فعليه دم. ٤٦ - من طاف للوداع واحتاج شراء شيء ولو لتجارة جاز مادامت المدة قصيرة، فإن طالت المدة عرفاً أعاد الطواف. ٤٧ - لا يجب على المعتمر وداع؛ لعدم الدليل، وهو قول الجمهور، وحكاه ابن عبد البر إجماعاً. ٤٨ - من مات في أثناء أعمال الحج فإنه لا يكمل عنه؛ لحديث الذي وقصته راحلته فمات فلم يأمر النبي ﷺ بإكمال الحج عنه، وقال: «إنه يُبعث يوم القيامة ملبياً» (٣). ٤٩ - ما يفعله كثير من الناس من الإكثار من العمرة بعد الحج من التنعيم أو الجعرانة أو غيرهما وقد سبق أن اعتمر قبل الحج فلا دليل على شرعيته، بل الأدلة تدل

стр. 106

على أن الأفضل تركه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يفعلوا ذلك في حجة الوداع. ٥٠ - حديث ابن عباس ﵄: "من ترك نسكاً أو نسيه فليهرق دماً" (١) له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من جهة الرأي، ولم نعرف مخالفاً له من الصحابة ﵃. فعلى من ترك واجباً عمداً أو سهواً أو جهلاً كرمي الجمار أو المبيت ليالي منى وطواف الوداع ونحو ذلك - دم يُذبح في مكة المكرمة ويُقسم على الفقراء. والمجزئ في ذلك هو المجزئ في الأضحية، وهو رأس من الغنم أو سبع بدنة أو سُبع بقرة. باب الزيارة ١ - (أ) زيارة المسجد النبوي سنة في جميع الأوقات، وليس لها تعلق بالحج، وليست واجبة. ٢ - حديث: "أن من صلى فيه - يعني المسجد النبوي - أربعين صلاة كانت له براءة من النار وبراءة من النفاق" (٢) ضعيف عند أهل التحقيق فلا يعتمد عليه. باب الفوات والإحصار ١ - الإحصار يكون بالعدو وغيره كالمرض وعدم النفقة، ولا يعجل بالتحلل إذا كان يرجو زوال المانع قريباً. ٢ - من أحصر فليس له التحلل حتى ينحر هدياً ثم يحلق أو يقصر، فإن كان قد اشترط حل ولم يكن عليه شيء، لا هدي ولا غيره، وإن عجز عن الهدي صام عشرة أيام ثم حلق أو قصر ثم حل. ٣ - يذبح المحصر هديه في المكان الذي أحصر فيه، سواء كان داخل الحرم أو خارجه، ويُعطى للفقراء، فإن لم يكن هناك فقراء وجب نقله إليهم.

стр. 107

باب الهدي والأضحية ١ - ليس على أهل مكة هدي تمتع ولا قران وإن اعتمروا في أشهر الحج وحجوا؛ لقول الله سبحانه لما ذكر وجوب الدم على المتمتع والصيام عند العجز عنه: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦]. ٢ - من ذبح هديه قبل يوم النحر فإنه لا يجزئه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يذبحوا إلا أيام النحر، ولو كان الذبح جائزاً قبل يوم النحر لبين ذلك النبي ﷺ ، ولو بينه لنقله أصحابه ﵃. يجوز تأخير ذبح الهدي إلى اليوم الثالث عشر؛ لأن أيام التشريق كلها أيام أكل وشرب وذبح، والأفضل تقديمه يوم العيد. ٣ - لا يجوز صيام أيام التشريق لا تطوعاً ولا فرضاً إلا لمن لم يجد الهدي؛ لحديث ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: "لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي" (١) رواه البخاري. ٤ - الأفضل لمن عجز عن دم التمتع والقران أن يصوم قبل يوم عرفة الثلاثة الأيام، وإن صامها في أيام التشريق فلا بأس كما تقدم في المسألة السابقة. ٥ - من كان قادراً على هدي التمتع والقران وصام فإنه لا يجزئه صيامه وعليه أن يذبح ولو بعد فوات أيام النحر؛ لأنه دين في ذمته. ٦ - لا يجوز إخراج قيمة الهدي وإنما الواجب ذبحه، والقول بجواز إخراج القيمة تشريع جديد ومنكر؛ قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١]. ٧ - تجوز الاستدانة لشراء الهدي، ولا يجب ذلك إذا كان عاجزاً عن الثمن، ويجزئه الصوم. ٨ - الإطعام في الفدية وكذا الذبح كلاهما لفقراء الحرم. ٩ - يوزع الهدي على الفقراء والمساكين والمقيمين في الحرم من أهل مكة وغيرهم.

стр. 108

١٠ - من ترك هديه في مكان لا يستفاد منه لم يجزئه ذلك. ١١ - من ذبح هديه خارج الحرم كعرفات وجدة لم يجزئه ولو وزعه في الحرم، وعليه قضاؤه، سواء كان عالماً أو جاهلاً. ١٢ - يستحب أن يأكل ويتصدق ويهدي من هدي التمتع والقران والأضحية ١٣ - يستحب له أن يقول عند ذبح الهدي أو نحره: " بسم الله والله اكبر، اللهم هذا منك ولك " ويوجهه إلى القبلة، والتوجيه للقبلة سنة وليس بواجب. ١٤ - الأضحية سنة مؤكدة في أصح قولي أهل العلم، إلا إن كانت وصية فيجب تنفيذها، ويشرع للإنسان أن يبر ميته بالأضحية وغيرها من الصدقة. الحكمة في تشريع الحج وأحكامه وفوائده (١) بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخليله وصفوته من عباده نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإني أشكر الله على ما منّ به من هذا اللقاء في خير بقعة بإخواني في الله؛ للتواصي والتناصح بالحق، والتعاون على البر والتقوى، والتذكير بالله وبحقه، والتذكير بهذه الشعيرة العظيمة شعيرة الحج، وما فيها من الخير العظيم، والمنافع الكبيرة والعواقب الحميدة للمسلمين في كل مكان. فأسأله جل وعلا أن يجعله لقاءً مباركاً، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعاً، وأن يمنحنا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يتقبل منا ومن سائر إخواننا حجاج بيت الله الحرام وغيرهم من المسلمين، أسأل الله أن يتقبل منا جميع أعمالنا التي نتقرب بها إليه .

стр. 109

ثم أشكر أخي معالي الشيخ راشد الراجح مدير جامعة أم القرى ورئيس هذا النادي على هذه الدعوة لهذا اللقاء، وأسأل الله جل وعلا أن يبارك في جهوده، وأن يعينه على كل خير، وأن يجعلنا وإياكم وإياه من الهداة المهتدين، إنه خير مسؤول. أيها الأخوة: شعيرة الحج أمرها عظيم وفوائدها كثيرة وحكمها متنوعة، ومن تأمل كتاب الله وتأمل السنة عن رسول الله ﵊ في هذا الموضوع عرف عن ذلك الشيء الكثير. ولقد شرع الله سبحانه هذه الشعيرة لعباده لما في ذلك من المصالح العظيمة، والتعارف، والتعاون على الخير، والتواصي بالحق، والتفقه في الدين، وإعلاء كلمة الله، وتوحيده، والإخلاص له، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة والفوائد التي لا تحصى. ومن رحمته سبحانه أن جعل الحج فرضاً على جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فالحج فريضة عامة على جميع المسلمين: رجالاً ونساءً، عرباً وعجماً، حكاماً ومحكومين، مع الاستطاعة، كما قال : ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]. فالآية الكريمة واضحة في أن هذا الحج واجب على جميع الناس مع الاستطاعة. والحج مرة في العمر، كما قال النبي ﷺ عندما سئل: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلتها لوجبت، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع» (١). وهذا من تيسير الله أيضاً ومن نعمته العظيمة أن جعلها مرة في العمر؛ لأنه لو كان أكثر من ذلك لكانت المشقة عظيمة بسبب الكلفة الكبيرة بالنسبة للبعيدين عن هذه البقعة المباركة، ولكن الله بلطفه ورحمته جعل الحج مرة في العمر، ومن زاد فهو تطوع. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». (٢) متفق على صحته.

стр. 110

وفي الصحيحين أيضاً عنه ﷺ أنه قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (١). وقال أيضاً ﵊: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، والحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة» (٢). فالحج له شأن عظيم وفوائد كثيرة، ومن فوائده العظيمة أنه إذا كان مبروراً فجزاؤه الجنة والسعادة وغفران الذنوب، وهذه فائدة كبيرة وكسب لا يقاس بغيره. والله جل وعلا جعل هذا البيت مثابة للناس وأمناً، كما قال جل وعلا: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ [البقرة: ١٢٥]، يثوبون إليه من كل مكان مرة بعد مرة، ولا يشبعون من المجيء إليه؛ لأن في المجيء إليه خيراً عظيماً وفوائد جمة، وهو مؤسس على توحيد الله والإخلاص له، قال تعالى: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ [الحج: ٢٦]. فالله هيأ هذا البيت لخليله إبراهيم ﵊ ليقيمه على توحيد الله، والإخلاص له، وعدم الإشراك به، وقد سئل ﵊ عن أول بيت وضع للناس، قال: «هو المسجد الحرام» (٣). والله يقول في كتابه العظيم: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين﴾ [آل عمران: ٩٦]. فهو أول بيت وضع للعبادة العامة، وقد بين أنه أسس على توحيد الله والإخلاص له. فمن الواجب على كل مسلم قصد هذا البيت أن يخلص العبادة لله وحده، وأن يجتهد في أن تكون أعماله كلها لله وحده: في صلاته ودعائه، في طوافه وسعيه، وفي جميع عباداته؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وطهر بيتي﴾ [الحج: ٢٦]، أي طهر مكان البيت من الشرك. "للطائفين"، وقد بدأ بالطواف؛ لأن الطواف لا يفعل إلا في هذا البيت العتيق، ما من عبادة في الدنيا فيها طواف إلا حول البيت العتيق، أما الطواف بالقبور
следующие страницы →