← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 823

اثر عمل القلب على عبادة الصوم

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (121 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ (١) خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (٢). وعنه ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ- لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ-، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (٣). دل الحديثان على رحمة الله الواسعة بعباده المذنبين إذا أقبلوا عليه تائبين مستغفرين. من أقوال العلماء في الرجاء: قال الغزالي ﵀: "الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود" (٤). وقال ابن القيم عليه رحمة الله: "الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير" (٥).

стр. 37

"وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه" (١). وقال شاه الكرماني ﵀: "علامة صحة الرجاء حسن الطاعة" (٢). وقال أبو علي الروذباري عليه رحمة الله: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت" (٣).

стр. 38

المبحث الثالث: أثر عمل القلب على الإقبال على الخير في عبادة الصوم في رمضان، وفيه مطالب. المطلب الأول: أسباب الإقبال على عمل الخير في رمضان. المطلب الثاني: الصيام والتقوى المطلب الثالث: الصيام وغرس مراقبة الله وخشيته في الغيب والشهادة. المطلب الرابع: الصيام والخشوع. المطلب الخامس: الصيام وتعويد المسلم على الإحسان إلى الناس بالجود بالمال وحسن الخلق. المبحث الثالث: أثر عمل القلب على الإقبال على الخير في عبادة الصوم في رمضان، وفيه مطالب. المطلب الأول: أسباب الإقبال على عمل الخير في رمضان. المطلب الثاني: الصيام والتقوى المطلب الثالث: الصيام وغرس مراقبة الله وخشيته في الغيب والشهادة. المطلب الرابع: الصيام والخشوع. المطلب الخامس: الصيام وتعويد المسلم على الإحسان إلى الناس بالجود بالمال وحسن الخلق.

стр. 39

المبحث الثالث: أثر عمل القلب على الإقبال على الخير في عبادة الصوم في رمضان، وفيه مطالب . وإذا حقق العبد أعمال القلب وجاهد نفسه على ذلك، تيسر له الخير في رمضان، لأن أسبابه تيسرت في هذا الشهر المبارك، فإذا جاهد العبد نفسه وتفقد قلبه، سهل عليه الإقبال على الخير، وتنشطت نفسه له، ولذا ينادي المنادي إذا دخل رمضان: " يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ"، كما ورد في الحديث يقول ﷺ : " إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ " (١). وهذا ما سيتضح بحول الله وقوته من خلال المطالب الآتية: المطلب الأول: أسباب الإقبال على عمل الخير في رمضان، وفيه مسائل . وللنفس إقبال على الخير في شهر رمضان يختلف عن بقية الشهور، وهذا أمر مشاهد محسوس في حياة المسلمين في كل مكان وزمان، ولذلك عدة أسباب نلخصها في المسائل الآتية: المسألة الأولى: رغبة المؤمن في الأجر والثواب العظيم الذي أعده الله للصائمين . وقد وردت نصوص كثيرة فيها بيان ما أعده الله للصائمين من جزيل الثواب، ومن ذلك: ١ - يقول ﷺ : " إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ ". ٢ - وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ،

стр. 40

٣ - فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ "، «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ»، " لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ " (١). وفي رواية مسلم زيادة: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ : إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي" (٢). ٤ - قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ " (٣). ٥ - وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٤). المسألة الثانية: ومن أسباب الإقبال على الخير ما يحدث في رمضان من فتح أبواب الجنة، وأغلاق أبواب النار، وتصفيد الشياطين . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» (٥). وفي رواية البخاري قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (٦).

стр. 41

وفي رواية مسلم: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (١). ومن هنا يفهم المقصود بهذا النداء الذي ورد في الحديث" .. وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ ". لأن أسباب الخير تيسرت، وسهل على النفوس الإقبال على الخير، ولأن أسباب الشر من الشياطين قد قيدت وسلسلت، فلا تخلص إلى نشر الشر كما كانت قبل رمضان، وفي هذا إشارة كما قال بعض أهل العلم: إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كُفّتِ الشياطين عنك، فلا تعتل بهم في فعل المعصية وترك الطاعة (٢). ولهذا يسهل على الصائم فعل الخير والإقبال عليه، ويسهل عليه كذلك ترك المعاصي، وقصر نفسه عن فعل الشر. المسألة الثالثة: أثر التعاون على البر والتقوى الذي يتجلى في رمضان بشكل واضح في تعاون المسلمين مع بعضهم على الصيام والقيام، وبقية العبادات . المطلب الثاني: الصيام والتقوى . بين الصيام والتقوى ارتباط وثيق كما الله تعالى عن الحكمة من مشروعية الصيام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: ١٨٣ قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسيره: "ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه، فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقرباً بذلك إلى الله، راجياً بتركها، ثوابه، فهذا من التقوى.

стр. 42

ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى" (١). وقال الشيخ ابن باز رحمه في تعليقه على آية الصوم: " فأوضح سبحانه أنه كتب علينا الصيام لنتقيه سبحانه، فدل ذلك على أن الصيام وسيلة للتقوى، والتقوى هي: طاعة الله ورسوله بفعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله؛ عن إخلاص لله ومحبة ورغبة ورهبة، وبذلك يتقي العبد عذاب الله وغضبه، فالصيام شعبة عظيمة من شعب التقوى، ووسيلة قوية إلى التقوى في بقية شئون الدين والدنيا" (٢).

стр. 43

المطلب الثالث: الصيام وغرس مراقبة الله وخشيته في الغيب والشهادة . قال: ﷺ "قَالَ اللهُ : إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي". وفي الرواية الأخرى يقول ﷺ فيما يرويه عن ربه : "يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي .. ". وذلك لأن الصوم يربي في النفس مراقبة الله وخشيته في الغيب والشهادة، فمن الذي يمنع الصائم من أن يمد يده إلى الطعام والشراب، وهو لا يراه أحد إلا مراقبته لله وخشيته منه، وشعوره بأن الله مطلع عليه ويقينه بـ ـــ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ آل عمران: ٥ وعلمه بيقين بأن الله يعلم سره ونجواه وأنه عليم سميع بصير، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ التوبة: ٧٨. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢٣١. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ البقرة: ٢٣٣. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢٤٤. وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يونس: ٦١. وكل هذه المعاني العظيمة يربي عليها الصيام الذي يحرص فيه الصائم على حقيقة الصيام التي قال عنها الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵄: «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صِيَامِكَ سَوَاءً» (١).

стр. 44

المطلب الرابع: الصيام والخشوع، وفيه تمهيد ومسائل . تمهيد: للصيام أثر على حصول عبادة الخشوع فعندما يقل الطعام تخف النفس ويقبل القلب على الخشوع ويسهل عليه، ولذا يجد الصائم أثر صيامه على زيادة خشوعه، ولأنه في الصوم تكثر الطاعات ويجد العبد نفسه منطلقاً في الخير، وكذلك لأن الشيطان الذي يفسد على العبد خشوعه قد قُيِّد وسلسل في رمضان، فسهلت عبادة الخشوع ووجد الصائم أثرها على عبادات كثيرة، منها المسائل الآتية: المسألة الأولى: الخشوع في الصلاة. المسألة الثانية: الخشوع عند تلاوة القرآن. المسألة الثالثة: الخشوع عند الدعاء. المسألة الرابعة: الخشوع عند الذكر.

стр. 45

المسألة الأولى: الخشوع في الصلاة . ومما يسهل على المسلم في رمضان خشوعه في صلاته، بل قد يكون رمضان منطلقاً للمؤمن للتمكن من عبادة الخشوع في الصلاة طوال عمره، إذا وفقه الله لتحقيق أسباب الخشوع في هذا الشهر المبارك وذاق حلاوته ولذته، فإنه يحرص على الاستمرار على ذلك بعد رمضان، ودونك بعض الأسباب المعينة على الخشوع: الأول: الدعاء. الثاني: مجاهدة النفس على حضور القلب في الصلاة. الثالث: وإليك مجموعة من الأحاديث لها أثر على خشوع القلب في الصلاة إذا حقق العبد ما فيها، وجاهد نفسه على ذلك: أولاً: حديث عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ ﵁ الطويل وفيه: قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١). من فوائده: ١ - قوله ﷺ : «وفرغ قلبه لله» أي: جعله حاضرًا لله، وفرغه من الأشغال الدنيوية (٢). وهذا هو الخشوع أي: حضور القلب بين يدي الله في الصلاة. ٢ - قال ابن كثير ﵀: "والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما

стр. 46

٣ - عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين" (١). ٤ - ونقل شيخ الإسلام في عن مجاهد ﵀ قوله في معنى الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]: "غض البصر وخفض الجناح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشذ بصره، أو أن يحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا" (٢). • مما يعين على تفريغ القلب لله في الصلاة أمور منها: ١ - دفع كيد الشيطان الذي يسعى لإشغال المسلم في صلاته حتى يفقد حضور قلبه في عبادته، فيذهب منه الخشوع، وهذه بعض الوسائل المعينة على دفع كيد الشيطان: الاستعاذة منه في موطنين: الأول: خارج الصلاة؛ وذلك بقول الأذكار والأوراد المشروعة لدفع كيده، ومنها: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ، يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» (٣). والذكر عمومًا من أقوى الحروز من كيد الشيطان (٤).

стр. 47

ذكر الخروج من المنزل: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ -يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ-: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ» (١). ذكر دخول المسجد: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» … قَالَ: «فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ» (٢). الثاني: الاستعاذة منه في داخل الصلاة في موضعين: أولاً: قبل قراءة الفاتحة في الصلاة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. ثانياً: إذا أتاه الشيطان في صلاته يستعيذ بالله ويتفل عن يساره ثلاثًا: عن عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي، وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي (٣).

стр. 48

٢ - ويشعر بعظمة الموقف بين يدي الله في الصلاة، وأن الله مطلع عليه يعلم ما في قلبه، ويسمعه ويراه: ويحدث هذا المعنى العظيم إذا استشعر القلب معاني الأسماء والصفات، وبالأخص أسماء الله وصفاته: العليم السميع البصير، وحصل في قلبه بأن الله مطلع عليه، لا تخفى منه خافية، يعلم ما في قلبه، ويستحضر في موقفه في صلاته سمع الله له وبصره، فيقف بين يديه وكأنه يرى الله أمامه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١].

стр. 49

وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. وما ورد في هذا المعنى من الآيات كثير في كتاب الله، فحين يستحضر المصلي معاني هذه الآيات، فإنه يشعر بعظمة الموقف بين يدي ربه العالم بسره ونجواه، والمطلع على ما تخفيه الصدور، والذي أحاط علمًا بكل شيء، الذي يسمعه ويراه، فحضور هذه المعاني العظيمة يحدث في القلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها بوجهه وقلبه، فيخرج إلى الصلاة وهو يستحضر في قلبه هذه المعاني، ويجاهد نفسه على هذا، حتى وهو يمشي إلى الصلاة لا بد أن يلتزم أدب المشي إلى الصلاة، الذي سأشير إليه في الفقرة التالية، وذلك لأنه في مشيه إلى الصلاة فهو في صلاة كما ورد في الحديث يقول ﷺ : «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» الحديث (١). ٣ - المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار: عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٢). وفي الرواية الأخرى يقول المصطفى ﷺ : «وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» الحديث (٣). وفي معنى السَّكِينَة وَالْوَقَار قال النووي ﵀: "قيل: هما بمعنى (٤)، وجمع بينهما تأكيدًا، والظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة التأني في الحركات، واجتناب العبث، ونحو ذلك، والوقار في الهيئة، وغض البصر، وخفض الصوت، والإقبال على طريقه بغير التفات، ونحو ذلك والله أعلم" (٥).

стр. 50

وفي هذا والله أعلم تنبيه على الشعور بعظمة الموقف بين يدي الله، وان العبد في طريقه إلى الصلاة يهييء نفسه في مشيه إلى الصلاة، فهو في صلاة من حين خروجه لدخول بيت الله وللوقوف بين يديه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» (١). ٤ - وكان السلف يعظمون أمر الأذان لأنه يذكرهم بعظمة الموقف بين يدي الله يوم القيامة: "وقد روى ابن أبي الدنيا في "كتاب الرقة والبكاء" بإسناده، عن يحيى البكاء، عن الحسن، قال: إذا اذن المؤذن لم تبق دابة بر ولا بحر الا اصغت واستعمت. قال: ثم بكى الحسن بكاء شديداً. وبإسناده، عن أبي عمران الجوني، انه كان إذا سمع الاذان تغير لونه، وفاضت عيناه. وعن أبي بكر النهشلي نحو - أيضاً -، وانه سئل عن ذلك، فقال: اشبهه بالصريخ يوم العرض، ثم غشى عليه. وحكى مثل ذلك من غيره من الصالحين - أيضاً. وعن الفضيل بن عياض، أنه كان في المسجد، فأذن المؤذن، فبكى حتى بل الحصى، ثم قال: شبهته بالنداء، ثم بكى" (٢). ٥ - وكانوا أيضاً يشعرون بعظمة الموقف بين يدي الله في صلاتهم: كان علي بن الحسين الملقب بزين العابدين إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الخوف، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أريد أن أقوم ولمن أناجي؟ (٣).

стр. 51

و"كَانَ عَطَاءٌ السَّلِيمِيُّ إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديداً، فيقال له في ذلك فيقول: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم أريد أن أقوم بين يدي الله " (١). ٦ - التبكير إلى الصلاة والمسارعة إلى ذلك: من أسباب تفريغ القلب في الصلاة من مشاغل الدنيا التبكير إلى الصلاة، وذلك حينما يبكر العبد إلى صلاته، فيتمكن من إقبال قلبه على صلاته، وصفاء القلب من شواغل الدنيا، والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة بين الأذان والإقامة، كل ذلك مما يعين على الخشوع وحضور القلب، ولهذا جاء الحث على التبكير فقال ﷺ : «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» (٢). قال النووي ﵀: "التهجير التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت" (٣). قال ابن رجب ﵀: "وقد ندب النبي ﷺ إلى التهجير إلى الصلاة، وهو القصد إلى المساجد في الهجير، إما قبل الأذان أو بعده .. وقد كان كثير من السلف يأتي المسجد قبل الأذان، منهم: سعيد بن المسيب، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر .. وقال بعض السلف في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]: إنهم أول الناس خروجًا إلى المسجد، وإلى الجهاد" (٤). ٧ - من أسباب تفريغ القلب لله في الصلاة أن يقطع كل ما يشغله في صلاته من الأمور الآتيه: الأول: من طعام تتعلق به النفس وتشتهيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» (٥).

стр. 52

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ» (١). وكَانَ ابْنُ عُمَرَ: «يَبْدَأُ بِالعَشَاءِ» وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ» (٢). الثاني: ألا يأتي الصلاة وهو يشعر بأحتقان البول أو الغائط في بطنه، بل يقضي حاجته أولاً حتى يتفرغ قلبه لصلاته، ويقول ﷺ : «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (٣). والأخبثان: هما البول والغائط. وقال النووي: " في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله؛ لما فيه من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع، وكراهتها مع مدافعة الأخبثين وهما البول والغائط، ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع " (٤). عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ، أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ النَّاسُ، وَهُوَ يَؤُمُّهُمْ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَقَامَ الصَّلَاةَ، صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَتَقَدَّمْ أَحَدُكُمْ وَذَهَبَ إِلَى الْخَلَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَذْهَبَ الْخَلَاءَ وَقَامَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ» (٥). ثانياً: وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٦).

стр. 53

قال النووي: "وقد جمع ﷺ بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع بالقلب" (١). للعبد في صلاته قبلتان: الأولى: قبلة البدن يتوجه إلى جهة القبلة. والثانية: قبلة القلب وهو الرب (٢). ثالثاً: عن عقبة بن عامر يَقُولُ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ (٣) الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ» (٤). فقوله ﷺ : " ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ " ١ - وهذا من أسباب الخشوع أن يعلم ما يقوله في صلاته ولا يحصل هذا إلا بحضور القلب والفهم والتركيز على ما يقوله في صلاته من الأمور الآتية: أ - أن يعلم ما يقوله في صلاته من أذكار فهو يقول في كل ركعة عدة أذكار يلتزم بقولها في كل ركعة منها:

стр. 54

ب - قول الله أكبر، وهو أكثر ذكر يردده في صلاته ويسمعه من إمامه إذا كان ممن تجب عليهم صلاة الجماعة. دعونا نردد هذه التسأولات: هذا الذكر نردده في صلاة الفريضة أكثر (٩٠) مرة ونسمعه كذلك من الإمام. ما أثر هذا الذكر علينا في قلوبنا؟! وهل نحن نعلم معنى ما نقول؟! ت - نقول في الركوع (سبحان ربي العظيم) على الأقل ثلاث مرات في كل ركعة. فنقوله في الفريضة (٥١) مرة فما أثره على قلوبنا؟ وهل ندرك معنى ما نقول؟! ث - نقول في السجود (سبحان ربي الأعلى) على الأقل ثلاث مرات في كل سجدة. فنقوله في الفريضة (١٠٢) مرة ويتكرر نفس السؤال!!! ج - يقول الإمام والمنفرد حين الرفع من الركوع (سمع الله لمن حمده) في كل ركعة، ويقول الجميع الإمام والمنفرد والمأموم (ربنا ولك الحمد) فهل نعلم ما نقول؟!! ح - نقول في كل صلاة في الركعة الثانية التحيات كاملة في الثنائية ونقولها في التشهد الأوسط في الثلاثية والرباعية، ونقولها كاملة في التشهد الأخير، فهل نعلم ما نقوله في صلاتنا؟ خ - ثم نختم الصلاة بقول (السلام عليكم ورحمة الله) على اليمين والشمال، فهل نعلم ما نقوله؟ د - وغير ذلك مما نقوله في صلاتنا. ٢ - ويشعر بقلبه عند تكبيرة الإحرام وفي بقية صلاته بأنه يناجي ربه ، وأن الله قد نصب وجهه الكريم لوجه المصلي، فلا ينبغي له أن يلتفت عن ربه بلقبه ووجهه: وبوّب ابن خزيمة فقال ﵀: "باب الأمر بالخشوع في الصلاة، إذ المصلي يناجي ربه، والمناجي ربه يجب عليه أن يفرغ قلبه لمناجاة خالقه ، ولا يشغل قلبه التعلق بشيء من أمور الدنيا يشغله عن مناجاة خالقه" (١). ومن الأحاديث في ذلك:

стр. 55

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ» الحديث (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَى رَجُلًا كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟! أَلَا تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي؟! إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ، إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» (٢). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ القِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» (٣). ٣ - إذا جاهد العبد نفسه في صلاته ليستحضر قلبه ما يتلوه من سورة الفاتحة وأن الله يخاطبه كلما قرأ آية منها زاد خشوعه في صلاته ، واستشعر عظمة خطاب الله له، فكيف يليق بالعبد عن ينصرف عن مناجاة ربه؟!، كما في الحديث الآتي: رابعاً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي-، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي

стр. 56

وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (١). ومن فوائده: ١ - الحذر من حجب الغفلة بسبب الذنوب التي تعمي القلوب، فتحرمها من لذة المناجاة، وإلى الله المشتكى، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج: ٤٦]، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. كم مرة يا عبد الله حضر قلبك فسمع خطاب الله له، وشعرت بعظمة الاصطفاء من ربك، وهو يخاطبك مع كل آية تقرؤها من سورة الفاتحة فيقول لك: (حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، فوض إلي عبدي، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل .. ) ٢ - قراءة سورة الفاتحة في الصلاة وسماعها من الإمام في الصلاة الجهرية وقراءتها في كل ركعة من الصلوات الفرائض والنوافل في كل يوم، هذا يستلزم أن يكون لهذا التكرار أثره على القلب في حضوره وتدبره لأعظم سورة في القرآن، وذلك يؤدي إلى شعور العبد بلذة قراءة الفاتحة، وكلما أقبل قلب العبد على فهم معاني هذه السورة العظيمة، زاد خشوعه وإقباله بقلبه على ربه في صلاته. ٣ - ومن الفوائد العظيمة حول الدعاء الذي ورد في آخر سورة الفاتحة: أ - إذا رسخ في قلب العبد أهمية وعظمة هذا الدعاء ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وأنه من أعظم الأدعية وأهمها على الإطلاق، حينها يقبل القلب عليه مستشعراً لفقره

стр. 57

ب - وحاجته لربه في أن يحقق له مطلبه ويجيب دعوته، والتي متى ما أجيبت نال سعادة الدارين، ولتكرار هذه الدعوة في كل ركعة من الصلاة سر عظيم، اسأل الله ان يوفقني للإشارة إليه في الفقرة الآتية. ت - فينبغي على المسلم أن يشعر بعظمة هذا الدعاء الذي يردده في كل يوم فقط في الفرائض سبع عشرة مرة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وهذا يشعر بعظيم أهميتة في حياة المسلم؛ بل هو من أعظم ما يدعو به في نهاره وليلته؛ لأن هذا الدعاء يتضمن سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، وكذلك سؤاله الثبات على الهداية إلى أن يلقى ربه، ويختم له بالحسنى، وهو في هذه الدنيا على خطر عظيم، فالقلب يتقلب، وشياطين الأنس والجن متربصة به تنتظر زلته عن الصراط ليستثمروها، وفي المقابل نفس امّارة بالسوء، والصراط المستقيم على صعوبته، بجواره طرق مزينة مفروشة بالشهوات المحرمة المحببة للنفوس، فالخطر عظيم، فهنا يظهر أهمية وعظمة هذا الدعاء في كل ركعة، والله الموفق والمعين. ث - وكذلك يحضر قلبه عند التأمين، فهو كلمة بمعنى: "اللهم استجب" أي: استجب هذا الدعاء، وليتذكر وهو يقول: "آمين" حديث النبي ﷺ : «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). ج - قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: " ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق" (٢).

стр. 58

ح - وقال السعدي ﵀: "فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك" (١). خ - ولهذا لا يحسن بالمسلم أن يغفل عن ذلك، بسبب تكرار هذا الدعاء، بل ينبغى أن يكون حاضر القلب، يجاهد نفسه على ذلك؛ ليتحقق أثر هذا الدعاء العظيم عليه ثباتًا على الحق إلى أن يلق الله، وصبرًا على ما يلقاه في طريقه إلى الله. خامساً: ومن حديث الحارث الأشعري ﵁ قال ﷺ : «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» الحديث (٢). ومن فوائده: ١ - قال ابن رجب: "والالتفات نوعان: أحدهما: التفات القلب إلى غير الصلاة ومتعلقاتها، وهذا يخل بالخشوع فيها. والثاني: التفات الوجه بالنظر إلى غير ما فيه مصلحة الصلاة" (٣). وكثير يقع الخلل منهم في النوع الأول من الالتفات وهو التفات القلب عن الله، وهو الذي يخل بالخشوع، أما النوع الثاني، وهو التفات الوجه فقليل ما يقع من المصلي. ٢ - وعلى هذا فلا بد من مجاهدة القلب على الحضور في الصلاة وعدم التفاته عن الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 59

٣ - يذكر الذهبي عن ثابت البناني قَالَ: "كَابَدْتُ الصَّلَاةَ عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَتَنَعَّمْتُ بِهَا عِشْرِيْنَ سَنَةً" (١). سادساً: عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢). من فوائده: وفي هذا الحديث إشارة مهمة إلى أمرين: الأول: مجاهدة النفس على ما يحصل لها من أمور يستغلها الشيطان، وهي حديث النفس بأمور الدنيا التي يشغله بها الشيطان في صلاته. الثاني: أن العبد يستطيع أن يتغلب على حديث نفسه بأمور الدنيا في صلاته بحضور القلب، والشعور بعظمة الموقف بين يدي الله، والدعاء الذي يلح فيه على ربه أن يقطع عنه هذه الوساوس النفسية التي يستثمرها الشيطان، ومن جاهد نفسه وجد لذة الصلاة والراحة فيها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ونختم بذكر فائدة تتعلق بما سبق من الأحاديث ذكرها ابن رجب، فيقول ﵀: "وكأن مقصود النبي ﷺ بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وأنه مناج له، وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له، كما في صحيح مسلم عن أبي

стр. 60

هريرة، عن النبي ﷺ : «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي» وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها. فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه" (١).

стр. 61

المسألة الثانية: الخشوع عند تلاوة القرآن . وشهر رمضان هو شهر القرآن أنزل فيه القرآن كما تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ البقرة: ١٨٥. وكان جبريل ﵇ يلقى النبي ﷺ في كل ليلة من رمضان يدارسه القرآن فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» (١). وتلاوة القرآن وتدبره له مكانة خاصة في شهر رمضان، والخشوع عند تلاوته وهو ثمرة من ثمرات تدبره، والقلوب ترق في رمضان وتخشع أكثر من غيره من الشهور، ويزداد خشوعها حين تقبل على تلاوة القرآن متدبرة لآياته متأثرة بمعانيه، قال تعالى في وصف عباده الصالحين مع القرآن وقد خشعت قلوبهم ودمعت عينهم من خشية الله والشعور بعظمة كلامة وشدة تأثيره، قال سبحانه في وصفهم: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الزمر: ٢٣. وقال تعالى في وصفهم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ مريم: ٥٨. وقال تعالى وهو يضرب مثلاً بأشد المخلوقات صلابة لعل القلوب تتفكر فتتأثر ثم تقارن حالها بهذا المخلوق الجماد الذي لو نزل عليه القرآن كلام الرحمن الذي خلقه وهو يقدر هذا الكلام حق قدره

стр. 62

انظر ماذا سيحدث له، فقال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الحشر: ٢١. ثم نقارن حالنا بحال الجبل وقد أنزل الينا القرآن، فكيف حالنا مع كتابه العظيم؟! إلى الله المشتكى!! وهذه بعض الوسائل المعينة على التدبر والخشوع عند تلاوة القرآن العظيم في رمضان وفي غيره: ١ - الدعاء مع الالحاح على الله بأن يرزق العبد التدبر والخشوع عند تلاوة كتابه. ٢ - حضور القلب عند الاستعاذة. ٣ - شعور القلب بعظمة كلام الله الذي لو نزل على الجبال لخشعت وتصدعت من خشية الله وتعظيم كلام الله. ٤ - كثرة الاستغفار والتوبة. ٥ - تكرار الآيات حتى تحدث أثرها في القلب بالخشوع والبكاء من خشية الله، وذلك يكون بالآتي: أ - أن تحرك قلبك بمعنى الآيات أو الآية التي تكررها، وكأنك تعايش ما تتحدث عنه الآيات فإن كان نعيم عشت مع أجواء النعيم وحركت قلبك بذلك، وإن كانت الآيات تتحدث عن العذاب أو العقاب لمن عصى الله فتحضر قلبك وتتخيل كيف لو كان مكانك في هذا العذاب تتجرع مرارته فتحرك قلبك بذلك ليخشعك ويخضع لعل العين تدمع من هذه المواقف وتستعيذ بالله من عذابه وعقوبته، وان كانت الآيات تتحدث عن عظيم قدرة الله حركت قلبك بالشعور بعظمته وقدرته وقوته وقدرته حق قدره وتدبرت في آثار ودلائل عظيم مخلوقاته التي تدل على عظمته وجلاله وعظيم قدرته وقوته .. ب لا تستعجل في تلاوة الآيات بل اجعل أعظم همك التأثر والتدبر وأن تحيي موات قلبك بمطر مواعظ آياته، كما قال تعالى عن أثر مواعظه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ

стр. 63

ت - يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ق: ٤٥، وقال تعالى عنه: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الأعراف: ٢ وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذاريات: ٥٥، وعلى رأس الذكرى القرآن العظيم، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ الأعلى: ٩ - ١٠ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يس: ١١ وقال تعالى عن أثر القرآن على المؤمنين: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].

стр. 64

المسألة الثالثة: الخشوع عند الدعاء . وللدعاء في شهر رمضان مجال رحب واسع، والخشوع فيه أمر ممكن وذلك ليسر الخير فيه، وإقبال النفس على الطاعات، وتصفيد الشياطين، وقرب الله من عباده الذين يدعونه، وبالذات في شهر الصوم وقد جعل الله آية قربه من الداعين باستجابة دعوتهم بين آيات الصيام، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: ١٨٦. وذلك والله أعلم يدل على أن قرب الله من عبده الداعي وإجابة الدعاء يكون في رمضان أكثر من غيره من الشهور. والدعاء له مكانة عظيمه قال عنها المصطفى ﷺ : «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ غافر: ٦٠ (١). وهناك أسباب تعين على الخشوع في الدعاء غير ما ذكر، ومنها: ١ - أن يشعر الداعي بقرب الله منه ومعيته الخاصة له ويحسن الظن بربه عند دعائه قال ﷺ فيما يرويه عن ربه : «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» (٢). ٢ - إقبال القلب على الله عند الدعاء قال ﷺ : «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (٣).

стр. 65

٣ - الإلحاح على الله في الدعاء مع إظهار فقره وحاجته إلى ربه، ومنه إظهار موسى لفقره إلى ربه في دعائه، قال تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ القصص: ٢٤ والله يحب من عبد أن يتضرع له ويظهر فقره وذله ومسكنته (١)، وهذا مما يجعل العبد يخشع في دعائه. ومن ذلك الإكثار في الدعاء بقولنا: "ياذا الجلال والإكرام"، يَقُولُ ﷺ : " أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " (٢). المسألة الرابعة: الخشوع عند الذكر . ورمضان فرصة عظيمة على إقبال النفس على الذكر والإكثار منه، ولا يخفى على المسلم فضل ذكر الله؛ لكن المقصود هو كيف يخشع المسلم عند ذكره لربه، وكما سبق أكثر من مرة أن رمضان تيسرت فيه أسباب الخشوع في العبادات كلها ومنها الذكر، ودونك بعض الأسباب المعينة على الخشوع في الذكر أجملها في الآتي: ١ - دعاء الله أن يرزق العبد الخشوع عند ذكره لله تعالى. ٢ - أن يتذكر بقلبه أن الله يذكره في السماء، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ البقرة: ١٥٢. ٣ - أن يتذكر بقلبه أن الله معه حين يذكر ربه كما في الحديث: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُمَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ" (٣).

стр. 66

٤ - مجاهدة النفس ليفهم القلب معنى ما يلفظه بلسانه من ذكر، ويحرص على أن يشترك القلب مع اللسان. ٥ - أن يتذكر العبد أن ما رتب على الذكر من أجر عظيم وثواب جزيل مرتبط بحضور القلب، وأن هناك فرق بين ذاكر يحضر قلبه عند ذكره لربه، وآخر يردد باللسان مع غفلة القلب، لا يستوون في الأجر والثواب. وقول اللسان الخالي من عمل القلب عديم الفائدة قليل النفع، وإن العبد يؤجر عليه إذا كان خيرًا ومعه أصل الإيمان، ولكن الفرق كبير بين قول مجرد وقول حضر معه القلب (١)، والله أعلم.

стр. 67

المطلب الخامس: الصيام وتعويد المسلم على الإحسان إلى الناس بالجود بالمال وحسن الخلق . ولقد جاءت النصوص تبين أن الصوم مدرسة عظيمة لتربية المسلم وتعويد النفس على الجود ببذل المال والجود بحسن الأخلاق. ومن الأعمال التي لها أثر عظيم على الصيام، ولها أثر كبير في رقة قلب العبد وزيادة خشوعه: الإحسان إلى عباد الله ببذل ما تجود به النفس من المال والخلق الحسن، ودونك إشارة إلى ذلك: أولاً: الحث على الإنفاق في وجوه البر: وشهر رمضان هو شهر الجود والإحسان، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». وجاءت النصوص في الحث على الإنفاق والبذل والجود عامة، ويخص الصوم بمزيد من الجود الإحسان كما سبق في وصف حال النبي ﷺ في رمضان. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 68

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» (١). انظر يارعاك الله كيف جعل الإنفاق على الأهل أعظم أجراً من الإنفاق في بقية مجالات الخير، وكم نحن نغفل عن النية في هذا الأمر، مع أن هذا المجال من الإنفاق من أكثر أبواب الإنفاق نقوم به ولكن منا من يتبرم بهذا الأمر ويستثقله وينسى قضية الاحتساب في ذلك؛ ليحصل على هذا الأجر العظيم، وبالإخص في شهر رمضان الذي تكثر فيه النفقة عند بعض الناس. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»، وَقَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، وَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟! فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (٣). ثانيًا: مكانة الخلق الحسن وأثره العظيم على عبادة المسلم: أما الإحسان إلى الناس بالتعامل معهم بالخلق الحسن فله أثر عظيم على صيام العبد وصلاح القلب؛ لأنه من أعظم القربات إلى الله تعالى، ودونك طرفًا من الأحاديث في بيان مكانة الخلق الحسن وأثره: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ» (٤). وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (٥).

стр. 69

وفي رواية أخرى عن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال النبي ﷺ : «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا» (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» (٣). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا» (٤).

стр. 70

ومما يدل على مكانة حسن الخلق وأثره العظيم أنه سبب لدخول الجنة مع قلة النوافل، أو العقوبة بالنار لمن ساء خلقه ولو كثرة نوافله، لكنها لا تنفعه، بسبب سوء خلقه نسأل الله العافية والسلامة، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (١).

стр. 71

المبحث الرابع: أثر عمل القلب على القصور عن الشر في رمضان، وفيه مطالب. المطلب الأول: قلة نوازع الشر في النفس في رمضان. المطلب الثاني: الصيام وضبط الجوارح عن الحرام. المطلب الثالث: الصيام وضبط النفس على البعد عن الجهل وقول الزور. المطلب الرابع: الحذر مما يخرق الصوم وينقص الحسنات. المطلب الخامس: من أمراض القلوب التي لها خطر على عبادة الصوم.

стр. 72

المبحث الرابع: أثر عمل القلب على القصور عن الشر في رمضان، وفيه مطالب . تمهيد: إن أسباب الشر تقل في رمضان كما سبق ذكره، ولكن تبقى بعض النفوس لا تزال نوازع الشر باقية فيها، فهي بحاجة لمجاهدة أكثر للقصور عن الشر في هذا الشهر، ومن أعظم الأسباب المعينة على ذلك تفقد عمل القلب ومجاهدة نوازع الشر فيه، ولا يكون ذلك إلا بالاستعانة بالله تعالى في مجاهدة هذه النوازع للشر المجودة في نفس الإنسان، وليبشر من يجاهد نفسه للقصور عن هذا في هذا الشهر بتوفيق الله له وإعانته وقد وعد سبحانه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ العنكبوت: ٦٩. والداعي ينادي كل ليلة من ليالي رمضان: " .. يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ". ودونك هذه المطالب في هذا الأمر وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. المطلب الأول: قلة نوازع الشر في النفس في رمضان. المطلب الثاني: الصيام وضبط الجوارح عن الحرام. المطلب الثالث: الصيام وضبط النفس على البعد عن الجهل وقول الزور. المطلب الرابع: الحذر مما يخرق الصوم وينقص الحسنات. المطلب الخامس: من أمراض القلوب التي لها خطر على عبادة الصوم.

стр. 73

المطلب الأول: قلة نوازع الشر في النفس في رمضان . ولهذا يستطيع العبد أن يقصر عن الشر في رمضان لقلة نوازعه في هذا الشهر، وقد سبق الإشارة إلى ذلك، ومع ذلك تبقى بعض النفوس نوازع الشر فيها قوية تحتاج إلى مجاهدة أكثر وبذل الأسباب المعينة على ذلك، ومنها: ١ - شعوره في داخل نفسه بأن شهوات نفسه مسيطرة عليه، وهذا الإحساس يجعل العبد يبحث عن أسباب العلاج لأنه يشعر بالخطر من شر نفسه، أما حين يغفل عن شر نفسه، فإن الشيطان يجد مركباً سهلاً، ويتسلط عليه، ويتمكن منه، ولهذا يقول لأهل النار كما ذكر الله في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إبراهيم: ٢٢. وفي رمضان حين يسلسل الشيطان تبقى النفس الأمّارة بالسوء وشهواتها، تقوم بدور الشيطان في صد الانسان عن الخير، ولهذا هو بحاجة إلى مجاهدة نفسه لتقصر عن الشر في هذا الشهر، ويستمع لنداء الحق الذي ينادي كل ليلة: "يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ". ٢ - كثرة الدعاء والإلتجاء إلى الله والإلحاح عليه في يعينه على نفسه، ويقيه شرها، ويكثر من الأدعية المرتبطة بذلك، من مثل: أ - دعاء في الصباح والمساء وعند النوم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ، وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: " قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ

стр. 74

نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ"، قَالَ: قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ " (١). ب - دعاء عام علمه النبي ﷺ لحصين ﵁ قبل أن يسلم وبعد أن أسلم: " قُلِ: اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشِدِ أَمْرِي " (٢). ت - من أدعية النبي ﷺ : " اللهُمَّ أَسْتَهْدِيكَ لِأَرْشَدِ أَمْرِي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي" (٣). ث - الحرص على البعد عن جلساء السوء الذين يعيقون عن الخير ولا يعينون عليه، قال ﷺ : " الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِطُ " وفي رواية: " مَنْ يُخَالِلُ" (٤). وللصحبة أثر لا ينكر على الشخص مهما كان حرصه على ألا يتأثر بالصحبة، ولذا يا أخي قرر قراراً لن تندم عليه بترك صحبة الشر في رمضان وغيره، ولكن

стр. 75

رمضان آكد، حتى تعين نفسك على القصور عن الشر في هذا الشهر العظيم، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. ٣ - كثرة التوبة والاستغفار: لا شك أن للذنوب والمعاصي أثرًا كبيرًا في إفساد القلب، وضررها عظيم عليه، "وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟! " (١). وهذا الداء الخطير على القلوب قد جعل الله له علاجًا، وهو الاستغفار والتوبة. قال تعالى في بيان أثر الاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وقال في بيان ثمرات الاستغفار والتوبة: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. والذي يظهر من أقوال المفسرين في زيادة القوة أنها قوة حسية ومعنوية، يجدون أثرها في حياتهم (٢). ولا شك أن الداعية بحاجة ماسة لهذه القوة التي يعينه الله بها على النجاح في دعوته.
следующие страницы →