و الاسم الثاني: "الكتاب ":
إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الثاني وهو الحفظ في السطور، فالكتاب في الأصل مصدر، ثم سمي المكتوب فيه كتابًا. (١)
قال علم الدين السخاوي: (ت: ٦٤٣ هـ) (٢)
" ومن أسمائه - أي القرآن - الكتاب، سمي بذلك، لأن الكَتْبَ الجمع يقال: كتب إذا جمع الحروف بعضها على بعض، وتكَتَّب بنو فلان، أي: اجتمعوا". (٣)
وحين يتحدث المؤلفون في علوم القرآن عن موضوع جمع القرآن الكريم فإن أغلبهم يطلق عبارة جمع القرآن الكريم في -عهوده الثلاثة- ويريدون بالجمع معاني مختلفة، فبتدبر الأمر وتتبع الروايات نجد أن لفظ الجمع حين يطلق في زمن النبي- ﷺ -يقصد به حفظه عن ظهر قلب وكتابته على الأدوات المتوفرة ذلك الوقت.
وحين يطلق في عهد أبي بكر الصديق-﵁ يقصد به كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور. وحين يطلق في عهد عثمان بن عفان ﵁ يقصد به نسخ المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر-﵁ بمصاحف متعددة. وسنتناول هذه المراحل بالتفصيل في مواضعها بإذن الله تعالى (٤).
المبحث الثاني: حفظ الله تعالى لكتابه، وعناية الأمة بجمعه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور
إن القرآن الكريم يطلق على معنيين اثنين:
المعنى الأول: يطلق على حفظه وتقييده في الصدور.
стр. 37
المعنى الثاني: يطلق على كتابته وتقيده في الصحف وحفظه في السطور.
والكلام هنا عن المعنى الأول من معاني حفظ القرآن، الذي هو حفظه وتقييده في الصدور.
أولًا: تكفُل الله تعالى بحفظ كتابه بذاته العلية
إن الله تعالى جلت قدرته قد أنزل القرآن الكريم -آخر كتبه -، على خاتم أنبيائه ورسله، وجعله مهيمنًا على الكتب السابقة كما قال جل ذكره: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عليه) (المائدة: ٤٨).
وقد توكل ربنا حفظه بذاته العلية، ولم يوكل ذلك لأحد من خلقه، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، كما قال تعالى في محكم كتابه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
قال الطبري ﵀: (ت: ٣١٠ هـ)
وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. (١)
وثبت عند مسلم منْ حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ (ت: ٥٠ هـ) (٢) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا
جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: … إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ … ) (٣)
يقول أبو العباس القرطبي ﵀: (٤)
"فلو غُسِلَتِ المصاحفُ لما انغسل من الصدور، ولما ذهب من الوجود، ويشهد لذلك قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) ". (٥)
стр. 38
ويقول النووي ﵀: (ت: ٦٧٦ هـ)
"قوله تعالى: (لا يغسله الماء) معناه: محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على مر الأزمان ". (١)
ويقول الله تعالى في حق نبيه محمد ﷺ : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة: ٤٤ - ٤٧)
فإذا كان هذا الوعيد والتهديد الشديد قد ورد في حق خير الخلق وحبيب الحق، في حق وليه وصفيه وخليله وأمينه على وحيه ﷺ ، فكيف بمن دونه في الرتبة والمكانة والفضل والمنزلة؟! ومن هو؟ إنه نبيه وخاتم رسله ﷺ وخيرته من خلقه، وهو من هو في عصمته وأمانته في البلاغ عن ربه وأدائه لرسالته سبحانه، وحاشاه ﷺ -أن يتقول على ربه ولو بعض قول، وقد وصف الله تعالى أمانته في البلاغ عنه سبحانه في محكم كتابه جل في علاه بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: آيتا: ٣ - ٤]، والمعنى المراد هنا: إن هذا الوعيد الشديد من باب أولى ينال من كان دون النبي- ﷺ فيما لو تقول على الله بعض القول!!.
قال ابن كثير - (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀:
يقول تعالى: (ولو تقول علينا) أي: محمد- ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا، فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك، لعاجلناه بالعقوبة. (٢)
يقول البغوي (ت: ٥٦١ هـ) ﵀:
(فما منكم من أحد عنه حاجزين) أي: مانعين يحجزوننا عن عقوبته، والمعنى: أن محمدًا لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه بأنه لو تكلفه لعاقبناه ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه. (٣)
وهذه الآية الكريمة نظيرها في كتاب الله تعالى قوله تعالى لنبيه ﷺ : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر: ٦٥]، وإن كان الشرك والكفر في حقه - صلى الله
стр. 39
عليه وسلم- ممتنع عقلًا وشرعًا غاية الامتناع،؟ لأن الله عصمه جل في علاه، فهذا الوعيد والتهديد الشديد في حق من دونه أحق وأولى.
خطب الحجاج، فقال: إن ابن الزبير يبدل كلام الله تعالى،
قال: فقال ابن عمر ﵄: كذب الحجاج؛ إن ابن الزبير لا يبدل كلام الله تعالى ولا يستطيع ذلك. (١)
وهذا من فقهه- ﵁ وَسَعَة علمه بكتاب ربه جل في علاه.
وقال تعالى عن التوراة وهو من الكتب السابقة المنزلة، وقد أنزله على نبيه موسى بن عمران-﵇: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة: من آية: ٤٤)
والضمير في قوله: (استحفظوا) يعود على علمائهم وقرائهم وفقهائهم، وهذا القول، أعني عود الضمير في (استحفظوا)، لا أعلم له خلافًا بين أهل التفسير، وهو واضح جلي.
يقول ابن كثير ﵀:
أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به. (٢)
"ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد ماحكاه عياض في المدارك عن أبي الحسن بن المنتاب قال: كنت عند إسماعيل يومًا فَسُئِل: لما جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز التبديل
على أهل القرآن؟. فقال لأن الله تعالى قال في أهل التوراة (بما استحفظوا من كتاب الله) فوكل الحفظ إليهم، وقال في القرآن (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فتعهد الله بحفظه فلم يجز التبديل على أهل القرآن.
قال: فذكرت ذلك للمحاملي فقال لا أحسن من هذا الكلام". (٣)
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤١ - ٤٢)
يقول الطبري ﵀:
стр. 40
قول: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) يقول تعالى ذكره: وإن هذا الذكر لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه، وحفظه من كل من أراد له تبديلًا أو تحريفًا أو تغييرًا، من إنسي وجني وشيطان مارد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) معناه: لا يستطيع ذو باطل تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه.
عن قتادة: الباطل: إبليس، لا يستطيع أن ينقص منه حقًا، ولا يزيد فيه باطلًا. (١)
ويقول ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀:
يقول تعالى آمرًا رسوله ﵊ بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس. (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي: لا مغير لها، ولا محرِّف، ولا مؤوّل. (٢)
ويقول سبحانه: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: ٢)
و (لا ريب فيه) أي: لاشك فيه، وبهذا ينفي الله تعالى عن كتابه الكريم كل ريب وكل شك، وإن من أعظم الريب المنفي في الآية دخول التحريف والتغير والتبديل إليه، سواء كان ذلك بالزيادة أو النقصان.
وقد تحدى الله بكتابه الإنس والجن بصنوف التحدي.
يقول ابن سعدي ﵀: (ت: ١٣٧٦ هـ)
"ومن ذلك تحدي الله لجميعِ الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإخبارُه أنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله، والتحدي قائمٌ في كل وقت، والعجز من الخلق ظاهرٌ، مع توفر دواعي الأعداء، وحرصهم الشديد على ردِّ ما جاء به الرسول، والقدح في رسالته. وهذا
برهان عظيم يضطرُّ كلُّ عاقلٍ معه إنصافٌ؛ أن يعترفَ بالحق الذي قامت البيناتُ الظاهرة والدلالات الباهرة على صدقه من كل وجه؛ ولله الحمد". (٣)
الإعجاز وآيات التحدي:
مفهوم التحدي في اللغة والاصطلاح
أ- مفهوم التحدي في اللغة:
التحدي لغةً: بمعنى المباراة والمبارزة.
стр. 41
و " تحديت فلانًا إذا بارَيْتَه في فعل ونازَعْتَه الغلبة"، … وهي الحديّا ". (١)
قال عمرو بن كلثوم في معلقته متحديًا الناس جميعًا بمجد قومه وشرفهم:
حُدَيّا الناسِ كلِّهِمِ جَميعا … مُقارَعَةً بَنِيهمْ عن بَنيِنا. (٢)
ب- مفهوم التحدي في الاصطلاح:
والتحدي اصطلاحًا: يتصل اتصالاً وثيقًا بالمعنى اللغوي فهو طلب الإتيان بالمثل على سبيل المنازعة والغلبة ويتحدد المثل تبعا لما يتحدى به.
فالتحدي بالقرآن طلب الإتيان بمثله. (٣)
ويعلل الباقلاني (ت: ٤٣٠ هـ) عن الاحتياج في باب القرآن إلى التحدي فيقول:
"وإنما احتيج في باب القرآن إلى التحدي لأن من الناس من لا يعرف كونه معجزًا، فإنما يعرف أولًا إعجازه بطريق؛ لأن الكلام المعجز لا يتميز من غيره بحروفه وصورته، وإنما يحتاج إلى علم وطريق يتوصل به إلى معرفة كونه معجزًا، فإن كان لا يعرف بعضهم إعجازه، فيجب أن يعرف هذا، حتى يمكنه أن يستدل به، ومتى رأى أهل ذلك اللسان قد عجزوا عنه بأجمعهم مع التحدي إليه والتقريع به والتمكين منه صار حينئذ بمنزلة من رأى اليد البيضاء وانقلاب العصي ثعبانًا تتلقف ما يأفكون … ". (٤)
وكلمة "المعجزة من الفعل أعجز وهو فعل مزيد بالهمزة وأكسبته الزيادة التعدي إلى مفعول به، فأصبح الإعجاز واقعًا على فرد أو أفراد أو غير ذلك، فعندما تستخدم الكلمة في سياق إعجاز القرآن وقعت على الجن والإنس كافة، ولعل آيات التحدي هي التي رسخت قضية الإعجاز التي ناقشها المكذبون ربما قبل أن يرد التعرض لها في القرآن تعرضًا صريحًا وذلك في قوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)) (المدثر: ١٨ - ٢٥)، فإن الركون في الكلام المذكور-هنا- إلى تصنيف القرآن الكريم في إطار السحر لهو اعتراف صريح بخروجه على المألوف من كلام البشر، ولعل هذا هو الذي دعاه إلى تأكيد الزعم بأنه من كلام البشر، نذكر هذا للائتناس بهذا القول المذكور الذي يحاول صاحبه تفنيد الخصوصية
стр. 42
والتفوق والرقي والسمو الذي لمسوه واقعًا فعليًا في النص القرآني، ولكننا ننبه أيضًا إلى أننا لا نقبل بحال ما ذهب إليه بعض المفكرين المحدثين من أن الفهم السائد للإعجاز قبل المعتزلة كان استمرارًا لما كان سائدًا من قبل، أي منذ وصفت قريش القرآن بأنه سحر يؤثر". (١)، "فلم يكن هذا هو تلقي من آمنوا بالقرآن، ولكنه كان تصنيف من ترددوا في تصنيفه لأنه غير متوافق مع أي استعمال لغوي عرفوه". (٢)
стр. 43
آيات التحدي في القرآن الكريم على الترتيب المصحفي:
لقد ورد التحدي بالقرآن الكريم في خمس آيات من خمس سور، نذكرها على الترتيب المصحفي، لا على الترتيب النزولي، ولا على ترتيب مراحل التحدي،
على النحو التالي:
١ - في سورة البقرة
قوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: ٢٣).
٢ - في سورة يونس
قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (يونس: ٣٨).
٣ - في سورة هود
قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (هود: ١٣)
٤ - في سورة الإسراء
قوله تعالى: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨)
٥ - في سورة الطور
قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور ٣٣: -٣٤).
لماذا لم يأت التحدي بآية من القرآن ؟
قد" جاء التحدي بالقرآن كاملاً، وجاء التحدي بعشر سور منه، وجاء التحدي بسورة، لكن لم يأتِ التحدي بآية؛ لأن من الآيات ما هو كلمة، كقوله تعالى: (مدهامتان) [الرحمن: ٦٤]، ولا يعجز البشر أن يقولوا: (مدهامتان)، لكن مع ذلك فالآية معجزة في موضعها من الكلام وارتباطها بما قبلها وما بعدها، فلا تستطيع أن تحذف (مدهامتان) وتأتي بأي كلمة ترادفها تقوم مقامها، لكن بالنظر إليها مفردة لا تعجز، ولذا لم يحصل التحدي بها.
وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، فإذا قلنا -وهو قول الشافعي-: إن البسملة آية، صارت سورة الكوثر أربع آيات، فلا يحصل التحدي إلا بأربع آيات أو بمقدارها ولو آية واحدة، وإذا قلنا: إن البسملة ليست بآية -وهو قول الأكثر- قلنا: يحصل التحدي بثلاث آيات، أو بقدر هذه الثلاث
стр. 44
ولو آية واحدة، المهم ألّا تقل عن قدر سورة الكوثر، فلا يمكن أن يأتوا بآية واحدة بقدر أقصر سور القرآن". (١)
"ويمكن القول بأن هذا التحدي كان أول مواجهة لتحدي ثقافي في زمن النبي ﷺ فزعم المشركون أن باستطاعتهم أن يأتوا بمثل القرآن الكريم وزعموا أن النبي ﷺ قد اختلقه فتحداهم الله أن يأتوا بمثله، وقرَّعهم بالعجز عن الإتيان- مع ما هم عليه من الأنفة والحمية- بما فيه من الآيات التي تبين أنه بلغتهم ومن جنس كلامهم فطالبهم أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو بمثل سورة وتمر عليهم السنوات وتزداد الآيات وهم على عجزهم دائمون … ". (٢)
والتحدي بالقران من جهة الإعجاز عن الإتيان بمثله يستوي قلة وكثرة، فليس الإتيان بقليله أسهل من الإتيان بكثيره، وذلك لأن التحدي واقع كيفًا ونوعًا، لا كمًا ولا مقدارًا، فليُنتبه لهذا، لأن العجز عن الإتيان بقليله يستوي مع العجز عن الإتيان بكثيره، فلا يُظَنُ أن ترتيب التحدي تصاعديًا له أثر في قوة التحدي والتعجيز عن الإتيان بمثل القرآن كله أو بعضه.
وسيأتي معنا الكلام حول قضية ترتيب آيات التحدي.
تنبيه هام جدًا:
آيات التحدي: بين ترتيب النزول وترتيب التدرج في التحدي
"وقد ظهرت قضية الإعجاز في آيات التحدي، وقد اعتاد المفسرون ومؤلفو كتب علوم القرآن الإشارة إلى تعدد مستويات التحدي بالقرآن الكريم، وطيب لهم دائمًا الإشارة إلى تدرج التحدي من التحدي بأن يأتوا بمثل القرآن، إلى التحدي بأن يأتوا بعشر سور من مثله، إلى التحدي بأن يأتوا بسورة واحدة، مستشهدين في ذلك بآية سورة الإسراء ثم آية سورة هود ثم آية سورة البقرة، فهذه الآيات الثلاث يتحقق بها الترتيب التنازلي وفق ترتيب النزول، والحقيقة أن هذه المستويات متداخلة في ترتيب نزولها؛ ذلك لأن آيات التحدي وفق ما ذهبوا إليه لا تقتصر على هذه الآيات الثلاث، بل هناك آيتا سورة الطور وسورة يونس، وإذا نظرنا رؤية استقرائية شاملة للآيات الخمس وجدنا أن التدرج من الأعلى إلى الأدنى ليس تدرجًا صارمًا لا تداخل فيه، الأمر الذي جعل بعض المتعرضين لآيات التحدي من المسلمين يتغاضون عن الإشارة إلى بعض الآيات التي ربما توهم بشيء من عدم الاطراد في الترتيب التنازلي في التحدي من الأعلى إلى الأدنى، فذكر آيات سور: الإسراء للتدليل على التحدي بالقرآن كله، ثم ذكر آية سورة هود للتدليل على المستوى الثاني
стр. 45
التحدي بعشر سور، ثم ذكر آية سورة البقرة التي جاء فيها التحدي بسورة واحدة، وهو المستوى
الثالث (١)، ولعل الذي دفع إلى هذا هو حساسية التعرض للتداخل في ترتيب النزول بين آيات التحدي، ولكن الحقيقة أن هذه رؤية عقل بشري قد تخطئ وقد تصيب، فلعل فكرة الترتيب التنازلي قد راقت لهم، ثم لعلها قادتهم إلى التغاضي عن الاستقصاء أو إلى التغاضي عن الإشارة إلى التداخل بين هذه المستويات.
وهذا الأمر نفسه جعل بعض المعترضين المتشككين يتغاضون ـ بدورهم ـ عن الاستقصاء في استقراء ترتيب النزول للسور التي جاءت فيها آيات التحدي، فانطلقوا بالمنحى الانتقائي المضاد للمنحى الانتقائي الأول، واكتفوا بذكر بعض آيات محاولين إثبات أن الترتيب جاء تصاعديًا وليس تنازليًا، أي بدأ بالتحدي بسورة ثم بعشر سور ثم بالقرآن كله، بل اختلقوا ترتيبًا ظنيًا لا نبرؤه من العَمْد، نتبين ذلك بالوقوف عند نموذج من العرض لبعض أصحاب هذا الاتجاه المضاد لآيات التحدي جاء فيه: أن آية سور الطور ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: ٣٤) هي أول ما نزل من آيات التحدي، ثم رأى فيها إمكان أن يأتوا بحديث مثله مستندًا إلى أن إطلاق الحديث يترتب عليه إمكان أن يأتوا به؛ لأنه يتحقق في الآية والآيتين، ثم يخلص إلى أن " تحديهم بأن يأتوا بحديث مثله غير صحيح ولا مأمون فيه سوء العاقبة، فلذا عدل عنه محمد- ﷺ متدرجًا في التحدي إلى ما هو أعلى من ذلك، فجاء بالآية الثانية (فَأْتُوا
بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) (يونس: ٣٨)، ولم يقف عند هذا الحد حتى جعلها عشر سور، ثم ارتقى إلى ما يقتضيه التحدي الصحيح الذي يتعذر أو يستحيل عادة أن يجيبه إليه أحد، وهو تحديهم بأن يأتوا بمثل القرآن من دون قيد بحديث أو سورة كما قال في الآية الأخرى (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ) (الإسراء: ٨٨)، وهذا هو التحدي الذي ترجع فيه المعارضة خائبة خاسرة بلا شك ولا ريب، ولذا نراه يتكلم بجراءة واطمئنان واثقًا بعجزهم عما يريد منهم، حتى أنه لم يتحد الإنس وحدهم بل جعل الجن لهم معاونين تهويلاً عليهم وتأكيدًا لعجزهم ". (٢)
والغريب أن المتحدث هنا لم يهتم بالبحث في ترتيب النزول، ولا اهتم بالرجوع إلى المراجع التي تعرضت له، على الرغم من رجوعه إلى بعض هذه المراجع في كتابه المذكور ومنها كتاب الإتقان للسيوطي، والبرهان للزركشي، ثم إن الغريب الغريب أيضًا أن العرض الذي عمد إلى ذكر ثلاث آيات فقط، وهي آيات
стр. 46
(الإسراء وهود والبقرة) متوافق، لا نقول مع ترتيب السيوطي، بل متوافق مع ترتيب المستشرقين، وذلك في الترتيب الذي قام به " نولدكه " وأخذ به " بلاشير" في ترجمته لمعاني القرآن، ولعل في هذا مالا يحوجنا إلى رد أو مناقشة هذا الزعم، فهو محض هراء؛ لأن الحقيقة
التي لا جدال فيها أن الإسراء نزلت أولًا ثم نزلت هود ثم نزلت البقرة، وهذا النزول يتحقق به الترتيب التنازلي في التحدي، وفق ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه الأول.
ولكننا نود أن ندع هذا الاستقراء الناقص في الرؤيتين السابقتين لنعمد إلى تدبر ملمح آخر يتحدد في التداخل في ترتيب النزول بين آيات التحدي والترتيب التنازلي في التحدي نعتمد فيه على رؤية الآيات جميعها ونتجاوز الرؤية الانتقائية، ولعلنا لسنا بحاجة إلى إيضاح أن المقصود بالترتيب التنازلي هو الترتيب المستند على الكم المتحدَّى به من الأكثر إلى الأقل، وهذا الترتيب التنازلي كما ذكرنا له ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: التحدي بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، وقد جاء هذا المستوى في سورتي: الإسراء والطور.
المستوى الثاني: التحدي بأن يأتوا بعشر سور من مثله، وقد جاء في سورة هود.
المستوى الثالث: التحدي بأن يأتوا بسورة من مثله، وقد جاء في سورتي يونس والبقرة.
ووفقا للترتيب التنازلي نرى تداخلًا في ترتيب النزول؛ لأن الترتيب التنازلي يقتضي أن يكون المستوى الأول هو الأسبق في زمن النزول، ثم يتلوه المستوى الثاني، ثم يتلوه المستوى الثالث، ولكن الحقيقة أن ترتيب النزول يقول غير ذلك، فترتيب النزول للسور السابق ذكرها في مستويات التحدي هي وفق ترتيب النزول الإسراء ثم يونس ثم هود ثم الطور ثم البقرة.
ومن هنا جد بعض الباحثين في محاولة التوفيق بين هذه الآيات وتعليل أسباب النزول، أو الوقوف حيالها موقف التسليم والإذعان. (١)
ترتيب الزركشي والسيوطي لآيات التحدي:
وقد رتبها على ترتيب النزول صاحبا البرهان والإتقان كذلك على النحو التالي:
فأولها: آية الإسراء.
وثانيها: آية يونس.
وثالثها: آية هود.
ورابعها: آية الطور "وكلها مكي".
وخامسها: آية البقرة في المدينة. (٢)
стр. 47
ويرى الزمخشري والبيضاوي والرازي وأبو حيان وابن كثير وابن عاشور والرافعي وغيرهم أن آية هود نزلت قبل آية يونس.
مشاهد التحدي بين العجز والإعجاز:
في أشد مشاهد ووقائع التحدي لأهل اللغة والفصاحة والبيان يقول تعالى: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨).
يقول ابن كثير ﵀:
" محمد- ﷺ -بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله- ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا". (١)
ويقول البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ -:
"نزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقًا لأتوا بمثله". (٢)
ويقول أبو السعود: (ت: ٩٨٢ هـ)
"قل للذين لا يعرفون جلالة قدر التنزيل ولا يفهمون فخامة شأنه الجليل، بل يزعمون أنه من كلام البشر. لئن اجتمعت الإنس والجن أي: اتفقوا. على أن يأتوا بمثل هذا القرآن المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى، وتخصيص الثقلين بالذكر; لأن المنكر لكونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة". (٣)
стр. 48
ويقول ابن سعدي ﵀:
" وهذا دليل قاطع، وبرهان ساطع، على صحة ما جاء به الرسول وصدقه، حيث تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لا يأتون بمثله، ولو تعاونوا كلهم على ذلك لم يقدروا عليه.
ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي أعدائه المكذبين به، متوفرة على رد ما جاء به بأي وجه كان، وهم أهل اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهل وتمكن من ذلك لفعلوه.
فعلم بذلك، أنهم أذعنوا غاية الإذعان، طوعًا وكرهًا، وعجزوا عن معارضته.
وكيف يقدر المخلوق من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الذي ليس له علم ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا، والأشجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله". (١)
ولقد مكث النبي- ﷺ في مكة قرابة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله ويؤسس معالم التوحيد ويفضح ويقارع معاقل الشرك والوثنية، والقرآن المكي يتنزل عليه بآيات وسور زواجر وروادع، وهو يتلو عليهم آياته ويتحداهم بها، وبعد هجرته تتابع الوحي المدني نزولًا وتجدد تحديًا مرة أخرى فنزلت سورة البقرة المدنية يتجدد معها عهد التحدي، ونزل قوله تعالى: (وإِن كُنتم في ريْبٍ ممّا نزّلْنا على عبدِنا فأتوا بسُورةٍ من مِّثْلِه، وادعُوا شُهداءَكم مِّن دُونِ الله اِن كُنتم صادقين، فإن لَّم تفعلوا، ولن تفعلوا، فاتّقوا النّارَ … ) (البقرة: ٢٣ - ٢٤).
يقول القرطبي: (ت: ٦٧١ هـ)
"ولن تفعلوا: أي لن تطيقوا ذلك فيما يأتي .. وفيهِ إثارة لهِمَمِهم وتحريكٌ لنفوسهم، ليكون عجزُهم بعد ذلك أبدع .. وهذا من الغيوب التي أخبر الله بها في القرآن قبل وقوعها". (٢)
"وقد تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم تخرجهم أنفة التحدي وصبروا على نغص العجز مع شدة حميتهم وقوة أنفتهم وقد سفه أحلامهم وسبَّ أصنامهم ولو وجدوا إلى المعارضة سبيلاً وكان في
стр. 49
مقدورهم داخلاً وقد جعله حجة لهم في رد رسالته لعارضوه ولما عدلوا عنه إلى بذل نفوسهم في قتاله وسفك دمائهم في محاربته". (١).
عجز أهل الفصاحة عن تحدي القرآن مع توفر كامل دواعي التحدي:
لقد أيد الله تعالى خاتم أنبيائه ﷺ بالمعجزة الخالدة الباقية، ألا وهي القرآن الكريم، وحتى يقيم الله تعالى الحجة على الكافرين والمعاندين فقد أمره ربه سبحانه بتلاوة كلامه عليهم كما قال جل في علاه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) - (التوبة: ٦).
يقول الشوكاني: (ت: ١٢٥٠ هـ)
" (فَأَجِرْهُ) أي كن جارًا له مؤمِّنًا محاميًا (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) منك ويتدبره حق تدبره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه". (٢)
"فلولا أن سماعه آية حجة عليه، لم يقف أمره على سماعه، ولا يكون حجة إلا وهو معجزة.
هذا وهم الفصحاء اللد، وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعًا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه، بل عدلوا إلى العناد تارة، وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: سحر، وتارة قالوا: شعر، وتارة قالوا: أساطير الأولين. كل ذلك من التحير والانقطاع ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم، وسبي
ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شيء، وأشده حمية فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه، لأنه كان أهون عليهم.
стр. 50
قال الجاحظ "المعتزلي ": (١)
بعث الله محمدًا- ﷺ -أكثر ما كانت العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر، وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية، دون الجهل والحيرة،
حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحًا ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذبًا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة.
فكلما ازداد تحديًا لهم بها وتقريعًا لعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا قال: فهاتوها مفتريات فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه، ويكايد فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض.
فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستحالة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه، وخطباء أمته لأن سورة واحدة وآيات
стр. 51
يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال.
وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور.
ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال - أكرمك الله - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه، وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر ". (١).
وإن كان التحدي باقيًا إلى قيام الساعة، فإن العرب وهم أهل الفصاحة والبيان عجزوا مع توفر كامل دواعي التحدي.
"وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي عجز للغة العربية في ريعان شبابها، وعنفوان قوتها والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور ظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقائق العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره، وهذا ما أُجْمِلِ في القرآن، أو أُشِيِرَ إليه فيه، فصار القرآن بهذا معجزًا للإنسانية كافة". (٢)
يقول وحيد الدين خان ﵀: (ت: ١٣٤٣ - ١٣٤٤ هـ)
" إنه أغرب تحدٍ في التاريخ وأكثره إثارة للدهشة .. فلم يجرؤ احدٌ من الكُتّاب في التاريخ الإنساني - وهو بكامل عقله - أن يقدِّم تحدِّيًا مماثلًا .. فليس هناك مؤلِّف يمكنُ أن يضعَ كتابًا يستحيلُ على الآخَرين أن يكتُبوا مثلَه أو خيرًا منه .. فمن الممكن إصدارُ مثيلٍ من أي عمل إِنساني في أي مجال، ولكن حين يُدّعىَ أن هناك كلامًا ليس في إمكان البشر الإِتيان بمثله .. ثم تخفق البشرية على مدى
стр. 52
التاريخ .. في مواجهة هذا التحدي .. حينئذ يثبت تلقائيًا أنه كلام غير إنساني .. وأنها كلمات صدرت عن صميم المنبع الإلهي (١)، وكل ما يخرج من المنبع الإلهي لا يمكن مواجهة تحدياته". (٢)
عرض الأقوال الواردة في مراحل التحدي بالقرآن ومناقشتها:
"والتحدي جاء مرة بالإتيان بمثل القرآن كله، ومرة بعشر سور، ومرة بسورة، ومرة بحديث مثله. فهل جاء التحدي بالقرآن متدرجًا من الأكثر إلى الأقل أم لا؟ للعلماء في مراحل التحدي بالقرآن الكريم أقوال:
القول الأول:
وهو قول جمهور علماء التفسير والبلاغة أن التحدي كان متدرجًا بالقرآن كله كما في سورة الإسراء والطور، ثم تحداهم بعشر سور في سورة هود، ثم تحداهم بسورة في سورة يونس، ثم بسورة من مثله في سورة البقرة، ولكن هذا القول لا يساعد عليه ترتيب نزول القرآن الكريم.
القول الثاني:
رتب آيات التحدي ترتيب النزول وأنه كان متدرجًا أيضًا، إلا أن التحدي بسورة وقع قبل التحدي بعشر سور، ثم ذهب أصحاب هذا القول يعللون ذلك بتعليلات ليس فيها ما يقنع.
القول الثالث:
وهو ما أرى صوابه أن القولين السابقين قاما على تصور أن الإتيان بمثل القرآن أصعب من الإتيان بمثل عشر سور وأن الإتيان بالعشر أصعب من الإتيان بسورة وهذا غير صحيح. لأن القرآن كله قليله وكثيره على حد سواء في الإعجاز، فليس الإتيان بسورة أسهل من الإتيان بالقرآن كله
فالتحدي في القرآن بالكيف لا بالكم وبالنوع لا بالمقدار فلا يهم إذًا أن يكون التحدي بسورة جاء قبل التحدي بعشر سور أو قبل التحدي بالقرآن كله.
واستحالة المجيء بمثل سورة من القرآن كاستحالة المجيء بعشر سور، واستحالة المجيء بمثل القرآن كله على حد سواء فكل ذلك متعذر، ولذا فلا أثر للاختلاف في ترتيب آيات التحدي ما دام لا يترتب عليه أثر في قوة التحدي والعجز كان عن الإتيان بجنس القرآن لا عن مقداره. (٣)
стр. 53
والعجز عن الإتيان بحديث مثله هو العجز نفسه عن الإتيان بسورة منه، وهو العجز نفسه عن الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، والجذم بترتيب آيات التحدي من الكثرة إلى القلة لا يؤثر في كون العجز عن الإتيان بسورة أو عشر سور أو بمثله كله محال، وذلك لأن التحدي قائمًا عن الإتيان بالقرآن نفسه لا عن الإتيان بمقدار منه فحسب.
عرض الأقوال الواردة في مقدار المعجز من القرآن الكريم ومناقشتها:
ومما يتصل بالحديث حديث عن القدر المعجز من القرآن الكريم، فقد وقع في هذا القدر خلافًا أيضًا على أقوال هي:
القول الأول:
أن الإعجاز متعلق بجميع القرآن لا ببعضه وهذا القول مردود بالآيات التي تتحدى بعشر سور وبسورة واحدة أو حديث مثله.
القول الثاني:
أن الإعجاز متعلق بسورة تامة طويلة أو قصيرة وهذا رأي الجمهور، وزاد بعضهم أنه يتعلق أيضًا بقدر سورة تامة (١) من الكلام بحيث يظهر به تفاضل قوى البلاغة، وأقصر سورة في القرآن هي سورة الكوثر ثلاث آيات فيكون مقدار هذه السورة من الآيات معجز.
القول الثالث:
أن الإعجاز يتعلق بقليل القرآن وكثيره لقوله تعالى: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور: ٣٤) والتحدي بجنس القرآن لا بالمقدار كما مر بنا بيانه، وهذا هو الراجح، والله أعلم. (٢)
غير أن التحدي بكلمة لم يقع، وقد مر بنا مناقشته، والحمد لله.
وفي نحو هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ت: ٧٢٥ هـ)
"وَالْقُرْآنُ نَفْسُهُ فِيهِ تَحَدِّي الْأُمَمِ بِالْمُعَارَضَةِ، وَالتَّحَدِّي هُوَ أَنْ يَحْدُوَهُمْ: أَيْ يَدْعُوَهُمْ فَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَنْ يُعَارِضُوهُ، فَيُقَالُ فِيهِ: حَدَانِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ: أَيْ بَعَثَنِي عَلَيْهِ، وَمِنْهُ سُمِّي حَادِي الْعِيسِ؛ لِأَنَّهُ بِحِدَاهُ يَبْعَثُهَا عَلَى السَّيْرِ.
وَقَدْ يُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ بِالتَّحَدِّي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَلَكِنَّهُ أَصْلُهُ الْأَوَّلُ، قَالَ تَعَالَى: فِي سُورَةِ الطُّورِ: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) [الطور: ٣٣].
خَارِقًا لِلْعَادَةِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ ثُبُوتُ الْمَعْلُومِ، وَإِلَّا كَانَ الْعِلْمُ جَهْلًا، فَثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ. (١)
استمرار التحدي بالقرآن الكريم:
"والتحدي في القرآن الكريم ليس خاصًّا بأمة دون أمة أو عصر دون عصر بل هو باق ما بقى القرآن يعلن للناس تحديه فقوله عز شأنه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ .. ) (الإسراء: الآية ٨٨) الآية. عام يشمل جميع الإنس في جميع العصور
ولأن القرآن خاتم الكتب والرسول ﷺ خاتم الرسل والإسلام خاتم الأديان (٢)، فقد اقتضت الحكمة بقاء المعجزة لتكون شاهدة على كل جيل كما هي شاهدة على الجيل الأول.
ولئن عجز الجيل الأول وهم أهل الفصاحة والبلاغة وأهل البيان والبديع عن الإتيان بمثل هذا القرآن أو بعضه أو مجرد محاولة ذلك لعلمهم سلفًا بعجزهم عن ذلك فإن من بعدهم أعجز وأبعد عن الاستطاعة، فالإعجاز مستمر والتحدي قائم إلى يوم القيامة". (٣)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الإعجاز
" … نَفْسُ نَظْمِ الْقُرْآنِ وَأُسْلُوبِهِ عَجِيبٌ بَدِيعٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِنَظِيرِ هَذَا الْأُسْلُوبِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الشِّعْرِ وَلَا الرَّجَزِ وَلَا الْخَطَابَةِ وَلَا الرَّسَائِلِ، وَلَا نَظْمُهُ نَظْمُ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ عَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، وَنَفْسُ فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَتِهِ هَذَا عَجِيبٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي كَلَامِ جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَبَسْطُ هَذَا وَتَفْصِيلُهُ طَوِيلٌ، يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ نَظَرٌ وَتَدَبُّرٌ.
وَنَفْسُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي بَابِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، أَمْرٌ عَجِيبٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، لَمْ يُوجَدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ بَشَرٍ، لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِ نَبِيٍّ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْجِنِّ وَخَلْقِ آدَمَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَفْسُ مَا أَمَرَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنَ الدِّينِ، وَالشَّرَائِعِ كَذَلِكَ، وَنَفْسُ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْأَمْثَالِ، وَبَيَّنَهُ مِنَ الدَّلَائِلِ هُوَ - أَيْضًا - كَذَلِكَ.
بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول- ﷺ لفظه ومعانيه والحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ التي نقلوها أيضًا عن الرسول- ﷺ مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب، والحمد لله الذي بعث فينا رسولًا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا الذي أنزل الكتاب تفصيلًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: ١١١). (١)
وجوه إعجاز القرآن الكريم:
يقول القرطبي-﵀ في تفسيره: ووجوه إعجاز القرآن عَشْرَةٌ:
الوجه الأول: النَّظْمُ الْبَدِيعُ الْمُخَالِفُ لِكُلِّ نَظْمٍ مَعْهُودٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَفِي غَيْرِهَا …
الوجه الثاني: الْأُسْلُوبُ الْمُخَالِفُ لِجَمِيعِ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ.
الوجه الثالث: الْجَزَالَةُ الَّتِي لَا تَصِحُّ مِنْ مَخْلُوقٍ بِحَالٍ …
الوجه الرابع: التَّصَرُّفُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ عَرَبِيٌّ، حَتَّى يَقَعَ مِنْهُمُ الِاتِّفَاقُ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى إِصَابَتِهِ فِي وَضْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ وَحَرْفٍ مَوْضِعَهُ.
الوجه الخامس: الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في أول الدنيا إلى وقت نزوله مِنْ أُمِّيٍّ مَا كَانَ يَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، فَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ مِنْ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ أُمَمِهَا، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ فِي دَهْرِهَا، وَذَكَرَ مَا سَأَلَهُ أَهْلُ الكتاب عنه، وتحدوه به من قصص أَهْلِ الْكَهْفِ، وَشَأْنِ مُوسَى وَالْخَضِرِ ﵉، وَحَالِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَجَاءَهُمْ وَهُوَ أُمِّيٌّ مِنْ أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، لَيْسَ لَهَا بِذَلِكَ عِلْمٌ بِمَا عَرَفُوا مِنَ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ صِحَّتَهُ، فَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ …
الوجه السادس: الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، المدرَك بالحسن فِي الْعَيَانِ، فِي كُلِّ مَا وَعَدَ اللَّهُ سبحان، وَيَنْقَسِمُ: إِلَى أَخْبَارِهِ الْمُطْلَقَةِ، كَوَعْدِهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ ﵇، وَإِخْرَاجِ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُ مَنْ وَطَنِهِ. وإلى مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ، كَقَوْلِهِ:) وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق من آية: ٣) … و (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ
يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن من آية: ٣) … (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق من آية: ٢) وَ (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) (الأنفال من آية: ٦٥)، وَشِبْهُ ذَلِكَ.
الوجه السابع: الْإِخْبَارُ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ، فمن ذلك:
стр. 61
مَا وَعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﵇ أَنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف: ٩). فَفَعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (النور: ٥٥) وَقَالَ: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ). (الفتح من آية: ٢٧) وَقَالَ: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ) (الأنفال من آية: ٧) وَقَالَ: (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم: ١ - ٣). فَهَذِهِ كُلُّهَا أَخْبَارٌ عَنِ الْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَقِفُ عَلَيْهَا إِلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ، أَوْ مَنْ أَوْقَفَهُ عَلَيْهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْقَفَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ لِتَكُونَ دَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ.
الوجه الثامن: مَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ قِوَامُ جَمِيعِ الْأَنَامِ، فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَفِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ.
الوجه التاسع: الْحِكَمُ الْبَالِغَةُ الَّتِي لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ تَصْدُرَ فِي كَثْرَتِهَا وَشَرَفِهَا مِنْ آدَمِيٍّ.
الوجه العاشر: التَّنَاسُبُ فِي جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء: ٨٢). قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. (١)، وكلام القرطبي ﵀ آنفًا ورد بصيغ مختلفة في اللفظ، ولكنها متقاربة ومتجانسة في المعنى والفحوى.
وبشيء من بعض البيان في قول القرطبي بأن وجوه إعجاز القرآن عشرة، نقول:
الوجه الأول: النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها؛ لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء، وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه:
(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) (يس: ٦٩).
وفي صحيح مسلم أن أُنيسًا أخا أبي ذرٍّ ﵁ قال لأبي ذرٍّ: لقيت رجلاً بمكَّةَ على دِينك، يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال يقولون: شاعرٌ، كاهنٌ، ساحرٌ، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكَهَنَةِ، فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادقٌ وإنهم لكاذبون (٢).
стр. 62
وكذلك أقرَّ عُتبة بن ربيعة أنه ليس بسِحر ولا بشِعر، لما قرأ عليه رسول الله- ﷺ : "حم" فُصلت، (١)، فإذا اعترف عُتبة - على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة - بأنه ما سَمِعَ مثل القرآن قَطُّ، كان في هذا القول مُقِرًّا بإعجاز القرآن له، ولضربائه من المتحقِّقين بالفصاحة، والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه.
ولاشك في أن الله تحداهم بالقرآن بأبلغ عبارة وأشد أسلوب في التحدي ليحفز هِممهم ويوخز ضمائر نفوسهم ليأخذوا أُهبتهم واستعدادهم ويجلبوا على ذلك بخيلهم ورجلهم، ولاشك في توافر دواعي أدوات وأسلحة التحدي لديهم بكل ما يقتضيهم أن ينازلوا به، من فصاحة لغة، وقوة وروعة بيان، مع طلاقة لسان، فعجزوا في أن يأتوا بمثله، أو بعشر سورة من مثله، أو بسورة من مثله، ولا ريب في أنهم انتفى عنهم كل ما يَمنعهم من هذا التحدي او معارضته من كل جهة، لفظية كانت أو معنوية أو حتى زمنية؛ هذا كله مع أن القرآن نزل بلغتهم وفيهم علماء من أهل الكتاب، وقد أنزله الله مُفرَّقًا ومنجمًا في ثلاث وعشرين سنة، وقد أمهلهم الله بذلك ليمكنهم من تحديه، ولكنهم عجزوا، ومع هذا كله لم يحاولوا، ولم يمكنهم أن يأتوا بمثله، بل لم يستطيعوا معارضته،
ولو أمكنهم المجيء بمثله، لنصروا آلهتهم، وأبطلوا حُجة من جاء بالقرآن، ففرق جمعهم، وخالف بين كلمتهم، وعاب آلهتهم وسفَّه أحلامهم، ولكَفَوا أنفسهم وعشيرتهم وأهليهم ويلات حربه وقتاله ونزاله طيلة بقائه ومكثه فيهم.
ولكنهم بدلوا المعارضة والتحدي بالتكذيب والعداوة والحقد بل وبالمحاربة والمقاتلة، وهذا كله استسلام منهم واعترافٌ بعجزهم عن محاجته معارضته، وتسليم منهم بأن هذا فوق قدرة البشر، وبرهان على أنه من عند الله، شاءوا ذلك أم أبوا، ولو تغايرت أساليب ومفاهيم العجز والاعتراف بأن القرآن كلام الله لا كلام البشر ..
الوجه الثاني: الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب. والتي منها الشعر والنثر والسجع، وما ورد فيها من أساليب، هذا مع ما أُتوا من فصاحة وبلاغة، وقوة تعبير، وسحر بيان، ولقد كانت أسواقهم ونواديهم ومجالسهم ميادينَ للتنافس بين فصحائهم وبلغائهم في الخطابة والحماسة والشعر وضرْب الأمثال. والقرآن ليس كذلك أبدًا.
وبهذا الأسلوب المغاير لأساليبهم وأفانينهم وقوتهم في البلاغة والفصاحة أعجزهم الله في أبين مظاهر قوَّتهم، فأقحمهم وهزمهم في أعز وأقوى ميادينهم التي صالوا وجالوا فيها فصاحة وبلاغة،
стр. 63
شعرًا ونثرًا، خطابة وحماسة، وأقنعهم بما لا سبيل لهم إلى مجادلته ومحاجته، وأقام لهم برهانًا هم أقدر الناس على فهمه وإدراك معانيه، والاستسلام لسلطانه، والانقياد والإذعان لما ورد فيه.
وبذلك قد أقام الله كتابه على صدق رسالة نبيه الأمي المؤيد بالوحي من الله، والصادق في دعواه أنه رسول من عند الله- ﷺ .
الوجه الثالث: الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (ق: ١)، إلى آخرها، وقوله سبحانه: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الزمر: ٦٧)، إلى آخر السورة، وكذلك قوله سبحانه: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) (إبراهيم: ٤٢)، إلى آخر السورة.
قال ابن الحصار القرطبي المالكي (١):
فمن علم أن الله هو الحق، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) (غافر: ١٦)، ولا أن يقول: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء) (الرعد: ١٣).
يتابع ابن الحصار ويقول:
وهذه الثلاثة من النظم، والأسلوب، والجزالة، لازمةٌ كلَّ سورة، بل هي لازمةٌ كلَّ آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدي والتعجيز،
ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة، من غير أن ينضافَ إليها أمرٌ آخر من الوجوه العشر، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قِصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمنت الإخبارَ عن مُغَيَّبَين:
أحدهما: الإخبار عن الكوثر، وعظمه، وسعته، وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرُّسُل.
والثاني: الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على ما يقتضيه قوله الحق: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا) (المدثر: ١١ - ١٤)، ثم أهلكَ الله سبحانه ماله وولده، وانقطع نسله.
الوجه الرابع: التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقلُّ به عربيٌّ، حتى يقعَ منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.
стр. 64
الوجه الخامس: الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزولِه من أمِّيٍّ ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصص أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، فجاءهم - وهو أُميٌّ من أمَّةٍ أُمِّيَّة، ليس لها بذلك علم - بما عرفوا من الكتب السالفة صحته، فتحققوا صدقه.
قال الباقلاني (ت: ٤٣٠ هـ) ﵀ -: (١)
ونحن نعلم ضرورة أنَّ هذا مما لا سبيلَ إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفًا أنه لم يكن ملابسًا لأهلِ الآثار، وحَمَلَةِ الأخبار، ولا مترددًا إلى التعلم منهم، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقعَ إليه كتاب فيأخذ منه، عُلِمَ أنه لا يصِلُ إلى علمِ ذلك إلا بتأييد من جهة الوَحي.
الوجه السادس: الوفاء بالوعد، المدرك بالحسن في العِيان، في كلِّ ما وعدَ الله سبحان، وينقسم إلى:
أخباره المطلقة: كوعده بنصر رسوله-﵇، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه.
وإلى مقيد بشرط: كقوله: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: ٣) (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: ١١) (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) (الطلاق: ٢) و (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ) (الأنفال: ٦٥) وشبه ذلك.
الوجه السابع: الإخبار عن المُغَيَّبات في المستقبل التي لا يُطَّلَعُ عليها إلا بالوحي، فمن ذلك: ما وعد الله نبيه ﵇ أنه سَيُظهِرُ دينه على الأديان بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) (التوبة: ٢٣)، الآية، ففعل ذلك، وكان أبو بكر-﵁ إذا أغزَى جيوشه عرَّفَهم ما وعدهم الله في إظهار دينه، ليَثِقُوا بالنصر، وليَسْتَيقِنوا بالنُّجْح، وكان عمر
يفعل ذلك (٢). فلم يزل الفتح يتوالى شرقًا وغربًا، برًا وبحرًا، قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (النور: ٥٥) وقال: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) (الفتح: ٢٧) وقال: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ) (الأنفال: ٧) وقال: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم: ١ - ٣).
стр. 65
فهذه كلُّها أخبار عن الغيوب التي لا يَقِفُ عليها إلا ربُّ العالمين، أو من أوقفه عليها ربُّ العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكونَ دلالة على صدقه.
الوجه الثامن: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قِوامُ جميع الأنام، في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام.
الوجه التاسع: الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدميّ.
الوجه العاشر: التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرًا وباطنًا من غير اختلاف، قال الله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء: ٨٢).
قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم)). (١)(٢).
وقد انتفت لديهم جميع الموانع الحسية والمعنوية من أن يأتوا بمثل كلام الله، نزل القرآن بلغتهم، وحروفه وكلماته وآياته وسوره مكونة من حروف لغتهم التي تتكون منها كلماتهم وألفاظهم، وأساليب القرآن إنما وردت على نفس نظم وطريقة أساليبهم، وهم ملوك البلاغة والفصاحة والبيان، شعرًا ونثرًا، وهم أساطين فنون البلاغة وصنوفها والفصاحة كلها، وهم فرسان الحكمة والأمثال، وهم مع ذلك كله أهل حنكة ودربة وتجارب، وفيهم كهنة وسحرة وُّرهبان من أهل الكتاب، وقد دعاهم الله في هذا التحدي أن يجتمعوا على ذلك ويستعينوا بمن شاءوا أن يستعينوا به؛ ليتموا عجزهم، ويُكملوا نقصهم، ويتأهبوا عدتهم لذلك، فعجزوا، وهم كما وصفهم الله سبحانه بقوله: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة: ٣٢).
وعلى كل حال فإنه لا يستطيع بشر مهما أُوتي من علم وفهم وبلاغة وفصاحة أن يحصي وجوه إعجاز القرآن كلها؛ لأن وجوه إعجاز القرآن لا يمكن أن يحصيها إلا من تكلم به، وليس بمقدور بشر أن يحيط علمًا بكلام الله الذي أنزله، وليس بمقدوره كذلك أن يحيط علمُهُ بما أحاط اللهُ به علمًا.
وإنما غاية إدراكه واستطاعته أن يعدد ما بينه الله وأظهره في كتابه من جوه الإعجاز البلاغية واللفظية والعلمية والتشريعية ونحو ذلك مما بينه الله في كتابه.
هذا مع العلم بأن إعجاز القرآن ليس بمحصور في تقرير حقائق علمية، ما كان لأحد من الخلق علمٌ بها قط، ولا من ناحية ما قَصه الله عن الأُمم الغابرة، وصراع الرسل مع المعاندين والمكذبين لدعوتهم فحسب، ولا من ناحية فصاحة ألفاظ القرآن وبلاغة أساليبه وبراعة بيانه، ولا من ناحية
стр. 66
اتِّساق أوجه تشريعاته وتناسق أحكامه، ولا من جهة مناسبتها لأحوال البشر، ولا من جهة كونها صالحة لكل زمان ومكان، وإنما إعجازه جاء من كل وجه وشمل كل جوانب الإعجاز ونواحيه، وكلما زاد تثور القرآن ومدارسته وتدبر آياته، كلما ظهرت وتجلَّت أوجه إعجازه، وكلما أعمل الإنسان عقله وأنصفه نفسه من نفسه ورفع الغشاوة عن قلبه، أبصر بنور البصيرة حقيقة العجز والتسليم بأن القرآن ليس بكلام البشر، بل هو: (تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت من آية: ٤٢)، وأن الذي - نطَق به لسان النبي الأمي- ﷺ الذي لم يقرأ ولم يكتب ولم يتلق تعليمًا، ازداد بذلك يقينًا بأن القرآن كلام الله حقًا، وأن أوجه إعجازه فوق طاقة البشر قاطبة ولو اجتمعوا على ذلك صدقًا.
فمن أين لهذا النبي الأُمِّي أن يأتي بأخبار الأمم السابقة وبالأخبار اللاحقة الصادقة، ويخبر عما سيقع، ويخبر عن مراحل تكوين الجنين في بطن أُمه، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، مع ما حواه من
أخبار ملكوت الله في العالم العلوي والسفلي وما تضمنه من إعجازات وحقائق علمية لم يتمكن البشر للوصول إلى بعض منها إلا بعد قرون من نزول القرآن وبوسائل حديثة لم تتوفر ولم تتواجد إلا بعد مضي قرون طويلة من نزول القرآن، كمراحل تكوين الجنين في بطن أُمه، وما في نحوها كما أسلفنا.
من أين له هذا كله وقد نشأ في بيئة أمية، وقد أخبر عن أمم هلكت وبادت عن بكرة أبيها، فأين درس تأريخهم؟، ومن أين تلقى قصصهم؟، ومن أين عرف أخبارهم، فهم قد هلكوا وبادوا وبادت معهم آثارهم، أليس في هذا دليل قاطع وبرهان ساطع على أنه مبلَّغ عن ربه الحكيم العليم، وإلى هذا الوجه من وجوه الإِعجاز وأمثاله قال الله - سبحانه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: ٤٩).
وكما وصف الله تعالى كتابه الكريم بعظيم القدر، وعلو المنزلة، ورفعة المكانة،
و كل هذه الأوصاف دالة على أن الله قد تولى حفظه من أن يزاد فيه أو ينقص منه، لأن هذه الأوصاف لا يمكن اكتمالها إلا بحفظ الله لكتابه على الدوام.
كما قال ربنا في صدر سورة الزخرف: (حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف: ١ - ٣)
يقول ابن كثير ﵀ -:
"قوله تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) بين شرفه في الملأ الأعلى، ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى: (وإنه) أي: القرآن (فِي أُمِّ الْكِتَابِ) أي: اللوح المحفوظ، قاله
стр. 67
ابن عباس، ومجاهد، (لدينا) أي: عندنا، قاله قتادة وغير، (لَعَلِيٌّ) أي: ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل، قاله قتادة: (حكيم)
أي: محكم بريء من اللبس والزيغ. وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال:
(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة: ٧٧ - ٨٠). وقال: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس: ١١ - ١٦) ". (١)
قد مر معنا آنفًا بيان قول القرطبي في أوجه الإعجاز العشرة، والحقيقة أنه يصعب جدًا حصرها، لكنه ذكر أبرزها وأبينها.
غير أن المعتزلة ومن سلك سبيلهم واقتفى آثارهم من بعض متقدمي الأشاعرة وغيرهم أيضًا قد أضافوا وجهًا آخر للإعجاز، ظنوه من الإعجاز وما هو من الإعجاز في شيء، وإنهم بقولهم هذا قد زعموا أن إعجاز القرآن أمرًا خارجًا عنه وليس إعجازًا ذاتيًا فيه، ولا شك أبدًا في بطلان قولهم
جملة وتفصيلًا، ولقد ناقشه أهل العلم وفندوه وردوه ودحضوا شبهته ونسفوه بمنجنيق الأدلة ألا وهو "القول بالصَّرْفة".
وبما أن الكلام هنا عن الإعجاز والتحدي فإن مما يَجدُر بنا بحثه ومدارسته ومناقشته ها هنا بشيء من الإيضاح والتفصيل أيضًا-"القول بالصَّرْفة"-، ذلك على أن القائلين به يعدونه وجهًا عظيمًا من وجوه الإعجاز.
تمهيد في وقفة مع مناقشة القول بالصَّرْفة
البشر عجزوا ما استطاعوا أن يعارضوا هذا القرآن، ولكن هذا العجز ليس كما يقول المعتزلة إن الله صرفهم عن معارضته، وهذه عقيدة مشهورة قال بها المعتزلة يقال لها "الصَّرْفة"، يقولون إن الله صرف الناس عن معارضة القرآن فعجزوا، صرف هممهم ودواعيهم فما استطاعوا، لأنه سبحانه صرفهم فزعموا أن الإعجاز إنما هو أن الله صرفهم لا أن القرآن معجز بنفسه.
ولهذا قد اشتغل علماء السنة منذ أن ظهرت هذه البدعة وهذه العقيدة الفاسدة الباطلة بالرد عليها، لأن عقيدة الصَّرْفة عقيدة باطلة ونحن نقول كما قال أهل السنة القرآن لفظًا ومعنى هو دليل الإعجاز وهو دليل التحدي.
فالقول بهذه العقيدة، عقيدة: "الصَّرْفة" يعني أن القرآن في ذاته ليس فيه فضيلة في الامتياز ليس فيه فضيلة في التفوق، ولا شك أن هذا باطل بنصوص القرآن، لأن الله أخبر في القرآن وفي
стр. 68
نصوص كثيرة منه أنه تحدى العرب أن يأتوا بمثله ثم بإجماع الأمة على أن الإعجاز ذاتيٌ في القرآن غير منفك عنه بإجماعهم، لا كما تقول المعتزلة أن الإعجاز إنما هو في الصَّرْفة أي أن الله صرفهم فعجزوا، لا أن القرآن معجز بنفسه، إنما جعلوا الإعجاز في قدرة الله، فرجعت إلى صفة القدرة التي هي: أن الله بقدرته صرفهم فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، وهذا من أبطل الباطل ترده النصوص الكثيرة. (١)
ولا شك في أن القول بالصَّرْفة قولٌ باطلٌ وفاسدٌ، ويرد هذا القول الفاسد التحدي الوارد في غير ما موضع من كتاب الله ولاسيما قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)) (الإسراء: ٨٨).
يقول الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀ -:
" يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلَّذِينَ قَالُوا لَكَ: إِنَّا نَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، لَا يَأْتُونَ أَبَدًا بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَوْنًا وَظَهْرًا. وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ جَادَلُوهُ فِي الْقُرْآنِ،
وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ غَيْرِهِ شَاهِدَةٍ لَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْقُرْآنِ بِهِمْ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِهِ". (٢)
ولاشك في دلالة الآية على أن عجزهم قائم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا تلك القدرة لم يبق هناك أي فائدة لاجتماعهم.
ول مناقشة القول بالصَّرْفة لابد من بيان وإيضاح مسائل ومباحث هامة من أبينها ما يلي:
أولًا: مفهوم الصَّرْفة في اللغة والاصطلاح
أ- مفهوم الصَّرْفة في اللغة
فمن المناسب بمكان بيان معنى ومفهوم الصَّرْفة في اللغة ودلالتها.
الصَّرْفة لغة: على وزن فَعلَة، بفتح الفاء واللام وسكون العين- رد الشيء عن وجهه، يقال: صرفه يصرفه، صرفًا، فانصرف، وصارف نفسه عن الشيء: صرفها عنه، قال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) (التوبة: ١٢٧)
стр. 69
فقوله: - (ثم انصرفوا … ) أي: رجعوا عن المكان الذي استمعوا منه، وقيل: - انصرفوا عن العمل بشيء مما سمعوا، وقوله تعالى: - (صرف الله قلوبهم .. ) أي: - أضلهم الله مجازاة على فعلهم، وصرفت الرجل عني فانصرف). (١)
أي: صرف الله عن الخير والتوفيق والإيمان بالله ورسوله قلوبَ هؤلاء المنافقين (٢).
ويأتي الصرف بمعاني أخرى كالتوبة والتطوع والقيمة والعدل والمثل والميل والنافلة (٣).
فـ" أصلُ الصرفةِ من الفعلِ صرفَ، والصرفُ لغة هو ردُّ الشيءِ عن وجهِه". (٤)
يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: (ت: ١٧٠ هـ)
"الصَّرْفُ فَضْلُ الدَّرْهَم في القيمة وجَوْدةُ الفِضَّة وبيع الذَّهَبِ بالفضَّةِ ومنه الصَّيْرَفِيُّ لتَصريفه أحدهما بالآخَر". (٥).
وقال الراغب الأصفهاني:
" الصَّرْفُ: ردّ الشيء من حالة إلى حالة، أو إبداله بغيره، يقال: صَرَفْتُهُ فَانْصَرَفَ. قال تعالى: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) [آل عمران: ١٥٢]، وقال تعالى: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) (هود: ٨)، وقوله: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (التوبة: ١٢٧)، فيجوز أن يكون دعاء عليهم، وأن يكون ذلك إشارة إلى ما فعله بهم، وقوله تعالى: (فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا) (الفرقان: ١٩)، أي: لا يقدرون أن يَصْرِفُوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يصرفوا أنفسهم عن النّار. وقيل: أن يصرفوا الأمر من حالة إلى حالة في التّغيير، ومنه قول العرب: (لا يُقبل منه صَرْفٌ ولا عدلٌ)، وقوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِ) [الأحقاف: ٢٩]، أي: أقبلنا بهم إليك وإلى الاستماع منك، والتَّصْرِيفُ كالصّرف إلّا في التّكثير، وأكثر ما يقال في صرف الشيء من حالة إلى حالة، ومن أمر إلى أمر. وتَصْرِيفُ الرّياح هو صرفها من حال إلى حال. (٦).
стр. 70
ويقول ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ) في معجم مقاييس اللغة:
" صرف الصاد والراء والفاء معظم بابه يدل على رجع الشيء، من ذلك صرفت القوم صرفًا وانصرفوا اذا رجعتهم فرجعوا". (١)
وقيل إن الصَّرْفة:
"هي كوكب نير، وسمي هذا الكوكب بالصَّرْفَة لانصراف الحر عند طلوعه مع الفجر من المشرق وانصراف البرد إذا غرب مع الشمس، ويقال الصَّرْفَة ناب الدهر لأنها تفتر عن فصل الزمانين". (٢).
قال ابن قتيبة الدينوري: (ت: ٢٧٦ هـ) (٣)
"وسميت الصَّرْفَة لانصراف البرد و إقبال الحر (٤) وقد جعلها العرب في أسجاعهم، كقولهم: إذا طَلِعَت الصَّرْفة بكرت الخُرْفة وكثرت الطُّرْفة وهانت للضيف الكُلْفَة (٥) وكقولهم أيضًا إذا
طَلِعَت الصَّرْفَة احتَالَ كلُّ ذي حِرْفَة وقيل اخْتَالَ كلُّ ذِي خُرْفَة وجَفَرَ كلُّ ذي نُطْفَة وامْتِيزَ عن المياه زُلْفَة (٦).
وَالْعَرَبُ تَقُولُ:
الصَّرْفَةُ نابُ الدَّهْرِ لأَنها تفْتَرُّ عَنِ الْبَرْدِ أَو عَنِ الحَرّ فِي الْحَالَتَيْنِ؛ قَالَ ابْنُ كُناسةَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لانْصراف الْبَرْدِ وَإِقْبَالِ الْحَرِّ، وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ أَن يُقَالَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لانْصراف الحرِّ وَإِقْبَالِ الْبَرْدِ. والصَّرْفةُ: خرَزةٌ من الخرَز التي تُذْكر فِي الأُخَذِ (٧)، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ (٨): يُسْتَعْطَفُ بِهَا الرِّجَالُ يُصْرَفون بِهَا عَنْ مَذاهِبهم وَوُجُوهِهِمْ.
стр. 71
والخلاصة مما جاء أنفًا من معاني يعود إلى معنى التبدل والتحول وانتقال شيء إلى شيء، أو من حال إلى حال. (١).
ب- مفهوم الصَّرْفة اصطلاحًا
وبعد بيان مفهوم الصَّرْفَة في اللغة وبيان مدلولاتها، فمن المناسب كذلك بيان معناها في الاصطلاح ليكتمل معناها ويتضح فحواها ومبناها.
والصَّرْفة في الاصطلاح تعني:
١ - أن الله صرف همم العرب عن معارضة القرآن، وسلب عقولهم عنها، وكانت في مقدورهم، لكن عاقهم عنها أمر خارجي، فصار معجزة كسائر المعجزات، ولو لم يصرفهم عن ذلك لجاءوا بمثله. (٢)
٢ - وقيل تعني: صرف الهمم عن المعارضة (٣).
٣ - وقيل تعني: صرف اللهِ هممَ العرب عن معارضة القرآن (٤).
وهي كلها بمعنى واحد ألا وهو أن الصَّرْفة تعني:
أن معارضة العرب للقرآن كانت ممكنة وهي بمقدورهم، غير إن الله تعالى صرف همم عنها بقدرته.
ولا شك أن القول بالصَّرْفة كلام فاسد وباطل كما أسلفنا، ويلزم منه أن القرآن الكريم ليس بمعجز في حد ذاته، وسيأتي معنا بيان ذلك في محل بحثه بشيء من زيادة التفصيل والإيضاح والبيان.
ثانيًا: ما هو المقصود بالصَّرْفة ؟
أ- بيان معنى الصَّرْفة عند القائلين بها
والصَّرْفة لها عند أصحابها معنيان:
المعنى الأول: أنَّ الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتِهم عليها فكانَ هذا الصرفُ خارِقًا للعادة.
стр. 72
المعنى الثاني: أن الله سلبهم العلوم التي يحتاجُ إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن". (١)
وفي نحو ذلك يقول ابن سنان الخفاجي الشيعي الرافضي: (ت: ٤٦٦ هـ)
" إذا عدنا إلى التحقيق وجدنا إعجاز القرآن: صرف العرب عن معارضته، بأن
سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة، وقت مرامهم ذلك". (٢)
وبشيء من الإيضاح والبيان نبين المقصود بالصَّرْفة والتي تدور مادتها حول إثبات التحدي بالقرآن بالحيلولة بينه وبين العرب في أن يأتوا بمثله.
وفي بيان معنى هذا الوجه من بالصَّرْفة يقول الرّماني: (ت: ٣٨٤ هـ)
"أمّا الصَّرْفة فهي صرف الهمم عن المعارضة، وعلى ذلك كان يعتمد بعض أَهل العلم في أنّ القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة، كخروج سائر المعجزات الّتي دلّت على النبوة، وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز الّتي يظهر منها للعقول … ". (٣)
ب- المقاصد الثلاثة للقائلين بالصَّرْفة بشيء من التفصيل
وقد اختلف القائلون بالصَّرْفة في بيان حقيقة ما يقصدونه بها، فقالوا: إن الله سبحانه لأجل اثبات التحدي، حال بين فصحاء العرب وبلغائهم، وبين الاتيان بمثل القرآن بأحد الأمور الثلاثة التالية:
المقصد الأول: صرف دواعيهم وهممهم عن القيام بالمعارضة، فكلما هموا بها وجدوا في أنفسهم صارفًا ودافعًا يصرفهم عن منازلته في حلبة المعارضة، ولم يكن ذلك لعدم قدرتهم
عن الانصداع لهذا الأمر، بل إن المقتضى فيهم كان تامًا، غير أن الدواعي والهمم صارت مصروفة عن الالتفات لهذا الأمر، بصرف الله قلوبهم عنه، ولولا ذلك لأتوا بمثله.
المقصد الثاني: إن الله سبحانه سلبهم العلوم التي كانت العرب مالكة لها ومتجهزة بها، وكانت كافية للإتيان بما يشاكل القرآن، ولولا هذا السلب لأتوا بمثله ..
وممن تبنى هذا القول الشريف المرتضى الشيعي الرافضي (ت: ٤٦٣ هـ)
стр. 73
وهو المتهم بوضع كتاب (نهج البلاغة) المنسوب لأمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁، حيث يقول: " الله تعالى سلبهُمُ العلومَ التي يُحتاجُ إليها في مُعارضَةِ القرآنِ والإتيانِ بمثلِهِ". (١)
وقد تابع الشريف المرتضي على هذا القول ابنُ سنان الخفاجي الشيعي الرافضي: (ت: ٤٦٦ هـ) وقد مر معنا آنفًا قوله في الصَّرْفة.
المقصد الثالث: إنهم كانوا قادرين على المعارضة، ومجهزين بالعلوم اللازمة لها، ولكن الله منعهم بالإلجاء على جهة القسر من المعارضة، مع كونهم قادرين، فتقهقروا في حلبة المعارضة، لغلبة القوة الإلهية على قواهم. (٢)
وسنبين أن الصَّرْفة بكل صورها غير مقبولة، لأنها تسلب الاعجاز الذاتي للقرآن، وأنها وِهمُ ذهب إليه خيال القائلين بها دون سند أو دليل.
وفي نحو ما سبق يجمل القرطبي ﵀ القول فيقول:
" إن بعض أصحاب الصَّرْفة زعموا أن العرب صرفوا عن القدرة على القرآن ولو تعرضوا له لعجزوا عنه، وأن البعض الآخر زعموا أن العرب صرفوا عن التعرض للقرآن مع كونه في مقدورهم، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه، بمعنى أنهم لم يأتوا بمثله سابقًا، غير أنه لا يخرج عن حدود قدرتهم لولا أنه حيل بينهم وبين ممارسة ذلك الاقتدار". (٣)
ثالثًا: مصدر القول بالصَّرْفة
أ- المصدر الأول لفكرة القول بالصَّرْفة
لقد أجمعت الأمة سلفًا وخلفًا على أن القرآن معجز بذاته، وأن إعجازه بذاته لا بسبب خارج عنه، وقد بذلوا مهجهم في بيان أوجه إعجازه.
ومن ذهب إلى القول بالصَّرْفة أراد بذلك أن " إعجاز القرآن أمرًا خارجًا عنه ".
стр. 74
ويعزى القول بالصَّرْفة عند الباحثين الى أنه من التيارات التي وفدت علينا من الخارج … وأن بعض فلاسفة المسلمين، وقفوا على أقوال البراهمة في كتابهم - الفيدا - (١)، (٢) وهو يشتمل على مجموعة من الأشعار والآداب ليس في كلام الناس ما يماثلها - في زعمهم -، ويقول جمهور علمائهم: - إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثله … ، لأن - براهما- (٣) صرفهم عن أن يأتوا بمثلها …
وقد لاقى هذا الرأي انتقاضًا من أحد الباحثين. محتجًا بأن البراهمة لم يقولوا مثل أشعار الفيدا احترامًا لها، وليس بمقتضى التكوين، ثم إن كلام البراهمة في الفيدا كان محل سخرية العقل الإسلامي، فلا مستنصر لهذا الرأي. (٤)
وكل هذا لا ينكر وجود التأثر، فالتأثر برأي لا يوجب نقله كاملًا، كما أن السخرية بالبراهما قد تؤدي إلى تنزيل الصرف على القرآن، وإن كان من وجه مختلف لأنه الكتاب المعجز حقًا. (٥)
وفي نحو ذلك يقول أبو الريحان البيروني (ت: ٤٣٠ هـ) في كتابه - "ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" - ما نصه:
" إن خاصتهم يقولون إن في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها، ولكنهم ممنوعون عن ذلك احترامًا لها، ولم يبين - البيروني- وجه المنع، أهو منع تكليفي يسبقه الإيمان بهذه الكتب، وتكون دلائل وجوب الإيمان من نواح أخرى .. ؟ أم هو منع تكويني .. بمعنى: أن -براهما- صرفهم بمقتضى التكوين عن أن يأتوا بمثلها … ؟ وهذا الأخير هو الظاهر، لأنه هو الذي يتفق مع قول جمهور علمائهم، وما اشتهروا به من أن القول بالصرفة نبع في واديهم …
стр. 75
ب- كيفية وفود فكرة القول بالصرفة إلينا، وبيان المصدر الثاني الذي تلقها وروج لها
ولقد وفدت إلينا هذه الفكرة عندما ترجمت الفلسفة الهندية في عهد - أبي جعفر المنصور (وهو الخليقة الثاني من خلفاء بني العباس ت: ١٥٦ هـ)، فتلقف الذين يحبون كل وافد من الأفكار، ويركنون إلى الاستغراب في أقوالهم، هذه الفكرة الغريبة الوافدة، واعتنقوا هذا القول وطبقوه على القرآن، وإن كان لا ينطبق، فقال قائلهم: إن العرب اذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن، ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه، ومعانيه، ونسجه ونظمه، بل كان لأن الله تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله … " (١)
فلا غرابة في انتقال قول - البراهمة - في كتابهم المقدس - الفيدا - إلى بعض المسلمين، عن طريق الذين يتلقفون كل وافد من الأفكار، وهي ليست أول وآخر فكرة انتقلت من الفكر البراهمي إلينا، يعرف ذلك كل من وقف على حقيقة ذلك الفكر.
إن رواج فكرة - الصَّرْفة - يؤدي الى أن القرآن الكريم ليس في درجة من الفصاحة والبلاغة تمنع محاكاته، وتعجز القدر البشرية عن أن تأتي بمثله، فالإعجاز القرآني عند القائلين - بالصَّرْفة - ليس من صفات القرآن الذاتية، وبالتالي ما دامت بلاغة القرآن لا تزيد على بلاغة سائر الناس، فمؤدى كلامهم: أن يكون القرآن من جنس
كلام البشر (٢)
وحول كيفية انتقال القول بالصَّرْفة إلى رحاب المسلمين يوضح ويجلي ذلك
الرافعي (٣) حيث يقول-﵀:
"لما نجَمَت آراء المعتزلة بعد أن أقبل جماعة من شياطينها على دراسة كتب الفلسفة مما وقع إليهم عن اليونان وغيرهم نبغت لهم شؤون أخرى من الكلام، فمزجوا بين تلك الفلسفة على كونها نظرًا صرفًا، وبين الدين على كونه يقينًا محضًا … فذهب شيطانُ المتكلمين أبو إسحاق