← Адаб

Адаб · id 8305

مرزبان نامه

اسبهبد مرزبان

Полный текст (228 стр.). Показаны 211–228 · переход к 216.

стр. 211

فراغ

стр. 212

الباب الثامن في معاملة المخاديم والأصحاب

стр. 213

فراغ

стр. 214

قال الحكيم مرزبان: ثم إن السلطان طلب اليعقوب واستدعاه وإلى الخلوة دعاه وقال له: أعلم يا جليس الخير ويا أنيس الطير ورئيس الدير أني تحملت من اليؤيؤ المنة الكثيرة والجميلة القريرة وحيث أرشدك إلى بابي ونظمك في سلك أصحابي ولا جرم أنه قام بما يجب عليه وعرف مقدار إحساني إليه وأنه أوثق أعواني وأصدق خلاني وصاحب قديم وخديم عديم النظر نديم وصديق كافي وخل مصافي وأنا أتيمن بطلعته وأتبارك بمشاهدته وأستنجح بآرائه واستضئ في المهمات المظلمة بأضوائه ولقد حصل مثلك على ظهره وساعد وذخر مساعد فإياك أن تترك ذيل مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته ومودته، ولا تقتصر يا ذا الوقوف في المحبة والوفا بل اجتهد في ذلك يوماً بعد يوم ولا تأخذ عنه مصرفاً وكررا ورادا الولاء والثناء دائماً شهراً وعاماً ويقظة ونوماً فأفضل المحبة ما تزايدت على ممر الدهور وتضاعفت وتأكدت على كر العصور وثبت أصلها وغرزت فروعها وفاض من سويد القلب على مجالي الجوارح ينبوعها بحيث يقع الاتفاق ويمتزج الوداد والوفاق.

стр. 215

وقد قيل لا تصح المحبة بين اثنين حتى يصيرا كالعينين حيثما نظرت إحداهما إلى سرور مالت إلى جهتها الأخرى تابعة لها بل يصير كالنفس الواحدة تكفيهما أكلة مفردة ويكون كل منهما مع الآخر على حدة سرورهما واحد وهمهما متحد التواجد قد ملأت المحبة قلبهما فلم تجد الزيادة بداً معهما كما قال شاعر الملاحدة: ملأت حشاشتس وداً وحباً ... فإن ترم الزيادة هات قلبا والفتاح عنده الفتوح وباب الزيادة مفتوح وانظر ما قيل يا ذا العلم العريض الطويل: أيها السائل عن قصتنا ... أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدناً ... من رآنا لم يفرق بيننا نحن مذ كنا على عهد الهوى ... تضرب الأمثال للناس بنا وألطف من هذا وأحسن ... ما قاله القائل وأحسن أنا والمحبوب كنا في الأزل ... نقطة واحدة من غير مين فبرأنا الله قد أوجدنا ... مهجة واحدةً في بدنين فإذا ما الجسم أمسى فانيا ... تلقنا واحداً من غير مين ولقد ذكرت اليؤيؤ عندي بأنواع الفضل وبوفور الحكمة وأنواع التجارب والعقل وهذا يدل على نصحه ووفور دينه وصدقه في المحبة وقوة يقينه ولم يذكر غير واقع ولا جازف فيما أنهاه على السامع، بل قال قليلاً من كثير وقطرة من غدير ولا أخبر بذلك غير خبير بعواقب الأمور يصير فإني عرفتك كما عرفتك كما عرفت ووقفت على فضائل شمائلك كما وقفت وكل ذلك فوق ما وصف فأريد منك فوائد تكون فرائد لنحور أرباب ذوي العقول قلائد ولضبط أساس الملك والدين أحكم قواعد وعقائد فتلقى مرسومة بالامتثال، وقبل الأرض وقام في مقام العبودية والإجلال وقبل بعد أداء العبودية وظائف السنة وأدى ما عليه بكامل الأوصاف المستحسنة بقوله

стр. 216

أعلم يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان كان بنى أساس مملكته على العدل وعامل رعيته بالإحسان والفضل ويكفيه من الفضائل والشمائل قول سيد الأواخر والأوائل: ولدت في زمن الملك العادل وأنعم بها من مقالة أكرم قائل وقال الرحمن في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقد قيل في الأقوال لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا مال إلا بالعدل ولا ملك إلا بالفضل، ومن أقوى الصفات العدلية عمارة بلاد المرعية وبذل الجهد في العمارة ليكثر الربح وتقل الخسارة فإذا غمرت البلاد وترممت الطرق والتلاد وكثرت الرجال حصلت الأموال. ولقد بلغني أيضاً يا ملك الزمان أن الملك أنوشروان كان ماراً في سيرانه بين جنده وأعوانه إذ رأى شيخاً كأن قامته قوس من خيزران وقد نثر الزمان على رأسه ووجهه أبيض القطان وهو في بعض البساتين يغرس قضيب تين العناء هارب من انحناء قامته وبياض هامته على شدة حرصه وتصبه في نصبه وغرسه، فقال له يا ذا التجارب ومن هو من شرك العنا فهارب إلى متى ترتع في ميادين الأمل وقد تطوفت بشائبة الأجل وأركان جسدك واهية وتغرس وإعجاز نخل بدنك خاوية نسيم طرواتك تبدل بعواصف الذبول وقوى عبالتك ذرها عواصف النحول! أما آن أن تغرس للآخرة وقد كنت عظاماً نخره فقال له الشيخ: أيها الملك العادل والسلطان الفاضل الكامل قد تسلمناها عامرة فلا نسلمها إلا عامرة وقد غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون: لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا ... لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا وأبعد فلاح عن الرشد والفلاح من يستلك الدثور ويتركه وهوبور، فأعجب الملك من وفور عقل الفاني وحسن خطابه

стр. 217

وسرعته في مفحم جوابه فقال لست بمجهلك حتى تأتيني بباكورة هذا البستان وإلا قطعتك في ميادين الخزي والخذلان فطال به العمر وأدرك ما نصبه ولم يخيب الله تعبه فحمل إلى الملك الباكورة ووقاه الله سيئاته وغدورته. إنما أوردت هذا المثل لتعلم أيها الملك أن الأجل والدنيا وإن كانت ظلاً وائلاً وحائطاً مائلاً فهي مزرعة الآخرة وأن الآخرة هي الدار الفاخرة ثم إن الله تعالى ولاك هذه المزرعة وعلق أوامرك العلية بما لها من مضرة ومنفعة وحكمك في البلاد وملكك رقاب العباد فإياك أن تبورها عن الزراعة وتسلك زمام تدبيرها إلى يد الإضاعة، فإن عساكرها بها منوطة وأحوال مملكتك بالعساكر مربوطة فكلما تعمرت الضياع والقرى ترفهت أحوال الأجناد والأمراء واستراحت الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية وتوفرت الخزائن واطمأن الظاعن والساكن وقلت المظالم وكف كف الظالم وملاك كل هذا العدل والاستوا ومجانبة الأغراض الفاسدة والهوى وهذا الذي هو يقتضيه مقامك ويتم به مرامك، فإن الملك إنما هو ملك الرعية والأجناد ولابد لإقامة الأجناد من عمارة البلاد والنظر في مصالح العباد لينتظم بنظره مصالح العالمين ويستقين به أمر المسلمين إلى الحين الذي قدره رب العالمين، فإن سنة الله تعالى جرت على هذا السنن وما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن ولهذا قال سيد سكان الخيف المنزه عن الحيف: أنا نبي السيف والجهاد فرض عين على الملوك لا على الفقير والصعلوك فهم من نوع من العبادة يقتضي من المال زيادة ليقيموا من الدين عماده ويقفوا من الشرع مراده ويعتصموا من الكفر عناده ويبيدوا أهله وأولاده وينهبوا طارفه وتلاده ويوطنوا الإسلام وبلاده وعلى كل ملك فرض أن يبذل في ذلك اجتهاده ويجعل إلى الآخرة زاده وعتاده ويحفظ من الكفر

стр. 218

بلاد الإسلام وعباده إلى يوم يلقى معاده ويجازيه بالحسنى وزيادة. وهذه أيها الملك طريقة الملوك ومن إنسهم بسهم في هذا السلوك وإياك أيها الملك العظيم وصاحب الملك الجسيم الأخذ للمال من غير حله ووضعفه في غير محله ولو كان موضع الخير أو قصد به نفع الصغير فإنه لا ينبغي خيره ولا يفي بشره بل ولا يقوم نفعه بضره وذلك كلوازم الفارس وبنيان المدارس وتعيين المساجد وتعمير المعابد وسد الثغور وعمارة القناطر والجسور والقبور وعمل مصالح الجمهور على أحسن وجوه المعمور وإطعام الطعام وكفالة الأيتام والحج إلى بيت الله الحرام وزيارة النبي ﵇ لا كمن مثله الوبيل وعمله الذي فيه قيل: بنى مسجداً لله من غير حله ... وكان بحمد الله فيه غير موفق كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لها الويل لا تزنى ولا تتصدقي وقال من لا تخفى عليه الخافية: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ثم خبر عن ما يناله مما تعلمونه، فقال ولكن يناله التقوى منكم فإن توقع من هذا أجر فهو خسران وكفران ذلك استهزاء واستخفاف وهل يطلب لقبيح الحرام حسن الجزا بل الواجب رد المظالم وخلاص ذمة الظالم ورد الحقوق إلى أهلها وإيصالها إلى محالها وما يرضي ظالم غوى يحل الحرام محل الهوى أن يخرج من الدنيا سواء بسوا وإن كان والعياذ بالله صرف ذلك على الفسق والملاه ونيل الأغراض الفاسدة وقامة الحاجة فهو في أشد النكال وأعظم الهوان والخسران والوبال. وهذا مقام يطول فيه الكلام وأقل ما في الباب أن الجلال حساب والحرام عقاب وعذاب وقد سمعت يا جليل القدر ما نطق به ذلك الصدر الذي أخجل نور جبينه البدر سيد الأنام ومصباح الظلام وحبيب الملك العلام محمد المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام يوماً لأصحابه الغر الكرام رضى الله

стр. 219

عنهم وأرضاهم وجمعنا في مستقر رحمته وإياهم: أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس متن أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وقال أيضاً أفاض عليه سحائب فضله فيضا إنكم لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجمامن الشاة القرنا هذا إذا كانت هذه الخيرات المأتي بها من هذه الطاعات قد حصلت من المكاسب الطيبات والمرابح المستحسنات فهي على هذا الحصر من غير ريب ولا غدر، وأما إذا كانت من الحرام فقد حرفها الكلام ولأجل هذا الخطب الجسيم والخطر العظيم تورع من الحلال الزاهدون وشمر ذيل الرغبة عن التلوث بالدنيا العابدون. قال سيد البشر الشفيع في المحشر: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. وقال ﵊ على ممر الليالي والأيام: اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا قوتا ولا بد للملوك من خمس خصال: الأولى اجتناب التبذير، الثانية مراعاة النفس والتأمل في حالة الرضى والغضب، الثالثة تقديم مصالح رعيته على مصالح نفسه، الرابعة لا يمكن القوي من الضعيف، الخامسة لا يقدم أحدا على العلم والعلماء وليتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. قال ﵊ من قتل عصفورا عبثا جاء العصفور يوم القيامة وله صراخ عند العرش يقول يا رب سل هذا فيما قتلني من غير منفعة. فلما انتهى الحجل في الكلام إلى هذا المقام قبله العقاب بين عينيه وزاد في تقريبه إليه ومكانته لديه وإنعامه عليه.

стр. 220

الباب التاسع اكتساب الأمور من التجارب

стр. 221

فراغ

стр. 222

ليعلم الناظر في هذا الكتاب بأن فيه من الحكم ولطائف الكلم ما يصلح أن يكون للملوك معتمدا وللأكابر والأفاضل مرشدا وللأدباء جليسا وللغرباء أنيسا ولقد فاق سلوان المطاع وكليلة ودمنة: على أنني راض بأن أحمل الهوى ... واخلص منه لا علي ولا ليسا وأن المطالعة فيه والاقتباس من فرائد معانيه تزيد العقل عن التجارب بل تفيد زيادة المتقارب لأن العمر يصرف إلى اكتساب الأمور من التجارب واستفادة الفوائد والحكم من هذا أمرها راقب وأحب ما يتمنى الإنسان طول العمر وقد قيل: وأحسن ما كان الفتى من زمانه ... مع السعد والجاه العريض معمرا وأحب ما أسمع للحاكم قول الناظم: فلا زلت بين الورى حاكما ... بجاه عريض وعمر طويل فمن أراد أن يطول عمره فليعم الناس خير وبره. وقد قيل خمسة أشياء تزيد في العمل: الأولى البر قال ﵊: لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، الثانية إسباغ

стр. 223

الوضوء قال ﵊: إسباغ الوضوء زيادة في العمر، الثالثة التحية الحسنة. كان أمير المؤمنين عمر ﵁ يدخل الأسواق يسلم على أهلها ببشاشة فقيل له في ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: السلام ببشاشة وطلاقة الوجه يزيدان في العمر، الرابعة الصدقة قال ﵊: داووا مرضاكم بالصدقة. وجاء في التفسير أن عيسى ﵇ كان جالسا فمر قصار ومعه كارة للقصارة فقال عيسى لأصحابه: هذا الرجل يموت اليوم من عقرب تلدغه فمر القصار عشية سالما فقيل لعيسى ﵇ في ذلك فقال: فطلب القصار وسأله عما عمله في ذلك اليوم، قيل كان معي رغيفان لما جلست لأتغدى جاءني سائل فأعطيته أحد الرغيفين فسد به جوعته وقال: أكثر الله خيرك وزاد مالك وطول عمرك ففتش عيسى ﵇ لرزمته فوجد العقرب ملجما بلجام القدرة وقال: إنما كف عنك هذا البلاء ببركة الصدقة، الخامسة العدل في الرعية فإنه ورد في تفسير الثعالبي قال في قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) . كان قال في بني إسرائيل ملك يدعي صديقا عالما عارفا عادلا في حكومته محسنا في رعيتها وكان في زمن نبي من أنبيائهم فكان يمتثل ما يأمره به نبي زمانه ويقوم به وينظر في فصل القضايا بنفسه فخرجت له في رجله قرحة أشغلته بنفسه حتى صار لا يعرف صباحه من أمسه فوقع في بلاده بلاء ووباء فمات من أهل مملكته طوائف عديدة وجملة من الخلائق مديدة، فقصد مملكة رجل من بابل اسمه سنحارب النازل وهو رجل كافر ظالم غائل معه من العساكر ستمائة ألف مقاتل يعجز عن مقاومته ويعي عن

стр. 224

مخادعته، فجاء نبي ذلك الزمان يعوده وينظر ما يريده فاستشاره الملك في أمره وما هو راء من غدره فنزل عليه الوحي قبل أن يرد له جواب بل عقب سماع هذا الخطاب أن قل لصديق يوصى بالملك إلى من يرى أنه من أهل الملك فإنه لم يبق له من العمر إلا ليلة واحدة فأخبره ذلك النبي بذلك فسلم له ورضي وتوجه إلى الله تعالى وصلى وسجد وقال في سجوده: اللهم رب الأرباب وإله الخلق قدوس تقدست يا رحمن يا رحيم يا رؤوف أنت الذي لا تأخذه سنة ولا نوم فأوحى الله تعالى إلى هذا النبي أن بشر صديقا باستجابة دعائه وإني أمهلته مدة خمس عشرة سنة ببركة عدله وطاعته وانقياده لأمري، فلما بشره سر بذلك وسجد سجدة ثانية وقال في سجوده: إله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترجم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي، فاستجلاب الله دعوته قبل أن يفارق سجدته وأوحى الله إلى نبيه أن قل في أمر عدوه فقال الله تعالى: أنا أكفيك أمره فلما وصل العسكر واحتاطوا بالبلد أرسل الله عليهم صيحة أخذتهم عن آخرهم وأهلكتهم وهرب سنحارب فاختفى في جبل فأدركه الطلب هناك وأحضروه لدى صديق فسجد صديق شكرا لله تعالى ودعا سنحارب إلى التوحيد فقال له سنحارب: كنت سمعت عناية ربك بك والآن فقد رأيت وحققت ولكن لا أفارق ديني فأمر به للاعتقال فأوحى الله تعالى إلى النبي أن قل له يطلقه ويرسله إلى بلاده فأطلقه وأرسله إلى بلاده ومات على دينه. ثم جلس مكانه بخت نصر ووقع من وفاته الظلم والجور

стр. 225

بعد صديق فسلك الله عليهم من أهلكهم فانظر إلى ذلك العدل وبركته وظلمه الظلم وقباحته: وذكر في التفسير المذكور في تفسير قوله تعالى: (وأن اليأس لمن المرسلين) قال: كان ملك اسمه أجب وكان عادلا وله زوجة ظالمة كافرة النفس وكان يحبها وكان في جوار بيته جنينة لرجل صالح فطلبتها زوجة الملك من الرجل الصالح فلم يسمح بذلك لها فأمهلته حتى غاب الملك وأقامت بينة كاذبة شهدت على الرجل الصالح أنه سب الملك، وكانت العادة أن كل من سب الملك يهدر ماله ودمه فقتلته واستولت على جنينته فلما رجع الملك من السفر استغاثت زوجته فلم يتعرض إليها بأكثر من ذلك فأوحى الله تعالى إلى الياس ﵇ أن يخبر الملك بما فعلته زوجته ويأمره بالقصاص ورد الجنينة إلى ورثة صاحبها، فلما بلغ الرسالة غضب الملك، وغلبت عليه محبة الزوجة وأراد قتل الياس فهرب منه واختفى في مغارة فأرسل وراءه أربعين فارسا تطلبه فأرسل الله عليهم صاعقة أهلكتهم عن آخرهم ثم جاء الياس إلى بلدة إنطاكية فنزل في بيت المرأة وكان لها يتيم وهو يونس ﵇ وعمره إذ ذلك سبع سنين فأمنت بالياس ثم ذهب الياس من عندها ومات في غيبته ولدها اليتيم ثم إن الياس عاد إليها وسألها عن حالها فأخبرته بموت ولدها فسأل الله أن يحييه فأحياه ولما بلغ أكرمه الله بالرسالة وأهلك الله اجب وامرأته وقومه بشؤم ظلمهم وهكذا عاقبة الظالمين والطاغين والباغين. وينبغي أن لا يتمنى لقاء العدو ويكتفي بمشاهدة الأصحاب كما قيل في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل وقال رسول الله ﷺ : لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا. وقيل للأرنب أيما أحب إليك رؤيتك للكلب أو رؤية الكلب

стр. 226

إياك فقال الأحب أن لا أراه ولا يراني لأني إن رأيته خفته وخشيت أن يراني ويطلبني وإن رآني طلبني وربما لم يمكنني منه الفرار فأقع في الهلاك والبوار وأحسن ما تلبس به الحاكم والرؤسا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون فاسقاً محروماً وإذا نزل العذاب فإنه يشمله. وقال رسول الله ﷺ : لما قيل له أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث وقال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون) فأدخل الذين لم ينهوا مع الذين ظلموا وقال: الساكت في الحق شيطان أخرس. وقيل خسف الله بني وقومه في بني إسرائيل فناجى بني من أنبيائهم ربه تعالى في أمرهم وأمر نبيهم فأوحى الله إليه أنه كان يصلي والصبيان أمامه ينتفون دجاجة حية فلم يخلصها من أيديهم وإذا كان فعل هذا في طير قبله وذبحه مباح فما ظنك بمن يؤذي مؤمناً الذي هو بنيان الله تعالى وقد حرم الله تعالى عرضه وماله ودمه، ولتعلم أن يد الله فوق أيدي المؤمنين ورحمته عامة جميع الصالحين ونقمته نازلة على الطاغين والباغين ولا عدوان إلا على الظالمين: وما يد إلا يد الله فوقها ... وما من ظالم إلا سيبلى بظالم وقال الآخر وأجاد وما حاد عن المراد: تنام وما المظلوم عنك بنائم ... ودعوته لا تنثني بحجاب وينبغي أن يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى، فإن العمل الخالص هو رأس المال لجميع المخلوقات سواء كانوا أنبياء أو أولياء ولا يثمر في الدنيا سواه وناهيك وبحديث أصحاب الغار حيث أخلصوا في عملهم وأنجاهم الله ببركة إخلاصهم. وذلك أن ثلاثة

стр. 227

آووا إلى غار خوف الابتلال بالمطر فنزل من الحبل صخرة سدت فمه فقالوا لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح عملكم، فقال واحد منهم: اللهم كان لي أبوان كبيران أؤثرهما على أهلي فتأخرت ليلة حتى ناما فلم أوقظهما وانتظرت يقظتهما وقدح اللبن في يدي إلى الفجر والصبية تصيح عند قدمي حتى شربا، اللهم إن كان ذلك ابتغاء لرضاك ففرج عنا فانفرجت شيئاً لا يمكن الخروج منه فقال الثاني: اللهم كانت لي ابنة عم أحبها فراودتها فأبت فحصل جدب فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على تمكيني منها فلما أردتها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فتركتها والمال اللهم إن كان ذلك ابتغاء لرضاك ففرج عنا فحصل ما لا يسع الخروج، فقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأخذوا أجورهم إلا واحداً فنميت أجرته فجاءني يطلبها فقلت كل ما ترى من إبل وغنم وبقر ورقيق من أجرتك فقال أتهزأ بي. قلت: لا فأخذ ذلك كله اللهم إن كان ذلك ابتغاءً لرضاك ففرج عنا فانزاحت الصخرة وخرجوا يمشون، رواه الشيخان وغيرهما. وأعلم أن رئيس كل طائفة بمنزلة والدهم فإن السلطان والد الرعية أولاده، والأمير كذلك وكذا القاضي وكل والٍ حتى رؤساء القرى كل رئيس مهم بمنزلة الوالد والفلاحون أولاده والمقطعون والأجناد بمنزلة آباء الفلاحين يربونهم كالأولاد ويشفقون عليهم شفقة الآباء، كما يحكى عن بهرام جورانه وقع في بعض السنين قلة وقحط في بعض البلاد حتى قلت الأقوات فرسم بفتح مخازنه وحواصله وبذلها في رعاياه وحشمه وأمر بدوابه فتوجهت إلى أطراف البلاد تجلب الميرة فصار يفرق ذلك على الرعية من غير عوض فسد بذلك خلة الناس واستمر ذلك نحوا من أربع سنين، ثم بلغه أن شخصا من مملكته مات من الجوع ولم يكن له بذلك شعور فوجم لذلك وأخذه القلق

стр. 228

والأرق واستغفر وصام وتصدق وبلغ ذلك منه مبلغا فصار يناجي بذلك ربه ويقول: يا رب اغفر لي هذه الغفلة وتجاوز لي عن هذه السهوة فلو كان لي شعور بذلك لبذلت الذي تصل إليه القدرة فهتف به هاتف حيث احتفلت لنفس واحدة من عبادي هذا الاحتفال وأسفت هذا الأسف فإني أرفع الموت عنكم مدة أربع سنين وعمر بهرام في أرغد عيش وأطيب عمر مع الصفاء والهناء، كل ذلك ببركة الشفقة والرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحما فنسأل الله تعالى أكرم الأكرمين إياه نعبد وإياه نستعين أن يعاملنا بما يليق برحمته ويسبل علينا ذيل إحسانه ونعمته آمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل. إلى هنا الختام بحمد ذي الجلال والإكرام. انتهى كتاب مرزبان نامة ترجمة الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه الحنفي الدمشقي والرضوان عليه سحائب الرحمة وديمة المغفرة والإحسان ما تعاقب الملوان وتوالت الأزمان وما قرا قارئ في كتابه وعمل بما فيه مما ينجي يوم حسابه وتدبر معانيه وفهم عوالته وخوافيه وصلى الله على النبي محمد وآله وصحبه وبنيه وأزواجه وتابعيه آمين.