← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8312

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - محاضرات

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 108 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سؤال من المقدم: لماذا لم يقل (تؤمنوا بالله) جمع دلالتين لو قال بالله تعود نفس الكلمة ولكنه جمع أمرين في الآية: أنه الله وأنه الربّ لأن قسم يأخذون أرباباً متفرقين من دون الله لكن يقول هو الله وهو الرب يجمع دلالتين لو قال (به) تعود الكلمة نفسها. جمع معنيين هو الله وهو ربكم لا تتخذوا رباً غيره، فرعون قال (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) النازعات) (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) يوسف) . إذن هو الآن جمع دلالتين لما قال (الله، ربكم) في الآية فهو الله وهو ربكم ليس لكم رب غيره. بينما في قريش يعترفون بالله ويتخذون أرباباً من دون الله. هو الله وهو الرب واحد، وهو الذي يخرجكم من الظلمات إلى النور، يهديكم والرب هو المرشد والهادي، وهو تعالى قال: يخرجهم من الظلمات إلى النور يعني يهديهم وأنسب شيء في هذا المقام أن يستخدم كلمة رب. كلمة رب جمعها أرباب أما لفظ الجلالة الله فليس له جمع ولا قياس وكل كلمة ليس لها نظير لا تُثنّى ولا تُجمع هذه قاعدة. مثلاً كلمة مكة لا تُجمع ولا تُثنّى فهي مدينة واحدة لا يوجد غيرها. سؤال من المقدم: ما دلالة إن كنتم مؤمنين في الآية بعد قوله وما لكم لا تؤمنون؟ قلنا إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم تنوون الإيمان، إن كنتم تعتزمون الإيمان. هذا خطاب عام: إن كنت نويت الإيمان فكيف لا تؤمن؟ خطاب عام لمن آمن ولغير المؤمن هذه حجة ملزمة: كيف لا تؤمن ودواعي الإيمان كثيرة والميثاق موجود في عقلك في فطرتك إضافة إلى الحجج التي جاء بها الرسول؟ تضافرت الدوافع العقلية والسمعية أنتم يا بشر كيف لا تؤمنوا؟

стр. 177

(إن كنتم مؤمنين) متعلقة (أخذ ميثاقكم) الرسول يدعوكم وقد أخذ ميثاقكم فإن كنت تريد الإيمان ما الذي سيأتي بك إلى الإيمان؟ إما أن يكون منطق عقلي أو سماع الحجج التي يأتي بها الذي يخاطبك والرسول يأتي بالحجج التي تدل على أنه رسول من عند الله وليس من عند نفسه ومن الناحية النفسية والفطرة إرجع إلى نفسك كيف لا تؤمن؟ إن كنت تنوي الإيمان إذن ما هي الأشياء التي تأتي بك إلى الإيمان؟ عقلك؟ موجود، نفسك؟ موجودة، الحجج؟ موجودة، والذي ينظر فيما جاء به الرسول من الحجج ملزمة لا تقبل الشك. والله تعالى هو الذي أخذ ميثاقهم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) الأعراف) هو أودع فينا الميثاق في عالم الذر أودع في عقولنا بأن نحاكم ونقبل وأودع في نفوسنا سماعاً مؤيداً بالحجج، عقل في النظر والنفس. سؤال من المقدم: ما فائدة (قد) مع الفعل الماضي في (وقد أخذ ميثاقكم) هل تفيد التأكيد؟

стр. 178

(قد) تفيد التحقيق والتحقيق لا ينفك عنها إذا دخلت على الماضي وأحياناً يجتمع معها التقريب والتوقّع. التحقيق لا ينفك، لا محالة واقع إذا دخلت على الماضي وقد يكون مع التحقق التقريب أو التوقّع أو تجتمع كلها لكن يبقى التحقيق معها. (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ (٢٦) الأعراف) (قد) هنا لا فيها توقّع من بني آدم ولا فيها تقريب لكن فيها معنى التحقيق. (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ (١٢٣) آل عمران) فيها توقّع لأن الله تعالى وعدهم بالنصر (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ (٧) الأنفال) وفيها تقريب. التحقيق لا يفارق (قد) . إذا دخلت على الفعل المضارع قد يكون للتحقيق والتكثير. (قد) حرف وإعرابها حرف تحقيق مبني (سائر الحروف مبنية) . سؤال من المقدم: ماذا ينقصنا لنتعلم العربية حق التعلم؟

стр. 179

ينقصنا الكثير لأن أصلاً التعليم عندنا في الأصل مبتور منقوص ويجب أن نرجع إلى المصادر الأولى نتعلمها وكلٌ حسب مرحلته فالذي ليس عنده علم أصلاً يجب أن يبدأ بالأوليات تعطيه المعلومات الأولية. كلٌ حسب مرحلته وطالب الكلية لديه معلومات قليلة ليست مكتملة حتى في الإختصاص، في الإعدادية المعلومات ضئيلة مشتتة فحسب المرحلة الدراسية وما المعلومات التي أخذها حتى لو كان في مجرسة دينية لكن ينبغي إذا كان ينوي الدراسة أن يكون هناك أحد أمران في الدراسة حتى في كل المراحل التدريسية في الجامعة وغيرها: أولاً ينبغي ربط الدراسة بالمعنى فالنحو مثلاً ينبغي أن يُربط بالمعنى وليست استكثار أوجه كما يذكر في كتب النحو وينبغي على الأستاذ أن يفسر كل وجه من أوجه النحو ولا يكون هناك أكثر من وجه إلا إذا كانت لغتان. في النحو أوجه يذكرها النحاة لكن كل وجه له دلالة يستثقلها الطالب إذا أخذها مجرد أوجه لكن عندما تربط بالدلالة وبالمعنى يستمتع بها ويجد في نفسه اندفاعاً ولذة لحفظها ومعرفتها. هذا أمر أساسي أنه يجب أن لا يفصل الدراسة النحوية والبلاغية عن المعنى وتعلمها وربطها بالمعنى هذا أمر أساسي والناحية التطبيقية أي التمرين على ما يقرأ، التطبيقات حتى في المرحلة الجامعية. إستطراد من المقدم: يسأل المشاهدون من أين يأتي الدكتور فاضل بهذا الكلام؟ وهل هناك كتاب موجود يتناول هذه اللمسات؟ كتب التفسير فيها إضاءات عظيمة لكني لم أطلع على كتب تتناول ما نتناوله بهذا التركيز ولا أدري إن كان موجوداً أو لا. في تفسير الكشاف إشارات وإضاءات، روح المعاني للألوسي فيه إضاءات، البحر المحيط، كتب التشابه والاختلاف في درة التنزيل فيها إشارات عظيمة جداً. والأمر يحتاج للإطلاع على كتب التفسير والمعاني والبلاغة.

стр. 180

وفي رد على المقدم متى بدأ الدكتور فاضل رحلته مع هذه اللمسات البيانية في القرآن الكريم أجاب الدكتور أنه درس في هذا المجال كبداية قبل الستينات وحتى في الخمسينات كانت لي عناية كبيرة فيما أقرأ في بعض كتب التفاسير وكنت أستمتع بما أجده في كتب البلاغة وقبل أن أكون طالباً في الكلية قرأت كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني أربع مرات فكنت أقرأ وأستمتع وأجد في نفسي هوى كبيراً والأمر بدأ في الستينات بشكل شديد. أما بالنسبة للكتب في هذا المجال فهي موجودة على ما أعتقد في المكتبات وجامعة الشارقة طبعت كتاب على طريق التفسير البياني في جزئيه ودار عمار في الأردن طبعت مجموعة من الكتب منها لمسات بيانية وبلاغة الكلمة في التعبير القرآني والتعبير القرآني وأظن أنها توزعها في الشارقة في بعض المكتبات. (لمعرفة أماكن تواجد كتب الدكتور فاضل اضغط على هذا الرابط) . سؤال من المقدم: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٩)) رؤوف رحيم ترد في القرآن معاً فهل وردتا متفرقتين؟ وما الفرق بين الرؤوف والرحيم؟

стр. 181

قبل الإجابة على هذا السؤال نبدأ من أول الآية. قال تعالى (هو الذي ينزل على عبده) هو أي هو لا غيره. واختار كلمة عبد وأضافه إلى ضميره وهذا فيه تكريمان: الأول إختيار كلمة (عبد) لأن الله تعالى في القرآن الكريم لما يذكر (عبد) يذكره في مقام التكريم لأن العبودية نوعان في القرآن الكريم: العبودية الإختيارية والعبودية القسرية. العبودية الإختيارية هي أن الإنسان يختار أن يكون عبداً لله مطيعاً له وبهذا يتفاضل المؤمنون. ففي مقام مدح نوح ﵇ قال تعالى (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) الإسراء) أثنى على نوح وصفه بالعبودية. وقال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (١) الإسراء) وصفه بالعبودية (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) الجن) . أما العبودية القسرية فليس فيها فضل لأنه رغم عن الإنسان نحن كلنا عباد الله شئنا أم أبينا (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) مريم) عبادة قسرية رغماً عنا، الله تعالى يرزقنا ويختار لنا المكان الذي نولد فيه ويختار الأبوين ويعطينا إمكانيات ونعيش في السنن التي وضعها لا نتجاوزها هذه عبادة قسرية شئنا أم أبينا ليس فيها فضل وكل الناس هكذا (أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) الفرقان) هذه عبودية قسرية ليس فيها فضل وقمة العبودية هي العبودية الإختيارية وحتى الأنبياء يتفاضلون في عبوديتهم لله (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) ص) . فكلمة عبد وسام للشخص من الله تعالى فإذا أضافها إلى ضميره (عبده) نسبه إليه إذن فيها تكريمان لأنه لما ينتسب العبد إلى الله تعالى يكون في حمايته. فقال تعالى (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ

стр. 182

الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فيها ثلاث تكريمات: هو الذي ينزل على عبده لا غيره، وعبده، وآيات بينات. لماذا؟ ليخرجكم من الظلمات إلى النور، إذن هو الذي ينزل ويخرجكم من الظلمات. وكلمة (عبده) المقصود بها رسول الله ﷺ ووصف الآيات بأنها بيّنات ظاهرات بحجة والدلالة واضحة. آيات مقصود بها القرآن الكريم. من الذي يُخرج؟ (ليخرجكم) فيها إحتمالان وكلاهما يصح: الله تعالى هو الذي يُخرِج والرسول ﷺ يُخرِج لأنه هادي. (يخرجكم) يحتمل أن يرجع إلى الله تعالى وأن يرجع إلى الرسول ﷺ وكلاهما صحيح. قال تعالى (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) يجمع القرآن دائماً الظلمات ويٌفرِ النور لأن الظلمات مصادرها متعددة أما النور مفرد وليس له إلا سبيل واحد وهو الطريق النازل من السماء. ليس هناك هداية على الحقيقة إلا ما جاءت به الرسل. أما الظلمات متعددة الشيطان والنفس وغيرها، لذلك الله في القرآن الكريم يجمع الظلمات في القرآن ويفرد النور. سؤال من المقدم: قال تعالى في أول الآية: هو ثم عبده، وفي نهاية الآية قال: إن الله بكم لرؤوف رحيم فلماذا لم يقل مثلاً إنه بكم لرؤوف رحيم؟ وما الفرق بين الرحمة والرأفة؟ هو أوضح من هو بعد أن كان ضميراً جاء بالظاهر، الظاهر والضمير تضافرا على المقصود وحتى لا يشت الذهن لأمر آخر قال (وإن الله بكم لرؤوف رحيم) .

стр. 183

الفرق بين الرأفة والرحمة: الرأفة أخصّ من الرحمة والرحمة عامة. الرأفة مخصوصة بدفع المكروه وإزالة الضرر والرحمة عامة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧) الأنبياء) ، (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا (٦٥) الكهف) ليست مخصوصة بدفع مكروه. تقول أنا أرأف به عندما يكون متوقعاً أن يقع عليه شيء. الرحمة عامة (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا (٤٨) الشورى) فالرحمة أعمّ من الرأفة. عندما نقول في الدعاء يا رحمن ارحمنا هذه عامة أي ينزل علينا من الخير ما يشاء ويرفع عنا من الضر ما يشاء وييسر لنا سبل الخير عامة. استطراد من المقدم: هل أفردت الرأفة عن الرحمة في القرآن؟ فقط في موطنين في القرآن كله قال (والله رؤوف بالعباد) في موطنين: في سورة البقرة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) البقرة) وفي سورة آل عمران (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (٣٠)) ما قال تعالى رؤوف رحيم.

стр. 184

يثار سؤال لماذا رؤوف رحيم وهنا في الموطنين اختلف؟ لو لاحظنا السياق الذي وردت فيه الآيتان يتوضح الأمر. في سورة البقرة قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) البقرة) السياق لا يحتمل رحمة لما يقول (فحسبه جهنم) كيف يناسب الرحمة؟ لا يناسب ذكر الرحمة. في الآية الثانية قال تعالى (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ (٢٨) آل عمران) مقام تحذير وليس مقام رحمة ولا يتناسب التحذير مع الرحمة لأن التحذير يعني التهديد. فقط في هذين الموضعين والسياق اقتضاهم أفردت الرأفة عن الرحمة. سؤال من المقدم: ما دلالة التوكيد بـ (إنّ) واللام في هذه الآية (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) ؟

стр. 185

التوكيد بحسب ما يحتاجه المقام، إذا احتاج إلى توكيدين مثلاً لما يذكر الله تعالى النعم التي أنزلها علينا يؤكد وإذا لم يحتج إلى توكيد لا يؤكد ولو احتاج لتوكيد واحد يؤكد بواحد. (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١٤٣) البقرة) أكّد. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) النور) ما أكّد. في الآية الأولى كانوا في طاعة (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ويقولن هذه الآية نزلت لما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة تساءل الصحابة عن الذين ماتوا هل ضاعت صلاتهم؟ وهل ضاعت صلاتنا السابقة؟ سألوا عن طاعة كانوا يعملون بها فأكدّ الله تعالى (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) أما في الآية الثانية فهم في معصية (يحبون أن تشيع الفاحشة) فلا يحتاج إلى توكيد. في تعداد النعم (ألم تر أن الله سخر إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) لما هم في طاعة يؤكد ولما يكون في معصية لا يؤكد. ولم يقل في القرآن (والله رؤوف رحيم) أبداً إما مؤكدة باللام و (إنّ) أو (رؤوف بالعباد) . استطراد من المقدم: هل قدمت الرحمة على الرأفة في القرآن؟ وهل جاءت رحيم رؤوف؟ لم ترد رحيم رؤوف في القرآن ووردت فقط رأفة ورحمة (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا (٢٧) الحديد) لكن ليس بهذه الصيغة. حسب السياق الذي ترد فيه أحياناً من الخاص إلى العام وأحياناً من العام إلى الخاص.

стр. 186

الحلقة ١٤ تابع سورة الحديد (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)) نظرة عامة على الآية: الآية السابقة (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٨)) وهنا قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) يعني لِمَ لا تنفقون في سبيل الله والله تعالى وارث أموالكم وستؤول إليه أموال الخلق كلها (وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) آل عمران) فأنفقوا حتى تنالوا جزاء المنفقين قبل أن تنتقل رغماً عنكم وتذهب إلى الله تعالى، أنفقوا حتى تنالوا. قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ولم يقل ولله ميراث أموالكم. هل الإنفاق مقترن بالمال؟ الإنفاق الأصل فيه المال لكن مرة يقول تعالى أنفقوا من المال ومرة مما رزقناهم ينفقون، الرزق أعمّ من المال وهنا لم يحدد، (في سبيل الله) في الغالب أموال، جهاد، لأنه قال تعالى (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) الذي يبدو من سياق الآية أنه على المال. عندما قال (وما لكم ألا تنفقوا) ما قال تعالى سوف يهلككم ويميتكم ويأخذ أموالكم إن لم تنفقوا وإنما جعله عاماً يدخل فيه هؤلاء وغيرهم. (ولله ميراث السموات والأرض) إذن أموالكم أنتم أيضاً ستؤول إليه وهذا في القرآن كثير يذكر أمر ثم يأتي بأمر عا يدخل فيه هؤلاء (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) الأعراف) ما قال لا يضيع أجرهم

стр. 187

وإنما قال لا يضيع أجر المصلحين فهذا يدل على أن هؤلاء من المصلحين فالمصلحين أعمّ فدخل فيه هؤلاء ودخل غيرهم فصار في زمرة الأعم، فشمل هؤلاء وشمل غيرهم من عموم المصلحين. (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (٩٨) البقرة) لم يقل عدو لهم فأفاد أن هؤلاء كافرون والآية تشمل كل الكافرين، هؤلاء دخلوا في زمرة الكافرين ولا تختص عداوة الله تعالى لهؤلاء وإنما لعموم الكافرين فأفاد أمرين أن هؤلاء كافرين وأن عداوة الله لا تنحصر بهم ولكن بكل كافر. وهنا قال (ولله ميراث السموات والأرض) لم يقل ميراث أموالكم هؤلاء دخلوا في العموم. وقدّم الجار والمجرور (لله) أنها ستؤول إليه حصراً وإذا قال ميراث السموات والأرض لله ليس فيها قصر ولا حصر. التقديم عندنا شكلين: يقدم على العامل وتقديم على غير العامل. مثلاً تقديم الخبر على المبتدأ (ولله ميراث السموات والأرض) ميراث مبتدأ و (لله) لفظ الجلالة خبر مقدّم وهذا من باب جواز التقديم وليس من باب الوجوب لأن ميراث السموات والأرض معرفة مضافة إلى معرفة وليست نكرة تقديم الخبر على المبتدأ يسمونه من باب تقديم المعمول على العامل وهذا التقديم يفيد التخصيص أو الاهتمام حسب السياق. قد يفيد القصر كما في قوله (إياك نعبد) وأصلها نعبدك. هنا قال تعالى (ولله ميراث السموات والأرض) هذا اهتمام هو ستؤول إليه حصراً ولا تؤول إلى جهة أخرى مع الاهتمام.

стр. 188

(ولله ميراث السموات والأرض) ثم ذكر أنه (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا) من أنفق وقاتل من قبل الفتح لا يستوي مع من أنفق وقاتل بعده لكثرة الأعداد وقِلة الغنائم لن يستووا، الذي ينفق من بعد النصر حاصل وفيها احتمال غنائم وفيها فائدة. (وكلاً وعد الله الحسنى) كل هؤلاء على سبيل الاستغراق كل من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده بلا استثناء داخلون في وعد الله تعالى بالحسنى والحسنى حاصلة لكن الدرجات في هذه الحسنى تختلف. لم يستثني منهم أحداً كلُ من أنفق وقاتل قبل الفتح أو بعده كلهم داخلون في هذا الوعد، في الحسنى لم يستثني منهم أحداً. لكن الذين أنفقوا من قبل وقاتلوا أعظم وأرفع درجة. الخطاب في الآية للمؤمنين (لَا يَسْتَوِي مِنكُم) (وما لكم ألا تنفقوا) أي كيف لا تنفقون مع أن دواعي الإنفاق كثيرة؟ هذا أسلوب استفهام غرضه التعجب كيف لا ينفق أحدهم وهم يعلم أن هذه الأموال ستؤول إلى الله تعالى؟! فلماذا لا ينفق فينال الأجر؟ أمر عجيب أن لا ينفق قبل أن تؤول إلى الله تعالى رغماً عنه؟! كلمة الميراث هنا هو الذي يأتي بعد زوال المالِك الأول وتوزيع الإرث يكون بعد الموت. كلهم ميتون وليس ميراثكم أنتم فقط سيؤول إلى الله تعالى وإنما ميراث السموات والأرض كله لله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) مريم) سؤال من المقدم: قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) باستعمال (أن) وقبلها قال تعالى (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) بدون (أن) فما الفرق؟

стр. 189

(أن) الناصبة تفيد الاستقبال في اللغة وهي من مخلّصات الفعل للاستقبال وعند النُحاة النصب علم الاستقبال نصب الفعل المضارع علامة الاستقبال وعندهم النواصب هي مخلصات الفعل للإستقبال. إذن حسب هذه القاعدة (أن) الناصبة تفيد الاستقبال. والفرق بينها وبين الآية التي قبلها (وما لكم لا تؤمنون) أن الإيمان لا يحتمل الاستقبال ولا بد أن تؤمن الآن فلا تدري بعد دقيقة ما الذي سيحصل. أما الإنفاق فيحتمل الاستقبال (أن لا تنفقوا) محتمل أن يكون مطلوب مني الجهاد لكنه غير واقع الآن وقد يكون نصاب الزكاة وقد لا يكون عندك نصاب الزكاة في الصدقات قد لا يكون عندك صدقة ولك أن ترجئها. فرق بين الإيمان والإنفاق فالانفاق يحتمل الإرجاء أما الإيمان فلا يحتمل الإرجاء ولذلك قال تعالى (وما لكم لا تؤمنون بالله) لكنه قال (وما لكم ألا تنفقوا) . سؤال من المقدم: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) إسم الموصول (من) جاء مع مفرد (أنفق) ثم قال تعالى (والذين أنفقوا) إسم الموصول صار جمعاً (الذين) والفعل جمع (أنفقوا) فما الفرق؟

стр. 190

(من) و (ما) تسمى الأسماء الموصولة المشتركة أي يشترك فيها المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) الأحزاب) (وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) البقرة) (من) إذن اسم موصول مشترك واسم الموصول (الذي) مختص لأنه يكون للمفرد المذكر، وعندنا التي للمفرد المؤنث واللذان للمثنى المذكر واللتان للمثنى المؤنث والذين للجمع المذكر واللائي للجمع المؤنث. (من) تحتمل الإفراد وغير الإفراد. (الذين) جمع، فلما كان الإنفاق قبل الفتح كان المنفقون قليلين والمسلمون قليلين فجاء بما يدل على المفرد والقِلّة قال (من أنفق من قبل الفتح) ولما كثروا بعد الفتح استعمل ما يدل على الجمع فقال (الذين أنفقوا) . في الموطن القليل قلل وجاء بـ (من) التي قد تستعمل للواحد (والذي تستعمل للواحد على التخصيص) ولو قال (الذي) يعني به واحداً فقط فلا يمكن أن يقول (الذي) . أما (من) فتحتمل المفرد والجمع والمثنى. استعمل ما يدل على القلة فجاء بـ (من) الذي يحتمل القِلّة وجاء بـ (أنفق) وهذه إشارة للتفرقة بين الحالتين: هؤلاء قبل الفتح قِلّة ينفقون ويقاتلون والدواعي قليلة وليست دواعي كسب وإنما إخلاص وتضحية أما بعد الفتح فصاروا أكثر فقال (الذين أنفقوا) . ما القرينة السياقية التي حددت (من) للقِلّة؟ السياق واضح في المقام لأنه لا شك أنهم كانوا قلة قبل الفتح وهذا معلوم في مقام المسألة والدواعي والدوافع للإشتراك في القتال قليلة، ماذا يكسب قبل الفتح؟ فالمقام يوضح ذلك.

стр. 191

سؤال من المقدم: ختمت الآية بقوله تعالى (والله بما تعملون خبير) فما اللمسة البيانية في تقديم العمل على الخبرة هنا علماً أني في آيات أخرى يقدم الخبرة على العمل (خبير بما تعملون) ؟ تكلمنا سابقاً عن بما تعملون بصير وبصير بما تعملون. بالنسبة لهذه الآية واضحة لأن الكلام على هؤلاء، على عمل هؤلاء من الإنفاق والقتال فقدم العمل لكن نقول أمراً في العمل والخبرة: يقدم العمل على الخبرة أو الخبرة على العمل بحسب ما يقتضيه المقام: فإذا كان السياق في عمل الإنسان وليس في الإنسان، في عمل الإنسان - وهناك فرق بين الكلام على الإنسان عموماً وعمل الإنسان - قدّم العمل، هذا أمر. وإذا كان السياق في غير العمل ويتكلم عن الإنسان في غير عمل كالقلب أو السياق في أمور قلبية أو في صفات الله يقدم صفة الخبير على العمل، هذا خط عام. إذا كان السياق في عمل الإنسان يقدم العمل (والله بما تعملون خبير) يقدم العمل على الخبرة وإذا كان السياق في أمور قلبية أو عن الله يقول (خبير بما تعملون) . نضرب أمقلة حتى تتضح الصورة: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) البقرة) هذا عمل فختم الآية (والله بما تعملون خبير) ، (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) الحديد) الكلام على الانفاق والقتال فقدم العمل، (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) البقرة)

стр. 192

الكلام على العمل (فعلن) ، (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (٨) التغابن) ذكر العمل فقدمه لأنه ذكر ما يتعلق بالإنسان وعمله فقدم العمل. في حين قال تعالى (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) النور) النفاق أمر قلبي وليست عملاً فقدم الخبرة، (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) النمل) يتكلم عن الله فقدم الخبرة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) الحشر) التقوى أمر قلبي، هذه القاعدة العامة إذا كان الكلام عن عمل الإنسان يقدم العمل على الخبر وإذا كان الكلام ليس عن العمل وإنما في أمر قلبي أو الكلام على الله يقدم الخبرة. (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)) نظرة عامة على الآية:

стр. 193

نلاحظ أولاً تركيب التعبير (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) : يُقرِض، هذا الفعل مبني للمعلوم ماضيه أقرض وهو فعل رباعي وكل فعل مضموم حرف المضارعة فهو رباعي بالأصالة أو بالزيادة سواء كان أصلياً أو مزيداً وهذه قاعدة. يُقرِض أقرَض والمصدر أفعل إفعالاً، أقرض إقراضاً هذه القاعدة مثل أكرم إكراماً، أنعم إنعاماً. لكن في الآية لم يقل إقراضاً ولم يأت بمصدره وإنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي قَرَض (قَرْض) . الثلاثي قَرَ مصدره قرْض والرباعي أقرض ومصدره إقراض. وهذا موضوع كبير ومتسع ولو أردنا أن ندخل فيه يكون على حلقات تحت عنوان التوسع في المعنى. الإقراض هو المصدر في اللغة مثل الإكرام. القرض له دلالتان في اللغة: الإقراض والمال الذي يُقرَض (إسم العين) تحديداً ما تعطيه من المال. إذن الإقراض له دلالة واحدة هو الإعطاء. القرض له دلالتان: المصدر عن الإقراض والمال، إذن صار أوسع وهو دلالة المال مع الإقراض. القرض الحسن هذا الإنفاق له صفات حتى يسمى حسناً لأن هناك قرض وهنالك قرض حسن.

стр. 194

القرض الحسن فيه شروط وصفات: أولاً يكون بإخلاص النية لله تعالى ولو لم يكن لله تعالى سقط عنه الحسن ولس فيه أجر أصلاً لأنه " إنما الأعمال بالنيات". الأمر الآخر كونه عن طيب نفس ليس فيه منٌّ ولا تكدير وإنما فيه بشاشة وجه (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) البقرة) . والآخر أن يتحرّى المال الحلال، المال الطيب وإذا كان مالاً حراماً لا يصح. ثم أن يتحرّى المال الكريم وليس الخبيث (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (٢٦٧) البقرة) المال الحلال أصله حلال وإن كان بسيطاً ولو كان درهماً والمال الكريم هو الحسن. مثلاً عندك نعجة عجفاء ضغيفة هزيلة لكنها حلال وعندك نعجة سمينة أيضاً حلال لكنها كريمة لذا قال تعالى (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (٢٦٧) البقرة) الخبيث ليس مالاً حراماً (وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ (٢٦٧) البقرة) وهناك فرق بين الحلال والكريم، بين الطيب والحلال " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" هذا حلال، والكريم الطيب. ثم يتحرى أفضل الجهات التي ينفق فيها، أفضل الجهات ما كان أشدها حاجة وأكثرها نفعاً للمسلمين. هذه شروط القرض الحسن. عندما تجتمع كلها يكون إقراضاً لله تعالى والله تعالى سماها إقراضاً وليس صدقة والإقراض غير الصدقة لأن الصدقة لا تطالب بها لكن لما تقول أقرض فسوف يعيد المال له وهذا تهوين على المقرِض أكثر من الصدقة. لذلك قال بعضهم الإقراض هو في السنن والمندوبات وليس في المفروض لأن (من ذا الذي يقرض الله) كثير من المفسرين قالوا من المندوبات وليست الفروض. تقرض الله تعالى بنية القرض بهذه الشروط ووعد الله تعالى بأن يعيده عليك مضاعفة وسماها قرض حتى يهونها على المنفقين لأن من

стр. 195

شروط القرض أن يعاد إلى صاحبه أما الصدقات فلا تعاد (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) . (فيضاعفه له) أي للمنفق، وعده الله تعالى بشيئين: المضاعفة والأجر الكريم وهو الأجر الحسن البالغ الجودة. سؤال من المقدم: قال تعالى (من ذا الذي) فما دلالة هذه الصيغة؟ قال تعالى (من ذا الذي) هذه عامة ما قال من ذا الذين لأن كل واحد مسؤول عن إنفاقه ولا يجتمعون في الانفاق. كل واحد وكل شخص مدعو بذاته أن يفعل هذا الفعل. الخطاب موجه لكل فرد، كل واحد، كل شخص.

стр. 196

ما أصل (ذا) ؟ قال تعالى (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) الملك) وقال (من ذا الذي) . (من ذا) في هذه الآية فيها احتمالان: إما (ذا) إسم إشارة (هذا) أو (من ذا) كلها واحدة إسم استفهام بمعنى (من) لكن قالوا أنها أقوى من (من) لأنه زاد في المبنى وزيادة المبنى في الغالب تدل على زيادة المعنى. (من ذا الذي يقرض الله قرضاً) تحتمل أن يكون من هذا الذي ويحتمل من الذي. وهناك فرق بين من ذا ومن هذا: الهاء للتنبيه (هذا: الهاء للتنبيه وذا إسم إشارة) . لما يقتضي الكلام الشدة وما إلى ذلك يأتي بـ (هذا) (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) الملك) . فرق بينها وبين (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (٢٥٥) البقرة) هذا شفيع والشفيع يترجّى، تذهب إلى من بيده الأمر وتشفع لفلان يعني يعلم أن هذا الذي تذهب إليه هو الذي يقضي في الحاجة ويفصل فيها فما قال من ذا الذي. (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) الملك) من هو هذا الذي هو ندٌ لله تعالى؟ الله تعالى يمسك الرزق وهذا يرزق؟! من هذا؟ فجاء بهاء التنبيه لأنها أشد. من هذا الذي هو ندٌ لله تعالى؟ (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) الملك) من هو؟ هذه أشد وأقوى من (من ذا) لأن فيها تنبيه. فالتي فيها تنبيه يقول (أمن هذا) وإذا لم يكن فيها تنبيه يقول (من ذا) وهذا ميزان عجيب في التعبير.

стр. 197

سؤال من المقدم: في سورة البقرة قال تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)) وهنا قال (فيضاعفه له وله أجر كريم) واختلفت خاتمة الآيات فما الفرق بين الآيتين؟ أولاً في سورة البقرة قال تعالى (فيضاعفة له أضعافاً كثيرة) وفي الحديد ذكر المضاعفة مع الأجر (فيضاعفه له وله أجر كريم) زاد هنا بالأجر الكريم وهو الحسن البالغ الجودة. في البقرة ما قال هكذا وقال فقط (أضعافاً كثيرة) هنا مكان الأضعاف الكثيرة قال (فيضاعفه له وله أجر كريم) هذه زيادة. الفرق في البقرة ذكر الكمّ ولم يذكر الكيف (اضعافاً كثيرة) وفي الحديد ذكر الكمّ (فيضاعفه له) وذكر الكيف (وله أجر كريم) ذكر أمرين. أما في البقرة فذكر الكمّ فقط وفي الحديد ذكر الكمّ والكيف: المضاعفة والأجر الكريم. وذكرنا بأن سورة الحديد مطبوعة بطابع الإيمان والانفاق، هذا أمر. والأمر الآخر أنه قال في سورة البقرة (وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) يقبض معناه يضيّق الرزق ويمسك هذا في الدنيا. محتمل إذن الشخص يناله قبض أو بسط، صاحب المال محتمل أن يصيبه قبض فهذا الذي يصيبه القبض والتضييق في الرزق يحتاج إلى المال ولذلك لما قال تعالى يقبض ويبسط هذا محتاج إلى المال فقال (فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) فأنت أنفِق حتى لا يصيبك القبض وحتى يأتيك البسط. هذا من باب تبصيره في الأمر يقول له: أنفِق حتى لا يصيبك القبض وحتى يُبسط لك فقال (فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) لأنه يحتاج إلى المال. أما في سورة الحديد فليس فيها تهديد بالقبض أما في آية البقرة ففيها تهديد بالقبض فقال تعالى في الحديد (فيضاعفه له وله أجر كريم) . وفي سورة البقرة قال تعالى في آية أخرى (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) البقرة) في مقام التكثير فناسب التكثير التكثير في السورة.

стр. 198

سؤال من المقدم: قال تعالى في آية سورة الحديد (وله أجر كريم) وقال في آية أخرى في نفس السورة (أجر كبير) فما الفرق بين الأجر الكريم والأجر الكبير؟ الآية التي قال فيها أجر كبير قال (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)) ذكر أمرين الإيمان والإنفاق وهنا ذكر الإنفاق فقط (من ذا الذي يقرض الله) . ذكر الإيمان والانفاق في الأولى وهذه دائرة أوسع فلما اتسعت الدائرة إتسع الأجر فقال (أجر كبير) أي متسع. كل أجرٍ له دلالة. الأجر الكبير يحوي الكريم لكن من حيث الكمّ هو أكبر لأنه ذكر أمرين: الإيمان والانفاق، إتسعت فصار أكبر. سؤال من المقدم: ما الفرق بين خواتيم الآيتين (وإليه ترجعون) (وله أجر كريم) ؟

стр. 199

في سورة البقرة قال تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)) وهنا قال (وله أجر كريم) . أصلاً سورة البقرة واقعة في سياق القتال والموت (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (٢٤٣)) بعدها قال (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)) الإقراض معلّق على نية تجهيز الجيوش (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ (٢٤٦)) الآيات في الموت والقتال والموت والقتل مظنّة الرجوع إلى الله تعالى فقال (وإليه ترجعون) مناسبة للموت والقتال. أما في سورة الحديد فالكلام في الإنفاق وليس في الموت والقتال. أما في سورة البقرة فجاءت في سياق الموت والقتال (فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ) ماتوا أي رجعوا إلى الله والموت والقتل مظنة الرجوع إلى الله تعالى فقال (وإليه ترجعون) ولما كان في مقام مظنة الرجوع إلى الله قال (وإليه ترجعون) ولما كان الكلام ليس في هذا السياق في سورة الحديد قال (وله أجر كريم) .

стр. 200

الحلقة ١٦ تابع سورة الحديد: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)) نظرة عامة على الآية: ربنا ذكر المؤمنين والمؤمنات في عرصات يوم القيامة وذكر أموراً فيها. قال عنهم أنهم يسعى نورهم ولم يقل يمشي نورهم وهذا يدل على إسراعهم أو الإسراع بهم إلى الجنة لأن السعي أسرع من المشي، ليس الجريان وإنما قال يسعى نورهم أي يُسرع بهم ولم يقل يمشي لأنه يحتمل أن المشي فيه إبطاء فأراد إما إسراعهم أو الإسراع بهم يُركب بهم على محافّ كما يقال أو على مطايا خاصة تسرع بهم إلى الجنة. لاحظ لو لم يكن يُسعى بهم أو لو كان النور يسعى وهم يمشون هذا يدل على الإسراع بهم ذكر يسعى نورهم ولم يذكرهم هم لو كان النور يسعى وحده كان سبقهم وتركهم في ظلمة. المقصود بنورهم (نورهم) لأن كل مؤمن يؤتى نوراً على قدر عمله يمشي به ويسعى به إلى الجنة على قدر عمله والنور محدد (بين أيديهم وبأيمانهم) . قال يسعى لأن السعي فيه إسراع وقال يسعى نورهم ليس معناه أن النور يُسرع وهم مبطئون وإذا كان النور يسعى وهم يمشون لسبقهم وتركهم في ظلمة فلما قال يسعى نورهم دل على إسراعهم أو الإسراع بهم ولم يقل إلى أين يسعة بهم لأنه سيأتي التبشير لاحقاً.

стр. 201

ذكر السعي للنور لماذا لم يقل يسعون؟ لأنه لو قال يسعون احتمال هذا يفضي إلى الجهد والتعب إذا هم سعوا لأن السعي يفضي إلى التعب والجهد فقال يسعى نورهم إذن نفهم من هذا أنه يُسعى بهم هم يُركب بهم على محافّ أو مطايا يُسرع بهم فيسرع نورهم معهم. إذن هو أسند السعي إلى النور ولم يقل يسعون لأن هذا يفضي بهم إلى الجهد والتعب وأسنده إلى النور وأسند النور إليهم لأن كل واحد يعطى له نوراً خاصاً يستضيء هو به ولم يقل يسعى النور. وهذا النور بين أيديهم وبأيمانهم. (بين أيديهم) أمامهم ولو قال أمامهم يحتمل القريب والبعيد، تقول القرية أمامك وقد يكون أمامك نور بعيد لكن لا تستضيء به ولا يكون نافعاً. بين أيديهم أي قريب وهم يسعون في هذا النور وجهة السير أمامهم. ولم يقل يسعون بنورهم لأن هذا يفضي بهم إلى تعب فكل كلمة مرسومة. سؤال من المقدم: يسعى نورهم هل فيه دلالة على أن المؤمنين يسعون؟ لا وإنما يُسعى بهم ولا يركبون عليه وإنما النور يسعى بين أيديهم أي أنهم يبصرون الطريق وهذا الطريق نور لهم ولو لم يكن هكذا لضلوا كالمنافقين الذين ذكرهم في الآية التي بعدها. (بين أيديهم) جهة السير بين أيديهم لم يقل أمامهم لأن ذلك احتمال أن يكون بعيداً فلا ينتفعون به.

стр. 202

(بأيمانهم) جمع يمين، يكون النور باليد اليمنى لأنها جهة كُتُب السعداء (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (١٩) الحاقة) . ونلاحظ أنه لم يقل عن أيمانهم وإنما (بأيمانهم) الباء هنا للإلصاق كأنه مصباح تحمله في يدك، وكأنهم يحملون نورهم والله أعلم بالحال يوم القيامة. لذلك ما قال عن أيمانهم وقد وردت آيات أخرى فيها (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ (١٧) الأعراف) وإنما قال (بأيمانهم) كما قال (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) طه) لأنه ملتصق بأيمانهم. (عن) تستعمل للمجاوزة لما يقال جلس عن يمينه أي متراخياً عن يمينه ليس ملتصقاً أما بيمينك أي ملتصق. (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) هو يحملها في يده. سؤال من المقدم: يسعى نورهم أسند السعي للنور فمسافة السعي بين أيديهم وبأيمانهم يُسعى بهم إلى الأمام هل هذا التركيب يُفهم منه أنه خاص بالمؤمنين والمؤمنات في حال سعيهم يوم القيامة؟ هو يتكلم عن المؤمنين والمؤمنات يوم القيامة (بشراكم اليوم) . والخطاب موجه لكل من يصلح أن يُخاطَب، (يوم ترى) لكل من يصلح أن يخاطب والرسول ﷺ أولاً لكن كل من يصلُح أن يخاطب إما أن ينتفع بهذا الخطاب فهو مؤمن ويكون من هؤلاء والآخر فيكون حجة عليه من باب التأكيد. لأن أحياناً يكون الخطاب قد يكون لكل من يصلح له الخطاب. (يوم ترى) والرؤية هنا في الآية بالعين.

стр. 203

لماذا قال تحديداً المؤمنين والمؤمنات ولم يقل المسلمين والمسلمات؟ أولاً لأنه بعدها سيتكلم عن المنافقين والمنافقات مباشرة بعدها (يوم يقول المنافقون والمنافقات) والمنافقون أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٨) البقرة) (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (١٤) الحجرات) الإسلام هو الظاهر وهو بالقول وما يُرى من أفعاله الظاهرة والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. لذلك لما ذكر المنافقين والمنافقات يقابلهم المؤمنين والمؤمنات وليس المسلمين والمسلمات لأن المنافقين يقولون نحن مسلمين. (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) أي إلى الآن ما دخل وهو متوقع الدخول. (لمّا) معناها لم يحدث إلى الآن ولكن متوقع الحدوث. نقول لمّا يحضر أي لم يحضر إلى الآن ولكنه متوقع الحضور. (لمّا) نفي لـ (قد) لما نقول قد فعل نفيه لمّا يفعل ولما تقول فعل نفيه لم يفعل، حضر تنفيها لم يحضر وقد حضر نفيه لمّا يحضر. سؤال من المقدم: عدّد الله تعالى في آية أخرى بعض الصفات مثل القانتين والقانتات والصابرين والصابرات وغيرها وهنا اكتفى بالمؤمنين والمؤمنات تحديداً؟ هذا مقابل المنافقين والمنافقات تحديداً وهذا يسمى المقابلة. (بشراكم اليوم) : البشرى ما يُبشّر به تقول أبشّرك بهذا. وأصل البشرى للمحمود فإذا قيلت في الذم تكون من باب التهكم (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) لقمان) . البشرى في الأمور الحسنة هذا في اللغة فإذا استعملتها في آخر تُخرجها عن ظاهرها من باب التهكم كما تقول لأحدهم أنت أشعر من البحتري وهو لا يُحسن أن يقول بيتاً.

стр. 204

(بشراكم اليوم) أي يوم القيامة. ثم حذف القول ما قال يقال لهم بشراكم اليوم (بشراكم اليوم) هذا قول يبشرون به. لم يقل يقال لهم بشراكم اليوم ولكن قال بشراكم اليوم لأنه أراد أن الأمر مُشاهَد مرئي مسموع وليس إخباراً وإنما هو مشهد أمامك تسمع وترى ولو قال يقال لهم يصير إخباراً. (يوم ترى) هذا مُشاهَد ترى وتسمع من دون إخبار فلما قال (يوم ترى) أراد أن المشهد مسموع مرئي وليس إخباراً وإنما المشهد هذا أمامك. (بشراكم اليوم) ليس إخباراً عن غائب. وقال بشراكم أي كل واحد يدخل في البشرى وما قال البشرى جنات. سؤال من المقدم: في خارج القرآن قد يقول بشراهم لكن في الآية تحول من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب فما دلالة هذا. التحول؟ الآن الكلام موجه للمؤمنين وقبل كان الكلام موجه للآخرين لو قال بشراهم يكون إخباراً عن أمر غائب. (يوم ترى المؤمنين) أنت تشاهد هم أمامك لما أقول يوم ترى المؤمنين أنت جهة أخرى غيرهم وأنت تشاهدهم، المشهد أمامك والآن يتوجه الكلام للمؤمنين، (بشراكم اليوم) الكلام ليس لك وإنما أصبح خطاباً للمشاهَد وليس للمشاهِد، هذا يسمى تحولاً في الخطاب غرضه البياني أنه يجعل المشهد حاضراً أمامك وليس إخباراً عن أمور غائبة وإنما عن أمر مشاهد هذا يكلم هذا وهذا يقال له وأنت تنظر. (بشراكم اليوم جنات) : ما الذي أفادته كلمة اليوم وقال في أول الآية (يوم ترى المؤمنين) ؟ يوم ترى المؤمنين غير اليوم في (بشراكم اليوم) يخاطب المؤمنين في الأولى يخبرك يوم ترى كذا وكذا، (بشراكم اليوم) هذا اليوم حاصل وهو ليس إخباراً عن أمر مستقبل والبشرى كلما كانت قريبة كانت أدعى للمسرّة. اليوم وليس بعد سنين طويلة لا، اليوم، فهذا أدعى للمسرة لأن البشرى قريبة. يسعى بهم الآن هم ذاهبين إلى الجنة (بشراكم اليوم) اليوم يعني هذا الأمر كائن في هذا اليوم.

стр. 205

وقال جنات ولم يقل جنة وكأنه لكل واحد أكثر من جنة (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) الرحمن) (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) الرحمن) إذن البشرى أن لكل واحد أكثر من جنة. (تجري من تحتها الأنهار) في آية واحدة فقط في القرآن قال (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) التوبة) . أولاً (من تحتها) أعلى من (تحتها) لأن بداية الجريان من تحتها، العيون تنبع من تحتها فيصير مشهد الجري مع مشهد بدايته من تحتها. (تحتها) ليس بالضرورة أن يكون المنبع تحتها. لكن (من تحتها) أي بداية الجريان من تحتها يتمتع بمشهد الجري وبداية الجري. أما لماذا قال في آية واحدة فقط (تجري تحتها) ؟ كل آية فيها (تجري من تحتها الأنهار) معهم الأنبياء، المؤمنين والمؤمنات معهم أنبياء. أما في آية سورة التوبة فليس معهم أنبياء (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) ليس معهم نبيّ. كل الآيات الأخرى على الإطلاق معهم الأنبياء وهذه ليس معهم الأنبياء. تجري من تحتها أي منبع الأنهار من تحتها.

стр. 206

سؤال من المقدم: لم يقل تسعى هنا بدل تجري؟ لأن الأنهار تجري ولا يقال تسعى والجري هو الركض من الإسراع. وتحت الجنة الواحدة عدة أنهار (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ (١٥) محمد) . ونلاحظ أنه لما قال (تجري) معناها الأنهار غير راكدة، فيها تجدد للمياه لأن عدم الجري مظنّة الركود والأسن. إذا كان الماء لا يجري فهو مظنة الأسون. لاحظ لما لم يذكر الجري (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ) ما قال تجري ولكن قال (من ماء غير آسن) حدّد لأنه لما لم يذكر تجري حتى يرفع مظنة الأسون والركود قال (من ماء غير آسن) آسن أي متغيّر متعفن من عدم الجريان. لما يقول تجري لا يقول غير آسن ولما لا يقول تجري يقول غير آسن. الأنهار غير الآسنة تضاهي تجري من تحتها الأنهار من حيث التعبير البياني. سؤال من المقدم: مرة يذكر في القرآن (خالدين فيها أبداً) ومرة (خالدين فيها) لماذا؟ وما نعنى أبداً (أبداً) أي ليس له نهاية. وخالدين الخلود عام وأحياناً العرب تقول خالدين لا يعنون فيها الأبد وإنما محدودة بفترة طويلة (ما دامت السموات والأرض) . الأبد يعني بلا انقطاع لا ينتهي. وقد أثير هذا السؤال سابقاً وأجبنا عنه مطولاً وذكرنا جملة أمثلة من القرآن الكريم. إذا كان من باب تعظيم الأجور والكلام الطويل في وصفها يقول أبداً إذا كان تفصيل في الجنات ونعيمها يذكر أبداً وإذا كان إيجازاً لا يذكر أبداً. سؤال من المقدم: بالرغم من أن المؤمنين والمؤمنات مذكورين لم يقل خالدين لماذا؟ لأنه لم يذكر نعيم الجنة وليس فيها تفصيل، ما ذكر شيئاً من النعيم وما فصّل في الجنة. سؤال من المقدم: ختم الله تعالى هذه الآية بقوله (ذلك هو الفوز العظيم) وفي آية أخرى يقول (ذلك الفوز العظيم) فما دلالة الاختلاف؟

стр. 207

هو عرّف الفوز وجاء بضمير الفصل (هو) (وضمير الفصل يقع بين المبتدأ والخبر أو ما أصله مبتدأ وخبر أي إسم أن وخبرها وإسم كان وخبرها بين المفعولين حتى يفصل بين الخبر والنعت أو الصفة) ، هذا هو ضمير الفصل وفائدته التوكيد والحصر. فلما قال (ذلك هو الفوز العظيم) يعني ليس هناك فوز آخر وما عداه هو الخسران. ما قال ذلك فوز عظيم لأن معناه قد يكون هناك فوز آخر محتمل. هذا ربح وليس معناه أنه ليس هناك ربح آخر، هذا نجاح وليس معناه أنه ليس هناك نجاح آخر. فلما قال (ذلك هو الفوز العظيم) تحديداً أي ليس هناك فوز آخر وما عداه خسران. وجاء بـ (هو) زيادة في التوكيد والحصر. ويقول في آيات أخرى (ذلك الفوز العظيم) هذه فيها حصر وأحياناً تأتي بؤكد واحد أو مؤكدين تكون أقوى. في نفس السؤال نضرب مثلاً في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) الصفّ) ما قال (هو) ، قال (تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله، ثم ذكر يغفر لكم ذنوبكم ويدخلهم جنات، طلب منهم الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات. وقال تعالى في آية أخرى (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ

стр. 208

الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التوبة) في الآية الأولى قال تؤمنون بالله، يعني طلب منهم الإيمان بالله والاستمرار عليه وهنا قال اشترى من المؤمنين فوصفهم بالإيمان. هناك طلب منهم أن يجاهدوا في سبيل الله (تجاهدون في سبيل الله) عندهم الأموال والأنفس يجاهدون فيها لكن في الثانية باع واشترى ولم يبقى عندهم مال ولا أنفس (فاستبشروا ببيعكم) .هناك جهاد وهنا يقاتلون والجهاد ليس بالضرورة من القتال فالدعوة جهاد (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) الفرقان) أما القتال حرب (فيقتلون ويُقتلون) وهذا أقوى الجهاد. أي تضحية أكبر من أن يدفع الواحد نفسه فلا يبقى عنده مال ولا نفس؟ هذه أكبر ولذلك في الآية الأولى قال (ويدخلكم جنات) لما أدخلهم جنات هل بالضرورة أنها صارت مُلكهم؟ في الثانية قال (بأن لهم الجنة) كأنهم اشتروا الجنة فصارت تمليكاً لهم كأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة، هذا تمليك أما في الآية الأولى فليس فيها تمليك فالإدخال ليس بالضرورة أن يكون تمليكاً، الثانية بيع وشراء هذا هو الفوز الأعظم ولذلك قال فيها (ذلك هو الفوز العظيم) .

стр. 209

في آية الحديد ما ذكر شيئاً من البيع والشراء لأن الفوز قد يكون في أمور أخرى. (والسابقون الأولون) ليس كلها على نمط واحد لكن هو شيء أعظم من شيء. لو رجعنا إلى الآية (والسابقون الأولون الفوز العظيم) وفي آية أخرى في سورة التوبة (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)) أولاً ما قال مساكن طيبة في جنات عدن وقال ورضوان من الله أكبر ورضوان من الله أكبر من الجنات. الرضوان هو الرضى (الرضوان مصدر) ولم يستعمل في القرآن كلمة الرضوان إلا رضى من الله تعالى أما المرضاة فتأتي من الله ومن غيره والرضوان هو أعظم الرضى وأكبره فخصّه بالله أما مرضاة فليست مختصة بالله تعالى وإنما تأتي لله تعالى ولغيره (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ (٢٠٧) البقرة) (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ (١) التحريم) أما الرضوان فهو لله تعالى فقط، خاص بالله تعالى. والرضوان أعلى من الجنة وفي الأثر أنكم لتحتاجون إلى علمائكم في الجنة كما تحتاجون إليهم في الدنيا، فقالوا كيف يا رسول الله؟ قال يطُلّ الله تعالى على عباده أصحاب الجنة فيقول سلوني، فيحارون ماذا يسألونه وكل شيء موجود فينظر بعضهم إلى بعض فيذهبون إلى علمائهم يقولون ما نسأل ربنا؟ فيقول العلماء سلوه الرضى. ولذلك قال (ورضوان من الله أكبر) ولما ذكرها قال (ذلك هو الفوز العظيم) فخي حسب السياق الذي يأتي. هنا في الآية بشرى ونور والله تعالى في آية سمى البشرى فوزاً (لهم البشرى في الحياة الدنيا) . وفي هذه الآية نور وبشرى وما إلى ذلك فهو فوز عظيم. نظرة عامة على الآية: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)) .

стр. 210

بعد أن ذكر المؤمنين والمؤمنات ذكر المنافقين والمنافقات بمقابل المؤمنين والمؤمنات حتى يدل على أن كل فرد من الجنسين الذكور والإناث ينال جزاءه للا يشفع لأحد ما قرابة وما تغني المؤمنة عن قريبها المنافق أو قريبتها المنافقة كما أن المؤمن لا يغني عن قريبه ولا عن زوجه وإنما كل واحد بنفسه ولا تقول المنافقة كنت تابعة لزوجي أو لأخي وإنما كل واحد ينال جزاءه. المنافقون والمنافقات مقابل المؤمنين والمؤمنات يقولون للمؤمنين (انظرونا نقتبس من نوركم) يمعنى انتظرونا ولم يقولوا انتظرونا لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء أما الإنظار فليس فيه ذلك ولا يشترط فيه ذلك. انتظر على وزن (إفتعل) وفيها تمهّل مثل اصبر واصطبر وكسب واكتسب وجهد واجتهد. اصطبر هو صبر طويل شديد، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) المزمل) (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (١٣٢) طه) لأن الصلاة هي كل يوم خمس مرات كل يوم ولا تنقطع طوال العمر. أما اصبر على ما يقولون واهجرهم لا يحتاج لصبر لكن قال (واصطبر عليها) لأن الصلاة تحتاج لصبر طويل ودائم. صيغة افتعل فيها تمهّل ومدّة واجتهاد وإبطاء. مثل كسب واكتسب (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (٢٨٦) البقرة) الإكتساب فيها تعمّل واجتهاد وليست اكتسب عامة أنها في الشر. الكسب يكون في الخير والشر لأن الكسب أسرع والاكتساب فيه تعمّل واجتهاد وكسب حتى يكتسب والسيئات تحتاج إلى مشقة أما الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، يغتابك أحد وتكسب أنت خيراً وهو يكتسب شراً. لم يقل انتظرونا لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء وهؤلاء يُسرع بهم ولو قالوا انتظرونا ليس هناك مجال أن يجيبوهم، انظرونا ولو قليل، هم يُسرع بهم الآن إلى الجنة فلا ينتظرون، هم يعلمون أنه لو قالوا انتظرونا لم يجيبوهم لأنه ليس هناك فسحة للوقت فهم طلبوا

стр. 211

أقل الوقت. (المنافقون والمنافقات) في صدر الآية حتى لا يشفع أحدهم للآخر لا تقول المنافقة هذا زوجي يملك أمري كان منافقاً فماذا أفعل؟ لا يشفع هذا لها وينبغي أن تستقل بالعقيدة استقلالاًـ فيها إفراد لتتحمل المسؤولية لا يغني عنك هذا. في العقيدة ليس هناك طاعة "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" التغليب يدل على العموم والشمول وأحياناً يراد به التفصيل. (انظرونا نقتبس) تحتمل انظروا لنا، هي فيها احتمالين انظروا إلينا نقتبس من نوركم. (أَنظَره بمعنى أمهله) (قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) الأعراف) هذا فعل رباعي انظرني من الفعل الرباعي، انظر مضارعه يُنظِر وكل رباعي مضموم حرف المضارعة. هنا أُنظرونا من نظر ينظر. انظرونا لها معنيين: على الإمهال (أنظرني في الدِيْن) أي أمهلني وانظرونا بالعين. نظر فعل متعدٍ بذاته (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا (١٩) الكهف) .

стр. 212

الحلقة ١٨ تابع سورة الحديد (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)) . ذكرنا المنافقين والمنافقات في حلقة سابقة وذكرنا أنه فصّل وذكرهم ليدل على أن كل فرد من الجنسين ينال جزاؤه ولا يشفع لأحدهم قرابة فلا تقول المنافقة كنت تابعة لزوجي أو أخي. وذكرنا أن الانتظار فيه تمهل وإبطاء وقلنا أن نظر أسرع من انتظر لأن انتظر فيها تمهل وإبطاء على وزن (إفتعل) وضربنا أمثلة في حينها والمؤمنون يُسرع بهم إلى الجنة فلا يوجد وقت للانتظار والمنافقون يعلمون هذا ولو قالوا لهم انتظرونا لم يجيبوهم ولم يأبهوا لهم لأنهم يُسرع بهم إلى الجنة فطلبوا مدة قليلة أن ينتظروهم ولو كان في الأمر متسع في الوقت كما قال تعالى في الدنيا (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) لكن الظرف لا يسمح بالانتظار والتمهل الكثير. قال انظرونا وهي ليست مثل انتظرونا من حيث دلالتها على الزمن. إبليس قال (أنظِرني إلى يوم يبعثون) أي أمهلني وهذا معنى مختلف. أَنظِرني أي أمهلني أما انظرونا بمعنى انتظرونا وهنا لم ترد اَنظرونا من أنظر الفعل الرباعي كما قال إبليس وإنما انظرونا من الفعل الثلاثي نظر ينظر وليس من أنظر. أُنظرونا في اللغة تحتمل أمرين: أنه انظروا إلينا وبمعنى انتظرونا وذكرنا هذا سابقاً. انظرونا أي استقبلونا بوجوهكم حتى نرى لأن لديهم نوراً في أيديهم حتى يستضيؤا به، قال انظرونا. إذن تحتمل معنيين يحتمل الانتظار ولو كان قليلاً ليستضيؤا بهم ويحتمل انظروا إلينا ليمشوا في نورهم.

стр. 213

(نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) أي نُصِب من نوركم وليس بمعنى نأخذ لأن القبس يستعمل في النار وهو الشعلة من النار. القبس ويقال اقتبس من علمه لكن في الأصل هو الشعلة من النار (بشهاب قبس) لكن فرق بين نأخذ ونقتبس فالقبس أن تأتي بعود وتضعه في النار فيشتعل فتأخذه أما الأخذ فهو أن تلتقط من النار لذا قال تعالى (نقتبس) ولم يقل نأخذ لأن الاقتباس لا يُنقِص من المقتَبَس أما الأخذ فقد ينقص منه لذلك قال تعالى (نقتبس من نوركم) أي أن نوركم باقٍ لكن دعونا نقتبس منه ولا نأخذ منه ولو قال نأخذ منه حتماً سيردّوهم. ولذلك قال نقتبس لأنه لن يؤثر على نورهم والنور كبير عندهم. أما لو قال نأخذ قطعاً يعرفون أن المؤمنين لن يوافقوا على هذا الطلب. قال (نقتبس) ولم يقل نقبس لأن الاقتباس أعظم من القبس (اقتبس على وزن افتعل) أكثر. هذا يدل على عِظَم نور المؤمنين فهو ليس قليلاً مهما أُخِذ منه فهو كثير فقالوا نقتبس من نوركم وهذا يدل على عظم النور الذي أعطاه الله للمؤمنين. فقالوا نقتبس، رأوا نوراً عظيماً عند المؤمنين فقالوا (نقتبس) . هذا يشير للسامع العربي إلى النور العظيم الذي أعطاهم إياه الله تعالى حتى يقول المنافقون نقتبس منه وهذا معناه أنه نور عظيم وهذا يدل على إكرام المؤمنين، هذا النور لا ينقص بالاقتباس وهو كثير. هذا ليس من قبيل زيادة المبنى تدل على زيادة لمعنى هو في الغالب هذا صحيح لكن في بعض الأحيان قد يكون البناء الأقل أبلغ من البناء الأكثر مثلاً من صيغ المبالغة (حذِر) وحاذِر إسم فاعل لكن حذِر أبلغ من حاذر مع أن حذر بناؤها أقل. فهذه ليست قاعدة مضطردة. (نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) لم يقل من النور الذي معكم. وقال (يسعى نورهم) إذن هو نورهم هم، ملكهم، ليس من النور الذي معكم وإنما لكل واحد منهم نور. سؤال من المقدم: هل في هذا دلالة على التملك؟ هو دلالة على شبه التمليك فهو أي النور لا يملّك.

стр. 214

ما قالوا انظرونا نقتبس من هذا النور لأن من نوركم أكبر ونور المؤمنين أكرم فكل واحد له نور عظيم وليس نوراً عادياً بحيث يمشون فيه وإنما لكل واحد نور خاص يمشي به. (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) : لاحظ الآية تقول (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا) إذن هم يخاطبون الذين آمنوا، (قيل) فعل مبني للمجهول ولم يقل قالوا لأنه من الذي قال؟ الملائكة لأن المؤمنين مشغولون بما هو أعظم وأهمّ وأدعى للاهتمام لذلك قال (قيل ارجعوا) الملائكة هم الذين قالوا لأن هذا ليس كلام المؤمنين وإنما هم يُسعى بهم إلى الجنة فليس عندهم وقت للوقوف والكلام.

стр. 215

(قيل ارجعوا وراءكم) إرجعوا فيها دلالة الوراء فما دلالة وراءكم؟ هذه فيها أكثر من أمر في اللغة: إما أن يكون ظرفاً مؤكِّداً (وراءكم) ونحن عندنا ظرف مؤكد وظرف مؤسس كما عندنا حال مؤكد وحال مؤسس ونعت مؤكد ونعت مؤسس. المؤسس هو الذي يؤسس معنى جديداً غير موجود في الجملة مثل: أقبل أخوك مسرعاً، رأيت أخاك نائماً، نائماً ليست من رأيت أخاك وليس لها علاقة برأيت أخاك هذه يسمونها حال مؤسسة. أما قوله تعالى (ولّى مدبراً) حال مؤكدة. عندنا ظرف مؤسس وظرف مؤكد، ظرف مؤسس أكثر مثال على الظروف تقول: جاء يوم الجمعة لأن المجيء يمكن أن يكون في أيام أخرى، جلس بين الأشجار (مؤسس) لكن جلست زمناً لا بد أن يكون له زمن، تكلّم حيناً هذا يسمى ظرف مؤكد. (وراءكم) ظرف مؤكد لـ (ارجعوا) . والدلالة التي يزيدها التوكيد هنا لأن التأكيد مطلوب في اللغة كما قال تعالى (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ (٢٦) النحل) السقف معروف أنه فوق وكذلك قوله تعالى (وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ (٣٨) الأنعام) معروف أن الطائر يطير بجناحيه فالتوكيد موجود في اللغة وغرضه البياني زيادة في التوكيد والاهتمام. وقد يكون (وراءكم) إسم فعل بمعنى ارجع فيكون فيها تأكيدين: إسم الفعل وتأكيد بالفعل. (إرجعوا وراءكم) فيها إهانة أشد للكافرين. ثم (وراءكم) ليس بالضرورة أن تكون مؤكدة. لما تقول إرجع قد ترجع في مكانك بظهرك من غير إستدارة لكن لما تقول إرجع وراءك فلا بد أن تستدير وترجع للمكان الآخر فهناك فرق بين ارجع أي أفسح المجال أو وسِّع أما ارجع وراءك فهو أمر آخر وهو أن يذهب للخلف يستدير ويرجع فهذا كالطرد. (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) ، قيل ارجعوا قلنا أن المؤمنين لم يقولوا هذا الكلام وإنما الملائكة قالتها لأن المؤمنين مشغولون بما هو أهمّ.
следующие страницы →