أما الآيات في سورة القلم (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾ و (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴿٥١﴾ )) فزيادة الباء (بمجنون) لأنه لم يزد الكافرون عما جاء في الآيات فناسب أول السورة ما جاء في آخرها. والباء تأتي لتوكيد النفي (بمجنون) واللام لتوكيد الإيجاب (لمجنون) فهو نفي مقابل للام التوكيد. واستخدام (إنّ) مع اللام (لمجنون) للتوكيد على ما قالوه عن الرسول ﷺ .
٢٤١- ما الفرق البياني بين (أخرّتني) في سورة المنافقون و (أخرتن) في سورة الإسراء؟
قال تعالى في سورة المنافقون (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠﴾ ) أما في سورة الإسراء فقال تعالى (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ﴿٦٢﴾ )
إذا استعرضنا الآيات في سورة المنافقون وخاصة الآية التي سبقت الآية موضع السؤال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩﴾ ) نجد فيها عدة أمور نتوقف عندها:
١. نجد أن الله تعالى قدّم الأموال على الأولاد وعزاه إلى عدم الإنشغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله وبيّن عاقبة من يفعل ذلك (أولئك هم الخاسرون) .
٢. ثم قال تعالى: (لا تلهكم) ولم يقل (لا تشغلكم) لأن الإلهاء على العموم يستخدم في مقام الذمّ ثم إن الإلتهاء عن ذكر الله أولى من ذكر الشغل.
стр. 807
٣. استخدام (لا) في (أموالكم ولا أولادكم) ولو لم توجد (لا) لفُهِم عدم الإلتهاء بالأموال والأولاد مجتمعين أي أنه قد يُفهم أن النهي يكون إذا اجتمع الأمران: الأموال والأولاد؛ والمعنى المُراد: هو عدم الإلتهاء بالأموال ولا الأولاد مجتمعين أو متفرقين.
٤. قدّم الأموال على الأولاد مع أنّ حُبّ الأولاد أكثر لكن الإلتهاء بالمال يكون أكثر من الإلتهاء بالأولاد لذا قدّم الأموال على الأولاد للتحذير. أما في مواطن الحُبّ يقدّم الأولاد على غيرهم وفي حبّ الشهوات قدّم النساء على باقي الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴿١٤﴾ ) سورة آل عمران.
٥. (لاتلهكم أموالكم) الفاعل هنا (أموالكم) وضمير المخاطب هو المفعول به ومعناه أن الله تعالى نهى السبب (الأموال والأولاد) عن التعرّض للمؤمن وهذا لأهمية المؤمن ومكانته الكبيرة عند ربّه. وإسناد الإلهاء للأموال فيه تنبيه للمؤمن على عدم الإلتهاء بالأموال. وكأن الأموال تنصب الشرك للمؤمن فيتلهّى عن ذكر الله تعالى.
٦. ذكر الله: هو عموم الطاعات وجميعها لذا خصّ الله تعالى في الآية (ذكر الله) عندما تحدث عن الإلتهاء بالأموال والأولاد.
٧. (أولئك هم الخاسرون) "هم" تفيد أنهم هم حصراً الخاسرون خسراناً كاملاً.
٨. (ومن يفعل ذلك) كلمة (يفعل) لأن الإلتهاء هنا من فعل الإنسان وجاء الفعل مضارعاً لإفادة الإستمرار وليس من المعقول أن تكون هذه الخسارة العظيمة من فعل مرة واحدة بل هي نتيجة عملية متكررة.
стр. 808
٩. والإلتهاء بالمال هو الإنشغال بالوقت والقلب لذا جاءت فيما بعد (وأنفقوا مما رزقناكم) "مما" تفيد البعض وليس الكل فالإنفاق يكون بشيء مما رزقنا الله تعالى حتى تستسهل النفوس الإنفاق لأن الرزق لو كان من عند الناس لبخلوا به (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً ﴿١٠٠﴾ الإسراء) . وكلمة (رزقناكم) تعني: أن الله تعالى هو الرزاق. فأنفقوا مما رزقكم الله وليس الرزق من أنفسكم أيها الناس فالله تعالى ينسب النعمة والخير إلى نفسه ولا ينسب الشر لنفسه (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً ﴿٨٣﴾ الإسراء) . أما في الجنة حيث لا حساب ولا عقاب يقول تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥﴾ البقرة) .
١٠. (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) (من) الإبتدائية وهي تشمل كل الفراغ بين الإبتداء والنهاية كما في قوله تعالى (رواسي من فوقها) و (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴿٩﴾ يس) لو لم ترد (من) في آية سورة المنافقون كان ممكن أن يكون الزمن بعيد أما وجود (من) فيفيد أن كل لحظة يمكن أن تكون لحظة الموت وهذا يستدعي إعادة نظر في حياة الإنسان.
стр. 809
١١. (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) إستخدام فعل (يأتي) بدل (جاء) في الآية ومن الملاحظ أن فعل (جاء) لم يرد أبداً في القرآن كله بصيغة المضارع أما بالنسبة لفعل "أتى" فقد استعمل مضارعاً واستعملت كل مشتقاته (آتيكم، مأتيا) . ثم إن تقديم المفعول به على الفاعل لأنه أهم وهو المأمور والمنهي وهو المحاسب وهو محور الخطاب والموت يأتي في كل لحظة.
١٢. استخدام الفاء في (فيقول) الفاء لها أكثر من سبب فهي تختلف عن أحرف العطف أولاً: لأنها تفيد السبب كأن نقول نزل المطر فنبت الزرع، ثانياً: تفيد الترتيب والتعقيب (أقبل محمد فخالد) مباشرة بعد محمد أقبل خالد وكما في قوله تعالى: (أماته فأقبره) مباشرة بلا مهلة بينهما أما (ثم) فتفيد التعقيب والتراخي (ثم إذا شاء أنشره) أي بعد وقت. والفاء في (فيقول) تدل على أن الموت هو السبب لهذا القول ينكشف للذي أتاه الموت من سوء المنقلب ما يدعوه ليقول (رب لولا أخرتني) أي بمجرد أن يموت وينكشف الغطاء يقول مباشرة (رب لولا أخرتني) فأفادت الفاء هنا الترتيب والتعقيب.
١٣. حذف يا النداء في قوله (رب لولا أخرتني) ولم يقل (يا رب لولا أخرتني) إشارة إلى أن هول ما يلاقيه الميّت حذف حرف النداء لأن الوقت لا يحتمل تضييعه بقول (يا) لذا قال (رب لولا أخرتني) فالحذف جاء للإنتهاء من الكلام بسرعة حتى لا يقع المكروه فالميّت يريد أن يخلص إلى مراده بسرعة.
стр. 810
١٤. كلمة (رب) فيها العبودية والإنسان يلجأ إلى مربّيه ومتولّيه ورازقه ولم يقل اللهم لولا أخرتني وفي القرآن كله لم يحصل دعاء بكلمة (اللهم) إلا في مكان واحد قوله تعالى (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣٢﴾ الأنفال) وفي دعاء عيسى ﵇ (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١٤﴾ المائدة) قد جاء لفظ (ربنا) بعد (اللهم) .
١٥. (لولا) : أداة تحضيض وهو طلب للمتوفّي (لولا أخرتني) طلب المتوفّي (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصّدق وأكن من الصالحين) أظهر نفسه بالطلب الصريح لذا جاءت ياء المتكلم في (أخرتني)
أما في سورة الإسراء فقال تعالى (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ﴿٦٢﴾ ) . لم يأت بحرف طلب وليس فيها أداة تحضيض (لولا) وهذا طلب إبليس وهو طلب ضمني وليس طلب صريح فإبليس طلبه ليس لمصلحة نفسه وإنما أراد أن يُلحق الضرر ببني آدم. ولهذا اكتفى بالكسرة ولم يأت بالياء الصريحة في (أخرتنِ) لأن طلب إبليس طلب ضِمني.
٢٤٢- ما أصل كلمة (الله) ؟
(الله) : أصلها من أل الإله حُذفت الألف فأصبحت (الله) ، من (عَبَد) لذا اقترن إسم (الله) بالعبادة في القرآن.
٢٤٣- ما الفرق بين الحمد والشكر؟
الحمد: هو الثناء وليس بالضرورة على ما يصيبه لكن قد يُحمد الشخص لأفعاله. أما الشكر فلا يكون إلا على النعم. والحمد يكون باللسان أي الثناء على الله تعالى أما الشكر فهو مقابلة النعمة بالفعل. وكلمة الرحمن من الرحمة.
٢٤٤- ما الفرق بين العقل والقلب؟
стр. 811
العقل يأخذ الأمور بمحسوب رياضي والعقل منطقة باردة، أما القلب فهو الذي يحملك على العمل بموجب ما تعتقد وقد لا يحمل المنطق العقلي للإنسان على العمل بموجب ما تعتقد.
٢٤٥- ما الضابط لتاء التأنيث في القرآن فقد تأتي مفتوحة أو مربوطة؟
القاعدة: خطّان لا يُقاس عليهما خط المصحف وخط العَروض. وقد كُتب القرآن كما كتبه الصحابة وقد نجد في القرآن كلمة (نعمت) و (نعمة) و (رحمت) و (رحمة) وأحياناً نجد في بعض القراءات نعمات. وأحياناً لا يُعلل خط المصحف.
٢٤٦- ما الفرق بين كلمة (بطونه) في آية سورة النحل و (بطونها) في آية سورة المؤمنون؟
قال تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) (النحل:٦٦) وقال تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُون) (المؤمنون:٢١)
آية النحل تتحدث عن إسقاء اللبن من بطون الأنعام واللبن لا يخرج من جميع الأنعام بل يخرج من قسم من الإناث.
أما آية المؤمنون فالكلام فيها على منافع الأنعام من لبن وغيره وهي منافع عامة تعم جميع الأنعام ذكورها وإناثها صغارها وكبارها فجاء بضمير القلة وهو ضمير الذكور للأنعام التي يستخلص منها اللبن وهي أقل من عموم الأنعام وجاء بضمير الكثرة وهو ضمير الإناث لعموم الأنعام وهذا جار وفق قاعدة التعبير في العربية التي تفيد أن المؤنث يؤتى به للدلالة على الكثرة بخلاف المذكر وذلك في مواطن عدة كالضمير واسم الإشارة وغيرها (١) .
٢٤٧- ما سبب استخدام كلمة (أوحينا) مع الرسول ﷺ ونوح وإبراهيم وغيرهم من أنبياء وإفراد (آتينا) لداوود ﵇ في سورة النساء؟.
стр. 812
قال تعالى في سورة النساء: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴿١٦٣﴾ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً ﴿١٦٤﴾ ) . إذا قرأنا الآية وما قبلها (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴿١٥٣﴾ ) نجد أن الله تعالى يخاطب هؤلاء ويذكر سيئاتهم والآية ١٦٣ جاءت بعد الآية ١٥٣ لأن هؤلاء قالوا أنهم حتى يؤمنوا بالرسول ينبغي أن يُنزّل عليهم كتاباً من السماء فيقوله تعالى (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) ثم يأتي الرد من الله تعالى تعقيباً على ما سأله هؤلاء (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴿١٦٣﴾ ) فذكر تعالى جملة أشياء أنه أوحى إلى مجموعة من الأنبياء وهم يؤمنون بهم مع أنهم لم يأتوهم بما طلبوا فهم آمنوا بنوح وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب واسحق ويونس وغيرهم من الأنبياء، فيقول تعالى أنه كما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء أوحى إلى الرسول ﷺ فإذا كانوا هم يؤمنون بأولئك بدون كتاب فإذن الوحي
стр. 813
يجب أن يكون كافياً. هذا أمر والأمر الآخر (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) سواء كان معهم كتب أو لم يكن معهم، وكما آتينا داوود زبوراً بمعنى آتيناك كتاباً كما آتينا داوود زبورا فلماذا خصّ الزبور؟ لأن الزبور نزل منجّماً أي بالتقسيط كما أُنزل القرآن على الرسول ﷺ . ويخاطب تعالى الكافرين بقوله أنتم تؤمنون بداوود وقد نزل عليه الزبور منجماً وقد أتيناك كتاباً كما آتينا داوود، وتؤمنون بالأنبياء الذين أوحينا إليهم وقد أوحينا إليك كما أوحينا إلى باقي الأنبياء. وكما أرسلنا رسلاً أرسلنا محمداً أيضاً (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) وفي آخر الآية يقول تعالى (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً) فهو إذن وحي وإيتاء. والله تعالى كلّم موسى ﵇ في موضعين الأول في الوادي المقدس (إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى) سورة النازعات وعلى جبل الطور (ولمّا جاء موسى لميقاتنا قال رب أرني أنظر إليك) سورة الأعراف وليس هناك أعلى من ذلك أما محمد ﷺ فقد صعد إلى سدرة المنتهى، وأعلى مكان كلّم الله تعالى موسى عليه هو الطور. وأوحى تعالى إلى رسوله ﷺ كما أوحى لباقي الأنبياء وآتاه مثل ما آتى داوود ورفعه إلى مكان أعلى مما رفع عليه موسى فإذن كل الأشياء التي ينبغي الإيمان بها أعطاها تعالى للرسول فسقطت حجة الكافرين إذن.
٢٤٨- في كتب النحو (ثم) حرف عطف يفيد التراخي فما سر دخول الحرف في الأسلوب الإنشائي في قوله تعالى (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿٧﴾ التكاثر) ؟
стр. 814
أولاً: نقول أنه من حيث الحكم النحوي (ثم) ليست مختصة بأسلوب إنشائي أو خبري وقد وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة (ثم صبوا فوق رأسه) إنشائي، (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) إنشائي، (ثم كيدون جميعاً) إنشائي، (ثم توبوا إليه) إذن (ثم) ليست مختصة بخبر أو إنشاء. (وللعلم الإنشاء هو ما فيه أمر أو استفهام أو ترجي أو تحضيض أو..) والحكم يكون على الأسلوب بغض النظر عن القائل. هناك أمر آخر (ثم) قد تكون لمجرد الترتيب في الإخبار (ثم) تفيد الترتيب والتراخي وهذا هو الذي يثيره النحاة (ثم) يقولون تأتي لمجرد الترتيب في الإخبار وليس في الأحداث بدليل قوله تعالى (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) ليس في الآية تعقيب لأن الله شهيد على ما يفعلون دائماً. وكذلك في قوله تعالى (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) وقال الشاعر:
أنا من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده
وهذا ترتيب في الإخبار وليس ترتيباً زمنياً كأن نقول مثلاً: أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت الأمس أعجب.
стр. 815
وهناك الترتيب في الإخبار بغض النظر عن زمنه. أحياناً يكون التراخي في المرتبة كقوله تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾ البلد) فما معنى الإيمان بعد الإطعام؟ لا يمكن أن يكون هذا هو المقصود بل المقصود أن مرتبة الإيمان هي أعلى من الإطعام ولم تأتي (ثم) للترتيب لأنه لو لم يكن مؤمناً فليس فيه فائدة. وهذا ما نسميه الترتيب في المنزلة. وكذلك قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ فصلت) لا شك أن الإستقامة أعلى مرتبة.
فلماذا دخلت (ثم) على قوله تعالى (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿٦﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿٧﴾ التكاثر) هذه ليست إنشاء وإنما جواب القسم والقسم هو الإنشاء أما جواب القسم فمن حيث الحكم النحوي: جواب القسم لا يكون إنشاء إلا مع الباء؛ يصح أن يكون إنشاء مع الخبر الطلبي أو الإستعطافي فقط. مثلاً لا يمكن أن أقول: والله افعل أو والله لا تفعل إنما أقول والله لأفعلنّ ووالله لتفعلنّ ولا يمكن أن يكون جواب القسم طلب أو إنشاء إلا أن يكون جواب القسم بالباء (بالله عليك افعل) أو (بالله عليك لا تفعل) (بربّك هل فعلت؟) أما في غير الباء فلا يكون جواب القسم طلبياً. إذن الجواب خبري ويكون إنشائياً مع الباء فقط (تالله لأكيدنّ أصنامكم) "تالله" هي الإنشاء و"لأكيدن" هي خبر. وهناك فرق بين القسم وجواب القسم، جواب القسم خبر إلا ما استثنيناه وما يصح أن يكون مع الباء وحدها والباقي خبر.
стр. 816
(لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿٦﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿٧﴾ التكاثر) قسم ذهب إلى أنها للتوكيد وقد تأتي إذا أُعيدت الجملة للتوكيد (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾ المدّثر) التكرار فيه توكيد ولا مانع أن يُفصل بحرف عطف. وقد يأتي التكرار بدون حرف عطف كما في قوله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴿٦﴾ الشرح) ، يمكن أن تكون توكيداً مع العطف كأن نقول (والله ثم والله) . وقسم آخر قال أن (ثم) ليست توكيداً وإنما المشهد مختلف فـ (ثم) الأولى هي في عذاب القبر والثانية في الحساب يوم القيامة تراخي في الزمن) وهذا الذي يرجحه الأكثرون.
وفي بداية سورة التكاثر قال تعالى أيضاً (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ) هنا العلم علمان علم عند المشاهدة والإحتضار والعلم الثاني عند الحساب يوم القيامة، فإذا كان العلم الأول هو نفس العلم الثاني تكون (ثم) للتوكيد وإذا كان العلم الثاني غير العلم الأول تكون (ثم) للتراخي في الزمن لأن فيها تأسيس لمعنى جديد.
٢٤٩- ما الفرق بين كلمة (المصّدقين) و (المتصدقين) ؟
стр. 817
قال تعالى في سورة الحديد (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١٨) وقال في سورة الأحزاب (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴿٣٥﴾ ) وفي سورة يوسف (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴿٨٨﴾ ) .
стр. 818
الأصل في كلمة (المصّدقين) هي المتصدقين وأُبدلت التاء إلى صاد مثل تزمّل ومزّمل وتدثّر ومدّثّر يجوز إبدال التاء مع الدال والصاد. لكن لماذا أبدل في آية سورة الحديد (الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ) ؟ كلمة "المصّدّقين" فيها تضعيفان تضعيف في الصاد وتضعيف في الدال؛ أما (المتصدقين) ففيها تضعيف واحد في الدال؛ والتضعيف يفيد المبالغة والتكثير مثل كسر وكسّر. إذن المصّدّقين فيها للصدقة والتكثير فيه من حيث المعنى العام. ونأتي للسؤال لماذا ذكر (المصّدّقين) في آية سورة الحديد بينما استخدم (المتصدقين) في سورتي الأحزاب ويوسف؟ في سورة يوسف جاء في الآية (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) فناسب ذكر المتصدقين لأن إخوة يوسف طلبوا التصدق فقط؛ لم يطلبوا المبالغة في الصدقة وهذا من كريم خلقهم فطلبوا الشيء القليل اليسير هذا أمر، والآمر الآخر أنه قال تعالى (والله يجزي المتصدقين) فلو قال (يجزي المصّدّقين) لكان الجزاء للمبالغ في الصدقة دون غير المبالغ وهذا غير مقصود في الآية أما عندما يقول (يجزي المتصدقين) فيدخل فيها (المصّدّقين) وهذا ينطبق أيضاً على آية سورة الأحزاب. نأتي لماذا قال تعالى (المصّدّقين) في آية سورة الحديد؟ لو لاحظنا سياق الآيات في سورة الحديد نجد أن الآيات فيها اشتملت على المضاعفة والأجر الكريم وهذا يتناسب مع المبالغة في التصدق ويتناسب مع الذي يبالغ في الصدقة. ثم إن سورة الحديد فيها خط تعبيري واضح في دفع الصدقة والحث على دفع الأموال في السورة كلها (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾ ) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن
стр. 819
قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١٠﴾ ) (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١١﴾ ) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١٨﴾ ) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٤﴾ ) فجو السورة إذن هو جو الإيمان وجو الإنفاق فناسب أن يستعمل معها كلمة (المصّدّقين) لا (المتصدقين) .
٢٥٠- ما دلالة استخدام صيغة الجمع في القرآن مثل ضربنا، رفعنا، قلنا، أنزلنا وغيرها مما ورد في القرآن؟
стр. 820
القرآن استعمل صيغة الجمع (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴿١١﴾ الكهف) (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿٤﴾ الشرح) وصيغة الإفراد (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُوداً ﴿١٣﴾ وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ﴿١٤﴾ المدثر) وفي صيغة الجمع يؤتى بما يسمى ضمير التعظيم ويستعمل إذا كان المقام مقام تعظيم وتكثير؛ ويستعمل الإفراد إذا كان المقام مقام توحيد أو مقام آخر كالعقوبة المنفردة. لكن من المهم أن نذكر أمراً: وهو أنه في كل موطن في القرآن الكريم وبلا استثناء إذا استعمل ضمير التعظيم لابد من أن يأتي بعده بما يدل على الإفراد حتى يزيل أي شك من شائبة الشرك لأنه من نزل عليهم القرآن كانوا عريقين في الشرك (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿١﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿٢﴾ ) (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿٢﴾ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴿٣﴾ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ﴿٤﴾ ) (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴿٢﴾ وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ﴿٣﴾ ) لم يقل في آية سورة الفتح "لنغفر لك" بينما قال في النصر (فتحنا) لأن الفتح قد يأتي بأن يأخذ بالأسباب كالجيش وغيره ويأتي النصر من عند الله، أما مغفرة الذنوب فمن الله وحده ولا تحتاج لجمع لأنه هو وحده الذي يغفر (ومن يغفر الذنوب إلا الله) فضمير التعظيم لا يمكن أن يستمر إلى نهاية الآيات فلابد من وجود شيء
стр. 821
يدل على الإفراد ومثال آخر ما جاء في سورة النبأ معظم الآيات فيها ضمير التعظيم (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴿١٣﴾ وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً ﴿١٤﴾ ) إلى أن جاء في أواخر السورة (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ﴿٣٧﴾ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴿٣٨﴾ ) .
٢٥١-قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴿١٦﴾ الأنبياء) فهل إذا حُذف الحال (لاعبين) يكون الحكم مقيّداً؟
стр. 822
أولاً: يجب أن نوضح أن هناك وهم عند الطلبة فيما يتعلق بحذف الفضلة. عندما يقسم النحاة أركان الجملة إلى عُمدة (هي المسند والمسند إليه) وفضلة (وهي ما تبقى وهو ما ليس من أركان الجملة الأساسية) فالعمدة هو المبتدأ والخبر وما كان أصله مبتدأ وخبر والفعل والفاعل وإسم الفعل والباقي يسمى فضلة وتكملة ويقولون إن الفضلة يمكن الإستغناء عنها باعتبار أنها ليست من أركان الجملة الأساسية أما العمدة فلا يمكن الإستغناء عنها وهذا خطأ لأن المقصود بالإستغناء أنه من الممكن أن تتألف الجملة بدون فضلة لكن لا يمكن أن تتألف الجملة من دون عمدة والإستغناء لا يعني الحذف وغير حذف لأن الفضلة والعمدة يمكن أن تُحذفا وجوباً أو جوازاً. إذن المسألة ليست قائمة على الذكر والحذف أو على المعنى أو غير المعنى إذا حذفنا الفضلة أن نستغني عنها أحياناً، معنى الكلام يتوقف على الفضلة في كثير من الأحيان مثلاً (ولا تمش في الأرض مرحا) إذا حذفنا (مرحا) هل يستقيم المعنى؟ وكذلك في قوله تعالى (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى) ما هو المعنى إذا حذفنا كُسالى؟ وكذلك في الآية موضع السؤال إذا حذفنا (لاعبين) فهل يستقيم المعنى؟ بالطبع لا يستقيم. ونأخذ مثالاً آخر إذا قلنا (إنما الميت من يعيش كئيبا) إذا حذفنا (كئيبا) ما يكون المعنى؟ وأحياناً يحذف الكلام وتبقى الفضلة ويكون المعنى واضح مثل (النار النار) حذفت العمدة هنا وجوباً ومع هذا استقام المعنى.
٢٥٢- ما دلالة (أو فساد) في آية سورة المائدة؟
стр. 823
قال تعالى في سورة المائدة (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿٣٢﴾ ) " أو فساد " معطوفة على " بغير نفس " بمعنى (أو بغير فساد) أي قتل النفس بغير أن تُفسد في الأرض لا يجوز.
٢٥٣- ما الفرق البياني بين آية رقم (١٣٣) من سورة آل عمران وآية رقم (٢١) من سورة الحديد؟
قال تعالى في سورة آل عمران (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آية١٣٣) وقال تعالى في سورة الحديد (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (آية٢١)
السماء والسموات:
السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان
١- واحدة السموات السبع، كقوله تعالى: "ولقد زَيّنا السّماءَ الدنيا بِمَصابيح " الملك، وقوله: "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ" ـ الصافات:٦
٢- كل ما علا وارتفع عن الأرض
- فسقف البيت في اللغة يسمى سماء، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) الحج:١٥، يقول المفسرون: (أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه) فالسماء هنا بمعنى السقف
стр. 824
- وقد تكون بمعنى السحاب: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) ّالرعد:١٧
- وقد تكون بمعنى المطر: (يرسل السماء عليكم مدرارا) نوح.
- وقد تكون بمعنى الفضاء والجو: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ـ النحل:٧٩
- وقوله عن السحاب: (فيبسطه في السماء كيف يشاء) .
وذكر هذا الارتفاع العالي: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:١٢٥)
فالسماء كلمة واسعة جدا قد تكون بمعنى السحاب أو المطر أو الفضاء أو السقف.
مثال آخر:
(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) ـ الحجر:١٥
فالإنسان إذا خرج من جو الأرض انتقل إلى ظلام فلا يبصر، وبهذا تكون السماوات جزءا من السماء، لأن السماء كل ما علا وارتفع مما عدا الأرض، والسماوات جزء منها بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الفضاء والسقف والمطر والسحاب، فإن (السماء) تكون أوسع من (السموات) فهي تشملها وغيرها قال تعالى: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:٦) وقال: (ربي يعلم القول في السماء والأرض) لأن القول أوسع من السر، فهو قد يكون سرا.
стр. 825
(وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ـ المجادلة: ٨، وقد يكون جهرا فهو أوسع من السر والسر جزء منه
فلما وسع قال (القول) وسع وقال (في السماء) . ولما ضيق وقال (السر) قال (السماوات)
فبهذا المعنى الشامل تكون (السماء) أوسع بكثير من (السماوات) ، ولذلك لما قال (السماوات) قال (عرضها السماوات) ، ولكن عندما اتسعت اتساعا هائلا جاء بأداة التشبيه (عرضها كعرض السماء) لأن المشبه به عادة أبلغ من المشبه، فهي لا تبلغ هذا المبلغ الواسع الذي يشمل كل شيء
كلمة (السماء) تأتي عامة "والسماء بنيناها بأيد"، "وفي السماء رزقكم وما توعدون"، "أأمنتم من في السماء.." ثم تتسع لأشياء أخرى، فعندما يقول: "سبع سموات طباقا" فهي ليست الفضاء ولا السقف ولا السحاب، فعندما اتسعت قال (كعرض السماء) وعلى هذا بني التعبير كله في الآيتين
سابقوا، سارعوا:
عندما قال (سارعوا) قال (عرضها السماوات والأرض) ، وعندما قال (سابقوا) قال (كعرض السماء والأرض) .
أعدت للمتقين، أعدت للذين آمنوا:
عندما ضيق حددها للمتقين ثم وصفهم في الآيات التالية، وعندما وسع عمم القول ليسع الخلق (الذين آمنوا بالله ورسله) وهؤلاء المتقون جزء من الذين آمنوا، ولم يحدد عملا محددا لهؤلاء
سابقوا، سارعوا
كثرة الخلق المتجهين لمكان واحد تقتضي المسابقة، فإن قلّوا اقتضى ذلك المسارعة فقط، وليس المسابقة.
اتسع المكان فاتسع الخلق، ذكر السماء التي تشمل السموات وزيادة، وذكر الذين آمنوا بالله ورسله وهي تشمل المتقين وزيادة، ثم زاد وقال: "ذلك فضل الله". لأن الفضل أوسع مما جاء في سورة آل عمران بل الفضل واضح إذ جاءت عامة
стр. 826
وكذلك لو لاحظنا الناحية الفنية لرأينا وضع كل واحدة يناسب ما هي فيه، ففي سورة الحديد تتكرر عبارات (آمنوا بالله) و (الفضل العظيم) و (يضاعف لهم) ففيها تفضلات كثيرة. وكذلك وضع الواو في سارعوا، آية آل عمران فيها متعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف وفي آل عمران نرى المتقين والأمر بالتقوى يتكرر عدة مرات.
٢٥٤- ما دلالة قوله تعالى: (أفلا يعقلون) في الآية ٦٧ من سورة النحل؟ وهل يعقل السكران؟
قال تعالى في سورة النحل: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)) وهذه الآية مكيّة وليست مدنية أي نزلت قبل تحريم الخمر.
والسَكَر في اللغة من أشهر معانيها: الخمر؛ وقسم قال أن من معانيها: الخلّ لكن الأشهر هو الخمر. وقد قال تعالى: (سكراً ورزقاً حسنا) ودلّ في هذا على أن ما يتخذه الإنسان من ثمرات النخيل والأعناب يكون إما سكراً (وهو ليس بالرزق الحسن) أو الرزق الحسن. ففي هذه الآية:
أولاً: إشارة إلى أن الخمر أو السكر ليس من الرزق الحسن مع أنه لم يكن قد نزل تحريمها لكنه أول تقسيم في مكة.
والأمر الآخر: أنه لم يقل في الآية "لعلكم تشكرون" لأنه لم يجعل السكر من باب النعم حتى لا يشمل الشكر الخمر.
وثالثاً: أن استخدام كلمة (يعقلون) فيه تعريض بالخمر لأنه يزيل العقل فكأن الذي يعقل ينبغي أن ينتهي عنه.
والأمر الآخر: أن الخطاب في الآية لم يأت للمؤمنين وإنما فيما يتخذه الإنسان من ثمرات النخيل والأعناب (السكر والرزق الحسن) .
стр. 827
والتعريض بالضدّ في اللغة فهذا سكران فهل يعقل؟ هذا للسخرية وأحياناً نعرّض الشيء بعكسه على سنن العربية والسياق هو القرينة التي تُعين على الفهم لأن أهل البلاغة واللغة والذين يتكلمون في علوم القرآن يجعلون السياق من أهم وأعظم القرائن للتعبير كما جاء في قوله تعالى (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) هود) فالتعبير (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) هو في الأصل مدح لكن إن وضعناه في سياق الآيات فهي استهزاء. وكذلك قوله تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) الدخان) فالتعريض بهذه الأشياء يمثّل خطّاً في القرآن الكريم.
٢٥٥- ما الفرق بين كلمة " ولد " و " غلام "واستخدام الفعل (يفعل) و (يخلق) في قصتي زكريا ومريم؟
قال تعالى في سورة مريم: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)) وقال في سورة آل عمران (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)) في تبشير زكريا ﵇ بيحيى ﵇ -
стр. 828
وقال تعالى في سورة مريم: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)) وفي سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)) في تبشير مريم بعيسى ﵇.
وإذا سألنا أيهما أيسر أن يفعل أو أن يخلق؟ يكون الجواب أن يفعل ونسأل أحدهم لم تفعل هذا فيقول أنا أفعل ما أشاء لكن لا يقول أنا أخلق ما أشاء. فالفعل أيسر من الخلق.
ثم نسأل سؤالاً آخر أيهما أسهل الإيجاد من أبوين أو الإيجاد من أم بلا أبّ؟ يكون الجواب بالتأكيد الإيجاد من أبوين وعليه جعل تعالى الفعل الأيسر (يفعل) مع الأمر الأيسر وهو الإيجاد من أبوين، وجعل الفعل الأصعب (يخلق) مع الأمر الأصعب وهو الإيجاد من أم بلا أبّ.
стр. 829
هذا بالنسبة لما يتعلق بفعل (يفعل) و (يخلق) أما ما يتعلق باستخدام كلمة (ولد) أو (غلام) : إن الله تعالى لمّا بشّر زكريا بيحيى قال تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)) فكان ردّ زكريا (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)) لأن البشارة جاءت بيحيى ويحيى غلام فكان الجواب باستخدام كلمة (غلام) . أما لمّا بشر مريم بعيسى قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)) فجاء ردّها (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)) في سورة آل عمران لأنه جاء في الآية (كلمة منه) والكلمة أعمّ من (الغلام) وقد جاء في الآية (إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ولمّا كان التبشير باستخدام (كلمة منه) جاء الردّ بكلمة (ولد) لأن الولد يُطلق على الذكر والأنثى وعلى المفرد والجمع وقد ورد في القرآن استخدامها في موضع الجمع (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) الكهف) .
стр. 830
أما في سورة مريم فجاء التبشير في قوله تعالى (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)) باستخدام كلمة (غلام) فجاء ردّ مريم (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)) باستخدام نفس الكلمة (غلام) لأن الملك أخبرها أنه يبشرها بغلام. أما مع زكريا وتبشيره بيحيى فقد جاء أيضاً في سورة مريم بنفس الكلمة (غلام) فكان الرد في الآيتين باستخدام كلمة (غلام) .
وقد يقول بعض المستشرقون أن هذا يدل على تناقض في القرآن فنقول إن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
٢٥٦- ما الفرق بين استخدام كلمة (الله) وكلمة (مسخّرات) في سورة النحل وكلمة (الرحمن) و (صافّات) في سورة الملك؟
قال تعالى في سورة النحل (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)) وقال في سورة الملك (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩))
أولاً وللعلم أن كلمة " الرحمن " لم ترد في سورة النحل كلها (١٢٨ آية) بينما وردت أربع مرات في سورة الملك (٣٠ آية) .
كلمة الله في سورة النحل وردت ٨٤ مرة بينما وردت في الملك ثلاث مرات هذا من حيث السمة اللفظية.
وللعلم أيضاً لم يرد إسناد الفعل (سخّر) في جميع القرآن إلى الرحمن وهذا هو الخط العام في القرآن وإنما ورد (سخرنا، ألم تر أن الله سخر) ولهذا حكمة بالتأكيد.
стр. 831
الأمر الآخر أن السياق في سورة المُلك هو في ذكر مظاهر الرحمن (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)) حتى لمّا حذرهم حذّرهم بما أنعم عليهم من قبل (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)) ولم يقل "فكيف كان عقاب" كما جاء في آية سورة الرعد (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)) وهذا من مظاهر الرحمة (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)) (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)) فالسياق في السورة إذن في مظاهر الرحمن. أما في سورة النحل فالسياق في التوحيد والنهي عن الشرك (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)) حتى ختم آية النحل (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ولفظ (الله) مأخوذ من العبادة فهو الأنسب هنا؛ هذا أمر.
стр. 832
والأمر الآخر قال في سورة النحل (مسخّرات) من باب القهر والتذليل ولا يناسب الرحمة وليس من باب الإختيار، بينما في سورة الملك جعل اختيار (صافّات ويقبضن) من باب ما يفعله الطير ليس فيها تسخير وإعطاء الإختيار من باب الرحمة ثم ذكر حالة الراحة للطير (صافّات) وهذا أيضاً رحمة. إذن لفظ (الرحمن) مناسب لسورة الملك ولفظ (الله) مناسب لسورة النحل.
٢٥٧- ما اللمسة البيانية في استخدام كلمة (الرحمن) في قوله تعالى في سورة مريم (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)) مع أن الأمر متعلق بالعذاب ولم يقل مثلاً الجبّار؟
لو نظرنا إلى الآية التي سبقت هذه الآية نجد قوله تعالى: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)) وقد ذكر فيها (الرحمن) أيضاً، وللعلم نلاحظ أن لفظ (الرحمن) تكرر في هذه السورة ١٦ مرة وهي أكثر سورة تكرر فيها لفظ (الرحمن) في القرآن. وهذا يدل على أن جو الرحمة يشعّ في السورة من قوله تعالى (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)) و (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)) (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)) و (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)) .
أما السؤال نفسه فنرى أن الآية التي جاءت بعد الآية في السؤال (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)) وهنا لا يصح أن يقول "سأستغفر لك الجبّار" لأن المغفرة تُطلب من الرحمن وليس من الجبّار، ولعله تدركه الرحمة فيؤمن لأن إبراهيم ﵇ كان حريصاً على إيمان أبيه آزر.
стр. 833
٢٥٨- ما اللمسة البيانية في استخدام كلمة (السماء) في آية سورة العنكبوت وعدم استخدامها في آية سورة الشورى؟
قال تعالى في سورة الشورى (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)) وقال في سورة العنكبوت (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)) والأمر الذي يوضح السياق هو آية سورة هود أيضاً (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)) الكلام في سورة هود متعلق بالآخرة وبمحاسبة أهل الأرض أما السياق في سورة الشورى ففي الكلام على نِعم الله تعالى في الأرض وفي شؤون أهل الأرض (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)) أما السياق في سورة العنكبوت ففي الدعوة إلى النظر والتدبر في العلم والبحث (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)) وهذا هو الذي يوصل إلى
стр. 834
السماء، سيكون البحث والنظر والتدبر للعلم سيجعله يصعد للسماء وحتى عند ذلك لن يكون معجزاً. وهذا الذي يجعل الإنسان ينفذ إلى السماء. ثم إن كلمة (السماء) نفسها لم ترد في سورة الشورى أبداً لكنها وردت في سورة العنكبوت ٣ مرات وفي سورة هود مرتين وبهذا فإن سورة العنكبوت هي التي ورد فيها ذكر السماء أكثر من السورتين الباقيتين ولهذا ذُكرت (السماء) في آية سورة العنكبوت ولم تُذكر في آية سورة الشورى أو آية سورة هود. فالسمة التعبيرية للسورة أنه سوف تصعدون إلى السماء لكنكم لا تكونوا معجزين هناك.
٢٥٩- ما دلالة ظاهرة تذكير الفاعل المؤنث في القرآن الكريم كما جاء في قوله تعالى (ولا تكونوا كالذين جاءهم البيّنات) و (وما كان صلاتهم) و (يا نساء النبي من يقنت منكن) ؟
تذكير الفاعل المؤنث له أكثر من سبب وأكثر من خط في القرآن الكريم. فإذا قصدنا باللفظ المؤنّث معنى المذكّر جاز تذكيره وهو ما يُعرف بالحمل على المعنى. وقد جاء في قوله تعالى عن الضلالة (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) الأعراف) وقوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) النحل) . ونرى أنه في كل مرة يذكر فيها (الضلالة) بالتذكير تكون (الضلالة) بمعنى العذاب لأن الكلام في الآخرة (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) الأعراف) وليس في الآخرة ضلالة بمعناها لأن الأمور كلها تنكشف في الآخرة. وعندما تكون (الضلالة) بالتأنيث يكون الكلام في الدنيا فلمّا كانت الضلالة بمعناها هي يؤنّث الفعل.
стр. 835
وكذلك بالنسبة لكلمة (العاقبة) أيضاً تأتي بالتذكير مرة وبالتأنيث مرة، وعندما تأتي بالتذكير تكون بمعنى العذاب وقد وردت في القرآن الكريم ١٢ مرة بمعنى العذاب أي بالتذكير كما في قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) الأنعام) و (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) الأعراف) و (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) الصافّات) . وعندما تأتي بالتأنيث لا تكون إلا بمعنى الجنّة كما في قوله تعالى (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) القصص) .
٢٦٠- لماذا جاءت (لآياتنا) باللام ولم تأت (بآياتنا) بالباء في سورة المدثر (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)) ؟
стр. 836
قال تعالى في سورة المدثر: (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)) هذا أمر نحوي لأن الفعل هو عاند وهو فعل يتعدّى بنفسه (عاندته وعاندت قوله) والمتعدي بنفسه هذا عندنا أمرين يمكن أن يوصل المفعول باللام وتسمى لام المقوية في حالتين: يُدخل اللام على المفعول به يعني فيما هو لو حذفناها يرجع مفعول به نأتي باللام إن شئنا (لام المقوية) : الحالة الأولى أن يتقدم المفعول به على فعله كما في قوله تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) الأعراف) والمقصود يرهبون ربهم، والثاني إذا كان العامل فرعاً على الفعل كأن يكون إسم فاعل أو صيغة مبالغة كما في قوله تعالى: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) فاطر) فعل (صدّق) يتعدى بنفسه والأصل هو "مصدقاً ما معه" ويصح قوله لكن جاء باللام المقوية لأن العامل فرع على الفعل كقوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) هود) جاء باللام المقوية لأن العامل هو صيغة مبالغة. ونعود إلى الآية موضع السؤال ونقول: إن فيها تقديم وصيغة مبالغة: قدّم المفعول به على الفعل (لآياتنا) والعامل فرع وعلى صيغة مبالغة (عنيد) من عاند وهذا كما قلنا أمر نحوي ويصح أن يُؤتى باللام المقوية فلا يقتضي الإتيان بالباء (بآياتنا) . والغرض منها عند النحاة أن الفعل إذا تقدّم يكون في أقوى حالاته في العمل فإذا تأخر كان أضعف في العمل فقد يؤتى باللام للتقوية وعندما يكون فرعاً يكون أضعف فيؤتى باللام للتقوية وأنا شخصياً أقول أنها تستعمل لتقوية الحدث فيؤتى باللام الزائدة المؤكِدة زيادة في
стр. 837
التوكيد. التوكيد الذي يُدرس في النحو هو توكيد صناعي والتوكيد باب كبير في اللغة وليس هناك باب لا يدخل فيه التوكيد مثلاً التوكيد بالجار والمجرور كما في قوله تعالى (ولا طائر يطير بجناحيه) المعلوم أن الطائر يطير بجناحيه ومع هذا جاءت كلمة بجناحيه للتوكيد, والظرف المؤكّد كما في قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) الإسراء يكون ليلاً وقوله تعالى: (فخرَّ عليهم السقف من فوقهم) والسقف سيخّر بالتأكيد من فوقهم، كلها فيها توكيد.
٢٦١- قال تعالى في سورة البقرة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) الآية تحث على الصلاة وقد توسطت آيات الطلاق والوفاة فما دلالة هذا؟
أقول والله أعلم أن المشكلات بين الزوجين وأحداث الطلاق أو الوفاة قد تؤدي إلى أن يحيف أحد الزوجين على الآخر وقد يؤدي هذا إلى ظلم الآخر والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فأمر الله تعالى بالصلاة حتى لا يحيف أحدهما أو يظلم الآخر ويذكّره بالعبادة. وقد ينتصر أحد الزوجين لنفسه فأمره الله تعالى بالصلاة حتى لا يقع في ذلك. ونذكر أنه في آية أخرى عندما فقد الأمن وفي حالة الخوف أمر تعالى بالصلاة أيضاً (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) النساء) . وكذلك الأمر بالصلاة قد يكون حتى لا ينشغل الزوجين بالمشكلات عن الصلاة فيتركوها.
٢٦٢- ما دلالة كتابة كلمة (لكي لا) منفصلة مرة في آية سورة النحل و (لكيلا) موصولة في آية سورة الحج؟
стр. 838
قال تعالى في سورة النحل (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)) وقال في سورة الحج (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)) .
أولاً: خط المصحف لا يقاس عليه أصلاً لكن يبدو في هذا الرسم ملحظ بياني والله أعلم في أكثر من موطن. فمرة تكتب (لكي لا) مفصولة ومرة (لكيلا) موصولة. وأقول أن هذا ليس فقط للخط وإنما لأمر بياني هو كما ذكرنا سابقاً عن الفرق بين (من بعد علم) و (بعد علم) وقلنا: أن (من) هي ابتداء الغاية أما (بعد علم) فقد يكون هناك فاصل بين هذا وذاك وذكرنا أمثلة (من فوقها) أي مباشرة وملامسة لها أما فوقها فلا تقتضي الملامسة بالضرورة. فمن حيث المعنى (وقالوا قلوبنا في أكنة) مباشرة يشمل كل المسافة بينهما ولو قال "بيننا" لما أفادت نفس المعنى, وقوله تعالى (وجعلنا من بين أيديهم سدا) بلا فاصلة. "لكي لا يعلم بعد علم" تحتمل الزمن الطويل والوصل أما قوله (لكي لا يعلم من بعد علم) فهي مباشرة بعد العلم فلمّا احتمل الفاصل فصل (لكي لا) وعندما وصل بينهما وصل (لكيلا) .
стр. 839
وفي القرآن الكريم أمثلة أخرى على مثل هذا كما في آية سورة الأحزاب (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)) كتبت (لكي لا) منفصلة لأنه لا يحلّ الزواج بامرأة أخرى إلا بعد انفصالها عن زوجها الأول وقضاء العدّة؛ فلا يصح إذن الزواج بها إلا بعد الإنفصال فجاء رسم (لكي لا) منفصلاً.
وفي آية أخرى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) الأحزاب) ليس في الآية انفصال فالكلام عن أزواج الرسول وهنا الإتصال قائم فالإنسان مع زوجته في اتصال قائم وليس هناك فصل لذا جاءت (لكيلا) متصلة.
стр. 840
وفي آية أخرى (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) الحشر) فصل (كي لا) هنا لأنه يريد أن يفصل الأموال لأنها لا تنبغي أن تبقى دُولة بين الأغنياء وإنما يجب أن تتسع الأموال لتشكل الفقراء فاقتضى الفصل في رسم (كي لا) في هذه الآية.
وفي آية أخرى (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) آل عمران) جاءت (لكيلا) متصلة لأن المعنى يدل على أن الغمّ متصل بالغمّ؛ غمّ الهزيمة وغمّ فوات الغنائم وهذا اقتضى الوصل فوصل (لكيلا) . وهذا الأمر نقول أنه من باب الجواز فهو جائز أن تكتب (لكيلا) متصلة أو منفصلة (لكي لا) لكنها تُرسم أيضاً بما يتناسب مع الناحية البيانية والبلاغية بحيث تتناسب مع الأحكام.
٢٦٣- ما دلالة رسم كلمة " الصلوة " و" الزكوة " في القرآن بالواو؟
هذا رسم المصحف وهو قائم على أمرين: أولاً أن أصل الألف فيهما واو من (صلى – يصلو) و (زكى – يزكو) ثم إن جمع (صلاة) صلوات، والأمر الثاني: أنه في بعض القراءات تُفخّم فتُمال إلى الواو لذا تُكتب بالواو. فهي تكتب بالواو إذن لأصلها وللقراءة.
أما كلمة (السموات) فهي أيضاً من خط المصحف وللعلم أنه حين كُتب القرآن كان حرف العلة (الواو، الألف والياء) لا يُرسم هذا كاتجاه عام ثم تغيّر الخط لاحقاً فأصبحت حروف العلة تُرسم. إذن الكُتّاب لم يبتدعوا خطاً خاصاً للقرآن وإنما هو الخط المتّبع آنذاك.
стр. 841
٢٦٤- ما الفرق بين كلمة (الكَره) بفتح الكاف و (الكُره) بضمها؟
(الكَره) - بفتح الكاف - هو ما يأتي من الخارج يقابله الطوع كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) النساء) وقوله تعالى (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) التوبة) وقوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١))
стр. 842
أما (الكُره) - بضم الكاف - فهو ما ينبعث من الداخل ففي قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) البقرة) جاءت كلمة (الكُره) لأن الإنسان بطبيعته يكره القتال وكذلك في قوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) الأحقاف) الحمل في نفس الأم ثقيل ليس مفروضاً عليها وإنما آلام الوضع والحمل وأي إنسان لا يريد المشقة لنفسه أصلاً.
٢٦٥- لماذا يأتي الخطاب في الحديث عن الصلاة والزكاة في القرآن للمؤمنين أما في الحج فيكون الخطاب للناس؟
стр. 843
الصلاة والزكاة كان مأمور بهما من تقدّم من أهل الديانات كما جاء في قوله تعالى عن إسماعيل ﵇ (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) مريم) وفي قوله تعالى عن عيسى ﵇ (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) مريم) وفي الحديث عن بني إسرائيل (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) البقرة) . أما الحج فهو عبادة خاصة للمسلمين وعندما يكون الخطاب دعوة للناس إلى الحج فكأنها هي دعوة لدخول الناس في الإسلام. أما إذا كانت دعوة الناس للصلاة والزكاة فهم أصلاً يفعلونها في عباداتهم.
٢٦٦- ما دلالة استخدام (لا) في قوله تعالى (ما منعك ألا تسجد) ؟
قال تعالى في سورة الأعراف (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)) وقال في سورة ص (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥))
стр. 844
النحويون يقولون أن (لا) زائدة فهي لا تغيّر المعنى وإنما يُراد بها التوكيد ومنهم من قال أنها صلة. وليس قولهم أنها زائدة يعني أنه ليس منها فائدة إنما حذفها لن يغيّر المعنى لو حُذفت. فلو قلنا مثلاً (والله لا أفعل) وقلنا (لا والله لا أفعل) فالمعنى لن يتغير برغم أننا أدخلنا (لا) على الجملة لكن معناها لم يتغير. أما في آيات القرآن الكريم فلا يمكن أن يكون في القرآن زيادة بلا فائدة. والزيادة في (لا) بالذات لا تكون إلا عند من أمِن اللبس، بمعنى أنه لو كان هناك احتمال أن يفهم السامع النفي فلابد من زيادتها. في قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) الحديد) معناها ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء وإذا أراد الله تعالى أن يُنزل فضله على أحد لا يستطيع أحد أن يردّ هذا الفضل. فالقصد من الآية إعلامهم وليس عدم إعلامهم. لذلك قسم من النحاة والمفسرين يقولون أن اللام زائدة أو صلة.
стр. 845
وفي قوله تعالى (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) طه) هي ليست نافية ولكنها بمعنى من منعك من اتباعي. وفي قوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) الأعراف) الله تعالى يحاسب إبليس على عدم السجود ولو جعلنا (لا) نافية يكون المعنى أنه تعالى يحاسبه على السجود وهذا غير صحيح. ولهذا قال تعالى في سورة ص (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)) . إذن (لا) مزيدة للتوكيد جيء بها لغرض التوكيد لأن المعلوم أن يحاسبه على عدم السجود.