Полный текст (1 108 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
قال تعالى في سورة الأنعام (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦))
قبل أن ندخل في الترتيب ننظر إلى الهيكلية في ترتيب الأنبياء فنلاحظ أنه تعالى يذكر ثلاثة من الأنبياء ثم يعود إلى الأقدم ثم يذكر ثلاثة ثم يعود إلى الأقدم ويكرر هذا النسق فمثلاً ذكر إبراهيم واسحق ويعقوب ثم عاد إلى نوح وهو أقدم من المذكورين، ثم داوود وسليمان وأيوب ثم يوسف وهو قبل المذكورين، ثم زكريا ويحيى وعيسى ثم ذكر إلياس وهو أقدم من المذكورين، ثم إسماعيل واليسع وإلياس ثم ذكر لوط وهو أقدم من المذكورين.
стр. 877
ثم نأتي لسبب الترتيب على الشكل الذي جاء في الآيات نجد أنه ذكر إبراهيم وإسحق ويعقوب، واسحق ابن إبراهيم ويعقوب ابن اسحق (العلاقة التي بينهم هي البنوّة) ثم داوود وسليمان (العلاقة بينهم البنوّة والمُلك) أيوب ويوسف (العلاقة بينهما أنهما يشتركان في الإنعام بعد النبوة، فكلاهما ممن أنعم الله تعالى عليه بعد الابتلاء) سليمان وأيوب (العلاقة بينهما أنهما كلاهما قال تعالى فيهما: (نعم العبد إنه أوّاب) فأيوب هو العبد الصابر وسليمان هو العبد الشاكر، والصبر والشُكر جماع الإيمان) موسى وهارون (العلاقة بينهما هي الأخوّة) زكريا ويحيى (علاقة البنوّة) يحيى وعيسى (كلاهما مُستغرب الولادة فيحيى جاء من أبوين أحدهما شيخ والآخر عقيم وعيسى جاء من أم بلا أب وقد ذكرهما تعالى معاً في سورة آل عمران ومريم) وقد ختم تعالى هذه المجموعة بعيسى ﵇ لأنه ليس له أب فكان خاتمة النسب الأول عنده.
ثم بعد عيسى ﵇ تأتي سلسلة أخرى من ذرية أخرى: إلياس ليس من ذرية اسحق، إسماعيل أخو إسحق، اليسع صاحب إلياس (وحيث ورد اليسع ورد إلياس) ويونس ليس من ذرية إبراهيم وكذلك لوط ليس من ذرية إبراهيم، ويونس ولوط كلاهما مهاجر وترك قومه وقد جمع تعالى بينهما في سورة الصافّات أيضاً فيونس خرج مغاضباً ولوط قال إني مهاجر إلى ربي. ولو لاحظنا الأنبياء الذين ورد ذكرهم لوجدنا أن الترتيب بدأ بالذاهب إلى ربه أي إبراهيم ﵇ (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) الصافات) وخُتمت بالمهاجر إلى ربه أي لوط ﵇ (فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) العنكبوت) . وهذا يدل على أن للترتيب الذي ورد حكمة إلهية بالإضافة إلى الهيكلية.
٢٨٤- ما دلالة صيغة المبني للمجهول في قوله تعالى (يُبصّرونهم) في سورة المعارج؟
стр. 878
قال تعالى في سورة المعارج: (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١)) . ليس فيها ما يدعو للغرابة. يُقال في العربية: "بصُر به" وهو فعل لازم غير متعدي (كل صيغة فَعُل فهي لازمة) .
أبصَرَ: متعدي (وأبصرهم فسوف يبصرون)
بصّره: معناه أراه يتعدى إلى اثنين أو بالباء يُقال: بصّرته زيداً أي أريته إياه.
وقوله تعالى: (يبصّرونهم) بمعنى أنه يوم القيامة يُري بعضهم بعضاً فهذه صيغة مضارع مبني للمجهول.
٢٨٥- ما دلالة استخدام صيغة (عَسِر) في آية سورة القمر؟
قال تعالى في سورة القمر (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨))
من أوزان الصفة المشبّهة فعِل وفعيل فتأتي هاتين الصفتين للمبالغة أو صفة مشبّهة، يُقال فرِح وطويل.
و"عَسِر" غير "عسير" والكلام في موضوع الصيغة المشبهة ودلالاتها ومعانيها طويل لكن نتحدث عنه بشكل موجز هنا. نقول مثلاً صيغة "أفعل"؛ مثل: "أحمر" تستعمل للنعوت والحُلى الظاهرة.
"عسِر" تستعمل للأشياء الداخلية، بينما "أعسر" تستعمل للصفات الظاهرة والجسمية.
مثل شريف وأشرف: "أشرف" تعني المرتفِع الكتفين، وكذلك رئيس وأرأس بمعنى رأسه كبير.
"مليح" بمعنى جميل و"أملح" بمعنى أبيض اللون.
أسِف (فرجع موسى غضبان أسِفا) من الاندفاع وجاء في قول عائشة عن أبيها: (إن أبا بكر رجل أسيف) هذه ليست حالة عارضة وإنما وصف له.
وكذلك كلمة "بطِن" (بمعنى لا يهمه إلا بطنه) و"بطين" (بمعنى كبير البطن واسعة) ، نشِط (مندفع وهي حالة اندفاعية) أما "نشيط" فهي صفة عامة.
فكلمة "عَسِر" غير "عسير" فيقال: عسِر عليه الأمر فهو عسيِر فالأمر خاص به؛ قد يكون عسِراً عليه لكنه ليس كذلك على غيره؛ فقد يعسر أمر ما على طفل ولا يعسر على من هو أكبر منه.
стр. 879
أما (عسُر الأمر) : الوصف فيه عسير ويدل على الثبوت خِلقة أو اكتساباً (طويل، خطيب) ويُقال فقُه الرجل فهو فقيه (حالة ثبات) ويقال فقِه الرجل المسألة (تحديداً وليس على الإطلاق) فهو لها فاقِه أو فقِه.
فكلمة (عسير) تقال عندما يكون الأمر عسير في ذاته صعب، أما "عسِر" فهو نسبي. وقد وصف تعالى قول الكافرين الذين يقولون (هذا يوم عسِر) لأنه نسبي لهم والله تعالى ييسره على من يشاء. هو لا شك يوم عسير كما وصفه تعالى في سورة المدّثر (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)) فهو على الكافرين عسير لكن قد لا يكون كذلك على غيرهم. ولو لم يحدد الله تعالى أنه عسير على الكافرين لكان عسيراً على الكل.
فكلمة عسِر وعسير اشتقاقهما من مادة واحدة (ع س ر) لكن المعنى اختلف باختلاف الصيغة. عسِر وعسير وأعسر كلها صفات مشبهة لكن لكل منها معنى مختلفاً عن الأخرى.
٢٨٦- ما دلالة استخدام صيغة (صبّار شكور) وما علاقة الفاصلة بصدر الآية في سورة الشورى ولماذا جاءت (صبّار) مقدّمة على (شكور) ؟
قال تعالى في سورة الشورى (وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣))
أولاً: كلمة (صبّار) الصبر إما أن يكون على طاعة الله أو على ما يصيب الإنسان من الشدائد. فالصلاة تحتاج إلى صبر وكذلك سائر العبادات كالجهاد والصوم. والشدائد تحتاج للصبر.
أما كلمة (شكور) : فالشكر إما أن يكون على النعم (واشكروا نعمة الله) أو على النجاة من الشّدّة (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) فالشكر إذن يكون على ما يصيب الإنسان من النِّعَم أو فيما يُنجيه الله تعالى من الشِّدّة والكرب.
стр. 880
والآن نعود للسؤال لماذا قدّم الصبر على الشكر؟ ولننظر في الآيات التي وردت قبل الآية موضع السؤال وبعدها في سورة الشورى. قال تعالى في الآيات التي قبلها (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)) والآية فيها قنوط أولاً ثم إنزال الغيث والأول (القنوط) يحتاج إلى صبر والثاني (إنزال الغيث) يحتاج إلى الشكر لأن إنزال الغيث هو رحمة تحتاج إلى الشكر أما القنوط فكان عندما كان المطر محبوساً وهو أمر يحتاج إلى الصبر.
أما في الآية التي بعدها فقد قال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)) وهذه الآيات فيها أمران أيضاً:
الأول: وهو أن لا تجري السفن (فيظللن رواكد على ظهر) وهذا أمر يحتاج إلى الصبر
والثاني: إهلاكهن (أو يوبقهن) وهذا من المصائب.
و (يوبقهن) لها احتمالان:
ـ احتمال إرادة إهلاك من فيها، على المجاز المرسل، فأطلق المحل وأراد الحالّ، والمُراد من السفن في الآية: من فيها، وهذا ما يُسمّى بالمجاز المُرسل وعلاقته محلية.
ـ أو احتمال إرادة البضائع التي فيها.
فهذه مصيبة سواء كانت في الأموال (أي السفن نفسها) أو في الأنفس (من في السفن) وكلمة "يوبقهن" تحتمل الإهلاك في السفن أو المال وكلاهما يحتاج إلى صبر. أما قوله تعالى (ويعف عن كثير) فهي تحتاج إلى شكر.
إذن ما تقدّم الآية موضع السؤال وما جاء بعدها يحتاج لصبر وشكر والصبر تقدّم على الشكر فيها وعليه فإن نهاية الآية (صبّار شكور) جاءت واضحة ومتلائمة مع السياق.
стр. 881
إضافة إلى هذا فإنه إذا نظرنا في القرآن كله نجد أنه تعالى إذا كان السياق في تهديد البحر يستعمل (صبّار شكور) وإذا كان في غيره يستعمل الشكر فقط. ففي سورة لقمان مثلاً قال تعالى في سياق تهديد البحر (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)) وفي سورة الشورى (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣))
стр. 882
أما في سورة الروم فقد قال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)) فجاء بالشكر فقط وكذلك في سورة النحل (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)) وفي سورة يونس (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)) وفي سورة الجاثية (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)) وفي سورة فاطر قال: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٢)) .
стр. 883
وهناك أمر آخر وهو أن كلمة "صبّار" لم تأت وحدها في القرآن كله وإنما تأتي دائماً مع كلمة "شكور" وهذا لأن الدين نصفه صبر ونصفه الآخر شكر كما في قوله تعالى في سورة إبراهيم (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)) وفي سورة سبأ (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)) .
والآن نسأل لماذا استعمل صيغة "صبّار" على وزن (فعّال) ؟ وهذا السؤال يدخل في باب صيغ المبالغة وهو موضوع واسع لكننا نوجزه هنا فيما يخصّ السؤال.
صيغ المبالغة: مِفعال، فعّال وفعول كل منها لها دلالة خاصة.
مِفعال: (معطاء ومنحار ومعطار) هذه الصيغة منقولة من الآلة كـ (مفتاح ومنشار) فنقلوها إلى المبالغة، فعندما يقولون هو معطاء فكأنه صار آلة للعطاء، وقولنا "امرأة معطار" بمعنى زجاجة عطر أي أنها آلة لذلك.
والدليل على ذلك أن صيغة المبالغة هذه (مِفعال) تُجمع جمع الآلة ولا تُجمع جمع المذكر السالم ولا جمع المؤنث السالم، فنقول مثلاً مفتاح مفاتيح، ومنشار مناشير، ومحراث محاريث، ورجل مهذار ورجال مهاذير، فيجمع جمع الآلة، ولذلك لا يؤنث كالآلة:
يا موقد النار بالهندي والغار هيجتني حزناً يا موقد النار
بين الرصافة والميدان أرقبها شبّت لغانية بيضاء معطار
فلا نقول "معطارات" وإنما نجمع معطار على معاطير، فنقول: نساء معاطير ورجال معاطير، وامرأة مهذار ورجال مهاذير..فهي من الصيغ التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، ولا تجمع جمعاً سالماً، فلا نقول امرأة معطارة وإنما نقول: امرأة معطار ورجل معطار، ونجمعها جمع الآلة (معاطير) للرجال والنساء. هذه هي القاعدة
стр. 884
صيغة "فعّال": من الحِرفة. والعرب أكثر ما تصوغ الحِرَف على وزن فعّال مثل نجّار وحدّاد وبزّاز وعطّار ونشّار. فإذا جئنا بالصفة على وزن الصيغة (فعّال) فكأنما حرفته هذا الشيء. وإذا قلنا عن إنسان أنه كذّاب فكأنما يحترف الكذب. والنجّار حرفته النجارة. إذن هذه الصيغة هي من الحِرفة وهذه الصنعة تحتاج إلى المزاولة. وعليه فإن كلمة (صبّار) تعني الذي يحترف الصبر. وقد وردت هذه الصيغة في القرآن الكريم في صفات الله تعالى فقال تعالى: (فعّال لما يريد) قوله تعالى (غفّار) بعدما يقول (كفّار) ليدلّ على أن الناس كلما أحدثوا كفراً واستغفروا غفر الله تعالى لهم (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) نوح) .
стр. 885
صيغة "فعول": مأخوذة من المادة (المواد) مثل الوقود وهو الحطب الذي يوقد ويُستهلك في الاتّقاد، والوضوء الماء الذي يُستهلك في الوضوء، والسحور ما يُؤكل في السحور، والسفوف وهو ما يُسفّ، والبخور وهو ما يُستهلك في التبخير. فصيغة فعول إذن تدل على المادة التي تُستعمل في الشيء الخاص به. وصيغة "فعول" يستوي فيها المؤنّث والمذكر فنقول رجل شكور وامرأة شكور. ولا نقول شكورة ولا بخورة ولا وقودة مثلاً. وكذلك صيغة فعول لا تُجمع جمع مذكر سالم أو جمع مؤنّث سالم فلا نقول رجال صبورين أو نساء صبورات وإنما نقول صُبُر وشُكُر وغُفُر. وعليه فإن كلمة "شكور" التي هي على وزن صيغة فعول منقولة من المادة. فإذا قلنا "صبور" فهي منقولة من المادة وهي الصبر وتعني أن من نصفه بالصبور هو كله صبر ويُستنفذ في الصبر كما يُستنفذ الوقود في النار. وكذلك كلمة "غفور" بمعنى كله مغفرة ولذلك قالوا أن أرجى آية في القرآن هي ما جاء في سورة الزُمر في قوله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)) .
وهنا نسأل أيهما أكثر مبالغة فعول أو فعّال؟ "فعول" بالتأكيد أكثر مبالغة من "فعّال" ولذلك فكلمة صبور هي أكثر مبالغة وتعني أنه يفني نفسه في الصبر أما كلمة "صبّار" فهي بمعنى الحِرفة.
стр. 886
ونسأل أيضاً أيهما ينبغي أكثر في الحياة الصبر أو الشكر؟ الشكر بالتأكيد لأن الشكر يكون في كل لحظة والشكر يكون على نعم الله تعالى علينا وهي نعم كثيرة وينبغي علينا أن نشكر الله تعالى عليها في كل لحظة لأننا في نعمة من الله تعالى في كل لحظة. وقد امتدح الله تعالى إبراهيم ﵇ بقوله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)) واستعمل كلمة (أنعُم) لأنها تدل على جمع القِلّة لأنه في الواقع أن نِعم الله تعالى لا تُحصى فلا يمكن أن يكون إنسان شاكراً لنعم الله، والإنسان في نعمة في كل الأحوال هو في نعمة في قيامه وقعوده ونومه.. الخ كما جاء في قوله تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) النحل) . وعليه فإن الشكر يجب أن يكون أكثر من الصبر فالصبر يكون كما أسلفنا إما عند الطاعات وهي لها أوقات محددة وليست مستمرة كل لحظة كالصلاة والصيام أو الصبر على الشدائد وهي لا تقع دائماً وكل لحظة على عكس النِّعم التي تكون مستمرة في كل لحظة ولا تنقطع لحظة من لحظات الليل أو النهار، وتستوجب الشكر عليها في كل لحظة فالإنسان يتقلب في نعم الله تعالى.
ومما تقدّم نقول أنه تعالى جاء بصيغة (صبّار) للدلالة على الحِرفة وكلمة (شكور) بصيغة فعول التي يجب أن يستغرقها الإنسان في الشكر للدلالة على أن الإنسان يستغرق في الشكر، ويكفي أن يكون الإنسان صبّاراً ولا يحتاج لأن يكون صبوراً. أما صيغة (شكور) فجاء بها لأن الإنسان ينبغي أن يشكر الله تعالى على الدوام وحتى لو فعل فلن يوفّي الله تعالى على نِعَمه.
٢٨٧- ما دلالة استخدام كلمة (الحسنة) في قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) ولماذا لم تستعمل كلمة (الحسنى) مثلاً؟
стр. 887
قال تعالى في سورة فُصّلت: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)) .
الحُسنى لا تُقابل السيئة وإنما تُقابل السوأى (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)) . والحسنى مؤنّث الأحسن وهي إسم تفضيل كالأصغر والصُغرى والأكبر والكُبرى والأسوأ والسوءى. فالسيئة إذن لا يقابلها الحسنى وإنما السوءى. أما الحسنة فهي التي تقابل السيئة, لو استعملت الحُسنى كما جاء في السؤال (لا تستوي الحسنى ولا السيئة) لكانت أعطت معنى أنه يمكن أن تستوي الحسنة والسيئة، الحسنى لا تستوي وما دونها يستوي. لكن في الآية الكريمة نفي القِلّة ونفي الأكثر من باب أولى.
٢٨٨- ما الفرق بين استعمال (من) و (ما) في قوله تعالى: (ولله يسجد من في السموات والأرض) وقوله تعالى: (ولله يسجد ما في السموات والأرض) ؟
(من) : تستعمل لذوات العقلاء وأولي العلم فقط أما (ما) فتستعمل لصفات العقلاء (ونفس وما سوّاها) (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ، (وما خلق الذكر والأنثى) والله هو الخالق، (ونفس وما سوّاها) والله هو المسوي، وذوات غير العاقل (أشرب من ما تشرب) وهي أعمّ وأشمل.
لكن يبقى السؤال لماذا الاختلاف في الاستعمال في القرآن الكريم فمرة تأتي (من) ومرة تأتي (ما) ؟
ونستعرض الآيات التي وردت فيها (من) مع السجود: قال تعالى في سورة الرعد (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (١٥)) والطوع والكره من صفات العقلاء فاستعمل (من) .
стр. 888
أما في سورة النحل في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)) الدابة أغلب ما تستعمل في اللغة لغير العاقل وهي عامة وشاملة فاستعمل (ما) كما أنه في الآية جاءت كلمة (شيء) وهي أعمّ كلمة. وعليه فإنه من ناحية العموم ناسب استعمال (ما) ومن ناحية استعمالها لغير العاقل ناسب استعمال (ما) لأن الدابة كما أسلفنا تستعمل في الغالب لغير العاقل.
ونلاحظ في القرآن أنه تعالى عندما يستعمل (من) يعطف عليها ما لا يعقل كما في قوله تعالى في سورة الحج (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)) . أما عندما يستعمل (ما) فإنه يعطف عليها ما يعقل (ولله يسجد.. دابة والملائكة) وهو خط بياني لم يتخلف في القرآن أبدا والحكمة البيانية منه الجمع.
стр. 889
وكذلك استعمال (من) مع فعل (يسبّح) كما في قوله تعالى في سورة الإسراء: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)) وفي سورة النور (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)) . واستعمال (ما) كما في قوله تعالى في سورة الحشر (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)) وسورة الجمعة (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)) وسورة التغابن (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)) وسورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)) والحكمة البيانية من ذلك جمع كل شيء.
٢٨٩- ما دلالة استعمال كلمة (بلاء) بدل (ابتلاء) في قوله تعالى في سورة إبراهيم: (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)) ؟
أولاً: لم ترد كلمة (ابتلاء) في القرآن الكريم أصلاً وإنما وردت (ليبتليكم، مبتليكم، ابتلاه)
والبلاء قد يأتي بمعنى الاختبار أو ما ينزل على الإنسان من شدّة أو ما يصيبه من خير كما في قوله تعالى (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) .
стр. 890
أما في الآية موضع السؤال فالكلام عن بني إسرائيل قبل أن يأتيهم موسى ﵇ (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)) . والبلاء هنا من باب البلاء القَدَري (أي ما يُقدّره الله تعالى على الناس) وليس من باب الاختبار الشرعي. فما أصابهم من ذبح واستحياء نسائهم لم تكن بناء على اختبار شرعي وإنما حدث لهم قبل أن يُرسل الله تعالى لهم موسى ﵇ لأن الاختبار الشرعي يكون بأن يأمر الله تعالى بشيء ما فيفعله الإنسان أو لا يفعله، فالأمر مما يتعلق بالمطلوبات الشرعية وما يترتب عليه حسنات وسيئات. وبلاء بني إسرائيل كما جاء في الآية ابتلاء قدري من باب البلاء النازل على الإنسان قدَراً لا من الاختبار الشرعي فهو ليس من الابتلاء.
وكلمة ابتلى هي أشد من (بلا) ويظهر فيها معنى الاختبار أكثر. والبلاء قد لا يكون بالضرورة سيئاً والابتلاء اختبار كما في قوله تعالى في سورة الفجر (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)) .
٢٩٠- ما دلالة كلمة (يستنقذون) في قوله تعالى في سورة الحج: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)) ؟
стр. 891
ليس المقصود هنا مسألة الشيء المأخوذ من الذباب ولا الذباب وإنما المقصود من الآية إظهار عجز الآلهة التي يدعون إليها من دون الله (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) ولو بذلوا كل الجهد لا يستطيعون شيئاً من عجز هذه الآلهة يدعونها. (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) حاولوا الاستنقاذ وليس الإنقاذ وإن يبذلوا جهدهم كله لن يستطيعوا وهذا يبيّن ضعف ما يعبدون من آلهة وليس مقصوداً الذباب أو ما يأخذه الذباب.
٢٩١ – ما اللمسة البيانية في عدم ذكر (الجو) في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) في سورة الإسراء؟
قال تعالى في سورة الإسراء: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)) ونلاحظ أنه تعالى استعمل صيغة الماضي في الآية (كرّمنا، حملناهم) وفي وقتها لم يكن هناك حملٌ في الجوّ هذا أولاً ساعة النزول.
стр. 892
والأمر الآخر: أنه لمّا ذكر الآية شملت كل بني آدم من آدم إلى قيام الساعة لكن لو قال (في الجو) لشمل التكريم من حُملوا في الجو وبذلك تكون الآية أغفلت كثيراً من بني آدم ولما شمل التكريم كل بني آدم في عهد آدم إلى قيام الساعة. ثم إن السياق يتعلّق بالبر والبحر فقال تعالى في السورة نفسها: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)) .
٢٩٢- ما اللمسة البيانية في استعمال (توفّاهم) و (تتوفّاهم) في القرآن الكريم؟
قال تعالى في سورة النساء: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)) .
نلاحظ في القرآن كله وليس فقط في هذه الآية الحذف كما جاء في القرآن مثل (تنزّل وتتنزّل، تبدّل وتتبدّل) وهذا الحذف في عموم القرآن وحيث ورد مثل هذا التعبير في القرآن سواء في الفعل أو غيره يكون لأحد أمرين:
١. للدلالة على أن الحدث أقلّ.
٢. أن يكون في مقام الإيجاز.
стр. 893
ففي سورة القدر مثلاً قال تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)) وقال في سورة فُصّلت: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)) فآية سورة القدر التنزّل كان في ليلة واحدة في العام وهي ليلة القدر فحذف من الفعل لأن الحدث أقل. أما الآية الثانية فهي عند الموت وفي كل لحظة يُحتضر فيها شخص ويموت فالتنزّل هنا يكون أكثر فقال تعالى (تتنزّل) وأعطى الفعل كل صيغته أن الحدث أطول وأكثر.
نعود إلى آية سورة النساء، ورد فيها قوله تعالى: (مستضعفين في الأرض) وقال في سورة النحل: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)) ) وهؤلاء المستضعفين في آية سورة النساء هم قسم من الظالمين وليس كلهم فهم أقل، أما الآية الثانية (ظالمي أنفسهم) فالذين ظلموا أنفسهم أكثر من المستضعفين لأنهم عموم الظالمين. فلمّا خصّ بقسم من الظالمين (المستضعفين) قال تعالى: (توفّاهم) ولما كثُر العدد قال: (تتوفاهم) . وهذا الحذف هو جائز من حيث اللغة للتخفيف.
стр. 894
· كذلك قوله تعالى: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢) الأحزاب) وهذا خطاب للرسول ﷺ وهي حالة خاصة به فقال (تبدّل) أما في قوله تعالى: (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) النساء) فهذه حالة عامة وحكم عام مستمر إلى يوم القيامة فالحكم كثير ومتصل فأعطى الفعل كل صيغته.
· وكذلك في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) آل عمران) فالكلام هنا عن أمة واحدة لكل المسلمين وقد نهاهم الله تعالى عن أي جزء من التفرّق ولو كان قليلاً فقال (تفرقوا) ، أما في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) الشورى) فالكلام لكل البشر وذكر كل الأنبياء من زمن نوح إلى قيام الساعة فقال (تتفرقوا) .
٢٩٣- ما اللمسة البيانية في عدم ذكر الحور العين في نعيم الجنة في سورة الإنسان؟
стр. 895
ليس هذا هو الموطن الوحيد الذي لم تُذكر فيه الحور العين مع الجنّات فهي لم تذكر في مواطن عديدة في القرآن وليس كل المواطن يُذكر فيها الحور العين. هناك مجالس بين الإخوان لا يَحسُن فيها ذكر الحور العين وهناك مواطن خاصة تقتضي ذكر الحور العين. على سبيل المثال إذا وصف لنا أحد ما بلداً فلا داعي لأن يصف نساءه إذا لم تقتضي الحاجة. وكذلك في سورة الإنسان فالمقام والسياق يتعلقان بالطعام والشراب واللباس والآنية ولا يتعلق بذكر الحور العين. والذكر والحذف قد يتعلق أحياناً بالتفصيل والإيجاز.
٢٩٤- ما دلالة استعمال كلمة (مدّكر) في قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) القمر) ولم يستعمل (متذكر) مثلاً من الذِكر كما يُفهم من المعنى؟
هذا سؤال صرفي يُدرس في الصرف ويسمى الإبدال عندما نصيغ على صيغة (افتعل) وتقلباتها مفتَعل ومفتعِل، والمشهور أن (افتعل) تأتي بالتاء مثل اختبر واجتهد واشتهر؛ لكن مع بعض الحروف لا تأتي التاء فتُبدل دالاً (مع الدال والذال) مثلاً "اذتكر" هي صيغة افتعل من ذَكَر والمفروض أن نقول (مذتكر) هذا هو القياس وكذلك ادّعى المفروض أن نقول (ادتعى) على وزن افتعل لكن العرب تستثقل هذا فتُقلب الذال والدال دالاً فيقولون (مدّكر) و (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يوسف) بمعنى ذكر. وتبدل طاء مع الصاد والضاد مثل (اصطبر) والقياس (اصتبر) بالتاء يبدلون التاء طاء وكذلك اطّلع (اضتلع) .
стр. 896
٢٩٥- ما اللمسة البيانية في عدم ذكر الجواب وما يترتّب على كونهم نقضوا الميثاق في قوله تعالى في سورة النساء (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)) بينما جاء ذكر الجواب في قوله (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)) ؟
هذا فيه خلاف بين المفسرين واللغويين وفي الآية أكثر من تخريج عندهم:
· من المحتمل أن قوله تعالى (فبظلم من الذين هادوا) بدل من (فبما نقضهم ميثاقهم) فالجار والمجرور بدلٌ من قبله (فبما نقضهم) فذكر المتعلّق (حرّمنا عليهم) مثل قوله تعالى (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) الأعراف) (لمن آمن) بدل من (للذين استضعفوا) ، وكذلك قوله تعالى (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) الزخرف) "لبيوتهم سقفاً" بدل لقوله "لمن يكفر بالرحمن".
стр. 897
· الوجه الآخر أن ذكر نقض الميثاق مذكور في آيات أخرى وذكر فيها المتعلّق (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) المائدة) فكأن الجواب في الآية أُحيل إلى ما ذُكر في آيات أخرى.
· الوجه الآخر أنه يُحذف للتعظيم وهذا ورد كثيراً في القرآن كما حذف جواب القسم في أوائل سورة ق (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١)) . جواب الشرط يُحذف في القرآن كثيراً كما في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) سبأ) وقوله تعالى (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) الانشقاق) (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) الأنفال) وذلك حتى يذهب الذهن كل مذهب وهذا أمر عظيم فهناك من يستدعي العقوبات ولمّا قال تعالى (لعنّاهم) اللعن ليس قليلاً، فالأمور التي ذكرها تعالى تستدعي من العقوبات وغضب الله تعالى ما يضيق عنه الكلام فكل العقوبات في حق هؤلاء قليلة.
ويمكن أن تحتمل جميع المعاني السابقة وهذا من باب التوسع في المعنى إلا إني أميل للتعظيم وإن كان البدل وجهاً نحوياً وارداً.
стр. 898
٢٩٦- ما اللمسة البيانية في الجمع مع (يستمعون) والإفراد مع (ينظر) في قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) يونس) ؟
هنا نسأل أيّ الأكثر المستمعين أم الناظرين؟ في مسجد أو محاضرة قد يحول عائق ما دون النظر إلى الخطيب لكن الذين يستمعون إليه أكثر فجاء تعالى بالجمع مع الكثرة (يستمعون) وجاء بالإفراد مع القلة (ينظر) ولو كان للقِلّة النسبية. وقد ورد هذا الاستعمال في القرآن فعلى سبيل المثال يستعمل القرآن "البررة" و"الأبرار"، يستعمل "البررة" دائماً للملائكة وليس للناس لأن الملائكة كلهم بررة (كثرة نسبية) فجاء بجمع التكسير، ويستعمل "الأبرار" للناس.
وقد يكون استعمال الجمع للسمع والإفراد للنظر أن السمع يكون مباشراً وغير مباشر أما النظر فلا يكون إلا مباشراً.
٢٩٧ – ما اللمسة البيانية في ترتيب الأسماء في قوله تعالى (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) العنكبوت) وقوله تعالى (إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) غافر) ؟
الفكرة العامة أولاً في طريقة القرآن في الآيتين أن ما أخّره لا يأتي على ذكره في السورة ففي سورة العنكبوت أخّر هامان؛ وهامان لم يُذكر في السورة إلا في هذه الآية، وفي آية سورة غافر أخّر قارون الذي لم يُذكر في السورة إلا في هذه الآية.
стр. 899
ثم إن هناك أمر آخر وهو أن في سورة العنكبوت قدّم قارون على فرعون لماذا؟ لأنه إذا لاحظنا السياق في السورة في الآية التي سبقت الآية موضع السؤال (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)) نجد أنه ورد في آخرها كلمة (مستبصرين) عن قوم عاد وثمود، وقارون كان مستبصراً فقد كان من قوم موسى فبغى عليهم أي أنه كان يعرف الحق مستبصراً به فجاء ذكره أولاً لأنه يدخل مع المستبصرين في الآية التي سبقت.
ثم إن الترتيب جاء مناسباً لترتيب العقوبة في السورة عقاب قارون أولاً (وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ) ثم فرعون (وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا) فالعقوبات ترتبت بموجب الذِكر فالسياق إذن مناسب للعقوبات التي ذكرها ولا يصح غير هذا الترتيب من الناحية الفنية.
أما في سورة غافر فقد جاء قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣)) لمن أرسل موسى؟ لفرعون فناسب أن يكون فرعون أول المذكورين في الآية التي بعدها (إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)) والسياق في السورة يدور حول فرعون (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)) (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)) أما قارون فهو خارج السياق.
стр. 900
٢٩٨ – ما اللمسة البيانية في استعمال الإفراد ثم الجمع ثم الإفراد في قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١) الطلاق) ؟
ذكرنا سابقاً أن (من) في سنن العربية يُبدأ معها بالإفراد الذي يعود على لفظ (مَن) ثم يُؤتى بالذي يفسّر المعنى وذكرنا عدة أمثلة.
يأتي بالإفراد (من) ثم يفسّر بالمعنى كما في قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) التوبة) بدأ بمفرد (ومنهم من يؤمن) هل المقصود الجنات للمفرد؟ يمكن ذلك لأنه قد يكون للمؤمن أكثر من جنة كما في قوله تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) الرحمن) . جاءت (خالدين) بالجمع لأن القرآن لم يذكر أبداً (خالداً) في الجنة بصيغة المفرد أما في النار فجاءت بالإفراد وبالجمع، والإفراد في النار تدل على أن العزلة وحدها عذاب ولأن هناك من يُعذّب بالعزلة والإفراد ومنهم من يُعذّب بالنار، أما المؤمنون فتأتي (خالدين فيها) بالجمع للدلالة على الأُلفة.
ثم نسأل لماذا عاد إلى الإفراد في قوله تعالى (قد أحسن الله له رزقا) ؟ الإفراد للدلالة على أن لكل فرد رزقاً ولو قال تعالى (لهم) تصبح للعموم ولا تعني كل واحد يُحسن له الرزق. فالإفراد دلّ على أنه تعالى أفرد كل واحد على وجه الخصوص يُحسن له الرزق وليس على العموم وهذا تنصيص.
стр. 901
(من) تأتي للمفرد والجمع والمثنى والمذكر والمؤنث وتأتي أولاً بصيغة المفرد ثم يأتي بعدها بما يخصص المعنى وهذا هو الأكثر في القرآن إلا إذا اقتضى السياق والبيان أن يخصص ابتداءً كما في قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) يونس) .
٢٩٩ – ما دلالة قوله تعالى في الآية الثانية في سورة النساء: (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) ؟
السؤال كان لماذا جاءت الخبيث بالطيب ولم تأتي الطيب بالخبيث؟
فنقول أن هناك قاعدة تقول: أن الباء تكون مع المتروك كما في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) البقرة) .
٣٠٠- ما دلالة فصل (إنما) في آية سورة الأنعام (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)) بينما جاءت موصولة في آية سورة الذاريات والمرسلات؟
قال تعالى في سورة الأنعام (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)) وقال في سورة الذاريات (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)) وفي سورة المرسلات (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧))
هذا السؤال عائد إلى خط المصحف (الخط العثماني) وليس عائداً لأمر نحوي، وحسب القاعدة: خطّان لا يُقاس عليهما: خط المصحف وخط العَروض. وفي كتابتنا الحالية نفصل (إن) عن (ما) وحقُّها أن تُفصل.
стр. 902
ابتداء يعود الأمر إلى خط المصحف سواء وصل أم فصل لكن المُلاحظ الغريب في هذه الآيات كأنما نحس أن للفصل والوصل غرض بياني. لو لاحظنا في آية سورة الأنعام (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ) فصل، وفي الذاريات وصل (إِنَّمَا تُوعَدُونَ) وفي المرسلات وصل (إِنَّمَا تُوعَدُونَ) فلو لاحظنا الآيات نجد أنه تعالى لم يذكر في سورة الأنعام شيء يتعلّق بالآخرة أو متصلاً بها وإنما تكلم بعد الآية موضع السؤال عن الدنيا (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)) ففصل ما يوعدون عن واقع الآخرة. بينما في سورة الذاريات وصل الأمر بأحداث الآخرة (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)) والكلام في السورة جاء عن أحداث الآخرة فوصل (ما توعدون) بأحداث الآخرة فكأنما الفصل لفصل بين ما يوعدون وأحداث الآخرة وكذلك في سورة المرسلات دخل في أحداث الآخرة. فلمّا فصل الأحداث الآخرة عن ما يوعدون فصل (إن ما) ولمّا وصل الأحداث مع ما يوعدون وصل (إنما) وكذلك ما جاء في قوله تعالى في قصة موسى وفرعون (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) طه) السحرة صنعوا وانتهى الأمر، وكذلك قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) (الأنفال) هم غنموا وانتهى الأمر فوصل وتكلم عن شيء فعلوه. فكأنها ظاهرة غريبة وكأن الكاتب الذي كتب المصحف لحظ هذا وما في الفصل والوصل هذا والله أعلم.
стр. 903
وقد سبق أن تكلمنا عن الفصل والوصل في (لكيلا) و (لكي لا) في إجابتنا عن سؤال سابق.
(ما) الموصولة هنا تختلف عن (إنما المؤمنون إخوة) التي هي ما الكافة والمكفوفة التي توصل مع (إن) .
٣٠١- ما دلالة استعمال الإسم مع الميت والفعل مع الحيّ في آية سورة الأنعام (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)) ؟
هناك قاعدة في اللغة: وهي أن الإسم يدل على الثبوت والدوام والفعل يدل على التجدد والحركة. فنلاحظ أنه عندما قال تعالى (يُخرج الحيّ) استعمل صيغة الفعل لأن أبرز صفات الحيّ هي الحركة واستعمل صيغة الإسم مع الميت (ومُخرج الميت) لأن أبرز صفات الميت السكون فاستعمل الإسم الذي يدل على الثبوت.
стр. 904
وتختلف المسألة في آية سورة عمران (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)) والفرق هنا واضح من السياقين فسورة آل عمران كلها في التغيرات والأحداث التي تتجدد (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)) (إيتاء الملك ونزعه، تعز من تشاء وتذل من تشاء، تولج الليل وتولج النهار) كلها في التغيرات وليست في الثبات، أما آية سورة الأنعام فتبدأ في صفات الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)) ذكر صفات الله تعالى أولاً وقال تعالى (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)) وهنا نسأل لماذا قال تعالى (فالق الإصباح) و (جعل الليل سكناً) وما الفرق بين الإصباح والليل؟
الفرق هنا ظاهر لأن فالق الإصباح لم يُقيّده بأحد أو بمنتفع وهو فالق الإصباح سواء كان هناك من ينتفع أو لم يكن بينما قال (جعل الليل سكناً) قيّده بمنتفع وهو من يسكن فإن لم يكن هناك من يسكن وما يسكن لا يكون الليل سكناً وكذلك الشمس والقمر حسباناً لمن يحسِب فإن لم يكن هناك من يحسِب فلا يكون الشمس والقمر حسباناً. فالليل هنا لا يكون سكناً إلا إن وُجد من يسكن ومن يحسِب. فالأدوم هو فالق الإصباح أما جعل الليل سكناً فهو مُقيّد كما أسلفنا. ولو فرضنا أنه قد دُمّر كل شيء ولم يعد هناك أحد ينتفي عندها السكن والحسبان.
стр. 905
الذي يحدد استعمال الإسم أو الفعل في القرآن الكريم هو السياق فالله تعالى مثلاً يصف نفسه مرة بأنه عالم ومرة عليم ومرة علاّم ومرة يعلم ولكل منها استعماله حسب ما يقتضيه السياق فنلاحظ أنه تعالى لا يستعمل " عالم "إلا مع المفرد (عالم الغيب) أما " علاّم " فلا يستعملها إلا مع الجمع (علاّم الغيوب) . فإذا كان السياق في التجدد والتغيرات يأتي بالفعل وإن كان السياق في الثبوت يأتي بالإسم فلابد من أن نضع الكلمة في سياقها. والكلمة لا توصف بأنها بليغة وإنما يقال عنها كلمة فصيحة لكن بلاغة الكلمة عندما تضعها في كلام وفي سياق. ولابد من معرفة قواعد اللغة العربية وأحكامها حتى لا نخرج من قواعدها عندما نتكلم عن القرآن ثم إن هناك خصوصيات في استعمال القرآن فعلى سبيل المثال القرآن يستعمل الريح في الشر والرياح في الخير إلا في موطن واحد قال تعالى (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) يونس) قال "ريح طيبة" ثم أتبعها بـ "ريح عاصف" وعليه ينبغي أن ننظر كيف يستعمل القرآن الكلمة في سياقها.
стр. 906
مثال آخر أن القرآن يستعمل "أوصى" للأمور المادية (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) يوصي من أوصى، ووصّى للأمور المعنوية (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) الشورى) وفي المرة التي استعمل فيها " أوصى " للصلاة أتبعها بالزكاة في قوله تعالى (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) مريم) .
وكذلك استعمال " آتينا " وَ " أوتوا " ففي موضع المدح يأتي بـ (آتيناهم) كما في قوله تعالى (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) البقرة) وفي معرض الذمّ يأتي بـ (أوتوا) كما في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) النساء) وقوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) البقرة) .
٣٠٢- ما اللمسة البيانية في استعمال أردت، أردنا وأراد ربك في قصة موسى ﵇ في سورة الكهف؟
стр. 907
هناك خط عام في القرآن الكريم وهو أن الله تعالى لا ينسب الشرّ لنفسه مطلقاً (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) الإسراء) ولم يقل مسسناه بالشرّ وكذلك في قوله تعالى (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) الجن) وقوله تعالى (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) النساء) ، وإنما ينسب الخير إلى نفسه، والخير يُقصد به الخير العام وليس شرطاً أن يكون الخير الفردي كما في قوله تعالى (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢) الرعد) وأخذ الكافرين وإهلاكهم هو من الخير العام وهو نعمة على الناس أصلاً وهذا أيضاً ليعلّمنا الله تعالى أن الخير والشر مُقدّر من الله تعالى وهذا هو يقين العقيدة حتى لا يتبادر إلى ذهن الإنسان أن هناك إله للخير وإله آخر للشرّ كما كانوا يعتقدون قبل الإسلام. وفي قوله تعالى (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) طه) نسب الفتنة إليه وهذه الفتنة ليست شراً وإنما هي ابتلاء فالله تعالى خلق الموت والحياة للابتلاء (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الملك) الذي هو مُراد الله تعالى للبشر وهو من أغراض الخلق (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) الإنسان) . وفي القرآن يذكر (زيّنا لهم أعمالهم) ولم يرد في القرآن مرة (زينا لهم سوء أعمالهم) وإنما جاءت (.زيّن لهم
стр. 908
سوء أعمالهم) .
ومما سبق نقول أن في قصة الخضر مع موسى ﵇ في سورة الكهف جاء استعمال فعل (أردت) مع خرق السفينة لأن الله تعالى لا ينسب العيب إلى نفسه ونسب الخضر العيب إلى نفسه تأدباً مع الله تعالى كما فعل ابراهيم ﵇ في قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) الشعراء) لم يقل أمرضني.
أما في حادثة الغلام ففيها جانب شر وهو قتل نفس زكية بغير نفس وجانب خير وهو الإبدال بخير منه فأصبح فيها مشترك فجاء لفظ (أردنا) .
أما في قصة الجدار فالأمر كله خير فتحت الجدار كنز وأبو الغلامين كان صالحاً والأمر كله خير ليس فيه جانب سوء فأسند الفعل إلى الله تعالى فقال (أراد ربك) .
٣٠٣- ما دلالة استعمال إسم المصدر وإسم الآلة في قوله تعالى في سورة المائدة آية ٤٨ (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ؟
أولاً ليس في الآية اسم مصدر ولا اسم آلة لأن الشِرعة ليست اسم مصدر والمنهاج ليست اسم آلة. الشِرعة في اللغة هي الطريق الموصل إلى الماء والشريعة هي الماء عند العرب فالعرب تُسمي شريعة مورد الماء الذي لا ينقطع وسبب التسمية لأن الماء به سبب الحياة الفانية والدين سبب الحياة الأبدية فالماء والشريعة هما للريّ والتطهر فالربط بينهما على أن كلاهما سبب الحياة.
أما صيغة مفعال فلا تختص بالآلة فقد تكون آلة (مهباج) وقد تكون مصدراً (مرصاد) وقد تكون للوقت (ميقات) وتستعمل للدلالة على المكان الذي يُضرب للحج (ميقات – مواقيت الحج) . فالمنهاج هو مكان موضع وليس اسم آلة وإنما هو الطريق الواضح المستقيم. النهج هو الطريق الواضح والمنهاج هو الطريق الواضح المستقيم وهذا غير السبيل. فلما قال تعالى (شرعة ومنهاجا) قصد ما فيها من سبب الحياة الباقية والطريق الموصل إليها.
стр. 909
٣٠٤- ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)) سورة الزمر؟
قال تعالى في سورة الزمر (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)) والمفسرون يفسرونها أحد تفسيرين: إما أن الأجر يُصبّ عليهم صباً بغير حساب للدلالة على المبالغة في الأجر، أو أن الصابرين يُصب عليهم الأجر ولا يحاسبون لأن الصابر يؤجر بدون أن يُحاسب ويُسقط عنه الأجر بقدر ما صبر ويُتجاوز عنه ويُدخله الله تعالى الجنة بغير حساب. فكلمة (بغير حساب) قد تكون للأجر وقد تكون للصابرين وهي تحتمل المعنيين. وفي الحديث الشريف عن سول الله ﷺ :"سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب".
٣٠٥- ما اللمسة البيانية في استعمال (الوالدات) بالجمع و (المولود له) بالإفراد في آية سورة البقرة؟
قال تعالى في سورة البقرة (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣))
стр. 910
هنالك أكثر من سؤال في هذه الآية: لماذا قال الوالدات ولم يقل على الوالد وإنما قال المولود له ولماذا فرّق وقال الوالدات والمولود له بدل الوالد أو الوالدين؟
حُكماً أن المولود للآباء مولود له أن الولد يُنسب للأب فهو له وليس للأم فهو مولود له وليس للوالدة (هي وَلَدت) لكن المولود للأب. وحكماً أن الولد ينتسب إلى الأب وهو المسؤول عنه والذي يتكفله ويرعاه فهو ليس مولوداً للأم وإنما مولود للأب فالأم والدة والأب مولود له.
الأمر الآخر محتمل أن يكون للمولود له أكثر من زوجة فقال تعالى (والوالدات) بالجمع لتشمل كل الزوجات وقال (وعلى المولود له) خاصة بواحدة من الزوجات.
ثم نلاحظ أنه قال تعالى (والوالدات يُرضعن أولادهن) ولم يقل على الوالدات لأنهن لسن مكلفات بإرضاع الولد فيمكن لهن أن لا يُرضعن أولادهن أو أن يأتين بمرضعة فالوالدات لسن مكلفات شرعاً بإرضاع الولد. لكنه قال تعالى (وعلى المولود له رزقهن) لأن هذا واجب الأب فجمع سبحانه البيان والشرع والحكم.
٣٠٦- ما دلالة اختلاف ترتيب الأقارب بين آية سورة عبس وآية سورة المعارج؟
آية سورة عبس في الفرار يوم القيامة والمشهد مشهد فِرار وأن يخلو الواحد إلى نفسه وعادة الفِرار يبدأ من الأبعد إلى الأقرب قيكون الأقرب آخر من يفرّ منه الإنسان. وأبعد المذكورين في الآية (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)) هو الأخ لأنه أحياناً لا يرى الإنسان أخاه أشهراً فبدأ بالفرار منه ثم قدّم الأم على الأب في الفرار لأن الأم لا تستطيع أن تدفع عنه أو تنصره لكن الأب ينصره، وقد قال أعرابي عندما بُشّر بمولودة قال "والله ما هي بنعم الولد نصرُها بُكاء وبِرّها سرقة" إذا أرادت أن تنصر تبكي وإن أرادت أن تبِرّ تسرق من زوجها لتعطي. ثم أخّر الأبناء لأنهم ألصق شيء بالإنسان.
стр. 911
أما في سورة المعارج فالمشهد مشهد فِداء وذَكَر القرابات (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)) وأقرب القرابة الأبناء والإنسان خلقه الله تعالى هلوعاً (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) المعارج) إذا رأى مشهد العذاب أدركه الهلع فبدأ بالأقرب وهذا يوحي أن العذاب فوق ما يتصور الإنسان فافتدى بأعزّ ما يملك وهم أبناؤه ولم يذكر في الآية الافتداء بالأم أو الأب لأن الله تعالى أمر بالإحسان إليهما ودلّ على عظيم مكانة الأبوين فلا يمكن أن تفتدي بما يُتقرّب إليه فهل يُعقل أن يفتدي إلى الله تعالى بأبويه فهل هذا هو الإحسان إليهما أن تضعهما مكانك في جهنم؟ قد يفرّ منهما لكن لا يفتدي بهما أبدا.
٣٠٧- لماذا لم يرد ذِكر الجِمال في قوله تعالى (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) في سورة النحل؟
стр. 912
ذكر الله تعالى في هذه الآية سبل المواصلات لكنه ذكر الجمال في الآية التي سبقتها فقال تعالى (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)) وفي هذه الآية ذكر ما يُستعمل للركوب والأكل والجمال تدخل في الأنعام ثم ذكر بعدها ما يُستعمل للركوب والزينة في قوله تعالى (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) وهذه كلها ليست للأكل. ففي ترتيب الذكر في الآيات ذكر أولاً ما هو للركوب والأكل ثم أتبعها بما هو للركوب والزينة.
٣٠٨- ما اللمسة البيانية في الاختلاف بين قوله تعالى في سورة النمل (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)) وفي قوله في سورة الحجر (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)) في قصة امرأة لوط؟
стр. 913
لو لاحظنا الآيتين في سورة النحل وفي سورة الحجر كأن السائل يسأل عن الاختلاف في التوكيد في آية سورة الحجر. ولو نظرنا إلى آية سورة الحجر (إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)) لوجدنا فيها ستة مؤكدات هي: (إنّا، اللام في لمنجوهم، منجوهم (إسم) ، أجمعين، إنّ في إنها واللام في لمن الغابرين) ثم أننا إذا نظرنا في السورة كلها أي سورة الحجر لوجدنا فيها ٢٠ مؤكد في قصة لوط بينما في سورة النمل ففيها ثلاثة مؤكدات فقط في القصة كلها (أئنكم، لتأتون، وإنهم أناس يتطهرون) . هذا الجو العام في السورتين والوضع الوصفي فالآية في سورة الحجر أنسب مع الؤكدات في القصة من آية سورة النمل. وقد يسأل السائل لماذا؟ نلاحظ أنه تعالى وصف قوم لوط في سورة الحجر بالإجرام (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)) أما في النمل فوصفهم بالجهل (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)) والمجرمون أشد من الجاهلين فالوصف أشدّ وهذا الوصف الأشدّ يقتضي عقوبة أشدّ ول نظرنا إلى العقوبة في كلتا السورتين لوجدنا أن العقوبة في سورة الحجر أشدّ (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)) وفي سورة النمل (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)) والمطر قد يكون ماء أما الحجارة في سورة الحجر فهي بالطبع أشدّ. إذن العقوبة أشدّ والوصف أشدّ ثم إن القصة في سورة الحجر (١٩ آية من الآية ٥٨ إلى ٧٦) أطول منها في سورة النمل (٥ آيات فقط) فإذا نظرنا إلى القصة من جهة التوسع والإيجاز فآية سورة الحجر أنسب ومن حيث التوكيد والعقوبة والطول أنسب ولا يناسب وضع الآية مكان الأخرى.
стр. 914
القرآن الكريم يراعي التعبير في كل مكان بصورة دقيقة ويراعي التصوير الفني للقصة.
٣٠٩- ما اللمسة البيانية في ذكر عيسى مرة والمسيح مرة وابن مريم مرة في القرآن الكريم؟
لو عملنا مسحاً في القرآن الكريم كله عن عيسى نجد أنه يُذكر على إحدى هذه الصيغ:
? المسيح: ويدخل فيها المسيح، المسيح عيسى ابن مريم، المسيح ابن مريم (لقبه)
? عيسى ويدخل فيها: عيسى ابن مريم وعيسى (إسمه)
? ابن مريم (كُنيته)
حيث ورد المسيح في كل السور سواء وحده أو المسيح عيسى ابن مريم أو المسيح ابن مريم لم يكن في سياق ذكر الرسالة وإيتاء البيّنات أبدأً ولم ترد في التكليف وإنما تأتي في مقام الثناء أو تصحيح العقيدة. (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) آل عمران) (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) النساء) (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) المائدة) (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا
стр. 915
يُشْرِكُونَ (٣١) التوبة) .
وكذلك ابن مريم لم تأتي مطلقاً بالتكليف (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) المؤمنون) (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) الزخرف) .
أما عيسى في كل أشكالها فهذا لفظ عام يأتي للتكليف والنداء والثناء فهو عام (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) المائدة) (ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مريم) ولا نجد في القرآن كله آتيناه البينات إلا مع لفظ (عيسى) (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) الزخرف) ولم يأت أبداً مع ابن مريم ولا المسيح. إذن فالتكليف يأتي بلفظ عيسى أو الثناء أيضاً وكلمة عيسى عامة (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) المائدة) فالمسيح ليس اسماً ولكنه لقب وعيسى اسم أي يسوع وابن مريم كنيته واللقب في العربية يأتي للمدح أو الذم والمسيح معناها المبارك. والتكليف جاء باسمه (عيسى) وليس بلقبه ولا كُنيته.
٣١٠- ما الفرق بين النبأ والخبر؟
следующие страницы →