← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قال ابن عاشور: والمعنى: لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الَّذين كتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم الَّتي اضطجعوا فيها يوم أُحُد أي مصارعهم فالمراد بقوله: (كتب) قدّر، ومعنى (برز) خرج إلى البراز وهو الأرض. • وقال القاسمي: كما قال تعالى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وفيه مبالغة في رد مقالتهم الباطلة، حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل، بل عين مكانه أيضاً. وفي التعبير بمضاجعهم من إجلالهم وتكريمهم ما لا يخفى على صاحب الذوق السليم. (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ) أي: ليختبر ما في قلوبكم من الإخلاص والنفاق. • قوله تعالى: (وَلِيَبْتَلِيَ) الواو حرف عطف، واللام لام التعليل، ولهذا يجب كسرها، بخلاف لام الأمر، فإنها تسكن إذا وقعت بعد حرف العطف [الواو والفاء وثم] قال تعالى (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) وقال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)، أما لام التعليل فإنها مكسورة دائماً ولو بعد الواو أو ثم أو الفاء. (ابن عثيمين). (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) أي: لينقي ما في قلوبكم ويطهره. • قال ابن تيمية: عند المحن تظهر كمائن النفوس. • قال الحسن: الناس وقت الرخاء متساوين فإذا وقع البلاء تباينوا. • قال ابن عاشور: والتمحيص تخليص الشيء ممَّا يخالطه ممَّا فيه عيب له فهو كالتزكية. والقلوب هنا بمعنى العقائد، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها ممَّا يخامرها من الريب حين سماع شُبه المنافقين الّتي يبثُّونها بينهم. • قال ابن القيم: ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا التّقْدِيرِ هِيَ ابْتِلَاءُ مَا فِي صُدُورِهِمْ وَهُوَ اخْتِبَارُ مَا فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالنّفَاقِ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزْدَادُ بِذَلِكَ إلّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَالْمُنَافِقُ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ لَا بُدّ أَنْ يَظْهَرَ مَا فِي قَلْبِهِ عَلَى جَوَارِحِهِ وَلِسَانِهِ، ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى: وَهُوَ تَمْحِيصُ مَا فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ تَخْلِيصُهُ وَتَنْقِيَتُهُ وَتَهْذِيبُهُ فَإِنّ الْقُلُوبَ يُخَالِطُهَا بِغَلَبَاتِ الطّبَائِعِ؟ وَمَيْلِ النّفُوسِ وَحُكْمِ الْعَادَةِ وَتَزْيِينِ الشّيْطَانِ وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ مَا يُضَادّ مَا أُودِعَ فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْبِرّ وَالتّقْوَى فَلَوْ تُرِكَتْ فِي عَافِيَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرّةٍ لَمْ تَتَخَلّصْ مِنْ هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ وَلَمْ تَتَمَحّصْ مِنْهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْعَزِيزِ أَنْ قَيّضَ لَهَا مِنْ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا مَا يَكُونُ كَالدّوَاءِ الْكَرِيهِ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ دَاءٌ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ جَسَدِهِ وَإِلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ تُعَادِلُ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وَتَأْيِيدِهِمْ وَظَفَرِهِمْ بِعَدُوّهِمْ فَلَهُ عَلَيْهِمْ النّعْمَةُ التّامّةُ فِي هَذَا وَهَذَا.

стр. 1262

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي بما في القلوب التي في الصدور من الضمائر الخفية ووصفت بذلك لأنها لتمكنها من الصدور جعلت كأنها مالكة لها فذات بمعنى صاحبة لا بمعنى ذات الشيء ونفسه. وقال البيضاوي: (والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور) بخفياتها قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين. الفوائد: ١ - أن الله هو الذي يجلب للمرء النوم أو يرفعه. ٢ - أن النعاس قد يكون محموداً وقد يكون مذموماً. ٣ - أن النعاس الذي أصابهم إنما أصاب المؤمنين الخلّص. ٤ - ذم من ظن بالله غير الحق. ٥ - وجوب حسن الظن بالله، وعلى قدر حسن الظن بالله يكون النصر والتأييد. وقد جاء في الحديث: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَقُولُ اللَّهُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِى وَإِنْ ذَكَرَنِي في مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّى شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً). ففي هذا الحديث دليل على فضل إحسان الظن بالله تعالى، وقد جاء في الحديث (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى). فمن أحسن ظنه بالله آتاه الله إياه. وفي المسند قال ﷺ (إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، إنْ ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله). والمعنى: أعاملُه على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر. وقال عبد الله بن مسعود (والذي لا إله غيرُه ما أُعطي عبدٌ مؤمن شيئاً خيراً من حسن الظن بالله ، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله الظن إلا أعطاه الله ظنَّه؛ ذلك بأنَّ الخيرَ في يده» رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن. قال سهل القطعي ﵀: رأيت مالك بن دينار ﵀ في منامي، فقلت: يا أبا يحيى ليت شعري، ماذا قدمت به على الله ؟ قال: قدمت بذنوب كثيرة، فمحاها عني حسن الظن بالله رواه ابن أبي الدنيا. • ومعنى حُسن الظن بالله عَزَّ و جَلَّ هو اعتماد الإنسان المؤمن على ربِّه في أموره كلها، و يقينه الكامل و ثقته التامة بوعد الله و وعيده، و إطمئنانه بما عند الله، و عدم الإتكال المُطلق على تدبير نفسه و ما يقوم به من أعمال. وحسن الظن بالله من مقتضيات التوحيد لأنه مبنيٌ على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقدرته وحسن التوكل عليه. ٦ - أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب. ٧ - تحريم الاعتراض على القدر. ٨ - إثبات الحكمة في أفعال الله. ٩ - إثبات علم الله بما في القلوب.

стр. 1263

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)). [آل عمران: ١٥٥]. • (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) أي: انهزموا يوم أحد. • قال ابن الجوزي: الخطاب للمؤمنين، وتوليهم فرارهم من العدو، والجمعان: جمع المؤمنين وجمع المشركين يوم أحد. (إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) أي: بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله ﷺ . • قال ابن قتيبة: استزلهم طلب زلتهم، كما يقال استعجلته أي طلبت عجلته، واستعملته طلبت عمله. (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) أي: عفا عما كان منهم من الفرار. • قال ابن عاشور: ومناسبةُ ذكر هذه الآية عقب الَّتي قبلها أنَّه تعالى بعد أن بيَّن لهم مرتبة حقّ اليقين بقوله (قل لو كنتم في بيوتكم) انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب الظاهرة، فبيّن لهم أنَّه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم الَّتي أملاها الشيطان عليهم وأضلّهم، فلم يتفطّنوا إلى السبب، والتبس عليهم بالمقارن، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطئ وبين تدارك خطئه ولا يخفى ما في الجمع بين هذه الأغراض من العلم الصّحيح، وتزكية النفوس، وتحبيب الله ورسوله للمؤمنين، وتعظيمه عندهم، وتنفيرهم من الشيطان، والأفعالِ الذميمة، ومعصية الرسول، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين. وعلى هذا فالمراد من الذين تولّوا نفس المخاطبين بقوله: (ثم صرفكم عنهم … ) وضمير (منكم) راجع إلى عامّة جيش أُحُد فشمل الذين ثبتوا ولم يفرّوا. وممن فر عثمان ﵁ لكن الله عفا عنه وعن البقية. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) أي: غفور لمن تاب وأناب. (حَلِيمٌ) لا يعاجل بالعقوبة. الفوائد: ١ - بيان سبب انهزام من انهزم من الصحابة. ٢ - تحريم الفرار إذا التقى الجمعان. ٣ - إثبات اسم الله الحليم المتضمن لسعة حلمه تعالى.

стр. 1264

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)). [آل عمران: ١٥٦]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد. قيل المراد بالين كفروا: جميع الكفار. وقيل: المراد المنافقين كعبد الله بن أبيّ. (وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ) أي: عن إخوانهم. (إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) أي: سافروا للتجارة ونحوها. (أَوْ كَانُوا غُزّىً) أي: في الغزو. (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا) أي: في البلد. (مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) أي: ما ماتوا في السفر ولا قتلوا في الغزو. (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم. (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت إلا بمشيئته وقدره، ولا يُزاد في عمُر أحد ولا يُنقص منه إلا بقضائه وقدره. قال الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: (والله يحيي ويميت) والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه. وهذا من الله ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين. أ هـ (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) بكل شيء، يبصر كل صغير وكبير. الفوائد: ١ - النهي عن التشبه بالكفار، وهذا النهي للتحريم لقوله ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم). ٢ - النهي عن الندم عما مضى. ٣ - تحريم قول (لو) اعتراضاً على القدر. ٤ - الحث على الجهاد، لأن الخروج الجهاد لا يقدم الموت، لأن كل شيء مكتوب محدد. ٥ - ذم الاعتراض على القدر. ٦ - أن الاعتراض على القدر يسبب الحسرة والندم. ٧ - أن الإحياء والإماتة بيد الله. ٨ - عموم علم الله تعالى.

стр. 1265

(وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ (١٥٨)). [آل عمران: ١٥٧ - ١٥٨]. (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: استشهدتم في سبيل الله في الحرب أو القتال. أَوْ مُتُّمْ) أي: أو جاءكم الموت وأنتم قاصدون قتالهم. (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) أي: ذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني. (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) أي: وسواء متم على فراشكم أو قتلتم في ساحة الحرب فإن مرجعكم إلى الله فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقربكم إلى الله ويوجب لكم رضاه من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته. • الفرق بين المغفرة والرحمة: أن المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب، أي: أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم. • وقال أبو السعود: قوله تعالى (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ) شروعٌ في تحقيق أن ما يحذرون ترتُّبَه على الغزو والسفر من القتل والموتِ في سبيل الله تعالى ليس مما ينبغي أن يُحذر، بل مما يجب أن يتنافسَ فيه المتنافسون إثرَ إبطالِ ترتُّبِه عليهما. • قال الرازي: اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين، وتقريره أن هذا الموت لا بد واقع ولا محيص للإنسان من أن يقتل أو يموت، فإذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الإنسان بها بعد الموت ألبتة، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة. • قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن المقتول في الجهاد والميت كلاهما ينال مغفرة من الله ورحمة خيراً له مما يجمعه من حطام الدنيا وأوضح وجه ذلك في آية أخرى بين فيها أن الله اشترى منه حياة قصيرة فانية منغصة بالمصائب والآلام بحياة أبدية لذيذة لا تنقطع ولا يتأذى صاحبها بشيء واشترى منه مالاً قليلاً فانياً بملك لا ينفد ولا ينقضي أبداً وهي قوله (إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والإنجيل والقرآن وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم). وقال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً). وبين في آية أخرى أن فضل الله ورحمته خير مما يجمعه أهل الدنيا من حطامها وزاد فيها الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته دون حطام الدنيا وهي قوله تعالى (قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون) وتقديم المعمول يؤذن بالحصر أعني قوله (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ) أي: دون غيره فلا يفرحوا بحطام الدنيا الذي يجمعونه. وقال تعالى (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون).

стр. 1266

• ومما يدل على حقارة الدنيا: قوله ﷺ (لغدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها). وقوله ﷺ (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها). وقوله ﷺ (لأن أقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس). وقوله ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها). وقوله ﷺ (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة وتركها). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ). وقال تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ). وقال تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً). وقال ابن عطية: ذكر تعالى الحشر إليه، وأنه غاية لكل أحد قتل أو مات، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة، أي إذا كان الحشر في كلا الأمرين فالمضي إليه في حال الشهادة أولى الفوائد: ١ - أن من قتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا. ٢ - تسلية الله لعباده المؤمنين. ٣ - الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته. ٤ - إثبات لقاء الله تعالى. ٥ - حقارة الدنيا وفنائها. ٥ - إثبات الحشر. ٦ - إثبات لقاء الله تعالى.

стр. 1267

(فبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)). [آل عمران: ١٥٩]. (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي: فبسبب رحمة الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت لين الجانب مع أصحابك قال ابن القيم: أي ما لنت لهم إلا برحمة من الله. • قال الرازي: علم أن لينه ﷺ مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم. قال تعالى: (واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين). وقال (خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين). وقال (وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). وقال (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنينَ رَؤوفٌ رَّحِيمٌ). (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً) الفظ هنا الغليظ والمراد به هاهنا غليظ الكلام، لقوله بعد ذلك (غليظ القلب). (غَلِيظَ الْقَلْبِ) أي: قاسي القلب عليهم. (لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) لانفضوا من حولك وتركوك. (فَاعْفُ عَنْهُمْ) أي: اعف عمن أساء إليك. (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) أي اطلب المغفرة لهم من الله. (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ولهذا كان ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييباً لقلوبهم. قيل: أمر النبي ﷺ بمشاورة أصحابه تطييباً لقلوبهم. وقيل: ليسن لأمته المشاورة في الأمور. وقيل: ليصل - بإذن الله ثم باستشارتهم - إلى أوفق الآراء. وقد استشار النبي ﷺ أصحابه في عدة مواضع: استشارهم في غزوة بدر. واستشارهم في أسارى بدر. واستشارهم في قصة الإفك، فاستشار علياً وأسامة وبريرة. وقال ﷺ لعائشة ( … لا تعجلي حتى تستشيري أبويك).

стр. 1268

قال السعدي: قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره: منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله. ومنها: أن فيها تسميحاً لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي، والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة. ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول. ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله ﷺ وهو أكمل الناس عقلاً وأغزرهم علماً، وأفضلهم رأياً: (وشاورهم في الأمر) فكيف بغيره؟! • وقال ابن الجوزي: إن المشاور إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محضٌ قدر فلم يلُم نفسَه. إنه قد يعزم على أمر يتبين له الصواب في قول غيره فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح. (فَإِذَا عَزَمْتَ) على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة. (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئاً من حولك وقوتك. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) عليه، اللاجئين إليه. وفي هذا فضل عظيم للمتوكلين. وقد تقدم فضل التوكل وعلو منزلته. الفوائد: ١ - أنه ينبغي للقائد أن يكون ليناً ليتعرض لرحمة الله. ٢ - أن اللين أولى بكثير من الغلظة. ٣ - فضل العفو. ٤ - الأمر بالشورى. ٥ - وجوب الاعتماد على الله.

стр. 1269

(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)). [آل عمران: ١٦٠]. (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) بنصره. (فَلا غَالِبَ لَكُمْ) فلو اجتمع عليكم من في أقطارها، وما عندهم من العدد والعُدد، لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد، وأخذ بنواصيهم. (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) فيكلكم إلى أنفسكم. (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق. (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: لا على غيره. وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله. الفوائد: ١ - بيان كمال قدرة الله. ٢ - وجوب تعلق القلب بالله تعالى وحده في طلب الانتصار. ٣ - أن الله إذا قدّر خذلان أحد فلا ناصر له. ٤ - وجوب التوكل على الله. ٥ - أن التوكل من مقتضيان الإيمان.

стр. 1270

(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)). [آل عمران: ١٦١]. (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي: ما صحّ ولا استقام شرعاً ولا عقلاً لنبي من الأنبياء أن يخون في الغنيمة. • قال السعدي: الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، (والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان) وهو محرم إجماعاً، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص، فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب. وقد صان الله تعالى أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقاً، وأطهرهم نفوساً، وأزكاهم وأطيبهم، ونزههم عن كل عيب، وجعلهم محل رسالته، ومعدن حكمته (الله أعلم حيث يجعل رسالته). فبمجرد علم العبد بالواحد منهم، يجزم بسلامتهم من كل أمر يقدح فيهم، ولا يحتاج إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن معرفته بنبوتهم، مستلزم لدفع ذلك، ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل منهم، فقال (وما كان لنبي أن يغل) أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته. (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: ومن يخن من غنائم المسلمين شيئاً يأت حاملاً له على عنقه يوم القيامة فضيحة له على رؤوس الأشهاد. • في الآية تحريم الغلول وأنه من الكبائر، وقد جاءت النصوص في تحريمه. عن ابْن عُمَر. قَالَ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) رواه مسلم. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ثُمَّ قَالَ «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ) متفق عليه.

стр. 1271

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ (كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هُوَ فِي النَّارِ». فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا) رواه البخاري. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَباً وَلَا وَرِقاً غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي وَمَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ عَبْدٌ لَهُ وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِى الضُّبَيْبِ فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ فَرُمِىَ بِسَهْمٍ فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ فَقُلْنَا هَنِيئاً لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَلاَّ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَاراً أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ». قَالَ فَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ) رواه مسلم. وعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا فُلَانٌ شَهِيدٌ فُلَانٌ شَهِيدٌ حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلَانٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَلاَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ». قَالَ فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ «أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ) رواه مسلم. • قال الرازي: قوله تعالى (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه وجهان: الأول: وهو قول أكثر المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها، قالوا: وهي نظير قوله في مانع الزكاة (يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ) ويدل عليه قوله: " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك " وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم، ثم يقال له: انزل اليه فخذه فينزل إليه، فإذا انتهى اليه حمله على ظهره فلا يقبل منه. قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته. الوجه الثاني: أن يقال: ليس المقصود منه ظاهره، بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل والتصوير.

стр. 1272

• وقال القرطبي: قوله تعالى (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة) أي: يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، مُعذّباً بحمله وثِقَله، ومَرعُوباً بصوته، ومُوَبَّخاً بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد. وهذه الفضيحة التي يُوقعها الله تعالى بالغالّ نظيرُ الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن يُنصب له لِواء عند استه بقدر غَدْرَته. وجعل الله تعالى هذه المعاقبَات حَسْبَما يَعْهَدَهُ البَشرَ ويَفْهَمُونه (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: تعطى كل نفس جزاء ما عملت وافياً غير منقوص. (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) فلا يزاد في عقاب العاصي، ولا ينقص من ثواب المطيع. كما قال تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً). وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فالله لا يظلم لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم. • قال السعدي: وتأمل حسن الاحتراز في هذه الآية الكريمة، لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم -بالمفهوم- أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره. • وقال أبو حيان: ذكر أن ذلك الجزاء ليس مختصاً بمن غلّ، بل كل نفس توفى جزاء ما كسبت من غير ظلم، فصار الغال مذكوراً مرتين: مرّة بخصوصه، ومرّة باندراجه في هذا العام ليعلم أنه غير متخلص من تبعة ما غل، ومن تبعة ما كسبت من غير الغلول. الفوائد: ١ - تحريم الغلول وأنه من الكبائر. ٢ - أنه لا يمكن لنبي أن يغل. ٣ - أن الجزاء من جنس العمل. ٤ - إثبات البعث. ٥ - إثبات قدرة الله تعالى. ٦ - جزاء كل نفس بما كسبت. ٧ - نفي الظلم عن الله تعالى.

стр. 1273

(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)). [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]. (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) يخبر تعالى أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه، والعمل على ما يرضيه، كمن ليس كذلك، ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه، هذان لا يستويان في حكم الله، وحكمة الله، وفي فطر عباد الله. كما قال تعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون). وقال تعالى (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ). وقال تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ). • قال الشنقيطي: ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ لَيْسَ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْهُ; لِأَنَّ هَمْزَةَ الْإِنْكَارِ بِمَعْنَى النَّفْيِ وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا صِفَةَ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَشَارَ إِلَى بَعْضِهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ). وَأَشَارَ إِلَى بَعْضِ صِفَاتِ مَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) وَبِقَوْلِهِ هُنَا: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ). (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ) أي: مصيره جهنم، وهي النار، سميت بذلك لغلظتها وبعد قعرها. (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: بئس ذلك المصير مصيرهم. الفوائد: ١ - بيان أنه لا يستوي من يتبع رضوان الله ومن يبوء بسخطه. ٢ - إثبات الرضا لله تعالى. ٣ - إثبات السخط لله تعالى. ٤ - التحذير من التعرض لسخط الله. ٥ - ذم النار. ٦ - أن الناس عند الله منازل مختلفة. ٧ - أن الإيمان يزيد وينقص. ٨ - إثبات العلو لله تعالى. ٩ - إثبات البصر لله تعالى. (السبت: ١٣/ ١١/ ١٤٣٣ هـ).

стр. 1274

(لقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (١٦٤)). [آل عمران: ١٦٤]. (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً) أي: لقد أنعم الله على المؤمنين من العرب; إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم. (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به. كما قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) أي: من جنسكم. وقال تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى). • قال الرازي: إن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين، وذلك لأن وجه الإحسان في بعثته كونه داعياً لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله، وهذا عام في حق العالمين، لأنه مبعوث إلى كل العالمين، كما قال تعالى (وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ) إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الإنعام إلا أهل الإسلام، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين، ونظيره قوله تعالى (هُدًى لّلْمُتَّقِينَ) مع أنه هدى للكل، كما قال (هُدًى لّلنَّاسِ) وقوله (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها). (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) يعني: القرآن. التلاوة هنا تشمل التلاوة لفظاً، والتلاوة معنى، والتلاوة حكماً. فالتلاوة لفظاً: أن يقرأ الكتاب بينهم. والتلاوة معنى: أن يعلمهم معانيه. والتلاوة حكماً: أن يعمل بأحكامه. كما قال تعالى (وأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). وقالت عائشة (كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، يتأول القرآن) يعني يعمل به والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية وهي القرآن. (وَيُزَكِّيهِمْ) أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخَبَث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم.

стр. 1275

أي: يطهر قلوبهم من الشرك والنفاق وسوء الأخلاق، ويهذب أخلاقهم، فطهارة النفوس بطاعة الله وترك الشرك والذنوب. • قال ابن جرير: ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان وينميهم ويكثرهم بطاعة الله. • وقد أقسم الله بفلاح من زكى نفسه فقال (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا .... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا). ومن أسباب تزكية النفس الصدقة كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). ومنها: غض البصر وحفظ الفرج كما قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) ومنها: الدعاء بذلك: كان ﷺ يقول (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) رواه مسلم. • فيه أن مهمة الرسل والنبيين التبشير والإنذار، وإرسال الرسل له حكم: أولاً: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر. قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). وقال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). وقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً). ثانياً: رحمة للناس. قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). ثالثاً: البلاغ المبين. قال تعالى (وإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). وقال تعالى (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ). وقال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).

стр. 1276

رابعاً: الدعوة إلى الله. قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). خامساً: إقامة الحجة. قال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى). (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) وهو القرآن، وليس هذا تكرار مع قوله (يتلو عليهم آياته) لأن الأول تلاوة والثاني تعليم، والتعليم أخص من التلاوة، والتعليم هنا شامل لتعليم اللفظ وتعليم المعنى وتعليم الحكم. وذهب بعضهم إلى أن معنى (ويعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) هو الكتابة، ويدل عليه أن الله ذكر القرآن قبله، فلو قلنا إن المراد بالكتاب هو القرآن لصار تكراراً. (وَالْحِكْمَةَ) يعني السنة، قاله الحسن وقتادة ومقاتل كما قال تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). وقيل: الفهم في الدين ولا منافاة. (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا الرسول. (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: لفي غي وجهل ظاهر جلي بيّن لكل أحد. الفوائد: ١ - نعمة الله تعالى على العرب، حيث جعل النبي منهم وبلسانهم. ٢ - أن مهمة الرسل: تلاوة كتاب الله وتعليمه، وتزكية النفوس بطاعة ربها والخضوع له. ٣ - من أعظم النعم نعمة ارسال الرسل لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. ٤ - الإشارة إلى عظم فضل الله على نبيه ﷺ في تخصيصه بهذه الرسالة، وعلى العرب في اختياره منهم.

стр. 1277

(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)). [آل عمران: ١٦٥]. (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم. (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) يعني: يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلاً وأسروا سبعين أسيراً. (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) أي: من أين جرى علينا هذا؟ (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي: بسبب عصيانكم رسول الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا مكانكم فعصيتم. فالمعاصي سبب للهزيمة والخسران. قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). وقال تعالى (فكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وقال تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). وقال ﷺ (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم). • قال ابن تيمية فيما يعين على الصبر: أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلطهم عليه بذنبه، كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلطهم عليه، عن ذمهم ولومهم والوقيعة فيهم، وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار فاعلم أن مصيبته مصيبة حقيقية، وإذا تاب واستغفر، وقال: هذا بذنوبي، صارت في حقه نعمة. (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه.

стр. 1278

• قال أبو حيان: (إن الله على كل شيء قدير) أي قادر على النصر، وعلى منعه، وعلى أن يصيب بكم تارة، ويصيب منكم أخرى. ونبه بذلك على أن ما أصابهم كان لوهن في دينهم، لا لضعف في قدرة الله، لأن من هو قادر على كل شيء هو قادر على دفاعهم على كل حال. [الأحد: ١٤/ ١١/ ١٤٣٣ هـ]. الفوائد: ١ - حكمة الله في ابتلاء أهل الإيمان. ٢ - يستحب أن يذكر الإنسان بما يهون مصيبته. ٣ - خطر الذنوب والمعاصي، وأنها سبب للهزيمة والخذلان. ٤ - إثبات اسم القدير من أسماء الله تعالى.

стр. 1279

(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)). [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٨]. (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) أي: وما أصابكم يوم أحد، يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين. (فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بقضاء الله وقدره. (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: ليعلم أهل الإيمان الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا. • واللام لام التعليل، وهي مكسورة دائماً. (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا) أي: وليعلم أهل النفاق كعبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين انخذلوا يوم أحد عن رسول الله ﷺ ورجعوا وكانوا نحواً من ثلاثمائة رجل. (وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: قال لهم بعض أهل الإيمان: تعالوا قاتلوا المشركين معنا. أَوِ ادْفَعُوا) قيل: كثروا سواد المسلمين، وقيل: بالدعاء، وقيل: رابطوا. وقيل: عن محارمكم وبلدكم. (قَالُوا) متعللين. (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ) يعنون لو نعلم أنكم تلقون حرباً لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالاً. (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) أي: بإظهارهم هذا القول صاروا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان. (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) أي: يظهرون خلاف ما يضمرون. • وفي هذا ذم الكذب. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) من النفاق والشرك. (الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل.

стр. 1280

• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (الذين قالوا لإخوانهم) قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن أُبي. وفي إخوانهم قولان. أحدهما: أنهم إخوانهم في النفاق، قاله ابن عباس. والثاني: إخوانهم في النسب، قاله مقاتل. فعلى الأول يكون المعنى: قالوا لإخوانهم المنافقين: لو أطاعنا الذين قتلوا مع محمد ما قتلوا، وعلى الثاني يكون المعنى: قالوا عن إخوانهم الذين استشهدوا بأحد: لو أطاعونا ما قتلوا. • قال السعدي: قوله تعالى (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره. (قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: إن كان القُعود يَسْلَم به الشخص من القتل والموت، فينبغي، أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. • وقال البيضاوي: قوله تعالى (قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين) أي إن كنتم صادقين إنكم تقدرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه، فإنه أحرى بكم، والمعنى أن القعود غير مغن عن الموت، فإن أسباب الموت كثيرة كما أن القتال يكون سبباً للهلاك والقعود سبباً للنجاة قد يكون الأمر بالعكس. الفوائد: ١ - تسلية المؤمن بقضاء الله وقدره. ٢ - أن الله قد يقدّر على عبده المؤمن ما يكرهه لحكم عظيمة. ٣ - إثبات النفاق في هذه الأمة. ٤ - التحذير من النفاق. ٥ - أن المنافق يحرص كل الحرص على كتم نفاقه. ٦ - التنديد بهؤلاء الذين جمعوا بين قبح الفعل وقبح القول. ٧ - تحريم الاعتراض على قدر الله. ٨ - أنه لا يمكن درء الموت.

стр. 1281

(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)). [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]. (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله. عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَباً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ - قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَائِماً - فَقَالَ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ متفق عليه. (أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. • قال الشوكاني: لما بين الله سبحانه أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحاناً ليتميز المؤمن من المنافق، والكاذب من الصادق، بين ههنا أن من لم ينهزم، وقتل فله هذه الكرامة، والنعمة، وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون، لا مما يخاف، ويحذر، كما قالوا من حكى الله عنهم (لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ) وقالوا (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى، والخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكل أحد، وقرئ بالياء التحتية، أي: لا يحسبن حاسب. وقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية من هم؟ فقيل: في شهداء أحد، وقيل: في شهداء بدر، وقيل: في شهداء بئر معونة. وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ. • قال السعدي: قوله تعالى (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يقتضي علو درجتهم، وقربهم من ربهم.

стр. 1282

(فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند الله، وهم فرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة. • قال السعدي: أي مغتبطون بذلك، وقد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه، وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص. عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) فقال: أما إنَّا قد سألنا عن ذلك فقال: "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا) رواه مسلم. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال (مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَة) رواه مسلم. (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) أي: يستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يموتوا في الجهاد بما سيكونون عليه بعد الموت إن استشهدوا، فهم لذلك فرحون مستبشرون. (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: بأن لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا لأنهم في جنات النعيم. (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) أي: يهنئ بعضهم بعضاً، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم وفضله وإحسانه. (وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم.

стр. 1283

• هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة: أولاً: من أسباب دخول الجنة. كما في حديث الباب. وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وعن جابر. قال (قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) متفق عليه. ثانياً: الحياة بعد الاستشهاد مباشرة. قال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون). ينهى تعالى عباده المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتاً؛ بمعنى الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات، كما يتبادر من معنى الميت، ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم: الأحياء؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، كما قال تعالى في آل عِمْرَان (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ). • قال الشيخ ابن عثيمين: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ) المراد لا تقولوا أموات موتاً مطلقاً - دون الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد - فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكن الموت المطلق لم يقع منهم بدليل الإضراب الإبطالي في قوله تعالى (بل أحياء) يعني: بل هم أحياء، والمراد أنهم أحياء عند ربهم، كما في آية آل عمران، وهي حياة برزخية لا نعلم كيفيتها ولهذا قال: (وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) أي: لا تشعرون بحياتهم، لأنها حياة برزخية، ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها. وقال تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).

стр. 1284

ثالثاً: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات. قال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ). وقال ﷺ (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) رواه مسلم. وقال ﷺ (إن للشهيد عند الله ست خصال يغفر له عند أول دفعة من دمه … ) رواه الترمذي. رابعاً: تمني الرجوع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بل عشر مرات. عن أنس. قال: قال ﷺ (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرهُ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى وفي رواية: لما يرى من الكرامة) متفق عليه. خامساً: الشهيد في الفردوس الأعلى. وعن أنس (أن أم حارثة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء، فقال رسول الله: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) متفق عليه. سادساً: الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها. عن جابر قال (جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مثّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو - فقال: لم تبكي أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) متفق عليه

стр. 1285

سابعاً: الشهداء لا يفتنون في قبورهم: عن المقداد بن معد يكرب. قال: قال رسول الله ﷺ (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر) رواه الترمذي. وقال ﷺ لما سئل لماذا الشهداء لا يسألون في قبورهم؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي. قال ابن النحاس: ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، وجاد بنفسه لله تعالى إيماناً به وتصديقاً بوعده ووعيده، فيكفيه هذا امتحاناً لإيمانه واختباراً له وفتنة، إذ لو كان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب. ثامناً: الشهيد لا يشعر بألم القتل. عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) رواه الترمذي. قال علي: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش تاسعاً: دم الشهيد أحب شيء إلى الله. عن أبي أمامة. قال: قال رسول الله ﷺ (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) رواه الترمذي. عاشراً: الشهيد يشفع في أهل بيته. عن أم الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) رواه الترمذي.

стр. 1286

الحادي عشر: لا يشترط للشهيد أعمال صالحة قبل الشهادة. عن البراء بن عازب قال (أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله ﷺ : عمل قليل وأجر كثير) رواه البخاري. فائدة: سمي الشهيد بذلك: قال النووي: " قال النضر بن شميل: لأنه حي، فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة ". وقال ابن الأنباري: " إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة ". وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه. وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله. وقيل: لأن عليه شاهداً بكونه شهيداً وهو الدم. الفوائد: ١ - فضيلة من قتل في سبيل الله. ٢ - الترغيب في الجهاد في سبيل الله. ٣ - فضيلة الشهداء لكونهم عند الله. ٤ - أن الشهداء يرزقون وهم أموات.

стр. 1287

(الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)). [آل عمران: ١٧٢]. (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) هذا كان يوم "حمراء الأسد"، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا لم لا تَمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجلداً، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله ﵁ لما سنذكره- فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ولرسوله ﷺ . (تفسير ابن كثير). • قال الرازي: في سبب نزول هذه الآية قولان: الأول: وهو الأصح أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا، وقالوا إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم، فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة، فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال، فخرج الرسول ﷺ مع قوم من أصحابه، قيل كانوا سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهو من المدينة على ثلاثة أميال، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فانهزموا، وروي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان كل ذلك لإثخان الجراحات فيهم، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة، ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.

стр. 1288

عَنْ عَائِشَةَ قالت (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) قَالَتْ لِعُرْوَةَ يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبُوكَ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا قَالَ «مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ». فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً، قَالَ كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْر) رواه البخاري. (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ) بالاستجابة لأمر الرسول ﷺ . (وَاتَّقَوْا) المخالفة لأمره. (أَجْرٌ عَظِيمٌ) ثواب عظيم. الفوائد: ١ - فضيلة الصحابة حيث استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ٢ - أن أمر الرسول أمر لله. ٣ - أن هذا الذي عملوه من الإحسان. ٤ - فضل الإحسان في العمل.

стр. 1289

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِ ضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)). [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]. (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) المراد بالناس هنا رجل يقال له: نعيم بن مسعود. وقيل: ركب لقيهم أبو سفيان، فضمن لهم ضماناً لتخويف النبي ﷺ وأصحابه. (إِنَّ النَّاسَ) المراد بالناس هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره. • قال الرازي: نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان لما عزم على الانصراف إلى مكة في أعقاب غزوة أحد نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت. فقال النبي ﷺ لعمر: قل له بيننا وبينك ذلك إن شاء اللّه. فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، فألقى اللّه الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع. فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال له: يا نعيم، إني وعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر. وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن. وقد بدا لي أن أرجع. ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة علينا، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل. فخرج نعيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي. أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم. فلما رأى النبي ﷺ ذلك قال: «والذي نفسي بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي)، ثم خرج ﷺ في جمع من أصحابه، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى - وهي ماء لبنى كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام - ولم يلق رسول اللّه ﷺ وأصحابه أحداً من المشركين، ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدماً وزبيباً، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين، أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى مر الظهران. (قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) أي: جمعوا لكم الجموع. (فَاخْشَوْهُمْ) أي: خافوهم.

стр. 1290

(فَزَادَهُمْ إِيمَاناً) أي: أن هذا القول الذي قاله المثبطون، زاد المؤمنين إيماناً على إيمانهم، ويقيناً على يقينهم، وثباتاً على ثباتهم، وجعلهم يقولون للمرجفين بثقة واطمئنان: (حَسْبُنَا اللَّهُ) أي كافينا اللّه أمر أعدائنا (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أي نعم النصير خالقنا فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا. وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على قوة إيمانهم، وشدة ثقتهم في نصر اللّه تعالى لهم، مهما كثر عدد أعدائهم، ومهما تعددت مظاهر قوتهم. فالمؤمن عند المحن يزداد لإيماناً. قال تعالى (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً). قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيماناً؟ قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم، وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج. ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان، لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. • وفي الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. قال تعالى (وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً). وقال تعالى (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً). وقال تعالى (فزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).

стр. 1291

وقال تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ). وقال ﷺ (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن … ) متفق عليه. وقال ﷺ (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) رواه أبو داود. وقال ﷺ (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن … ) متفق عليه. وقال ﷺ (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) رواه أبو داود. وعن ابن مسعود أنه قال (اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً). رواه ابن بطة بإسناد صحيح. وعن أبي الدرداء أنه كان يقول (الإيمان يزداد وينقص) رواه ابن ماجه. وكان عمر يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيماناً، فيذكرون الله. وكان معاذ بن جبل يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة. (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ) أي: كافينا الله وحده. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ حَسْبُك وَحَسْبُ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِيكُمْ كُلُّكُم وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ حَسْبُك كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الغالطين إذْ هُوَ وَحْدَهُ كَافٍ نَبِيَّهُ وَهُوَ حَسْبُهُ لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَكُونُ هُوَ وَإِيَّاهُ حسبا لِلرَّسُولِ. وقال (وقالوا حسبنا الله) ولم يقل (ورسوله) فإن الحسب هو الكافي، والله وحده كاف عباده المؤمنين. (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) المدافع عن غيره. عن ابن عباس ﵄ أيضاً، قَالَ: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) قَالَهَا إِبرَاهيمُ ﵇ حِينَ أُلقِيَ في النَّارِ، وَقَالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: (إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيْماناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله ونعْمَ الوَكيلُ). رواه البخاري. وفي رواية لَهُ عن ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ آخر قَول إبْرَاهِيمَ ﷺ حِينَ أُلْقِيَ في النَّارِ: حَسْبِي الله ونِعْمَ الوَكِيلُ.

стр. 1292

قال ابن تيمية: فَالْعِبَادُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَخَافُوا إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ). وَقَالَ تَعَالَى (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) إلَى قَوْلِهِ: (إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ). وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَى إلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وَقَالَ تَعَالَى (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ). وَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَوَكَّلُوا إلَّا عَلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ). وَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). وَلَا يَدْعُوا إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وَقَالَ تَعَالَى (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) سَوَاءٌ كَانَ دُعَاءَ عِبَادَةٍ أَوْ دُعَاءَ مَسْأَلَةٍ. وقال ﵀: وَأَمَّا كَيْفَ يَحْصُلُ الْيَقِينُ فَبِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: تَدَبُّرُ الْقُرْآنِ. وَالثَّانِي: تَدَبُّرُ الْآيَاتِ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ حَقٌّ، وَالثَّالِثُ: الْعَمَلُ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ قَالَ تَعَالَى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ.

стр. 1293

(فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ) قيل: المراد بالنعمة هنا: السلامة من ملاقاة العدو، وقيل: هي ما أخذوه من الأموال. (وَفَضْلٍ) أي: فضل وثواب الجهاد. (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) أي: لم يصبهم قتل ولا جراح. (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ) في طلب القوم. • فأنت ترى أن اللّه تعالى قد أخبر عن هؤلاء المجاهدين المخلصين أنهم قد صحبهم في عودتهم أمور أربعة: أولها: النعمة العظيمة. وثانيها: الفضل الجزيل. وثالثها: السلامة من السوء. ورابعها: اتباع رضوان اللّه. وهذا كله قد منحه اللّه لهم جزاء إخلاصهم وثباتهم على الحق الذي آمنوا به. (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) أي: صاحب الفضل العظيم. • قال أبو حيان: وختمها بقوله (والله ذو فضل عظيم) مناسب لقوله (بنعمة من الله وفضل) تفضل عليهم بالتيسير والتوفيق في ما فعلوه، وفي ذلك تحسير لمن تخلف عن الخروج حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء من الثواب في الآخرة والثناء الجميل في الدنيا. الفوائد: ١ - أن المؤمن الحقيقي كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه ويزداد إيماناً. ٢ - أن المؤمن الحقيقي لا يخاف إلا من الله. ٣ - أن الحسب هو الله وحده ولا أحد معه. ٤ - فضل هذه الكلمة: حسبنا الله ونعم الوكيل. ٥ - إثبات الرضا لله.

стр. 1294

(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١٧٥)). [آل عمران: ١٧٥]. (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة. قال الزجاج: معناه: يخوفكم من أوليائه، بدليل قوله تعالى (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). قال ابن القيم: ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان وقد أخبرنا الله تعالى سبحانه عنه بهذا قال: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوفم وخافون إن كنتم مؤمنين). المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه قال قتادة: يعظمهم في صدوركم ولهذا قال فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم. (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) إلى قوله (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ). وقال تعالى (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا). وقال تعالى (أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ). وقال تعالى (كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). وقال تعالى (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ). • وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله. (السعدي).

стр. 1295

• في الآية فضل الخوف من الله، وللخوف من الله فضائل: أولاً: أنه من علامات الإيمان. قال تعالى (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). ثانياً: مدح الله أنبياءه بالخوف منه. كما قال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). ثالثاً: الخوف من الله يجعل الإنسان في ظل العرش يوم القيامة. ذكر النبي ﷺ في حديث السبعة (ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) الخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن النار لا تمس العين يوم القيامة. خامساً: الخوف سبب للنجاة من كل سوء. قال ﷺ (ثلاث منجيات: منها خشية الله تعالى في السر والعلانية) فهذه الخشية هي التي تحفظ العبد وتنجيه من كل سوء لأنه قال ووعد الله لا يخلف وهذا رسوله (منجيات) وعمّم تشمل الدنيا والآخرة. ثالثاً: أثنى الله على ملائكته بشدة خوفهم منه. كما قال تعالى (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ). رابعاً: من صفات الرجال العظماء. قال تعالى (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).

стр. 1296

خامساً: من صفات الأبرار خوفهم من عدم القبول. قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي: والذين يعطون ويعملون ويخافون أن لا يتقبل منهم سادساً: وعد الله الخائفين الجنة. كما في هذه الآية (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). سابعاً: أنه من صفات نبينا محمد ﷺ وأصحابه. قال ﷺ (إني أخشاكم لله وأتقاكم له) رواه مسلم. وعن أنس قال (خطبنا رسول الله خطبة ما سمعت مثلها قط قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله وجوههم ولهم خنين) متفق عليه. ثامناً: من أسباب النجاة من النار. كما قال ﷺ (عينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله) رواه الترمذي. وقد قال ﷺ (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة). تاسعاً: الخوف سبب للبعد عن المعاصي: قال تعالى (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ). قال بعض السلف: إذا سكن الخوف في القلب أحرق موضع الشهوات منه.

стр. 1297

عاشراً: سبب في إخلاص العمل لله. قال تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً). الحادي عشر: سبب لعلو الهمة في العبادة. قال تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). الثاني عشر: الخوف يجعل العبد سائراً على طريق الهداية. قال ذو النون المصري: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق. الثالث عشر: الخوف يضفي المهابة على صاحبه: قال عمر بن عبدالعزيز ﵀: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء. وقال يحيى بن معاذ الرازي: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق. الرابع عشر: الخوف من أسباب قبول الدعاء: قال تعالى: (وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمت الله قريب من المحسنين). الخامس عشر: الخوف من أسباب الانتفاع بكلام الله تعالى. قال تعالى (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد). • من أقوال السلف: قال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلباً إلا خرب. وقال حاتم الأصم: لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف من الله. وقال عامر بن قيس: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء. وحين سئل عطاء السليمي: ما هذا الحزن؟ قال ويحك؟ الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي، لا أدري ما يصنع بي؟ وقال الفضيل: من خاف الله دله الخوف على كل خير.

стр. 1298

وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبدالعزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما. وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق. وقال السبكي ﵀: ما خفت الله يوما، إلا رأيت له بابا من الحكمة والعبرة ما رأيته قط. وقال حكيم: الحزن يمنع الطعام، والخوف يمنع الذنوب، والرجاء يقوي على الطاعة، وذكر الموت يزهد في الفضول. وقال الحسن: الرجا والخوف مطيتا المؤمن. وقال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن). وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين). وقال يحيى بن معاذ الرازي: على قدر حبك لله يحبك الخلق وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق. قال الإمام أبو الليث السمرقندي ﵀: علامة خوف الله تعالى تظهر في سبعة أشياء: أولها: لسانه: فيمنعه من الكذب، والغيبة، والنميمة، والبهتان، وكلام الفضول، ويجعله مشغولاً بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم. والثاني: قلبه: فيخرج منه العداوة والبهتان وحسد الإخوان لأن الحسد يمحو الحسنات. واعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة في القلوب ولا تداوي إلا بالعلم والعمل. والثالث: نظره: فلا ينظر إلى الحرام من الأكل والشرب والكسوة وغيرها ولا إلى الدنيا بالرغبة بل يكون نظره على وجه الاعتبار ولا ينظر إلى ما لا يحل له. والرابع: بطنه: فلا يدخل بطنه حراماً فإنه إثم كبير. والخامس: يده: فلا يمد يده إلى الحرام بل يمدها إلى ما فيه طاعة لله تعالى. والسادس: قدمه: فلا يمشي في معصية لله، بل يمشي في طاعته ورضاه وإلى صحبة العلماء والصلحاء. والسابع: طاعته: فيجعل طاعته خالصة لوجه الله تعالى ويخاف من الرياء والنفاق فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله تعالى في حقهم: (والآخرة عند ربك للمتقين). الفوائد: ١ - بيان عدواة الشيطان للإنسان. ٢ - أن الشيطان يدافع عن أوليائه. ٣ - أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه.

стр. 1299

(وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)). [آل عمران: ١٧٦]. (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) يقول تعالى لنبيه ﷺ (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) وذلك من شدة حرصه على الناس كان يحزنه مُبَادَرَة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك. كما قال تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً). وقال تعالى (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). وقال تعالى (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ). • والمراد بقوله ( … الذين يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) قيل: هم قوم ارتدّوا، فاغتم النبي ﷺ لذلك، فسلاه الله سبحانه، ونهاه عن الحزن، وعلل ذلك بأنهم لن يضروا الله شيئاً، وإنما ضروا أنفسهم بأن لا حظ لهم في الآخرة، ولهم عذاب عظيم. وقيل: هم كفار قريش. وقيل: هم المنافقون. وقيل: هو عام في جميع الكفار. (فتح القدير). • قال الرازي: في الآية سؤال: وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي طاعة، فكيف نهى الله عن الطاعة؟ والجواب من وجهين: الأول: أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به، فنهاه الله تعالى عن الإسراف فيه ألا ترى إلى قوله تعالى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات). الثاني: أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ويعينوا عليك، ألا ترى إلى قوله (إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً) يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة. • وقال القشيري: والحزن على كفر الكافر طاعة، ولكن النبي ﷺ كان يفرط في الحزن، فنهى عن ذلك، كما قال الله تعالى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات) (فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً).

стр. 1300

• قال الآلوسي: ومعنى (يسارعون فِي الكفر) يقعون فيه سريعاً لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه، ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بفي دون إلى الشائع تعديتها بها كما في (سَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ) وغيره، وأوثر ذلك قيل: للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله سبحانه (يسارعون فِي الخيرات). • وقال الشوكاني: وعدي السارعون (بفي) دون (إلى) للدلالة على أنهم مستقرون فيه مديمون لملابسته، ومثله يسارعون في الخيرات. • وقال ابن عاشور: ومعنى (يسارعون في الكفر) يتوغّلون فيه ويَعجَلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس، فعبّر عن هذا المعنى بقوله (يسارعون)، فقيل: ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون، … وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية: شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع الى تحصيل شيء يخشى أن يَفوته وهو متوغّل فيه متلبس به، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين، لا طالب الحصول، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة. (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً) تعليل للنهي، والمعنى: أن كفرهم لا ينقص من ملك الله سبحانه شيئاً، وقيل المراد: لن يضروا أولياءه، ويحتمل أن يراد لن يضروا دينه الذي شرعه لعباده، • قال السعدي: فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى. كما في الحديث القدسي ( … يا عبادي إنكم لن تَبلغوا ضَرِّي فَتُضرُّوني ولن تَبلْغُوا نفعي فَتَنْفَعُوني، يا عبادي لو أن أوّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أَتْقَى قلبِ رجُلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي لو أن أوّلَكُمْ وآخركُم وإنْسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أفْجَر قلبِ رجُلٍ واحدٍ ما نَقَصَ ذلك من مُلْكِي شيئاً).
следующие страницы →