← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ثمَّ بعثنَا من بعدهمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْن وملئه فظلموا بهَا﴾ وَقد بَينا أَن الظُّلم: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، وظلمهم: وضع الْكفْر مَوضِع

стр. 1717

﴿فظلموا بهَا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْن إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين (١٠٤) حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة من ربكُم فَأرْسل معي بني إِسْرَائِيل (١٠٥) قَالَ إِن كنت جِئْت بِآيَة فأت بهَا إِن كنت من الصَّادِقين (١٠٦) فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين (١٠٧) وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء للناظرين (١٠٨) قَالَ الْمَلأ من قوم فِرْعَوْن إِن هَذَا لساحر عليم (١٠٩) يُرِيد أَن﴾ الْإِيمَان ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ .

стр. 1718

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْن إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين حقيق على أَن لَا أَقُول﴾ أَي: حقيق بِأَن لَا أَقُول، وَهَكَذَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود، وَمَعْنَاهُ: حَرِيص بِأَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق، وَقُرِئَ: " حقيق عَليّ " أَي: وَاجِب على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق. ﴿قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة من ربكُم فَأرْسل معي بني إِسْرَائِيل﴾ وَذَلِكَ أَنه أَرَادَ مُوسَى أَن يخرج بهم إِلَى الشَّام ﴿قَالَ﴾ ي - يَعْنِي: فِرْعَوْن - ﴿إِن كنت جِئْت بِآيَة فأت بهَا إِن كنت من الصَّادِقين﴾ .

стр. 1719

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَألْقى عَصَاهُ﴾ قيل: إِن ملكا أعطَاهُ تِلْكَ الْعَصَا، وللعصا قصَّة، ستأتي فِي قصَّة شُعَيْب فِي سُورَة الْقَصَص إِن شَاءَ الله. ﴿فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ الثعبان: الْحَيَّة الذّكر، وَفِي الْقَصَص: أَن مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - لما ألْقى الْعَصَا، صَارَت ثعبانا عَظِيما، مَلأ قصر فِرْعَوْن، وَقيل: كَانَ بَين شدقيه ثَمَانُون ذِرَاعا، وَقيل: إِنَّه أَخذ قصر فِرْعَوْن بَين نابيه؛ فهرب مِنْهُ فِرْعَوْن وَأَخذه الْبَطن فِي ذَلِك الْيَوْم أَرْبَعمِائَة مرّة.

стр. 1720

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء للناظرين﴾ قيل: إِنَّه نزع يَده من جيبه، وَقيل: من تَحت إبطه ﴿فَإِذا هِيَ بَيْضَاء﴾ لَهَا شُعَاع كَالشَّمْسِ يتلألأ، وَكَانَ مُوسَى آدم اللَّوْن.

стр. 1721

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ الْمَلأ من قوم فِرْعَوْن إِن هَذَا لساحر عليم﴾ يَعْنِي: مُوسَى

стр. 1722

﴿يخرجكم من أَرْضكُم فَمَاذَا تأمرون (١١٠) قَالُوا أرجه وأخاه وَأرْسل فِي الْمَدَائِن حاشرين (١١١) يأتوك بِكُل سَاحر عليم (١١٢) وَجَاء السَّحَرَة فِرْعَوْن قَالُوا إِن لنا لأجرا إِن كُنَّا نَحن الغالبين (١١٣) قَالَ نعم وَإِنَّكُمْ لمن المقربين (١١٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن﴾

стр. 1723

﴿يُرِيد أَن يخرجكم من أَرْضكُم فَمَاذَا تأمرون﴾ أَي: بِمَاذَا تشيرون؟ قَالَه فِرْعَوْن لِقَوْمِهِ، وَقيل: إِن هَذَا من قَول الْمَلأ، قَالُوا لفرعون وخاصته: مَاذَا تأمرون وَقيل: إِنَّهُم قَالُوا ذَلِك لفرعون خَاصَّة؛ لَكِن ذكرُوا بِلَفْظ الْجمع تفخيما وتعظيما.

стр. 1724

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالُوا أرجه وأخاه﴾ أَي: أرجئه، والإرجاء: التَّأْخِير، يُقَال: أرجأت أَمر كَذَا، أَي أخرت، وَمِنْه المرجئة، سموا بذلك؛ لتأخيرهم الْعَمَل فِي الْإِيمَان، فَإِنَّهُم زَعَمُوا أَن الْعَمَل لَيْسَ من الْإِيمَان، وَيقْرَأ: " أرجه " من غير همز، قيل مَعْنَاهُ: التَّأْخِير أَيْضا، قَالَ الْمبرد: مَعْنَاهُ: اتركه يَرْجُو، وَمعنى الْكل وَاحِد؛ فَإِنَّهُم أشاروا عَلَيْهِ بِتَأْخِير أمره، وَترك التَّعَرُّض لَهُ، وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَنهم أشاروا بِتَأْخِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ لم يكن فيهم ولد عاهر، إِذْ لَو كَانَ فيهم ولد عاهر لأشاروا بِالْقَتْلِ. ﴿وَأرْسل فِي الْمَدَائِن حاشرين﴾ هِيَ مَدَائِن الصَّعِيد، وَهُوَ فَوق مصر

стр. 1725

﴿يأتوك بِكُل سَاحر عليم﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن فِرْعَوْن أرسل أَصْحَاب الشَّرْط إِلَى تِلْكَ الْمَدَائِن ليجمعوا السَّحَرَة ويأتوا بهم.

стр. 1726

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَجَاء السَّحَرَة فِرْعَوْن﴾ وَفِيه حذف، يَعْنِي: فَأرْسل؛ فجَاء السَّحَرَة، وَاخْتلفُوا فِي عَددهمْ، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانُوا اثْنَي وَسبعين رجلا، وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: كَانُوا (اثْنَي) عشر ألفا، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر: كَانُوا ثَمَانِينَ ألفا. وَالْمَعْرُوف أَنهم كَانُوا سبعين ألفا. ﴿قَالُوا إِن لنا لأجرا إِن كُنَّا نَحن الغالبين قَالَ نعم﴾ لكم الْأجر ﴿وَإِنَّكُمْ لمن المقربين﴾ أَي: لكم الْمنزلَة الرفيعة مَعَ الْأجر.

стр. 1727

﴿تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون نَحن الملقين (١١٥) قَالَ ألقوا فَلَمَّا ألقوا سحروا أعين النَّاس واسترهبوهم وَجَاءُوا بِسحر عَظِيم (١١٦) وأوحينا إِلَى مُوسَى أَن ألق عصاك فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون (١١٧) فَوَقع الْحق وَبَطل مَا كَانُوا يعْملُونَ (١١٨) فغلبوا هُنَالك﴾

стр. 1728

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تلقى﴾ يَعْنِي: الْعَصَا ﴿وَإِمَّا أَن نَكُون نَحن الملقين﴾ يَعْنِي: عصينا

стр. 1729

﴿قَالَ ألقوا فَلَمَّا ألقوا سحروا أعين النَّاس﴾ أَي: صرفُوا أعين النَّاس عَن إِدْرَاك حَقِيقَتهَا؛ فعلوا من التمويه والتخييل، وَهَذَا هُوَ السحر. ﴿واسترهبوهم﴾ أَي: السَّحَرَة طلبُوا رهبة النَّاس؛ فرهبوهم، وَقَالَ الْمبرد: السِّين فِيهِ زَائِدَة، وَمَعْنَاهُ: أرهبوهم ﴿وَجَاءُوا بِسحر عَظِيم﴾ .

стр. 1730

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى أَن ألق عصاك فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون﴾ وَيقْرَأ: " تلقف مَا يأفكون " مخففا، وَيقْرَأ فِي الشواذ " تلقم " وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير: " تلقم " مخففا، وَمعنى الْكل وَاحِد. والتلقف: الْأَخْذ بِسُرْعَة، وَمَعْنَاهُ: تتلقم مَا يأفكون أَي: مَا يكذبُون من التخاييل الكاذبة، وَفِي الْقَصَص: أَن السَّحَرَة كَانُوا سبعين ألف، مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم عَصا، فَألْقوا عصيهم؛ فَإِذا هِيَ تتحرك كالحيات، ثمَّ ألْقى مُوسَى عَصَاهُ؛ فَصَارَت ثعبانا، وتلقف كل ذَلِك، وَقصد النَّاس الَّذين حَضَرُوا؛ فَوَقع الزحام عَلَيْهِم؛ فَهَلَك خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا فِي الزحام، ثمَّ أَخذه مُوسَى؛ فَصَارَت عَصا كَمَا كَانَت؛ فَذَلِك قَوْله ﴿فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون﴾ قَالَ الشَّاعِر: (أَنْت عَصا مُوسَى الَّتِي لم تزل ... تلقف مَا يأفكه السَّاحر) وَقَالَ آخر: (إِذا جَاءَ مُوسَى وَألقى الْعَصَا ... فقد بَطل السحر والساحر)

стр. 1731

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَوَقع الْحق وَبَطل مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ قَالَ الْحسن، وَمُجاهد: مَعْنَاهُ: ظهر الْحق أَي: ظهر عَصا مُوسَى على عصيهم، وَقيل مَعْنَاهُ: ظَهرت نبوة مُوسَى على دَعْوَى فِرْعَوْن الربوبية

стр. 1732

﴿فغلبوا هُنَالك وانقلبوا صاغرين﴾ أَي: ذليلين.

стр. 1733

﴿وانقلبوا صاغرين (١١٩) وَأُلْقِي السَّحَرَة ساجدين (١٢٠) ﴿قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين (١٢١) رب مُوسَى وَهَارُون (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْن آمنتم بِهِ قبل أَن آذن لكم إِن هَذَا لمكر مكرتموه فِي الْمَدِينَة لتخرجوا مِنْهَا أَهلهَا فَسَوف تعلمُونَ (١٢٣) لأقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف ثمَّ لأصلبنكم أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبنَا منقلبون (١٢٥) وَمَا تنقم منا إِلَّا أَن آمنا بآيَات رَبنَا لما جاءتنا رَبنَا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مُسلمين (١٢٦) وَقَالَ الْمَلأ من قوم فِرْعَوْن أتذر مُوسَى وَقَومه ليفسدوا فِي الأَرْض ويذرك وآلهتك قَالَ﴾

стр. 1734

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَأُلْقِي السَّحَرَة ساجدين﴾ وَاخْتلفُوا فِي سجودهم، قَالَ بَعضهم: ألهمهم الله - تَعَالَى - أَن يسجدوا فسجدوا، وَقيل: إِن مُوسَى وَهَارُون سجدا شكرا لله - تَعَالَى - فوافقهم السَّحَرَة

стр. 1735

﴿قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين﴾ قيل: إِن فِرْعَوْن لما سمع ذَلِك مِنْهُم قَالَ: آمنتم بِي؟ فَقَالُوا:

стр. 1736

﴿رب مُوسَى وَهَارُون﴾ وَقَالَ فِرْعَوْن: ﴿آمنتم بِهِ قبل أَن آذن لكم إِن هَذَا لمكر مكرتموه فِي الْمَدِينَة﴾ قَالَ السّديّ: كَانَ مُوسَى قد قَالَ لرئيس السَّحَرَة: إِن غلبتك غَدا لتؤمنن بِي؟ فَقَالَ: لآتينك بِسحر أغلبك، وَإِن غلبتني آمَنت بك فَهَذَا معنى قَول فِرْعَوْن: ﴿إِن هَذَا لمكر مكرتموه فِي الْمَدِينَة﴾ أَي: تَدْبِير دبرتموه فِي الْمَدِينَة ﴿لتخرجوا مِنْهَا أَهلهَا﴾ أَي: لتغلبوا أَهلهَا ( ﴿فَسَوف تعلمُونَ﴾

стр. 1737

لأقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف ثمَّ لأصلبنكم أَجْمَعِينَ) هددهم بِهَذِهِ الْعُقُوبَات، وَهِي مَعْلُومَة

стр. 1738

﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبنَا منقلبون﴾ فَهَذَا قَالُوهُ تَسْلِيَة لقُلُوبِهِمْ.

стр. 1739

﴿وَمَا تنقم منا﴾ أَي: وَمَا تكره منا، وَقيل مَعْنَاهُ: وَمَا تعيب علينا ( ﴿إِلَّا أَن آمنا بآيَات رَبنَا لما جاءتنا﴾ رَبنَا أفرغ) أَي: أنزل ﴿علينا صبرا وتوفنا مُسلمين﴾ .

стр. 1740

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَ الْمَلأ من قوم فِرْعَوْن﴾ وَإِنَّمَا سموا مَلأ لمعنيين: أَحدهمَا: أَنهم كَانُوا يملئون صُدُور النَّاس هَيْبَة، وَقيل: لأَنهم كَانُوا مليئين بِمَا فوض إِلَيْهِم. ﴿أتذر مُوسَى وَقَومه ليفسدوا فِي الأَرْض﴾ أَرَادوا بِهَذَا الْفساد: مُخَالفَة أَمر فِرْعَوْن ﴿ويذرك وآلهتك﴾ وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " وإلاهتك " أَي: عبادتك، وَقيل: الإلاهة:

стр. 1741

﴿سنقتل أَبْنَاءَهُم ونستحيي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقهم قاهرون (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّه واصبروا إِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين (١٢٨) قَالُوا أوذينا من قبل أَن تَأْتِينَا وَمن بعد مَا جئتنا قَالَ عَسى ربكُم أَن يهْلك عَدوكُمْ ويستخلفكم﴾ الشَّمْس، وَكَانَ فِرْعَوْن يعبد الشَّمْس، قَالَ الشَّاعِر: (تروحنا من اللعباء عصرا ... فأعجلنا الإلاهة أَن تؤوبا) أَي: أعجلنا الشَّمْس أَن ترجع، وَالْمَعْرُوف ﴿ويذرك وآلهتك﴾ . قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: وَكَانَ فِرْعَوْن يعبد الْبَقر، وَقَالَ السّديّ: كَانَ قد اتخذ أصناما، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: هَذِه آلِهَتكُم، وَأَنا إِلَه الْآلهَة، وَقَالَ الْحسن: كَانَ قد علق على عُنُقه صليبا - وَكَانَ يعبده - فَلذَلِك قَالُوا: " ويذرك وآلهتك " وَهَذَا كَانَ إغراء مِنْهُم لفرعون على مُوسَى ﴿قَالَ سنقتل أَبْنَاءَهُم ونستحيي نِسَاءَهُمْ﴾ وَكَانَ من قبل يفعل ذَلِك ثمَّ تَركه، ثمَّ عَاد إِلَيْهِ ثَانِيًا فَقَالَ: ﴿سنقتل أَبْنَاءَهُم ونستحيي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقهم قاهرون﴾ .

стр. 1742

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّه واصبروا إِن الأَرْض لله يُورثهَا﴾ وَفِي الشواذ: " يُورثهَا " ﴿من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ أَي: فِي النَّصْر وَالظفر.

стр. 1743

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالُوا أوذينا من قبل أَن تَأْتِينَا وَمن بعد مَا جئتنا﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ الْحسن: كَانَ الْإِيذَاء بِأخذ الْجِزْيَة؛ كَانَ فِرْعَوْن يَأْخُذ الْجِزْيَة مِنْهُم قبل مَجِيء مُوسَى وَبعده، وَقيل: هُوَ من قتل الْأَبْنَاء؛ كَانَ يقتل أَبْنَاءَهُم، ويستحيي نِسَاءَهُمْ قبل مَجِيء مُوسَى؛ ثمَّ عَاد إِلَيْهِ، وَذكر جُوَيْبِر فِي تَفْسِيره: أَن المُرَاد بِهِ أَن فِرْعَوْن كَانَ يسخرهم ويستعملهم إِلَى نصف النَّهَار، فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى استسخرهم كل النَّهَار بِلَا أجر وَلَا شَيْء، وَذكر الْكَلْبِيّ: أَنهم كَانُوا يضْربُونَ لَهُ اللَّبن بتبن فِرْعَوْن قبل مَجِيء

стр. 1744

﴿فِي الأَرْض فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) وَلَقَد أَخذنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ وَنقص من الثمرات لَعَلَّهُم يذكرُونَ (١٣٠) فَإِذا جَاءَتْهُم الْحَسَنَة قَالُوا لنا هَذِه وَإِن تصبهم سَيِّئَة يطيروا بمُوسَى وَمن مَعَه أَلا إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مهما تأتنا بِهِ من آيَة لتسحرنا بهَا فَمَا نَحن لَك بمؤمنين (١٣٢) فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم﴾ مُوسَى، فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى أجبرهم على أَن يضربوه بتبن من عِنْدهم. ﴿قَالَ عَسى ربكُم﴾ وَهِي كلمة التطميع ﴿أَن يهْلك عَدوكُمْ ويستخلفكم فِي الأَرْض فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: حَتَّى يجازيكم على مَا يرى وَاقعا مِنْكُم لَا على مَا علم فِي الْغَيْب مِنْكُم.

стр. 1745

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد أَخذنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ أَي: بِالْقَحْطِ والجدب. تَقول الْعَرَب جاءتنا سنة أَي: سنة جَدب، فَأَخذهُم الله - تَعَالَى - بِالسِّنِينَ ﴿وَنقص من الثمرات لَعَلَّهُم يذكرُونَ﴾ أَي: يتعظون، وَذَلِكَ: أَن الشدَّة ترقق الْقُلُوب وترغبها إِلَى الله - تَعَالَى -.

стр. 1746

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَإِذا جَاءَتْهُم الْحَسَنَة﴾ أَي: الخصب ﴿قَالُوا لنا هَذِه﴾ أَي: هَذَا كَانَ عَادَة الدَّهْر بِنَا ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة﴾ أَي: جَدب ﴿يطيروا بمُوسَى وَمن مَعَه﴾ أَي: يَقُولُونَ: هَذَا من شُؤْم مُوسَى وَمن مَعَه ﴿أَلا إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله﴾ أَي: الشؤم وَالْبركَة وَالْخَيْر وَالشَّر كُله من الله - تَعَالَى - وَقيل مَعْنَاهُ: الشؤم الْعَظِيم هُوَ الَّذِي لَهُم عِنْد الله - تَعَالَى - فِي الْآخِرَة، تَقول الْعَرَب: طَار لفُلَان سعد، وطار لفُلَان شُؤْم ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ .

стр. 1747

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا مهما﴾ أَي: مَتى مَا ﴿تأتنا بِهِ من آيَة لتسحرنا بهَا فَمَا نَحن لَك بمؤمنين

стр. 1748

فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان) قَالَ عَطاء: أَرَادَ بالطوفان: الْمَوْت الذريع، وَقيل: السَّيْل الْعَظِيم، وَفِي الْقِصَّة: أَنهم مُطِرُوا من السبت إِلَى السبت، حَتَّى بلغ المَاء تراقيهم، فَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يجلس غرق فِي المَاء؛ فاستغاثوا بمُوسَى وَقَالُوا: ادْع الله حَتَّى يمسك ونؤمن لَك؛ فَدَعَا الله - تَعَالَى - فَأمْسك عَنْهُم الْمَطَر، فأخرجت

стр. 1749

الأَرْض تِلْكَ السّنة نباتا كثيرا وأخصبت، فَقَالُوا: هَذَا كَانَ خيرا لنا، فَلم يُؤمنُوا وَكَفرُوا بِهِ؛ فَأرْسل الله عَلَيْهِم الْجَرَاد؛ فَأكل زرعهم ونباتهم إِلَّا قَلِيلا؛ فاستغاثوا بمُوسَى حَتَّى يَدْعُو الله - تَعَالَى - فَيدْفَع عَنْهُم ذَلِك. وَفِي أَخْبَار عمر ﵁: أَنه قل الْجَرَاد فِي زَمَانه سنة، فَبعث رَاكِبًا قبل الْيمن وراكبا قبل الشَّام وراكبا قبل الْعرَاق؛ ليطلبوا الْجَرَاد؛ فجَاء رَاكب الْيمن بكف من جَراد، فَقَالَ عمر ﵁ الله أكبر، إِن لله - تَعَالَى - ألف أمة: سِتّمائَة فِي الْبر، وَأَرْبَعمِائَة فِي الْبَحْر، وَأول أمة تهْلك الْجَرَاد، ثمَّ تتبعهم سَائِر الْأُمَم الباقيين ". وَفِي الْأَخْبَار: أَن مَرْيَم سَأَلت [رَبهَا] ، وَقَالَت: يَا رب أَطْعمنِي لَحْمًا بِلَا دم؛ فأطعمها الْجَرَاد. وَفِي الْخَبَر " مَكْتُوب على صدر كل جَرَادَة جند الله الْأَعْظَم ". رَجعْنَا إِلَى الْقِصَّة، فَلَمَّا رفع عَنْهُم الْجَرَاد لم يُؤمنُوا أَيْضا؛ فَأرْسل الله عَلَيْهِم الْقمل، قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة: الْقمل صغَار الْجَرَاد، وَهِي: الدبي الَّتِي لَيست لَهَا أَجْنِحَة، وَعَن ابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة أُخْرَى - أَن الْقمل: سوس الْحِنْطَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ كبار القراد، وسمى القراد الْكَبِير: حمنان أَيْضا، وَقيل: الْقمل هُوَ الْقمل، وَقيل: هُوَ الرعاف. فاستغاثوا بمُوسَى، فَدَعَا الله فَرفع عَنْهُم فَلم يُؤمنُوا؛ فَسلط عَلَيْهِم الضفادع. وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى جَاءَ إِلَى شط الْبَحْر وَأَشَارَ بعصاه إِلَى أدنى الْبَحْر وأقصاه، فَخرجت الضفادع حَتَّى امْتَلَأت بُيُوتهم - وَكَانَت قوافز - وَكَانَ الرجل مِنْهُم إِذا فتح فَاه ليَتَكَلَّم تثب فِي فِيهِ، وكل من نَام مِنْهُم فَإِذا انتبه من النّوم يرى على بدنه مِنْهَا قدر ذِرَاع، وَكَانَ إِذا تكلم الرجل تقفز فِي فَمه، ثمَّ رفع عَنْهُم فَلم يُؤمنُوا؛ فَجعل الله نيل مصر عَلَيْهِم دَمًا - وَكَانَ كل ذَلِك للقبط خَاصَّة - وَكَانَ القبطي يَأْخُذ من النّيل الدَّم، وَبَنُو إِسْرَائِيل يَأْخُذُونَ المَاء، حَتَّى كَانَ الْكوز الْوَاحِد يشرب القبطي مِنْهُ دَمًا عبيطا،

стр. 1750

﴿الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل والضفادع وَالدَّم آيَات مفصلات فاستكبروا وَكَانُوا قوما مجرمين (١٣٣) وَلما وَقع عَلَيْهِم الرجز قَالُوا يَا مُوسَى ادْع لنا رَبك بِمَا عهد عنْدك لَئِن كشفت عَنَّا الرجز لنؤمنن لَك ولنرسلن مَعَك بني إِسْرَائِيل (١٣٤) فَلَمَّا كشفنا عَنْهُم الرجز إِلَى أجل هم بالغوه إِذا هم ينكثون (١٣٥) فانتقمنا مِنْهُم فأغرقناهم فِي اليم بِأَنَّهُم كذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين (١٣٦) وأورثنا الْقَوْم الَّذين كَانُوا يستضعفون مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا الَّتِي باركنا فِيهَا وتمت كلمت رَبك الْحسنى على بني إِسْرَائِيل بِمَا﴾ والإسرائيلي مَاء؛ فَذَلِك معنى قَوْله: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل والضفادع وَالدَّم، آيَات مفصلات﴾ وتفصيلها أَن كل عَذَاب مِنْهَا يَمْتَد أسبوعا، وَكَانَ بَين كل عذابين شهر ﴿فاستكبروا وَكَانُوا قوما مجرمين﴾ .

стр. 1751

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما وَقع عَلَيْهِم الرجز﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ مَا سبق من الْعَذَاب، وَقيل: هُوَ عَذَاب الطَّاعُون، قَالَ سعيد بن جُبَير: مَاتَ مِنْهُم بالطاعون سَبْعُونَ ألفا فِي يَوْم وَاحِد، وَالرجز الرجس: الْعَذَاب. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْع لنا رَبك بِمَا عهد عنْدك﴾ يَعْنِي: من إِجَابَة دعوتك ﴿لَئِن كشفت عَنَّا الرجز لنؤمنن لَك ولنرسلن مَعَك بني إِسْرَائِيل﴾ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن يخرج بهم إِلَى الشَّام

стр. 1752

﴿فَلَمَّا كشفنا عَنْهُم الرجز إِلَى أجل هم بالغوه﴾ وَذَلِكَ الْغَرق فِي اليم ﴿إِذا هم ينكثون﴾ أَي: ينقضون الْعَهْد

стр. 1753

﴿فانتقمنا مِنْهُم فأغرقناهم فِي اليم بِأَنَّهُم كذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين﴾ وللغرق قصَّة ستأتي فِي موضعهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 1754

﴿وأورثنا الْقَوْم الَّذين كَانُوا يستضعفون مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا الَّتِي باركنا فِيهَا﴾ قيل أَرَادَ بهَا أَرض مصر وَالشَّام، وَقيل: أَرَادَ بهَا الشَّام وَحده، وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْأُرْدُن وفلسطين، وَقَوله ﴿باركنا فِيهَا﴾ أَي: بِالْخصْبِ وَالسعَة. ﴿وتمت كلمة رَبك الْحسنى على بني إِسْرَائِيل بِمَا صَبَرُوا﴾ وَتلك الْكَلِمَة: وعده الَّذِي وعدهم، وَذَلِكَ فِي قَوْله: ﴿ونريد أَن نمن على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض ونجعلهم أَئِمَّة ونجعلهم الْوَارِثين﴾ فَلَمَّا أورثهم تِلْكَ الْأَرَاضِي وانجزهم ذَلِك

стр. 1755

﴿صَبَرُوا ودمرنا مَا كَانَ يصنع فِرْعَوْن وَقَومه وَمَا كَانُوا يعرشون (١٣٧) وجاوزنا ببني إِسْرَائِيل الْبَحْر فَأتوا على قوم يعكفون على أصنام لَهُم قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة قَالَ إِنَّكُم قوم تجهلون (١٣٨) إِن هَؤُلَاءِ متبر مَا هم فِيهِ وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ (١٣٩) قَالَ أغير الله أبغيكم إِلَهًا وَهُوَ فَضلكُمْ على الْعَالمين (١٤٠) وَإِذ أنجيناكم من آل﴾ الْوَعْد؛ قَالَ: تمت كلمة رَبك، أَي: تمّ وعده لَهُم، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا: حسنى لِأَنَّهَا كَانَت على وفْق مَا يحبونَ ﴿ودمرنا مَا كَانَ يصنع فِرْعَوْن وَقَومه﴾ أَي: أهلكنا ذَلِك عَلَيْهِم ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ (أَي يبنون ويسقفون تجبرا وتكبرا.
следующие страницы →