Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
﴿لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم (٤) لقد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَن أخرج قَوْمك من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَذكرهمْ بأيام الله إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور (٥) وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ أنجاكم من آل فِرْعَوْن يسومونكم سوء الْعَذَاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وَفِي﴾
وَقَوله: ﴿ليبين لَهُم﴾ مَعْنَاهُ مَا بَينا. وَقَوله: ﴿فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ قد بَينا.
стр. 2767
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَن أخرج قَوْمك من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ يَعْنِي: من الْكفْر إِلَى الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿وَذكرهمْ بأيام الله﴾ رُوِيَ عَن أبي بن كَعْب أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ: بنعم الله. وَفِي بعض المسانيد نقل هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي. وَالْقَوْل الثَّانِي: بأيام الله أَي: بنقم الله. وَقَالَ بَعضهم: بوقائع الله، يَعْنِي: بِمَا أوقع بالأمم الْمَاضِيَة، يُقَال: فلَان عَارِف بأيام الْعَرَب، أَي: بوقائعهم.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور﴾ الصبار: كثير الصَّبْر، وَالصَّبْر: حبس النَّفس عَمَّا تنَازع إِلَيْهِ النَّفس، وَقد رُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: الصَّبْر نصف الْإِيمَان، وَالشُّكْر نصفه، وَالْيَقِين هُوَ الْإِيمَان كُله. والشكور: هُوَ الْكثير الشُّكْر.
стр. 2768
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم﴾ الْآيَة أَي: منَّة الله عَلَيْكُم.
قَوْله: ﴿إِذْ نجاكم من آل فِرْعَوْن يسومونكم سوء الْعَذَاب﴾ قد بَينا فِي سُورَة الْبَقَرَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ويذبحون أبناءكم﴾ قَالَ فِي مَوضِع بِغَيْر الْوَاو، وَقَالَ هَاهُنَا بِالْوَاو، وَذكر الْوَاو يَقْتَضِي أَنه سبق الذّبْح عَذَاب آخر، وَترك ذكر الْوَاو يَقْتَضِي أَن
стр. 2769
﴿ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم (٦) وَإِذ تَأذن ربكُم لَئِن شكرتم لأزيدنكم وَلَئِن كَفرْتُمْ إِن عَذَابي لشديد (٧) وَقَالَ مُوسَى إِن تكفرُوا أَنْتُم وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا فَإِن الله لَغَنِيّ حميد (٨) ألم يأتكم نبأ الَّذين من قبلكُمْ قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من﴾ الْعَذَاب هُوَ الذّبْح.
وَقَوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ يَعْنِي: يتركون قتل النِّسَاء، وَفِي الْخَبَر: " اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْركين، واستحيوا شرخهم ". ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ قيل: إِن الْبلَاء هُوَ المحنة، وَقيل: إِن الْبلَاء هُوَ النِّعْمَة، وَمَوْضِع النِّعْمَة فِي الإنجاء من الْبلَاء، وَقيل مَعْنَاهُ: اختبار من الله عَظِيم.
стр. 2770
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذ تَأذن ربكُم﴾ أَي: أعلم ربكُم، والتأذين: الْإِعْلَام، والأذين والمؤذن هُوَ الْمعلم، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلم (تشعر) بضوء الصُّبْح حَتَّى ... سمعنَا فِي مَسَاجِدنَا الأذينا)
وَقَوله: ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾ الشُّكْر هُوَ الِاعْتِرَاف بِالنعْمَةِ على وَجه الخضوع للمنعم. وَقد حُكيَ عَن دَاوُد ﷺ أَنه قَالَ: يَا رب، كَيفَ أشكرك وَلم أؤد شكرك إِلَّا بِنِعْمَة جَدِيدَة عَليّ. فَقَالَ: يَا دَاوُد، الْآن شكرتني.
وَرُوِيَ أَن النَّبِي قَالَ لَهُ رجل: أوصني يَا رَسُول الله، فَقَالَ: " عَلَيْك بالشكر فَإِنَّهُ زِيَادَة ". وَمعنى الْآيَة: لَئِن شكرتموني بِالتَّوْحِيدِ لأزيدنكم نعْمَة الْآخِرَة على نعْمَة الدُّنْيَا. وَقيل: لَئِن شكرتم بِالطَّاعَةِ لأزيدنكم فِي الثَّوَاب.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن كَفرْتُمْ﴾ جحدتم. ﴿إِن عَذَابي لشديد﴾ لعَظيم.
стр. 2771
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تكفرُوا أَنْتُم وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا فَإِن الله لَغَنِيّ حميد﴾ أَي: غَنِي عَن خلقه، حميد فِي فعله.
стр. 2772
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يأتكم نبأ الَّذين من قبلكُمْ﴾ أَي: خبر الَّذين من قبلكُمْ.
стр. 2773
( ﴿بعدهمْ لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم وَقَالُوا إِنَّا﴾ قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله) رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه قَرَأَ هَذِه الْآيَة، ثمَّ قَالَ: كذب النسابون، وَنقل بَعضهم هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ". وَعَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ: بَين إِبْرَاهِيم وَبَين عدنان جد الرَّسُول ثَلَاثُونَ قرنا لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله. وَعَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ: وَمَا وَرَاء عدنان إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله، وَعَن مَالك بن أنس أَنه كره أَن ينْسب الْإِنْسَان نَفسه أَبَا أَبَا إِلَى آدم، وَكَذَلِكَ فِي حق الرَّسُول كَانَ يكره؛ لِأَنَّهُ لَا يعلم أُولَئِكَ الْآبَاء أحد إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات الواضحات. وَقَوله: ﴿فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم﴾ رُوِيَ عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: عضوا أَيّدهُم غيظا، قَالَ الشَّاعِر:
(لَو أَن سلمى أَبْصرت التخددي ... ورقة فِي عظم ساقي ويدي)
(وَبعد أَهلِي وجفاء عودي ... عضت من الوجد أَطْرَاف الْيَد)
وَقَالَ آخر:
(قد أفنى أنامله غيظه ... فأمسى يعَض على الوظيفا)
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن الْأَنْبِيَاء لما قَالُوا: نَحن رسل الله، وضع الْكفَّار أَيْديهم على أَفْوَاههم أَن اسْكُتُوا، نَقله الْكَلْبِيّ وَغَيره.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن معنى الْآيَة أَنهم كذبُوا الرُّسُل فِي أَقْوَالهم، يُقَال: رددت قَول فلَان فِي فِيهِ إِذا كَذبته.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن الْأَيْدِي هَاهُنَا هِيَ النعم، وَمَعْنَاهُ: ردوا مَا لَو قبلوا كَانَت آيادي وَنِعما.
стр. 2774
﴿كفرنا بِمَا أرسلتم بِهِ وَإِنَّا لفي شكّ مِمَّا تدعوننا إِلَيْهِ مريب (٩) قَالَت رسلهم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى قَالُوا إِن أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا تُرِيدُونَ أَن تصدونا عَمَّا كَانَ يعبد آبَاؤُنَا فأتونا بسُلْطَان مُبين (١٠) قَالَت لَهُم رسلهم إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده وَمَا كَانَ لنا أَن نأتيكم بسُلْطَان إِلَّا بِإِذن الله وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾
وَقَوله: ﴿فِي أَفْوَاههم﴾ يَعْنِي: بأفواههم، وَمَعْنَاهُ: بألسنتهم تَكْذِيبًا. وأشرق الْأَقَاوِيل هُوَ القَوْل الأول، وَالْقَوْل الثَّالِث محكي عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كفرنا بِمَا أرسلتم بِهِ﴾ أَي: جحدنا بِمَا أرسلتم بِهِ.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لفي شكّ مِمَّا تدعوننا إِلَيْهِ مريب﴾ أَي: مرتاب، وَالشَّكّ هُوَ التَّرَدُّد بَين طرفِي نقيض.
стр. 2775
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت رسلهم أَفِي الله شكّ﴾ مَعْنَاهُ: لَيْسَ فِي الله شكّ، وَهَذَا اسْتِفْهَام بِمَعْنى نفي مَا اعتقدوه. وَقَوله: ﴿فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: " من " صلَة، وَمَعْنَاهُ: ليغفر لكم ذنوبكم.
وَقَوله: ﴿ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى﴾ إِلَى حِين اسْتِيفَاء آجالكم. وَقَوله: ﴿قَالُوا إِن أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا تُرِيدُونَ أَن تصدونا﴾ أَي: تمنعونا. ﴿عَمَّا كَانَ يعبد آبَاؤُنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿فأتونا بسُلْطَان مُبين﴾ أَي: بِحجَّة [ومعجزة] بَيِّنَة، وَالسُّلْطَان هَاهُنَا: هُوَ الْبُرْهَان الَّذِي يرد الْمُخَالف إِلَى الْحق.
стр. 2776
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت لَهُم رسلهم إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ﴾ أَي: مَا نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ. ﴿وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده﴾ يَعْنِي: ينعم على من يَشَاء من عباده بِالنُّبُوَّةِ، وَقيل: بالتوفيق وَالْهِدَايَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لنا أَن نأتيكم بسُلْطَان﴾ أَي: بِحجَّة ومعجزة. ﴿إِلَّا بِإِذن الله﴾
стр. 2777
( ﴿١١) وَمَا لنا أَلا نتوكل على الله وَقد هدَانَا سبلنا ولنصبرن على مَا آذيتمونا وعَلى الله فَليَتَوَكَّل المتوكلون (١٢) وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين (١٣) ولنسكننكم الأَرْض من بعدهمْ ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد (١٤) واستفتحوا وخاب كل جَبَّار عنيد (١٥) من﴾ أَي: بِأَمْر الله. ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2778
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا لنا أَلا نتوكل على الله﴾ مَعْنَاهُ: وَأي شَيْء لنا فِي أَلا نتوكل على الله؛ وَقد عرفنَا أَنه لَا ينَال شَيْء بِجهْد إِلَّا بعد أَن يَقْضِيه الله تَعَالَى ويقدره. وَقَوله: ﴿وَقد هدَانَا سبلنا﴾ أَي: أرشدنا إِلَى سبل الْحق.
وَقَوله: ﴿ولنصبرن على مَا آذيتمونا﴾ وَالْآيَة تَعْلِيم الْمُؤمنِينَ وإرشادهم إِلَى الصَّبْر على أَذَى مخالفي الْحق. قَوْله: ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل المتوكلون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2779
وَقَوله: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا﴾ قد بَينا هَذَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لتعودن فِي ملتنا﴾ .
وَقَوله: ﴿فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين﴾ أَي: الْمُشْركين.
стр. 2780
وَقَوله: ﴿ولنسكننكم الأَرْض من بعدهمْ﴾ يَعْنِي: نجْعَل دِيَارهمْ مَوضِع سكناكم، وَهَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وسكنتم فِي مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم﴾ .
وَقَوله: ﴿ذَلِك لمن خَافَ مقَامي﴾ الْفرق بَين الْمقَام والمُقام: أَن الْمقَام مَوضِع الْإِقَامَة، والمُقام فعل الْإِقَامَة. فَإِن قيل: كَيفَ يكون لله مقَام، وَقد قَالَ: ﴿ذَلِك لمن خَافَ مقَامي﴾ ؟ قُلْنَا: أجمع أهل التَّفْسِير أَن مَعْنَاهُ: ذَلِك لمن خَافَ مقَامه بَين يَدي، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ .
وَقَوله: ﴿وَخَافَ وَعِيد﴾ أَي: عقابي.
стр. 2781
قَوْله تَعَالَى: ﴿واستفتحوا﴾ مَعْنَاهُ: واستنصروا، وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي يستفتح بصعاليك الْمُهَاجِرين " أَي: يستنصر من الله بحقهم.
стр. 2782
﴿وَرَائه جَهَنَّم ويسقى من مَاء صديد (١٦) يتجرعه وَلَا يكَاد يسيغه ويأتيه الْمَوْت من﴾
وَقَوله: ﴿وخاب كل جَبَّار عنيد﴾ وخاب أَي: خسر، وَقيل: وَهلك كل جَبَّار. والجبار هُوَ الَّذِي لَا يرى فَوْقه أحد، والجبرية طلب الْعُلُوّ بِمَا لَا غَايَة وَرَاءه، وَهُوَ وصف لَا يَصح إِلَّا لله، وَأما فِي وصف الْخلق فَهُوَ مَذْمُوم، وَقيل: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يجْبر الْخلق على مُرَاده. وَأما العنيد: هُوَ المعاند للحق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿من وَرَائه جَهَنَّم﴾ الْأَكْثَرُونَ مَعْنَاهُ: من أَمَامه جَهَنَّم. قَالَ الشَّاعِر:
(وَمن ورائك يَوْم أَنْت بالغه ... لَا حَاضر معجز عَنهُ وَلَا باد)
يَعْنِي: من أمامك، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة:
стр. 2783
قَوْله: ﴿وَمن وَرَائه جَهَنَّم﴾ يَعْنِي: من بعده جَهَنَّم. وَقَوله: ﴿ويسقى من مَاء صديد﴾ مَعْنَاهُ: من مَاء هُوَ صديد. والصديد مَا يسيل من الْكفَّار من الْقَيْح وَالدَّم، وَالْأَصْل فِي الصديد هُوَ المَاء الَّذِي يخرج من الْجرْح مختلطا بِالدَّمِ والقيح، وَقيل: من مَاء صديد أَي: من مَاء كالصديد.
стр. 2784
وَقَوله: ﴿يتجرعه﴾ أَي: يشربه جرعة جرعة من مرارته وشدته. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا أدناه من وَجهه شوى وَجهه وَسَقَطت فَرْوَة رَأسه، وَإِذا شربه تقطعت أمعاؤه، وَخرجت الأمعاء من دبره ".
وَقَوله: ﴿وَلَا يكَاد يسيغه﴾ يَعْنِي: لَا يسيغه، وَقيل مَعْنَاهُ: يكَاد لَا يسيغه، ويسيغه؛ ليغلي فِي جَوْفه. وَقَوله: ﴿ويأتيه الْمَوْت من كل مَكَان﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: من كل شَعْرَة من جسده، وَقيل: يَأْتِيهِ الْمَوْت من قدامه وَمن خَلفه، وَمن فَوْقه وَمن تَحْتَهُ، وَعَن يَمِينه وَعَن شِمَاله.
وَقَوله: ﴿وَمَا هُوَ بميت﴾ يَعْنِي: عَلَيْهِ شدَّة الْمَوْت وَلَا يَمُوت، وَهُوَ فِي معنى قَوْله
стр. 2785
﴿كل مَكَان وَمَا هُوَ بميت وَمن وَرَائه عَذَاب غليظ (١٧) مثل الَّذين كفرُوا برَبهمْ أَعْمَالهم كرماد اشتدت بِهِ الرّيح فِي يَوْم عَاصِم لَا يقدرُونَ مِمَّا كسبوا على شَيْء ذَلِك هُوَ الضلال الْبعيد (١٨) ألم تَرَ أَن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يذهبكم﴾ تَعَالَى: ﴿لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ . وَقَوله: ﴿وَمن وَرَائه عَذَاب غليظ﴾ أَي: شَدِيد، وَالْعَذَاب الغليظ هُوَ الخلود فِي النَّار.
стр. 2786
قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين كفرُوا برَبهمْ أَعْمَالهم﴾ وَمَوْضِع الْمثل فِي قَوْله: ﴿كرماد اشتدت بِهِ الرّيح﴾ يَعْنِي: ذهبت الرّيح المشتدة بِهِ.
وَقَوله: ﴿فِي يَوْم عاصف﴾ فِيهِ مَعْنيانِ.
أَحدهمَا: أَنه وصف الْيَوْم بالعاصف؛ لِأَن فِيهِ العصوف، كَمَا يُقَال: يَوْم حَار وَيَوْم بَارِد، أَي: فِيهِ الْحر وَالْبرد، قَالَ الشَّاعِر:
(يَوْمَيْنِ غيمين وَيَوْما شمسا ... )
وَالْمعْنَى الثَّانِي: فِي يَوْم عاصف أَي: فِي يَوْم عاصف الرّيح، قَالَ الشَّاعِر:
(ويضحك عرفان الدروع جلودنا ... إِذا جَاءَ يَوْم مظلم الشَّمْس (كاسف))
أَي: كاسف الشَّمْس.
وَقَوله ﴿لَا يقدرُونَ مِمَّا كسبوا على شَيْء﴾ لِأَن أَعْمَالهم قد ذهبت وَبَطلَت كالرماد الَّذِي ذهبت بِهِ الرّيح العاصف.
وَقَوله: ﴿ذَلِك هُوَ الضلال الْبعيد﴾ الْخَطَأ الطَّوِيل.
стр. 2787
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ معنى خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ: مَا نصب فِيهَا من الدَّلَائِل على وحدانيته وَسَائِر صِفَاته.
وَقَوله: ﴿إِن يَشَأْ يذهبكم﴾ يَعْنِي: إِن يَشَأْ يهلككم. ﴿وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد﴾ أَي: بِقوم آخَرين، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ﴾ .
стр. 2788
﴿وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد (١٩) وَمَا ذَلِك على الله بعزيز (٢٠) وبرزوا لله جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء قَالُوا لَو هدَانَا الله لهديناكم سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا مَا لنا من محيص (٢١) وَقَالَ﴾
قيل فِي التَّفْسِير: قوما أطوع لله مِنْكُم.
стр. 2789
وَقَوله: ﴿وَمَا ذَلِك على الله بعزيز﴾ أَي: شَدِيد؛ وَذَلِكَ لِأَن الْأَشْيَاء كلهَا سهلة هينة فِي الْقُدْرَة، وَلَا يصعب على الله شَيْء من الْأَشْيَاء وَإِن جلّ وَعظم.
стр. 2790
قَوْله تَعَالَى: ﴿وبرزوا لله جَمِيعًا﴾ أَي: خَرجُوا من قُبُورهم إِلَى الله جَمِيعًا.
وَقَوله: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا﴾ معنى الَّذين استكبروا: يَعْنِي تكبروا على النَّاس، وتكبروا عَن الْإِيمَان، وهم القادة والرؤساء.
وَقَوله: ﴿إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون﴾ كُنَّا لكم تبعا، أَي: أتباعا ﴿فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء﴾ أَي: دافعون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء. وَقَوله: ﴿قَالُوا لَو هدَانَا الله لهديناكم﴾ مَعْنَاهُ: لَو هدَانَا الله لدعوناكم إِلَى الْهدى، فَلَمَّا أضلنا دعوناكم إِلَى الضَّلَالَة.
وَقَوله: ﴿سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا﴾ فِي الْآثَار أَنهم يَقُولُونَ: قد جزع أَقوام فِي الدُّنْيَا؛ فنجوا فَنحْن نجزع لننجوا، فيجزعون مُدَّة مديدة فَلَا يرَوْنَ نجاة، فَيَقُولُونَ: قد صَبر أَقوام فِي الدُّنْيَا، فَنحْن نصبر للنجوا، فيصبرون مُدَّة مديدة، فَلَا يرَوْنَ نجاة فَيَقُولُونَ بعد ذَلِك: سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا.
قَوْله: ﴿مَا لنا من محيص﴾ أَي: منجي ومخلص، وَيُقَال: يجزعون مائَة سنة، ويصبرون مائَة سنة، وَيُقَال: فلَان وَقع فِي حيص بيص، وحاص وباص إِذا وَقع فِي أَمر لَا مخلص عَنهُ.
стр. 2791
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَان لما قضى الْأَمر﴾ قَوْله: ﴿لما قضى الْأَمر﴾ دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار. وَفِي بعض الْآثَار: " أَنه يوضع لإبليس مِنْبَر من نَار فيصعد عَلَيْهِ ويخطبهم " وَذَلِكَ حِين يتعلقون بِهِ، وَيَقُولُونَ: أَنْت فعلت بِنَا هَذَا.
стр. 2792
﴿الشَّيْطَان لما قضي الْأَمر إِن الله وَعدكُم وعد الْحق ووعدتكم فأخلفتكم وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي إِنِّي كفرت بِمَا أشركتموني من قبل إِن الظَّالِمين لَهُم عَذَاب أَلِيم (٢٢) وَأدْخل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا﴾
وَقَوله: ﴿إِن الله وَعدكُم وعد الْحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾ ووعد الْحق هُوَ الَّذِي يَقع الْوَفَاء [بِهِ] . وَقَوله: ﴿ووعدتكم فأخلفتكم﴾ هُوَ مَا لَا يَقع بِهِ الْوَفَاء، وَقيل: إِنَّه يَقُول لَهُم: قلت لكم لَا بعث وَلَا جنَّة وَلَا نَار، وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان﴾ مَعْنَاهُ: أَنِّي لم آتكم بِحجَّة فِيمَا دعوتكم إِلَيْهِ. وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن دعوتكم﴾ هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: وَلَكِن دعوتكم أَي: زينت لكم. قَوْله: ﴿فاستجبتم لي﴾ أَي: أجبتم لي. وَقَوله: ﴿فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم﴾ يَعْنِي: لَا تعودوا باللائمة عَليّ، وعودوا باللائمة على أَنفسكُم.
وَقَوله: ﴿مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي﴾ مَعْنَاهُ: مَا أَنا بمعينكم وَمَا أَنْتُم بمعيني، وَقيل [مَعْنَاهُ] : مَا أَنا بمنجيكم وَمَا أَنْتُم بمنجي، وَقَرَأَ حَمْزَة: " وَمَا أَنْتُم بمصرخي " بِكَسْر الْيَاء، وَأهل النَّحْو لَا يرضون هَذِه الْقِرَاءَة، وَذكر الْفراء شعرًا يدل على قِرَاءَة حَمْزَة. قيل: إِنَّه لُغَة بني يَرْبُوع. وَالشعر:
(قَالَ لَهَا هَل أَنْت يَا باغي ... قَالَت لَهُ مَا أَنْت بالمرضي)
وَقَوله: ﴿إِنِّي كفرت بِمَا أشركتمون من قبل﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: إِنِّي كفرت بجعلكم إيَّايَ شَرِيكا فِي عبَادَة الله وطاعته، وَالْقَوْل الثَّانِي: إِنِّي كفرت قبل أَن أشركتموني فِي عِبَادَته، يَعْنِي: كفرت قبل كفركم.
وَقَوله: ﴿إِن الظَّالِمين لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: وجيع.
стр. 2793
﴿الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا بِإِذن رَبهم تحيتهم فِيهَا سَلام (٢٣) ألم تَرَ كَيفَ ضرب الله مثلا﴾
стр. 2794
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأدْخل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ قد بَينا. ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ مقيمين فِيهَا أبدا. ﴿بِإِذن رَبهم﴾ بِأَمْر رَبهم.
قَوْله: ﴿تحيتهم فِيهَا سَلام﴾ وَفِي المحيي بِالسَّلَامِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن المحيي بِالسَّلَامِ هُوَ الله تَعَالَى، وَالْآخر: هم الْمَلَائِكَة، وَالثَّالِث: أَن المحيي بِالسَّلَامِ بَعضهم على بعض.
стр. 2795
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ كَيفَ ضرب الله مثلا كلمة طيبَة﴾ الْمثل قَول سَائِر لتشبه شَيْء بِشَيْء فِي الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿كلمة طيبَة﴾ أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَن الْكَلِمَة الطّيبَة هَاهُنَا: لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿كشجرة طيبَة﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير على أَن الشَّجَرَة الطّيبَة هَاهُنَا: هِيَ النَّخْلَة، وَقد بيّنت بِرِوَايَة ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ لأَصْحَابه: " أخبروني عَن شَجَرَة هِيَ مثل الْمُؤمن؟ فَوَقَعت الصَّحَابَة فِي شجر الْبَوَادِي. قَالَ ابْن عمر: وَوَقع فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخْلَة، ثمَّ إِن النَّبِي قَالَ: هِيَ النَّخْلَة. قَالَ ابْن عمر: فَذكرت لأبي أَنه كَانَ وَقع فِي نَفسِي كَذَا، فَقَالَ: لَو كنت قلته كَانَ أحب إِلَيّ من حمر النعم ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أكْرمُوا النَّخْلَة فَإِنَّهَا عمتكم ".
وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا خلقت من فضل طِينَة آدم.
стр. 2796
﴿كلمة طيبَة كشجرة طيبَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء (٢٤) تؤتي أكلهَا كل حِين بِإِذن رَبهَا وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون (٢٥) وَمثل كلمة خبيثة كشجرة﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الشَّجَرَة الطّيبَة شَجَرَة فِي الْجنَّة، وَقد حُكيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: إِن الشَّجَرَة الطّيبَة شَجَرَة جوز الْهِنْدِيّ.
وَقَوله: ﴿أَصْلهَا ثَابت﴾ أَي: ثَابت فِي الأَرْض. وَقَوله: ﴿وفرعها فِي السَّمَاء﴾ أَي: أَعْلَاهَا فِي السَّمَاء.
стр. 2797
وَقَوله: ﴿تؤتي أكلهَا كل حِين﴾ الْحِين فِي اللُّغَة هُوَ الْوَقْت، وَفِي معنى الْحِين أَقْوَال: قَالَ ابْن عَبَّاس: سِتَّة أشهر؛ لِأَنَّهَا من حِين ضرابها إِلَى حِين إطلاعها، وَقَالَ مُجَاهِد: الْحِين هَاهُنَا هُوَ سنة كَامِلَة؛ لِأَن النَّخْلَة تثمر كل سنة.
وَعَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: أَرْبَعَة أشهر لِأَنَّهَا من حِين ظُهُورهَا إِلَى حِين إِدْرَاكهَا، وَقَالَ بَعضهم: شَهْرَان؛ لِأَنَّهُ من حِين يُؤْكَل إِلَى حِين يصرم.
وَالْقَوْل الْخَامِس: أَنه غدْوَة وَعَشِيَّة؛ لِأَن ثَمَر النَّخْلَة يُؤْكَل مِنْهَا أبدا، إِمَّا رطبا، وَإِمَّا تَمرا وَإِمَّا بسرا.
وَقَوله: ﴿بِإِذن رَبهَا﴾ أَي: بِأَمْر رَبهَا. وَقَوله: ﴿وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس﴾ مَوضِع الْمثل أَن الْإِيمَان ثَابت فِي الْقلب، وَالْعَمَل صاعد إِلَى السَّمَاء، كالنخلة ثَابت أَصْلهَا فِي الأَرْض، وفروعها مُرْتَفعَة إِلَى السَّمَاء، مَوضِع الْمثل فِي قَوْله: ﴿تؤتي أكلهَا كل حِين﴾ لِأَن فَائِدَة الْإِيمَان وبركته لَا تَنْقَطِع أبدا، بل تصل إِلَى الْمُؤمن فِي كل وَقت، كَمَا أَن نفع النَّخْلَة وبركتها تصل إِلَى حَاجَتهَا فِي كل وَقت.
وَاسْتدلَّ بَعضهم على أَن النَّخْلَة تشبه الْآدَمِيّ؛ لِأَنَّهَا محتاجة إِلَى اللقَاح، كالآدمي لَا يُولد لَهُ حَتَّى يلقح. قَوْله: ﴿لَعَلَّهُم يتذكرون﴾ أَي: يتعظون.
стр. 2798
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمثل كلمة خبيثة﴾ الْكَلِمَة الخبيثة هِيَ الشّرك. وَقَوله: ﴿كشجرة خبيثة﴾ اخْتلفُوا فِيهَا، قَالَ أنس بن مَالك: هِيَ الحنظلة، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: هِيَ الثوم، وَقيل: إِنَّهَا الكشوثا، وَهِي العشقة.
стр. 2799
﴿خبيثة اجتثت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار (٢٦) يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت﴾
وَقَوله: ﴿اجتثت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار﴾ أَي: اقتلعت من فَوق الأَرْض. وَقَوله: ﴿مَا لَهَا من قَرَار﴾ أَي: مَا لَهَا من ثبات، وَحَقِيقَة الْمَعْنى أَنه لَيْسَ لَهَا أصل ثَابت فِي الأَرْض، وَلَا فرع يصعد إِلَى السَّمَاء، وَمَوْضِع الْمثل مَعْلُوم.
стр. 2800
قَوْله تَعَالَى: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت﴾ القَوْل الثَّابِت: كلمة التَّوْحِيد وَهِي لَا إِلَه إِلَّا الله، وَقَالَ: ﴿يثبت الله﴾ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُثبت للْإيمَان فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: قبل الْمَوْت. وَقَوله ﴿ [و] فِي الْآخِرَة﴾ أَي: فِي الْقَبْر، وَعَلِيهِ أَكثر أهل التَّفْسِير، وَقد ثَبت ذَلِك عَن النَّبِي بِرِوَايَة الْبَراء بن عَازِب، وَهُوَ قَول عبد الله بن مَسْعُود، وَعبد الله بن عَبَّاس، وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة.
وَاعْلَم أَن سُؤال الْقَبْر ثَابت فِي السّنة، وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب، وَقد وَردت فِيهِ الْأَخْبَار الْكَثِيرَة، روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " أَن النَّبِي كَانَ فِي جَنَازَة، فَذكر لأَصْحَابه أَنه يدْخل على الرجل فِي قَبره ملكان ويسألانه، فَيَقُولَانِ: من رَبك؟ وَمَا دينك؟ وَمن نبيك؟ قَالَ: فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول: رَبِّي الله، وديني الْإِسْلَام، وَنَبِي مُحَمَّد. فَيفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار، فَيُقَال لَهُ: هَذَا كَانَ مَكَانك لَو قلت غير هَذَا، ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة، ويفسح لَهُ فِي قَبره مد الْبَصَر. وَأما الْكَافِر فَيَقُول الْملكَانِ لَهُ: من رَبك؟ وَمَا دينك؟ وَمن نبيك؟ فَيَقُول: لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: لَا دَريت وَلَا تليت، ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة، فَيَقُولَانِ: هَذَا مَكَانك لَو أجبْت، ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار، ويضيق عَلَيْهِ الْقَبْر حَتَّى تخْتَلف أضلاعه، ويضربانه بِمِطْرَقَةٍ من نَار فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا كل الْخَلَائق إِلَّا الثقلَيْن ".
стр. 2801
﴿فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء (٢٧) ألم تَرَ إِلَى﴾
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي قَالَ: لَو نجا أحد من عَذَاب الْقَبْر لنجا سعد بن معَاذ، وَلَقَد ضمه الْقَبْر ضمة أَو ضمتين " وَرُوِيَ أَن النَّبِي قَالَ لعمر: " كَيفَ بك إِذا أَتَاك ملكان ... " الْخَبَر. فَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَمَعِي عَقْلِي؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أكفيهما إِذا ".
وَقيل: إِن عَذَاب الْقَبْر ثَلَاثَة أَثلَاث: ثلث من ترك الاستنزاه من الْبَوْل، وَثلث من الْغَيْبَة، وَثلث من الْمَشْي بالنميمة. وَالله أعلم.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن الْحَيَاة الدُّنْيَا هِيَ الْقَبْر، وَفِي الْآخِرَة هِيَ الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الأول أصح.
وَقَوله: ﴿ويضل الله الظَّالِمين﴾ مَعْنَاهُ: أَنه لَا يهدي الْمُشْركين إِلَى هَذَا الْجَواب، وَلَا يلقنهم إِيَّاه. وَقَوله: ﴿وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ من التَّوْفِيق والخذلان والتثبيت وَترك التثبيت.
стр. 2802
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا﴾ الْآيَة [فِيهَا] ثَلَاثَة
стр. 2803
﴿الَّذين بدلُوا نعمت الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار (٢٨) جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار (٢٩) وَجعلُوا لله أندادا ليضلوا عَن سَبيله قل تمَتَّعُوا فَإِن مصيركم إِلَى النَّار﴾ أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم كفار قُرَيْش، وَالْآخر: أَنهم قادة الْمُشْركين ببدر، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَالثَّالِث: رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ: هم الأفجران بَنو الْمُغيرَة وَبَنُو أُميَّة: فَأَما بَنو الْمُغيرَة فَقتلُوا يَوْم بدر، وَأما بَنو أُميَّة فمتعوا إِلَى حِين.
وَقَوله: ﴿وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار﴾ أَي: دَار الْهَلَاك، وَهِي جَهَنَّم قَالَ الشَّاعِر:
(إِن لقيما وَإِن قتلا ... وَإِن لُقْمَان حَيْثُ باروا)
يَعْنِي: هَلَكُوا.
стр. 2804
وَقَوله: ﴿جَهَنَّم يصلونها [وَبئسَ] الْقَرار﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2805
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا لله أندادا﴾ أَي: شُرَكَاء وأمثالا، قَالَ حسان بن ثَابت: شعرًا:
(أتهجوه وَلست لَهُ بند ... فشركما لخير كَمَا الْفِدَاء)
وَاعْلَم أَن الله لَيْسَ لَهُ ضد وَلَا ند. أما الند الَّذِي هُوَ الْمثل فمعلوم، وَأما الضِّدّ فَلِأَن فِيهِ معنى من المثلية، وَالله لَيْسَ لَهُ مثل بِوَجْه مَا.
وَقَوله: ﴿ليضلوا عَن سَبيله﴾ إِنَّمَا نسب إِلَيْهِم الضَّلَالَة، لأَنهم سَبَب فِي (الضلال) ، وَهَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل: فتنتني الدُّنْيَا؛ نسب الْفِتْنَة إِلَى الدُّنْيَا، لِأَنَّهَا سَبَب فِي الْفِتْنَة. وَقَوله: ﴿ليضلوا عَن سَبيله﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿قل تمَتَّعُوا فَإِن مصيركم إِلَى النَّار﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لَو أَن كَافِرًا كَانَ فِي أَشد بؤس وضر لَا يهدأ لَيْلًا وَلَا نَهَارا، كَانَ ذَلِك نعيما فِي جنب مَا يصير إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة، وَلَو أَن مُؤمنا كَانَ فِي أنعم عَيْش، كَانَ ذَلِك بؤسا فِي جنب مَا يصير إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿فَإِن مصيركم إِلَى النَّار﴾ أَي: مرجعكم إِلَى النَّار.
следующие страницы →