← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويجعلون لله مَا يكْرهُونَ﴾ يَعْنِي: الْبَنَات. وَقَوله: ﴿وتصف ألسنتهم الْكَذِب﴾ معنى الْكَذِب الْمَذْكُور هُوَ قَوْلهم: ﴿أَن لَهُم الْحسنى﴾ . وَفِي الْحسنى قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا البنون، وَالْآخر: أَنَّهَا الْجنَّة. وَقَوله: ﴿لَا جرم أَن لَهُم النَّار﴾ " لَا " رد لقَولهم. وَقَوله: ﴿جرم﴾ أَي: حَقًا، وَقيل: لَا محَالة أَن لَهُم النَّار، وَقيل: لَا بُد، وَقد بَينا أَن رجم بِمَعْنى كسب، وَذكرنَا عَلَيْهِ الاستشهاد. وَقَوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مفرطون﴾ أَكثر الْقُرَّاء قرأوا بِفَتْح الرَّاء، وَقَرَأَ نَافِع: " مفرطون " بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي: " مفرِّطون " بتَشْديد الرَّاء. وَاخْتلف القَوْل فِي معنى قَوْله: ﴿مفرطون﴾ بِفَتْح الرَّاء، قَالَ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد: منسيون، وعنهما: متروكون، وَقيل: مضيعون، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ، مقدمون إِلَى النَّار، وَمِنْه الفارط، وَهُوَ الَّذِي يتَقَدَّم إِلَى المَاء، قَالَ الشَّاعِر: (استعجلونا فَكَانُوا من صحابتنا ... كَمَا تقدم فراط لوراد) وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَنا فَرَطكُمْ على الْحَوْض " أَي: متقدمكم، وَاخْتَارَ الْكسَائي وَأَبُو عُبَيْدَة وَالْفراء معنى قَول مُجَاهِد. وَأما قَوْله: " مفرطون " بِكَسْر الرَّاء، هُوَ من الإفراط، يَعْنِي: مبالغون فِي الْإِسَاءَة، وَأما قَوْله: " مفرطون " هُوَ من التَّفْرِيط، يَعْنِي: أَنهم مقصرون.

стр. 3047

قَوْله تَعَالَى: ﴿تالله لقد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك﴾ يَعْنِي: وَالله لقد أرسلنَا إِلَى أُمَم

стр. 3048

﴿فَهُوَ وليهم الْيَوْم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم (٦٣) وَمَا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب إِلَّا لتبين لَهُم الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ (٦٤) وَالله أنزل من السَّمَاء مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يسمعُونَ (٦٥) وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة﴾ من قبلك. وَقَوله: ﴿فزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم﴾ يَعْنِي: كفرهم وجحودهم. وَقَوله: ﴿فَهُوَ وليهم الْيَوْم﴾ سَمَّاهُ وليا لَهُم لطاعتهم إِيَّاه. وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: مؤلم.

стр. 3049

قَوْله: ﴿وَمَا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب إِلَّا لتبين لَهُم الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ﴾ الْفرق بَين التَّبْيِين والتمييز، أَن فِي التَّبْيِين طلب الْعلم، وَلَيْسَ فِي التَّمْيِيز طلب الْعلم، فَإِن الرجل يُمَيّز بَين الْجيد والردىء (مَعَ علمه) بهما. وَقَوله: ﴿اخْتلفُوا فِيهِ﴾ أَي: فِي الْكتاب. وَقَوله: ﴿وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَن الْكتاب هدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين، وَقيل: إِن الرَّسُول هدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين.

стр. 3050

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله أنزل من السَّمَاء مَاء﴾ أَي: الْمَطَر. وَقَوله: ﴿فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ أَي: بالنبات. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يسمعُونَ﴾ يَعْنِي: يسمعُونَ سَماع التفهم.

стр. 3051

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم﴾ قرىء بِالنّصب وَالرَّفْع، أما بِالنّصب فمعلوم الْمَعْنى، وَأما بِالرَّفْع فَهُوَ أَن يَجْعَل لكم سقيا، قَالَ الشَّاعِر فِي الْفرق بَينهمَا: (سقى قومِي بني مجد وأسقي ... نميرا والقبائل من هِلَال) قَوْله: ﴿مِمَّا فِي بطونه﴾ فَإِن قيل: كَيفَ لم يقل: مِمَّا فِي بطونها، والأنعام جمع؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ: مِمَّا فِي بطُون كل وَاحِد مِنْهُمَا أَو كل نوع مِنْهَا، وَالْعرب قد تحذف مثل هَذَا، قَالَ الشَّاعِر: (أَلا يَا سُهَيْل فالقطيخ قد فسد ... وطاب ألبان اللقَاح فبرد)

стр. 3052

﴿نسقيكم مِمَّا فِي بطونه من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا سائغا للشاربين (٦٦) وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾ أَي بردت. وَقَوله: ﴿من بَين فرث وَدم﴾ الفرث هُوَ مَا يحصل فِي الكرش من الثّقل، وَيُقَال: إِن الْعلف الَّذِي تَأْكُله الدَّابَّة يتَغَيَّر فِي الكرش فيتحول لَبَنًا وفرثا ودما فأعلاه دم، وأوسطه لبن، وأسفله فرث، ثمَّ يُمَيّز الله تَعَالَى بَينهمَا، فَيجْرِي كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي مجْرَاه على حِدة، (فَيجْعَل) اللَّبن فِي الضَّرع، وَيجْعَل الدَّم فِي الْعُرُوق، وَيبقى الفرث فِي الكرش، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿من بَين فرث وَدم﴾ . وَقَوله: ﴿لَبَنًا خَالِصا﴾ أَي: لَيْسَ عَلَيْهِ لون الدَّم وَلَا رَائِحَة الفرث. وَقَوله: ﴿سائغا﴾ السائغ: مَا يجْرِي فِي الْحلق على السهولة، وَفِي بعض الْأَخْبَار: مَا غص أحد بِلَبن؛ لقَوْله: ﴿سائغا﴾ . وَقَوله: ﴿للشاربين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3053

قَوْله: ﴿وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا﴾ اخْتلفُوا فِي السكر، فالمروي عَن ابْن عَبَّاس: أَن السكر مَا حرم من الثَّمر، والرزق الْحسن مَا حل من الثَّمر، وَعَن مُجَاهِد وَقَتَادَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ: أَن الْآيَة مَنْسُوخَة، وَهَذَا قبل تَحْرِيم الْخمر ثمَّ حرمت. وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: السكر هُوَ النَّبِيذ، والرزق الْحسن هُوَ التَّمْر وَالزَّبِيب، وَهَذَا قَول من يُبِيح (النَّبِيذ) ، وَأما على قَول ابْن عَبَّاس فَالْمُرَاد من الْآيَة هُوَ الْإِخْبَار عَنْهُم، لَا الْإِحْلَال لَهُم، وَأولى الْأَقَاوِيل أَن قَوْله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا﴾ مَنْسُوخ. وَفِي بعض المسانيد أَن النَّبِي قَالَ: " لكم من الْعِنَب خَمْسَة حَلَال: الْعصير، وَالزَّبِيب، والخل، والرب، وَأَن تأكلوه عنبا " وَالله أعلم بِصِحَّتِهِ. وَقَالَ الشَّاعِر فِي

стр. 3054

﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يعْقلُونَ (٦٧) وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا وَمن الشّجر وَمِمَّا يعرشون (٦٨) ثمَّ كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل رَبك دللا﴾ السكر: (بئس الضجيع وَبئسَ الشّرْب شربهم ... إِذا جرى فيهم المزاء وَالسكر) أَي: الْمُسكر. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يعْقلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3055

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل﴾ الْآيَة، وَأوحى رَبك أَي: ألهم رَبك، وَالْوَحي فِي اللُّغَة هُوَ إِعْلَام الشَّيْء فِي الستْرَة، وَقد يكون ذَلِك بِالْكِتَابَةِ، وَقد يكون بِالْإِشَارَةِ وَقد يكون بالإلهام، وَقد يكون بالْكلَام الْخَفي، وَقَالَ بَعضهم معنى قَوْله: ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل﴾ أَي: جعل فِي غرائزها ذَلِك، وَقيل: أوحى بِمَعْنى سخر، وذلل، وَأَصَح الْأَقَاوِيل هُوَ الأول. وَقَوله: ﴿إِلَى النَّحْل﴾ والنحل: ذُبَاب الْعَسَل، وَفِي رِوَايَة ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كل الذُّبَاب فِي النَّار إِلَّا النَّحْل " وَالْخَبَر غَرِيب. وَقَوله: ﴿أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا وَمن الشّجر﴾ أَي: خلايا، وَهِي الْأَمْكِنَة الَّتِي يضع النَّحْل فِيهَا الْعَسَل، وَيُقَال: إِنَّمَا يضع الْعَسَل فِي أَجْوَاف الْأَشْجَار، وَقد يضع على أَغْصَان الْأَشْجَار، وَقَوله: ﴿وَمِمَّا يعرشون﴾ يَعْنِي: يبنون، وَقد جرت عَادَة أَهلهَا أَنهم يبنون لَهَا الْأَمَاكِن فَهِيَ تأوي إِلَيْهَا بتسخير الله إِيَّاهَا لذَلِك.

стр. 3056

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل رَبك﴾ أَي: طرق رَبك، قَالَ مُجَاهِد: هِيَ تسلك سبلها لَا يتوعر عَلَيْهَا مَكَان.

стр. 3057

﴿يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه فِيهِ شِفَاء للنَّاس إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يتفكرون﴾ وَقَوله: ﴿ذللا﴾ يحْتَمل وَجْهَيْن: يحْتَمل أَنه رَاجع إِلَى الطّرق، يُقَال: سَبِيل ذَلُول، وسبل ذلل، إِذا كَانَت سهلة المسلك، وَيحْتَمل أَنه ينْصَرف إِلَى النَّحْل، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا مطيعة منقادة لما خلقت لَهُ، وَيُقَال: إِن للنحل يعسوبا - وَهُوَ سيد النَّحْل - إِذا وقفت وقفت، وَإِذا سَارَتْ سَارَتْ، وَيُقَال: " ذللا " يَعْنِي لأربابها؛ فَإِنَّهُ قد جرت الْعَادة أَن أَرْبَابهَا ينقلونها من مَكَان إِلَى مَكَان، فَهِيَ مسخرة لذَلِك. وَقَوله: ﴿يخرط من بطونها﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّمَا يخرج من أفواهها لَا من بطونها؟ ، وَالْجَوَاب عَنهُ أَنه إِنَّمَا ذكر بطونها لِأَن الاستحالة تقع فِي بطونها؛ وَلِأَنَّهُ يخرج من بطونها إِلَى أفواهها، ثمَّ تسيل من أفواهها كَهَيئَةِ الرِّيق، وَرُوِيَ أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ مر على عبد الرَّحْمَن بن عتاب بن أسيد، وَهُوَ مقتول يَوْم الْجمل؛ فَقَالَ: هَذَا يعسوب قُرَيْش شفيت نَفسِي، وَقتلت قومِي، أَشْكُو إِلَى الله عجري وبجري، أَي: همومي وأحزاني. وَقَوله: ﴿شراب مُخْتَلف ألوانه﴾ يَعْنِي: أَحْمَر، وأصفر، وأبيض. وَقَوله: ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ لَا يشكل على أحد أَن فِي الْعَسَل شِفَاء لبَعض الْأَمْرَاض، وَقد يَجْعَل فِي المعجونات وَكثير من الْأَدْوِيَة، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: فِيهِ شِفَاء للنَّاس، أَي: فِي الْقُرْآن، وَالْأَظْهَر فِي الْآيَة هُوَ القَوْل الأول. وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " أَن رجلا أَتَى النَّبِي وَذكر أَن أَخَاهُ اشْتَكَى بَطْنه فَقَالَ: اسْقِهِ عسلا، فَسَقَاهُ، فَزَاد الوجع، فَعَاد وَذكر لَهُ؛ فَقَالَ: اسْقِهِ عسلا، فَسَقَاهُ فازداد وجعا، فَعَاد وَذَلِكَ لَهُ ذَلِك؛ فَقَالَ: اسْقِهِ عسلا، فَسَقَاهُ فبرأ، فَعَاد وَذكر ذَلِك للنَّبِي فَقَالَ: صدق الله، وَكذب بطن أَخِيك ". وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: من اشْتَكَى شَيْئا فليأخذ من امْرَأَته أَرْبَعَة

стр. 3058

( ﴿٦٩) وَالله خَلقكُم ثمَّ يتوفاكم ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر لكَي لَا يعلم بعد علم شَيْئا إِن الله عليم قدير (٧٠) وَالله فضل بَعْضكُم على بعض فِي الرزق فَمَا الَّذين فضلوا﴾ دَرَاهِم من مهرهَا وليشتر بهَا عسلا، وليخلطه بِمَاء الْمَطَر وليشربه؛ فَإِن فِيهِ شِفَاء. وَكَانَ ابْن عمر إِذا أَصَابَهُ وجع طلى على مَوضِع الوجع بالعسل حَتَّى الدمل: وَعَن أبي حرَّة أَنه كَانَ يكتحل بالعسل. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يتفكرون﴾ أَي: يتدبرون.

стр. 3059

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله خَلقكُم ثمَّ يتوفاكم ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر﴾ يَعْنِي: الْهَرم، وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: إِنَّه خمس وَسَبْعُونَ سنة، وَقيل: ثَمَانُون سنة، حَكَاهُ قطرب. وَقيل: تسعون سنة، وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: من قَرَأَ الْقُرْآن لم يرد إِلَى أرذل الْعُمر، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يذهب عقله وَلَا يخرف، وَقيل: إِن الرَّد إِلَى أرذل الْعُمر للْكَافِرِينَ؛ فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿ثمَّ رددناه أَسْفَل سافلين إِلَّا الَّذين آمنُوا﴾ . وَقَوله: ﴿لكيلا يعلم بعد علم شَيْئا﴾ يَعْنِي: ينتقص علمه وعقله، وَهَذَا دَلِيل على أَنه قد يذكر الشَّيْء، وَيُرَاد بِهِ الْأَغْلَب، فَإِنَّهُ إِذا رد إِلَى أرذل الْعُمر لَا يذهب جَمِيع علمه إِذا، وَإِنَّمَا يذهب أَكثر علمه. وَقَوله: ﴿إِن الله عليم قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3060

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله فضل بَعْضكُم على بعض فِي الرزق﴾ مَعْنَاهُ: بسط لهَذَا وضيق على هَذَا، وَأكْثر لهَذَا وقلل. وَقَوله: ﴿فَمَا الَّذين فضلوا برادي رزقهم على مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ فِي الْآيَة رد على الْمُشْركين فِي اتخاذهم الْأَصْنَام آلِهَة مَعَ الله، وَمعنى الْآيَة: أَن الْأَحْرَار المالكين مِنْكُم لَا تسخو أنفسهم بِدفع أَمْوَالهم إِلَى عبيدهم ليشاركوهم فِي الْملك، فَيَكُونُوا وهم سَوَاء؛ فَإِذا لم ترضوا هَذَا لأنفسكم؛ فَأولى أَن تنزهوا ربكُم عَنهُ، وَنَظِير هَذَا مَا ذكر فِي سُورَة الرّوم: ﴿ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَأنْتم فِيهِ سَوَاء﴾ .

стр. 3061

﴿برادي رزقهم على مَا ملكت أَيْمَانهم فهم فِيهِ سَوَاء أفبنعمة الله يجحدون (٧١) وَالله جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة ورزقكم من الطَّيِّبَات أفبالباطل يُؤمنُونَ وبنعمت الله هم يكفرون (٧٢) ويعبدون من دون الله مَا لَا﴾ وَقَوله: ﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾ يَعْنِي: بِأَن أنعم عَلَيْكُم جحدتموه، واتخذتم غَيره إِلَهًا مَعَه.

стр. 3062

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن هَذَا فِي آدم ﵇ فَإِن الله تَعَالَى خلق حَوَّاء من بعض أضلاعه. وَالْقَوْل الثَّانِي: خلق من أَنفسكُم أَزْوَاجًا أَي: من جنسكم أَزْوَاجًا. وَقَوله: ﴿وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة﴾ فِي الحفدة أَقْوَال: رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: هم الْأخْتَان، وَعنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: هم الأصهار، وَمعنى الْآيَة على هَذَا القَوْل: وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وَبَنَات تزوجونهم؛ فَيحصل لكم بسببهم الْأخْتَان والأصهار. وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ وَمُجاهد وَغَيرهمَا أَنهم قَالُوا: الخدم، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: الأعوان، وَقيل: [أَوْلَاد] الْأَوْلَاد، وَقيل: بَنو الْمَرْأَة من غَيره. والحفد فِي اللُّغَة: هُوَ الْإِسْرَاع فِي الْعَمَل، وَفِي دُعَاء الْقُنُوت: وَإِلَيْك نسعى ونحفد أَي: نسرع، وَقَالَ الشَّاعِر: (حفد الولائد حَوْلهنَّ وَأسْلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال) وَقيل: إِن الْبَنِينَ هم الْكِبَار، والحفدة هم الصغار، وَيُقَال: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: وَجعل لكم حفدة وَمن أزواجكم بَنِينَ. وَقَوله: ﴿ورزقكم من الطَّيِّبَات﴾ يَعْنِي: من النعم الْحَلَال. وَقَوله: ﴿أفبالباطل يُؤمنُونَ﴾ وَهَذَا على طَرِيق الْإِنْكَار. وَقَوله: ﴿وبنعمة الله هم

стр. 3063

﴿يملك لَهُم رزقا من السَّمَوَات وَالْأَرْض شَيْئا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال إِن الله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ (٧٤) ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء وَمن﴾ يكفرون) يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ هم يكفرون، وَقيل: بمحمدهم يكفرون.

стр. 3064

وَقَوله تَعَالَى: ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يملك لَهُم رزقا من السَّمَوَات وَالْأَرْض شَيْئا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ المُرَاد من الْآيَة ذكر عجز الْأَصْنَام عَن إِيصَال نفع أَو دفع ضرّ.

стр. 3065

وَقَوله: ﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال﴾ أَي: الْأَشْبَاه، وَمَعْنَاهُ: فَلَا تجْعَلُوا لله شبها. وَلَا مثلا؛ فَإِنَّهُ لَا شبه لَهُ، وَلَا مثل لَهُ. وَقَوله: ﴿إِن الله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3066

قَوْله تَعَالَى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء وَمن رزقناه منا رزقا حسنا فَهُوَ ينْفق مِنْهُ سرا وجهرا﴾ قَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: ضرب الْمثل لنَفسِهِ وللصنم الَّذِي عبد من دونه، فَقَوله: ﴿عبدا مَمْلُوكا﴾ أَرَادَ بِهِ الصَّنَم. وَقَوله: ﴿وَمن رزقناه منا رزقا حسنا﴾ ضرب مثلا لنَفسِهِ على معنى أَنه الْجواد الرازق الَّذِي يُعْطي من حَيْثُ يُعلمهُ العَبْد وَمن حَيْثُ لَا يُعلمهُ. وَقَالَ قَتَادَة - وَهُوَ القَوْل الثَّانِي - هُوَ ضرب مثلا للْكَافِرِ وَالْمُؤمن، فَقَوله: ﴿عبدا مَمْلُوكا﴾ أَرَادَ بِهِ الْكَافِر، وَقَوله: ﴿وَمن رزقناه منا رزقا حسنا﴾ أَرَادَ بِهِ الْمُؤمن، وَقيل: إِن القَوْل الأول أليق بِظَاهِر الْآيَة؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سبق ذكر الْأَصْنَام، (وَتَأَخر ذكر الْأَصْنَام) . وَمن نصر القَوْل الثَّانِي اسْتدلَّ على صِحَّته بقوله: ﴿عبدا مَمْلُوكا﴾ والصنم لَا يُسمى عبدا، وَفِي بعض الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس أَن الْآيَة فِي رجلَيْنِ بأعيانهما: أما الَّذِي رزقه الله رزقا حسنا، فَهُوَ ينْفق مِنْهُ سرا وجهرا، هُوَ عَمْرو بن هِشَام، وَأما [العَبْد] الْمَمْلُوك فَهُوَ هُوَ مَوْلَاهُ أَبُو الْجَواب، وَكَانَ يَأْمُرهُ بِالْإِيمَان وَيمْتَنع، أوردهُ

стр. 3067

﴿رزقناه منا رزقا حسنا فَهُوَ ينْفق مِنْهُ سرا وجهرا هَل يستوون الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ (٧٥) وَضرب الله مثلا رجلَيْنِ أَحدهمَا أبكم لَا يقدر على شَيْء وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يوجهه لَا يَأْتِ بِخَير هَل يَسْتَوِي هُوَ وَمن يَأْمر بِالْعَدْلِ وَهُوَ على صِرَاط﴾ النّحاس فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادِهِ. وَقَوله: ﴿هَل يستوون﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿هَل يستوون﴾ ، وَإِنَّمَا ضرب الْمثل لاثْنَيْنِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن المُرَاد مِنْهُ الْجِنْس لَا وَاحِد بِعَيْنِه. وَقَوله: ﴿الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى. أَي: حمد نَفسه على علمه وجهلهم، وَقيل: مَعْنَاهُ: قل الْحَمد لله على مَا أوضح من الدَّلِيل. وَبَين من الْحق بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ، وَيُقَال: الْحَمد لي فَإِنِّي أَنا الْمُسْتَحق للحمد لَا مَا يشركُونَ بِي، بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ أَنِّي أَنا الْمُسْتَحق للحمد.

стр. 3068

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَضرب الله مثلا رجلَيْنِ أَحدهمَا أبكم﴾ الأبكم: هُوَ الَّذِي لَا ينْطق، وَلَا يعقل، وَلَا يفهم. وَقَوله: ﴿لَا يقدر على شَيْء﴾ أَي: لَا يقدر على النُّطْق. وَقَوله: ﴿وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ﴾ أَي: ثقل على مَوْلَاهُ. وَقَوله: ﴿أَيْنَمَا يوجهه لَا يَأْتِ بِخَير﴾ يَعْنِي: أَيْنَمَا يَبْعَثهُ لَا يَهْتَدِي إِلَى خير. وَقَوله: ﴿هَل يَسْتَوِي هُوَ وَمن يَأْمر بِالْعَدْلِ﴾ عَنى بِهِ نَفسه، وَالله تَعَالَى يَأْمر بِالْعَدْلِ، وَيفْعل الْعدْل. وَقَوله: ﴿وَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: على طَرِيق قويم، وَالْمرَاد من الْآيَة: ضرب مثلا آخر لنَفسِهِ وللأصنام، فَالْأول هُوَ الصَّنَم، وَالْمرَاد من قَوْله: ﴿وَمن يَأْمر بِالْعَدْلِ﴾ هُوَ الله تَعَالَى. وَقَوله: ﴿على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ لِأَن الله تَعَالَى على طَرِيق الْحق، وَلَيْسَ عَنهُ معدل. وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ مَا روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْآيَة فِي رجلَيْنِ بأعيانهما: أما الأول: فَهُوَ أسيد بن أبي العيض. وَقَوله: ﴿وَمن يَأْمر بِالْعَدْلِ﴾ هُوَ عُثْمَان بن عَفَّان، وَكَانَ عُثْمَان يَأْمُرهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَا يسلم.

стр. 3069

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: علم غيب السَّمَوَات

стр. 3070

﴿مُسْتَقِيم (٧٦) وَللَّه غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا أَمر السَّاعَة إِلَّا كلمح الْبَصَر أَو هُوَ أقرب إِن الله على كل شَيْء قدير (٧٧) وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون (٧٨) ألم يرَوا إِلَى الطير مسخرات فِي جو السَّمَاء مَا يمسكهن إِلَّا الله إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ (٧٩) ﴾ وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿وَمَا أَمر السَّاعَة إِلَّا كلمح الْبَصَر﴾ مَعْنَاهُ: أَنه إِذا قَالَ لَهُ: كن فَيكون. وَقَوله: ﴿أَو هُوَ أقرب﴾ يَعْنِي: أدنى من لمح الْبَصَر، فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿أَو هُوَ أقرب﴾ ، و " أَو " للشَّكّ وَلَا يجوز على الله هَذَا؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن قَوْله: ﴿أَو هُوَ أقرب﴾ يَعْنِي: بل هُوَ أقرب قَالَ الشَّاعِر: (بَدَت مثل قرن الشَّمْس فِي رونق الضُّحَى ... وبهجته أَو أَنْت فِي الْعين أَمْلَح) يَعْنِي: بل أَنْت فِي الْعين أَمْلَح. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن المُرَاد مِنْهُ: أَو هُوَ أقرب فِي علمكُم. وَقَوله: ﴿إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3071

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا﴾ يَعْنِي: لَا تعلمُونَ شَيْئا مِمَّا علمْتُم الْآن. وَقَوله: ﴿وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة﴾ أَي: الأسماع والأبصار والأفئدة، وَهِي جمع الْفُؤَاد. وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ أَي: نعمتي عَلَيْكُم.

стр. 3072

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يرَوا إِلَى الطير مسخرات فِي جو السَّمَاء﴾ أَي: مذلالات فِي كبد السَّمَاء، وَعَن كَعْب الْأَحْبَار أَن الطير يرْتَفع اثنى عشر ميلًا وَلَا يرْتَفع فَوق هَذَا. وَفَوق الجو السكاك وَفَوق السكاك السَّمَاء. وَقَوله: ﴿مَا يمسكهن إِلَّا الله﴾ يَعْنِي: فِي حَال طيرانهن وقبضهن وبسطهن.

стр. 3073

﴿وَالله جعل لكم من بُيُوتكُمْ سكنا وَجعل لكم من جُلُود الْأَنْعَام بُيُوتًا تستخفونها يَوْم ظعنكم وَيَوْم إقامتكم وَمن أصوافها وأوبارها وَأَشْعَارهَا أثاثا ومتاعا إِلَى حِين (٨٠) وَالله جعل لكم مِمَّا خلق ظلالا وَجعل لكم من الْجبَال أكنانا وَجعل لكم سرابيل تقيكم الْحر﴾ وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ أَي: لعبرا.

стр. 3074

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله جعل لكم من بُيُوتكُمْ سكنا﴾ أَي: مَوَاضِع تسكنون فِيهَا. وَقَوله: ﴿وَجعل لكم من جُلُود الْأَنْعَام بُيُوتًا﴾ يَعْنِي: الفساطيط والخيم والقباب من الْأدم. وَقَوله: ﴿تستخفونها﴾ يَعْنِي: يخف عَلَيْكُم حملهَا. وَقَوله: ﴿يَوْم ظعنكم﴾ يَعْنِي: يَوْم سفركم. وَقَوله: ﴿وَيَوْم إقامتكم﴾ أَي: حَال إقامتكم. وَقَوله: ﴿وَمن أصوافها وأوبارها وَأَشْعَارهَا﴾ الأصواف للغنم، والأوبار لِلْإِبِلِ، والأشعار للمعز. وَقَوله: ﴿أثاثا﴾ الأثاث: مَتَاع الْبَيْت، وَهُوَ مَا يتأثث بِهِ أَي: ينْتَفع بِهِ، قَالَ الشَّاعِر: (أهاجتك الظعائن يَوْم بانوا ... على الزي الْجَمِيل من الأثاث) وَقيل: الأثاث اللبَاس. وَقَوله: ﴿ومتاعا إِلَى حِين﴾ أَي: مُتْعَة إِلَى حِين آجالكم.

стр. 3075

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله جعل لكم مِمَّا خلق ظلالا﴾ أَي: مَا يظلكم من الشَّمْس من الْأَشْجَار والحيطان والسقوف وَالْجِبَال وَأَشْبَاه ذَلِك. وَقَوله: ﴿وَجعل لكم من الْجبَال أكنانا﴾ أَي: الغيران والأسراب، والأكنان جمع الْكن. وَقَوله: ﴿وَجعل لكم سرابيل﴾ أَي: قمصا، وَقد تكون من الصُّوف، وَقد تكون من الْقطن، وَقد تكون من الْكَتَّان. وَقَوله: ﴿تقيكم الْحر﴾ هَاهُنَا حذف، وَمَعْنَاهُ: تقيكم الْحر وَالْبرد. قَالَ الشَّاعِر: (وَلَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا ... أُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني) قَالَ النّحاس: أُرِيد الْخَيْر وأتقي الشَّرّ؛ لِأَن كل من يُرِيد الْخَيْر فيتقي الشَّرّ، وَقَوله: أَيهمَا يليني أَي: الْخَيْر وَالشَّر.

стр. 3076

﴿وسرابيل تقيكم بأسكم كَذَلِك يتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تسلمون (٨١) فَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ الْمُبين (٨٢) يعْرفُونَ نعمت الله ثمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرهم الْكَافِرُونَ (٨٣) ﴾ وَقَوله: ﴿وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ أَي: الدروع، والبأس هُوَ مَا يَقع بِهِ الْبَأْس، وَهُوَ السِّلَاح. وَقَوله: ﴿كَذَلِك يتم نعْمَته عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: منته عَلَيْكُم. وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تسلمون﴾ أَي: تؤمنون، وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " لَعَلَّكُمْ تسلمون " وَالْقِرَاءَة غَرِيبَة. فَإِن قيل: كَيفَ ذكر هَذِه النعم من الْجبَال والظلال والسرابيل والقمص والأوبار والأصواف، وَللَّه تَعَالَى نعم كَثِيرَة فَوق هَذَا لم يذكرهَا؟ فَمَا معنى تَخْصِيص هَذِه النعم وَترك مَا فَوْقهَا؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْعَرَب كَانُوا أَصْحَاب أنعام، وَكَانُوا أهل جبال، وَكَانَت بِلَادهمْ حارة؛ فَذكر من النعم مَا يَلِيق بحالهم، وَكَانَت هَذِه النعم عِنْدهم فَوق كل نعْمَة؛ فخصها بِالذكر لهَذَا الْمَعْنى، وَعَن قَتَادَة: أَن هَذِه السُّورَة تسمى سُورَة النعم.

стр. 3077

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ الْمُبين﴾ هَذِه تَسْلِيَة للنَّبِي وَمَعْنَاهُ: أَنهم إِن أَعرضُوا فَلَا يلحقك فِي ذَلِك عتب وَلَا سمة تقصيرا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وَقد بلغت.

стр. 3078

قَوْله تَعَالَى: ﴿يعْرفُونَ نعْمَة الله ثمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قَالَ السّديّ: هُوَ مُحَمَّد، وعَلى هَذَا جمَاعَة من أهل التَّفْسِير، وَيُقَال: إِن مَعْنَاهُ الْإِسْلَام. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى الْآيَة: أَنه كَانَ إِذا قيل لَهُم: من أَعْطَاكُم هَذِه النعم؟ فَيَقُولُونَ: الله، فَإِذا قيل لَهُم: فوحدوه؛ فَيَقُولُونَ: أعطينا بشفاعة آلِهَتنَا. وَعَن قَتَادَة: أَنهم يقرونَ أَن النعم من الله، ثمَّ إِذا قيل لَهُم: تصدقوا، وامتثلوا فِيهَا أَمر الله تَعَالَى، قَالُوا: وَرِثْنَاهَا من آبَائِنَا. وَعَن عون بن عبد الله قَالَ: إِنْكَار النِّعْمَة هُوَ أَن يَقُول: لَوْلَا كَذَا لَأُصِبْت كَذَا، وَلَوْلَا فلَان لأصابني كَذَا. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: النعم سِتَّة: مُحَمَّد،

стр. 3079

﴿وَيَوْم نبعث من كل أمة شَهِيدا ثمَّ لَا يُؤذن للَّذين كفرُوا وَلَا هم يستعتبون (٨٤) وَإِذا رأى الَّذين ظلمُوا الْعَذَاب فَلَا يُخَفف عَنْهُم وَلَا هم ينظرُونَ (٨٥) وَإِذا رأى الَّذين أشركوا شركاءهم قَالُوا رَبنَا هَؤُلَاءِ شركاؤنا الَّذين كُنَّا نَدْعُو من دُونك فَألْقوا إِلَيْهِم القَوْل إِنَّكُم لَكَاذِبُونَ (٨٦) وألقوا إِلَى الله يَوْمئِذٍ السّلم وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ وَالْقُرْآن، وَالْإِسْلَام، والعافية، والستر، والاستغناء عَن النَّاس. وَقَوله: ﴿وَأَكْثَرهم الْكَافِرُونَ﴾ يَعْنِي: وَكلهمْ الْكَافِرُونَ؛ لِأَن الْآيَة فِي الْكفَّار.

стр. 3080

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم نبعث من كل أمة شَهِيدا﴾ هَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا﴾ . وَقَوله: (ثمَّ لَا يُؤذن للَّذين كفرُوا) يَعْنِي: فِي الِاعْتِذَار، وَقيل: فِي الْكَلَام أصلا. وَقَوله: ﴿وَلَا هم يستعتبون﴾ يَعْنِي: لَا يردون إِلَى الدُّنْيَا ليتوبوا، وَحَقِيقَة الْمَعْنى فِي الاستعتاب: هُوَ التَّعْرِيض لطلب الرِّضَا، وَهَذَا الْبَاب منسد على الْكفَّار فِي الْآخِرَة.

стр. 3081

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رأى الَّذين ظلمُوا الْعَذَاب﴾ يَعْنِي: جَهَنَّم. وَقَوله: ﴿فَلَا يُخَفف عَنْهُم﴾ أَي: لَا يسهل عَلَيْهِم. وَقَوله: ﴿وَلَا هم ينظرُونَ﴾ أَي: لَا يمهلون.

стр. 3082

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رأى الَّذين أشركوا شركاءهم﴾ هَذَا فِي الْوَقْت الَّذِي يبْعَث الله الْأَصْنَام ويحضرها، فَإِذا رَآهَا الْكفَّار ﴿قَالُوا رَبنَا هَؤُلَاءِ شركاؤنا الَّذين كُنَّا ندعوا من دُونك﴾ . وَقَوله: ﴿فَألْقوا إِلَيْهِم القَوْل إِنَّكُم لَكَاذِبُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: الْأَظْهر أَن هَذَا قَول الْأَصْنَام يَقُولُونَ للْمُشْرِكين: إِنَّكُم لَكَاذِبُونَ، يَعْنِي: فِي أَنا دعوناكم إِلَى عبادتنا، أَو فِي قَوْلكُم: إِن هَؤُلَاءِ آلِهَة، أَو فِي قَوْلكُم: إِنَّا نستحق الْعِبَادَة. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْمَلَائِكَة يَقُولُونَ: إِنَّكُم لَكَاذِبُونَ.

стр. 3083

قَوْله تَعَالَى: ﴿وألقوا إِلَى الله يَوْمئِذٍ السّلم﴾ أَي: استسلم العابد والمعبود لله

стр. 3084

( ﴿٨٧) الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله زدناهم عذَابا فَوق الْعَذَاب بِمَا كَانُوا يفسدون (٨٨) وَيَوْم نبعث فِي كل أمة شَهِيدا عَلَيْهِم من أنفسهم وَجِئْنَا بك شَهِيدا على هَؤُلَاءِ ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة وبشرى للْمُسلمين (٨٩) إِن﴾ تَعَالَى. وَقَوله: ﴿وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: بَطل عَنْهُم مَا كَانُوا يكذبُون، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنه فَاتَ عَنْهُم مَا زعموه؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِرْيَة وكذبا.

стр. 3085

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله﴾ يَعْنِي: منعُوا النَّاس من طَرِيق الْحق. وَقَوله: ﴿زدناهم عذَابا فَوق الْعَذَاب﴾ روى مَسْرُوق عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: عقارب كالبغال، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ: أفاعي كالفيلة، وعقارب كالنخيل الطوَال، وَعَن أبي الزَّاهِرِيَّة قَالَ: [مَا] من عَذَاب يعرفهُ النَّاس، أَو لَا يعرفونه إِلَّا ويعذب الله بِهِ أهل النَّار. وَرُوِيَ أَنهم يهربون من النَّار، فَيخْرجُونَ إِلَى زمهرير فِي جَهَنَّم، هُوَ أَشد عَلَيْهِم من النَّار؛ فيعودون إِلَى النَّار مستغيثين بهَا، وَقَوله: ﴿بِمَا كَانُوا يفسدون﴾ أَي: [يشركُونَ] .
следующие страницы →