Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط﴾ مَعْنَاهُ: ذَوَات الْقسْط، والقسط، الْعدْل، وَفِي الْمَشْهُور فِي الْأَخْبَار: أَن الْمِيزَان لَهُ لِسَان وكفتان، وَفِي بعض الْمَأْثُور: أَن دَاوُد ﵇ قَالَ: يَا رب: أَرِنِي الْمِيزَان الَّذِي يُوزن بِهِ أَعمال الْعباد، فَأرَاهُ إِيَّاه،
стр. 3677
﴿الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَتَيْنَا بهَا﴾ وكل كفة مِنْهُ مثل مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، فَقَالَ: يَا رب: وَمن يمْلَأ هَذَا من الْحَسَنَات؟ فَقَالَ: باداود، إِذا رضيت عَن عَبدِي ملأته بكسرة أَو تَمْرَة وَالله أعلم.
وَأما كَيْفيَّة الْوَزْن فقد قَالَ بَعضهم إِنَّه يُوزن الْحَسَنَات والسيئات، وَقيل: يُوزن خَوَاتِيم الْأَعْمَال، وَقَالَ بَعضهم: الْمِيزَان عَلامَة يعرف بهَا مقادير اسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَالصَّحِيح هُوَ الْمِيزَان حَقِيقَة، فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ فَكيف التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ أَي: لَا يَسْتَقِيم وزنهم على الْحق، فَإِن ميزانهم شائل نَاقص خَفِيف، وَيُقَال: ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ أَي: ثَوابًا، قَالَ بعض الْخَوَارِج فِي ضَرْبَة ابْن ملجم لعَلي ﵁: -
(يَا ضَرْبَة من تقى مَا أَرَادَ بهَا ... إِلَّا ليدرك من ذِي الْعَرْش رضوانا)
(إِنِّي لأذكر يَوْمًا فأحسبه ... أوفى الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا)
أَي ثَوابًا، وَنحن نبرأ من معنى هَذَا الشّعْر وَمن قَائِله.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا تظلم نفس شَيْئا﴾ أَي: [لَا] يُزَاد فِي سيئاته، وَلَا ينقص من حَسَنَاته.
وَقَوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل﴾ أَي: زنة حَبَّة خَرْدَل.
وَقَول: ﴿أَتَيْنَا بهَا﴾ أَي: أحضرناها؛ لنجازى عَلَيْهَا.
وقرىء فِي الشاذ: " آتَيْنَا بهَا " بِمد الْألف، من الإيتاء أَي: جازينا بهَا أَو أعطينا بهَا.
وَقَوله: ﴿وَكفى بِنَا حاسبين﴾ أَي: محاسبين، وَقيل: حافظين عَالمين، وَقيل: محصين.
стр. 3678
﴿وَكفى بِنَا حاسبين (٤٧) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفرْقَان وضياء وذكرا لِلْمُتقين (٤٨) الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالْغَيْبِ وهم من السَّاعَة مشفقون (٤٩) وَهَذَا ذكر مبارك أَنزَلْنَاهُ أفأنتم لَهُ منكرون (٥٠) وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل وَكُنَّا بِهِ عَالمين (٥١) إِذْ قَالَ﴾
стр. 3679
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفرْقَان﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه التَّوْرَاة، وَالْآخر: أَنه الْبُرْهَان الَّذِي فرق بِهِ بَين حق مُوسَى وباطل فِرْعَوْن.
وَقَوله: ﴿وضياء﴾ وقرىء بِغَيْر الْوَاو، فَأَما بِالْوَاو فَهُوَ صفة أُخْرَى للتوراة، إِذا حملنَا الْفرْقَان على التَّوْرَاة، وَإِن حملناه على الْبُرْهَان، فَمَعْنَاه: أعطيناه الْبُرْهَان، وأعطيناه التَّوْرَاة الَّتِي هِيَ ضِيَاء، فَأَما بِغَيْر الْوَاو فَمَعْنَى الْفرْقَان على هَذَا لَيْسَ إِلَّا التَّوْرَاة، وَقَوله: ﴿وضياء﴾ صفة لَهَا.
وَقَوله: ﴿وذكرا لِلْمُتقين﴾ أَي: تذكيرا لِلْمُتقين.
стр. 3680
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالْغَيْبِ﴾ إِنَّمَا قَالَ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ ؛ لِأَن الْمُؤمنِينَ يخشونه وَلَا يرونه، فَأَما هُوَ يراهم وَلَيْسوا بِغَيْب عَنهُ. وَقَوله: ﴿وهم من السَّاعَة مشفقون﴾ أَي: خائفون.
стр. 3681
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهَذَا ذكر مبارك أَنزَلْنَاهُ﴾ قد بَينا معنى الْمُبَارك، وَقيل: يتبرك بِهِ أَي: يطْلب مِنْهُ الْخَيْر.
وَقَوله: ﴿أفأنتم لَهُ منكرون﴾ مَذْكُور على وَجه التوبيخ والذم لإنكارهم.
стр. 3682
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل﴾ فِي الرشد قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْهِدَايَة، وَالْآخر: أَنه النُّبُوَّة.
وَقَوله: ﴿من قبل﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: من قبل الْبلُوغ، وَهُوَ حِين خرج من السرب، وَهُوَ صَغِير، وَنظر إِلَى النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر فاستدل، كَمَا ذكرنَا فِي سُورَة الْأَنْعَام، وَالْقَوْل الثَّانِي: من قبل أَي: من قبل مُوسَى وَهَارُون.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالمين﴾ أَي: عارفين.
стр. 3683
﴿لِأَبِيهِ وَقَومه مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون (٥٢) قَالُوا وجدنَا آبَاءَنَا لَهَا عابدين (٥٣) قَالَ لقد كُنْتُم أَنْتُم وآباؤكم فِي ضلال مُبين (٥٤) قَالُوا أجئتنا بِالْحَقِّ أم أَنْت من اللاعبين (٥٥) قَالَ بل ربكُم رب السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّذِي فطرهن وَأَنا على ذَلِكُم من الشَّاهِدين (٥٦) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أَن توَلّوا مُدبرين (٥٧) فجعلهم جذاذا﴾
стр. 3684
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَومه مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون﴾ أَي: الْأَصْنَام الَّتِي أَنْتُم عَلَيْهَا مقيمون لِلْعِبَادَةِ.
стр. 3685
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا وجدنَا آبَاءَنَا لَهَا عابدين﴾ مَعْنَاهُ: وجدناهم كَذَلِك فاتبعناهم.
стр. 3686
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لقد كُنْتُم أَنْتُم وآباؤكم فِي ضلال مُبين﴾ أَي: فِي خطأ بَين، والبين الْوَاضِح، والمبين الموضح.
стр. 3687
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أجئتنا بِالْحَقِّ أم أَنْت من اللاعبين﴾ أَي: بِالصّدقِ وَالْجد، أم أَنْت من الهازئين؟
стр. 3688
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بل ربكُم رب السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّذِي فطرهن﴾ أَي: خَلقهنَّ.
وَقَوله: ﴿وَأَنا على ذَلِكُم من الشَّاهِدين﴾ أَي: على أَنه الْإِلَه الَّذِي لَا يسْتَحق الْعِبَادَة غَيره، وَأَن الْأَصْنَام لَيست بآلهة، وَقيل: وَأَنا من الشَّاهِدين على أَنه خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض.
стр. 3689
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ الكيد: إِيصَال ضرّ بِالْغَيْر بِضَرْب من التَّدْبِير، وَقيل: الكيد شبه الْمُحَاربَة.
وَفِي مغازي الرَّسُول غزا مَوضِع كَذَا، فَلم يلق كيدا، أَي: حَربًا.
وَقَوله: ﴿بعد أَن توَلّوا مُدبرين﴾ أَي: بعد أَن تدبروا منطلقين إِلَى عيدكم، فَإِن قيل: كَيفَ يتَصَوَّر كيد الْأَصْنَام، وَهِي لَا تعقل؟ قُلْنَا: سنبين وَجه كَيده لَهَا.
стр. 3690
قَوْله: ﴿فجعلهم جذاذا﴾ قرىء: " جذاذا " و " جذاذا " وَفِي الشاذ " جذاذا "، فَقَوله: " جذاذا " بِالرَّفْع هُوَ مثل الحطام والرفات، وَقَوله: " جذاذا " بِالْكَسْرِ فَهُوَ جمع
стр. 3691
﴿إِلَّا كَبِيرا لَهُم لَعَلَّهُم إِلَيْهِ يرجعُونَ (٥٨) قَالُوا من فعل هَذَا بآلهتنا إِنَّه لمن الظَّالِمين﴾ الجذيذ، مثل الْخَفِيف والخفاف، وَمَعْنَاهُ: أَنه قطعهَا وَكسرهَا، أَي: جعلهَا قِطْعَة قِطْعَة، وكسرة كسرة.
وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لما مروا إِلَى عيدهم قَالُوا لَهُ: أَلا تخرج مَعنا؟ فَقَالَ: لَا، إِنِّي سقيم، وَمَعْنَاهُ: مَا برد بعد، ثمَّ قَالَ فِي نَفسه: تالله لأكيدن أصنامكم، فَسَمعهُ رجل مِنْهُم، ومروا وَلم يبْق فِي الْبَلَد أحد، فجَاء إِلَى بَيت أصنامهم، وَمَعَهُ فأس، وَكَانَ فِي الْبَيْت اثْنَان وَسَبْعُونَ صنما، بَعْضهَا من حجر، وَبَعضهَا من فضَّة، وَبَعضهَا من ذهب، وَغير ذَلِك، والصنم الْكَبِير من الذَّهَب، وَهُوَ مكلل بالجوهر، وَعَيناهُ ياقوتتان تتقدان، وَهُوَ على هَيْئَة عَظِيمَة، فَأخذ الفأس، وَكسر الْكل إِلَّا الْكَبِير، فَإِنَّهُ تَركه وعلق الفأس فِي عُنُقه، وَقيل: ربطه بِيَدِهِ، فَهَذَا هُوَ كيد الْأَصْنَام، وَمَعْنَاهُ: [أَنه] كادهم على مَا يَعْتَقِدُونَ فيهم، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فجعلهم جذاذا إِلَّا كَبِيرا لَهُم﴾ ، وأنشدوا فِي الْجذاذ شعرًا:
(جذذ الْأَصْنَام فِي مِحْرَابهَا ... ذَاك فِي الله الْعلي المقتدر)
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم إِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لَعَلَّهُم عِنْده يرجعُونَ من الشّرك أَي: عِنْد هَذَا الْفِعْل، وَالْقَوْل الثَّانِي: لَعَلَّهُم إِلَى الْكَبِير يرجعُونَ، وَمَعْنَاهُ: أَنهم إِذا رَأَوْا أَمْثَال الصَّنَم الْكَبِير مقطعَة مكسرة، وَعرفُوا أَنه مثلهم، وَلم يكن عِنْدهم دفع، عرفُوا أَنه لَا دفع عِنْده أَيْضا، وَأما قَول من قَالَ: إِن معنى الْآيَة: ﴿لَعَلَّهُم إِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ : أَن الْكَبِير هُوَ الَّذِي فعل بهم ذَلِك حمية وأنفة، فَهُوَ قَول بَاطِل؛ لِأَنَّهُ لَا يدْخل فِي عقل أحد أَن الصَّنَم الْكَبِير يكسر الْأَصْنَام الصَّغِيرَة، وَإِنَّمَا علق الفأس فِي عنق الْكَبِير تعييرا لَهُم وتبكيتا، وَقيل: على طَرِيق إِلْزَام الْحجَّة، فَإِن اعْتِقَادهم يُوجب هَذَا، وَهُوَ أَن الْكَبِير لَا يرضى بالأصنام الصغار مَعَ هُوَ لَو كَانُوا يعْقلُونَ.
стр. 3692
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا من فعل هَذَا بآلهتنا﴾ فِيهِ تَقْدِير، وَهُوَ أَنهم رجعُوا ودخلوا على الْأَصْنَام، فَلَمَّا رأوها قَالُوا كَذَلِك.
стр. 3693
( ﴿٥٩) قَالُوا سمعنَا فَتى يذكرهم يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم (٦٠) قَالُوا فَأتوا بِهِ على أعين النَّاس لَعَلَّهُم يشْهدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْت فعلت هَذَا بآلهتنا يَا إِبْرَاهِيم (٦٢) قَالَ بل فعله﴾
وَقَوله: ﴿إِنَّه لمن الظَّالِمين﴾ أَي: من الْمُجْرمين.
стр. 3694
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سمعنَا فَتى﴾ أَي: شَابًّا ﴿يذكرهم﴾ أَي: يعيبهم، وَفِي الْقِصَّة: أَن ذَلِك الرجل الَّذِي سمع مِنْهُ ذكر كيد الْأَصْنَام قَالَ هَذَا.
وَقَوله: ﴿يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم﴾ مَعْلُوم.
стр. 3695
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا فَأتوا بِهِ على أعين النَّاس﴾ فِي الْقِصَّة: أَن الْملك - وَهُوَ نمروذ - قَالَ هَذَا القَوْل، وَمَعْنَاهُ: جيئوا بِهِ على مشْهد النَّاس.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يشْهدُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم يشْهدُونَ عَذَابه إِذا عذبناه، وَالْقَوْل الآخر: لَعَلَّهُم يشْهدُونَ أَي: يسمعُونَ قَول الرجل أَنه قَالَ كَذَا فِي الْأَصْنَام، قَالَ السّديّ: كره الْملك أَن يُعَاقِبهُ بِغَيْر بَيِّنَة.
стр. 3696
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَأَنْت فعلت هَذَا بآلهتنا يَا إِبْرَاهِيم﴾ طلبُوا مِنْهُ الْإِقْرَار وَالِاعْتِرَاف بِمَا فعل.
стр. 3697
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا﴾ اعْلَم أَنه قد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " إِبْرَاهِيم كذب ثَلَاث كذبات " - وَفِي رِوَايَة: " فِي الله " - قَوْله: ﴿بل فعله كَبِيرهمْ﴾ ، وَقَوله: ﴿إِنِّي سقيم﴾ ، وَقَوله لسارة: هَذِه أُخْتِي ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عَليّ الشَّافِعِي قَالَ أَبُو الْحسن بن [فراس] ، قَالَ: نَا أَبُو جَعْفَر الديبلي، قَالَ: نَا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، قَالَ: نَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن أبي الزِّنَاد. . الحَدِيث.
стр. 3698
﴿كَبِيرهمْ هَذَا فاسألوهم إِن كَانُوا ينطقون (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أنفسهم فَقَالُوا إِنَّكُم أَنْتُم الظَّالِمُونَ (٦٤) ثمَّ نكسوا على رُءُوسهم لقد علمت مَا هَؤُلَاءِ ينطقون (٦٥) قَالَ أفتعبدون من دون الله مَا لَا ينفعكم شَيْئا وَلَا يضركم (٦٦) أُفٍّ لكم وَلما تَعْبدُونَ من﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: قَالَ إِبْرَاهِيم مَا قَالَ بِإِذن الله تَعَالَى لقصد الصّلاح، وَهُوَ مثل مَا أذن ليوسف أَن يَقُول للإخوة: " أيتها العير إِنَّكُم لسارقون، وَقَالَ بَعضهم، هُوَ قَول يُخَالف لَفظه مَعْنَاهُ، وَلكُل تَأْوِيل، أما قَوْله: ﴿بل فعله كَبِيرهمْ﴾ أَي: على زعمكم واعتقادكم، وَهُوَ على وَجه إِلْزَام الْحجَّة، كَمَا بَينا على تَحْقِيق الْخَبَر، وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا ﴿فَسَأَلُوهُمْ إِن كَانُوا ينطقون﴾ ، قَالَه على سَبِيل الشَّرْط، قَالَ النّحاس: وَفِي هَذَا التَّأْوِيل بعد، وَهُوَ مُخَالف للْأَخْبَار الثَّابِتَة، وَأما قَوْله: ﴿إِنِّي سقيم﴾ أَي: سأسقم وَقيل مَعْنَاهُ: سقيم أَي: مُغْتَم بضلالتكم، فَكَأَنَّهُ سقيم الْقلب بذلك، وَأما قَوْله لسارة: هَذِه أُخْتِي أَي: أُخْتِي فِي الدّين، وَالْأولَى مَا ذَكرْنَاهُ من الْمَعْنى الأول، وَهُوَ قَول أهل السّنة، وَهُوَ أَن الله تَعَالَى أذن لَهُ فِيهِ.
стр. 3699
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أنفسهم فَقَالُوا إِنَّكُم أَنْتُم الظَّالِمُونَ﴾ مَعْنَاهُ: رجعُوا إِلَى فكرهم وعقولهم فَقَالُوا: إِنَّكُم أَنْتُم الظَّالِمُونَ يَعْنِي: بعبادتكم مَا لَا يدْفع عَن نَفسه شَيْئا.
стр. 3700
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ نكسوا على رُءُوسهم﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: أجْرى الله تَعَالَى حَقًا على لسانهم فِي القَوْل الأول، ثمَّ أدركتهم الشقاوة، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ثمَّ نكسوا على رُءُوسهم﴾ وَمَعْنَاهُ: رجعُوا إِلَى شركهم، وَيُقَال: نكس الْمَرِيض إِذا رَجَعَ إِلَى حَاله الأول، وَقيل: نكسوا على رُءُوسهم أَي: رجعُوا، وَمَعْنَاهُ: إِلَى الِاحْتِجَاج عَن الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿لقد علمت مَا هَؤُلَاءِ ينطقون﴾ وَمَعْنَاهُ: فَكيف نسألهم؟ .
стр. 3701
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أفتعبدون من دون الله مَا لَا ينفعكم شَيْئا وَلَا يضركم﴾ مَعْنَاهُ: لَا ينفعكم إِن عبدتموه، وَلَا يضركم إِن تركْتُم عِبَادَته.
стр. 3702
وَقَوله: ﴿أُفٍّ لكم﴾ أَي: نَتنًا وقذرا لكم. وَقَوله: ﴿وَلما تعبدو من دون الله﴾
стр. 3703
﴿دون الله أَفلا تعقلون (٦٧) قَالُوا حرقوه وانصروا آلِهَتكُم إِن كُنْتُم فاعلين (٦٨) قُلْنَا يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم (٦٩) ﴾ أَي: الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿أَفلا تعقلون﴾ أَي: أَلَيْسَ لكم عقل تعرفُون هَذَا؟ .
стр. 3704
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا حرقوه وانصروا آلِهَتكُم﴾ التحريق هُوَ التقطيع بالنَّار، وَاخْتلفُوا أَن الْقَائِل لقَوْله: ﴿حرقوه﴾ من كَانَ؟ فَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: هُوَ رجل من أكراد فَارس، وَقَالَ غَيره: هُوَ نمروذ الْجَبَّار، وَعَن بَعضهم: أَنه رجل يُقَال لَهُ: (هيرون) خسف الله بِهِ الأَرْض، فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وانصروا آلِهَتكُم﴾ قَالَ الْأَزْهَرِي مَعْنَاهُ: عظموا آلِهَتكُم بإحراقه، وَقيل: وادفعوا عَن آلِهَتكُم.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم فاعلين﴾ يَعْنِي: إِن كُنْتُم ناصرين لَهَا أَي: للآلهة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنهم بنوا أتونا بقرية من قرى كوثى، وجمعوا الأحطاب مُدَّة. وَعَن السّديّ قَالَ: كَانَ الرجل مِنْهُم يمرض فيوصي بشرَاء الْحَطب وإلقائه فِيهِ، وَالْمَرْأَة تغزل فتشتري الْحَطب بغزلها فتلقيه فِيهِ، ثمَّ أوقدوا عَلَيْهَا سَبْعَة أَيَّام، ثمَّ ألقوا فِيهَا إِبْرَاهِيم. وَرُوِيَ أَنهم لم يعلمُوا كَيفَ يلقونه فِيهَا؟ فجَاء إِبْلِيس - عَلَيْهِ مَا يسْتَحق - وعلمهم عمل المنجنيق، فوضعوه فِيهِ، وطرحوه فِي النَّار.
وَعَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: لما طرح إِبْرَاهِيم فِي النَّار ضجت الخليقة، وَقَالَت: يَا رب، إِن خَلِيلك يلقى فِي النَّار، فَقَالَ الله تَعَالَى: إِنَّه خليلي، لَيْسَ لي خَلِيل غَيره، وَأَنا إلهه، لَيْسَ لَهُ إِلَه غَيْرِي، فَإِن اسْتَغَاثَ بكم فأغيثوه، فَلم يستغث بِأحد. وَمن الْمَعْرُوف أَنه قَالَ حِين ألقِي فِي النَّار: حسبي الله وَنعم الْوَكِيل. وَرُوِيَ أَنه قَالَ: سُبْحَانَكَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت رب الْعَالمين، وَلَك الْحَمد لَا شريك لَك. وَعَن كَعْب الْأَحْبَار
стр. 3705
وَقَتَادَة أَنَّهُمَا قَالَا: جعل كل شَيْء يطفيء عَنهُ النَّار إِلَّا الوزغة، فَإِنَّهُ جعل ينْفخ فِي النَّار، فَأمر الرَّسُول بقتْله.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " من قتل وزغا فَكَأَنَّمَا قتل كَافِرًا ".
стр. 3706
وَقَوله: ﴿قُلْنَا يَا نَار كوني بردا﴾ أَي: ذَات برد، قَالَ أهل الْمعَانِي: يحْتَمل أَنه خلق بردا فِي النَّار بدل الْحر، وَيحْتَمل أَنه أحَال بَين النَّار وَبَين إِبْرَاهِيم.
وَقَوله ﴿وَسلَامًا﴾ (رُوِيَ) عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: لَو لم يقل: ﴿وَسلَامًا﴾ لقتلته الْبرد وَمثله عَن كَعْب.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: لم تحرق مِنْهُ إِلَّا وثَاقه.
وَمن الْمَعْرُوف فِي الْآثَار: أَنه لم ينْتَفع فِي ذَلِك الْيَوْم بِنَار فِي الْعَالم.
وَقَوله: ﴿على إِبْرَاهِيم﴾ لَو لم يقل: ﴿على إِبْرَاهِيم﴾ بقيت ذَات برد أبدا، وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لما طرحوه فِي النَّار، وَجعلهَا الله عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا، قَالَ نمروذ وَأَصْحَابه: إِنَّه قد سحر النَّار، فَقَالَ أَبُو لوط - وَكَانَ كَافِرًا - اطرحوا فِيهِ رجلا آخر وجربوه، فطرحوا فِيهَا رجلا آخر فأكلته النَّار فِي الْحَال.
وَفِي بعض الغرائب من المسانيد عَن النَّبِي: " أَنه لما طرح إِبْرَاهِيم فِي النَّار بعث الله جِبْرِيل إِلَيْهِ، وَبعث مَعَه بطنفسة من طنافس الْجنَّة، وقميص من قمص الْجنَّة، فأقعده على الطفنسة، وَألبسهُ الْقَمِيص وَقعد مَعَه يحدثه ". وَرُوِيَ: " أَنهم نظرُوا فَإِذا هُوَ فِي رَوْضَة تهتز ".
стр. 3707
﴿وَأَرَادُوا بِهِ كيدا فجعلناهم الأخسرين (٧٠) ونجيناه ولوطا إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا للْعَالمين (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب نَافِلَة وكلا جعلنَا صالحين (٧٢) وجعلناها أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَكَانُوا لنا﴾
стр. 3708
وَقَوله ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾ فَمَعْنَى الأخسرين هَا هُنَا: أَنهم خسروا السَّعْي وَالنَّفقَة، وَلم يحصل لَهُم مُرَادهم، وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: أَن الله تَعَالَى أرسل على نمروذ وَقَومه البعوض، فَأكلت لحومهم، وشربت دِمَاءَهُمْ، وَدخلت بعوضة فِي رَأس نمروذ حَتَّى أهلكته، ذكره مقَاتل وَغَيره.
стр. 3709
قَوْله تَعَالَى: ﴿ونجيناه ولوطا إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا للْعَالمين﴾ يَعْنِي: الشَّام، وبركتها كَثْرَة مياهها وأشجارها، وَعُمُوم الخصب بهَا، حَتَّى يعِيش فِيهَا الْفَقِير والغني بعيش طيب، وَيُقَال: بركتها كَثْرَة الْأَنْبِيَاء بهَا، وَفِي الْآيَة قَول آخر: هُوَ أَن المُرَاد من الأَرْض الَّتِي بَارك فِيهَا هِيَ مَكَّة، وَقيل: مصر، وَالأَصَح هُوَ الأول؛ لِأَنَّهُ مَشْهُور أَنه خرج وَامْرَأَته - يَعْنِي: إِبْرَاهِيم - إِلَى حران، ثمَّ من حران إِلَى الشَّام، وَأما لوط فَإِنَّهُ ابْن أخي إِبْرَاهِيم، وَكَانَ خرج مَعَه.
стр. 3710
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب نَافِلَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: النَّافِلَة هُوَ يَعْقُوب، وَأما إِسْحَاق فَلَيْسَ بنافلة؛ لِأَن الله تَعَالَى أعطَاهُ إِسْحَاق بدعائه، وَإِنَّمَا زَاد يَعْقُوب على مَا دَعَا، والنافلة هِيَ الزِّيَادَة، وَقَالَ مُجَاهِد: كِلَاهُمَا نَافِلَة، وَالأَصَح هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿وكلا جعلنَا صالحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 3711
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا﴾ يَعْنِي: يرشدون بأمرنا.
وَقَوله: ﴿وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات﴾ مَعْنَاهُ: الْعَمَل بالشرائع.
وَقَوله: ﴿وإقام الصَّلَاة﴾ أَي: الْمُحَافظَة عَلَيْهَا.
﴿وإيتاء الزَّكَاة﴾ مَعْنَاهُ: وَإِعْطَاء الزَّكَاة.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا لنا عابدين﴾ أَي: مُوَحِّدين.
стр. 3712
﴿عابدين (٧٣) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فاسقين (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتنَا إِنَّه من الصَّالِحين (٧٥) ونوحا إِذْ نَادَى من قبل فاستجبنا لَهُ فنجيناه وَأَهله من الكرب الْعَظِيم (٧٦) ونصرناه من الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ﴾
стр. 3713
قَوْله تَعَالَى: ﴿ولوطا آتيناه حكما وعلما﴾
وَقَوله: ﴿ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث﴾ الْقرْيَة: هِيَ سدوم، وَأما الْخَبَائِث قيل: إتيانهم الذُّكُور، وَيُقَال هُوَ: [التضارط] فِي الأندية.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فاسقين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 3714
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتنَا إِنَّه من الصَّالِحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 3715
قَوْله تَعَالَى: ﴿ونوحا إِذْ نَادَى من قبل﴾ نداؤه هُوَ قَوْله: ﴿أَنِّي مغلوب فانتصر﴾ ، (وَقيل هُوَ قَوْله:) ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ .
وَقَوله: ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أَي: أجبناه.
وَقَوله: ﴿فنجيناه وَقَومه من الكرب الْعَظِيم﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ أطول الْأَنْبِيَاء عمرا، وَأَشد الْأَنْبِيَاء بلَاء، وَرُوِيَ أَنه كَانَ يضْرب فِي الْيَوْم سبعين مرّة.
وَقَوله: ﴿من الكرب الْعَظِيم﴾ أَي: من الْغَرق، وَقيل: من الْغم والضيق.
следующие страницы →