← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

قَوْله تَعَالَى: ﴿وتقطعوا أَمرهم بَينهم﴾ أَي: دَعَوْت الْخلق إِلَى دين وَاحِد فَتَفَرَّقُوا، وَيُقَال: صَارُوا قطعا مُتَفَرّقين. وَقَوله: ﴿كل إِلَيْنَا رَاجِعُون﴾ أَي: من تفرق، وَمن لم يتفرق.

стр. 3747

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا كفران لسعيه﴾ أَي: لَا جحود لسعيه، وَقيل: لَا يخيب سَعْيه بل يجازى عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كاتبون﴾ أَي: حافظون، وَيُقَال: إِن معنى الشُّكْر من الله هُوَ المجازاة.

стр. 3748

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحرَام على قَرْيَة﴾ وقرىء: " وَحرم " قَالَ ابْن عَبَّاس معنى قَوْله ﴿حرَام﴾ أَي: وَاجِب، قَالَ الشَّاعِر: (وَإِن حَرَامًا لَا أرى الدَّهْر باكيا ... على (شجوة) إِلَّا بَكَيْت على (عَمْرو)) أَي: وَاجِبا، فَمَعْنَى الْآيَة على هَذَا: أَنه وَاجِب على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ إِلَى الدُّنْيَا، فَإِن قيل: كَيفَ يُوجب عَلَيْهِم أَن لَا يرجِعوا وَلَيْسوا بِمحل الْإِيجَاب وَلَا الْإِبَاحَة [وَلَا] غَيره؟ .

стр. 3749

﴿يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ (٩٦) واقترب الْوَعْد الْحق فَإِذا هِيَ﴾ وَالْجَوَاب: أَن هَذَا على توسع الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: أَنا نمنعهم من الرُّجُوع، وَالتَّحْرِيم فِي اللُّغَة هُوَ الْمَنْع. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن " لَا " صلَة، قَالَه أَبُو عبيد، فَمَعْنَاه: حرَام على قَرْيَة أهلكناها أَي: يرجعُونَ، وَقَالَ الزّجاج: قَوْله: ﴿وَحرَام على قَرْيَة﴾ مَعْنَاهُ: وَحرَام على أهل قَرْيَة ﴿أهلكناها﴾ ، أَي: حكمنَا بهلاكها أَن يتَقَبَّل أَعْمَالهم؛ ل ﴿أَنهم لَا يرجعُونَ﴾ أَي: لَا يتولون، قَالَ وَالدَّلِيل على هَذَا الْمَعْنى أَنه قد قَالَ فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا: ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا كفران لسعيه﴾ أَي: يتَقَبَّل عمله، ثمَّ ذكر عقبه هَذِه الْآيَة، وَبَين أَن الْكَافِر لَا يتَقَبَّل عمله.

стр. 3750

قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا فتحت﴾ قرىء بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، وَمعنى التَّشْدِيد على الْجمع، وَمعنى التَّخْفِيف على الوحدان. وَقَوله: ﴿يَأْجُوج وَمَأْجُوج﴾ قد بَينا، وَالْفَتْح للسد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ، وَيُقَال: إِن الْخلق عشرَة أَجزَاء، تِسْعَة أَجزَاء كلهم يَأْجُوج وَمَأْجُوج، وجزء وَاحِد هم سَائِر الْخلق، وَيُقَال: إِن جُزْءا من ألف جُزْء سَائِر الْخلق، وَالْبَاقِي هم يَأْجُوج وَمَأْجُوج. قَوْله: ﴿وهم من كل حدب يَنْسلونَ﴾ الحدب: الْمَكَان الْمُرْتَفع، فَمَعْنَاه: يسرعون النُّزُول من الآكام، وَهُوَ مَكَان مُرْتَفع من القلاع، ونسلان الذِّئْب: سرعَة مَشْيه، قَالَ الشَّاعِر: (نسلان الذَّنب أَمْسَى باديا ... برد اللَّيْل عَلَيْهِ فينسل) وَقيل: من كل حدب أَي: من كل جَانب، فَإِن قيل: مَا معنى ﴿حَتَّى﴾ فِي أول الْآيَة؟ وَأَيْنَ جَوَابه:؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا فتحت يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ اقْترب الْوَعْد الْحق، وَالْوَاو مقحمة، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

стр. 3751

﴿شاخصة أبصار الَّذين كفرُوا يَا ويلنا قد كُنَّا فِي غَفلَة من هَذَا بل كُنَّا ظالمين (٩٧) إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا﴾ (فَلَمَّا أجزنا ساحة الْحَيّ وانتحى ... بِنَا بطن خبت ذِي حقاف عقنقل) وَالْوَاو فِي قَوْله: وانتحى مقحمة. وَالثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿حَتَّى إِذا فتحت يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ﴾ قَالُوا ﴿يَا ويلنا﴾ وَيُقَال: ظهر لَهُم صدق مَا قُلْنَاهُ، وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود: " أَن النَّبِي لَيْلَة أسرِي بِهِ اجْتمع مَعَ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى - صلوَات الله عَلَيْهِم - فَذكرُوا أَمر السَّاعَة، فبدءوا بإبراهيم وسألوه عَنْهَا، فَقَالَ: لَا علم لي بهَا، ثمَّ ذكرُوا لمُوسَى فَقَالَ: لَا علم لي بهَا، ثمَّ ذكرُوا لعيسى فَقَالَ عِيسَى: إِن الله تَعَالَى عهد إِلَيّ أَنَّهَا دون وحيها وَلَا يعلم وحيها، إِلَّا الله، ثمَّ قَالَ عِيسَى: إِن الله يهبطني إِلَى الأَرْض فأقتل الدَّجَّال ". ورد الْخَبَر " أَن يَأْجُوج وَمَأْجُوج قد خَرجُوا فيغلبون على الأَرْض، ثمَّ إِن الْمُسلمين يجأرون إِلَى الله، فَيُرْسل الله النغف فِي رقابهم فيهلكون، وَقد تنتن الأَرْض؛ فَيُرْسل الله طيرا كأعناق البخت، فتأخذهم وتلقيهم فِي الْبَحْر ". وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: إِن النَّاس يحجون ويعتمرون بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهلاكهم.

стр. 3752

قَوْله تَعَالَى: ﴿واقترب الْوَعْد الْحق﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿فَإِذا هِيَ شاخصة أبصار الَّذين كفرُوا﴾ أَي: منزعجة.

стр. 3753

﴿وردوها وكل فِيهَا خَالدُونَ (٩٩) لَهُم فِيهَا زفير وهم فِيهَا لَا يسمعُونَ (١٠٠) ﴾ وَقَوله: ﴿يَا ويلنا قد كُنَّا فِي غَفلَة من هَذَا بل كُنَّا ظالمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3754

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ قَرَأَ عَليّ ﵁ " حطب جَهَنَّم "، وَقَرَأَ الجحدري: " حصب جَهَنَّم "، وَفِي الشاذ أَيْضا: " حضب جَهَنَّم " بالضاد الْمُعْجَمَة متحركة، وَأما الْمَعْرُوفَة ﴿حصب جَهَنَّم﴾ وَهُوَ مَا يرْمى بِهِ فِي النَّار، وَأما قَوْله: ﴿وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله﴾ ، " رُوِيَ أَن النَّبِي لما قَرَأَ هَذِه الْآيَة على الْكفَّار، قَالَ عبد الله بن الزبعري: خصمت مُحَمَّدًا وَرب الْكَعْبَة، ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، أتزعم أَن مَا يعبد من دون الله يدْخلُونَ النَّار؟ قَالَ: نعم - والورود هَاهُنَا: الدُّخُول - قَالَ عبد الله بن الزبعري: فعيسى وعزير وَالْمَلَائِكَة يعْبدُونَ من دون الله، أفهم مَعنا فِي النَّار؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ ، وَأنزل الله أَيْضا فِي عبد الله بن الزبعري: ﴿مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ " يَعْنِي: أَنهم قَالُوا مَا قَالُوا خُصُومَة ومجادلة بِالْبَاطِلِ، وَإِلَّا قد عرفُوا أَن المُرَاد هم الْأَصْنَام. وَزعم قطرب وَجَمَاعَة من النَّحْوِيين أَن الْآيَة مَا تناولت إِلَّا الْأَصْنَام من حَيْثُ الْعَرَبيَّة؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله﴾ وَهَذَا يُقَال فِيمَا لَا يعقل، فَأَما فِيمَن يعقل فَيُقَال: وَمن تبعدون من دون الله.

стр. 3755

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها﴾ أَي: مَا دخلوها. وَقَوله: ﴿وكل فِيهَا خَالدُونَ﴾ أَي: مقيمون.

стр. 3756

﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون (١٠١) لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا وهم فِي مَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ (١٠٢) لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر وتتلقاهم الْمَلَائِكَة هَذَا يومكم الَّذِي كُنْتُم توعدون (١٠٣) يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب كَمَا بدأنا﴾

стр. 3757

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُم فِيهَا زفير﴾ قد بَينا معنى الزَّفِير. وَقَوله: ﴿وهم فِيهَا لَا يسمعُونَ﴾ . قَالَ ابْن مَسْعُود: يجْعَلُونَ فِي توابيت من نَار، وَقَالَ بَعضهم: والتوابيت فِي توابيت، فَلَا يسمعُونَ وَلَا يبصرون شَيْئا، ويظن كل وَاحِد أَنه لَا يعذب غَيره؛ لِئَلَّا يكون لَهُ تسلى الأسوة، وَهَذَا الْخَبَر لَيْسَ من قَول ابْن مَسْعُود.

стр. 3758

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ قد بَينا. وَيُقَال: سبقت لَهُم منا السَّعَادَة، وَيُقَال: وَجَبت لَهُم الْجنَّة. قَوْله: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3759

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا﴾ أَي: حسها. وَقَوله: ﴿وهم فِيمَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ﴾ أَي: مقيمون.

стр. 3760

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: الْفَزع الْأَكْبَر هُوَ أَن تطبق جَهَنَّم، وَذَلِكَ بعد أَن يخرج الله مِنْهَا من يُرِيد أَن يُخرجهُ، وَيُقَال: الْفَزع الْأَكْبَر هُوَ ذبح الْمَوْت، فَيُقَال لهَؤُلَاء: خُلُود وَلَا موت، ولهؤلاء: خُلُود وَلَا موت، وَقيل الْفَزع الْأَكْبَر: الْأَمر بِالْجَرِّ إِلَى النَّار. وَقَوله: ﴿وتتلقاهم الْمَلَائِكَة﴾ أَي: تستقبلهم الْمَلَائِكَة. وَقَوله: ﴿هَذَا يومكم الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3761

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾ وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يطوي الله السَّمَاء، وَيَأْخُذ الأَرْض بِيَمِينِهِ فَيَقُول: أَنا الْملك، أَيْن مُلُوك الأَرْض؟ ".

стр. 3762

﴿أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين (١٠٤) وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن﴾ وَقَوله: ﴿كطي السّجل للكتب﴾ رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَاق أَن السّجل كَاتب للنَّبِي، وَهُوَ قَول غَرِيب. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن السّجل ملك، وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ أصح الْأَقْوَال - أَن السّجل هُوَ الصَّحِيفَة. وَقَوله: ﴿للكتب﴾ أَي: لأجل مَا كتب، فَمَعْنَاه: كطي الصَّحِيفَة لأجل الْمَكْتُوب. وَقَوله: ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده﴾ أَي: قدرتنا على إِعَادَة الْخلق كقدرتنا على إنشائه. وَقَوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فاعلين﴾ أَي: قَادِرين عَلَيْهِ، وَقد ورد فِي هَذِه الْآيَة خبر صَحِيح وَهُوَ مَا روى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي قَالَ: " يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا "، وَفِي رِوَايَة: " إِنَّكُم تحشرون يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا " ثمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده﴾ ، وَأول من يكسى إِبْرَاهِيم ﵇ ويجاء بِقوم من أمتِي فَيُؤْمَر بهم إِلَى النَّار، فَأَقُول: يَا رب، أَصْحَابِي، فَيَقُول: إِنَّهُم لم يزَالُوا مرتدين على أَعْقَابهم مُنْذُ فَارَقْتهمْ، فَأَقُول كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح: ﴿وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾ وَفِي رِوَايَة " أَقُول: سحقا لأهل النَّار ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أَنا بِهَذَا الحَدِيث الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أَنا جدي أَبُو الْهَيْثَم، قَالَ الْفربرِي قَالَ البُخَارِيّ، قَالَ مُحَمَّد بن كثير، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن الْمُغيرَة بن النُّعْمَان، عَن سعيد بن جُبَير ... الْخَبَر.

стр. 3763

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر﴾ قَالَ عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ أَبُو عَمْرو: الزبُور زبور دَاوُد، وَالذكر هُوَ التَّوْرَاة، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: الزبُور

стр. 3764

﴿الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون (١٠٥) إِن فِي هَذَا لبلاغا لقوم عابدين (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين (١٠٧) ﴾ هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالذكر هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَمَعْنَاهُ: من بعد مَا كتب ذكره فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَقَوله: ﴿أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَالْأَرْض أَرض الْجنَّة. وَعنهُ أَيْضا: أَن الأَرْض هِيَ أَرَاضِي الْكفَّار، يفتحها الله للْمُسلمين، ويجعلها لَهُم، وَقيل إِن الأَرْض هِيَ الأَرْض المقدسة.

стр. 3765

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي هَذَا لبلاغا﴾ يجوز أَن يكون قَوْله: ﴿فِي هَذَا﴾ أَي: فِي الْقُرْآن، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: فِي هَذِه السُّورَة، وَقَوله: ﴿لبلاغا﴾ أَي: سَببا يبلغهم إِلَى رضَا الله، وَقيل: بلاغا أَي: كِفَايَة. وَقَوله: ﴿لقوم عابدين﴾ قيل: عَالمين، وَقيل: مُطِيعِينَ.

стр. 3766

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ من الْمَشْهُور الْمَعْرُوف عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِنَّمَا أَنا رَحْمَة مهداة " أَي: هَدِيَّة من الله، ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْعَالمين على قَوْلَيْنِ: فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنهم الْمُسلمُونَ، فَهُوَ رَحْمَة للْمُسلمين، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم جَمِيع الْخلق، وَهَذَا القَوْل أشهر، وَأما معنى رَحمته للْكَافِرِينَ فَهُوَ تَأْخِير الْعَذَاب عَنْهُم، وَقيل: هُوَ رفع عَذَاب الاستئصال عَنْهُم، وَأما رَحمته للْمُؤْمِنين فمعلومة.

стр. 3767

﴿قل إِنَّمَا يُوحى إِلَيّ أَنما إِلَهكُم إِلَه وَاحِد فَهَل أَنْتُم مُسلمُونَ (١٠٨) فَإِن توَلّوا فَقل آذنتكم على سَوَاء وَإِن أَدْرِي أَقَرِيب أم بعيد مَا توعدون (١٠٩) إِنَّه يعلم الْجَهْر من القَوْل وَيعلم مَا تكتمون (١١٠) وَإِن أَدْرِي لَعَلَّه فتْنَة لكم ومتاع إِلَى حِين (١١١) قَالَ رب احكم بِالْحَقِّ﴾

стр. 3768

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا يُوحى إِلَيّ أَنما إِلَهكُم إِلَه وَاحِد فَهَل أَنْتُم مُسلمُونَ﴾ أَي: أَسْلمُوا.

стр. 3769

قَوْله: ﴿فَإِن توَلّوا فَقل آذنتكم على سَوَاء﴾ أَي: لتستووا فِي الْإِيمَان بِهِ، وأوضح الْأَقْوَال مَا ذكره ابْن قُتَيْبَة، وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ: آذنتكم على وَجه، نستوي نَحن وَأَنْتُم فِي الْعلم بِهِ. وَقَوله: ﴿وَإِن أَدْرِي أَقَرِيب أم بعيد﴾ يَعْنِي: مَا أَدْرِي أَقَرِيب أم بعيد ﴿مَا توعدون﴾ ؟ .

стр. 3770

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه يعلم الْجَهْر من القَوْل﴾ الْآيَة؟ . ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3771

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أَدْرِي لَعَلَّه فتْنَة لكم﴾ اخْتلفُوا فِي أَن الْهَاء إِلَى مَاذَا ترجع فِي ﴿لَعَلَّه﴾ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يرجع إِلَى قَوْله: ﴿وَإِن أَدْرِي أَقَرِيب أم بعيد مَا توعدون﴾ يَعْنِي: إِن هَذَا الَّذِي أَقُول لَعَلَّه فتْنَة لكم، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يرجع إِلَى مَا ذكرنَا من تَأْخِير الْعَذَاب عَنْهُم، وَقَوله: ﴿فتْنَة﴾ أَي: محنة واختبار. وَقَوله: ﴿ومتاع إِلَى حِين﴾ أَي: إِلَى الْقِيَامَة، وَقيل: إِلَى الْمَوْت.

стр. 3772

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل رب احكم بِالْحَقِّ﴾ وَقَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم: " قَالَ رب احكم بِالْحَقِّ " على الْخَبَر، وَالْأول هُوَ الْمُخْتَار؛ وَلِأَن سَواد الْمُصحف مُتبع لَا يجوز خِلَافه، فَإِن قيل: قَوْله: ﴿قل رب احكم بِالْحَقِّ﴾ كَيفَ يجوز هَذَا الدُّعَاء، وَالله لَا يحكم إِلَّا بِالْحَقِّ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قُلْنَا رُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: كَانَ الْأَنْبِيَاء قبل مُحَمَّد يَقُولُونَ: رَبنَا افصل بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ، فَأمر الله رَسُوله أَن يَقُول: رب احكم بِالْحَقِّ، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، قَالَ بَعضهم: رب احكم بِالْحَقِّ أَي: عجل الحكم بِالْحَقِّ،

стр. 3773

﴿وربنا الرَّحْمَن الْمُسْتَعَان على مَا تصفون (١١٢) ﴾ وَقَالَ أَبُو عبيد: رب احكم بحكمك الْحق، وَالله يحكم بِالْحَقِّ طلب أَو لم يطْلب، وَمعنى الطّلب هُوَ ظُهُور الرَّغْبَة من الطَّالِب فِي حكمه بِالْحَقِّ، وَهَذَا الْأَخير لَيْسَ من قَول أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ بَعضهم: ﴿رب احكم بِالْحَقِّ﴾ تعبد من الله، وَالله يحكم بِالْحَقِّ سُئِلَ أَو لم يسْأَل، أوردهُ النّحاس. وَقَوله: ﴿وربنا الرَّحْمَن الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ أَي: تكذبون. وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿سيجزيهم وَصفهم﴾ أَي: سيجزيهم جَزَاء كذبهمْ، وَيُقَال: على مَا تصفون أَي: تكذبون.

стр. 3774

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم (١) يَوْم ترونها تذهل كل﴾ تَفْسِير سُورَة الْحَج قَالَ ابْن عَبَّاس فِي أظهر الرِّوَايَتَيْنِ: هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم﴾ وآيتين بعد هَذِه الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: ﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا. .﴾ الْآيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى: أَن هَذِه السُّورَة مَدَنِيَّة إِلَّا آيَات فِيهَا نزلت بِمَكَّة.

стр. 3775

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم﴾ أَي: احْذَرُوا عَن عُقُوبَته بِطَاعَتِهِ، وَيُقَال: اتَّقوا ربكُم أَي: اتَّقوا جَمِيع المناهي: وفيهَا الشّرك وَغَيره. وَقَوله: ﴿إِن زَلْزَلَة السَّاعَة﴾ الزلزلة شدَّة الْحَرَكَة على حَال هائلة، وَاخْتلف القَوْل فِي هَذِه الزلزلة، فَذكر عَلْقَمَة وَالشعْبِيّ: أَنَّهَا قبل يَوْم الْقِيَامَة، وَذكر ابْن عَبَّاس الْحسن وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَغَيرهم: أَنَّهَا عِنْد قيام السَّاعَة، وَهَذِه القَوْل أصح الْقَوْلَيْنِ لما نذكرهُ من الْخَبَر من بعد. وَقَوله: ﴿شَيْء عَظِيم﴾ أَي: أَمر عَظِيم.

стр. 3776

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ترونها﴾ يَعْنِي: السَّاعَة. وَقَوله: ﴿تذهل﴾ أَي: تغفل وتشتغل، وَفِيه تسهو وتنسى، قَالَ الشَّاعِر فِي الذهول. (أَطَالَت بك الْأَيَّام حَتَّى نسيتهَا ... كَأَنَّك عَن يَوْم الْقِيَامَة ذاهل) وَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة بَين يَدي النَّبِي:

стр. 3777

﴿مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وتضع كل ذَات حمل حملهَا وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد (٢) ﴾ (ضربا يزِيل الْهَام عَن مقِيله ... وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله) وَقَوله: ﴿كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت﴾ يَعْنِي: كل أم عَن وَلَدهَا. وَقَوله: ﴿وتضع كل ذَات حمل حملهَا﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ تضع الْمَرْأَة حملهَا يَوْم الْقِيَامَة؟ الْجَواب: قُلْنَا: أما على قَوْلنَا إِن الزلزلة قبل قيام السَّاعَة، فَمَعْنَى وضع الْحمل على ظَاهره، وَإِن قُلْنَا إِن الزلزلة عِنْد قيام السَّاعَة، فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن المُرَاد من الْآيَة النِّسَاء اللواتي متن وَهن حبالى، وَالْوَجْه الثَّانِي، وَهُوَ الْأَصَح: أَن هَذَا على وَجه تَعْظِيم الْأَمر وَذكر شدَّة الهول، لَا على حَقِيقَة وضع الْحمل، وَالْعرب تَقول: أَصَابَنَا أَمر يشيب فِيهِ الْوَلِيد، وَهَذَا على طَرِيق عظم الْأَمر وشدته، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْمًا يَجْعَل الْوَالِدَان شيبا﴾ وَالْمرَاد مَا بَينا. وَقَوله: ﴿وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى﴾ وقرىء: " سكرى " بِغَيْر الْألف، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل التَّفْسِير: أَن المُرَاد من الْآيَة سكرى من الْفَزع وَالْخَوْف، وَلَيْسوا سكارى من الشَّرَاب وَقَالُوا أَيْضا: فِي صُورَة السكارى، وَلَيْسوا بسكارى، وَالْقَوْل الأول أحسن؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد﴾ . وَفِي الْآيَة خبر صَحِيح أوردهُ البُخَارِيّ وَغَيره، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي قَرَأَهَا بَين الْآيَتَيْنِ ثمَّ قَالَ: " إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الله تَعَالَى لآدَم: قُم يَا آدم، فَابْعَثْ من ذريتك بعث النَّار فَيَقُول آدم: لبيْك وَسَعْديك، وَالْخَيْر فِي يَديك، وَمَا بعث النَّار؟ فَيَقُول الله تَعَالَى: من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين إِلَى النَّار، [وَوَاحِد] إِلَى الْجنَّة، فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله: وأينا ذَلِك الْوَاحِد؟ فَقَالَ النَّبِي: " سددوا وقاربوا وَأَبْشِرُوا، فَإِن مَعكُمْ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا مَعَ قوم إِلَّا كَثرَتَاهُ: يَأْجُوج وَمَأْجُوج وكفرة الْجِنّ وَالْإِنْس من قبلكُمْ "، وَفِي رِوَايَة

стр. 3778

﴿وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم وَيتبع كل شَيْطَان مُرِيد (٣) كتب عَلَيْهِ أَنه من تولاه فَأَنَّهُ يضله ويهديه إِلَى عَذَاب السعير (٤) ﴾ قَالَ: " تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين من يَأْجُوج وَمَأْجُوج، وَوَاحِد مِنْكُم، ثمَّ قَالَ: " إِنِّي لأرجو أَن تَكُونُوا ربع أهل الْجنَّة، فكبرنا، ثمَّ قَالَ: إِنِّي أَرْجُو أَن تَكُونُوا ثلث أهل الْجنَّة، فكبرنا، ثمَّ قَالَ: إِنِّي أَرْجُو أَن تَكُونُوا نصف أهل الْجنَّة مَا أَنْتُم فِي ذَلِك الْيَوْم بَين النَّاس إِلَّا كالشعرة الْبَيْضَاء فِي الثور الْأسود، أَو كالشعرة السَّوْدَاء فِي الثور الْأَبْيَض " وَفِي رِوَايَة: " مَا أَنْتُم فِي النَّاس إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي جنب الْبَعِير، وكالرقمة فِي ذِرَاع الدَّابَّة ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا جدي أَبُو الْهَيْثَم، قَالَ الْفربرِي، قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ عمر بن حَفْص بن غياث قَالَ: أخبرنَا أبي، عَن الْأَعْمَش ... الْخَبَر.

стр. 3779

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن الْآيَة نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث، وَكَانَ يُنكر الْبَعْث ويجادل فِيهِ، وَعَن سهل بن عبد الله فِي هَذِه الْآيَة قَالَ: هُوَ من يُجَادِل فِي آيَات الله بالهوى، وَعَن غَيره قَالَ: هُوَ الَّذِي يرد النَّص بِالْقِيَاسِ. وَقَوله: ﴿وَيتبع كل شَيْطَان مُرِيد﴾ المريد المتمرد، والمتمرد هُوَ المستمر فِي الشَّرّ، يُقَال: حَائِط ممرد أَي: مطول، وَقيل: المريد هُوَ العاري عَن الْخَيْر، يُقَال صبي أَمْرَد إِذا كَانَ عَارِيا خَدّه من الشّعْر.

стр. 3780

وَقَوله: ﴿كتب عَلَيْهِ﴾ أَي: على الشَّيْطَان. وَقَوله: ﴿أَنه من تولاه فَأَنَّهُ يضله﴾ أَي: كتب على الشَّيْطَان أَن يضل من تولاه. وَقَوله: ﴿ويهديه إِلَى عَذَاب السعير﴾ أَي: إِلَى عَذَاب جَهَنَّم.

стр. 3781

﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة﴾

стр. 3782

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث﴾ ذكر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة الدّلَالَة على منكري الْبَعْث، وَالْخطاب للْمُشْرِكين. وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث﴾ أَي: فِي شكّ من الْبَعْث. وَقَوله: ﴿فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب﴾ ذكر التُّرَاب هَاهُنَا؛ لِأَن آدم خلق من تُرَاب، وَهُوَ الأَصْل. وَقَوله: ﴿ثمَّ من نُطْفَة﴾ النُّطْفَة هِيَ المَاء النَّازِل من الصلب. وَقَوله: ﴿ثمَّ من علقَة﴾ الْعلقَة هِيَ الدَّم المتجمد، وَقيل: المنعقد. وَقَوله: ﴿ثمَّ من مُضْغَة﴾ المضغة هِيَ قِطْعَة لحم كَأَنَّهَا مضغت. وَقَوله: ﴿مخلقة وَغير مخلقة﴾ . قَالَ ابْن عَبَّاس ﴿مخلقة﴾ تَامّ الْخلق ﴿وَغير مخلقة﴾ نَاقص الْخلق، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المخلقة هُوَ الْوَلَد الَّذِي تَأتي بِهِ الْمَرْأَة لوقته، وَغير المخلقة هُوَ السقط، وَفِي هَذَا الْموضع أَخْبَار: مِنْهَا مَا روى عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود أَنه إِذا اسْتَقَرَّتْ النُّطْفَة فِي الرَّحِم أَخذهَا الْملك بِيَدِهِ فَيَقُول: أَي رب، مخلقة أَو غير مخلقة؟ فَإِن قَالَ: غير مخلقة قَذفهَا الرَّحِم دَمًا، وَلم تخلق مِنْهَا نسمَة، وَإِن قَالَ: مخلقة، قَالَ الْملك: أشقي أَو سعيد؟ أذكر أَو أُنْثَى؟ مَا رزقه؟ مَا عمله؟ مَا أَجله؟ وَأَيْنَ الْموضع الَّذِي يقبض فِيهِ؟ فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أم الْكتاب فَفِيهِ كل ذَلِك، فَيذْهب إِلَى أم الْكتاب فيجد فِيهِ أَنه شقي أَو سعيد، ذكر أَو أُنْثَى، فَيكْتب ذَلِك، فيسعى الرجل فِي عمله، وَيَأْكُل رزقه، ويمضي فِي أَجله حَتَّى يتوفاه الله تَعَالَى فِي الْمَكَان الَّذِي قدر أَيْن يقبض فِيهِ. وَقد ورد خبران صَحِيحَانِ عَن النَّبِي فِي هَذَا، أَحدهمَا مَا روى الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: أَخْبرنِي الصَّادِق المصدوق أَبُو الْقَاسِم: أَن خلق أحدكُم يجمع فِي رحم أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة، ثمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا علقَة،

стр. 3783

﴿لنبين لكم﴾ ثمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَة، ثمَّ يُؤمر الْملك بِأَرْبَع كَلِمَات؛ فَيكْتب رزقه، وَعَمله، وأجله، وشقي أَو سعيد، ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح ". وَالْخَبَر مُتَّفق على صِحَّته. وَالْخَبَر الثَّانِي: هُوَ مَا روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ: سَمِعت عبد الله بن مَسْعُود يَقُول: الشقي من شقي فِي بطن أمه، والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ. قَالَ أَبُو الطُّفَيْل: فَقلت ثكلتني! أنشقى وَلم نعمل؟ فَأتيت حُذَيْفَة بن أسيد، فَذكرت لَهُ قَول ابْن مَسْعُود، فَقَالَ: أَلا أخْبرك بِأَعْجَب من هَذَا، سَمِعت رَسُول الله يَقُول: " إِذا مكثت النُّطْفَة فِي رحم الْأُم أَرْبَعِينَ يَوْمًا - أَو خَمْسَة وَأَرْبَعين - جَاءَ الْملك فَيَقُول: يَا رب، أذكر أَو أُنْثَى؟ فَيَقُول الرب، وَيكْتب الْملك، فَيَقُول: أشقي أَو سعيد؟ فَيَقُول الرب، وَيكْتب الْملك، فَيَقُول: مَا رزقه، مَا عمله، مَا أَجله، مَا أَثَره، مَا مصيبته؟ فَيَقْضِي الله مَا شَاءَ، وَيكْتب الْملك، ثمَّ يطوي الصَّحِيفَة، فَلَا يُزَاد وَلَا ينقص إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة حرسها الله تَعَالَى، قَالَ: أَبُو الْحسن بن [فراس] قَالَ: أخبرنَا أَبُو جَعْفَر الديبلي قَالَ سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، قَالَ سُفْيَان ... الْخَبَر. أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح. وأنشدوا فِي المخلقة: (أَفِي غير المخلقة الْبكاء ... فَأَيْنَ الْعَزْم وَيحكم وَالْحيَاء) وَقَوله: ﴿لنبين لكم﴾ أَي: نبين لكم أَمر الْخلق فِي الِابْتِدَاء؛ لتستدلوا (بقدرة

стр. 3784

﴿ونقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء إِلَى أجل مُسَمّى ثمَّ نخرجكم طفْلا ثمَّ لتبلغوا أَشدّكُم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر لكيلا يعلم من بعد علم شَيْئا﴾ الله) فِي الِابْتِدَاء على قدرته على الْإِعَادَة. وَقَوله: ﴿ونقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء﴾ أَي: نثبت فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء ﴿إِلَى أجل مُسَمّى﴾ أَي: إِلَى وَقت الْولادَة: وَقَوله: ﴿ثمَّ نخرجكم طفْلا﴾ أَي: أطفالا، وَاحِد بِمَعْنى الْجمع. وَقَوله: ﴿ثمَّ لتبلغوا أَشدّكُم﴾ قد بَينا معنى الأشد. وَقَوله: ﴿ومنكم من يتوفى﴾ وَحكى أَبُو حَاتِم أَن فِي قِرَاءَة بَعضهم: " ومنكم من يتوفى " بِفَتْح الْيَاء، وَمَعْنَاهُ يسْتَوْفى أَجله، وَالْمَعْرُوف ﴿يتوفى﴾ بِالرَّفْع يَعْنِي: يتوفى قبل بُلُوغ الْكبر. وَقَوله: ﴿ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر﴾ أَي: إِلَى أخس الْعُمر، وَالْمرَاد مِنْهُ حَالَة الخرف والهرم، قَالَ عِكْرِمَة: من قَرَأَ الْقُرْآن لم يخرف. وَقَوله: ﴿لكيلا يعلم من بعد علم شَيْئا﴾ أَي: لَا يعقل من عبد عقله شَيْئا. وَقَوله: ﴿وَترى الأَرْض هامدة﴾ وَهَذَا ذكر دَلِيل آخر على إحْيَاء الْمَوْت. وَقَوله: ﴿هامدة﴾ أَي: جافة يابسة لَا نَبَات فِيهَا، وَقَالَ قَتَادَة: (هامدة) غبراء منهشمة، وَقيل: هامدة: دارسة، قَالَ الشَّاعِر: (قَالَت قتيلة مَا لجسمك شاحبا ... وَأرى ثِيَابك باليات همدا) وَقَالَ آخر: (رمى الْحدثَان نسْوَة آل حَرْب ... بنازلة همدن لَهَا همودا) (فَرد شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن الْبيض سُودًا)

стр. 3785

﴿وَترى الأَرْض هامدة فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (٥) ذَلِك بِأَن الله هُوَ الْحق وَأَنه يحيي الْمَوْتَى وَأَنه على كل شَيْء قدير﴾ وَقَوله: ﴿فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت﴾ أَي: تحركت، قَالَ الشَّاعِر: (تثنى إِذا قَامَت وتهتز إِن مَا مشت ... كَمَا اهتز غُصْن البان فِي (ورق) خضر) وَقَوله: ﴿وربت﴾ أَي: انتفخت للنبات، وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: وربت واهتزت، وَيُقَال اهتزت أَي: النَّبَات، وربت أَي: ارْتَفع، وَإِنَّمَا أنث لذكر الأَرْض، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر: " وربأت " بِالْهَمْز، وَهُوَ فِي معنى الأول. وَقَوله: ﴿وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ أَي: صنف حسن، فَهَذَا أَيْضا دَلِيل على إِعَادَة الْخلق، وَفِي بعض مَا ينْقل عَن السّلف: إِذا رَأَيْتُمْ الرّبيع فاذكروا والنشور.
следующие страницы →