Полный текст (8 565 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
﴿وَالْخَامِسَة أَن لعنت الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين (٧) ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين (٨) وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين (٩) ﴾ النُّون، وَمَعْنَاهُ: أَنه لعنة الله عَلَيْهِ، وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ شعرًا:
(فِي فتية كسيوف الْهِنْد قد علمُوا ... أَن هَالك كل من يخفى وينتعل)
يَعْنِي: أَنه هَالك.
وَقَوله: ﴿إِن كَانَ من الْكَاذِبين﴾ يَعْنِي: فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا.
стр. 4062
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب﴾ فِي الْعَذَاب قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْحَد، وَالْآخر: أَنه الْحَبْس، وَتَأْويل الْحَد أظهر؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: الْحَد.
وَقَوله: ﴿أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين﴾ يَعْنِي: فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا.
стр. 4063
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين﴾ وقرىء: " أَن غضب الله عَلَيْهَا "، وقرىء: " أَن غضب الله عَلَيْهَا " بِكَسْر الضَّاد فَقَوله: ﴿أَن غضب الله عَلَيْهَا﴾ هَذَا فعل، وَقَوله: ﴿أَن غضب الله عَلَيْهَا﴾ اسْم، وَقَوله: ﴿أَن
стр. 4064
غضب الله) هُوَ (فعل) أَيْضا، يَعْنِي: أَنه غضب الله.
وَقَوله: ﴿إِن كَانَ من الصَّادِقين﴾ أَي: فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا، وَسبب نزُول الْآيَة، مَا روى ابْن عَبَّاس " أَن هِلَال بن أُميَّة قذف امْرَأَته بِشريك بن سَحْمَاء عِنْد النَّبِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: الْبَيِّنَة، (وَإِلَّا) فحد فِي ظهرك فَقَالَ هِلَال: يَا رَسُول الله، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِنِّي لصَادِق، وسينزل الله مَا يبرىء ظَهْري من الْحَد، فَنزلت هَذِه الْآيَة، فَدَعَا رَسُول الله هلالا وَامْرَأَته، ولاعن بَينهمَا، فَبَدَأَ هِلَال، والتعن أَربع مَرَّات، فَلَمَّا بلغ الْخَامِسَة قَالَ لَهُ النَّبِي: أمسك فَإِنَّهَا مُوجبَة. فَقَالَ هِلَال إِن الله يعلم أَنِّي صَادِق وَشهد بالخامسة، ثمَّ قَامَت الْمَرْأَة فالتعنت أَربع مَرَّات، فَلَمَّا بلغت الْخَامِسَة قَالَ لَهَا النَّبِي: أمسكي فَإِنَّهَا مُوجبَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: فتلكت تلكؤا سَاعَة، حَتَّى ظننا أَنَّهَا سترجع ثمَّ قَالَت: لَا أفضح قومِي الْيَوْم، وَشهِدت بالخامسة، فَقَالَ النَّبِي: " إِن جَاءَت بِالْوَلَدِ أكحل الْعَينَيْنِ سابغ الأليتين خَدلج السَّاقَيْن، فَهُوَ لِشَرِيك بن سَحْمَاء، فَجَاءَت بِهِ على هَذَا النَّعْت، فَقَالَ النَّبِي: " لَوْلَا الْأَيْمَان لَكَانَ لي وَلها شَأْن ". وَالْخَبَر صَحِيح.
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ: " كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِد لَيْلَة جُمُعَة، ومعنا رجل فَخرج منا وَدخل بَيته، فَوجدَ مَعَ امْرَأَته رجلا، فجَاء إِلَى النَّبِي، وشكا إِلَيْهِ فَقَالَ: عَلَيْك بالشهود فَقَالَ: وأنى لي بالشهود؟ فَقَالَ: قد حرت فِي هَذَا الْأَمر، فَإِن الرجل إِن قتل قَتَلْتُمُوهُ، وَإِن تكلم حددتموه، وَإِن سكت سكت على
стр. 4065
﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله تواب حَكِيم (١٠) إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم﴾ غيظ، اللَّهُمَّ فاحكم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَات ". وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة: أَنه لما أنزل الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بِأَرْبَع شُهَدَاء ... الْآيَة﴾ قَالَ [سعد] بن عبَادَة: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت أَنِّي وجدت لكاعا (يتفخذ) رجل، فَلَا أهيجه وَلَا أحركه حَتَّى آتِي بأَرْبعَة شُهَدَاء؟ فَإلَى أَن آتِي بِالشُّهَدَاءِ قد قضى الرجل حَاجته، فَقَالَ النَّبِي: " انْظُرُوا يَا معشر الْأَنْصَار مَا يَقُول سيدكم "، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّه لرجل غيور، وَإنَّهُ مَا تزوج امْرَأَة قطّ إِلَّا عذراء، وَمَا طلق امْرَأَة فَأحب أحد منا أَن يَتَزَوَّجهَا، فَقَالَ سعد: إِنِّي أعلم أَن مَا أنزل الله حق، وَلَكِنِّي تعجبت، فَأنْزل الله تَعَالَى آيَة اللّعان " على مَا بَينا.
وَفِي الْبَاب أَخْبَار كَثِيرَة، وَفِيه حَدِيث عَاصِم بن عدي [وعويمر] الْعجْلَاني وَغَيرهمَا، وَذَلِكَ مَذْكُور فِي كتب الحَدِيث.
стр. 4066
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله تواب رَحِيم﴾ .
جَوَاب الْآيَة مَحْذُوف، وَمثله قَول الرجل إِذا شَتمه إِنْسَان: أَيهَا الرجل لَوْلَا كَذَا أَي: لَوْلَا كَذَا لشتمتك، فعلى هَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم
стр. 4067
وَرَحمته) لنال الْكَاذِب مِنْكُمَا الْعَذَاب فِي الْحَال، وَمِنْهُم من قَالَ: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته﴾ بِتَأْخِير الْعَذَاب وإمهاله لعجل عَذَابه.
стр. 4068
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم﴾ هَذِه الْآيَات فِي قصَّة عَائِشَة ﵂ وَكَانَ سَبَب نُزُولهَا مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة بن وَقاص وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة كلهم عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " كَانَ رَسُول الله إِذا خرج إِلَى سفر أَقرع بَين نِسَائِهِ، فَخرج إِلَى غَزْوَة غَزَاهَا، وأقرع بَين نِسَائِهِ، فَخرجت قرعتي " وَفِي رِوَايَة: أَن الْغَزْوَة كَانَت غَزْوَة مريسيع، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: أَن الْغَزْوَة كَانَت غَزْوَة بني المصطلق، وَقَالَت: فَلَمَّا رَجعْنَا قبل الْمَدِينَة عرس رَسُول الله لَيْلَة، ثمَّ إِنَّهُم آذنوا بالرحيل، فَخرجت لحاجتي فَلَمَّا قضيت شأني رجعت فَالْتمست صَدْرِي، فَوجدت عقدا لي من جزع ظفار سقط، فَرَجَعت، وَجَاء الْقَوْم الَّذين يرحلون هودجي، وَوَضَعُوا الهودج على الْبَعِير، وظنوا أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاء إِذْ ذَاك خفافا، فَإِنَّمَا يأكلن الْعلقَة من الطَّعَام، فَرَجَعت وَقد مر الْجَيْش، فَلَا دَاع وَلَا مُجيب، وَكَانَ صَفْوَان بن الْمُعَطل السّلمِيّ كَانَ تَأَخّر عَن الْجَيْش، وَفِي رِوَايَة: أَنه كَانَ يعْتَاد التَّأَخُّر، حَتَّى إِن كَانَ سقط من أحد شَيْء، أَو ترك إِنْسَان شَيْئا يَأْخُذهُ، وَيَردهُ عَلَيْهِ، فجَاء ورائي، فَاسْتَرْجع وَمَا كلمني بِكَلِمَة وَقد استدلت جلبابي، فَأَنَاخَ بعيره ووطأه لي حَتَّى ركبته، وَجَاء يقودني حَتَّى لحقنا بالجيش، وَقد نزلُوا موغرين فِي حر الظهيرة، قَالَت: فَلَمَّا وصلنا إِلَى الْجَيْش تكلم النَّاس، وَهلك من هلك " الْخَبَر بِطُولِهِ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق الْكشميهني، أخبرنَا
стр. 4069
جدي أَبُو الْهَيْثَم بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفربرِي [أخبرنَا] مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أخبرنَا أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي عَن فليح بن سُلَيْمَان، عَن الزُّهْرِيّ ... الْخَبَر.
ويروى أَنه ... تلبث الْوَحْي [سَبْعَة] وَثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن عَائِشَة اشتكت واستأذنت رَسُول الله، وَرجعت إِلَى بَيت أَبِيهَا، وَكَانَ رَسُول الله يدْخل قبل رُجُوعهَا إِلَى بَيت أَبِيهَا، وَهِي مشتكية، فَيَقُول: " كَيفَ تيكم؟ " ثمَّ لما رجعت إِلَى بَيت أَبِيهَا عرفت الْخَبَر من قبل أم مسطح فازدادت وبقا، وَجعلت تبْكي، وَلَا يرقأ لَهَا دمع، حَتَّى كَاد الْبكاء يصدع قَلبهَا، وَذكرت لذَلِك لأمها، فَقَالَت لَهَا أمهَا: هوني عَلَيْك فقلما تكون امْرَأَة وضيئة عِنْد رجل، وَلها ضرائر إِلَّا تكلمُوا فِيهَا.
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن النَّبِي دَعَا عليا وَأُسَامَة بن زيد، واستشارهما، فَأَما عَليّ فَقَالَ يَا رَسُول الله، إِن فِي النِّسَاء كَثْرَة، وَأما أُسَامَة فَقَالَ: لَا أعلم مِنْهَا إِلَّا خيرا، وسل الْجَارِيَة - يَعْنِي: بَرِيرَة - فَسَأَلَ بَرِيرَة فَقَالَت: لَا أعلم مِنْهَا إِلَّا أَنَّهَا جَارِيَة حَدِيثَة السن تعجن، فَتدخل الدَّاجِن فتأكل عَجِينهَا.
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن النَّبِي جَاءَ إِلَى بَيت أبي بكر ﵁ بعد أَن مَضَت الْمدَّة الَّتِي ذَكرنَاهَا، فَقَالَ: " يَا عَائِشَة، إِن كنت أَلممْت بذنب فتوبي إِلَى الله، فَإِن الله يقبل التَّوْبَة: قَالَت: فقلص دمعي حَتَّى مَا أجد مِنْهُ قَطْرَة، ثمَّ قلت: إِن قلت أَنِّي فعلت، وَالله يعلم أَنِّي مَا فعلت ليصدقنني، وَإِن قلت: لم أفعل، وَالله يعلم أَنِّي لم أفعل ليكذبنني، وَمَا أعرف مثلي ومثلكم إِلَّا مَا قَالَ أَبُو يُوسُف، ونسيت اسْمه ﴿فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ ثمَّ تنحيت، فَأخذ رَسُول الله [] الْوَحْي، قَالَت: وَكنت أَحْقَر فِي نَفسِي أَن أَظن أَن الله ينزل فِي قُرْآنًا يُتْلَى،
стр. 4070
﴿لَا تحسبوه شرا لكم بل هُوَ خير لكم لكل امرىء مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم (١١) ﴾ وَلَكِنِّي كنت أَظن أَنه يرى رُؤْيا، فَلَمَّا تغشاه الْوَحْي لم أفزع لما علمت أَنِّي بريئة، وَالله يعلم ذَلِك ".
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن أَبَوي كَادَت نفسهما تخرج خوفًا، فَلَمَّا سرى عَن رَسُول الله قَالَ: " أَبْشِرِي يَا عَائِشَة قد أنزل الله تَعَالَى براءتك، وتلا الْآيَات: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم﴾ فَقَالَ لي أبي: قومِي إِلَى رَسُول الله، وَقَالَت أُمِّي: قومِي إِلَى رَسُول الله، فَقلت: لَا أقوم وَلَا أَحْمد إِلَّا الله، فَإِن الله تَعَالَى أنزل براءتي ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم﴾ الْإِفْك هُوَ أَشد الْكَذِب، وَإِنَّمَا سمي إفكا لِأَنَّهُ مَصْرُوف عَن الْحق. وَقَوله: ﴿عصبَة مِنْكُم هَؤُلَاءِ الْعصبَة هم: عبد الله بن أبي بن سلول، ومسطح بن أَثَاثَة ابْن خَالَة أبي بكر، وَحسان بن ثَابت، وَحمْنَة بنت جحش زَوْجَة طَلْحَة بن عبد الله أُخْت زَيْنَب، وَنَفر آخَرُونَ، والعصبة الْعشْرَة فَمَا فَوْقهَا.
وَقَوله: ﴿لَا تحسبوه شرا لكم بل هُوَ خير لكم﴾ هَذَا خطاب لعَائِشَة وَصَفوَان بن معطل فَإِنَّهُم قذفوهما جَمِيعًا، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ خطاب لعَائِشَة ولأبويها وَالنَّبِيّ وَصَفوَان، وَمعنى الْآيَة: لَا تحسبوه شرا لكم، يَعْنِي: هَذَا الْإِفْك هُوَ خير لكم لأجل الثَّوَاب، وَمَا ادخر الله لَهُم من ذَلِك.
وَقَوله: ﴿لكل امرىء مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم﴾ أَي: من الْإِثْم بِقدر مَا اكْتسب.
وَقَوله: ﴿وَالَّذِي تولى كبره﴾ . وقرىء: " كبره "، وَقَرَأَ الْأَعْرَج: " كُبره ". فَقَوله: ﴿كبره﴾ أَي: إثمه. وَقَوله: " كُبره ". أَي: معظمه، قَالَ الشَّاعِر:
стр. 4071
﴿لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا وَقَالُوا هَذَا إفْك مُبين (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بأَرْبعَة شُهَدَاء فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾
(تنام عَن كبر شَأْنهَا فَإِذا ... قَامَت [رويدا] تكَاد تنغرف)
وَأما الَّذِي تولى كبره فالأكثرون أَنه عبد الله بن أبي بن سلول، وَأما الْعَذَاب الْعَظِيم فَهُوَ النَّار فِي الْآخِرَة.
وَقد روى مَسْرُوق أَن حسان بن ثَابت اسْتَأْذن على عَائِشَة فَأَذنت لَهُ، فَقَالَ مَسْرُوق: أَتَأْذَنِينَ لَهُ، وَقد قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَت: قد أَصَابَهُ الْعَذَاب الْعَظِيم، وَكَانَ قد عمى، وَقد تَابَ حسان من تِلْكَ الْمقَالة ومدح عَائِشَة فَقَالَ:
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لُحُوم الغوافل)
( [فَإِن كَانَ مَا بلغت أَنِّي قلته] ... فَلَا رفعت سَوْطِي إِلَى أناملي)
وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنه أنكر الْكبر وَقَالَ: إِنَّمَا الْكبر فِي الْوَلَاء وَالنّسب. وَقد ذكر غَيره أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَحِيح، وَقد بَينا.
стр. 4072
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا﴾ أَي: بِمن هُوَ مثل أنفسهم، وَهُوَ مثل قَول النَّبِي: " الْمُؤْمِنُونَ كَنَفس وَاحِدَة "، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ أَي: لَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا، وَيُقَال: إِن معنى ظن هَاهُنَا أَيقَن.
وَقَوله: ﴿وَقَالُوا هَذَا إفْك مُبين﴾ أَي: كذب ظَاهر.
стр. 4073
﴿لمسكم فِي مَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم (١٤) إِذْ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم مَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه قُلْتُمْ مَا يكون لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم (١٦) ﴾
стр. 4074
قَوْله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ أَي: على مَا زَعَمُوا.
وَقَوله: ﴿فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يصيرون عِنْد الله كاذبين إِذا لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ، (وَمن كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَاذِب عِنْد الله سَوَاء أَتَى بِالشُّهَدَاءِ) ، أَو لم يَأْتِ بهم؟ الْجَواب: قُلْنَا: قَالَ بَعضهم: ﴿عِنْد الله﴾ أَي: فِي حكم الله، وَقَالَ بَعضهم: ﴿عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ أَي: كذبوهم بِمَا أَمركُم الله، وَالْجَوَاب الثَّالِث: أَن هَذَا فِي حق عَائِشَة ﵂ فَمَعْنَاه: أُولَئِكَ هم الْكَاذِبُونَ فِي غيبي وَعلمِي.
стр. 4075
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم﴾ أَفَضْتُم أَي: خضتم، وَقَوله: ﴿عَذَاب عَظِيم﴾ أَي: عَذَاب لَا انْقِطَاع لَهُ، هَكَذَا قَالَه ابْن عَبَّاس، وَفسّر بِهَذَا لِأَن الله تَعَالَى قد ذكر أَنه أصَاب الَّذِي تولى كبره عَذَاب عَظِيم، وَكَذَلِكَ الْعَذَاب الْعَظِيم هُوَ فِي الدُّنْيَا، وَقد أَصَابَهُ، فَإِنَّهُ قد جلد وحد، وَأما الْعَذَاب الَّذِي لَا انْقِطَاع لَهُ لم يصبهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُصِيبهُ فِي الْآخِرَة.
وروت عمْرَة عَن عَائِشَة: " أَن النَّبِي لما نزلت هَذِه الْآيَات حد أَرْبَعَة نفر: عبد الله بن أبي، وَحسان بن ثَابت، ومسطح بن أَثَاثَة، وَحمْنَة بنت جحش ".
стр. 4076
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا تلقونه بألسنتكم﴾ أَي: يلقيه بَعْضكُم، وَيَرْوِيه بَعْضكُم عَن بعض، وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا قَرَأت: " إِذْ تلقونه بألسنتكم الْكَذِب " وَيُقَال: هُوَ الْإِسْرَاع فِي
стр. 4077
﴿يعظكم الله أَن تعودوا لمثله أبدا إِن كُنْتُم مُؤمنين (١٧) وَيبين الله لكم الْآيَات وَالله عليم حَكِيم (١٨) إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة فِي الَّذين آمنُوا لَهُم عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله رءوف رَحِيم (٢٠) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا﴾ الْكَذِب.
وَقَوله: ﴿وتقولون بأفواهكم مَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وتحسبونه هينا﴾ أَي: خَفِيفا.
﴿وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ أَي: كَبِير.
стр. 4078
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه﴾ وَمَعْنَاهُ: هلا إِذْ سمعتموه.
﴿قُلْتُمْ مَا يكون لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم﴾ الْبُهْتَان هُوَ الْكَذِب على المكابرة، يُقَال: بَهته إِذا أخْبرته بكذبه، وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن أم أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَت لأبي أَيُّوب: أما بلغك كَذَا، وَهُوَ مَا نسب إِلَى عَائِشَة؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوب: مَا كَانَ لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم، قَالَ هَذَا قبل أَن تنزل الْآيَة، ثمَّ نزلت الْآيَة على وفْق قَوْله.
стр. 4079
قَوْله: ﴿يعظكم الله أَن تعودوا لمثله أبدا﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَنْهَاكُم الله أَن تعودا لمثله أبدا.
﴿إِن كُنْتُم مُؤمنين وَيبين لكم الْآيَات﴾ : أَي: الدلالات.
﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ عليم بخلقه، حَكِيم فِي فعله.
стр. 4080
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة﴾ يَعْنِي: أَن تذيع وتشتهر.
﴿فِي الَّذين آمنُوا﴾ أَي: عَائِشَة وَصَفوَان وَآل أبي بكر، وَكَانَت إشاعتهم أَن بَعضهم كَانَ يلقى بَعْضًا فَيَقُول لَهُ: أما بلغك كَذَا وَكَذَا من خبر عَائِشَة.
وَقَوله: ﴿لَهُم عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا هُوَ الْحَد، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة هُوَ النَّار.
وَقَوله: ﴿وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: بَرَاءَة عَائِشَة وَأَنه خلقهَا طيبَة طَاهِرَة
стр. 4081
﴿تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان وَمن يتبع خطوَات الشَّيْطَان فَإِنَّهُ يَأْمر بالفحشاء وَالْمُنكر وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء وَالله سميع عليم (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة﴾ من الْفَوَاحِش.
стр. 4082
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله رءوف رَحِيم﴾ مَحْذُوف الْجَواب، وَجَوَابه: لنالكم الْعَذَاب الشَّديد فِي الْحَال.
стр. 4083
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَي: خَطَايَا الشَّيْطَان، وَقيل: آثاره، وَيُقَال: تخطيه من الْحَلَال إِلَى الْحَرَام، وَمن الطَّاعَة إِلَى الْمعْصِيَة.
وَقَوله: ﴿وَمن يتبع خطوَات الشَّيْطَان فَإِنَّهُ يَأْمر بالفحشاء﴾ أَي: القبائح من الْأَفْعَال.
﴿وَالْمُنكر﴾ أَي: كل مَا يكرههُ الله.
وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا﴾ أَي: مَا صلح مِنْكُم من أحد أبدا.
﴿وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ أَي: يصلح من يَشَاء. قَالَ الشَّاعِر:
(إِنَّمَا نَحن كشيء فَاسد ... فَإِذا أصلحه الله صلح)
وَقَوله: ﴿وَالله سميع عليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 4084
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولو الْفضل مِنْكُم وَالسعَة﴾ هُوَ مَأْخُوذ من الألية، والألية الْيَمين. قَالَ الشَّاعِر:
(قَلِيل الألايا حَافظ ليمينه ... وَإِن بدرت مِنْهُ الألية برت)
نزلت الْآيَة فِي شَأْن أبي بكر ومسطح، وَكَانَ ابْن خَالَة أبي بكر وَفِي نَفَقَته، وَهُوَ
стр. 4085
﴿أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين والمهاجرين فِي سَبِيل الله وليعفوا وليصفحوا أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم وَالله غَفُور رَحِيم (٢٢) إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب﴾ رجل من أهل بدر من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، فَلَمَّا ذكر فِي عَائِشَة مَا ذكر أنزل الله تَعَالَى براءتها من السَّمَاء، حلف أَبُو بكر أَلا ينْفق عَلَيْهِ، وَكَانَ مِسْكينا لَا شَيْء لَهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وقرىء: " وَلَا يتأل " (قَرَأَهُ أَبُو جَعْفَر) ، فالأكثرون أَن معنى قَوْله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ مَا بَينا، وَمِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ: لَا يقصر من قَول الْقَائِل: لَا آلوا فِي أَمركُم كَذَا أَي: لَا أقصر، وَقَوله: ﴿أولو الْفضل مِنْكُم وَالسعَة﴾ أَي: الْغنى وَالسعَة.
وَقَوله: ﴿أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين والمهاجرين﴾ هُوَ مسطح، فَإِنَّهُ كَانَ قريب أبي بكر، وَكَانَ مِسْكينا وَمن الْمُهَاجِرين، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ذكر الْوَاحِد بِلَفْظ الْجمع؟ قُلْنَا: يجوز مثل هَذَا فِي اللُّغَة، وَيجوز أَنه أَرَادَهُ وَأَرَادَ غَيره.
وَقَوله: ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ أَي: ليعفوا عَن أفعالهم، وليصفحوا عَن أَقْوَالهم.
وَقَوله: ﴿أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم﴾ هَذَا خطاب لأبي بكر ﵁ وَرُوِيَ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة، وقرئت عَلَيْهِ قَالَ: بلَى وَالله نحب أَن يغْفر لنا.
وَقَوله: ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ أَي: ستور صفوح.
стр. 4086
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات﴾ أَي: الْغَافِلَات عَن الْفَوَاحِش، والغافلة عَن الْفَاحِشَة أَن لَا يَقع فِي قَلبهَا فعل الْفَاحِشَة، وَكَانَت عَائِشَة ﵂ هَكَذَا.
стр. 4087
﴿عَظِيم (٢٣) يَوْم تشهد عَلَيْهِم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ (٢٤) يَوْمئِذٍ يوفيهم الله دينهم الْحق ويعلمون أَن الله هُوَ الْحق الْمُبين (٢٥) الخبيثات للخبيثين﴾
وَقَوله: ﴿لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ رُوِيَ عَن خصيف قَالَ: قلت لمجاهد: من قذف مُؤمنَة لَعنه الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؟ فَقَالَ: ذَاك لعَائِشَة. وَيُقَال: هَذَا فِي جَمِيع أَزوَاج النَّبِي.
وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ قد بَينا.
стр. 4088
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تشهد عَلَيْهِم ألسنتهم﴾ شَهَادَة الْأَلْسِنَة يَوْم الْقِيَامَة بنطقها من غير اخْتِيَار الْإِنْسَان.
وَقَوله: ﴿وأيديهم وأرجلهم﴾ يُقَال: تختم الأفواه ثمَّ تَتَكَلَّم الْأَيْدِي والأرجل.
﴿بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ظَاهر.
стр. 4089
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمئِذٍ يوفيهم الله دينهم الْحق﴾ أَي: حسابهم الْعدْل.
وَقَوله: ﴿ويعلمون أَن الله هُوَ الْحق الْمُبين﴾ أَي: الْعَادِل الْمظهر لعدله.
стр. 4090
قَوْله تَعَالَى: ﴿الخبيثات للخبيثين﴾ فِي الْآيَة قَولَانِ معروفان: أَحدهمَا: الخبيثات من الْكَلَام للخبيثين من الرِّجَال، والخبيثون من الرِّجَال للخبيثات من الْكَلَام، والطيبون والطيبات هَكَذَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: الخبيثات من النِّسَاء للخبيثين من الرِّجَال، والخبيثون من الرِّجَال للخبيثات من النِّسَاء، وَهَكَذَا الطَّيِّبَات والطيبون، والخبيث من الرِّجَال عبد الله بن أبي بن سلول ودونه، والخبيثات من النِّسَاء أهل بَيته، وَيُقَال: كَلَامه فِي عَائِشَة، والطيبات هِيَ عَائِشَة من النِّسَاء وأمثالها، والطيبون للنَّبِي وَقَومه.
وَاعْلَم أَن عَائِشَة ﵂ كَانَت تفتخر بأَشْيَاء مِنْهَا: " أَن جِبْرِيل - عَلَيْهِ
стр. 4091
﴿والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أُولَئِكَ مبرءون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مغْفرَة ورزق كريم (٢٦) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا وتسلموا على أَهلهَا ذَلِك خير لكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ السَّلَام - أَتَى بصورتها فِي سَرقَة (من) حَرِير أَي: قِطْعَة، وَقَالَ: هَذِه زَوجك، (وَذَلِكَ) بعد وَفَاة خَدِيجَة، وَيُقَال: أَتَى بصورتها فِي كَفه، وَمِنْهَا أَن النَّبِي لم يتَزَوَّج بعذراء إِلَّا بهَا، وَمِنْهَا أَن النَّبِي قبض وَرَأسه فِي حجرها، وَدفن فِي بَيتهَا، وَمِنْهَا أَنه نزل براءتها من السَّمَاء، وَمِنْهَا أَنَّهَا بنت خَليفَة رَسُول الله، وَأَنَّهَا صديقَة ". وَكَانَ مَسْرُوق إِذا روى عَن عَائِشَة يَقُول: حَدَّثتنِي الصديقة بنت الصّديق حَبِيبَة رَسُول الله المبرأة من السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ مبرءون مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أَي: مطهرون بِمَا يَقُولُونَ.
وَقَوله: ﴿لَهُم مغْفرَة ورزق كريم﴾ الْمَغْفِرَة هُوَ الْعَفو عَن الذُّنُوب، والرزق الْكَرِيم هُوَ الْجنَّة.
стр. 4092
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا﴾ .
قَرَأَ ابْن عَبَّاس: " حَتَّى تستأذنوا " قَالَ: تستأنسوا غلط من الْكَاتِب، وَالْمَعْرُوف تستأنسوا، وَفِيه ثَلَاثَة أَقْوَال: أشهرها: " تستأذنوا " فالاستئناس بِمَعْنى الاسْتِئْذَان، وَالْقَوْل الثَّانِي: هُوَ " التنحنح " قَالَه مُجَاهِد، وَالْقَوْل الثَّالِث: " حَتَّى تستأنسوا " هُوَ التعرف والاستعلام حَتَّى يُؤذن لَهُ أَو لَا يُؤذن.
стр. 4093
( ﴿٢٧) فَإِن لم تَجدوا فِيهَا أحدا فَلَا تدخلوها حَتَّى يُؤذن لكم وَإِن قيل لكم﴾
وَقَوله: ﴿وتسلموا على أَهلهَا﴾ .
السّنة إِذا بلغ الْإِنْسَان بَاب دَار يَقُول: أَدخل؟ وَقَالَ بَعضهم: إِذا وَقع الْعين على الْعين يقدم السَّلَام، وَإِذا لم تقع الْعين على الْعين قدم الاسْتِئْذَان.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَليرْجع " فَروِيَ أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَتَى بَاب عمر، وَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَرجع، فَقَالَ عمر: أَلَيْسَ قد سَمِعت صَوت عبد الله بن قيس؟ قَالُوا: اسْتَأْذن ثَلَاثًا وَرجع، فَدَعَاهُ وَقَالَ: لم رجعت؟ فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله يَقُول كَذَا، فَقَالَ: لتَأْتِيني بِمن يشْهد لَك، وَإِلَّا لأعلونك بِالدرةِ، فجَاء أبي بن كَعْب وَذكر لَهُ ذَلِك، فجَاء وَشهد لَهُ، وَقيل: غَيره شهد لَهُ.
قَالَ الْحسن: الأول إِعْلَام، وَالثَّانِي (مُؤَامَرَة) ، وَالثَّالِث اسْتِئْذَان بِالرُّجُوعِ. وَعَن قَتَادَة قَالَ: إِذا لم يُؤذن لَهُ لَا يقْعد على الْبَاب، فَإِن للنَّاس حاجات. وَقَالَ بَعضهم: إِن كَانَ طَرِيقا يجوز أَن يقف وَيقْعد، وَإِن كَانَ فنَاء بَيته لَا يقْعد إِلَّا بِإِذْنِهِ. قَالُوا: وَإِن كَانَ الْبَاب مردودا فَلَا ينظر إِلَى الدَّار من شقّ الْبَاب، وَإِن كَانَ الْبَاب مَفْتُوحًا فَلَا بَأْس أَن ينظر؛ لِأَنَّهُ لما فتح الْبَاب فقد أذن.
стр. 4094
﴿ارْجعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أزكى لكم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عليم (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تدْخلُوا بُيُوتًا غير مسكونة فِيهَا مَتَاع لكم وَالله يعلم مَا تبدون وَمَا تكتمون﴾
стр. 4095
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن لم تَجدوا فِيهَا أحدا فَلَا تدخلوها حَتَّى يُؤذن لكم﴾ أَي: لَا تدخلوها بِغَيْر إِذن الْمَالِك.
وَقَوله: ﴿وَإِن قيل لكم ارْجعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أزكى لكم﴾ يَعْنِي: إِذا كَانَ فِي الْبَيْت قوم وَقَالُوا: ارْجع، فَليرْجع، وَالسّنة أَن لَا يتَغَيَّر أذن أَو رد لِأَنَّهُ رُبمَا يكون للْقَوْم معاذير، وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵁ يَأْتِي بَاب الْأنْصَارِيّ لطلب الحَدِيث، فيقعد على الْبَاب حَتَّى يخرج وَلَا يسْتَأْذن، فَيخرج ذَلِك الرجل وَيَقُول: يَا ابْن عَم رَسُول الله، لَو أَخْبَرتنِي؟ فَيَقُول: هَكَذَا أمرنَا أَن نطلب الْعلم.
وَقَوله: ﴿هُوَ أزكى لكم﴾ يَعْنِي: هُوَ أصلح لكم.
وَقَوله: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 4096
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تدْخلُوا بُيُوتًا غير مسكونة﴾ .
فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا الْمنَازل فِي طَرِيق الْمُسَافِرين، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا حوانيت التُّجَّار، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا الْمنَازل الخربة، وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنَّهَا الْخَانَات والمنازل فِي الطّرق، فَهُوَ الدُّخُول فِيهَا وَالنُّزُول، وَأما فِي حوانيت التُّجَّار فالمنفعة هُوَ البيع وَالشِّرَاء، وَأما فِي الخرابات فالبول وَالْغَائِط.
وَقَوله: ﴿وَالله يعلم مَا تبدون وَمَا تكتمون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَرُوِيَ عَن شُعَيْب بن الحبحاب قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَالِيَة يأتيني وَأَنا فِي دكانتي، فيستأذن ثمَّ يدْخل، فَأَقُول لَهُ: إِنَّمَا هُوَ الْحَانُوت، فَيَقُول لي: الْإِنْسَان يَخْلُو فِي حانوته بِحِسَابِهِ ودراهمه، وَأما الاسْتِئْذَان على الْمَحَارِم فَإِن كَانُوا فِي دَار مُنْفَرِدَة يسْتَأْذن، وَإِن كَانُوا فِي دَار وَاحِدَة فَإِذا دخل عَلَيْهَا يَتَنَحْنَح، ويتحرك أدنى حَرَكَة، وَقيل لِقَتَادَة: لَا
стр. 4097
( ﴿٢٩) قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم ذَلِك أزكى لَهُم إِن الله خَبِير بِمَا يصنعون (٣٠) ﴾ أَسْتَأْذن على أُمِّي؟ فَقَالَ: أَتُحِبُّ أَن ترى عورتها؟ قَالَ: لَا، قَالَ: اسْتَأْذن. وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: لَيْسَ على حوانيت السُّوق إِذن. وَعَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ إِذا جَاءَ إِلَى حَانُوت السُّوق يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم أَدخل؟ ثمَّ يلج. وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَحُذَيْفَة أَنه يسْتَأْذن على ذَوَات الْمَحَارِم، وَمثله عَن الْحسن الْبَصْرِيّ.
стр. 4098
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ الْآيَة. من صلَة وَمَعْنَاهُ: يغضوا أَبْصَارهم، حُكيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير، وَقَالَ بَعضهم: من هَا هُنَا للتَّبْعِيض، وَإِنَّمَا ذكر من هَا هُنَا؛ لِأَن غض الْبَصَر إِنَّمَا يجب عَن الْحَرَام، وَلَا يجب عَن الْحَلَال.
وَقَوله: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾ هَذَا أَمر بالتعفف. قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: حفظ الْفرج فِي كل الْقُرْآن بِمَعْنى الِامْتِنَاع من الْحَرَام، وَأما هَا هُنَا فَإِنَّهُ بِمَعْنى السّتْر.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ لعَلي ﵁ " إِن لَك فِي الْجنَّة كنزا، وَإنَّك ذُو قرنيها، فَلَا تتبع النظرة النظرة؛ فَإِن الأولى لَك، وَالثَّانيَِة عَلَيْك " رَوَاهُ على نَفسه، وَعَن بعض السّلف قَالَ: إِن النّظر يزرع الشَّهْوَة فِي الْقلب، وَرب شَهْوَة أورثت حزنا طَويلا. وَعَن خَالِد بن أبي عمرَان أَنه قَالَ: إِن الرجل لينْظر نظرة فينغل قلبه، كَمَا ينغل الْأَدِيم، فَيفْسد قلبه حَتَّى لَا ينْتَفع بِهِ.
وروى أَبُو أُمَامَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من نظر إِلَى محَاسِن امْرَأَة وغض بَصَره
стр. 4099
﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ عَنْهَا أعطَاهُ الله عبَادَة يجد حلاوتها ".
وَقَوله: ﴿ذَلِك أزكى لَهُم﴾ أَي: أطهر لَهُم.
وَقَوله: ﴿إِن الله خَبِير بِمَا يصنعون﴾ أَي: عليم بِمَا يصنعون.
стр. 4100
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾
وَرُوِيَ أَن ابْن أم مَكْتُوم أقبل إِلَى النَّبِي وَعِنْده أم سَلمَة ومَيْمُونَة فَقَالَ لَهما رَسُول الله: " احتجبا. فَقَالَتَا: إِنَّه أعمى، فَقَالَ: أعمياوان أَنْتُمَا ".
وَقَوله: ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ الزِّينَة: كل مَا تتزين [بِهِ] الْمَرْأَة من الْحلِيّ وَالثيَاب.
وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ اخْتلف القَوْل فِي هَذَا: قَالَ ابْن مَسْعُود: هِيَ الثِّيَاب وَهَذَا اخْتِيَار أبي عبيد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْكحل. وَحكى الْكَلْبِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: الْكحل والخاتم والخضاب، وَعنهُ أَنه قَالَ: الْوَجْه والكفان. وَاعْلَم أَن المُرَاد بالزينة
следующие страницы →