Полный текст (8 565 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
﴿توعدون (٣٠) نَحن أولياؤكم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ وَلكم فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم وَلكم فِيهَا مَا تدعون نزلا من غَفُور رَحِيم وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا
стр. 5987
قَوْله: ﴿نَحن أولياؤكم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ وَمعنى الْولَايَة: هُوَ الْحِفْظ والنصرة والمعونة.
وَقَوله: ﴿فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: عِنْد الْمَوْت.
﴿وَفِي الْآخِرَة﴾ أَي: بعد الْبَعْث.
وَقَوله: ﴿وَلكم فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم﴾ أَي: تلذه أَنفسكُم. وَيُقَال: مَا يخْطر على قُلُوبكُمْ.
وَقَوله: ﴿وَلكم فِيهَا مَا تدعون﴾ أَي: تتمنون، تَقول الْعَرَب: ادْع على مَا شِئْت أى: تمن على مَا شِئْت.
وَيُقَال (وَلكم فِيهَا مَا تدعون) أى مَا ادعيت أَنه لَك فَهُوَ لَك.
стр. 5988
وَقَوله: ﴿نزلا من غَفُور رَحِيم﴾ أَي: عَطاء من غَفُور رَحِيم. وَمِنْه نزل الضَّيْف. أَي: عطاؤه. وَيُقَال: منا.
﴿من غَفُور رَحِيم﴾ والغفور السَّاتِر، والرحيم العطوف.
стр. 5989
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: من دَعَا إِلَى الله هُوَ الرَّسُول. وَحكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " دَعَا إِلَى الله " عَام فِي كل من يَدْعُو إِلَى الله. وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: الْآيَة فِي المؤذنين. وَحكى هَذَا القَوْل عَن عَائِشَة ﵂ وَقد ضعف بَعضهم هَذَا القَوْل؛ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة، وَالْأَذَان كَانَ بعد الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة.
وَقَوله: ﴿وَعمل صَالحا﴾ أَي: عمل بَينه وَبَين ربه. وَيُقَال: عمل صَالحا بأَدَاء الْفَرَائِض، وَقيل: عمل صَالحا بإخلاص الدعْوَة وَالْعَمَل.
стр. 5990
وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين (٣٣) وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم (٣٤))
وَقَوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين﴾ أَي: أقرّ بِالْإِسْلَامِ وَثَبت عَلَيْهِ. وَيُقَال: من المستسلمين لحكم الله. وَمن الْمَعْرُوف عَن عَائِشَة ﵂ أَن المُرَاد من قَوْله: ﴿وَعمل صَالحا﴾ هُوَ رَكْعَتَانِ بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة. وَهَذَا على القَوْل الَّذِي قُلْنَا: إِنَّه ورد فِي المؤذنين.
стр. 5991
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة﴾ مَعْنَاهُ: وَلَا تستوي الْحَسَنَة والسيئة و " لَا " صلَة.
وَأما الْحَسَنَة والسيئة ففيهما أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنَّهُمَا التَّوْحِيد والشرك، وَالْآخر: أَنَّهُمَا الْعَفو والانتصار، وَالثَّالِث: أَنَّهُمَا المداراة والغلظة. وَالرَّابِع: أَنَّهُمَا الصَّبْر والجزع. وَالْخَامِس: أَنَّهُمَا الْحلم عِنْد الْغَضَب والسفه.
وَقَوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ أَي: ادْفَعْ السَّيئَة بالخلة الَّتِي هِيَ أحسن، والخلة هِيَ أحسن الْحلم عِنْد الْغَضَب، وَالْعَفو عِنْد الْقُدْرَة، وَالصَّبْر عِنْد الْبلَاء، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن معنى قَوْله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ أَي: بِالسَّلَامِ، قَالَه مُجَاهِد. وَمَعْنَاهُ: أَنه يسلم على من يُؤْذِيه، وَلَا يُقَابله بالأذى، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ هُوَ أَنه إِذا أذاك إِنْسَان وشتمك ونسبك إِلَى الْقَبِيح تَقول لَهُ: إِن كنت صَادِقا فغفر الله لي، وَإِن كنت كَاذِبًا فغفر الله لَك.
وَقَوله: ﴿فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة﴾ هَذَا فِي الْحلم عِنْد الْغَضَب، وَالْعَفو عِنْد الْقُدْرَة.
وَقَوله: ﴿كَأَنَّهُ ولي حميم﴾ أَي: صديق قريب، فالولي هُوَ الصّديق، وَالْحَمِيم هُوَ الْقَرِيب.
стр. 5992
﴿وَمَا يلقاها إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَمَا يلقاها إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم (٣٥) وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ فاستعذ بِاللَّه إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (٣٦) وَمن آيَاته اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ إِن كُنْتُم﴾
стр. 5993
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يلقاها إِلَّا الَّذين صَبَرُوا﴾ أَي: وَمَا يُؤْتى هَذِه الْخصْلَة، وَهِي دفع السَّيئَة بِالْحَسَنَة إِلَّا الَّذين صَبَرُوا أَي: صَبَرُوا على أوَامِر الله.
وَقَوله: ﴿وَمَا يلقاها إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم﴾ أَي: ذُو نصيب وافر من الدّين. وَيُقَال: وَمَا يلقاها أَي: وَمَا يُؤْتى الْجنَّة إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم أَي: نصيب وافر. وَقيل: ذُو جد عَظِيم، وَالْجد هُوَ البخت.
стр. 5994
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ﴾ أَي: غضب. وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن الْغَضَب جَمْرَة فِي الْإِنْسَان يُوقد فِيهَا الشَّيْطَان. وَيُقَال: نَزغ أَي: (وَسْوَسَة) .
وَقَوله: ﴿فاستعذ بِاللَّه﴾ أَي: اعْتصمَ بِاللَّه. وَقد روينَا أَن النَّبِي كَانَ يَقُول: " أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان من همزه ونفثه ونفخه ".
وَقَوله: ﴿أَنه هُوَ السَّمِيع لعليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 5995
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر﴾ فالآية فِي اللَّيْل وَالنَّهَار فِي زيادتها ونقصانها، وَالْآيَة فِي الشَّمْس وَالْقَمَر فِي دورانهما على حِسَاب مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر﴾ قَالَ عِكْرِمَة: الشَّمْس مثل الدُّنْيَا وثلثها، وَالْقَمَر مثل الدُّنْيَا مرّة وَاحِدَة. وَعَن بَعضهم قَالَ: الشَّمْس طولهَا ثَمَانُون فرسخا، وعرضها سِتُّونَ فرسخا، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ أَي: توحدون.
стр. 5996
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن استكبروا﴾ أَي: تكبروا.
стр. 5997
﴿إِيَّاه تَعْبدُونَ (٣٧) فَإِن استكبروا فَالَّذِينَ عِنْد رَبك يسبحون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وهم لَا يسأمون (٣٨) وَمن آيَاته أَنَّك ترى الأَرْض خاشعة فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت إِن الَّذِي أَحْيَاهَا لمحيي الْمَوْتَى إِنَّه على كل شَيْء قدير (٣٩) إِن الَّذين يلحدون فِي﴾
وَقَوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْد رَبك﴾ أَي: الْمَلَائِكَة.
﴿يسبحون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وهم لَا يسأمون﴾ أَي: لَا يملون. وَعَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه قَالَ: التَّسْبِيح للْمَلَائكَة كالنفس والطرف لبني آدم، فَكَمَا لَا يلْحق الْآدَمِيّ تَعب فِي الطّرف وَالنَّفس، فَكَذَلِك لَا يلحقهم التَّعَب بالتسبيح.
стр. 5998
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَنَّك ترى الأَرْض خاشعة﴾ أَي: هامدة متهشمة ميتَة لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْء.
وَقَوله: ﴿فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت﴾ أَي: تحركت للنبات.
وَقَوله: ﴿وربت﴾ أَي: ارْتَفع النَّبَات. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن هَذَا على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَمَعْنَاهُ: ربت واهتزت، أَي: ربت الأَرْض بِخُرُوج النَّبَات مِنْهَا، واهتزت أَي: تحركت.
وَقَوله: ﴿إِن الذى أَحْيَاهَا﴾ أى: أَحْيَا الأَرْض الْميتَة ﴿المحى الْمَوْتَى﴾ أَي: فِي الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه على كل شَيْء قدير﴾ أَي: قَادر.
стр. 5999
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يلحدون فِي آيَاتنَا﴾ أَي: يميلون إِلَى الحجد و [التَّكْذِيب] فِي آيَاتنَا. وكل من مَال من الْحق إِلَى الْبَاطِل، وَمن التَّوْحِيد إِلَى الشّرك فَهُوَ ملحد.
وَقَوله: ﴿لَا يخفون علينا﴾ أَي لَا يخفى كفرهم علينا.
قَوْله: ﴿أَفَمَن يلقى فِي النَّار خير أم من يَأْتِي آمنا يَوْم الْقِيَامَة﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الَّذِي يلقى فِي النَّار هُوَ أَبُو جهل، وَالَّذِي يَأْتِي آمنا هُوَ عمار، قَالَ عِكْرِمَة وَغَيره.
стр. 6000
﴿آيَاتنَا لَا يخفون علينا أَفَمَن يلقى فِي النَّار خير أم من يَأْتِي آمنا يَوْم الْقِيَامَة اعْمَلُوا مَا شِئْتُم إِنَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤٠) إِن الَّذين كفرُوا بِالذكر لما جَاءَهُم وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز (٤١) لَا يأنيه الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد (٤٢) مَا يُقَال﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن من يلقى فِي النَّار هُوَ أَبُو جهل، وَمن يأتى آمنا هُوَ حَمْزَة بن عبد الْمطلب.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن من يلقى فِي النَّار هُوَ كل كَافِر، وَالَّذِي يَأْتِي آمنا هُوَ الرَّسُول. وَيُقَال: كل مُؤمن قد أَمن من الخلود فِي النَّار. وَيُقَال: من يلقى فِي النَّار هم الَّذين يبغضون آل النَّبِي، وَمن يَأْتِي آمنا هم الَّذين يحبونهم، وَقيل: هَذَا فِي الصَّحَابَة. وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد. وَمَعْنَاهُ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فستقدمون عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿إِنَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 6001
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِالذكر لما جَاءَهُم﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ، وَفِيه حذف، والمحذوف، سيجازون على ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَأَنه لكتاب عَزِيز﴾ أَي: كريم على الله. وَيُقَال: كتاب أعزه الله.
стр. 6002
وَقَوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لَا يَأْتِيهِ التَّكْذِيب من الْكتب الْمُتَقَدّمَة، وَلَا يَأْتِيهِ من بعده كتاب ينسخه وَيَرْفَعهُ، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْبَاطِل هُوَ إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يَأْتِيهِ بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان أَي: لَا سُلْطَان لَهُ عَلَيْهِ بِوَاحِدَة مِنْهُمَا.
وَقَوله: ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ أَي: حَكِيم فِي فعله، مَحْمُود فِي قَوْله.
стр. 6003
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُقَال لَك إِلَّا مَا قد قيل للرسل من قبلك﴾ هَذَا على طَرِيق التَّعْزِيَة والتسلية للنَّبِي، فَإِن الْكفَّار كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه كَافِر وساحر وشاعر وَمَجْنُون، فَقَالَ
стр. 6004
﴿لَك إِلَّا مَا قد قيل للرسل من قبلك إِن رَبك لذُو مغْفرَة وَذُو عِقَاب أَلِيم (٤٣) وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته أأعجمي وعربي﴾ تَعَالَى معزيا ومسليا لَهُ: ﴿مَا يُقَال لَك إِلَّا ماقد قيل للرسل من قبلك﴾ أَي: لست بِأول من قيل لَهُ هَذَا، فقد نسب الْأَنْبِيَاء من قبلك إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء. وَقد تمّ الْكَلَام على هَذَا ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة﴾ أَي: لذنوب الْعباد، لمن أَرَادَ أَن يغْفر لَهُ.
وَقَوله: ﴿وَذُو عِقَاب أَلِيم﴾ أَي: لمن أَرَادَ أَن لَا يغْفر لَهُ.
وَفِي قَوْله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ قَول آخر: وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل قبل تَمام نُزُوله فَهُوَ من بَين يَدَيْهِ.
وَقَوله: ﴿من بَين يَدَيْهِ﴾ أَي: قبل النُّزُول، فَإِن الرُّسُل بشرت بِالْقُرْآنِ، فَلَا يَأْتِيهِ مَا يدحضه ويبطله ﴿وَلَا من خَلفه﴾ أَي: بعد النُّزُول، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يَأْتِيهِ كتاب ينسخه.
стр. 6005
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا﴾ أَي: بِلِسَان الْعَجم. وَيُقَال: أعجميا أَي: غير مُبين، قَالَه الْمفضل، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور.
وَقَوله: ﴿لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته﴾ أَي: بيّنت آيَاته ﴿أأعجمي وعربي﴾ مَعْنَاهُ: أقرآن أعجمي، وَرَسُول عَرَبِيّ؟ .
وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن: " لَوْلَا فصلت آيَاته عجمي وعربي " لَا على وَجه الِاسْتِفْهَام أَي: هلا جعل بعض آيَاته عجميا، وَبَعض آيَاته عَرَبيا، وَالْمُخْتَار هِيَ الْقِرَاءَة الأولى على الْمَعْنى الأول. والأعجمي كل من فِي لِسَانه عجمة، وَإِن كَانَ عَرَبيا، وَمِنْه زِيَادَة الأعجمي الشَّاعِر. والعجمي هُوَ الْوَاحِد من الْعَجم، والأعرابي كل من يسكن البدو، والعربي الْوَاحِد من الْعَرَب، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلم أر مثلي هاجه صَوت مثلهَا ... وَلَا عَرَبيا هاجه صَوت أعجما.)
وَيُقَال: إِن الْآيَة نزلت فِي يسَار بن فكيهة غُلَام ابْن الْحَضْرَمِيّ، وَكَانَ يدْخل على رَسُول الله، وَكَانَ يَهُودِيّا قد قَرَأَ الْكتب، فَقَالُوا: علم مُحَمَّدًا يسَار أَبُو فكيهة،
стр. 6006
﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى أُولَئِكَ ينادون من مَكَان بعيد (٤٤) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب فَاخْتلف فِيهِ وَلَوْلَا كلمة﴾
فَقَالَ أَبُو فكيهة: لَا، بل أَنا أتعلم مِنْهُ، وَهُوَ يعلمني.
وَقَوله: ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا﴾ أَي: الْقُرْآن ﴿هدى وشفاء﴾ أَي: هدى للأبصار، وشفاء للقلوب.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر﴾ أَي: ثقل وصمم، كَأَنَّهُ جعلهم بِمَنْزِلَة الصم حِين لم يسمعوا سَماع قَابل.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِم عمى﴾ قَالَ الْفراء: عموا وصموا على الْقُرْآن حَيْثُ لم ينتفعوا بِهِ. وَقيل: عميت أَبْصَارهم عَن الْقُرْآن، فالقرآن عَلَيْهِم بِمَنْزِلَة الْعَمى.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ ينادون من مَكَان بعيد﴾ أَي: بعيد من قُلُوبهم، حكى هَذَا عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁، وَيُقَال: ينادون من مَكَان بعيد أَي: السَّمَاء، قَالَ الْفراء: تَقول الْعَرَب لمن لَا يفهم القَوْل: إِنَّه يَأْخُذهُ من مَكَان بعيد، وَإِذا كَانَ يفهم يَقُولُونَ: إِنَّه يَأْخُذهُ من مَكَان قريب.
وَذكر بعض النَّحْوِيين أَن قَوْله: ﴿أُولَئِكَ ينادون من مَكَان بعيد﴾ جَوَاب لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِالذكر لما جَاءَهُم﴾ وَالَّذِي ذكرنَا أَن الْجَواب مَحْذُوف هُوَ الأولى، وَقد بَينا. أوردهُ النّحاس.
стр. 6007
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب فَاخْتلف فِيهِ﴾ الْكتاب هُوَ التَّوْرَاة، وَالِاخْتِلَاف فِيهِ أَنه آمن بِهِ بَعضهم وَكفر بَعضهم.
وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك﴾ أَي: تَأْخِير الْقِيَامَة إِلَى أجل مَعْلُوم عِنْده. وَعَن عَطاء قَالَ: الْكَلِمَة الَّتِي سبقت من ربه هِيَ أَن آدم صلوَات الله عَلَيْهِ لما عطس ألهمه الله تَعَالَى حَتَّى قَالَ: الْحَمد لله، فَقَالَ الله تَعَالَى: يَرْحَمك رَبك. فَهِيَ الْكَلِمَة الَّتِي سبقت من الله.
стр. 6008
﴿سبقت من رَبك لقضي بَينهم وَإِنَّهُم لفي شكّ مِنْهُ مريب (٤٥) من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا وَمَا رَبك بظلام للعبيد (٤٦) إِلَيْهِ يرد علم السَّاعَة وَمَا تخرج من ثَمَرَات من أكمامها وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْم يناديهم أَيْن شركائي﴾
وَقَوله: ﴿لقضي بَينهم﴾ أَي: لعجل لَهُم الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّهُم لفي شكّ مِنْهُ مريب﴾ أَي: مرتاب.
стр. 6009
وَقَوله: ﴿من عمل صَالحا فلنفسه﴾ أَي: نفع ذَلِك عَائِد إِلَى نَفسه.
وَقَوله: ﴿وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا﴾ أَي: وبال ذَلِك رَاجع إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ لِأَن مَا يَفْعَله يكون عدلا، وَلَا يكون ظلما. وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ أَي: لَا يُعَاقب أحدا من غير جرم.
стр. 6010
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يرد علم السَّاعَة﴾ مَعْنَاهُ: إِلَى الله برد علم السَّاعَة، وَهَذَا على الْعُمُوم، فَإِن كل من سُئِلَ عَن السَّاعَة يَقُول: الله أعلم.
وَقَوله: ﴿وَمَا تخرج من ثَمَرَة من أكمامها﴾ أَي: من أوعيتها وغلفها، والكم: غلافها، وَيُقَال: هُوَ جف الطّلع.
وَقَوله: ﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعَمَلِهِ﴾ أَي: يعلم مُدَّة الْحمل، وَيعلم وَقت وَضعه.
وَقَوله: ﴿وَيَوْم يناديهم﴾ يَعْنِي: يُنَادي الْكفَّار ﴿أَيْن شركائ﴾ على زعمكم؟
وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى يَقُول: أَيْن الْمُلُوك؟ أَيْن الْجَبَابِرَة؟ أَيْن الْآلهَة؟ أَنا الرب، لَا رب غَيْرِي، أَنا الله، لَا إِلَه غَيْرِي، أَنا الْملك، لَا ملك غَيْرِي.
وَقَوله: ﴿قَالُوا آنذاك﴾ أَي: أعلمناك، وَمِنْه أَخذ الْأذن وَالْأَذَان والمؤذن. وَهَذَا من قَول الْآلهَة.
قَالَ الْفراء وَغَيره: وَمَعْنَاهُ: أَن الْآلهَة تَقول: آذناك أَي: أعلمناك يَا رب تكذيبهم وكفرهم ﴿مَا منا من شَهِيد﴾ أَي: لَيْسَ منا أحد يشْهد أَن قَوْلهم حق، وزعمهم صَحِيح.
стр. 6011
﴿قَالُوا آذناك مَا منا من شَهِيد (٤٧) وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يدعونَ من قبل وظنوا مَا لَهُم من محيص (٤٨) لَا يسأم الْإِنْسَان من دُعَاء الْخَيْر وَإِن مَسّه الشَّرّ فيئوس قنوط (٤٩) وَلَئِن أذقناه رَحْمَة منا من بعد ضراء مسته ليَقُولن هَذَا لي وَمَا أَظن السَّاعَة قَائِمَة وَلَئِن﴾
стр. 6012
وَقَوله: ﴿وضل عَنْهُم﴾ أَي: بَطل عَنْهُم وَفَاتَ عَنْهُم ﴿مَا كَانُوا يدعونَ من قبل﴾ .
وَقَوله: ﴿وظنوا مَا لَهُم من محيص﴾ أَي: أيقنوا مَالهم من ملْجأ ومهرب.
стр. 6013
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسأم الْإِنْسَان من دُعَاء لخير﴾ أَي: من دُعَاء المَال. وَيُقَال: هُوَ الْغنى بعد الْفقر، والعافية بعد السقم. وَقيل إِن الْآيَة نزلت فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة كَانَ لَا يزَال يَدْعُو بِكَثْرَة المَال، وَفِيه نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلت لَهُ مَالا ممدودا وبنين شُهُودًا﴾ .
وَقَوله: ﴿وَإِن مَسّه الشَّرّ﴾ أَي: الْبلَاء الْفقر والشدة.
وَقَوله: ﴿فيئوس قنوط﴾ أَي: يئوس من الْخَيْر، قنوط من الرَّحْمَة. وَقيل: قنوط: أَي: سيء الظَّن بربه، كَأَنَّهُ يَقُول: لَا يكْشف الله تَعَالَى مَا بِي من الْبلَاء والشدة.
стр. 6014
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أذقناه رَحْمَة منا من بعد ضراء مسته﴾ أَي: رخاء بعد شدَّة، وغنى بعد فقر.
وَقَوله: ﴿ليَقُولن هَذَا لي﴾ أَي: باجتهادي واستحقاقي.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَظن السَّاعَة قَائِمَة﴾ أَي: آتِيَة.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن رجعت إِلَى رَبِّي﴾ أَي: رددت.
وَقَوله: ﴿إِن لي عِنْده للحسنى﴾ أَي: للخير الْكثير.
قَالَ بعض أهل الْعلم: الْكَافِر بَين منيتين باطلتين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، أما فِي الدُّنْيَا يَقُول: لَئِن رجعت إِلَى رَبِّي إِن لي عِنْده للحسنى، وَأما فِي الْآخِرَة يَقُول حِين رأى مَا
стр. 6015
﴿رجعت إِلَى رَبِّي أَن لي عِنْده للحسنى فلننبئن الَّذين كفرُوا بِمَا عمِلُوا ولنذيقنهم من عَذَاب غليظ (٥٠) وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان أعرض ونأى بجانبه وَإِذا مَسّه الشَّرّ فذو دُعَاء عريض (٥١) قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله ثمَّ كَفرْتُمْ بِهِ من أضلّ مِمَّن هُوَ فِي﴾ قدمت يَدَاهُ: يَا لَيْتَني كنت تُرَابا. وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن الْآيَة نزلت فِي شَأْن عقبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة والوليد بن الْمُغيرَة وَأبي بن خلف وَأُميَّة بن خلف وَغَيرهم، وَقد كَانُوا يمنون أنفسهم الأباطيل.
وَقَوله: ﴿فلننبئن الَّذين كفرُوا بِمَا عمِلُوا﴾ هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد.
وَقَوله: ﴿ولنذيقهم من عَذَاب غليظ﴾ أَي: شَدِيد.
стр. 6016
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان أعرض ونآى بجانبه﴾ وَقُرِئَ: " وناء بجانبه ": وَمعنى نائ بجانبه تبَاعد بجانبه.
وَقَوله: ﴿وَإِذا مَسّه الشَّرّ﴾ أَي: الشدَّة وَالْبَلَاء.
وَقَوله: ﴿فذو دُعَاء عريض﴾ أَي: كثير. قَالَ النقاش: وَالْآيَة فِي الَّذين سبق ذكرهم. وَعَن بعض أهل الْعلم أَنه قَالَ: رب عبد يعرف الله فِي الرخَاء، وَلَا يعرفهُ فِي الشدَّة، وَرب عبد يعرف الله فِي الشدَّة وَلَا يعرفهُ فِي الرخَاء. وَالْمُؤمن من يعرفهُ فِي الرخَاء والشدة جَمِيعًا. وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف أَن النَّبِي قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجدهُ أمامك، تعرف إِلَى الله فِي الرخَاء، يعرفك فِي الشدَّة، إِذا سَأَلت فاسأل الله، وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه ... . ". الْخَبَر إِلَى آخِره.
стр. 6017
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله﴾ مَعْنَاهُ: قل ياأيها الْكفَّار أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله؟ أَي: الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿ثمَّ كَفرْتُمْ بِهِ﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ.
وَقَوله: ﴿من أضلّ مِمَّن هُوَ فِي شقَاق بعيد﴾ أَي: فِي عناد للحق كَبِير، وَالْمعْنَى: أَنكُمْ أَيهَا الْكَافِرُونَ فِي الشقاق والضلال.
стр. 6018
قَوْله تَعَالَى: ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم﴾ الْآيَات فِي الْآفَاق آيَات
стр. 6019
﴿شقَاق بعيد (٥٢) سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه الْحق أَو لم يكف بِرَبِّك أَنه على كل شَيْء شَهِيد (٥٣) أَلا أَنهم فِي مرية من لِقَاء رَبهم أَلا إِنَّه بِكُل شَيْء مُحِيط (٥٤) ﴾ السَّمَوَات وَالْأَرضين، وَذَلِكَ من رفع السَّمَاء، وَخلق الْكَوَاكِب، ودوران الْفلك، وإضاءة الشَّمْس وَالْقَمَر، وَمَا أشبه ذَلِك، وَكَذَلِكَ بسط الأَرْض، وَنصب الْجبَال، وتفجير الْأَنْهَار، وغرس الْأَشْجَار، إِلَى مَا لَا يُحْصى.
وَقَوله: ﴿وَفِي أنفسهم﴾ أَي: من السّمع وَالْبَصَر، وَخلق سَائِر الْجَوَارِح وَجَمِيع الْحَواس. وَفِي بعض التفاسير: أَن من الْآيَات فِي النَّفس دُخُول الطَّعَام وَالشرَاب من مَكَان وَاحِد، وَخُرُوجه من مكانين. وَقيل: دُخُول الْأَطْعِمَة على ألوان كَثِيرَة، وخروجها على لون وَاحِد. وَقَالَ السدى: الْآيَات فِي الْآفَاق هِيَ فتح الْأَمْصَار، وَفِي الْأَنْفس فتح الرَّسُول مَكَّة. وَيُقَال: الْآيَات فِي الْآفَاق هِيَ الْفتُوح الَّتِي كَانَت بعد الرَّسُول، وَفِي أنفسهم هِيَ الَّتِي كَانَت فِي زمَان الرَّسُول. وَقيل: الْآيَات فِي الْآفَاق مَا أخبر من الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة وَمَا نزل بهم، والآيات فِي الْأَنْفس هِيَ مَا أَنْذرهُمْ من الْوَعيد وَالْعَذَاب. وَقَالَ مُجَاهِد: الْآيَات فِي الْآفَاق هُوَ إمْسَاك الْمَطَر من السَّمَاء. والآيات فِي الْأَنْفس هِيَ البلايا فِي الأجساد.
وَقَوله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه الْحق﴾ يَعْنِي: أَن الرَّسُول حق. وَقيل: الْقُرْآن حق.
وَقَوله: ﴿أولم يكف بِرَبِّك﴾ يَعْنِي: أولم يكفك يَا مُحَمَّد من رَبك [أَنه] على كل شَيْء شَهِيد وَقيل مَعْنَاهُ: أَو لَيْسَ فِي شَهَادَة رَبك كِفَايَة. وَقيل: أَو لَيْسَ فِي الدّلَالَة الَّتِي أَقَامَهَا على التَّوْحِيد كِفَايَة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه على كل شَيْء شَهِيد﴾ أَي: لِأَنَّهُ على كل شَيْء شَهِيد، أَو بِأَنَّهُ على كل شَيْء شَهِيد.
стр. 6020
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّهُم فِي مرية من لِقَاء رَبهم﴾ أَي: فِي شكّ من الْبَعْث والنشور.
وَقَوله: ﴿أَلا إِنَّه بِكُل شَيْء مُحِيط﴾ أَي: مُحِيط علمه بِجَمِيعِ ذَلِك. تمت السُّورَة.
стр. 6021
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِك يوحي إِلَيْك﴾
تَفْسِير سُورَة حم عسق
وَهِي مَكِّيَّة
(قَالَ مقَاتل) : إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك الَّذِي يبشر الله عباده الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 6022
قَوْله تَعَالَى: ﴿حم عسق﴾ حكى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن الر، وحم، وَنون نظم قَوْله الرَّحْمَن، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: أَنه اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن. وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: الْحَاء من الْحَلِيم وَالْمِيم من الْملك، وَالْعين من الْعَالم، وَالسِّين من القدوس، وَالْقَاف من الْقَادِر، وَعَن بَعضهم: أَن هَذَا قسم فَكَأَنَّهُ أقسم بحلمه وَملكه وَعلمه وسنائه وَقدرته، وَحكى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَن " حم عسق " اسْم الله الْأَعْظَم، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: " حم سُقْ " بِغَيْر الْعين، وَعَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ: مَعْنَاهُ مضى عَذَاب سَيكون وَاقعا. وَقيل: إِن الْحَاء إِشَارَة إِلَى حَرْب سَيكون، وَالْمِيم انْتِقَال ملك من قوم إِلَى قوم، وَالْعين عَدو يغلب الْعَرَب، ثمَّ الدولة تكون للْعَرَب، وَالسِّين هُوَ [سنو] المجاعة، وَالْقَاف قدرَة الله النافذة فِي مُلُوك الأَرْض. وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن حُرُوف الهجاء الَّتِي فِي أول هَذِه السُّورَة إِشَارَة إِلَى فتن تكون فِي هَذِه الْأمة، قَالَ: وَبهَا كَانَ عَليّ ﵁ يعلمهَا وَيَقْضِي بهَا. وَقَوله: ﴿كَذَلِك﴾ فِي التَّفْسِير: أَن " حم عسق " أوحى إِلَى كل نَبِي من الْأَنْبِيَاء.
стр. 6023
وَقَوله: ﴿كَذَلِك يُوحى إِلَيْك﴾ أَي: كَمَا أوحى الله نعالى إِلَى الْأَنْبِيَاء هَذِه
стр. 6024
﴿وَإِلَى الَّذين من قبلك الله الْعَزِيز الْحَكِيم (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم (٤) تكَاد السَّمَوَات يتفطرن من فوقهن وَالْمَلَائِكَة يسبحون بِحَمْد رَبهم وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض أَلا إِن الله هُوَ الغفور الرَّحِيم (٥) الْكَلِمَات، كَذَلِك يوحيها إِلَيْك. وَيُقَال: المُرَاد مِنْهُ الْوَحْي على الْجُمْلَة.
وَقَوله: ﴿وَإِلَى الَّذين من قبلك الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ يَعْنِي: أَن الله تَعَالَى يوحي إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم أَي: من صفته الْعِزَّة وَالْحكمَة، وَمَعْنَاهُ: عَزِيز فِي نصرته، حَكِيم فِي فعله، وَقُرِئَ: " كَذَلِك نوحي إِلَيْك " بالنُّون، وَمَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 6025
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
следующие страницы →