Полный текст (8 565 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَللَّه الْحَمد رب السَّمَوَات وَرب وَالْأَرْض رب الْعَالمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 6337
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: العظمة والعلو، وَقد
стр. 6338
روى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: الْكِبْرِيَاء رِدَائي، وَالْعَظَمَة إزراري، فَمن نَازَعَنِي وَاحِدَة مِنْهُمَا أَلقيته فِي جَهَنَّم ".
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز فِي انتقامه، الْحَكِيم فِي تَدْبيره، وَالله أعلم.
стр. 6339
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْحَكِيم (٢) مَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأجل مُسَمّى وَالَّذين كفرُوا عَمَّا أنذروا معرضون (٣) قل أَرَأَيْتُم مَا تدعون من دون الله أروني مَاذَا خلقُوا من الأَرْض أم لَهُم شرك فِي السَّمَوَات﴾
تَفْسِير سُورَة الْأَحْقَاف
وَهِي مَكِّيَّة
стр. 6340
قَوْله تَعَالَى: ﴿حم﴾ أَي: حم الْأَمر وَقضى، وَقَالَ قَتَادَة: أسم من أَسمَاء الْقُرْآن. وَقَالَ غَيره: قسم، وَجَوَاب الْقسم قَوْله: ﴿مَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ .
стр. 6341
وَقَوله: ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ قد بَينا.
стр. 6342
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: إِلَّا للثَّواب وَالْعِقَاب، وَيُقَال: إِلَّا لإِقَامَة الْحق.
وَقَوله: ﴿وَأجل مُسَمّى﴾ أَي: أمد يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى فنَاء السَّمَوَات وَالْأَرْض لمُدَّة مَعْلُومَة.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا عَمَّا أنذروا معرضون﴾ أَي: معرضون إِعْرَاض المكذبين الجاحدين.
стр. 6343
قَوْله: ﴿قل أَرَأَيْتُم مَا تدعون من دون الله﴾ أَي: الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿أروني مَاذَا خلقُوا من الأَرْض أم لَهُم شرك فِي السَّمَوَات﴾ أَي: فِي خلق السَّمَوَات فتعبدونها لذَلِك، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ لَهُم شرك، لَا فِي خلق الأَرْض، وَلَا فِي خلق السَّمَاء أَي: نصيب، فَكيف تعبد مَعَ الله؟ !
وَقَوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَاب من قبل هَذَا﴾ أى: بِكِتَاب من قبل الْقُرْآن يدل على مَا زعمتموه.
стр. 6344
﴿ائْتُونِي بِكِتَاب من قبل هَذَا أَو أثارة من علم إِن كُنْتُم صَادِقين (٤) وَمن أضلّ مِمَّن يَدْعُو من دون الله من لَا يستجيب لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وهم عَن دُعَائِهِمْ غافلون (٥) ﴾
وَقَوله: ﴿أَو أثارة من علم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: بَقِيَّة من علم. يُقَال: نَاقَة ذَات أثارة أَي: بَقِيَّة من سمن، وَيُقَال: أَو أثارة من علم مأثور، وَمَعْنَاهُ: إِن كَانَ [عنْدكُمْ] كتاب من كتب الْأَوَّلين، أَو علم مأثور [عَنْهُم] تَرَوْنَهُ يدل على صدق مَا قُلْتُمْ فَأتوا بذلك، وأرونيه إِن كُنْتُم صَادِقين. وَيُقَال: " أَو أثارة من علم " هُوَ الْخط، وَهَذَا حُكيَ عَن ابْن عَبَّاس، وروى مَنْصُور عَن (ابْن إِبْرَاهِيم) أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء كَانَ يخط لَهُ، وَكَانَ ذَلِك هُوَ الْوَحْي إِلَيْهِ، وَقد رُوِيَ هَذَا فِي خبر مَرْفُوع.
وَفِي بعض التفاسير: أَن من خطّ خطه علم علمه، وَعَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: أول من خطّ بالقلم إِدْرِيس النَّبِي ﵇.
وَعَن (مطرف بن الْوراق) قَالَ: قَوْله: ﴿أَو أثارة من علم﴾ هُوَ الْإِسْنَاد.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي: صَادِقين فِيمَا تقولونه.
стр. 6345
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أضلّ مِمَّن يَدْعُو من دون الله من لَا يستجيب لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: لَا يستجيب أبدا.
وَقَوله: ﴿وهم عَن دُعَائِهِمْ غافلون﴾ أَي: لَا يسمعُونَ دعاءهم وَإِن دعوا، وَالْمرَاد من الْآيَة هُوَ الْأَصْنَام، يَعْنِي: كَيفَ يعْبدُونَ الْأَصْنَام؟ وَلَو دعوهم لم يَسْتَجِيبُوا لَهُم
стр. 6346
﴿وَإِذا حشر النَّاس كَانُوا لَهُم أَعدَاء وَكَانُوا بعبادتهم كَافِرين (٦) وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين كفرُوا للحق لما جَاءَهُم هَذَا سحر مُبين (٧) أم يَقُولُونَ افتراه قل إِن افتريته فَلَا تَمْلِكُونَ لي من الله شَيْئا هُوَ أعلم بِمَا تفيضون فِيهِ كفى بِهِ شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم وَهُوَ الغفور الرَّحِيم (٨) قل مَا كنت بدعا من الرُّسُل وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي﴾ وَلم يسمعوا كَلَامهم.
стр. 6347
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حشر النَّاس كَانُوا لَهُم أَعدَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام كَانُوا لَهُم أَعدَاء، ﴿وَكَانُوا بعبادتهم كَافِرين﴾ يَعْنِي: أَنهم يَقُولُونَ: مَا دعوناكم إِلَى عبادتنا.
стр. 6348
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين كفرُوا للحق لما جَاءَهُم هَذَا سحر مُبين﴾ .
стр. 6349
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ افتراه قل إِن افتريته فَلَا تَمْلِكُونَ لي من الله شَيْئا﴾ فِي التَّفْسِير: أَن أَبَا جهل قَالَ للنَّبِي: يامحمد، إِنَّك تفتري على الله حَيْثُ تزْعم أَن هَذَا الْقُرْآن من وحيه وَكَلَامه، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام تَقوله من تِلْقَاء نَفسك.
وَقَوله: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لي من الله شَيْئا﴾ أَي: إِن افتريت على الله وعاقبني لَا تملك دفع عُقُوبَته عني.
وَقَوله: ﴿هُوَ أعلم بِمَا تفيضون فِيهِ﴾ .
وَقَوله: ﴿كفى بِهِ شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم﴾ أَي: كفى بِاللَّه شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 6350
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا كنت بدعا من الرُّسُل، وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ مَعْنَاهُ: مَا كنت أول رَسُول أرسل إِلَى بني آدم، وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هَذَا فِي الدُّنْيَا، فَأَما فِي الْآخِرَة فَلَا، وَمَعْنَاهُ: فِي الدُّنْيَا وَلَا أَدْرِي أترك بَيْنكُم أَو أقتل؟ وَيُقَال: لَا أَدْرِي أخرج كَمَا أخرجت الْأَنْبِيَاء من قبل أَو
стр. 6351
﴿وَلَا بكم إِن اتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ وَمَا أَنا إِلَّا نَذِير مُبين (٩) قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وكفرتم بِهِ وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِن الله لَا﴾ أقتل كَمَا قتلت الْأَنْبِيَاء من قبل.
وَقَوله: ﴿وَلَا بكم﴾ هَذَا خطاب مَعَ الْكفَّار، وَمَعْنَاهُ: لَا أَدْرِي أتؤخرون فِي الْعَذَاب أَو يعجل لكم الْعَذَاب، وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى لما أنزل هَذِه الْآيَة وجد النَّبِي والمؤمنون وجدا شَدِيدا أَي: اغتموا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فَقيل لَهُ: يارسول الله، هَذَا لَك خَاصَّة أولنا وَلَك؟ فَقَالَ: هِيَ لي وَلكم إِلَّا مَا فضلت بِهِ من النُّبُوَّة " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ وَمَا أَنا إِلَّا نَذِير مُبين﴾ أَي: نَذِير بَين النذارة.
стр. 6352
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وكفرتم بِهِ وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله﴾ قَالَ ابْن سِيرِين وَجَمَاعَة: هُوَ عبد الله بن سَلام، وَقد رُوِيَ هَذَا أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَغَيرهم، وعَلى هَذَا القَوْل هَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة من جملَة السُّورَة؛ لِأَن عبد الله بن سَلام أسلم بِالْمَدِينَةِ بالِاتِّفَاقِ. وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن جمَاعَة من الْيَهُود أَتَوا النَّبِي وَقد جعل رَسُول الله عبد الله بن سَلام وَرَاء ستر، فَقَالَ لَهُم: كَيفَ ابْن سَلام فِيكُم؟ فَقَالُوا: أعلمنَا وَابْن أعلمنَا، وخيرنا وَابْن خيرنا.
فَقَالَ النَّبِي: أَرَأَيْتُم لَو أسلم هَل تسلمون أَنْتُم؟ فَقَالُوا: معَاذ الله أَن يسلم، فَخرج عبد الله بن سَلام وَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَقَالُوا: هُوَ شَرنَا وَابْن شَرنَا، وأجهلنا وَابْن أجهلنا، وَجعلُوا يشتمونه، فَهُوَ قَوْله تَعَالَى " ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله﴾ ".
стр. 6353
﴿يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (١٠) وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا لَو كَانَ خيرا مَا سبقُونَا إِلَيْهِ﴾
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن المُرَاد بِهِ رجل من بني إِسْرَائِيل على الْجُمْلَة، وعَلى هَذَا فِي الْكتاب الْآيَة مَكِّيَّة مثل سَائِر آيَات السُّورَة. وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن الشَّاهِد من بني إِسْرَائِيل هُوَ مُوسَى ﵇ شهد بِمثل مَا شهد بِهِ الرَّسُول من وحدانية الله تَعَالَى، وَأَن عبَادَة الْأَصْنَام بَاطِلَة، وَهَذَا قَول مَسْرُوق وَغَيره، وَفِي بعض التفاسير: أَن
قَوْله: ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل﴾ هُوَ يَامِين بن يَامِين، وَكَانَ من عُلَمَاء الْيَهُود أسلم على يَد النَّبِي، وَالْقَوْل الأول هُوَ الْمَشْهُور.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أَي: آمن بِمَا جَاءَ بِهِ من مُحَمَّد، وتعظمتم أَنْتُم عَن الْإِيمَان بِهِ بعد ظُهُور الْحق.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَفِي التَّفْسِير: أَن فِي الْآيَة حذفا، وَتَقْدِيره: " قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ ألستم قد ظلمتم وأتيتم بالقبيح الَّذِي لَا يجوز " ثمَّ قَالَ: ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ابْتِدَاء، يَعْنِي: الْكَافرين.
стр. 6354
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة. روى أَن أمة يُقَال لَهَا: (زنيرة) أسلمت فَقَالَ مشركو قُرَيْش: لَو كَانَ فِي هَذَا الدّين خير مَا سبقتنا إِلَيْهِ هَذِه الْأمة، وَيُقَال: كَانَت آمة لعمر بن الْخطاب. وَفِي بعض التفاسير: أَن هَذِه الْأمة عميت بَعْدَمَا أسلمت، فَقَالَ الْكفَّار: إِنَّمَا أَصَابَهَا مَا أَصَابَهَا بإسلامها، فَرد الله عَلَيْهَا بصرها.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن مزينة وجهينة وغفار وَأسلم آمنُوا بِالنَّبِيِّ، وَهِي قبائل حول الْمَدِينَة، فَقَالَ بَنو عَامر وغَطَفَان وَأسد وَأَشْجَع، وَهَؤُلَاء رُءُوس قبائل الْعَرَب: لَو كَانَ فِي الدّين خير مَا سبقتنا إِلَيْهِ مزينة وجهينة وَأسلم وغفار رُعَاة البهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ردا عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿وَإِذا لم يهتدوا بِهِ﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد.
стр. 6355
﴿وَإِذ لم يهتدوا بِهِ فسيقولون هَذَا إفْك قديم (١١) وَمن قبله كتاب مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَة وَهَذَا كتاب مُصدق لِسَانا عَرَبيا لينذر الَّذين ظلمُوا وبشرى للمحسنين (١٢) إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة خَالِدين فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ (١٤) وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ إحسانا﴾
وَقَوله: ﴿فسيقولون هَذَا إفْك قديم﴾ أَي: حَدِيث مثل حَدِيث الْمُتَقَدِّمين، وَهِي كذب وزور.
стр. 6356
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قبله كتاب مُوسَى﴾ أَي: كتاب من قبل الْقُرْآن كتاب مُوسَى.
وَقَوله: ﴿إِمَامًا﴾ نصب على الْحَال.
وَقَوله: ﴿وَرَحْمَة﴾ مَعْطُوف عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَهَذَا كتاب مُصدق﴾ أَي: مُصدق للتوراة.
وَقَوله: ﴿لِسَانا عَرَبيا﴾ نصب على الْحَال أَيْضا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: بِلِسَان عَرَبِيّ.
وَقَوله: ﴿لينذر الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: الْقُرْآن ينذر الَّذين ظلمُوا، وَأما من قَرَأَ بِالتَّاءِ أَي: تنذر يَا مُحَمَّد الَّذين ظلمُوا.
وَقَوله: ﴿وبشرى للمحسنين﴾ بإيمَانهمْ وأعمالهم الصَّالِحَة.
стр. 6357
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾
وَقَوله: ﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ قد ذكرنَا أَيْضا.
стр. 6358
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة ... .﴾ الْآيَة ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 6359
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا حَملته أمه كرها وَوَضَعته كرها﴾ الكره: هُوَ الْإِكْرَاه، والكره هُوَ الْمَشَقَّة فِي الْحمل حِين يثقل الْحمل، وَالْمَشَقَّة فِي الْوَضع عِنْد الطلق، وَمعنى الكره قريب من هَذَا أَي: على كَرَاهَة مِنْهَا، وَفِي تَفْسِير النقاش: حَملته سُرُورًا، وَوَضَعته سُرُورًا، حكى عَن الْفراء: أَن الكره بِالضَّمِّ هُوَ السرُور، والكره بِالْفَتْح هُوَ الْكَرَاهَة، حَكَاهُ النقاش.
стр. 6360
﴿حَملته أمه كرها وَوَضَعته كرها وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا حَتَّى إِذا بلغ أشده وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة قَالَ رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وَأصْلح لي فِي ذريتي إِنِّي تبت إِلَيْك وَإِنِّي من الْمُسلمين (١٥) أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة وعد﴾
وَقَوله: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ مَعْنَاهُ: أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر، وَمُدَّة الفصال سنتَانِ، فَذَلِك ثَلَاثُونَ شهرا، وروى أَن امْرَأَة أَتَت بِولد لسِتَّة أشهر من وَقت النِّكَاح فِي زمَان عمر ﵁ فهم عمر برجمها، فَقَالَ عَليّ ﵁ لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا، وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ فَقَالَ عمر: لَوْلَا عَليّ لهلك عمر.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الْمَرْأَة وضعت لسِتَّة أشهر فمدة الفصال أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ شهرا، وَإِن وضعت لتسعة أشهر فمدة الفصال [أحد] وَعِشْرُونَ شهرا، وَهَذَا خلاف قَول الْفُقَهَاء؛ فَإِن عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء مُدَّة الفصال حولان بِكُل حَال.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا بلغ أشده﴾ قد بَينا معنى الأشد.
وَقَوله: ﴿وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة﴾ قد بَينا أَيْضا، وَهُوَ مُنْتَهى مُدَّة كَمَال الْعقل.
وَقَوله: ﴿قَالَ رب أوزعني﴾ أَي: ألهمني.
﴿أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وَأصْلح لي فِي ذريتي إِنِّي تبت إِلَيْك وَإِنِّي من الْمُسلمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة؟ فَقَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وَالضَّحَّاك: إِنَّهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق ﵁ وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع الْمُؤمنِينَ. وَمعنى الْآيَة: هُوَ الْإِرْشَاد إِلَى شكر الله وَدُعَاء الْوَالِدين.
стр. 6361
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا﴾ أَي: الْأَحْسَن من
стр. 6362
﴿الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون (١٦) وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُفٍّ لَكمَا أتعدانني أَن أخرج وَقد خلت الْقُرُون من قبلي وهما يستغيثان الله وَيلك آمن إِن وعد الله حق فَيَقُول مَا هَذَا﴾ أَعْمَالهم، وَالْأَحْسَن من الْأَعْمَال كل مَا يرضاه الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة﴾ أَي: مَعَ أَصْحَاب الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون﴾ أَي: يوعدون من الثَّوَاب على الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَيُقَال: إِن الْآيَة الأولى نزلت فِي سعد بن أبي وَقاص، وَكَانَ قد أسلم وَمنعه أَبَوَاهُ من الْإِسْلَام وشددا عَلَيْهِ الْأَمر ليرْجع عَن دينه، وَقد بَينا هَذَا من قبل. وَيُقَال: نزلت فِي أَخِيه عُمَيْر بن أبي وَقاص، وَمعنى الْآيَة على هَذَا: هُوَ الْوَصِيَّة بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا دون الْمُوَافقَة فِي الشّرك.
стр. 6363
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُفٍّ لَكمَا﴾ زعم جمَاعَة من أهل التَّفْسِير أَن الْآيَة نزلت فِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر ﵄ [ووالديه] أَبُو بكر وَأمه [أم] رُومَان.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أُفٍّ لَكمَا﴾ تبرم واستقذار، وَكَانَا يَقُولَانِ: اللَّهُمَّ اهده، اللَّهُمَّ أقبل بِقَلْبِه، وَكَانَ يَقُول: أتعدانني أَن (أبْعث) أَي: أتوعداني بِالْبَعْثِ، وَهَذَا هُوَ معنى قَوْله: ﴿أتعدانني أَن أخرج﴾ .
وَقَوله: ﴿وَقد خلت الْقُرُون من قبلي﴾ أَي: مَضَت الْقُرُون: من قبل، أَيْن عبد الله بن جدعَان؟ وَفُلَان وَفُلَان؟ .
وَقَوله: ﴿وهما يستغيثان الله﴾ أَي: يستغيثان بِاللَّه.
وَقَوله: ﴿وَيلك آمن﴾ أَي: وَيحك، آمن ﴿إِن وعد الله حق﴾ .
وَقَوله: ﴿فَيَقُول مَا هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين﴾ أَي: أقاصيص الْأَوَّلين، وَأنكر كثير
стр. 6364
﴿إِلَّا أساطير الْأَوَّلين (١٧) أُولَئِكَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين (١٨) وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا وليوفيهم أَعْمَالهم وهم لَا يظْلمُونَ (١٩) وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم﴾ من أهل التَّفْسِير هَذَا القَوْل، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تنكر أَن المُرَاد بِالْآيَةِ أَخُوهَا، وَكَذَلِكَ ذكر الزّجاج فِي كتاب الْمعَانِي وَغَيره، وَاسْتَدَلُّوا على ضعف هَذَا القَوْل وفساده بِأَن الله تَعَالَى قَالَ عقيب هَذِه الْآيَة
стр. 6365
: ﴿أُولَئِكَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ أَي: وَجب عَلَيْهِم القَوْل بالتعذيب فِي النَّار.
وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا يُبدل القَوْل لَدَى﴾ وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أسلم وَحسن إِسْلَامه، وَهُوَ من أفاضل الْمُسلمين، فَالصَّحِيح أَن الْآيَة فِي غَيره، وَهُوَ الْكَافِر الْعَاق (بِوَالِديهِ) الَّذِي مَاتَ على الْكفْر.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فِي أُمَم﴾ أَي: مَعَ أُمَم.
وَقَوله: ﴿قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين﴾ أَي: هالكين.
стр. 6366
قَوْله: ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ أَي: لكل الْمُؤمنِينَ دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الدَّرَجَات من الذَّهَب وَالْفِضَّة والياقوت والزبرجد والزمرد واللؤلؤ وَغَيره من الْجَوَاهِر، وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن الله تَعَالَى يدْخل الْمُؤمنِينَ الْجنَّة وَيَأْمُرهُمْ أَن يقسموها بأعمالهم.
وَقَوله: ( ﴿ولنوفينهم﴾ أَعْمَالهم وهم لَا يظْلمُونَ) أَي: لَا يُزَاد فِي إساءة الْمُسِيء، وَلَا ينقص من إِحْسَان المحسن.
стр. 6367
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ أَي: أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي الْآخِرَة من معاصيكم فِي الدُّنْيَا، وَيُقَال: شغلتكم
стр. 6368
﴿الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا فاليوم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تستكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر﴾ الشَّهَوَات عَن الطَّاعَات. وَقيل: أَخَذْتُم نصيبكم فِي الدُّنْيَا فَلَا نصيب لكم فِي الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا﴾ أَي: تلذذتم وانتفعتم بهَا، وَفِي الْمَشْهُور من الْخَبَر " أَن عمر ﵁ دخل على النَّبِي فِي خزانته وَهُوَ مُضْطَجع على [خصفة] وَبَعضه على الأَرْض، وَتَحْت رَأسه وسَادَة حشوها لِيف، وَفِي الْبَيْت أهب وَقَلِيل من الْقرظ، فَبكى عمر، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله: مَاذَا (يبكيك) ؟ فَقَالَ: ذكرت كسْرَى وَقَيْصَر وَمَا هما فِيهِ من النعم وحالك على مَا أرى، وَأَنت نَبِي الله وصفوته وَخيرته، فَقعدَ رَسُول الله وَقَالَ: أَفِي شكّ أَنْت يَا ابْن الْخطاب! أُولَئِكَ قوم عجلت لَهُم طَيِّبَاتهمْ فِي حياتهم الدُّنْيَا، وأخرت لنا إِلَى الْآخِرَة ".
وَرُوِيَ أَن عمر ﵁ قَالَ: مَا أجمل لذيذ الْعَيْش لَو شِئْت أمرت بصغار المعزى فيمسط لنا، وَأمرت بلباب الْبر فيخبز لنا، وَأمرت بالزبيب فينبذ لنا حَتَّى يصير كعين اليعقوب، فَآكل من هَذَا مرّة، وأشرب من هَذَا مرّة، وَلَكِن سَمِعت الله يَقُول لقوم: ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ ، فَأَنا أَخَاف أَن أكون مِنْهُم.
وَرُوِيَ أَنه رأى جَابر بن عبد الله وَبِيَدِهِ لحم قد اشْتَرَاهُ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: اشْتَرَيْته بدرهم. فَقَالَ: أَو كلما قَامَ أحدكُم اشْترى بدرهم لَحْمًا. وَفِي رِوَايَة: كلما اشْتهيت اشْتريت، أما سَمِعت الله يَقُول: ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ أم تخافون أَن تَكُونُوا مِنْهُم؟
وَقَوله: ﴿الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ أَي: الهوان، وَهُوَ كَذَلِك فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود.
وَقَوله: ﴿بِمَا كُنْتُم تستكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ أَي: تطلبون الْعُلُوّ والرفعة
стр. 6369
الْحق وَبِمَا كُنْتُم تفسقون وَاذْكُر أَخا عَاد إِذْ انذر قومه بالأحقاف وَقد خلت النّذر من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم قَالُوا أجئتنا لتأفكنا عَن آلِهَتنَا فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين قَالَ
وَالْغَلَبَة بِغَيْر حق
وَقَوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُم تفسقون﴾ أَي: تخرجُونَ عَن طَاعَة الله.
стр. 6370
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَاذْكُر أَخا عَاد﴾ وَهُوَ هود ﵇ وَكَانَ أَخَاهُم فِي النّسَب لَا فِي الدّين.
وَقَوله: ﴿إِذا أنذر قومه بالأحقاف﴾ أى: قومه عاداً، والأحقاف: جمع حقف، وَهُوَ الرمل المعوج وَفِي الْخَبَر: (مر رَسُول الله بِظَبْيٍ حَاقِف) أَي قد انثنى عُنُقه وَيُقَال الْأَحْقَاف رمال مستطيلة شبه الدكاكين. وَقيل: رمال مشرفة على الْبَحْر بالشحر من الْيمن وَعَن ابْن عَبَّاس أَرض بَين عمان ومهرة وَعَن ابْن إِسْحَاق أَرض بَين عمان وحضرموت كَانَت منَازِل عَاد بهَا وروى أَبُو الطُّفَيْل عَن على ﵁ أَنه قَالَ شَرّ بِئْر فِي الأَرْض بِئْر وَادي حَضرمَوْت يُقَال لَهُ: برهوت يَجْعَل فِيهَا أَرْوَاح الْكفَّار وَخير بِئْر فِي الأَرْض بِئْر زَمْزَم. وَيُقَال: جبال بِالشَّام وَالأَصَح أَنهم كَانُوا بِالْيمن وَأما منَازِل ثَمُود وَقوم لوط بَين الْمَدِينَة وَالشَّام.
وَقَوله ﴿وَقد خلت النّذر من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه﴾ أى خلت النّذر قبل هود وَبعده.
وَقَوله: ﴿أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنِّي اخاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ أَي: كَبِير
стр. 6371
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أجئتنا لتأفكنا عَن آلِهَتنَا﴾ أى: تصرفنا.
وَقَوله: (فأتنا بِمَا تعدنا) أَي: من الْعَذَاب. ﴿إِنَّمَا الْعلم عِنْد الله وأبلغكم مَا أرْسلت بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُم قوما تجهلون (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارضا مُسْتَقْبل أَوْدِيَتهمْ قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب﴾
وَقَوله: ﴿إِن كنت من الصَّادِقين﴾ يَعْنِي: إِن كنت نَبيا من قبل الله تَعَالَى.
стр. 6372
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعلم عِنْد الله﴾ أَي: وَقت عذابكم يُعلمهُ الله، وَلَا أعلمهُ أَنا.
وَقَوله: ﴿وأبلغكم مَا أرْسلت بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُم قوما تجهلون﴾ وَمَعْنَاهُ: أَن إِلَيّ تَبْلِيغ الرسَالَة، وَلَيْسَ إِلَيّ إِنْزَال الْعَذَاب، وَإِنَّمَا هُوَ إِلَى الله تَعَالَى.
стр. 6373
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عارضا مُسْتَقْبل أَوْدِيَتهمْ﴾ الْعَارِض: هُوَ السَّحَاب هَاهُنَا قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا نظرت إِلَى أسرة وَجهه ... برقتْ كبرق الْعَارِض المتهلل)
وَقَالَ آخر:
(يَا من يرى عارضا قد [بت] أرمقه ... كَأَنَّمَا الْبَرْق فِي حَافَّاته الشعل)
وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى حبس عَنْهُم الْقطر ثَلَاث سِنِين، فَجعلُوا يدعونَ ويسألون الله الْمَطَر، وَرُوِيَ أَنهم وفدوا وَفْدًا إِلَى الْحرم يسْأَلُون الْغَيْث، وَكَانَ لَهُم وَاد يُقَال لَهُ: المغيث، وَكَانَ غيثهم يَأْتِي من قبل ذَلِك الْوَادي، فَرَأَوْا سَحَابَة جَاءَت من جَانب ذَلِك الْوَادي، وَكَانَت سَوْدَاء فاستبشروا و ﴿قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ أَي: سَحَاب يُرْسل علينا الْمَطَر؛ فَقَالَ هود ﵇، وَكَانَ جَالِسا مَعَهم: ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم﴾ .
وَقَوله: ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ﴾ أَنهم كَانُوا قد قَالُوا: " فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين ". وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن أول من رأى الْعَذَاب فِي السَّمَاء امْرَأَة مِنْهُم فَقَالَت: أرى نيرانا أمامها رجال يَقُودُونَهَا.
стр. 6374
أَلِيم (٢٤) تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين (٢٥) وَلَقَد مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ وَجَعَلنَا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة)
وَفِي الْقِصَّة: أَن قوم هود قَالُوا لهود: أتوعدنا بِالرِّيحِ، وَأي الرّيح تصرعنا وتهلكنا، فروى أَن الله تَعَالَى أَمر الْملك الَّذِي هُوَ على خزانَة الرّيح أَن يُرْسل الرّيح من الخزانة فَقَالَ: وَكم أرْسلهُ؟ فَقيل لَهُ: على مِقْدَار منخر الثور، فَقَالَ: إِذا تقلب الأَرْض بِمن فِيهَا. فَقيل لَهُ: على قدر حَلقَة الْخَاتم فَأرْسلت على هَذَا الْقدر فَجعلت تطير بالظعن بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَتحمل الرَّاعِي مَعَ غنمه وَإِبِله وتروحها إِلَى الْهَوَاء، ثمَّ تطرحها على الْجبَال وتشدخها، وَكَذَلِكَ فعلت بِجَمِيعِ عَاد حَتَّى أهلكتهم، وَفِي التَّفْسِير: أَنَّهَا كَانَت تحمل الرِّجَال بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى يرى كالجراد، وَكَانَ هَذَا الْعَذَاب مسخرا عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما على مَا ذكر الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر.
وَفِي الْقِصَّة: أَن هود ﵇ اعتزل بقَوْمه الَّذين آمنُوا بِهِ وَخط لَهُم خطا، وَكَانَت الرّيح فِي ذَلِك الْخط أَلين ريح وأطيبها، وَهِي تعْمل بقَوْمه الْعَجَائِب. وَرُوِيَ أَنهم لما رَأَوْا الْعَذَاب وَأرْسلت الرّيح عَلَيْهِم دخلُوا بُيُوتهم، وَهِي من صَخْر، وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب، ففتحت الرّيح أَبْوَابهم ونزعتهم من بُيُوتهم، وأهالت الرمال عَلَيْهِم حَتَّى أهلكتهم تَحت الرمال، وَإِن أَنِين بَعضهم يسمع تحتهَا.
стр. 6375
وَقَوله: ﴿تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا﴾ أَي: بِإِذن رَبهَا.
وَقَوله: ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى لما أهلكهم بعث بطير كثير حَتَّى التقطتهم وألقتهم فِي الْبَحْر، فَأَصْبَحت مساكنهم خَالِيَة عَن جَمِيعهم، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ .
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ أَي: ذُو الإجرام.
следующие страницы →