← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله﴾ أَي: منعُوا النَّاس عَن الْإِيمَان بِاللَّه. وَقَوله: ﴿وشاقوا الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُم الْهدى﴾ أَي: خالفوا الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُم الْهدى. وَقَوله: ﴿لن يضروا الله شَيْئا﴾ أَي: ينقصوا الله شَيْئا. وَقَوله: ﴿وسيحبط أَعْمَالهم﴾ أَي: يبطل أَعْمَالهم.

стр. 6442

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ عَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ أَي: الصَّحَابَة لن يضر مَعَ الْإِيمَان شَيْء كَمَا لَا ينفع مَعَ الْكفْر شَيْء، حَتَّى أنزل الله تَعَالَى هَذِه لآيَة: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ بِالشَّكِّ والنفاق، وَيُقَال: بالمكر وَالْخداع، وَالْمَعْرُوف بالكبائر.

стр. 6443

﴿كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله ثمَّ مَاتُوا وهم كفار فَلَنْ يغْفر الله لَهُم (٣٤) فَلَا تهنوا وَتَدعُوا إِلَى السّلم وَأَنْتُم الأعلون وَالله مَعكُمْ وَلنْ يتركم أَعمالكُم (٣٥) إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو وَإِن تؤمنوا وتتقوا يُؤْتكُم أجوركم وَلَا يسألكم أَمْوَالكُم (٣٦) إِن﴾

стр. 6444

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله ثمَّ مَاتُوا وهم كفار فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 6445

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تهنوا وَتَدعُوا إِلَى السّلم﴾ أَي: (لَا تضعفوا) . وَقَوله: ﴿وَتَدعُوا إِلَى السّلم﴾ أَي: إِلَى الصُّلْح، نهى الله تَعَالَى الْمُسلمين أَن يطلبوا الصُّلْح مَعَ الْكفَّار إِذا أمكنهم الْقِتَال. وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ أَي: الغالبون القاهرون. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالله مَعكُمْ﴾ أَي: بالنصرة وَالْحِفْظ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلنْ يتركم أَعمالكُم﴾ أَي: لن ينقصكم من ثَوَاب أَعمالكُم شَيْئا، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مامن سَاعَة تمر على العَبْد الْمُسلم لَا يذكر الله فِيهَا إِلَّا كَانَت عَلَيْهِ ترة يَوْم الْقِيَامَة " أَي: نقص.

стр. 6446

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاة لدُنْيَا لعب وَلَهو﴾ أَي: مَا يلهى ويلعب بِهِ. وَقَوله: ﴿وَإِن تؤمنوا وتتقوا يُؤْتكُم أجوركم وَلَا يسألكم أَمْوَالكُم﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: وَلَا يسألكم جَمِيع أَمْوَالكُم، إِنَّمَا يسألكم قدر الزَّكَاة، وَهُوَ الْمَعْرُوف. وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا يسألكم أَمْوَالكُم لنَفسِهِ، إِنَّمَا يسألكم لكم. وَالْقَوْل الثَّالِث: وَلَا يسألكم أَمْوَالكُم؛ لِأَنَّهَا لَيست لكم فِي الْحَقِيقَة، إِنَّمَا هِيَ لَهُ.

стр. 6447

﴿يسألكموها فيحفكم تبخلوا وَيخرج أضغانكم (٣٧) هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ تدعون لتنفقوا فِي﴾

стр. 6448

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن يسألكموها فيحفكم﴾ أَي: يُبَالغ فِي مسألتكم، وَيُقَال: يلح عَلَيْكُم ويجهدكم. وَفِي بعض أَمْثَال الْعَرَب: لَيْسَ للسَّائِل المحفي مثل منع (الْخَامِس) . وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " إِن الله يحب الْحَيِي الْمُتَعَفِّف، وَيبغض السَّائِل الْمُلْحِف ". قَوْله ﴿تبخلوا﴾ أَي: تمنعوا ١٨٥٠ وَقَوله: ﴿وَيخرج أضغانكم﴾ أَي: وَيخرج الإحفاء أضغانكم، وَيظْهر مَا فِي بواطنكم من الْبُخْل والإمساك والنفاق وَالشَّكّ. وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أخبر تقله " أَي: أخبر الْإِنْسَان ببغضه، وَعَن بَعضهم أَنه قَالَ: " أَقَله بِخَبَر، يَعْنِي: ابغضه، فَهُوَ المختبر. وَفِي بعض الحكايات أَن مخارقا غَنِي لِلْمَأْمُونِ.

стр. 6449

﴿سَبِيل الله فمنكم من يبخل وَمن يبخل فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه وَالله الْغَنِيّ وَأَنْتُم الْفُقَرَاء وَإِن تنولوا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ ثمَّ لَا يَكُونُوا أمثالكم (٣٨) .﴾ (إِنِّي لمشتاق إِلَى ظلّ صَاحب ... يرق ويصفو إِن كدرت عَلَيْهِ) فَقَالَ الْمَأْمُون: خُذ مني الْخلَافَة وأتني بِهَذَا الصاحب.

стр. 6450

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾ أَي: ياهؤلاء ﴿تدعون لتنفقوا فِي سَبِيل الله﴾ أَي: فِي الْجِهَاد. وَقَوله: ﴿فمنكم من يبخل﴾ أى يمْنَع. وَقَوله ﴿وَمن يبخل فإنماعن نَفسه﴾ أَي: يفوت حَظّ نَفسه. وَقَوله: ﴿وَالله الْغَنِيّ وَأَنْتُم الْفُقَرَاء﴾ أَي: الْغَنِيّ عَنْكُم، وَأَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَيْهِ. وَقَوله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ﴾ أَي: إِن تعرضوا. وَقَوله: ﴿قوما غَيْركُمْ﴾ فِيهِ أَقْوَال أَحدهَا: مَلَائِكَة السَّمَاء، وَهَذَا أَشد الْأَقْوَال. وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن تَتَوَلَّوْا يامعشر قُرَيْش يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ أَي: أهل الْيمن، وَقد كَانَ الْأَنْصَار مِنْهُم، فَإِن الْأَوْس والخزرج حَيَّان من الْيمن، وَقد قَالَ الشَّاعِر: (وَللَّه أَوْس آخَرُونَ وخزرج ... ) وَالْقَوْل الثَّالِث: وَهُوَ الْمَعْرُوف، وَإِن تَتَوَلَّوْا يَا معشر الْعَرَب يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ أَي: الْعَجم. وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف: أَن قوما سَأَلُوا النَّبِي عَن معنى هَذِه الْآيَة وَقَالُوا: من الَّذين يستبدلهم بِنَا؟ وَكَانَ سالما جَالِسا بجنبه فَقَالَ: هَذَا وَقَومه ثمَّ قَالَ: " لَو كَانَ الدّين مُعَلّقا بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ رجال من فَارس ". وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا يَكُونُوا أمثالكم﴾ أَي: يَكُونُوا خيرا مِنْكُم وأطوع لي، وَمَعْنَاهُ: لايكونوا أمثالكم فِي مُخَالفَة الْأَوَامِر، وَالله أعلم.

стр. 6451

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا (١) ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَيتم نعْمَته﴾ تَفْسِير سُورَة الْفَتْح وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَوْلهم جَمِيعًا، وَعَن بَعضهم: انها نزلت بَين مَكَّة وَالْمَدينَة عِنْد مُنْصَرفه من الْحُدَيْبِيَة، قَالَه مسور بن مخرمَة ومروان وَغَيرهمَا. وروى مَالك عَن زيد بن أسلم، عَن ابيه، عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله فِي سفر فَقَالَ: " لقد انزلت البارحة عَليّ سُورَة هِيَ أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ثمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ أخرجه البُخَارِيّ عَن (القعْنبِي) عَن مَالك. وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ أَنه قَالَ: لما انصرفنا من مَكَّة وَقد منعنَا من نسكنا، وبنا من الْحزن والكآبة شَيْء عَظِيم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه السُّورَة، فَقَالَ النَّبِي: " هِيَ أحب إِلَيّ من جَمِيع الدُّنْيَا ".

стр. 6452

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ أَي: قضينا لَك قَضَاء بَينا. وَمعنى الْقَضَاء هُوَ الحكم بالنصرة على الْأَعْدَاء، وَ الْفَتْح فِي اللُّغَة هُوَ انفتاح المنغلق، وَقيل: هُوَ الْفَرح المزيل الْهم، وَمِنْه انفتاح الْمَسْأَلَة، وَهُوَ انكشاف الْبَيَان الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى البغية، وَأما معنى مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم الْفَتْح، فالأكثرون من الْعلمَاء والمفسرين على أَنه صلح الْحُدَيْبِيَة، فَإِن قيل: كَيفَ يكون الصُّلْح فتحا؟ وَإِن كَانَ فتحا للْمُسلمين فَهُوَ فتح للْكفَّار أَيْضا؛ لِأَن الصُّلْح يشْتَمل على الْجَانِبَيْنِ، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه قد أشكل هَذَا على عمر، " فَإِنَّهُ لما أنزل الله تَعَالَى هَذِه السُّورَة، قَالَ عمر: يَا رَسُول الله، أفتح هُوَ؟

стр. 6453

قَالَ: نعم ". وَقيل: إِنَّه أعظم فتح كَانَ فِي الْإِسْلَام؛ لِأَنَّهُ لما صَالح مَعَ الْمُشْركين ووداعهم فَكَانَ قد صَالح على وضع الْحَرْب عشر سِنِين، فاختلط الْمُشْركُونَ مَعَ الْمُسلمين بعد ذَلِك، وسمعوا الْقُرْآن، وَرَأَوا مَا عَلَيْهِ رَسُول الله وَأَصْحَابه فرغبوا فِي الْإِسْلَام، وَأسلم فِي مُدَّة الصُّلْح من الْمُشْركين أَكثر مِمَّا كَانَ أسلم فِي مُدَّة الْحَرْب، وَكثر سَواد الْإِسْلَام، وَأسلم فِي هَذِه الْمدَّة: خَالِد بن الْوَلِيد، وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وَعُثْمَان بن طَلْحَة الْعَبدَرِي، وَكثير من وُجُوه الْمُشْركين، وَقد كَانَ فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة بيعَة الرضْوَان، ووعد فتح خَيْبَر وَظُهُور الرّوم على الْفرس، وَكَانَ ذَلِك من معجزات الرَّسُول، وَكَانَ ذَلِك مِمَّا سر الْمُسلمين وساء الْمُشْركين؛ لِأَن الْمُسلمين كَانُوا يودون ظُهُور أهل الْكتاب، وَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا يودون ظُهُور الْفرس والعجم فحقق الله مَا يوده الْمُسلمُونَ وَكَانَ الْمُشْركُونَ قَالُوا حِين ظَهرت الْفرس على الرّوم: كَمَا ظهر الْفرس على الرّوم كَذَلِك نَحن نظهر عَلَيْكُم، فحين أظهر الله الرّوم على الْفرس كَانَ ذَلِك عَلامَة لظُهُور الْمُسلمين على الْمُشْركين. وَقيل فِي الْحُدَيْبِيَة: هُوَ إِبَاحَة الْحلق والنحر قبل بُلُوغ الْهَدْي مَحَله، وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن المُرَاد من الْفَتْح هُوَ فتح مَكَّة، وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى وعده فتح مَكَّة فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة.

стр. 6454

قَوْله تَعَالَى: ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ قَالَ ثَعْلَب مَعْنَاهُ: كي يغْفر الله لَك، فَاللَّام بِمَعْنى كي، قَالَ: وَحَقِيقَة الْمَعْنى هُوَ أَنه يجمع لَك الْمَغْفِرَة مَعَ الْفَتْح، فَيتم عَلَيْك النِّعْمَة بهَا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي النَّحْوِيّ: معنى قَوْله: ﴿ليغفر لَك الله﴾ أَي: ليغفرن الله لَك، فَلَمَّا أسقط النُّون خفض اللَّام. وَقَوله: ﴿مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ أَي: مَا تقدم من ذَنْبك قبل زمَان النُّبُوَّة، وَمَا تَأَخّر عَن زمَان النُّبُوَّة، وَقيل: مَا تقدم من ذَنْبك قبل الْفَتْح، وَمَا تَأَخّر عَن الْفَتْح. وَعَن الثَّوْريّ قَالَ: مَا كَانَ وَمَا يكون مالم تَفْعَلهُ، وَأَنت فَاعله، فَكَأَنَّهُ غفر لَهُ قبل الْفِعْل.

стр. 6455

﴿عَلَيْك ويهديك صراطا مُسْتَقِيمًا (٢) وينصرك الله نصرا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أنزل﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: وَأي ذَنْب كَانَ لَهُ؟ قُلْنَا: الصَّغَائِر، وَقد كَانَ مَعْصُوما من الْكَبَائِر. وَفِي تَفْسِير النقاش: أَنه كَانَ متعبدا قبل النُّبُوَّة بشريعة إِبْرَاهِيم فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق والعبادات والمعاملات وَغير ذَلِك، وَكَانَ قد تزوج خَدِيجَة وَهِي مُشركَة، وَكَذَلِكَ زوج ابْنَته رقية من عتبَة بن أبي لَهب وَهُوَ مُشْرك، و [كَذَلِك] زوج ابْنَته زَيْنَب من [أبي] الْعَاصِ بن الرّبيع وَكَانَ مُشْركًا فَهَذِهِ ذنُوبه قبل النُّبُوَّة، وَقد غفرها الله تَعَالَى لَهُ، وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ لَا على طَرِيق الْقَصْد. وَقد ثَبت عَن النَّبِي " أَنه صلى حَتَّى تورمت قدماه، فَقيل لَهُ: أتفعل هَذَا وَقد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر؟ فَقَالَ: أَفلا أكون عبدا شكُورًا. وَذكر الدمياطي فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس: أَن سبّ نزُول الْآيَة هُوَ أَن الله تَعَالَى لما أنزل قَوْله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ شمت بِهِ الْمُشْركُونَ وَالْيَهُود، وَقَالُوا: هَذَا رجل لَا يدْرِي مَا يفعل بِهِ وَلَا بِأَصْحَابِهِ، فَكيف ندخل فِي دينه؟ وَقَالَ عبد الله بن أبي بن سلول الْأنْصَارِيّ: أتدخلون فِي دين رجل وَهُوَ لَا يدْرِي مَا يفعل بِهِ، فَحزن الْمُسلمُونَ لذَلِك حزنا شَدِيدا، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ الْآيَة، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: هَنِيئًا لَك يَا رَسُول الله، فَكيف أمرنَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ . وَقَوله: ﴿وَيتم نعْمَته عَلَيْك﴾ أَي: (يتم) نعْمَته عَلَيْك بالنصر على الْأَعْدَاء

стр. 6456

﴿السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ وبالإرشاد إِلَى شرائع الْإِسْلَام، وَقد أول الْفَتْح الْمَذْكُور فِي الْآيَة بالإرشاد إِلَى الْإِسْلَام. وَقَوله: ﴿ويهديك صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ أَي: يدلك على الطَّرِيق الْمُسْتَقيم.

стр. 6457

وَقَوله: ﴿وينصرك الله نصرا عَزِيزًا﴾ أَي: (نصرا) مَعَ عز لَا ذل فِيهِ. وَفِي أصل الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النَّصْر: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ فَذَلِك الْفَتْح هُوَ هَذَا الْفَتْح. وَقَوله: ﴿وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ﴾ فَذَلِك الْأَمر بالتسبيح وَالِاسْتِغْفَار مدرج هَاهُنَا، فَكَأَن الله تَعَالَى قَالَ: ( ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ) ﴿ليغفر لَك الله﴾ ذكره أَبُو الْحُسَيْن ابْن فَارس فِي تَفْسِيره، وَجعل هَذَا الْأَمر جَوَابا لسؤال من يسال عَن الْآيَة أَنه. كَيفَ يَجْعَل قَوْله: ﴿ليغفر﴾ جَوَابا لقَوْله: ﴿إِنَّا فتحنا﴾ ؟ وَكِلَاهُمَا من الله تَعَالَى؟ فَأَجَابَهُ بِهَذَا الْوَجْه.

стр. 6458

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة﴾ قد بَينا أَن السكينَة فَعَلَيهِ من السّكُون، وحقيقتها هُوَ السّكُون إِلَى وعد الله والثقة. وَيُقَال: السكينَة هُوَ مَا ألهم الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ من الصَّبْر والتوكل عَلَيْهِ فِي لأمور كلهَا. وَقَوله: ﴿فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم﴾ أَي: تَصْدِيقًا مَعَ تصديقهم، وَقيل: يَقِينا مَعَ يقينهم. وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن الله تَعَالَى أَمر الْمُؤمنِينَ بِشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَلَمَّا قبلوا ذَلِك زادهم الصَّلَوَات الْخمس، فَلَمَّا قبلوا ذَلِك زادهم الزَّكَاة، ثمَّ زادهم الْحَج، ثمَّ زادهم الْجِهَاد، فَلَمَّا أكمل شرائعه أنزل قَوْله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ .

стр. 6459

﴿وَكَانَ الله عليما حكيما (٤) ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَيكفر عَنْهُم سيئاتهم وَكَانَ ذَلِك عِنْد الله فوزا عَظِيما (٥) ويعذب الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات الظانين بِاللَّه ظن السوء عَلَيْهِم﴾ وَقَوله: ﴿وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: جموع السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَلَو سلط أَصْغَر خلقه على جَمِيع الْعَالم لقهرهم. وَيُقَال: لَهُ جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض أَي: مَا خلق الله فِي السَّمَوَات من الْمَلَائِكَة، وَمَا خلق الله فِي الأَرْض من الْجِنّ وَالْإِنْس وَغَيرهم. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ أَي: عليما بخلقه، حكيما فِي تَدْبيره.

стр. 6460

قَوْله تَعَالَى: ﴿ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَيكفر عَنْهُم سيئاتهم وَكَانَ ذَلِك عِنْد الله فوزا عَظِيما﴾ أَي: نجاة [عَظِيمَة] .

стр. 6461

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويعذب الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات الظاني بِاللَّه ظن السوء﴾ وَمعنى ظن السوء هَاهُنَا: هُوَ أَنهم كَانُوا قد ظنُّوا على أَن أَمر مُحَمَّد لَا يتم، ويضمحل عَن قريب. وَيُقَال: إِن الرَّسُول لما توجه إِلَى مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة مَعَ أَصْحَابه معتمرين، وَلم يحمل مَعَه من السِّلَاح إِلَّا السيوف فِي القراب، قَالَ المُنَافِقُونَ وَسَائِر الْكفَّار: إِن مُحَمَّدًا لَا يرجع عَن وَجهه هَذَا أبدا وَأَنه يهْلك هُوَ وَأَصْحَابه، فَهُوَ معنى ظن السوء. وَقَوله: ﴿دَائِرَة السوء﴾ وَقُرِئَ: " دَائِرَة السوء) بِرَفْع السِّين، ومعناهما مُتَقَارب أَي: عَلَيْهِم عَاقِبَة الْهَلَاك وَقيل مَعْنَاهُ: لَهُم سوء الْعَاقِبَة لَا للرسول. وَقَوله: ﴿وَغَضب الله عَلَيْهِم ولعنهم وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ أَي: بئس المنقلب

стр. 6462

﴿دَائِرَة السوء وَغَضب الله عَلَيْهِم ولعنهم وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا (٦) وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا (٨) لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرَة وَأَصِيلا (٩) ﴾

стр. 6463

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْمُنَافِقين قَالُوا: وَمَا يُغني عَن مُحَمَّد أَصْحَابه؟ وَلَئِن ظفر بقَوْمه فَكيف يظفر بِجَمِيعِ الْعَرَب وكسرى وَقَيْصَر؟ مَا وعد مُحَمَّد أَصْحَابه إِلَّا الْغرُور، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ وَمَعْنَاهُ: أَن الظفر من قبلي، والجنود كلهَا لي، فَمن شِئْت أَن أنصره لم يعسر ذَلِك عَليّ، قل أعداؤه أَو كثر. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ منيعا فِي النَّصْر، حكيما فِي التَّدْبِير.

стр. 6464

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا﴾ أَي: شَاهدا على أمتك يَوْم الْقِيَامَة. وَيُقَال: شَاهدا بتبليغ الْأَمر وَالنَّهْي. وَقَوله: ﴿وَمُبشرا﴾ أَي: مبشرا للمطيعين. وَقَوله: ﴿وَنَذِيرا﴾ أَي: مخوفا للعاصين.

стр. 6465

وَقَوله: ﴿لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله﴾ أَي: لكَي تؤمنوا أَيهَا النَّاس بِاللَّه وَرَسُوله. وَقَوله: ﴿وتعزروه﴾ أَي: تعظموه، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " وتعززوه " أَي: تقدمُوا بِمَا يكون عزا لَهُ. وَقَوله: ﴿وتوقروه﴾ أَي: تفخموه وتبجلوه، وَيُقَال: وتعذروه مَعْنَاهُ: [تنصروه] بِالسَّيْفِ، وَهُوَ القَوْل الْمَعْرُوف، فَإِن قَالَ قَائِل: فَإلَى من ترجع الْهَاء؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الرَّسُول، وَالثَّانِي: أَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الله تَعَالَى.

стр. 6466

﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما (١٠) سَيَقُولُ لَك الْمُخَلفُونَ﴾ وَقَوله: ﴿وتسبحوه بكرَة وَأَصِيلا﴾ تَنْصَرِف إِلَى الله قولا وَاحِدًا. وَالتَّسْبِيح بالبكرة وَهُوَ صَلَاة الصُّبْح، وبالأصيل صَلَاة الظّهْر وَالْعصر.

стр. 6467

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك﴾ هَذَا فِي الْبيعَة يَوْم الْحُدَيْبِيَة. وَقد كَانُوا بَايعُوهُ على أَلا يَفروا، وَفِي رِوَايَة: بَايعُوهُ على الْمَوْت. وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يبايعون الله﴾ أَي: من أَخذ الْعَهْد مِنْك فقد أَخذ الْعَهْد مني، وَمن بَايَعَك فقد بايعني. وَعَن بَعضهم: من دخل فِي الْإِسْلَام فقد بَايع الله، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ﴾ الْآيَة. وَقَوله: ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ أَي: يَد الله فِي النُّصْرَة والْمنَّة عَلَيْهِم فَوق أَيْديهم بِالطَّاعَةِ لَك. وَيُقَال مَعْنَاهُ: يَد الله فِي الْوَفَاء بقوله ﴿فَوق أَيْديهم﴾ فِي الْوَفَاء بعهدهم وَيُقَال: إِحْسَان الله تَعَالَى إِلَيْهِم فَوق إحسانهم إِلَيْك بالنصرة، ومنة الله عَلَيْهِم فَوق منتهم عَلَيْك فِي قبُول مَا جِئْت بِهِ. وَقَوله: ﴿فَمن نكث﴾ أَي: من نقض الْعَهْد. وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه﴾ أَي: وبال نقض عَهده عَلَيْهِ. وَيُقَال: إِن الْآيَة نزلت فِي الْجد بن قيس، وَكَانَ من الْمُنَافِقين، فَلَمَّا بَايع رَسُول الله مَعَ أَصْحَابه بيعَة الرضْوَان اخْتَبَأَ تَحت إبط بعير وَلم يُبَايع. وَمعنى النكث: [هُوَ] التّرْك. وَقَوله: ﴿وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما﴾ أَي: كثيرا.

стр. 6468

قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ لَك الْمُخَلفُونَ من الْأَعْرَاب﴾ نزلت الْآيَة فِي مزينة وجهينة وَأَشْجَع وَأسلم، وَكَانُوا قد تخلفوا عَن رَسُول الله فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة، وَاعْتَذَرُوا

стр. 6469

﴿من الْأَعْرَاب شَغَلَتْنَا أَمْوَالنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفر لنا يَقُولُونَ بألسنتم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم قل فَمن يملك لكم من الله شَيْئا إِن أَرَادَ بكم ضرا أَو أَرَادَ بكم نفعا بل كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا (١١) بل ظننتم أَن لن يَنْقَلِب الرَّسُول والمؤمنون إِلَى أَهْليهمْ أبدا وزين ذَلِك فِي﴾ بِالشغلِ فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول الله جَاءُوا معتذرين، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة. وَقَوله ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفر لنا﴾ أَي أطلب لنا الْمَغْفِرَة من الله تَعَالَى وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: أَنهم لَا يبالون استغفرت لَهُم أَو تركت الاسْتِغْفَار لَهُم لنفاقهم، وَإِنَّمَا يظْهر طلب الاسْتِغْفَار تقية وخوفا. وَهَذَا فِي الْمُنَافِقين من هَذِه الْقَبَائِل لَا فِي جَمِيعهم، فَإِنَّهُ قد كَانَ فيهم مُسلمُونَ محققون إسْلَامهمْ. وَقَوله: ﴿قل فَمن يملك لكم من الله شَيْئا﴾ أَي: يدْفع عَنْكُم عَذَاب الله، وَمن يمنعكم من الله إِن أَرَادَ عقوبتكم. وَقَوله: ﴿إِن أَرَادَ بكم ضرا أَو أَرَادَ بكم نفعا﴾ أَي: لَيْسَ الْأَمر فِي جَمِيع هَذَا إِلَّا بِيَدِهِ وَقَوله. بل كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا) أَي: عليما. وَيُقَال فِي قَوْله: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالنَا﴾ أَي: لَيْسَ لنا من يقوم بهَا. وَقَوله: ﴿وَأَهْلُونَا﴾ أَي: لَيْسَ لنا من يخلفنا فِي الْقيام بأمرهم. وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ فِي قُلُوبهم الشَّك. وَقَوله: ﴿قل فَمن يملك لكم من الله شَيْئا إِن أَرَادَ بكم ضرا﴾ أَي: الْهَزِيمَة. وَقَوله: ﴿أَو أَرَادَ بكم نفعا﴾ أَي: النُّصْرَة وَالْغنيمَة.

стр. 6470

﴿قُلُوبكُمْ وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (١٢) وَمن لم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله فَإنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سعيرا (١٣) وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم لتأخذوها﴾

стр. 6471

قَوْله تَعَالَى: ﴿بل ظننتم أَن لن يَنْقَلِب الرَّسُول والمؤمنون إِلَى أَهْليهمْ أبدا﴾ قد بَينا ظنهم ﴿وزين ذَلِك فِي قُلُوبكُمْ﴾ أَي: زينه الشَّيْطَان. وَقَوله: ﴿وظننتم ظن السوء﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ. وَقَوله: ﴿وكنتم قوما بورا﴾ أَي: هلكى. قَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن اسْلَمْ: هُوَ الَّذِي لَا خير فِيهِ. وَيُقَال: إِن فِي لُغَة أَزْد عمان البور: الْفَاسِد، وَيُقَال: رجل بور، ورجلان بوران، وَرِجَال بور، وَيُقَال: أَصبَحت اعمالهم بورا ومساكنهم قبورا. وَقيل: بورا: فَاسِدَة قُلُوبهم، لَا محسنين وَلَا متقين. وَفِي التَّفْسِير: أَنه كَانَ ظنهم أَن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه يقتلُون فِي ذَلِك الْوَجْه، وَلَا يرجعُونَ أبدا إِلَى الْمَدِينَة.

стр. 6472

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن لم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله فَإنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سعيرا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: السعير هُوَ الطَّبَق السَّادِس من جَهَنَّم.

стр. 6473

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 6474

قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم لتأخذوها﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: هُوَ أَن الله تَعَالَى وعد أهل الْحُدَيْبِيَة غَنَائِم خَيْبَر، وَقد كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب الَّذين تخلفوا عَن رَسُول الله وظنوا ظن السوء طمعوا فِي غَنَائِم خَيْبَر وَكَانَ الله قد جعل غَنَائِم خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة خَاصَّة، فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِي وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة، وتوجهوا قبل خَيْبَر جَاءَ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب، وَاسْتَأْذَنُوا رَسُول الله أَن يَكُونُوا مَعَه فِي هَذِه الْغَزْوَة، وَقَالُوا: ذرونا نتبعكم. وَقَوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ يَعْنِي: حكم الله الَّذِي حكم فِي غَنَائِم

стр. 6475

﴿ذرونا نتبعكم يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله قل لن تبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كَانُوا لَا يفقهُونَ إِلَّا قَلِيلا (١٥) قل للمخلفين من الْأَعْرَاب﴾ خَيْبَر أَنَّهَا لأهل (الْمَدِينَة) خَاصَّة، حَيْثُ طمعوا أَن يُصِيبُوا مِنْهَا، وَيُقَال معنى قَوْله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا﴾ فأرادوا [أَن] يبدلوا هَذَا الْكَلَام الَّذِي قَالَه الله، ويظهروا أَنا خرجنَا وقاتلنا خلاف مَا قَالَه الله. وَفِي التَّفْسِير: أَنهم لما قَالُوا: ذرونا نتبعكم، قَالَ لَهُم أَصْحَاب رَسُول الله: نَأْذَن لكم فِي الْقِتَال على أَن تَكُونُوا متطوعين فِي الْقِتَال لَا سهم لكم فِي الْغَنِيمَة؛ لِأَن غنيمَة خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة خَاصَّة. وَقَوله: ﴿قل لن تتبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل﴾ فعلى القَوْل الأول [لن] تتبعونا أصلا، وعَلى القَوْل الثَّانِي قل لن تتبعونا لأخذ الْغَنِيمَة. وَقَوله: ﴿كذلكم قَالَ الله من قبل﴾ أَي: حكم الله من قبل. وَقَوله: ﴿فسيقولون بل تحسدوننا﴾ أَي: لم تأذنوا لنا فِي اتباعكم [حسدا] مِنْكُم لنا لِئَلَّا نصيب مَا تصيبون. وَقَوله: ﴿بل كَانُوا لَا يفقهُونَ إِلَّا قَلِيلا﴾ أَي: لَا يعلمُونَ مَا لَهُم وَمَا عَلَيْهِم فِي الدّين إِلَّا قَلِيلا.

стр. 6476

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد﴾ أصح الْأَقَاوِيل أَنهم بَنو حنيفَة، أولُوا بَأْس شَدِيد حَيْثُ قَاتلُوا الْمُسلمين مَعَ مُسَيْلمَة الْكذَّاب. قَالَ رَافع بن خديج: مَا كُنَّا نعلم معنى قَوْله: ﴿أولي بَأْس شَدِيد﴾ حَتَّى

стр. 6477

﴿ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا﴾ دَعَانَا أَبُو بكر ﵁ إِلَى قتال مُسَيْلمَة، وَكَانَ ذَلِك الْحَرْب حَربًا شَدِيدا على الْمُسلمين، اسْتشْهد فِيهِ كثير من الصَّحَابَة. وَيُقَال: اسْتشْهد فِيهِ سَبْعمِائة نفر من أَصْحَاب رَسُول الله فيهم زيد بن الْخطاب أَخُو عمر بن الْخطاب وعكاشة بن [مُحصن] . وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿أولي بَأْس شَدِيد﴾ هُوَ هوَازن وَثَقِيف، قَالَه الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنهم فَارس، وَكَانَ الْحَرْب مَعَهم أَشد حَرْب على الْمُسلمين فِي زمَان عمر ﵁. وَفِي القَوْل الأول، وَفِي هَذَا القَوْل دَلِيل على خلَافَة ابي بكر وَعمر، لِأَنَّهُمَا دعوا الْمُسلمين إِلَى قتال مُسَيْلمَة وقتال فَارس، وَقد كَانَ مَعَ فَارس وقْعَة الْقَادِسِيَّة، وفيهَا قتل رستم صَاحب جَيش الْعَجم، ووقعة جلولا ووقعة نهاوند، وَهِي تسمى فتح الْفتُوح، وَلم تقم بعْدهَا قَائِمَة، وتمزق ملكهم، وَصدق الله دَعْوَة النَّبِي حَيْثُ قَالَ: " اللَّهُمَّ فمزق ملك فَارس ". وَرُوِيَ أَن أَن كسْرَى لما مزق كتاب النَّبِي وَبلغ ذَلِك رَسُول الله فَقَالَ: " مزق ملكه ". وَعَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ فِي قَوْله: ﴿إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد﴾ قَالَ: هم الرّوم وَمَعَهُمْ الملحمة الْكُبْرَى فِي آخر الزَّمَان.

стр. 6478

﴿حسنا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل يعذبكم عذَابا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَمن يتول يعذبه عذَابا أَلِيمًا (١٧) لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ﴾ وَأَصَح الْأَقَاوِيل هُوَ القَوْل الأول؛ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ وَمَعْنَاهُ: أَو يسلمُوا، وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِي الْمُرْتَدين الَّذين لَا يجوز أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُم، فأنما الْمَجُوس وَالنَّصَارَى فَيجوز أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُم. وَأما مُجَاهِد حمل الْآيَة على أهل الْأَوْثَان. وَقَوله: ﴿فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا حسنا﴾ أَي: الْجنَّة. وَقَوله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل﴾ أَي: تعرضوا كَمَا أعرضتم من قبل. وَقَوله: ﴿يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ أَي: وجيعا. فَإِن قيل: ذكر فِي هَذِه الْآيَة قَوْله: ﴿ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد﴾ وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿قل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا﴾ وَإِنَّمَا قَاتلُوا مَعَ أبي بكر وَعمر وَلم يقاتلوا مَعَ الرَّسُول.

стр. 6479

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج﴾ يَعْنِي: لَا حرج على من تخلف عَنْك بِهَذِهِ الْأَعْذَار عَن غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة. والحرج: الْإِثْم، وَمعنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى أَبَاحَ غَنَائِم خَيْبَر لقوم تخلفوا عَن غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة بِهَذِهِ الْأَعْذَار. وَقيل: إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم: أَبُو أَحْمد بن جحش، وَأمه آمِنَة بنت عبد الْمطلب، وَعبد الله بن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، وَغَيرهم. وَقَوله: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَمن يتول يعذبه عذَابا أَلِيمًا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 6480

﴿إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾
следующие страницы →