← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

﴿مثله إِن كَانُوا صَادِقين (٣٤) أم خلقُوا من غير شَيْء أم هم الْخَالِقُونَ (٣٥) أم خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض بل لَا يوقنون (٣٦) ﴾ مُحَمَّد إِن كَانُوا صَادِقين أَنه اختلقه وافتراه. وَهَذَا بِمَعْنى التحدي على مَا ذكره فِي مَوَاضِع كَثِيرَة.

стр. 6722

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم خلقُوا من غير شَيْء﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن مَعْنَاهُ: أم خلقُوا من غير أَن يكون لَهُم خَالق وصانع أَي: تَكُونُوا بِأَنْفسِهِم. وَقَوله: ﴿أم هم الْخَالِقُونَ﴾ أَي: خلقُوا أنفسهم، وَالْمرَاد على هَذَا القَوْل، أَنهم إِذا لم يدعوا أَنهم تَكُونُوا من غير خَالق وصانع، وَلَا ادعوا أَنهم الَّذين هم خلقُوا أنفسهم، وأقروا أَن خالقهم هُوَ الله، فَلَا يَنْبَغِي أَن يعبدوا مَعَه غَيره. وَالْقَوْل الثَّانِي أَن مَعْنَاهُ: أم خلقُوا من غير شَيْء أَي: لغير شَيْء، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا﴾ وَمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: هَل يجوز أَن يكون " من " بِمَعْنى اللَّام؟ وَالْجَوَاب: أَن بَعضهم قد أجَاز ذَلِك، وَمن لم يجز قَالَ مَعْنَاهُ: أم خلقُوا من غير شَيْء توجبه الْحِكْمَة يعْنى: أَن الْحِكْمَة أوجبت خلقهمْ ذكره النّحاس أَيْضا وَالْأول أظهر فِي الْمَعْنى.

стр. 6723

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: أم يدعونَ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض للأصنام الَّتِي يعبدونها. قَوْله ﴿بل لَا يوقنون﴾ أى لَا يوقنون بِمَا يدعونَ وَقيل أم خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض أى أهم الَّذين خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض. مَعْنَاهُ: أَنهم لم يخلقوا السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَفِي التَّفْسِير: أَنهم كَانُوا مقرين بِأَن الله خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض. فَالْمَعْنى: أَنهم إِذا كَانُوا مقرين بِأَن الله هُوَ الْخَالِق فَلم يشركوه مَعَه غَيره؟ ! .

стр. 6724

﴿أم عِنْدهم خَزَائِن رَبك أم هم المسيطرون (٣٧) أم لَهُم سلم يَسْتَمِعُون فِيهِ فليأت مستمعهم بسُلْطَان مُبين (٣٨) أم لَهُ الْبَنَات وَلكم البنون (٣٩) أم تَسْأَلهُمْ أجرا فهم من﴾

стр. 6725

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم عِنْدهم خَزَائِن رَبك﴾ أَي: عطايا رَبك، وَيُقَال: خزائنه من الرزق والمطر، فهم يملكُونَ ويعطون من شَاءُوا. قَوْله: ﴿أم هم المسيطرون﴾ أَي: الأرباب المسلطون. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْمعْنَى: أَنهم لَيْسُوا كَذَلِك. يُقَال: تسيطر الرجل على فلَان، إِذا حمله على مَا يُحِبهُ ويهواه.

стр. 6726

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم سلم﴾ أَي: درج ومرقى. وَقَوله: ﴿يَسْتَمِعُون فِيهِ﴾ أَي: عَلَيْهِ، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي: على جُذُوع النّخل. وَقَوله: ﴿فليأت مستمعهم بسُلْطَان مُبين﴾ أَي: فليأت من ادّعى الِاسْتِمَاع مِنْهُم بِحجَّة بَيِّنَة. وَفِي بعض التفاسير: كَمَا أَتَى جِبْرِيل بِالْحجَّةِ فِي أَنه قد سمع الْوَحْي.

стр. 6727

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُ الْبَنَات وَلكم البنون﴾ مَعْنَاهُ: كَيفَ تَقولُونَ أَن لَهُ الْبَنَات وَأَنْتُم لَا ترْضونَ ذَلِك لأنفسكم؟ وَالْمعْنَى: أَنه لَيْسَ الْأَمر كَمَا تَزْعُمُونَ.

стр. 6728

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم تَسْأَلهُمْ أجرا﴾ أى علا على تَبْلِيغ الرسَالَة. وَقَوله ﴿فهم من مغرم مثقلون أَي: فهم من المغرم الَّذِي لحقهم مثقلون. يُقَال: لحق فلَانا دين فادح، أَو دين ثقيل، فَهُوَ مثقل.

стр. 6729

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم عِنْدهم الْغَيْب فهم يَكْتُبُونَ﴾ مَعْنَاهُ: علم الْغَيْب، وَيُقَال: اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فهم يَكْتُبُونَ مِنْهُ مَا يزعمونه ويدعونه، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ عِنْدهم ذَلِك، فقد ادعوا مَا ادعوا فَقَالُوا مَا قَالُوا زورا وكذبا. وَيُقَال: أم عِنْدهم الْغَيْب أَي: كتاب من الله فهم يَقُولُونَ مَا يَقُولُونَ مِنْهُ.

стр. 6730

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يُرِيدُونَ كيدا﴾ أَي: كيدا بك، وكيدهم: هُوَ مَا دبروه فِي أمره

стр. 6731

﴿مغرم مثقلون (٤٠) أم عِنْدهم الْغَيْب فهم يَكْتُبُونَ (٤١) أم يُرِيدُونَ كيدا فَالَّذِينَ كفرُوا هم المكيدون (٤٢) أم لَهُم إِلَه غير الله سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ (٤٣) وَإِن﴾ ليخرجوه من مَكَّة أَو يقتلوه أَو يحسبوه. وَقَوله: ﴿فَالَّذِينَ كفرُوا هم المكيدون﴾ أَي: هم المقتولون، وَقد قتلوا ببدر. وَيُقَال: مَعْنَاهُ: أَن كيدنا ومكرنا نَازل بهم.

стр. 6732

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم إِلَه غير الله﴾ فَإِن قيل: قد كَانُوا يدعونَ أَن لَهُم آلِهَة غير الله، فَكيف يَصح قَوْله أم لَهُم إِلَه غير الله يحي وَيُمِيت، وَيُعْطِي وَيمْنَع، ويرزق وَيحرم؟ ! . وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ﴾ نزه نَفسه عَن شركهم، وَعَما كَانُوا يعتقدونه من عبَادَة غَيره.

стр. 6733

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يرَوا كسفا من السَّمَاء﴾ أَي: جانبا من السَّمَاء، أَو قِطْعَة من السَّمَاء، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن بعض الْكفَّار قَالُوا: ﴿فأسقط علينا كسفا من السَّمَاء إِن كنت من الصَّادِقين﴾ . وَالْمعْنَى أَنه [لَو] سقط عَلَيْهِم جَانب من السَّمَاء فظلوا فِيهِ يعرجون لقالوا: إِنَّمَا سكرت أبصارنا.

стр. 6734

قَوْله تَعَالَى: ﴿فذرهم حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي فِيهِ يصعقون﴾ وَقُرِئَ: " يصعقون " يَعْنِي: يموتون. وَيُقَال: هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، ويصعقون هُوَ نزُول الْعَذَاب بهم.

стр. 6735

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم لَا يُغني عَنْهُم كيدهم شَيْئا﴾ أَي: حيلتهم. وَقَوله: ﴿وَلَا هم ينْصرُونَ﴾ أَي: لَا يمْنَع مِنْهُم الْعَذَاب. وَيُقَال: لَا يكون لَهُم نَاصِر يدْفع عَنْهُم.

стр. 6736

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن للَّذين ظلمُوا عذَابا دون ذَلِك﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنه عَذَاب

стр. 6737

﴿يرَوا كسفا من السَّمَاء سَاقِطا يَقُولُونَ سَحَاب مركوم (٤٤) فذرهم حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي فِيهِ يصعقون (٤٥) يَوْم لَا يُغني عَنْهُم كيدهم شَيْئا وَلَا هم ينْصرُونَ (٤٦) وَإِن﴾ لقبر. وَعَن مُجَاهِد: أَنه الْجُوع فِي الدُّنْيَا. وَيُقَال ﴿أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَن الْعَذَاب نَازل بهم، فَهَذَا دَلِيل على أَنه قد كَانَ فيهم من هُوَ متعنت يعرف وينكر.

стр. 6738

قَوْله تَعَالَى: ﴿واصبر لحكم رَبك﴾ أَي: لما حكم عَلَيْك، وَهَذَا تَعْزِيَة وتسلية لَهُ فِي الْأَذَى الَّذِي كَانَ يلْحقهُ من الْكفَّار. وَقَوله: ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: بمرأى منا، وَيُقَال: نَحن نرَاك ونحفظك ونرعاك. قَالَ أهل الْمعَانِي: وَهَذَا إِنَّمَا قَالَه لتيسير الْأَمر عَلَيْهِ وتسهيله، لِأَنَّهُ إِذا علم أَن الْأَذَى الَّذِي يلْحقهُ من الْكفَّار بِحكم الله ومرأى مِنْهُ، سهل عَلَيْهِ بعض السهولة، فَإِنَّهُ لَا يتْرك مجازاتهم على ذَلِك وإثابته على مَا لحقه من الْأَذَى. وَقَوله: ﴿وَسبح بِحَمْد رَبك﴾ أَي: صل حامدا لِرَبِّك. وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَن مَعْنَاهُ: هُوَ أَنه إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وتبارك اسْمك، وَتَعَالَى جدك، وَلَا إِلَه غَيْرك. وَعَن بَعضهم أَنه إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة يَقُول: الله أكبر كَبِيرا، وَالْحَمْد لله كثيرا وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا، فَهُوَ المُرَاد من الْآيَة، قَالَه زر بن حُبَيْش. وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَص مَعْنَاهُ: أَنه يَقُول: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك إِذا قَامَ [من] أَي مجْلِس كَانَ. وَعَن بَعضهم أَنه بقول: إِذا قَامَ من الْمجْلس: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، استغفرك وَأَتُوب إِلَيْك. فَهُوَ كَفَّارَة لكل مجْلِس جلسه الْإِنْسَان. وَقَوله: ﴿حِين تقوم﴾ قد بَينا.

стр. 6739

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن اللَّيْل فسبحه﴾ أَي: صل لَهُ، وَيُقَال: إِنَّه صَلَاة الْمغرب

стр. 6740

﴿للَّذين ظلمُوا عذَابا دون ذَلِك وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ (٤٧) واصبر لحكم رَبك فَإنَّك بأعيننا وَسبح بِحَمْد رَبك حِين تقوم (٤٨) وَمن اللَّيْلَة فسبحه وإدبار النُّجُوم (٤٩) ﴾ وَالْعشَاء. قَالَ مُجَاهِد: هُوَ اللَّيْل كُله. وَقَوله: ﴿وإدبار النُّجُوم﴾ قَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس: هُوَ الركعتان قبل الصُّبْح. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ". فعلى هَذَا معنى " إدبار السُّجُود " رَكعَتَا الْمغرب، قَالَه ابْن عَبَّاس، " وإدبار النُّجُوم " رَكعَتَا الصُّبْح، وَإِنَّمَا سماهما إدبار النُّجُوم لِأَن الرجل يُصَلِّيهمَا عِنْدَمَا يَزُول سُلْطَان النُّجُوم من الضَّوْء، كَالرّجلِ يدبر عَن الشَّيْء فيزول سُلْطَانه عَنهُ. وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿وإدبار النُّجُوم﴾ هُوَ التَّسْبِيح بعد صَلَاة الصُّبْح.

стр. 6741

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿والنجم إِذا هوى (١) تَفْسِير سُورَة والنجم وَهِي مَكِّيَّة، وَفِي قَول بَعضهم إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم﴾ الْآيَة. قَالَ: هِيَ نزلت بِالْمَدِينَةِ. وَهَذِه السُّورَة أول سُورَة أعلنها النَّبِي وَقرأَهَا جَهرا عِنْد الْمُشْركين.

стр. 6742

قَوْله تَعَالَى: ﴿و النجم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة الْوَالِبِي هُوَ الثريا، [وَهِي] إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مُجَاهِد. وروى أَسْبَاط عَن السدى: أَنه الزهرة. وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى، وَهُوَ قَول جمَاعَة: أَن المُرَاد بِهِ الْقُرْآن أنزل نجما نجما فِي عشْرين سنة. وَقيل: فِي ثَلَاث وَعشْرين سنة. وَالْقَوْل الرَّابِع: قَول قَتَادَة وَغَيره أَنه جَمِيع النُّجُوم فِي السَّمَاء، عبر عَنْهَا باسم الْجِنْس، وَهَذَا أظهر الْأَقَاوِيل؛ لِأَنَّهُ يُطَابق اللَّفْظ من كل وَجه. وَيجوز أَن يذكر النَّجْم بِمَعْنى النُّجُوم. قَالَ [عمر] بن أبي ربيعَة: (أحسن [النَّجْم] فِي السَّمَاء الثريا ... والثريا فِي الأَرْض زين السَّمَاء) وَمَعْنَاهُ: أحسن النُّجُوم. وَقَوله: ﴿إِذا هوى﴾ أَي: غَابَ وغار هَذَا إِذا حملناه على النَّجْم الْمَعْرُوف وَأما إِذا حملناه على نُجُوم الْقُرْآن؛ فَمَعْنَاه: إِذا نزل يَعْنِي نزل جِبْرِيل ﵇. وَعَن بَعضهم أَنه قَالَ: ﴿والنجم إِذا هوى﴾ أَي: تساقطت يَوْم الْقِيَامَة أَي:

стр. 6743

﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى (٢) وَمَا ينْطق عَن الْهوى (٣) إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى (٤) علمه شَدِيد القوى (٥) النُّجُوم، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا النُّجُوم انكدرت﴾ أَي: انتثرت. وَعَن بَعضهم: ﴿إِذا هوى﴾ مَعْنَاهُ: انقضاضها فِي أثر الشَّيَاطِين، وَهُوَ الرَّمْي بِالشُّهُبِ على مَا ورد بِهِ الْقُرْآن فِي مَوَاضِع كَثِيرَة.

стр. 6744

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ الْآيَة الأولى وَردت على وَجه الْقسم وَمَعْنَاهُ وَرب النَّجْم. وَقَوله ﴿مَا ضل صَاحبكُم﴾ على هَذَا وَقع الْقسم، وَكَانَت قُرَيْش يَقُولُونَ: إِن مُحَمَّدًا ضال غاو، فأقسم الله تَعَالَى أَنه مَا ضل وَمَا غوى، أَي: مَا أَخطَأ [طَرِيقا] ﴿وَمَا غوى﴾ أَي: مَا خرج عَن الرشد فِي أَمر دينه ودنياه، والغي: ضد الرشد. وَيُقَال: مَا غوى أَي: مَا خَابَ سَعْيه فِيمَا يَطْلُبهُ. كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى وجود مَا هُوَ فِي طلبه. قَالَ الشَّاعِر: (وَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمره ... وَمن يغو لَا يعْدم على الغي لائما) أَي: من خَابَ سَعْيه، وَلم يجد مَا يَطْلُبهُ.

стр. 6745

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بالهوى. وَقَالَ غَيره: مَا ينْطق عَن هَوَاهُ أَي: مَا ينْطق بِغَيْر الْحق؛ لِأَن من اتبع الْهوى فِي قَوْله قَالَ بِغَيْر الْحق.

стр. 6746

وَقَوله: ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ الْوَحْي فِي اللُّغَة: إِلْقَاء الشَّيْء إِلَى النَّفس خُفْيَة، وَهُوَ فِي عرف أهل الْإِسْلَام عبارَة عَمَّا ينزله الله تَعَالَى على الْأَنْبِيَاء، وَمن الْأَنْبِيَاء التَّبْلِيغ إِلَى الْخلق.

стр. 6747

قَوْله تَعَالَى: ﴿علمه شَدِيد القوى﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير على أَن المُرَاد بِهِ جِبْرِيل ﵇، وَهُوَ الَّذِي علم الرَّسُول مَا أنزلهُ الله تَعَالَى عَلَيْهِ.

стр. 6748

﴿ذُو مرّة فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بالأفق الْأَعْلَى (٧) ثمَّ دنا فَتَدَلَّى (٨) ﴾ وروى عباد بن مَنْصُور عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَن قَوْله: " علمه شَدِيد القوى " هُوَ الله تَعَالَى. والقوى جمع الْقُوَّة. قَالَ ابْن عَبَّاس: من قُوَّة جِبْرِيل أَنه أَدخل جنَاحه تَحت الأَرْض السَّابِعَة، وَقلع مَدَائِن لوط، ورفعها إِلَى السَّمَاء، ثمَّ قَلبهَا. وَعَن كَعْب الحبر: أَن إِبْلِيس تعرض لعيسى ﵇ على عقبَة من الأعقاب، وقصده، فنفخه جِبْرِيل بجناحه نفخة أَلْقَاهُ إِلَى الْهِنْد.

стр. 6749

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذُو مرّة فَاسْتَوَى﴾ قَالَ الْحسن: ذُو مرّة أَي: ذُو منظر حسن. وَقَالَ غَيره وَهُوَ الأولى ذُو قُوَّة. يُقَال: حَبل مري أَي: مُحكم الفتل. وَقَوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ أَي: فَاسْتَوَى جِبْرِيل فِي أفق السَّمَاء على صورته الَّتِي خلق فِيهَا. وَكَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وعلقمة وقرة بن شرَاحِيل وَأكْثر أهل التَّفْسِير. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَنه الله تَعَالَى، وَالأَصَح هُوَ الأول.

стр. 6750

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بالأفق الْأَعْلَى﴾ هُوَ الْأُفق الَّذِي تطلع من جَانِبه الشَّمْس. وَقيل: الَّذِي يَجِيء مِنْهُ النَّهَار. والأفق: جَوَانِب السَّمَاء. وَيُقَال بالأفق الْأَعْلَى أَي: بالسماء. وَفِي الْأَخْبَار: " أَن جِبْرِيل ﵇ أظهر نَفسه للنَّبِي على صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا، وَقد سد الْأُفق ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: رَأسه فِي السَّمَاء وَرجلَاهُ فِي الأَرْض، فقد مَلأ بجناحيه مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب.

стр. 6751

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ دنا﴾ أَي: دنا جِبْرِيل من النَّبِي ﵊. وَقَوله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ أَي: زَاد فِي الدنو. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: ﴿ثمَّ دنا فَتَدَلَّى﴾ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير. وَقَوله: ﴿تدلى﴾ أَي: هوى وَأرْسل نَفسه من السَّمَاء، ثمَّ دنا أَي: دنا جِبْرِيل من

стр. 6752

﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى (٩) النَّبِي وَصَارَ مَا بَينهمَا قاب قوسين أَو أدنى، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ أَي: كَانَ (بَينهمَا) مِقْدَار قوسين أَو أقل من ذَلِك، وقاب لُغَة يَمَانِية فِي هَذَا الْمَعْنى، قَالَ الشَّاعِر: ((ألم تعلمُوا أَن رشيمة لم تكن ... لتبخسنا من وَرَاء قاب إِبْهَام)) وَعَن عَائِشَة ﵁ قاب نصف الْإِبْهَام. وروى أَسْبَاط عَن السدى أَن قَوْله: ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ أَي: قدر ذراعين. وَقَالَ مُجَاهِد: من الْوتر إِلَى المقبض. وَقيل: من السية إِلَى السية، فَإِن قيل: إِذا حملتم هَذَا على جِبْرِيل، فَكيف تَقْدِير الْآيَة؟ وَالْجَوَاب: أَن مَعْنَاهُ: " أَن جِبْرِيل لما اسْتَوَى فِي الْأُفق الْأَعْلَى على صورته غشي على النَّبِي " وَهُوَ مَرْوِيّ فِي الْأَخْبَار من عظم مَا رأى، فانتقل جِبْرِيل من صورته إِلَى الصُّورَة الَّتِي كَانَ يلقى النَّبِي فِيهَا، وَهُوَ صُورَة رجل، ودنا من النَّبِي، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ثمَّ دنا﴾ ثمَّ نكس رَأسه إِلَيْهِ، بِمَعْنى قَوْله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ وضمه إِلَيْهِ، فسكنه من رَوْعَته.

стр. 6753

فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ [و] " أَو " كلمة تشكيك، وَلَا يجوز الشَّك على الله تَعَالَى. وَإِن كَانَ بِمَعْنى الْوَاو، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: فَكَانَ مِنْهُ أدنى من قاب قوسين، وَأَيْضًا فقد قَالَ: ﴿قاب قوسين أَو أدنى﴾ وَأي معنى لذكر القوسين هَاهُنَا وتخصيصهما بِالذكر، وَقد كَانَ يُمكنهُ تمثيله وتشبيهه بِشَيْء وَاحِد غير الْقوس فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر القوسين؟ وَالْجَوَاب: أَن الْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب على مَا كَانُوا يتخاطبون بِهِ، وَيفهم بَعضهم من بعض، فعلى هَذَا

стр. 6754

نزلت الْآيَة، إِنَّكُم لَو رَأَيْتُمُوهُ لقلتم إِن الْقرب الَّذِي بَينهمَا قاب قوسين أَو أدنى أَو أنقص، وَقيل: أَزِيد أَو أنقص، وَأما ذكر الْقوس فَهُوَ على مَا كَانُوا يعتادونه، وَقرب الْقوس من الْوتر مَعْلُوم. وَيُقَال: إِن القوسين هَاهُنَا بِمَعْنى الْقوس الْوَاحِد، وَقد ذكرنَا أَن الشَّيْء الْوَاحِد يذكر بِلَفْظ التَّثْنِيَة. وَالظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ القوسان على الْحَقِيقَة، وَهُوَ غير مستنكر فِي لُغَة الْعَرَب، وَلَا يستبعد. القَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن قَوْله: ﴿ثمَّ دنا﴾ أَي: دنا مُحَمَّد من ربه. وَقَوله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ أَي: زَاد فِي الدنو. وَفِي رِوَايَة مَالك بن صعصعة أَن النَّبِي [قَالَ] : " بَينا أَنه قَاعد إِذْ أَتَانِي جِبْرِيل فلكزني بَين كَتِفي، فَقُمْت فَإِذا شَجَرَة عَلَيْهَا شبه وكرين، فَجَلَست فِي أَحدهمَا، وَجلسَ جِبْرِيل فِي الآخر، وارتفعنا إِلَى السَّمَاء، وَرَأَيْت نورا عَظِيما، وَنظرت فَإِذا جِبْرِيل كالحلس فَعرفت فضل خَشيته على خَشْيَتِي، ولط دُوننَا الْحجاب ". وَفِي بعض الرِّوَايَات قَالَ: " فارقني جِبْرِيل، وهدأت الْأَصْوَات، وَسمعت من رَبِّي: ادن يَا مُحَمَّد ". وَقد ذكر هَذَا اللَّفْظ فِي الصَّحِيح، وَهُوَ دنو مُحَمَّد من ربه لَيْلَة الْمِعْرَاج. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن معنى قَوْله: ﴿ثمَّ دنا﴾ أَي: دنا الرب من مُحَمَّد، وَهُوَ لفظ ثَابت أَيْضا، وَهُوَ على مَا شَاءَ الله. وَقَوله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ أَي: زَاد فِي الدنو، وَالْمَعْرُوف عِنْد الْأَكْثَرين القَوْل الأول، وَهُوَ الأسلم.

стр. 6755

﴿فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى (١٠) مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى (١١)

стр. 6756

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: فَأوحى جِبْرِيل إِلَى عبد الله مَا أوحى، وَهُوَ مُحَمَّد. وَالْقَوْل الثَّانِي: فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى أَي: أوحى الله تَعَالَى إِلَى مُحَمَّد مَا أوحى. وَفِي الْأَخْبَار: أَنه كَانَ مِمَّا أوحى الله إِلَيْهِ أَنه فرض على هَذِه الْأمة خمسين صَلَاة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ثمَّ ردَّتْ إِلَى الْخمس، [وَمِمَّا] أوحى إِلَيْهِ أَيْضا خَوَاتِيم سُورَة الْبَقَرَة، وَمِمَّا أوحى إِلَيْهِ تِلْكَ اللَّيْلَة أَنه غفر لأمته الْمُقْحمَات مَا لم يشركوا بِاللَّه " يَعْنِي: يغْفر.

стр. 6757

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ: رأى شَيْئا، وَصدق فِيمَا أخبر عَن رُؤْيَته. وَيُقَال: مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى أَي: رأى الْفُؤَاد مَا رَآهُ حَقِيقَة، وَلم يكن على تخييل وحسبان. تَقول الْعَرَب: كذبت فلَانا عينه: إِذا تخيل لَهُ الشَّيْء على غير حَقِيقَته. قَالَ أَبُو معَاذ النَّحْوِيّ: يُقَال: مَا كذب فلَان الحَدِيث. أَي: مَا كذب فِيهِ. وَقُرِئَ: ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ من التَّكْذِيب، وَالْأول أولى، قَالَ الشَّاعِر: (كذبتك عَيْنَيْك أَو رَأَيْت بِوَاسِطَة ... غلس الظلام من الربَاب خيالا) وَيُقَال: مَا كذب الْفُؤَاد الْعين أَي: لم توهمه أَنه علم شَيْئا وَلم يُعلمهُ. وَقد ثَبت عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ: رأى مُحَمَّد ربه بفؤاده مرَّتَيْنِ. فَإِن قَالَ قَائِل: الْمُؤْمِنُونَ يرونه بفؤادهم، وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الْعلم بِهِ، فَمَا معنى تَخْصِيص النَّبِي؟

стр. 6758

﴿أفتماروه على مَا يرى (١٢) وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى (١٣) ﴾ وَالْجَوَاب: أَنهم قَالُوا: إِن الله تَعَالَى خلق رُؤْيَة لفؤاده، فَرَأى بفؤاده مثل مَا يرى الْإِنْسَان بِعَيْنِه. وعَلى القَوْل الأول الرُّؤْيَة منصرفة إِلَى جِبْرِيل.

стр. 6759

قَوْله تَعَالَى ﴿أفتمارونه على مَا يرى﴾ بعنى افتجادلونه وَكَانَت مجادلتهم مجادلة الشاكين المكذبين وَقد روى أَنهم استعوصفوه مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس واستخبروه عَن عيرهم فِي الطَّرِيق وقربها من مَكَّة وقرىء " أفتمرونه على مَا يرى أى أفتجحدونه قَالَ الشَّاعِر: (لَئِن هجرت أَخا صدق ومكرمة ... فقد مريت أَخا مَا كَانَ يمركما) أى جحدت.

стр. 6760

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى﴾ أَي: رأى جِبْرِيل ﵇ نزلة أُخْرَى أَي: مرّة أُخْرَى. فَإِن قيل: قد كَانَ رَآهُ كثيرا، فَمَا معنى نزلة أُخْرَى؟ وَالْجَوَاب: أَنه لم ير جِبْرِيل فِي [صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا] إِلَّا مرَّتَيْنِ: مرّة بالأفق الْأَعْلَى، وَكَانَ ذَلِك عِنْد ابْتِدَاء الْوَحْي، وَقَالَ أهل الْمعَانِي: كَانَ ذَلِك شبه آيَة أَرَاهَا النَّبِي ليعلم أَنه من الله. والمرة الثَّانِيَة رَآهُ عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى لَيْلَة الْمِعْرَاج كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى﴾ والسدرة شَجَرَة النبق. وَفِي التَّفْسِير: أَنَّهَا فِي السَّمَاء السَّابِعَة، وَيُقَال: فِي السَّادِسَة. وَعَن عِكْرِمَة: هِيَ على يَمِين الْعَرْش. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رفعت لي سِدْرَة الْمُنْتَهى فَإِذا نبقها كقلال هجر، وأوراقها كآذان الفيلة، يخرج من أَصْلهَا أَرْبَعَة أَنهَار: نهران ظاهران، ونهران باطنان ". على مَا بَينا. وَاخْتلف القَوْل فِي معنى الْمُنْتَهى، قَالَ بَعضهم: يَنْتَهِي إِلَيْهَا علم الْمَلَائِكَة، وَلَا يعلمُونَ مَا وَرَاء ذَلِك، وَهُوَ القَوْل الْمَعْرُوف.
следующие страницы →