← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

﴿إنس وَلَا جَان (٣٩) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام (٤١) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِه جَهَنَّم الَّتِي يكذب بهَا المجرمون (٤٣) يطوفون بَينهَا وَبَين حميم آن (٤٤) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥) ﴾ استعلام، وَإِنَّمَا يسْأَل سُؤال تقريع وتوبيخ، وَلَا يُقَال لَهُم: هَل فَعلْتُمْ؟ بل يُقَال لَهُم: لم فَعلْتُمْ؟ وَعَن بَعضهم: أَن مَعْنَاهُ: لَا يسْأَل بَعضهم بَعْضًا. وَعَن بَعضهم: أَن الْمَلَائِكَة لَا يسْأَلُون عَن ذنُوب بني آدم؛ لأَنهم قد رفعوا الصُّحُف، وأدوا الْأَمَانَة فِيهَا. وَالْقَوْل الأول هُوَ الصَّحِيح.

стр. 6932

قَوْله تَعَالَى: ﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره: بسواد الْوُجُوه وزرقة الْعُيُون. وَقَوله: ﴿فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام﴾ أَي: يجرونَ بنواصيهم وأقدامهم إِلَى النَّار، وَيُقَال: يجمع بَين نواصيهم وأقدامهم ويشد، ثمَّ يلقى (فِي) النَّار.

стр. 6933

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذِه جَهَنَّم الَّتِي يكذب بهَا المجرمون﴾ يُقَال لَهُم هَذَا حِين يرَوْنَ جَهَنَّم، وَهَذَا على طَرِيق التقريع والتوبيخ، يَعْنِي: مَا أنكرتموه وجحدتموه فأبصروه عيَانًا.

стр. 6934

وَقَوله: ﴿يطوفون بَينهَا وَبَين حميم آن﴾ أَي: يُطَاف بهم مرّة إِلَى الْحَمِيم، وَمرَّة إِلَى الْجَحِيم. وَقَوله: ﴿آن﴾ هُوَ الْحَمِيم الَّذِي انْتهى حره. وَقيل: آن أَي: آن وَحضر وَقت عَذَابهمْ بِهِ وشربهم إِيَّاه.

стр. 6935

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ لما ذكر عَذَاب الْكفَّار أتبع ذكر نعيم الْمُؤمنِينَ.

стр. 6936

﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان (٤٦) فَبِأَي ألاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ﴾ وَقَوله: ﴿خَافَ مقَام ربه﴾ أَي: قِيَامه بَين يَدي ربه للسؤال والحساب، وَيُقَال: هُوَ من قدر على الذَّنب فَذكر ربه فخاف مِنْهُ وَتَركه. وَعَن عَطِيَّة بن قيس: " أَن الْآيَة وَردت فِي الرجل الَّذِي أوصى بنيه، وَقَالَ: إِذا مت فأحرقوني واسحقوني وذروني فِي الرّيح، لعَلي أضلّ الله، فَفَعَلُوا، فأحياه الله تَعَالَى وَقَالَ: لم فعلت ذَلِك؟ قَالَ: مخافتك، فغفر الله لَهُ ". وَهَذَا خبر صَحِيح. وَعَن الزبير أَن الْآيَة نزلت فِي أبي بكر الصّديق ﵁ وَهَذَا محكي عَن عَطاء بن أبي رَبَاح. قَالَ الضَّحَّاك: شرب أَبُو بكر ﵁ لَبَنًا، ثمَّ سَأَلَ عَنهُ، وَكَانَ من غير وَجهه، فاستقاه، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. وَقَوله: ﴿جنتان﴾ أَي: بُسْتَان. وَيُقَال: بُسْتَان لمسكنه، وبستان لخدمه وحشمه. وَيُقَال: مسكن لَهُ، وبستان لَهُ. وَعَن بَعضهم مَعْنَاهُ: جنَّة عدن، وجنة النَّعيم، وَهَذَا قَول حسن. وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿خَافَ مقَام ربه﴾ أَي: هم بالمعصية فَتَركهَا خوفًا من الله تَعَالَى. وَقَالَ الْفراء: الجنتان هَاهُنَا بِمَعْنى الْجنَّة الْوَاحِدَة، وَقد ورد هَذَا فِي الشّعْر. قَالَ الشَّاعِر: (ومهمهمين فرقدين مرَّتَيْنِ ... وَأَرَادَ بِهِ الْوَاحِدَة. وَقد أنكر عَلَيْهِ ذَلِك. وَقيل: هَذَا ترك الظَّاهِر، وَإِنَّمَا الجنتان بستانان. وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور أَن النَّبِي قَالَ: " جنتان من ذهب آنيتهما وَمَا فيهمَا، وجنتان من فضَّة آنيتهما وَمَا فيهمَا " رَوَاهُ أَبُو مُوسَى.

стр. 6937

﴿ذواتا أفنان (٤٨) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فيهمَا عينان تجريان (٥٠) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فيهمَا من كل فَاكِهَة زوجان (٥٢) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾

стр. 6938

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذواتا أفنان﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن مَعْنَاهُ: ذواتا ألوان من الْفَاكِهَة، كَأَن الأفنان بِمَعْنى الْفُنُون. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الأفنان بِمَعْنى الأغصان، وَهُوَ الْأَظْهر. قَالَ عِكْرِمَة: ظلّ الأغصان على الْحِيطَان. وَأما الأول قَالَه الضَّحَّاك، وَجمع عَطاء بَين الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ: على كل غُصْن ألوانه من الْفَوَاكِه.

стр. 6939

قَوْله تَعَالَى: ﴿فيهمَا عينان تجريان﴾ فَقَالَ: هما التسنيم والسلسبيل، وَعَن بَعضهم: تجريان بِكُل خير وبركة.

стр. 6940

قَوْله تَعَالَى: ﴿فيهمَا من كل فَاكِهَة زوجان﴾ أَي: نَوْعَانِ وصنفان، وَهُوَ الرطب من الْفَوَاكِه وَمَا يشبهها، كالعنب وَالزَّبِيب، وَالرّطب وَالتَّمْر، وَنَحْو ذَلِك. وَعَن ابْن عَبَّاس: لَيْسَ مِمَّا وصف فِي الْجنَّة فِي الدُّنْيَا شَيْء إِلَّا الْأَسْمَاء. كَأَنَّهُ ذهب إِلَى أَن شَيْئا مِمَّا فِي الدُّنْيَا لَا يماثل مَا فِي الْجنَّة.

стр. 6941

قَوْله تَعَالَى: ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: بطائنها أَي: ظواهرها، تَقول الْعَرَب: هَذِه بطن السَّمَاء، وَهَذِه ظهرهَا، لما يرى من السَّمَاء، وَهَذَا القَوْل ذكره الْفراء أَيْضا، وَأما سَائِر أهل التَّفْسِير قَالُوا: إِن المُرَاد من البطائن حَقِيقَة البطانة. والإستبرق: هُوَ الديباج الغليظ، مثل مَا يعلق من الديباج على الْكَعْبَة. وَقيل: إِنَّهَا فارسية معربة من قَوْلهم: إستبر. وَعَن بَعضهم: أَنه مثل الْحَرِير الصيني. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: هَذِه البواطن، فَمَا ظنكم بالظواهر، وَمثله عَن ابْن مَسْعُود. وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: ظواهرها نور يتلألأ. وَعَن بَعضهم: ظواهرها مِمَّا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ .

стр. 6942

﴿وجنى الجنتين دَان (٥٤) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصرات الطّرف لم يطمثهن إنس وَلَا جَان (٥٦) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) ﴾ وَقَوله: ﴿وجنى الجنتين دَان﴾ أَي: ثمار الجنتين دانية، وَمِنْه قَول الْعَرَب: هَذَا جناي خِيَار فِيهِ، إِذْ كل جَان يَده إِلَى فِيهِ، وَهُوَ يَحْكِي عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ حِين دخل بَيت المَال بِالْكُوفَةِ، وَرَأى مَا فِيهِ من الذَّهَب ولبفضة فَقَالَ: يَا صفراء، وَيَا بَيْضَاء غرا غَيْرِي، ثمَّ قَالَ: هَذَا جناي ... إِلَى آخِره. وَقَوله: ﴿دَان﴾ أَي: قريب المتناول. قَالَ قَتَادَة: لَا يردهُ عَنْهَا بعد وَلَا شوك. وَقَالَ غَيره: يَتَنَاوَلهَا قَائِما وَقَاعِدا ومضطجعا.

стр. 6943

قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ قاصرات الطّرف﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿فيهم﴾ وَإِنَّمَا ذكر الجنتين؟ وَالْجَوَاب: قَالَ بَعضهم: إِن الِاثْنَيْنِ يذكران بِلَفْظ الْجمع، فَيجوز أَن يرد الْكَلَام إِلَيْهِمَا بِلَفْظ الْجمع. وَالأَصَح أَن قَوْله: ﴿فِيهِنَّ﴾ ينْصَرف إِلَى الْفرش، وَمَعْنَاهُ: عَلَيْهِنَّ، مثل قَوْله: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي: على جُذُوع. وَقَوله: ﴿قاصرات الطّرف﴾ أَي: قصرن أطرافهن على أَزوَاجهنَّ لَا يرَوْنَ غَيرهم، وَهَذَا أحسن خصْلَة من خِصَال النِّسَاء. قَالَ ابْن مَسْعُود: لسن بمتبرجات، وَلَا ضماخات، وَلَا دفرات. وَقَالَ بَعضهم: لسن بمتشرغات، وَلَا بمتطلعات، وَلَا صياحات، وَلَا صخابات. وَقَالَ الْحسن: لسن بالطوافات فِي الْأَسْوَاق. وَقَوله: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ أَي: لم يمسسهن إنسي وَلَا جني. قَالَ الْفراء: الطمث: هُوَ الْوَطْء بالتدمية، وَهُوَ الافتضاض. قَالَ الفرزدق:

стр. 6944

﴿كأنهن الْيَاقُوت والمرجان (٥٨) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان (٦٠) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) ﴾ (رفعن إِلَيّ لم يطمثن فبلي ... وَهن أصح من بيض النعام) وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَن المُرَاد من قَوْله: ﴿فِيهِنَّ قاصرات الطّرف﴾ هن الْمُؤْمِنَات من الآدميات. فعلى هَذَا قَالَ بَعضهم: يجوز أَن يطَأ الجني الإنسية، وَاسْتدلَّ بِظَاهِر الْآيَة. وَأما الْأَكْثَرُونَ أَنْكَرُوا هَذَا، وَقَالُوا: معنى الْآيَة: لم يطمثهن، الجنية جني، وَلَا الإنسية إنسي، وَقَوله: ﴿فِيهِنَّ قاصرات الطّرف﴾ يتَنَاوَل الإنسيات والجنيات. فَإِن قَالَ قَائِل: هَل يَقُولُونَ إِن الْجِنّ يدْخلُونَ الْجنَّة، وَيكون لَهُم أَزوَاج مثل الْإِنْس؟ وَالْجَوَاب: أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: يدْخل الله الْمُؤمنِينَ مِنْهُم الْجنَّة كَمَا يدْخل الْكَافرين مِنْهُم النَّار، وَهُوَ قَول ضَمرَة بن جُنْدُب وَغَيره. وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ لَهُم ثَوَاب. قَالَ لَيْث بن أبي سليم: مؤمنو الْجِنّ يحاجزون من النَّار ثمَّ يجْعَلُونَ تُرَابا، وَأما الْكفَّار مِنْهُم يخلدُونَ فِي النَّار. وَأما على الأول إِذا حملنَا الْآيَة على الْحور الْعين لَا يرد شَيْء من هَذِه الأسئلة.

стр. 6945

قَوْله تَعَالَى: ﴿كأنهن الْيَاقُوت والمرجان﴾ أى فِي صفاء الْيَاقُوت وَبَيَاض المرجان وَقد بَينا أَن المرجان هُوَ اللُّؤْلُؤ الصغار وَقيل الْكِبَار

стр. 6946

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ مَعْنَاهُ: هَل جَزَاء الطَّاعَة إِلَّا الثَّوَاب. وَيُقَال: هَل جَزَاء من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَّا الْجنَّة. وَفِي رِوَايَة ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ حاكيا عَن الله تَعَالَى: " جَزَاء مَا أَنْعَمت عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا أَن أدخلته جنتي ". وَقيل: الْآيَة على الْجُمْلَة، وَمَعْنَاهَا: هَل جَزَاء من أحسن إِلَّا أَن يحسن إِلَيْهِ. وَعَن بَعضهم: أَنه يحْتَمل أَن معنى الْآيَة: هَل جَزَاء إِحْسَان الله إِلَيْكُم إِلَّا أَن تحسنوا بِالطَّاعَةِ.

стр. 6947

﴿وَمن دونهمَا جنتان (٦٢) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مدهامتان (٦٤) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فيهمَا عينان نضاختان (٦٦) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان (٦٨) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) ﴾

стр. 6948

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن دونهمَا جنتان﴾ أَي: من دون الجنتين جنتان، فَيُقَال: الجنتان، فَيُقَال: الجنتان المذكورتان أَولا للمقربين، والمذكورتان آخرا لأَصْحَاب الْيَمين، وَيُقَال: المذكورتان أَولا للسابقين، والمذكورتان آخرا للتابعين. وَاخْتلف القَوْل فِي قَوْله: ﴿وَمن دونهمَا جنتان﴾ قَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: أَن الجنتين المذكورتين آخرا دون الجنتين المذكورتين أَولا فِي النَّعيم والكرامة. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَأْخُوذ من الدنو على معنى الْقرب، كَأَن هَاتين الجنتين أقرب إِلَى الْمُؤمن يَعْنِي: إِلَى مَسْكَنه ومنزله من الجنتين الأولتين. فَإِن قَالَ قَائِل: أَي كَرَامَة فِي ذكر الجنتين، وَهنا ذكر جنَّة وَاحِدَة؟ وَالْجَوَاب: أَن التنقل من بُسْتَان إِلَى بُسْتَان من الاستلذاذ والتنعم مَا لَا يخفى، فَذكر الجنتين للزِّيَادَة والكرامة وَالنعْمَة.

стр. 6949

قَوْله تَعَالَى: ﴿مدهامتان﴾ أَي: خضراوتان من الرّيّ. قَالَ مُجَاهِد: مسودتان من شدَّة الخضرة، وَهَذَا قَول صَحِيح؛ لِأَنَّهُ مَا من أَخْضَر إِلَّا واشتدت خضرته يضْرب إِلَى السوَاد، وَالْعرب كَانَت تسمى قرى الْعرَاق سوادا لشدَّة خضرتها، وَكَثْرَة أشجارها.

стр. 6950

قَوْله تَعَالَى: ﴿فيهمَا عينان نضاختان﴾ أَي: فوارتان، والنضخ فَوق النَّضْح وَدون الجري. وَيُقَال: نضاختان بالعنبر والمسك.

стр. 6951

قَوْله تَعَالَى: ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ حُكيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الرُّمَّان لَيْسَ من الْفَاكِهَة، وَكَذَلِكَ الرطب؛ لِأَنَّهُمَا أفردا بِالذكر عَن الْفَاكِهَة، وَذكر الْفراء هَذَا أَيْضا. و [هَذَا] عَن ابْن عَبَّاس قَول غَرِيب، وَالْأَكْثَرُونَ على أَن الْجَمِيع فَاكِهَة؛ لِأَن الْفَاكِهَة مَا يتفكه بِهِ، والإفراد بِالذكر للتّنْبِيه على نوع فضل، لَا أَنه لَيْسَ من الْفَاكِهَة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ وَمثل قَوْله

стр. 6952

﴿فِيهِنَّ خيرات حسان (٧٠) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حور مقصورات فِي الْخيام (٧٢) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان (٧٤) فَبِأَي آلَاء﴾ تَعَالَى: ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ . وَالرُّمَّان نوع فَاكِهَة يمص ويرمى بثفله. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لَو قَالَ رجل لامْرَأَته: إِن أكلت فَاكِهَة فَأَنت طَالِق، فَأكلت الرُّمَّان أَو الرطب وَقع الطَّلَاق. وَهَذَا قَول أَكثر أهل الْعلم وَهُوَ الْمُخْتَار وَعند ابي حنيفَة ﵁ لَا يَقع الطَّلَاق قَالَ سعيد بن جُبَير: نخل الْجنَّة جذوعها من ذهب، وأغلافها من ذهب، وكرانيفها من زمرد، وسعفها كسْوَة أهل الْجنَّة، وَثَمَرهَا كالدلاء، أحلى من كل شَيْء، وألين من كل شَيْء.

стр. 6953

قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خيرات حسان﴾ قرئَ فِي الشاذ: " خيرات حسان " وهما بِمَعْنى وَاحِد، مثل: هَين وهين، وليل ولين. وَمعنى الْآيَة: خيرات الْأَخْلَاق، حسان الْوُجُوه.

стр. 6954

قَوْله تَعَالَى: ﴿حور مقصورات فِي الْخيام﴾ أَي: محبوسات، وَلَيْسَ هَذَا الْحَبْس إهانة، إِنَّمَا هُوَ حبس الْكَرَامَة، قَالَ عمر ﵁ الْخَيْمَة مجوفة. وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: كل خيمة لَهَا أَرْبَعَة أَبْوَاب، يدْخل عَلَيْهِ من كل يَوْم هَدِيَّة جَدِيدَة من الله تَعَالَى. وَعَن ابْن عَبَّاس: الْخَيْمَة فَرسَخ فِي فَرسَخ من درة وَاحِدَة، لَهَا أَرْبَعَة آلَاف مصراع من ذهب. وَقَالَ بَعضهم: الْخَيْمَة بِمَعْنى الْقبَّة، وَهِي قباب الْعَرَب الَّتِي كَانُوا يسكنونها فِي الْبَادِيَة، فَذكر لَهُم مثل مَا كَانُوا يستلذونها ويستطيبونها، وَقد كَانُوا يستطيبون السُّكْنَى فِي الْخيام فِي الْبَوَادِي، وَقد قيل: إِن هَذِه الْخيام خَارج الْجنَّة كالبوادي للحاضرة.

стр. 6955

وَقَوله: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ قد بَينا.

стр. 6956

قَوْله تَعَالَى: ﴿متكئين على رَفْرَف﴾ قَالَ الْفراء: هُوَ رياض الْجنَّة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة:

стр. 6957

﴿رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) متكئين على رَفْرَف خضر وعبقري حسان (٧٦) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تبَارك اسْم رَبك ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام (٧٨) ﴾ فرش الْجنَّة. وَعَن ابْن مَسْعُود فِي قَوْله: ﴿لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ أَي: رفرفا أَخْضَر قد سد الْأُفق، وَهُوَ الْبسَاط. وعَلى الْجُمْلَة: الرفرف كل فرش يرْتَفع، مَأْخُوذ من الرف، وَهُوَ الْمُرْتَفع فِي الْجِدَار. وَقَوله: ﴿وعبقري حسان﴾ وَقُرِئَ فِي الشاذ: " عباقري حسان " قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: عبقري حسان هُوَ الوسائد. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الطنافس، وَعَن بَعضهم: الزرابي، وعبقري: قَرْيَة بِالْيمن ينسج بهَا الوشي، وهم ينسبون إِلَيْهَا كل شَيْء حسن. وَفِي " كتاب الغريبين ": أَن عبقر قَرْيَة يسكنهَا الْجِنّ، وَالْعرب ينسبون كل شَيْء فائق إِلَيْهَا، قَالَ الشَّاعِر: (بخيل عَلَيْهَا جنَّة عبقرية ... جديرون يَوْمًا أَن ينالوا ويستعلوا) وَقد ذكر بَعضهم أَن العبقري هَاهُنَا: هُوَ الوشي. قَالَ مُجَاهِد: هُوَ الديباج. وَعَن بَعضهم: هُوَ الديباج الَّذِي عمل فِيهِ بِالذَّهَب. وَأما الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي عمر: " فَلم أر عبقريا يفري فِرْيَة ". مَعْنَاهُ: فَلم أر سيد قوم وجليلهم يعْمل عمله.

стр. 6958

قَوْله تَعَالَى: ﴿تبَارك اسْم رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وفرئ: " ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام " مَعْنَاهُ: ذُو العظمة والمهابة. وَيُقَال: ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام أَي: يجل الْمُؤمنِينَ ويكرمهم، وَالْقَوْل الأول أولى؛ لِأَنَّهُ ينْصَرف إِلَى عَظمَة الله وعلو شَأْنه.

стр. 6959

وَقَوله: ﴿ذُو الْجلَال﴾ ينْصَرف إِلَى الِاسْم، وَقَوله: ﴿ذِي الْجلَال﴾ ينْصَرف إِلَى الرب، وَالِاسْم والمسماة وَاحِد عِنْد أَكثر أهل السّنة. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَلظُّوا بيا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام " أَي: الزموا وداموا عَلَيْهِ. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى تَكْرِير قَوْله: ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فِي هَذِه السُّورَة؟ وَكَانَ يُوقف على الْمَعْنى بالمرة الْوَاحِدَة؟ وَالْجَوَاب: أَن الْقُرْآن نزل على لِسَان الْعَرَب على مَا كَانُوا يعتادونه ويتعارفونه فِي كَلَامهم، وَمن عَادَتهم أَنهم إِذا ذكرُوا النعم على إِنْسَان، يكررون التَّنْبِيه على الشُّكْر أَو ذكر التوبيخ عِنْد عدم الشُّكْر، وَالله تَعَالَى عد النعم فِي هَذِه السُّورَة، وَذكر عِنْد كل نعْمَة هَذِه الْكَلِمَة؛ لِئَلَّا ينسوا شكرها، ويعرفوا إِحْسَان الله عَلَيْهِم، ويجددوا الْحَمد عَلَيْهَا. تمت السُّورَة.

стр. 6960

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذا وَقعت الْوَاقِعَة (١) لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة (٢) خافضة رَافِعَة (٣) إِذا رجت﴾ تَفْسِير سُورَة الْوَاقِعَة وَهِي مَكِّيَّة، وَعَن مَسْرُوق أَنه قَالَ: من أَرَادَ أَن يعلم نبأ الْأَوَّلين والآخرين، ونبأ أهل الْجنَّة وَأهل النَّار، ونبأ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فليقرأ سُورَة الْوَاقِعَة. وَالله أعلم.

стр. 6961

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا وَقعت الْوَاقِعَة﴾ مَعْنَاهُ: إِذا كَانَت الْقِيَامَة، وَهَذَا قَول عَامَّة الْمُفَسّرين. وَسميت الْقِيَامَة وَاقعَة؛ لِأَنَّهُ لَا بُد من وُقُوعهَا. وَالْعرب تسمي كل متوقع لَا بُد مِنْهُ وَاقعا، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْوَاقِعَة هَاهُنَا هِيَ الصَّيْحَة لمَوْت الْخَلَائق. وَقيل: سميت الْقِيَامَة وَاقعَة؛ لِكَثْرَة مَا يَقع فِيهَا من الشدَّة. وَعَن بَعضهم: لِأَنَّهَا تقع على غَفلَة من النَّاس. فَإِن قيل: أَيْن جَوَاب قَوْله: ﴿إِذا﴾ ؟ وَلَا بُد لهَذِهِ الْكَلِمَة من جَوَاب، وَالْجَوَاب: أَن جَوَابه قَوْله: ﴿فأصحاب الميمنة﴾ .

стр. 6962

وَقَوله: ﴿لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة﴾ قَالَ قَتَادَة: لَيْسَ مثنوية وَلَا رد وَلَا رَجْعَة. وَيُقَال مَعْنَاهُ: هِيَ صدق وَلَا كذب فِيهَا. وَقيل: لَيْسَ لوقوعها من نفس كَاذِبَة، حُكيَ هَذَا عَن سُفْيَان، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ عِنْد وُقُوعهَا مكذب بهَا.

стр. 6963

وَقَوله: ﴿خافضة رَافِعَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: تخْفض أَقْوَامًا، وترفع آخَرين، وَعنهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى: تخْفض أَقْوَامًا ارتفعوا، وترفع أَقْوَامًا خفضوا فِي الدُّنْيَا. وَعَن السدى: ترفع أَقْوَامًا فِي الْجنَّة، وتخفض أَقْوَامًا فِي النَّار. وَمعنى هَذَا: تخْفض أهل الْمعْصِيَة بِإِيجَاب النَّار لَهُم، وترفع أهل الطَّاعَة بِإِيجَاب الْجنَّة لَهُم. قَالَ ابْن جريج: خافضة رَافِعَة بِالْحَسَنَاتِ والسيئات.

стр. 6964

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا رجت الأَرْض رجا﴾ قَالَ الْمبرد: الرجة حَرَكَة يسمع مِنْهَا صَوت،

стр. 6965

﴿الأَرْض رجا (٤) وبست الْجبَال بسا (٥) فَكَانَت هباء منبثا (٦) وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة (٧) فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة (٨) وَأَصْحَاب المشأمة مَا﴾ وَهِي أَكثر من الصَّيْحَة. فعلى هَذَا معنى الاية: حركت الأَرْض بِمن فِيهَا، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا﴾ .

стр. 6966

وَقَوله: ﴿وبست الْجبَال بسا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: فتتت فتا. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: قلعت من أَصْلهَا. وَقَالَ السدى: كسرت كسرا. قَالَ مُجَاهِد: بست كَمَا يبس السويق أَي: دقَّتْ، والبسيسة هِيَ الدَّقِيق، والسويق يلت ويتخذ مِنْهُ الزَّاد. وَقَالَ قَتَادَة: بست أَي: جعلت كبيس الشَّجَرَة تَذْرُوهُ الرِّيَاح، وَقَالَ الشَّاعِر فِي البس بِمَعْنى اللت: (لَا تخبزا خبْزًا وبسا بسا ... أوردهُ النّحاس. وَقَالَ بَعضهم: بست أَي: سيرت، وَمِنْه قَوْله ﵇: " يخرج من الْمَدِينَة قوم يبسون وَالْمَدينَة خير لَهُم " أَي: يَسِيرُونَ.

стр. 6967

وَقَوله: ﴿فَكَانَت هباء منبثا﴾ قَالَ عَليّ ﵁ هُوَ مَا سَطَعَ من سنابك الْخَيل من المرضح وَالْغُبَار، ثمَّ يذهب. وَعَن بَعضهم: إِن الهباء المنبث هُوَ الَّذِي يرى فِي الكوة من ضوء الشَّمْس كالعمود الْمَمْدُود. وَالأَصَح هُوَ الأول هُوَ الهباء المنبث. وَعَن بَعضهم: أَن الهباء المنبث هُوَ الرماد.

стр. 6968

وَقَوله: ﴿وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة﴾ أَي: أصنافا ثَلَاثَة.

стр. 6969

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة﴾ قَالَ يزِيد بن أسلم: هم الَّذين أخذُوا من الشق الْأَيْمن من آدم ﵇،

стр. 6970

﴿أَصْحَاب المشأمة (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ المقربون (١١) فِي﴾ وَأَصْحَاب المشأمة هم الَّذين أخذُوا من الشق الْأَيْسَر. وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: أَصْحَاب الميمنة هم الَّذين يُعْطون الْكتاب بإيمالهم. وَأَصْحَاب المشأمة هم الَّذين يُعْطون الْكتاب بشمالهم وَقَالَ السدى: أَصْحَاب الميمنة: جُمْهُور أهل الْجنَّة، وَأَصْحَاب المشأمة: جُمْهُور أهل النَّار. وَيُقَال: أَصْحَاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم، وَأَصْحَاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم. وَالْعرب تسمي الْجَانِب الْأَيْسَر الْجَانِب الأشأم، وتسمي الْيَسَار الشؤمى، وَالْيَمِين الْيُمْنَى. وَقَوله: ﴿مَا أَصْحَاب الميمنة﴾ و ﴿مَا أَصْحَاب المشأمة﴾ هَذَا فِي كَلَام الْعَرَب للتعجيب، وَهُوَ فِي كَلَام الله مَعَ عباده للتّنْبِيه على عظم شَأْن الْأَمر.
следующие страницы →