مصادر البحث
١ - اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية: من منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض.
٢ - أعلام الموقعين: الإمام ابن القيم، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، طباعة دار الكتب الحديثة، شارع الجمهورية بعابدين.
٣ - الاختيار لابن مودود: نقلا عن رسالة السرقة وأحكامها في الفقه الإسلامي، تأليف سليمان بن محمد الربعي عام ١٤٠٤هـ.
٤ - التشريع الجنائي: عبد القادر عودة، الطبعة الثانية، مكتبة دار العروبة شارع الجمهورية بالقاهرة.
٥ - الحدود والأشربة في الفقه الإسلامي: تأليف أحمد الحصري، أستاذ الفقه المقارن بالجامعة الأردنية، نشر مكتبة الأقصى، عمان.
٦ - الفقه على المذاهب الأربعة: تأليف عبد الرحمن الحريري، الطبعة الأولى، دار الفكر ببيروت.
٧ - المبسوط لشمس الدين السرخسي: الطبعة الثالثة، دار المعرفة للطباعة والنشر ببيروت، لبنان.
٨ - حجة الله البالغة للشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله المحدث الدهولي: الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية لصاحبها عمر حسين الخشاب عام ١٣٢٢هـ.
٩ - حكمة التشريع الإلهي وفلسفته: للشيخ علي الجرجاوي، الطبعة الرابعة.
١٠ - رسالة السرقة وأحكامها في الفقه الإسلامي بحث لنيل درجة الماجستير، تأليف سليمان بن محمد الربعي ١٤٠٤ هـ.
١١ - سنن الترمذي: تحقيق وتصحيح عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
١٢ - صحيح البخاري: المكتبة الإسلامية محمد أوزدمير استامبول، تركيا.
١٣ - صحيح مسلم: توزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
١٤ - فقه السنة: للسيد سابق، نشر دار الكتاب العربي ببيروت، لبنان.
١٥ - قواعد الأحكام: لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
١٦ - لسان العرب: لابن منظور، دار صابر للطباعة، بيروت ١٩٥٦ م.
١٧ - مباحث في التشريع الجنائي الإسلامي للدكتور محمد فاروق النبهان، نشر وكالة المطبوعات بالكويت ودار العلم ببيروت، لبنان.
١٨ - محاسن الإسلام وشرائع الإسلام: لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن البخاري، نشر دار العربي، بيروت، لبنان.
١٩ - مكافحة جريمة السرقة في الإسلام: تأليف خليفة البراهيم الصالح الزرير، الطبعة الأولى، نشر مكتبة المعارف بالرياض.
стр. 11132
عدم جواز وصف الميت بأنه مغفور له أو مرحوم
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأما بعد:
فقد كثر الإعلان في الجرائد عن وفاة بعض الناس، كما كثر نشر التعازي لأقارب المتوفين، وهم يصفون الميت فيها بأنه مغفور له أو مرحوم أو ما أشبه ذلك من كونه من أهل الجنة، ولا يخفى على كل من له إلمام بأمور الإسلام وعقيدته بأن ذلك من الأمور التي لا يعلمها إلا الله، وأن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز أن يشهد لأحد بجنة أو نار إلا من نص عليه القرآن الكريم كأبي لهب، أو شهد له رسول الله ﷺ بذلك كالعشرة من الصحابة ونحوهم، ومثل ذلك في المعنى الشهادة له بأنه مغفور له أو مرحوم، لذا ينبغي أن يقال بدلا منها: غفر الله له أو ﵀ أو نحو ذلك من كلمات الدعاء للميت.
وأسأل الله سبحانه أن يهدينا جميعا سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 11133
تعقيب وتوضيح
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
بعنوان (من أجل أن نكون أقوى أمة) عن صفات الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد.
فقد اطلعت على ما نشر في صحيفة الشرق الأوسط في عددها ٣٢٨٣ الصادر في ٣/ ٤ / ١٤٠٨ هـ بقلم الدكتور محيي الدين الصافي بعنوان (من أجل أن نكون أقوى أمة).
وقد لفت نظري ما ذكره عن اختلاف السلف والخلف في بعض صفات الله، وهذا نص كلامه:
(إلا أنه وردت في القرآن الكريم آيات تصف الله تعالى ببعض صفات المخلوقين، من مثل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)، وللعلماء في فهم هذه الآيات طريقتان: الأولى طريقة السلف، وهي: أن نثبت لله تعالى ما أثبت لنفسه، ولكن من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، واضعين نصب أعينهم عدم تعطيل الذات الإلهية عن الصفات، مع جزمهم بأن ظاهر هذه الآيات غير مراد، وأن الأصل تنزيه الله تعالى عن كل ما يماثل المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤).
أما طريقة الخلف، فهي: تأويل هذه الكلمات وصرفها عن ظاهرها إلى المعنى، فتكون اليد بمعنى القدرة، والوجه بمعنى الذات، والاستواء
стр. 11134
بمعنى الاستيلاء والسيطرة ونفوذ الأمر؛ لأنه قام الدليل اليقيني على أن الله ليس بجسم، ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
وكل من الطريقتين صحيحة، مذكورة في الكتب المعتمدة للعلماء الأعلام. إلخ.
وقد أخطأ - عفا الله عنا وعنه - في نسبته للسلف (جزمهم بأن ظاهر هذه الآيات غير مراد) فالسلف ﵏، ومن سار على نهجهم إلى يومنا هذا، يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال، أو أثبته له رسوله ﷺ ، ويعتقدون حقيقتها اللائقة بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل لها عن ظاهرها ولا تفويض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة الفتوى الحموية ما نصه: (روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله - تعالى ذكره - فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات، فقد حكى الأوزاعي، وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق، حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش، وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف هذا.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها كما جاءت. وروي أيضا عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا:
стр. 11135
أمروها كما جاءت، وفي رواية قالوا: أمروها كما جاءت بلا تكييف. وقولهم ﵃: أمروها كما جاءت رد على المعطلة، وقولهم: بلا كيف رد على الممثلة.
والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهما، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقاتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما) إلى أن قال ﵀: (وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١).
كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق. وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه، (ومنها) ما رواه الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وما أراك إلا مبتدعا. فأمر به أن يخرج.
فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله، لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل يكون مجهولا بمنزلة حروف المعجم، وأيضا فإنه لا
стр. 11136
يحتاج إلى نفي علم الكيفية؛ إذ لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقا لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر، لما قالوا: بلا كيف، وأيضا فقولهم: أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه؛ فإنها جاءت ألفاظا دالة على معان، فلو كانت دلالتها منفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ: بلا كيف، أو نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول) اهـ.
فهذا هو مذهب السلف في هذه المسألة، وهو واضح في أنهم يثبتون لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه من صفات الكمال، أو وصفه به رسوله ﷺ فيما صح عنه، وأن ما تدل عليه الآيات والأحاديث الصحيحة مراد ومفهوم، ولكنهم لا يؤولونها ولا يكيفونها، بل يكلون علم الكيفية لله سبحانه، ويعتقدون تنزيه الله سبحانه عن مماثلة المخلوقين، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وكما قال : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢)، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
أما قوله: (أما طريقة الخلف فهي تأويل هذه الكلمات وصرفها عن ظاهرها) إلى قوله: (وكل من الطريقتين صحيحة مذكورة في الكتب المعتمدة للعلماء الأعلام) اهـ. أقول: هذا خطأ عظيم، فليست كلتا الطريقتين صحيحة، بل الصواب أن طريقة السلف هي الصحيحة، وهي
стр. 11137
الواجبة الاتباع؛ لأنها عمل بالكتاب والسنة، وتمسك بما درج عليه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان من التابعين، ومن تبعهم من الأئمة الأعلام، وفيها تنزيه الله عن صفات النقص بإثبات صفات الكمال، وتنزيه الله سبحانه عن صفات الجمادات والناقصات والمعدومات، وهذا هو الحق، أما تأويلها على ما يقول علماء الخلف من أصحاب الكلام فهو خلاف الحق، وهو تحكيم للعقل الناقص، وقول على الله بلا علم، وفيه تعطيل الله جل وعلا من صفات الكمال، فهم فروا من التشبيه المتوهم في أذهانهم ووقعوا في التعطيل الذي هو في الحقيقة تشبيه لله سبحانه بالجمادات والمعدومات والناقصات كما تقدم، وتجريد له سبحانه من صفات الكمال التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام، ونص عليها سبحانه في كتابه الكريم، وتمدح بها إلى عباده، وأرسل بها أفضل رسله وخاتم أنبيائه، وفطر عليها الخلق.
ولو أن هؤلاء المتكلمين المتأولين ساروا على مذهب السلف الصالح، وأثبتوا لله صفات الكمال على الوجه اللائق بالله سبحانه، واكتفوا بنفي التكييف والتمثيل لأصابوا الحق، وفازوا بالسلامة من مخالفة الرسل، وتحكيم العقول التي لم تحط به علما.
والخلاصة: أن مذهب السلف هو الحق الذي يجب اتباعه والقول به، وأما ما ذهب إليه بعض علماء الخلف من تأويل نصوص صفات الله جل وعلا فهو باطل، مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما عليه سلف الأمة.
فالواجب العدول عنه، والوقوف عند نصوص الكتاب والسنة وإثبات ما أثبتته ونفي ما نفته، مع الإيمان بأن ما دلت عليه من المعاني حق ثابت لله سبحانه، لا يشابهه فيه أحد من خلقه كما تقدم.
وقوله: (قام الدليل اليقيني على أن الله ليس بجسم) هذا الكلام لا دليل عليه؛ لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة وصف الله سبحانه بذلك أو
стр. 11138
نفيه عنه، فالواجب السكوت عن مثل هذا؛ لأن مأخذ صفات الله جل وعلا توقيفي، لا دخل للعقل فيه، فيوقف عند حد ما ورد في النصوص من الكتاب والسنة. وبهذا يتضح خطأ قول الدكتور محيي الدين الصافي ما نصه: (لذا فإن علينا أن نتفق أن من ذهب من علماء المسلمين في العالم الإسلامي الآن إلى الأخذ بإحدى الطريقتين فهو على صواب) إلى آخر ما قال؛ لأن الحق كما ذكرنا هو ما ذهب إليه السلف ﵏، وما خالفه يعتبر باطلا يجب تركه وبيان بطلانه وإظهار الحق للناس، وهو من التعاون على البر والتقوى، ومن إنكار المنكر، ومن الدعوة إلى الحق.
والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، والسير على ما دل عليه كتاب الله العزيز وسنة رسوله الناصح الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، وعلى ما درج عليه سلف الأمة في باب أسماء الله وصفاته وفي جميع أبواب الدين، وأن يوفق أخانا الدكتور محيي الدين الصافي للرجوع إلى الحق والتمسك به وترك ما خالفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 11139
من قرارات المجمع الفقهي الإسلامي
القرار الأول
حكم الماسونية والانتماء إليها
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فقد نظر المجمع الفقهي الإسلامي في قضية الماسونية والمنتسبين إليها وحكم الشريعة الإسلامية في ذلك.
وقد قام أعضاء المجمع بدراسة وافية عن هذه المنظمة الخطيرة، وطالع ما كتب عنها من قديم وجديد، وما نشر عن وثائقها نفسها فيما كتبه ونشره أعضاؤها وبعض أقطابها من مؤلفات، ومن مقالات في المجلات التي تنطق باسمها.
وقد تبين للمجمع بصورة لا تقبل الريب من مجموع ما اطلع عليه من كتابات ونصوص ما يلي:
١ - إن الماسونية منظمة سرية تخفي تنظيمها تارة وتعلنه تارة بحسب ظروف الزمان والمكان، ولكن مبادئها الحقيقية التي تقوم عليها هي سرية في جميع الأحوال، محجوب علمها حتى على أعضائها إلا خواص الخواص الذي يصلون بالتجارب العديدة إلى مراتب عليا فيها.
стр. 11140
٢ - إنها تبني صلة أعضائها بعضهم ببعض في جميع بقاع الأرض على أساس ظاهري للتمويه على المغفلين، وهو الإخاء الإنساني المزعوم بين جميع الداخلين في تنظيمها، دون تمييز بين مختلف العقائد والنحل والمذاهب.
٣ - إنها تجتذب الأشخاص إليها ممن يهمها ضمهم إلى تنظيمها بطريق الإغراء بالمنفعة الشخصية، على أساس أن كل أخ ماسوني مجند في عون كل أخ ماسوني آخر في أي بقعة من بقاع الأرض، يعينه في حاجاته وأهدافه ومشكلاته، ويؤيده في الأهداف إذا كان من ذوي الطموح السياسي، ويعينه إذا وقع في مأزق من المآزق، أي كان على أساس معاونته في الحق والباطل ظالما أو مظلوما، وإن كانت تستر ذلك ظاهريا بأنها تعينه على الحق لا الباطل، وهذا أعظم إغراء تصطاد به الناس من مختلف المراكز الاجتماعية، وتأخذ منهم اشتراكات مالية ذات بال.
٤ - إن الدخول فيها يقوم على أساس احتفال بانتساب عضو جديد تحت مراسم وأشكال رمزية إرهابية لإرهاب العضو إذا خالف تعليماتها والأوامر التي تصدر إليه بطريق التسلسل في الرتبة.
٥ - إن الأعضاء المغفلين يتركون أحرارا في ممارسة عباداتهم الدينية، وتستفيد من توجيههم وتكليفهم في الحدود التي يصلحون لها، ويبقون في مراتب دنيا، أما الملاحدة أو المستعدون للإلحاد فترتقي مراتبهم تدريجيا في ضوء التجارب والامتحانات المتكررة للعضو على حسب استعدادهم لخدمة مخططاتها ومبادئها الخطيرة.
٦ - إنها ذات أهداف سياسية ولها في معظم الانقلابات السياسية والعسكرية والتغيرات الخطيرة ضلع وأصابع ظاهرة أو خفية.
стр. 11141
٧ - إنها في أصلها وأساس تنظيمها يهودية الجذور ويهودية الإدارة العليا العالمية السرية وصهيونية النشاط.
٨ - إنها في أهدافها الحقيقية السرية ضد الأديان جميعا لتهديمها بصورة عامة وتهديم الإسلام في نفوس أبنائه بصورة خاصة.
٩ - إنها تحرص على اختيار المنتسبين إليها من ذوي المكانة المالية أو السياسية أو الاجتماعية أو العلمية، أو أية مكانة يمكن أن تستغل نفوذا لأصحابها في مجتمعاتهم، ولا يهمها انتساب من ليس لهم مكانة يمكن استغلالها، ولذلك تحرص كل الحرص على ضم الملوك والرؤساء والوزراء وكبار موظفي الدولة ونحوهم.
١٠ - إنها ذات فروع تأخذ أسماء أخرى تمويها وتحويلا للأنظار لكي تستطيع ممارسة نشاطاتها تحت مختلف الأسماء إذا لقيت مقاومة لاسم الماسونية في محيط ما، وتلك الفروع المستورة بأسماء مختلفة من أبرزها منظمة الأسود (الليونز) والروتاري - إلى غير ذلك من المبادئ والنشاطات الخبيثة التي تتنافى كليا مع قواعد الإسلام وتناقضه مناقضة كلية.
وقد تبين للمجمع بصورة واضحة العلاقة الوثيقة للماسونية باليهودية الصهيونية العالمية، وبذلك استطاعت أن تسيطر على نشاطات كثير من المسئولين في البلاد العربية وغيرها في موضوع قضية فلسطين، وتحول بينهم وبين كثير من واجباتهم في هذه القضية المصيرية العظمى لمصلحة اليهود والصهيونية العالمية.
لذلك ولكثير من المعلومات الأخرى التفصيلية عن نشاط الماسونية وخطورتها العظمى وتلبيساتها الخبيثة وأهدافها الماكرة؛ يقرر المجمع الفقهي اعتبار الماسونية من أخطر المنظمات الهدامة على الإسلام والمسلمين، وإن من ينتسب إليها على علم بحقيقتها وأهدافها فهو كافر بالإسلام، مجانب
стр. 11142
لأهله، لكن الأستاذ الزرقاء أصر على إضافة جملة (معتقدا جواز ذلك) فيما بين جملة (علم بحقيقتها وأهدافها) وبين جملة (فهو كافر. .) وذلك كيما ينسجم الكلام مع حكم الشرع في التمييز بين من يرتكب الكبيرة من المعاصي مستبيحا لها، وبين من يرتكبها غير مستبيح، فالأول كافر والثاني عاص فاسق.
والله الموفق
стр. 11143
القرار الثاني
مناشدة حكام الدول العربية والإسلامية
بتطبيق الشريعة الإسلامية
لقد تدارس مجلس المجمع الفقهي واقع الدول العربية والإسلامية المؤلم، وما تعانيه من تفكك، وما ابتليت به من نأي عن الأخذ بأسباب العز والسعادة، وإعراض عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وزهد في تعاليمها، وانصياع إلى تطبيق قوانين مستوردة ما أنزل الله بها من سلطان.
وقرر مجلس المجمع أن من أهم واجباته أن يكتب إلى ملوك ورؤساء الدول العربية والإسلامية رسائل يدعوهم ويناشدهم فيها إلى أن يبادروا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية التي تكفل لهم بالتزامها عز الدنيا وسعادة الآخرة، ويحصل لهم بالاستمساك بها النصر على الأعداء، والظفر بالأمن والطمأنينة، والخلاص من المصائب التي يعانون منها نتيجة لإعراضهم عن تحكيمها (ويتم إرسال هذه الرسائل وفقا للصيغة المرفقة).
نائب الرئيس
رئيس مجلس المجمع الفقهي
عبد العزيز بن باز
اللواء محمود شيت خطاب
стр. 11144
القرار الثالث
حكم الشيوعية والانتماء إليها
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي درس فيما درسه من أمور خطيرة (موضوع الشيوعية والاشتراكية) وما يتعرض له العالم الإسلامي من مشكلات الغزو الفكري على صعيد كيان الدول، وعلى صعيد نشأة الأفراد وعقائدهم، وما تتعرض له تلك الدول والشعوب معا من أخطار تترتب على عدم التنبه إلى مخاطر هذا الغزو الخطير.
ولقد رأى المجمع الفقهي أن كثيرا من الدول في العالم الإسلامي تعاني فراغا فكريا وعقائديا، خاصة أن هذه الأفكار والعقائد المستوردة قد أعدت بطريقة نفذت إلى المجتمعات الإسلامية وأحدثت فيها خللا في العقائد وانحلالا في التفكير والسلوك؛ وتحطيما للقيم الإنسانية وزعزعة لكل مقومات الخير في المجتمع، وإنه ليبدو واضحا جليا أن الدول الكبرى على اختلاف نظمها واتجاهها قد حاولت جاهدة تمزيق شمل كل دولة تنتسب للإسلام؛ عداوة له وخوفا من امتداده ويقظة أهله؛ لذا ركزت جميع الدول المعادية للإسلام على أمرين مهمين، هما العقائد والأخلاق.
ففي ميدان العقائد شجعت كل من يعتنق المبدأ الشيوعي المعبر عنه مبدئيا عند كثيرين بالاشتراكية، فجندت له الإذاعات والصحف والدعايات البراقة والكتاب المأجورين، وسمته حينا بالحرية وحينا بالتقدمية وحينا بالديمقراطية، وغير ذلك من الألفاظ، وسمت كل ما يضاد ذلك من إصلاحات ومحافظة على القيم والمثل السامية والتعاليم الإسلامية رجعية وتأخرا وانتهازية ونحو ذلك.
وفي ميدان الأخلاق دعت إلى الإباحية
стр. 11145
واختلاط الجنسين، وسمت ذلك أيضا تقدما وحرية، فهي تعرف تمام المعرفة أنها متى قضت على الدين والأخلاق فقد تمكنت من السيطرة الفكرية والمادية والسياسية، وإذا تم ذلك لها تمكنت من السيطرة التامة على جميع مقومات الخير والإصلاح، وصرفتها كما تشاء، فانبثق عن ذلك الصراع الفكري والعقائدي والسياسي، وقامت بتقوية الجانب الموالي لها وأمدته بالمال والسلاح والدعاية، حتى يتمركز في مجتمعه ويسيطر على الحكم، ثم لا تسأل عما يحدث بعد ذلك من تقتيل وتشريد وكبت للحريات وسجن لكل ذي دين أو خلق قويم.
ولهذا لما كان الغزو الشيوعي قد اجتاح دولا إسلامية لم تتحصن بمقوماتها الدينية والأخلاقية تجاهه. وكان على المجمع الفقهي في حدود اختصاصه العلمي والديني أن ينبه إلى المخاطر التي تترتب على هذا الغزو الفكري والعقائدي والسياسي الخطير الذي يتم بمختلف الوسائل الإعلامية والعسكرية وغيرها، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة يقرر ما يلي:
يرى مجلس المجمع لفت نظر دول وشعوب العالم الإسلامي إلى أنه من المسلم به يقينا أن الشيوعية منافية للإسلام، وأن اعتناقها كفر بالدين الذي ارتضاه الله لعباده، وهي هدم للمثل الإنسانية والقيم الأخلاقية وانحلال للمجتمعات البشرية والشريعة الإسلامية المحمدية هي خاتمة الأديان السماوية، وقد أنزلت من لدن حكيم حميد لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهي نظام كامل للدولة سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، وستظل هي المعول عليها بإذن الله للتخلص من جميع الشرور التي مزقت المسلمين وفتت وحدتهم وفرقت شملهم، سيما في المجتمعات التي عرفت الإسلام ثم جعلته وراءها ظهريا.
لهذا وغيره كان الإسلام
стр. 11146
بالذات هو محل هجوم عنيف من الغزو الشيوعي الاشتراكي الخطير؛ بقصد القضاء على مبادئه ومثله ودوله.
لذا فإن المجلس يوصي الدول والشعوب الإسلامية أن تتنبه إلى وجوب مكافحة هذا الخطر الداهم بالوسائل المختلفة، ومنها الأمور الآتية:
(أ) إعادة النظر بأقصى السرعة في جميع برامج ومناهج التعليم المطبقة حاليا فيها بعد أن ثبت أنه قد تسرب إلى بعض هذه البرامج والمناهج أفكار إلحادية وشيوعية مسمومة مدسوسة، تحارب الدول الإسلامية في عقر دارها، وعلى يد نفر من أبنائها من معلمين ومؤلفين وغيرهم.
(ب) إعادة النظر وبأقصى سرعة في جميع الأجهزة في الدول الإسلامية، وبخاصة في دوائر الإعلام والاقتصاد والتجارة الداخلية والخارجية وأجهزة الإدارات المحلية؛ من أجل تنقيتها وتقويمها ووضع أسسها على القواعد الإسلامية الصحيحة التي تعمل على حفظ كيان الدول والشعوب وإنقاذ المجتمعات من الحقد والبغضاء، وتنشر بينهم روح الأخوة والتعاون والصفاء.
(جـ) الإهابة بالدول والشعوب الإسلامية أن تعمل على إعداد مدارس متخصصة، وتكوين دعاة أمناء؛ من أجل الاستعداد لمحاربة هذا الغزو بشتى صوره، ومقابلته بدراسات عميقة ميسرة لكل راغب بالاطلاع على حقيقة الغزو الأجنبي ومخاطره من جهة، وعلى حقائق الإسلام وكنوزه من جهة ثانية، ومن ثم فإن هذه المدارس وأولئك الدعاة كلما تكاثروا في أي بلد إسلامي يرجى أن يقضوا على هذه الأفكار المنحرفة الغريبة، وبذلك يقوم صف علمي عملي منظم واقعي من أجل التحصن ضد جميع التيارات التي تستهدف هذه البقية الباقية من مقومات الإسلام في نفوس الناس.
стр. 11147
كما يهيب المجلس بعلماء المسلمين في كل مكان، وبالمنظمات والهيئات الإسلامية في العالم أن يقوموا بمحاربة هذه الأفكار الإلحادية الخطيرة التي تستهدف دينهم وعقائدهم وشريعتهم، وتريد القضاء عليهم وعلى أوطانهم، وأن يوضحوا للناس حقيقة الاشتراكية والشيوعية وأنهما حرب على الإسلام.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نائب الرئيس ... الرئيس
محمد علي الحركان
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ... عبد الله بن حميد
رئيس مجلس القضاء الأعلى
في المملكة العربية السعودية
الأعضاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
في المملكة العربية السعودية ... محمد محمود الصواف ... محمد بن صالح بن عثيمين
محمد بن عبد الله السبيل ... محمد رشيد قباني ... مصطفى الزرقاء
محمد رشيدي ... عبد القدوس الهاشمي الندوي ... أبو بكر جومي
стр. 11148
نداء لجميع المسلمين وغيرهم
للوقوف في صف حكومة السودان وشعبها بالدعم والمواساة بسبب الكارثة العظيمة التي نزلت بهم
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين وغيرهم في المملكة العربية السعودية وغيرها، وفقني الله وإياهم لفعل الخيرات وجعلنا جميعا من المسارعين إلى الباقيات الصالحات.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فلا يخفى على الجميع ما حل بحكومة السودان وشعبها من الكارثة العظيمة بسبب الأمطار والفيضانات الغزيرة التي تسببت في أضرار عظيمة على العاصمة السودانية وما جاورها من المدن والقرى، مما تسبب في إتلاف الكثير من أموالهم، وتشريد أكثر من مليون من المواطنين، وموت العديد من الناس، وتهدم الآلاف من المساكن، وقد أصبح أهلها يعيشون في العراء بدون مأوى.
وقد تناقلت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أنباء هذه الكارثة العظيمة، وشاهد الكثير من الناس على شاشة التلفاز الخراب والدمار الذي حل ببلادهم، كما شوهد المشردون وهم في العراء لا شيء يكنهم من الشمس والمطر والريح.
ولا شك أن ما حصل لهم من الابتلاء والامتحان الذي يبتلي الله به من يشاء من عباده فيه عظة وذكرى واختبار وامتحان؛ قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٤)
стр. 11149
وقال جل وعلا: ﴿الم﴾ (١) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٤).
وكل هذه الآيات وغيرها كثير يبين الله سبحانه فيها أنه لا بد أن يبتلي عباده ويمتحنهم في هذه الحياة الدنيا، فإذا صبروا على هذا الابتلاء وأنابوا إلى الله ورجعوا إليه في كل ما يصيبهم، وتابوا إليه من سيئات أعمالهم، أثابهم الله رضاه ومغفرته، وكشف عنهم الكربة، وأحسن لهم العاقبة، وعوضهم خيرا مما فاتهم.
ونظرا لعظم المصيبة التي حلت بإخواننا في السودان، وما ترتب عليها من الخسائر العظيمة في النفوس والأموال؛ فإني أهيب بجميع المسلمين وغيرهم من الأمراء والوزراء والأغنياء وغيرهم ممن يحب الخير ويعين عليه في المملكة العربية السعودية وغيرها من سائر المعمورة، أن يبادروا إلى مد يد العون لإخوانهم في السودان، وأن تكون المساعدة عامة لكل ما يحتاجون إليه من نقود وأطعمة وملابس وخيام وأدوية وغير ذلك، كما أهيب بجميع العلماء والدعاة إلى الله سبحانه وجميع الأمراء وأئمة المساجد وجميع الأعيان أن يحثوا المسلمين على الوقوف بجنب إخوانهم في السودان بالدعم والمساعدة؛ استجابة لأوامر الله سبحانه وأوامر رسوله
стр. 11150
صلى الله عليه وسلم بالحث على الإنفاق في وجوه الخير والتعاون على البر والتقوى، والمساعدة في تخفيف المصائب، قال الله : ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣).
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٤).
وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥).
وقال : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦)، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٧).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٨).
وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٩)» متفق على صحته. وقال ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا. وشبك بين أصابعه (١٠)»، وقال ﵊: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا
стр. 11151
والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (١)» رواه مسلم في صحيحه، وقال ﵊: «من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته (٢)». متفق على صحته.
وقد كان النبي ﷺ يهتم غاية الاهتمام بأمر المحتاجين وذوي الفاقة، ويستاء لحاجتهم ويبادر لمساعدتهم، وهكذا ينبغي لأتباعه أن يتأسوا به في ذلك صلوات الله وسلامه عليه، فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ ، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال:.
والآية التي في الحشر:.
تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره. حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ تهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (٥)». أخرجه مسلم في صحيحه.
стр. 11152
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقص مال من صدقة (١)». رواه مسلم والترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها. قال أبو هريرة ﵁: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بأصبعه هكذا في جيبه، فلقد رأيته يوسعها ولا تتسع (٢)» أخرجه البخاري ومسلم.
فعلينا جميعا أيها المسلمون المبادرة بمد يد العون والمساعدة لإخواننا المنكوبين في السودان، وبذل ما نستطيع مما أنعم الله به علينا لنحقق معنى الأخوة الإسلامية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه الكريم، وذكرها رسوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، ونحقق معنى الاستجابة لله ورسوله التي أمرنا بها الله في قوله سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٣)، وفي قوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤)، وفي قوله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥).
ودعا إليها رسوله ﷺ في قوله: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٦)»، وقوله ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٧)»، وقوله ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم (٨)» في أحاديث كثيرة تحث
стр. 11153
المؤمنين على التعاون على الخير ودعم المنكوبين ومواساتهم، وجبر مصابهم؛ رغبة فيما عند الله، ورجاء لثوابه، ورحمة لعباده، وإحسانا إليهم. وبذلك تتحقق الأخوة الإيمانية والتعاون على الخير، ويفوز الجميع بجزيل ثواب الله، وعظيم إحسانه.
واعلموا أيها الإخوة في الله أنه كلما كانت الحاجة إلى المساعدة أشد، كان الأجر عليها من الله أعظم، ولا شك أن حاجة إخواننا في السودان شديدة وعظيمة، تستدعي منا المبادرة والمسارعة إلى مساعدتهم، والوقوف بجانبهم، وتخفيف آلامهم.
وفق الله المسلمين عموما وإخواننا في السودان خصوصا للصبر والاحتساب، والتعاون على الخير، وضاعف لنا ولهم الأجر، وأنزل على المصابين السكينة والطمأنينة وأحسن للجميع العاقبة في الدنيا والآخرة، ووفق الجميع للتوبة النصوح، والاستقامة على الحق، والحذر من أسباب غضب الله وعقابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ولا يفوتني في ختام كلمتي هذه أن أشكر حكومة المملكة العربية السعودية وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين على مبادرتها بمد يد العون والمساعدة للسودان حكومة وشعبا، للتخفيف من آثار هذه الكارثة، كما أشكر كل من بادر بمساعدتهم من حكام المسلمين وشعوبهم وغيرهم ممن ساهم في تخفيف هذه المصيبة بالعون والإحسان.
وأسأل الله أن يجعل ذلك عملا خالصا لوجهه الكريم، وأن يثقل به موازين الجميع يوم القيامة، ويرفع به درجاتهم في دار الكرامة، ويخلف عليهم ما أنفقوا بخير منه وأفضل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية
стр. 11154
اعتذار. . وتصويب
تعتذر مجلة البحوث الإسلامية لقرائها الكرام وللباحث / إسماعيل الأنصاري، عما سقط سهوا من قبل المطبعة في بحث (التدابير الزجرية والوقائية في التشريع الإسلامي وتطبيقها) المنشور في العدد (٢٣) حيث سقط السطر الأخير في السحب النهائي من الصفحة (١٨٨) مما ترتب عليه تغيير المعنى.
والسطر الساقط هو (. . فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت فتشاور الناس في رجمها فقال علي. .).
نكرر الاعتذار للإخوة القراء وللباحث ونوضح أن ذلك السقط كان من قبل المطبعة في المرحلة النهائية من الطبع ولعل ذلك لخلل فني في المطابع.
стр. 11155
حديث شريف
عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «وقت الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس (١)»
رواه مسلم وأبو داود، واللفظ لأبي داود
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الدكتور
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 11158
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 11159
المحتويات
الافتتاحية:
أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
موضوع العدد:
حوادث السيارات وبيان ما يترتب عليها بالنسبة لحق الله وحق عباده اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٢٧
الفتاوى:
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٧٩
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٢٩
стр. 11160
البحوث:
تحديد صيغة القبض وهل قبض الشيكات يعتبر قبضا؟ الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع ١٤١
نظريات وتعقيبات على ما في كتاب السلفية من الهفوات الشيخ الدكتور / صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان ١٨٣
الشباب والتيارات المعاصرة الدكتور / محمد بن سعد الشويعر ٢١٥
مخطوطة ما انفرد به القراء الثمانية من الياءات والنونات والتاءات، لأبي الطيب بن غلبون تحقيق الدكتور / علي حسين البواب ٢٥٥
بحث فيما نسبه الشيخ منصور البهوتي في الروض المربع إلى عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح في رمضان. تخريجه ومناقشة أهل العلم في ذلك الدكتور / رويعي بن راجح الرحيلي ٢٧٧
بحث في مسألة دفع الخصومة الشيخ مسفر بن حسين القحطاني ٣٠٩
من قرارات المجمع الفقهي ٣٣١
حكم قيام الطلاب للمدرسين سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٤٧
تنبيه من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على دعاء أضيف إلى كتيب سماحته (كيفية صلاة النبي ﷺ ٣٤٩
стр. 11161
صفحة فارغة
стр. 11162
الافتتاحية
أهمية العلم في
محاربة الأفكار الهدامة
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيلهم واتبع هداهم إلى يوم الدين وبعد:
فلا ريب أن العلم هو مفتاح كل خير، وهو الوسيلة إلى أداء ما أوجب الله وترك ما حرم الله، فإن العمل نتيجة العلم لمن وفقه الله وهو مما يؤكد العزم على كل خير، فلا إيمان ولا عمل ولا كفاح ولا جهاد إلا بالعلم، فالأقوال والأعمال التي بغير علم لا قيمة لها ولا نفع فيها بل تكون لها عواقب وخيمة، وقد تجر إلى فساد كبير.
وإنما يعبد الله، ويؤدى حقه وينشر دينه وتحارب الأفكار الهدامة والدعوات المضللة والأنشطة المنحرفة بالعلم النافع، المتلقى عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهكذا إنما تؤدى الفرائض بالعلم ويتقى الله بالعلم وبه تكشف الحقائق الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله محمد ﵊. . قال جل وعلا في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١).
стр. 11163
فجميع ما يقدمه أهل الباطل وما يلبسون به في دعواتهم المضللة وفي توجيهاتهم لغيرهم بأنواع الباطل أو في تشكيكهم غيرهم فيما جاء عن الله وعن رسول الله ﷺ كله يندحض ويكشف بما جاء عن الله ورسوله بعبارة أوضح، وبيان أكمل أو بحجة قيمة تملأ القلوب وتؤيد الحق، وما ذاك إلا لأن العلم المأخوذ من الكتاب العزيز والسنة المطهرة علم صدر عن حكيم عليم، يعلم أحوال العباد ويعلم مشكلاتهم ويعلم ما في نفوسهم من أفكار خبيثة أو سليمة، ويعلم بما يأتي به أهل الباطل فيما يأتي من الزمان، كل ذلك يعلمه سبحانه وقد أنزل كتابه لإيضاح الحق وكشف الباطل، وإقامة الحجج على ما دعت إليه رسله عليهم الصلاة والسلام، وقد أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، وأنزل كتابه الكريم تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وإنما يعمل أهل الباطل وينشطون عند اختفاء العلم وظهور الجهل وخلو الميدان ممن يقول قال الله وقال الرسول، فعند ذلك يتأسدون ضد غيرهم وينشطون في باطلهم لعدم وجود من يخشونهم من أهل الحق والإيمان وأهل البصيرة، وقد ذكر الله في كتابه كل شيء إجمالا في مواضع، وتفصيلا في مواضع أخرى. قال : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١).
هذا كلام الحكيم العليم الذي لا أصدق منه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٢).
أوضح سبحانه في قوله:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). أنه مع كونه تبيانا لكل شيء فيه هدى ورحمة وبشرى، فهو بيان للحق وإيضاح لسبله ومناهجه ودعوة إليه بأوضح عبارة وأبين إشارة،
стр. 11164
ومع ذلك فهو هدى للعالمين في كل ما يحتاجون إليه في ذكر ربهم والتوجه إلى ما يرضيه، والبعد عن مساخطه وبين لهم طريق النجاح وسبيل السعادة مع كونه رحمة في بيانه وإرشاده، وهدى وإحسانا وبشرى، وتطمينا للقلوب بما يوضح من الحقائق ويرشد إليه من البصائر التي تخضع لها القلوب وتطمئن إليها النفوس، وتنشرح لها الصدور، بوضوحها وظهورها يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (٢).
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣).
ولولا أن كتابه وسنة نبيه ﷺ فيهما الهداية والكفاية لما رد الناس إليهما، ولكان رده إليهما غير مفيد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما رد الناس إليهما عند التنازع والخلاف لما فيهما من الهداية والبيان الواضح وحل المشكلات والقضاء على الباطل، ثم ذكر أن هذا شرط للإيمان فقال سبحانه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤)
ثم ذكر أنه خير للعباد في العاجل والآجل وأحسن عاقبة يعني أن ردهم ما يتنازعون فيه إلى الله والرسول خير لهم في الدنيا والآخرة وأحسن لهم في العاقبة.
ومن هذا يعلم أن في كتاب الله العزيز وسنة رسوله الأمين حلا لجميع
стр. 11165
المشكلات، وبيانا لكل ما يحتاجه الناس في دينهم، وفي القضاء على خصوماتهم، كما أن في ذلك النصر للداعي إلى الحق والقضاء على خصمه بالحجة الواضحة ولهذا يقول سبحانه:
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١).
والمثل يعم كل ما يقدمون من شبهة يزعمونها حجة، ومن مذهب يدعونه صحيحا، ومن دعوة يزعمون أنها مفيدة، كل ذلك يكشفه هذا الكتاب وما جاءت به سنة رسوله ﵊. فجميع ما يقدمونه من مشكلات ودعوات مضللة أو مذاهب هدامة كل ذلك يكشفه العلم بهذا الكتاب وسنة الرسول ﵊.
ومعلوم أن الأفكار الهدامة والمبادئ الضالة والمذاهب المنحرفة كثيرة والملبسون للحق بالباطل لا يحصون، وكذلك دعاة الباطل والمؤلفون في الصد عن سبيل الله لا يحصيهم إلا الله وهم يلبسون على الناس باطلهم بما يحرفون من الكلم، ولقد كثر الخطباء والمتكلمون في الإذاعات وفي التلفاز وفي كل مجال: في الصحافة والمجتمعات وفي كل نافذة كل يدعو إلى نحلته، وينادي إلى فكرته، ويمني غيره ويدعوه إلى الباطل، ولا مخرج من هذه المحن، ولا طريق للتخلص منها والقضاء عليها إلا بعرضها على هذا الميزان العظيم الكتاب والسنة، ففي عرضها على هذا الميزان العظيم تمحيصها وبيان حقها من باطلها، ورشدها من غيها، وهداها من ضلالها، وبذلك ينتصر الحق وأهله ويندحر الباطل وأهله فإذا تقدم دعاة الشيوعية والاشتراكية المنكرون لوجود الله والقائلون لا إله والحياة مادة، المكذبون بالحق والمنكرون لكتاب الله وما ورد فيه من الأدلة النقلية والعقلية، على وجود البارئ وقدرته العظيمة وعلمه الشامل. فارجعوا إلى كتب الله
стр. 11166
واقرءوا من آياته ما يرشد إلى دلائل وجوده سبحانه، وأنه الصانع الحكيم لهذه الأشياء والموجد لها والخالق لها سبحانه. وقد أرشد سبحانه في كتابه الكريم إلى ذلك، وبين أنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم وأنه خالق كل شيء وأنه ينصر الحق، ويقيم الأدلة على ذلك في مواضع كثيرة من كتابه ليعتمد عليها طالب الحق.
يقول سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ثم يقول سبحانه بعدها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) ويقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤).
ويقول: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٥).
ويقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٦).
ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٧).
إلى آيات كثيرة يرشد بها سبحانه أنه رب العباد وأنه رب العالمين،
стр. 11167
وأن الرسل جاءت بهذا، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١).
ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢).
ويقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٣).
ويقول جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥).
ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦).
ويقول سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٧).
ثم يبين الأدلة في مواضع كثيرة عندما يتأملها المؤمن يعرف أن الدليل النقلي مؤيد بالدليل العقلي المشاهد المحسوس، ولهذا ذكر سبحانه بعد قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٨) الحجة على ذلك فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٩).
والمعنى أن هذا الخالق لنا هو المستحق أن نعبده لكونه خلقنا ولأنه يرى مصالح العباد وهذا أمر معلوم بالفطر السليمة والعقول الصحيحة، فهم لم يخلقوا أنفسهم فقد خلقهم بارئهم، فالله هو الخالق بالأدلة النقلية والعقلية ثم قال سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٠).
стр. 11168
بين كيف تدرك هذه الأشياء المشاهدة المخلوقة التي يدركها العقل ويدركها كل إنسان فجعل الأرض فراشا لنا ننام عيها ونسير عليها ونرعى المواشي عليها ونحمل عليها ونزرع عليها الأشجار ونأخذ منها المعادن إلى غير ذلك. ثم أنزل من السماء ماء من السحاب، أنزل المطر فأخرج به الثمرات لنا. من الذي أنزل المطر؟ من الذي أخرج هذه الثمار التي يأكلها الناس والدواب؟ مما زرعوا ومن غير ما زرعوا كلها من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته العظيمة وأنه رب العالمين. أرض مستقرة أرساها ربنا بالجبال التي جعلها أوتادا لها وجعلها ممهدة ساكنة نعيش عليها ونطمئن نحن ودوابنا وسياراتنا فوقها، وتطير في فضائها طائراتنا، ونتمتع بجميع ما خلق فيها والسماء كذلك خلقها فوقنا وزينها بالكواكب السيارات والثوابت، وجعل فيها الشمس والقمر ليعلم العبادة قدرة الخالق العظيم والعلي الكبير الذي لا شريك له في ذلك . ثم هذه المزروعات الكثيرة والثمار المنوعة التي فيها المنافع الكثيرة والمصالح العظيمة مع اختلاف أشكالها وألوانها، وأحجامها وطعومها ومنافعها إلى غير ذلك، هنا تظهر قدرة الله سبحانه، واستحقاقه للعبادة كما قال : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢).
стр. 11169
فهو سبحانه يبين لنا في هذه الآيات التي نشاهدها ونراها ونحسن بها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (١)
هذه السماوات مع اتساعها وارتفاعها وما فيها من عجائب وغرائب، وهذه الأرض مع سعتها وانبساطها وما فيها من أنهار وجبال وغير ذلك، ثم اختلاف الليل والنهار وما أنزل من السماء من ماء. وما أخرج من البحار من أشياء تنفع الناس وما يحمله ماؤها من البواخر التي أمسكها على ظهر هذا الماء تحمل حاجات الناس وتحملهم أيضا من بلاد إلى بلاد.
ثم أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض. هذه الآيات العظيمة لمن تدبرها ترشده إلى وجود بارئها وخالقها الذي خلقه وأوجده من العدم وأنه رب العالمين ، وأن هذه المخلوقات لا قوام لها إلا به سبحانه كما قال :
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢).
فهذه الآيات التي نشاهدها والدلائل التي نقرؤها ونعلمها إنما ينتفع بها ذوو العقول السليمة والبصائر المستقيمة، ولهذا قال سبحانه في آخر الآية: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣)
والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أصدق الناس وقد أقاموا الأدلة على صدقهم ودلت المعجزات على ذلك، وقد أخبرونا بهذا وأن هذا صنع الله وأنه ربنا وخالقنا وأنه الرحمن وأنه الرحيم وأنه السلام وأنه القدوس، إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى كما أخبر جل وعلا في كتابه العظيم، أنه الحكيم العليم القادر على كل شيء جل وعلا، وفي هذا
стр. 11170
أبلغ رد على دعاة الشيوعية والدهرية الاشتراكية وغيرهم ممن أنكروا وجود الله فهل هذه المخلوقات وهل هذه الموجودات تخلق نفسها وتنشئ نفسها؟ هل يقول هذا عاقل؟ بل كوب الماء لو قلت لعاقل إنه خلق نفسه لقال إنك مجنون، وهكذا كوب الشاي وكوب القهوة والملعقة والعصا، كلها معروف من صنعها فكيف بهذا العالم العظيم الذي أنشأه الخالق سبحانه من العدم وجعل فيه من الآيات والمنافع ما لا يحصى فهو المبدع سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ثم هذا الخالق قد بين أسماء تليق بذاته، وبينت الرسل صفاته وأسماءه ودلوا عليه وأرشدوا إليه، وقامت الدلائل على صدقهم وعلى رأسهم نبينا محمد ﵊، أصدق الأنبياء وأفضلهم، قد بعثه الله بكتابه العظيم، والرسالة العامة، التي أوضح بها كل شيء، ثم يأتي دعاة الماسونية الذين يريدون أن يردوا الناس إلى الأحوال البهيمية والمساواة في كل شيء ويحاربوا مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ليجعلوهم كالبهائم لا يميزون حقا من باطل ولا خيرا من شر. وهذا كله خلاف ما دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، وخلاف ما دل عليه القرآن الكريم المعجز، وهو أيضا خلاف ما دلت عليه العقول الصحيحة، والفطر السليمة التي فطر الله العباد عليها، فإن الله سبحانه فطر الناس على الاعتراف بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال والعدل والحق، وكراهة الظلم والعدوان والأذى.
لقد فطر الله العباد على تمييز الأب من الابن، والأخ من الأخت، والزوجة من الزوج، حتى البهائم ميزت هذا عن هذا.
كذلك من ادعى الإباحية، وأنه لا حرج على الإنسان في أي حال أن يعمل ما شاء ويستبيح ما يشاء من مهازل ومساوئ. كلهم ملحدون وضالون، وقد أبطل الله هذا المذهب وبين أنه أرسل