← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 16066–16105 · переход к 16071.

стр. 16066

العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة، وهي التولية والشركة والإقالة، فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة أو التولية بزيادة أو نقصان فلا خلاف أعلمه في هذا المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض، وتجوز الإقالة عندهما لأنهما قبل القبض فسخ بيع لا بيع، فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه وإنما استثنى مالك من ذلك التولية والإقالة والشركة للأثر والمعنى. وأما الأثر فما رواه من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبع حتى يستوفيه (١)» إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة، وأما من طريق المعنى فإن هذه إنما يراد بها الرفق لا المغابنة إذا لم تدخلها زيادة ولا نقصان وإنما استثنى من ذلك أبو حنيفة الصداق والخلع والجعل، لأن العوض في ذلك ليس بينا إذا لم يكن عينا. الفصل الثالث: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلا وجزافا. وأما اشتراط القبض فيما بيع من الطعام جزافا، فإن مالكا رخص فيه وأجازه وبه قال الأوزاعي ولم يجز ذلك أبو حنيفة والشافعي، وحجتهما عموم الحديث المتضمن للنهي عن بيع الطعام قبل قبضه لأن الذريعة موجودة في الجزاف وغير الجزاف، ومن الحجة لهما ما روي عن ابن عمر أنه قال: «كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام جزافا، فبعث إلينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (٢)» قال أبو عمر: وإن كان مالك لم يرو عن نافع في هذا الحديث ذكر الجزاف، فقد روته جماعة وجوده عبيد الله بن عمر وغيره، وهو مقدم في حفظ حديث نافع. وعمدة المالكية أن الجزاف ليس فيه حق توفية، فهو عندهم من ضمان المشتري بنفس العقد، وهذا من باب تخصيص العموم بالقياس المظنون العلة، وقد يدخل في هذا الباب إجماع العلماء على منع

стр. 16067

بيع الرجل شيئا لا يملكه، وهو المسمى عينة عند من يرى فقله (١) من باب الذريعة إلى الربا، وأما من رأى منعه من جهة أنه قد لا يمكنه نقله فهو داخل في بيوع الغرر، وصورة التذرع منه إلى الربا المنهي عنه أن يقول رجل لرجل: أعطني عشرة دنانير على أن أدفع لك إلى مدة كذا ضعفها فيقول له: هذا لا يصلح، ولكن أبيع منك سلعة كذا لسلعة يسميها ليست عنده بهذا العدد، ثم يعمد هو فيشتري تلك السلعة فيقبضها له بعد أن كمل البيع بينهما، وتلك السلعة قيمتها قريبة مما كان سأله أن يعطيه من الدراهم قرضا فيرد عليه ضعفها، وفي المذهب في هذا تفصيل ليس هذا موضع ذكره، ولا خلاف في هذه الصورة التي ذكرنا أنها غير جائزة في المذهب: أعني إذا تقارا على الثمن الذي يأخذ به السلعة قبل شرائها. وأما الدين بالدين، فأجمع المسلمون على منعه، واختلفوا في مسائل هل هي منه أم ليست منه؟ مثل ما كان ابن القاسم لا يجيز أن يأخذ الرجل من غريمه في دين له عليه تمرا قد بدا صلاحه ولا سكنى دار ولا جارية تتواضع، ويراه من باب الدين بالدين، وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: ليس هذا من باب الدين بالدين، وإنما الدين بالدين ما لم يشرع في أخذ شيء منه، وهو القياس عند كثير من المالكيين وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، ومما أجاز مالك من هذا الباب وخالفه فيه جمهور العلماء ما قاله في المدونة من أن الناس كانوا يبيعون اللحم بسعر معلوم والثمن إلى العطاء، فيأخذ المبتاع كل يوم وزنا معلوما قال: ولم ير الناس بذلك بأسا، وكذلك كل ما يبتاع في الأسواق، وروى ابن القاسم أن ذلك لا يجوز إلا فيما خشي عليه الفساد من الفواكه إذا أخذ جميعه، أما القمح وشبهه فلا، فهذه هي أصول هذا الباب، وهذا الباب كله إنما حرم في الشرع لمكان الغبن الذي يكون طوعا وعن علم.

стр. 16068

جـ - قال صاحب المجموع شرح المهذب (فرع) في مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض، قد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه مطلقا سواء كان طعاما أو غيره وبه قال ابن عباس ثبت ذلك عنه ومحمد بن الحسن، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعاما فليس له بيعه حتى أن يقبضه، قال: واختلفوا في غير الطعام على أربعة مذاهب (أحدها) لا يجوز بيع شيء قبل قبضه سواء جميع المبيعات كما في الطعام قاله الشافعي ومحمد بن الحسن (والثاني) يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المكيل والموزون قاله عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وأحمد وإسحاق (والثالث) لا يجوز بيع مبيع قبل قبضه إلا الدور والأرض قاله أبو حنيفة وأبو يوسف (والرابع) يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المأكول والمشروب قاله مالك وأبو ثور قال ابن المنذر وهو أصح المذاهب لحديث النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. واحتج لمالك وموافقيه بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (١)» رواه البخاري ومسلم، وعنه قال: «لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون جزافا يعني الطعام فضربوا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم (٢)» رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عباس قال: «أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض (٣)» قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال (قال رسول الله ﷺ : «من ابتاع طعاما ما فلا يبعه حتى يقبضه (٤)»، قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكيله»، رواه مسلم، وفي رواية قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى (٥)» وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا

стр. 16069

ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه (١)»، رواه مسلم قالوا: فالتنصيص في هذه الأحاديث يدل على أن غيره بخلافه قالوا: وقياسا على ما ملكه بإرث أو وصية، وعلى إعتاقه وإجارته قبل قبضه، وعلى بيع الثمر قبل قبضه. واحتج أصحابنا بحديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: «لا تبع ما لم تقبضه» وهو حديث حسن كما سبق بيانه في أول هذا الفصل، وبحديث زيد بن ثابت: «أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٢)»، رواه أبو داود بإسناد صحيح إلا أنه من رواية محمد بن إسحاق بن يسار عن أبي الزناد، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به وهو مدلس وقد قال: عن أبي الزناد والمدلس إذا قال: عن لا يحتج به، لكن لم يضعف أبو داود هذا الحديث، وقد سبق أن ما لم يضعفه فهو حجة عنده فلعله أعضد عنده أو ثبت عنده بسماع ابن إسحاق له من أبي الزناد وبالقياس على الطعام. (والجواب) عن احتجاجهم بأحاديث النهي عن بيع الطعام من وجهين (أحدها) أن هذا استدلال بداخل الخطاب والتنبيه مقدم عليه، فإنه إذا نهى عن بيع الطعام مع كثرة الحاجة إليه فغيره أولى (والثاني) أن النطق الخاص مقدم عليه وهو حديث حكيم وحديث زيد (وأما) قياسهم على العتق ففيه خلاف سبق فإن سلمناه فالفرق أن العتق له قوة وسراية، ولأن العتق إتلاف للمالية والإتلاف قبض (والجواب) عن قياسهم على الثمن أن فيه قولين فإن سلمناه فالفرق أنه في الذمة مستقر لا يتصور تلفه ونظير المبيع إنما هو الثمن المعين ولا يجوز بيعه قبل القبض، وأما بيع الميراث والموصى به فجوابه أن الملك فيهما مستقر بخلاف المبيع، والله أعلم. واحتج لأبي حنيفة بإطلاق النصوص ولأنه لا يتصور تلف العقار

стр. 16070

بخلاف غيره. واحتج أصحابنا بما سبق في الاحتجاج على مالك وأجابوا عن النصوص بأنها مخصوصة بما ذكرناه (وأما) قولهم: لا يتصور تلفه. فينتقض بالجديد الكثير، والله أعلم. قال المصنف ﵀: (وأما الديون فينظر فيها، فإن كان الملك عليها مستقرا كغرامة المتلف وبدل القرض، جاز بيعه ممن عليه قبل القبض لأن ملكه مستقر عليه، فجاز بيعه كالمبيع بعد القبض وهل يجوز من غيره؟ فيه وجهان (أحدهما) يجوز، لأن ما جاز بيعه ممن عليه جاز بيعه من غيره كالوديعة (والثاني) لا يجوز، لأنه لا يقدر على تسليمه إليه لأنه ربما منعه أو جحده وذلك غرر لا حاجة به إليه فلم يجز والأول أظهر لأن الظاهر أنه يقدر على تسليمه إليه من غير منع ولا جحود، وإن كان الدين غير مستقر نظرت فإن كان مسلما فيه لم يجز بيعه لما روي أن ابن عباس ﵄ سئل عن رجل أسلف في حلل دقاق فلم يجد تلك الحلل فقال: آخذ منك مقام كل حلة من الدقاق حلتين من الجل فكرهه ابن عباس، وقال: خذ برأس المال علفا أو غنما، ولأن الملك في المسلم فيه غير مستقر لأنه ربما تعذر فانفسخ البيع فيه فلم يجز بيعه كالمتبع قبل القبض. وإن كان ثمنا في بيع ففيه قولان قال في الصرف: يجوز بيعه قبل القبض لما روى ابن عمر قال: «كنت أبيع الأول بالبقيع بالدنانير، فآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير فقال رسول الله ﷺ : لا بأس ما لم تتفرقا وبينكما شيء (١)»، ولأنه لا يخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك فصار كالبيع بعد القبض، وروى المزني في جامعه الكبير أنه لا يجوز لأن ملكه غير مستقر عليه: لأنه قد ينفسخ البيع فيه بتلف المبيع أو بالرد بالعيب، فلم يجز بيعه كالمبيع قبل القبض، وفي بيع نجوم المكاتب قبل القبض طريقان (أحدهما) أنه على قولين بناء على القولين في بيع رقبته (والثاني)

стр. 16071

أنه لا يصح ذلك قولا واحدا وهو المنصوص في المختصر لأنه لا يملكه ملكا مستقرا فلم يصح بيعه كالمسلم فيه. (الشرح) حديث ابن عمر صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وآخرون بأسانيد صحيحة عن سماك بن حرب عن سعيد عن ابن عمر بلفظه هنا، قال الترمذي وغيره: لم يرفعه غير سماك وذكر البيهقي في معرفة السنن والآثار أن أكثر الرواة وقفوه على ابن عمر (قلت) وهذا لا يقدح في رفعه، وقد قدمنا مرات أن الحديث إذا رواه بعضهم مرسلا وبعضهم متصلا وبعضهم موقوفا مرفوعا كان محكوما بوصله ورفعه على المذهب الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين من المتقدمين والمتأخرين بالبقيع هو بالباء الموحدة، وإنما قيدته لأني رأيت من يصحفه (وقوله) المسلم في حلل هو جمع حلة بضم الحاء وهي ثوبان ولا يكون إلا ثوبان كذا قاله أهل اللغة، والمدق بكسر الدال والجل بكسر - الجيم - وهو الغليظ (وقوله) من غير حاجة إليه يحترز من أساس الدار فإنه يصح بيعه وهو غرر للحاجة، وهذا الاحتراز يكرره المصنف في كتاب البيوع كثيرا. (أما) الأحكام فقد لخصها الرافعي أحسن تلخيص وهذا مختصر كلامه قال: الدين في الذمة ثلاثة أضرب مثمن وثمن وغيرهما، وفي حقيقة الثمن ثلاثة أوجه (أحدها) أنه ما ألصق به الباء كقولك بعت كذا بكذا والأول مثمن. والثاني ثمن وهذا قول القفال (والثاني) أنه النقد مطلقا والمثمن ما يقابله على الوجهين (أصحهما) أن الثمن النقد والمثمن ما يقابله فإن لم يكن في العقد نقدا وكان العوضان نقدين فالثمن ما ألصقت به الباء والمثمن ما يقابله، فلو باع أحد النقدين بالآخر فلا مثمن فيه على الوجه الثاني ولو باع عرضا بعرض فعلى الوجه الثاني لا ثمن فيه وإنما هو مبادلة، ولو قال بعتك هذه الدراهم بهذا العبد فعلى الوجه الأول العبد ثمن والدراهم مثمن وعلى الوجه الثاني والثالث في صحة هذا العقد وجهان كالسلم في الدراهم والدنانير (الأصح) الصحة في الموضعين،

стр. 16072

فإن صححناه فالعبد مثمن. ولو قال: بعتك هذا الثوب بهذا العبد ووصفه صح العقد (فإن قلنا) الثمن ما ألصق به الباء فالعبد ثمن ولا يجب تسليم الثوب في المجلس وإلا ففي وجوب تسليم الثوب وجهان لأنه ليس فيه لفظ السلم لكن فيه معناه. فإذا عرف عدنا إلى بيان الأضرب الثلاثة (الضرب الأول) المثمن وهو المسلم فيه فلا يجوز بيعه ولا الاستبدال عنه، وهل تجوز الحوالة به؟ بأن يحيل المسلم إليه بحقه على من له عليه دين قرض أو إتلاف، أو الحوالة عليه بأن يحيل المسلم من له عليه دين قرض أو إتلاف على المسلم إليه، فيه ثلاثة أوجه (أصحها) لا (والثاني) نعم (والثالث) لا يجوز عليه ويجوز به، هكذا حكموا الثالث وعكسه الغزالي في الوسيط فقال: يجوز عليه لا به ولا أظن نقله ثابتا. (الضرب الثاني) الثمن فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة ففي الاستبدال عنها طريقان (أحدهما) القطع بالجواز قاله القاضي أبو حامد وابن القطان (وأشهرهما) على قولين (أصحهما) وهو الجديد جوازه (والقديم) منعه، ولو باع في الذمة بغير الدراهم والدنانير (فإن قلنا) الثمن ما ألصقت به الباء صح الاستبدال عنه كالنقدين، وادعى البغوي أنه المذهب وإلا فلا لأن ما ثبت في الذمة مثمنا لم يجز الاستبدال عنه (وأما) الأجرة فكالثمن (وأما) الصداق وبدل الخلع فكذلك إن قلنا أنهما مضمونان ضمان العقد وإلا فهما كبدل الإتلاف. (التفريع) إن منعنا الاستبدال عن الدراهم فذلك إذا استبدل عنها عرضا فلو استبدل نوعا منها بنوع أو استبدل الدراهم عن الدنانير فوجهان لاستوائهما في الزواج، وإن جوزنا الاستبدال فلا فرق بين بدل وبدل ثم ينظر إن استبدل ما يوافقهما في علة الربا كدنانير عن دراهم اشترط قبض البدل في المجلس، وكذا إن استبدل عن الحنطة المبيعة شعيرا إن جوزنا ذلك، وفي اشتراط تعيين البدل عند العقد وجهان

стр. 16073

(أحدهما) يشترط وإلا فهو بيع دين بدين (وأصحهما) لا يشترط كما لو تصارفا في الذمة ثم عينا وتقابضا في المجلس، وإن استبدل ما ليس موافقا لها في علة الربا كالطعام والثياب عن الدراهم نظر إن عين البدل في الاستبدال جاز، وفي اشتراط قبضه في المجلس وجهان (صحح) الغزالي وجماعة الاشتراط وهو ظاهر نصه في المختصر وصحح الإمام والبغوي عدمه، قلت: هذا الثاني أصح، وصححه الرافعي في المحرر، وإن لم يعين بل وصف في الذمة فعلى الوجهين السابقين وإن جوزناه اشترط التعيين في المجلس وفي اشتراط القبض الوجهان. (الضرب الثالث) ما ليس ثمنا ولا مثمنا كدين القرض والإتلاف فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف كما لو كان له في يد غيره مال بغصب أو عارية فإنه يجوز بيعه له، ثم الكلام في اعتبار التعيين والقبض على ما سبق، وذكر صاحب الشامل أن القرض إنما يستبدل عنه إذا تلف، فإن بقي في يده فلا ولم يفرق الجمهور بينهما ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال - يجوز عكسه - وهذا الذي ذكرنا كله في الاستبدال، وهو بيع الدين ممن هو عليه فأما بيعه لغيره كمن له على رجل مائة فاشترى من آخر عبدا بتلك المائة ففي صحته قولان مشهوران (أصحهما) لا يصح لعدم القدرة على التسليم (والثاني) يصح بشرط أن يقبض مشتري الدين بالدين ممن هو عليه وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس. فإن تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد، ولو كان له دين على إنسان ولآخر مثله على ذلك الإنسان فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه لم يصح، سواء اتفق الجنس لنهيه ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ، هذا آخر كلام الرافعي (قلت: قد صحح المصنف هنا وفي التنبيه جواز بيع الدين لغير من هو عليه وصحح الرافعي في الشرح والمحرر أنه لا يجوز).

стр. 16074

(فرع) قال الشيخ أبو حامد في تعليقه في آخر باب بيع الطعام قبل أن يستوفي: إذا باع طعاما بثمن مؤجل فحل الأجل فأخذ بالثمن طعاما جاز عندنا، قال الشافعي: وقال مالك: لا يجوز لأنه يصير في معنى بيع طعام بطعام مؤجل، دليلنا أنه إنما يأخذ منه الطعام بالثمن الذي له عليه لا بالطعام وهذا الذي جزم به أبو حامد تفريعا على الصحيح وهو الاستبدال عن الثمن، وقد صرح بهذا جماعة منهم القاضي أبو الطيب في تعليقه قال صاحب البيان قال الصيمري والعبيدلاني: فلو أراد أن يأخذ ثمن الدين المؤجل عوضا من نقد وعرض قبل حلوله لم يصح (أما) تقديم الدين نفسه فيجوز لأنه لا يملك المطالبة به قبل الحلول فكأنه أخذ العوض عما لا يستحقه. والله أعلم. قال المصنف ﵀: (والقبض فيما ينقل النقل لما روى زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (١)» وفيما لا ينقل كالعقار والثمر قبل أوان الجذاذ التخلية لأن القبض ورد به الشرع وأطلقه فحمل على العرف، والعرف فيما ينقل النقل وفيما لا ينقل التخلية). (الشرح) أما حديث زيد فسبق بيانه قريبا في فرع مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض وفي التجار لغتان - كسر التاء مع تخفيف الجيم. وضمها مع التشديد، والجذاذ - بفتح الجيم وكسرها - (أما) الأحكام فقال أصحابنا: الرجوع في القبض إلى العرف وهو ثلاثة أقسام (أحدها) العقار والثمر على الشجرة تقبضه بالتخلية (والثاني) ما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيتان ونحوها فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به سواء نقل إلى ملك المشتري أو موات أو شارع أو مسجد أو غيره. وفيه قول حكاه الخراسانيون أنه يكفي فيه التخلية وهو مذهب أبي حنيفة (والثالث) ما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والمنديل

стр. 16075

والثوب والإناء الخفيف والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول بلا خلاف، صرح بذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه والقاضي أبو الطيب والمحاملي والماوردي والمصنف في التنبيه والبغوي وخلائق لا يحصون، وينكر على المصنف كونه أهمله هنا مع شهرته ومع ذكره له في التنبيه، والله تعالى أعلم. وقد فحص الرافعي ﵀ كلام الأصحاب وجمع متصرفه مختصرا وأنا أنقل مختصره وأضم إليه ما أهمله إن شاء الله تعالى، قال ﵀: القول الجملي فيه أن الرجوع فيما يكون قبضا إلى العادة وتختلف بحسب اختلاف المال (وأما) تفصيله فنقول المال إما أن يباع من غير اعتبار تقدير فيه وإما مع اعتبار فيه فهما نوعان، الأول: ما لا يعتبر فيه تقدير إما لعدم إمكانه وإما إمكانه فينظر إن كان المبيع مما لا ينقل كالأرض والدار فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري ويمكنه من اليد والتصرف بتسليم المفتاح إليه، ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه ويشترط كونه فارغا من أمتعة البائع، فلو باع دارا فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريغها وكذا لو باع سفينة مشحونة بالقماش. وحكى الرافعي بعد هذا وجها شاذا ضعيفا عند ذكر بيع الدار المذروعة أنه لا يصح بيع الدار المشحونة بالأقمشة وادعى إمام الحرمين أنه ظاهر المذهب. ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار وخلى بين المشتري وبين الدار حصل القبض فيما عدا ذلك البيت كذا قاله الأصحاب وكذا نقله المتولي عن الأصحاب. وفي اشتراط حضور البائع عند المبيع في حال الإقباض ثلاثة أوجه (أحدها) يشترط، فإن حضرا عنده فقال البائع للمشتري دونك هذا ولا مانع حصل القبض وإلا فلا، والثاني يشترط حضور المشتري دون البائع (وأصحها) لا يشترط حضور واحد منهما. لأن ذلك يشق، فعلى هذا هل يشترط زمان إمكان المضي؟ فيه وجهان (أصحهما) نعم، وبه قطع المتولي وغيره وفي معنى الأرض الشجر الثابت والثمرة

стр. 16076

المبيعة على الشجر قبل أوان الجذاذ، والله سبحانه أعلم. (أما) إذا كان المبيع من المنقولات فالمذهب والمشهور أنه لا تكفي التخلية بل يشترط النقل والتحويل، وفي قول رواه حرملة تكفي التخلية لنقل الضمان إلى المشتري ولا تكفي لجواز تصرفه فعلى المذهب إن كان المبيع عبدا يأمره بالانتقال من موضعه وإن كان دابة ساقها أو قادها (قلت) قال صاحب البيان: لو أمر العبد بعمل لم ينتقل فيه عن موضعه أو ركب البهيمة ولم تنقل عن موضعها فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يكون قبضا كما لا يكون غصبا، قال ولو وطئ الجارية فليس قبضا على الصحيح من الوجهين وبهذا قطع الجمهور، وهذا الذي ذكره في الغصب فيه خلاف نذكره في الغصب إن شاء الله تعالى. قال الرافعي: إذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كموات ومسجد وشارع أو في موضع يختص بالمشتري فالتحويل إلى مكان منه كاف في حصول القبض وإن كان في بقعة مخصوصة بالبائع فالنقل من زاوية منه إلى زاوية، أو من بيت من داره إلى بيت بغير إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف ويكفي لدخوله في ضمانه وإن نقل بإذنه حصل القبض وكأنه استعار ما نقل إليه. ولو اشترى الدار مع أمتعة فيها صفقة واحدة فخلى البائع بينهما وبينه حصل القبض في الدار، وفي الأمتعة وجهان (أصحهما) يشترط نقلها لأنها منقولة كما لو أفردت (والثاني) يحصل فيها القبض تبعا، وبه قطع الماوردي وزاد، فقال: لو اشترى صبرة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض التي عليها الصبرة وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة (قلت) قال الماوردي: ولو استأجر الأرض من البائع فوجهان (الصحيح) أنه ليس قبضا للأمتعة، والله سبحانه أعلم. قال الرافعي: ولو لم يتفقا على القبض فجاء البائع بالمبيع فامتنع

стр. 16077

المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه فإن أصر أمر الحاكم من يقبضه كما لو كان غائبا، قال: ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري: ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض فإن وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئا أو قال: لا أريده فوجهان (أحدهما) لا يحصل القبض كما لا يحصل الإيداع (وأصحها) يحصل لوجوب التسليم، كما لو وضع المغصوب بين يدي المالك فإنه يبرأ من الضمان فعلى هذا للمشتري التصرف فيه، ولو تلف فمن ضمانه لكن لو خرج مستحقا ولم يجر إلا وضعه فليس للمستحق مطالبة المشتري بالضمان، لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب.

стр. 16078

جـ - قال ابن قدامة ﵀ في المغني: (فصل) وقبض كل شيء بحسبه فإن كان مكيلا أو موزونا بيع كيلا أو موزونا فقبضه بكيله ووزنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة التخلية في ذلك قبض، وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز، لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل فكان قبضا له كالعقار، ولنا ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل (١)». رواه النجاد وعن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري (٢)». رواه ابن ماجه وهذا فيما بيع كيلا، وإن بيع جزافا فقبضه نقله لأن ابن عمر قال: «كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه حتى يحوله (٣)» وفي لفظ: «كنا نبتاع الطعام جزافا فبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه إلى مكان في مكانه سواء قبل أن نبيعه (٤)». وفي لفظ: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله (٥)» رواه مسلم. وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل وقد دل على ذلك أيضا قول النبي ﷺ : «إذا سميت

стр. 16079

الكيل فكل (١)» رواه الأثرم. وإن كان المبيع دراهم أو دنانير فقبضها باليد وإن كان ثيابا فقبضها بنقلها وإن كان حيوانا فقبضه تمشيته من مكانه، وإن كان مما لا ينقل ويحول فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه، وقد ذكره الخرقي في باب الرهن فقال: إن كان مما ينقل فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولا، وإن كان مما لا ينقل فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه، ولأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز والتفرق والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا. . . . إلى أن قال: (مسألة) قال (ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه حتى يقبضه) وقد ذكرنا الذي يحتاج إلى قبض والخلاف فيه وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه لقول النبي ﷺ : «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (٢)» متفق عليه، ولأنه من ضمان بائعه فلم يجز بيعه كالسلم ولم أعلم بين أهل العلم خلافا إلا ما حكي عن البتي أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه، وقال ابن عبد البر: وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه، وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان ﵁ وسعيد بن المسيب والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق. وعن أحمد رواية أخرى لا يجوز بيع شيء قبل قبضه اختارها ابن عقيل وروي ذلك عن ابن عباس وهذا قول أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة أجاز بيع العقار قبل قبضه، واحتجوا بنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه. وبما روى أبو داود: «أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٣)». وروى ابن ماجه «أن النبي ﷺ نهى عن شراء الصدقات حتى تقبض (٤)». وروي أن النبي ﷺ لما

стр. 16080

بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال: «انههم عن بيع ما لم يقبضوه وعن ربح ما لم يضمنوه» ولأنه لم يتم الملك عليه فلم يجز بيعه كغير المتعين أو كالمكيل والموزون. ولنا ما روى ابن عمر قال: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيعها بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم فسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: " لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء (١)». وهذا التصرف في الثمن قبل قبضه وهو أحد العوضين، وروى ابن عمر «أنه كان على بكر صعب - يعني لعمر - فقال النبي ﷺ لعمر: " بعنيه " فقال: هو لك يا رسول الله فقال النبي ﷺ : " هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت (٢)» وهذا ظاهره التصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه، واشترى من جابر جمله ونقده ثمنه ثم وهبه إياه قبل قبضه، ولأنه أحد نوعي المعقود عليه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالمنافع في الإجارة فإنه يجوز له إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع، ولأنه مبيع لا يتعلق به حق توفية فصح بيعه كالمال في يد مودعه أو مضاربه، فأما أحاديثهم فقد قيل لم يصح منها إلا حديث الطعام وهو حجة لنا بمفهومه فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على إباحة ذلك فيما سواه، وقولهم لم يتم الملك عليه ممنوع فإن السبب المقتضي للملك متحقق وأكثر ما فيه تخلف القبض، واليد ليست شرطا في صحة البيع بدليل جواز بيع المال المودع والموروث والتصرف في الصداق وعوض الخلع عند أبي حنيفة. (فصل) وما لا يجوز بيعه قبل قبضه لا يجوز بيعه لبائعه لعموم الخبر فيه، قال القاضي: لو ابتاع شيئا مما يحتاج إلى قبض فلقيه ببلد آخر لم يكن له مطالبته ولا أخذ بدله وإن تراضيا لأنه مبيع لم يقبض، فإن كان مما لا يحتاج إلا قبض جاز أخذ البدل عنه وإن كان في سلم لم يجز أخذ

стр. 16081

البدل عنه لأنه أيضا لا يجوز بيعه. (فصل) وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه قبل قبضه كالذي ذكرنا والأجرة وبدل الصلح إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه جاز التصرف فيه قبل قبضه كعوض الخلع والعتق على مال وبدل صلح عن دم العمد وأرش الجناية وقيمة المتلف، لأن المطلق للتصرف الملك وقد وجد لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزا من الغرر، وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع فجاز العقد عليه وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك عند القاضي وهو قول أبي حنيفة لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول أو انفساخه بسبب من جهة المرأة أو نصفه بالطلاق أو انفساخه بسبب من غير جهتها، وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع وهذا التعليل باطل بما بعد القبض فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول، وأما ما لك بإرث أو وصية أو غنيمة، أو تعين ملكه فيه فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه لأنه غير مضمون بعقد معاوضة فهو كالمبيع المقبوض وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة أو عارية أو مضاربة أو جعله وكيلا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره لأنه عين مال مقدور على تسليمها لا يخشى انفساخ الملك فيها فجاز بيعها كالتي في يده، وإن كان غصبا جاز بيعه ممن هو في يده لأنه مقبوض معه فأشبه بيع العارية ممن هي في يده وأما بيعه لغيره فإن كان عجزا عن استنقاذه أو ظن أنه عاجز لم يصح شراؤه له، لأنه معجوز عن تسليمه إليه فأشبه بيع الآبق والشارد وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في

стр. 16082

يده صح البيع لإمكان قبضه، فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء لأن العقد صح لكونه مظنون القدرة على قبضه، ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض فأشبه ما لو باعه فرسا فشردت قبل تسليمها أو غائبا بالصفة فعجز عن تسليمه. قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري: باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك، حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: الذي حفظناه من عمرو بن دينار سمع طاوسا يقول سمعت ابن عباس ﵄ يقول: أما الذي نهى عنه النبي ﷺ : فهو الطعام أن يباع حتى يقبض، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله، حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (١)» زاد إسماعيل «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (٢)». باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله والأدب في ذلك حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن ابن عمر ﵄ قال: «رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جزافا - يعني الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم (٣)». (قوله) (باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك) لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال:

стр. 16083

«لا تبع ما ليس عندك (١)» أخرجه الترمذي مختصرا ولفظه: «نهاني رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندي (٢)»، قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين أحدهما أن يقول أبيعك عبدا أو دارا معينة وهي غائبة فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها، ثانيهما: أن يقول هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها اهـ. وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني: (قوله حدثنا سفيان) هو ابن عيينة وقوله الذي حفظناه من عمر، وكان سفيان يشير إلى أن في رواية غير عمرو بن دينار عن طاوس زيادة على ما حدثهم به عمرو بن دينار عنه كسؤال طاوس من ابن عباس عن سبب النهي وجوابه وغير ذلك. (قوله عن ابن عباس أما الذي نهى عنه إلخ. .) أي وأما الذي لم أحفظ نهيه فما سوى ذلك " قوله نهى الطعام أن يباع حتى يقبض " في رواية مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (٣)» قال مسعر وأظنه قال: «أو علفا (٤)» وهو بفتح المهملة واللام والفاء (قوله قال ابن عباس: لا أحسب كل شيء إلا مثله، ولمسلم من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام، وهذا من تفقه ابن عباس، ومال ابن المنذر إلى اختصاص ذلك بالطعام واحتج باتفاقهم على أن من اشترى عبدا فأعتقه قبل قبضه أن عتقه جائز، قال: فالبيع كذلك وتعقب بالفارق وهو تشوف الشارع إلى العتق وقول طاوس في الباب قبله قلت لابن عباس كيف ذاك قال: ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجى، معناه أنه استفهم عن سبب هذا النهي فأجابه ابن عباس بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باعه دراهم بدراهم، ويبين ذلك ما وقع في رواية سفيان عن ابن طاوس عند مسلم قال طاوس: قلت لابن عباس لم؟ قال: ألا

стр. 16084

تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجى، أي فإذا اشترى طعاما بمائة دينار مثلا ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام لآخر بمائة وعشرين دينارا وقبضها والطعام في يد البائع، فكأنه باع مائة دينار بمائة وعشرين دينارا، وعلى هذا التفسير لا يختص النهي بالطعام ولذلك قال ابن عباس: لا أحسب كل شيء إلا مثله ويؤيده نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، قال القرطبي: هذه الأحاديث حجة على عثمان الليثي حيث أجاز بيع كل شيء قبل قبضه وقد أخذ بظاهرها مالك فحمل الطعام على عمومه وألحق بالشراء جميع المعاوضات، وألحق الشافعي وابن حبيب وسحنون بالطعام كل ما فيه حق توفيه، وزاد أبو حنيفة والشافعي فعدياه إلى كل مشتري إلا أن أبا حنيفة استثنى العقار وما لا ينقل واحتج الشافعي بحديث عبد الله بن عمر وقال: «نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن (١)» أخرجه الترمذي (قلت) وفي معناه حديث حكيم بن حزام المذكور في صدر الترجمة، وفي صفة القبض عن الشافعي تفصيل فما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه بالتناول وما لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به، وفيه قول أنه يكفي فيه التخلية. قوله: عقب حديث ابن عمر زاد إسماعيل: فلا يبعه حتى يقبضه، يعني أن إسماعيل بن أبي أويس روى الحديث المذكور عن مالك بسنده بلفظ حتى يقبضه بدل قوله حتى يستوفيه، وقد وصله البيهقي من طريق إسماعيل كذلك، وقال الإسماعيلي: وافق إسماعيل على هذا اللفظ ابن وهب وابن مهدي

стр. 16085

والشافعي وقتيبة (قلت) وقول البخاري زاد إسماعيل يريد الزيادة في المعنى لأن في قوله حتى يقبضه زيادة في المعنى على قوله حتى يستوفيه؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا يقبضه المشتري بل يحبسه عنده لا ينقده الثمن مثلا، وعرف بهذا جواب من اعترضه من الشراح فقال: ليس في هذه الرواية زيادة، وجواب من حمل الزيادة على مجرد اللفظ فقال: معناه زاد لفظا آخر وهو يقبضه وإن كان هو بمعنى يستوفيه، ويعرف من ذلك أن اختيار البخاري أن استيفاء المبيع المنقول من البائع وتبقيته في منزل البائع لا يكون قبضا شرعيا حتى ينقله المشتري إلى مكان لا اختصاص للبائع به. . . (قوله باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا ألا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله والأدب في ذلك) أي تعزير من يبيعه قبل أن يؤويه رحله ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك وهو ظاهر فيما ترجم له، وبه قال الجمهور لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأول فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل وورد التنصيص على المكيل من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعا أخرجه أبو داود، وأما الثاني فلأن الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب في بعض طرق مسلم عن ابن عمر «كنا نبتاع الطعام فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (١)»، وفرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه وبه قال الأوزاعي وإسحاق واحتج لهم بأن الجزاف مربى فتكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعا «من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه (٢)» ورواه أبو داود والنسائي بلفظ «نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه (٣)» والدارقطني من حديث جابر «نهى رسول الله ﷺ عن بيع

стр. 16086

الطعام حتى يجري فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري (١)» ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وفي ذلك دلالة على اشتراط القبض في المكيل بالكيل وفي الموزون بالوزن، فمن اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فقبضه جزافا فقبضه فاسد وكذا لو اشترى مكايلة فقبضه موازنة وبالعكس، ومن اشترى مكايلة وقبضه ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا، وبذلك كله قال الجمهور وقال عطاء يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا وقيل إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول وإن باعه بنسيئة لم يجز الأول. والأحاديث المذكورة ترد عليه وفي الحديث مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة وإقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك والله أعلم، وقوله جزافا مثلثة الجيم والكسر أفصح وفي هذا الحديث جواز بيع الصبرة جزافا سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم، وعن مالك التفرقة فلو علم لم يصح وقال ابن قدامة: يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشتري قدرها فإن اشتراها جزافا ففي بيعها قبل نقلها روايتان عن أحمد ونقلها قبضها (٢). يمكن القضاء على جشع التجار الذين يحتالون بأنواع من البيوع المحرمة على استغلال حاجة المضطرين بالأمور الآتية: أولا: التوعية الشاملة: يقوم العلماء بتبيين أنواع البيوع المحرمة، ويحذرون الناس من التعامل بها لما فيها من غضب الله وسخطه ولما يترتب عليها من أخطار على الأمة وخاصة المحتاجين، وما ينشأ عنها من أضرار اجتماعية ومالية من توليد الضغائن والأحقاد وتقطيع أواصر المحبة والإخاء وتكبيل من صاروا

стр. 16087

فريسة للتحايل في البيوع وسائر المعاملات والتلاعب فيها بكثرة الديون وتراكمها على الضعفاء وشغل القضاة وسائر ولاة الأمور بالخصومات. ويكون ذلك بإلقاء الخطب والدروس بالمساجد والمحاضرات في النوادي والتليفزيون والإذاعة والمجتمعات العامة وبنشر المقالات في الصحف والمجلات فإن لذلك التأثير البين إن شاء الله على ذوي القلوب الحية والنفوس الطيبة وبه يخف الجشع والاحتيال لأكل الأموال بالباطل. ثانيا: ينصح الجمهور بالاقتصاد في النفقات فلا يتوسعوا في وسائل الترف، وينصح من عنده رأس مال يتجر فيه ألا يدخل في مداينات أو معاملات محرمة ليتوسع بها في رأس ماله، وليستغن بما آتاه الله وما أباحه له من طرق الاتجار والكسب الحلال عما حرمه الله عليه شكرا لنعمة الله عليه عسى أن يزيده من فضله. ثالثا: الأخذ على يد المتلاعبين في المعاملات: يقوم ولاة الأمور بمراقبة الأسواق العامة والمحلات التجارية لمعرفة ما يجري فيها من المعاملات المحرمة ويأخذون على يد من حصل منه ذلك، فيعزرونه بما يردعه من حبس أو ضرب أو غرامات مالية أو بمصادرة العوض في المعاملة المحرمة إلى أمثال هذا مما يرونه زاجرا للمسيء ولأمثاله الذين لم يستجيبوا للتوعية والإرشاد ولم تؤثر فيهم الدروس والمواعظ فلم يعبأوا بالتحذير ولم يبالوا بالوعيد وصارم الجزاء. وهذا مما يقضي على جشعهم أو يقلله إن شاء الله ويجعلهم على حذر مستمر من الاستغلال السيئ والكسب المحرم. رابعا: توجيه الزراع إلى بنك التسليف الزراعي ليتعاملوا معه فيأخذوا منه ما يحتاجونه لمزارعهم من الآلات الزراعية وغيرها بأسعار معتدلة تدفع على أقساط مناسبة دون ربا أو إرهاق أو استغلال للظروف.

стр. 16088

خامسا: توجيه من يريد بناء مسكن له أو من يريد التوسع في بناء مساكن للإسهام في حل أزمة المساكن ولينتفع بذلك، إلى بنك التنمية والاستثمار العقاري ليقدم إليه من المال ما يستعين به في إقامة ما يريد من بناء ثم يسدد ما أخذ أقساطا لا يشق عليه الوفاء بها في مواعيدها دون أن يتقاضى البنك على ذلك منه ربا. سادسا: إرشاد من يحتاج إلى قرض لشئون أخرى يحتاجها في حياته أن يتقدم إلى البنك الإسلامي أو أحد الأفراد الأغنياء بإبداء حاجته ليعطيه قرضا بلا ربا يسد به حاجته. هذا ما تيسر إعداده وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا وآله وصحبه وسلم. . . اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 16089

الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة واستفتاءات تهم المسلمين في شؤونهم الدينية والاجتماعية

стр. 16090

فتوى رقم ٧١٣٦ س: الاحتفال بمولد النبي ﷺ يعقد اجتماع بهذه المناسبة والناس يتحدثون فيه عن حياة الرسول يؤدون الصلاة ويبوحون بنعت الرسول ويقرأ السلام عليه عن ظهر قلب (انظر إلى صور مما يلقى عن ظهر قلب، الناس يقفون ويضعون أذرعهم على المدة ويلقون السلام على ظهر القلب). الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: جـ: إقامة احتفال بمناسبة مولده ﷺ - لا يجوز لكونه بدعة محدثة لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من العلماء في القرون الثلاثة المفضلة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 16091

٣ - فتوى رقم ٤٣ س: بعض الناس يرون فرض السلام على النبي ﷺ مرة واحدة وفيما بعد يبقى مستحبا؟

стр. 16092

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: جـ: إن الصلاة والسلام على النبي ﷺ فرض، لأمر الله سبحانه بذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) والأصل في الأمر الوجوب ولما لم يدل الأمر في الآية على التكرار كان وجوب ذلك مرة في العمر وكان تكرارهما مستحبا للأحاديث التي وردت في الترغيب في ذلك إلا في المواضع التي دلت الأحاديث على وجوبها فيها. س: إذا كان السلام بدعة فهل يجوز منع الناس من السلام على النبي الكريم ﷺ ؟ جـ: وليست الصلاة والسلام على رسولنا وعلى إخوانه النبيين بدعة كما ذكره السائل بل هما مشروعان للأدلة المتقدمة، فلا يجوز منع الناس منهما إلا إذا جيء بهما على هيئة لم تكن على عهد السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، مثل أن يأتي بهما المؤذن بعد الأذان جهرا كالأذان أو يجتمع جماعة لذلك في أوقات معينة ليصلوا ويسلموا على النبي ﷺ جماعة، فهذا مما ينكر فيه كيفية الصلاة والسلام لعدم ورود ذلك عن سلفنا الصالح فكان وقوعهما على هذه الهيئة هو البدعة التي تنكر دون أصل

стр. 16093

الصلاة والسلام. س: هل الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - منعوا الناس من القيام عند السلام على النبي ﷺ ؟ جـ: لم يكن من دأب الصحابة ﵃ القيام عند السلام على النبي ﷺ مطلقا لا في وقت زيارة قبره ولا في غيره، ولم يكن من عاداتهم أن يقصدوا إلى قبره للسلام عليه، ﵊، كلما دخلوا المسجد النبوي ويقفوا عنده من أجل السلام عليه، لكن جاء عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا جاء من سفر دخل المسجد النبوي فإذا صلى جاء إلى قبره ﵊ فسلم عليه. س: ألم يكن من دأب الصحابة القيام عند السلام على النبي ﷺ ، ومتى يجوز السلام على النبي ﷺ قائما إن السلام على النبي ﷺ يجوز قائما عند الروضة المباركة؟. جـ: ليس القيام عند قبره ﵊ حين السلام عليه من أجل السلام حتى يقاس عليه القيام حين السلام عليه في الأمكنة الأخرى بل القيام بقاء على حالته التي انتهى إليها حينما وصل إلى القبر ماشيا، وليس في هذا إنشاء لقيام فالشأن في ذلك شأن زيارة قبور سائر المسلمين يسلم على أهلها من وصل إليها قائما لا من أجل السلام بل لأنه انتهى إليها ماشيا أو راكبا فسلم وهو على حالته التي انتهى بها إليهم.

стр. 16094

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 16095

فتوى رقم ٢٣٦٢ س: مضمون السؤال مسألة في ديارهم طريقة مروجة عند عامة المسلمين وبعض من الخواص ينعقد مجلس لذكر ميلاد النبي ﷺ في كل سنة، فالأول يقرأ القارئ آيات من القرآن الكريم بحالة القعود وبعدها بعض العلماء يقرر في مولد النبي ﷺ حتى يجري التقرير إلى الاختتام ويقول قوموا لوقت التعظيم أحمد وللقيام، عقيدتهم أن النبي ﷺ ليس من مثل البشر بل هو نور من الله الذاتي وهو حاضر وناظر في كل مكان، وأن يحضره بذاته في كل مجلس ميلاده وهو يسمع كلامهم يقومون ويقولون معا: يا نبي سلام عليك يا نبي سلام عليك يا رسول سلام عليك يا حبيب سلام عليك صلوات الله عليك هل الطريقة المروجة المكتوبة كانت مروجة في قرون الصحابة والتابعين - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - أم لا؟ وذكر النبي ﷺ بهذه الألفاظ واحترام الرسول ﵇ عند ولادته أمر حسن

стр. 16096

أم قبيح، سنة أم بدعة سيئة وصواب أم شرك، بينوا ذلك بآثار الصحابة والتابعين - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: جـ: أولا: إقامة مولد للرسول ﷺ بدعة مخالفة لهديه ﷺ وهدي خلفائه الراشدين وصحابته ﵃ أجمعين -، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فتوى مفصلة في حكم الاحتفال بمولد الرسول ﷺ . ثانيا: اعتقاد أن الرسول ﷺ ليس كمثل البشر بل هو نور من نور الله الذاتي ليس هذا الاعتقاد صحيحا؛ لأنه مخالف للقرآن فقد بين الله بشريته وما يمتاز به على البشر بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢) والبشر مخلوقون كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (٤) الآية

стр. 16097

وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢) أما الله جل وعلا فهو الأول الذي لا مبدأ لأوليته بين ذلك بقوله جل وعلا ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) وسمى الله نبيه نورا وسراجا منيرا لما بعثه الله به من الهدى والنور الذي هدى الله به من أجاب دعوته ﵊، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٤). ثالثا: القول بأنه حاضر وناظر في كل مكان وأنه يحضر بذاته في كل مجلس ميلاده وهو يسمع كلامهم قول باطل. رابعا: أما نداؤه والاستغاثة به وطلبه المدد والنصر فهذا نوع من أنواع الشرك الأكبر الذي لا يجوز فعله معه ﷺ ولا مع غيره من المخلوقات، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٥) وقوله ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٦). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 16098

فتوى رقم ١١٢٢ س: إن الناس يقرءون المولد وسورة يس وسورة الفاتحة لشهداء بدر في سبعة عشر من شهر رمضان مجتمعين في المسجد الحنفي، ثم يدعون لهم، وكذلك يقرأون المولد وسورة يس وسورة الفاتحة، ثم يقرأون الدعاء، فهل هذا الأمر جائز في الشريعة أم لا؟ بينوا بالدلائل تؤجروا عند الله. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: جـ: دلت نصوص الشريعة على سمو قدر نبينا محمد ﷺ وعلو منزلته، وأنه خليل الله وحبيبه وأنه خاتم رسله وخيرته من خلقه، وأنه لا يؤمن أحد حتى يكون أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين، وأنه لا شرع إلا ما جاء به وبلغه الأمة، وأنه ما توفاه الله إليه إلا بعد أن أكمل به دينه وأتم به على العباد نعمته. ودلت نصوص الشريعة أيضا على فضيلة الشهداء شهداء غزوة بدر وغيرها، وعاش بعد غزوة بدر سنوات ولم يعرف عنه أنه قرأ مولدا لنفسه يوم سبعة عشر من رمضان منفردا أو مجتمعا بغيره، ولا أنه قرأ سورة يس وسورة الفاتحة على شهداء بدر ولا

стр. 16099

غيرهم لا في اليوم السابع عشر من رمضان ولا غيره، ولا منفردا عن الناس ولا مجتمعا بهم، ولم يثبت عنه شيء من ذلك ولا عن أحد من أصحابه، ولو كان مشروعا لنقل عنه وجرى العمل عليه في عهد أصحابه، لأنه لا خير إلا دلنا عليه، والأصل في كل العبادات التوقيف من الرسول ﷺ ، وكان ﷺ يزور القبور ومنها قبور الشهداء، ويدعو لهم ولم يثبت عنه أنه قرأ مولده، وسورة يس أو سورة أو آية أخرى من القرآن في زيارته للقبور، وحيث لم يثبت عنه شيء من ذلك ولا جرى عليه عمل الصحابة دل ذلك على أن قراءة المولد وسورة يس وسورة الفاتحة لشهداء بدر في اليوم السابع عشر بدعة في نفسها، وتحديد يوم لذلك بدعة أخرى، والاجتماع من أجل عمل البدعة بدعة في بدع مجتمعة، وكذلك فعل ذلك ثم الدعاء بعده بدعة، فعلى المسلم أن يتحرى ما ثبت عن النبي ﷺ ويعمل به فإنه لا شرع إلا ما شرعه، وما سواه مما أحدثه الناس من العبادات التي لم يشرعها الله ورسوله كله بدعة. . . وقد قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)». وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 16100

فتوى رقم ٤٢٤٤ س: إخواني في الله أريد من حضراتكم أن تنوروا قلبي في سؤال حيرني عن الحبيب المصطفى محمد رسول الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام أفضل الصلاة والسلام، إخواني في الله إنني أسمع من بعض الإخوة الشيوخ في مناسبة الموالد يقولون بأنه لولا محمد ﵊ ما خلقت السماوات والأرض، وأن الله خلقه قبل آدم ﵊ بآلاف السنين، وأنه خلق الشمس من نور جبينه وخلق النجوم من نور أسنانه وكثير من ذلك لا أذكر، وأنه مكتوب على باب الجنة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولقد سألت بعض العلماء عن هذه الأقوال فصدق بها البعض ونفاها البعض الآخر وتركوني في حيرتي هذه، وإني في حيرة أصدق ذلك أم لا وإني خائف كثيرا وفي حيرة دائما، وإنني أذكر في ليلة ميلاد النبي ﵊ هذا العام ذهبت إلى دار القرآن في عمان لإحياء تلك الليلة المباركة وكان الشيخ حازم أبو غزالة يتلو علينا في سيرة النبي ﵊ ومن جملة ما قال إنه كلما ذهب لزيارة النبي ﵊ يأتي إلى الشباك الحديدي الذي وضع حول قبر الرسول ﵊ ليتبارك به بحجة أنه يزيل الغبار ليغافل الحراس، وأنه ذكر أن أحد أصدقائه قد أحضر له بعض التراب

стр. 16101

من قبر الرسول ﵊ وأن رائحة هذا التراب أحلى من رائحة العطر، وحين سمعت هذا الكلام تذكرت حادثة وقعت معي قبل عشرات السنين حينما ذهبت أنا وبعض الأصدقاء لزيارة كنيسة القيامة وقد كان الغرض من الزيارة العبث ومضايقة الأجنبيات من النصارى غفر الله لنا جميعا، ونحن في الكنيسة التقينا بأحد الرهبان وأحضر لنا بعض العطر وقال لنا: هذا الماء الذي تعمد به المسيح عليه وعلى نبينا السلام، ولا أعرف ما الذي ربط بين هاتين المسألتين في ذهني وتعذبت كثيرا جدا، وبعد ذلك أخذ الشيخ ومن حوله في إحياء الذكر ووقف الجميع وراحوا يقفزون ويميلون بحركات شاذة حتى كلام الله لا يكاد يسمع من أفواههم، ولم يرق لي هذا المنظر فخرجت وبدأ الوهم والشك يساورني هل عملت الصواب أم الخطأ، ولقد تكرر هذا الحادث في ليلة القدر وفي جميع المناسبات الدينية، أرشدوني بالله عليكم إني أتعذب كثيرا وأريد أن أسأل فضيلتكم هل يسمح لي أو لأي مسلم أن يشاهد قبر الرسول ﵊ في داخل الشباك؟ لقد أسعدني الحظ وزرت قبر الرسول ﵊ ووقفت عند الشباك ولقد تمنيت أن أكون فراشة لأتمكن من الاقتراب من قبره ﵇ لا لشيء ولكن لأقترب منه ﵇. أنا أؤمن بأن القبر من تراب وأن الله ورسوله موجود في قلب كل مؤمن وأتمنى أن أذهب كل يوم وكل ساعة إلى

стр. 16102

تلك الديار المقدسة لأشاهد قبر رسول الله والروضة الشريفة والكعبة المشرفة ولكن يمنعني من ذلك ضيق المال ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها؟ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: جـ: أولا: إقامة مولد للرسول ﷺ بدعة لم يفعلها ﷺ لنفسه ولم يفعلها أحد من خلفائه ولا من صحابته له ﷺ ورضي الله عنهم، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)». ثانيا: ما ذكره بعض الناس من أن السماوات والأرض ما خلقت إلا من أجل الرسول ﷺ وأن خلقه قبل آدم إلخ، كل هذه الأقوال لا حجة لها مع العلم بأنه سيد المرسلين وأفضل الخلق أجمعين، ولكن لا يجوز وصفه بشيء لم يثبت عن الله ولا عن رسوله ﷺ ولا عن أصحابه ﵃. ثالثا: إذا زار الشخص الرسول ﷺ فإنه يأتي إلى القبر ويسلم على الرسول ﷺ وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ ولا يقف بعد ذلك للدعاء ولا يمسك الشباك ليتبرك به؛ لأن ذلك بدعة. رابعا: دعوى أن الشخص أحضر لكم ترابا من تراب قبر الرسول ﷺ دعوى كاذبة لا أصل لها لأنه لا يستطيع أحد أن

стр. 16103

يأخذ من تراب قبره شيئا مطلقا، ولو قدر أنه فعله أحد لم يشرع التبرك به لأن ذلك لا أصل له ولم يفعله أصحاب النبي ﷺ وهم أعلم الناس به وبسنته وأحب له ﵊ ممن بعدهم ولنا فيهم أسوة حسنة. ونسأل الله أن يمنحنا وإياك العلم النافع والعمل الصالح. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 16104

من الفتوى رقم ٢٧٤٧ س ١: مولد النبي ﷺ عندنا هنا في شهر ربيع الأول أحد عشر يوما يعمل العلماء فرحا عن مولد النبي ﷺ يجمعون المسلمين ويفعلون أشياء من الفرح ليوم مولد النبي ﷺ وأما بعض العلماء فيقولون لا خير في ذلك، لذلك أريد أن أسأل ما حكم ذلك وهل عندكم تفعلون شيئا؟ س ٢: عن فرح مولد النبي ﷺ في ذلك الشهر؟ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: جـ ١، ٢: إقامة مولد النبي ﷺ من الأمور المبتدعة، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما

стр. 16105

ليس منه فهو رد (١)» وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)» وهذا لم يفعله الرسول ولم يأمر به ولم ير أحدا فعله وسكت عنه ولا فعله خلفاؤه من بعده، وهكذا سلف الأمة في القرون الثلاثة المفضلة لم يفعلوه ثم ابتدعت إقامته، وقد كتب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز جوابا مطولا في ذلك.
следующие страницы →