← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

ونازعه بعض المالكية فقال: لم يقل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته فلان قتلني لوث يوجب القسامة، فيقسم اثنان فصاعدا من عصبته بشرط الذكورية، وقد وافق بعض المالكية الجمهور، واحتج من قال بالتدمية أن دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهي وقت خلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا يدل على أنه لا يقول إلا حقا، قالوا: وهي أقوى من قول الشافعية: إن الولي يقسم إذا وجد قرب وليه المقتول رجلا معه سكين، لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين، انتهى بواسطة ابن حجر (١). وقد ناقش ابن حزم الاستدلال بهذا الحديث أيضا فقال: قال أبو محمد ﵀: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن هذا خبر رويناه بالسند المذكور إلى مسلم نا عبد بن حميد، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس «أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في قليب، ورضخ رأسها بالحجارة وأخذ، فأتي به رسول الله ﷺ فأمر به أن يرجم حتى يموت، (٢)» وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، وأبان بن يزيد العطار، كلاهما عن قتادة، عن أنس. فإن قالوا: إن شعبة زاد ذكر دعوى المقتول في هذه القصة، وزيادة العدل مقبولة. قلنا: صدقتم، وقد زاد همام بن يحيى عن قتادة، عن أنس في هذا الخبر زيادة لا يحل تركها، كما روينا من طريق مسلم نا هداب بن خالد، نا همام، عن قتادة، عن أنس «أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان، فلان، حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها فأخذ اليهودي، فأقر، فأمر به النبي ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة، (٣)» فصح أنه ﷺ لم يقتل اليهودي إلا بإقراره، لا بدعوى المقتولة. ووجه آخر، وهو أنه لو صح لهم ما لا يصح أبدا من أنه ﵇ إنما قتله بدعواها لكان هذا الخبر حجة عليهم، ولكانوا مخالفين له؛ لأنه ليس فيه ذكر قسامة أصلا، وهم لا يقتلون بدعوى المقتولة البتة حتى يحلف اثنان فصاعدا من الأولياء خمسين يمينا ولا بد. وأيضا فهم لا يرون القسامة بدعوى من لم يبلغ، والأظهر في هذا الخبر أنها كانت لم تبلغ؛ لأنه ذكر جارية ذات أوضاح، وهذه الصفة عند العرب الذين بلغتهم تكلم أنس إنما يوقعونها على الصبية لا على المرأة البالغة، فبطل تعلقهم بهذا الخبر بكل وجه، ولاح خلافهم في ذلك، فوجب القول به، ولا يحل لأحد العدول عنه (٤) وقال الباجي أيضا: واستدلوا من جهة المعنى بأن الغالب من أحوال الناس عند الموت ألا يتزودوا من الدنيا قتل النفس التي حرم الله، بل يسعى إلى التوبة والاستغفار والندم على التفريط، ورد المظالم، ولا أحد أبغض إلى المقتول من القاتل، فمحال أن يتزود من الدنيا سفك دم حرام يعدل إليه، ويحقن دم قاتله. قال الباجي بعد ذكره لاستدلال المالكية بقصة البقرة والجارية: وهذا الدليل من المعنى، قال: -وهذا عمدة

стр. 1857

ما يتعلق به أصحابنا في هذه المسألة- وهي مسألة فيها نظر، والله أعلم وأحكم (١) ٢ - قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- على قول الخرقي -رحمه الله تعالى-: وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال: دمي عند فلان، فليس ذلك بموجب القسامة ما لم يكن لوث. قال: هذا قول أكثر أهل العلم منهم: الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك والليث: هو لوث؛ لأن قتيل بني إسرائيل قال قتلني فلان، فكان حجة، وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان. ولنا قول النبي ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم (٢)». ولأنه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت. ولأنه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي. فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه، فإنه لا قسامة فيه، ولأن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى ﵇ حيث أحياه الله تعالى بعد موته وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه، ولم يكن الله ينطقه بالكذب، بخلاف الحي، ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تنزيه المتهمين، فلا يجوز تعديتها إلى تهمة البريئين (٣) وجاء في حاشية المقنع ونقل الميموني: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان ثم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل مثل هذا. (٤). * * *

стр. 1858

الصورة الثانية: شهادة بينة غير قاطعة على معاينة القتل ١ - قال الأبي "ع": الصورة الثانية: اللوث من غير بينة قاطعة على معاينة القتل لم يختلف قول مالك في أن شهادة العدل الواحد أو اللفيف من الناس وإن لم يكونوا عدولا لوث، وإنما اختلف قوله في شهادة الواحد غير العدل، وفي شهادة المرأة هل ذلك لوث؟ وجعل بعض أصحابنا شهادة النساء والصبيان لوثا، وأباه أكثرهم، وجعل ربيعة ويحيى بن سعيد والليث شهادة الذميين والعبيد لوثا (١)

стр. 1859

٢ - وقال النووي والرملي: وشهادة العدل الواحد: أي إخباره ولو قبل الدعوى بأن فلانا قتله لوث؛ لأنه يفيد الظن وشهادته بأن أحد هذين قتله لوث في حقهما، كما علم مما مر أول الباب، فيعين الولي أحدهما أو كليهما ويقسم، وكذا عبيد أو نساء يعني إخبار اثنين فأكثر أن فلانا قتله، وفي الوجيز أن القياس أن قول واحد منهم لوث، وجرى عليه في الحاوي الصغير فقال: وقول راو، وجزم به في الأنوار وهو المعتمد، وقيل: يشترط تفرقهم لاحتمال التواطؤ، ورد بأن احتماله كاحتمال الكذب في إخبار العدل، وقول فسقة وصبيان وكفار لوث في الأصح؛ لأن اجتماعهم على ذلك يؤكد ظنه. والثاني قال: لا اعتبار بقولهم في الشرع، ولو ظهر لوث في قتيل فقال أحد ابنيه مثلا: قتله فلان، وكذبه الابن الآخر صريحا بطل اللوث، فلا يحلف المستحق لانخرام ظن الصدق بالتكذيب الدال على عدم قتله، إذ جبلة الوارث على التشفي، فنفيه أقوى من إثبات الآخر، بخلاف ما إذا لم يكذبه كذلك بأن صدقه أو سكت أو قال لا أعلم أنه قتله أو قال إنه قتله، وبحث البلقيني أنه لو شهد عدل به بعد دعوى أحدهم خطأ أو شبه عمد لم يبطل اللوث بتكذيب الآخر قطعا، فلمن لم يكذبه أن يحلف معه خمسين يمينا ويستحق، وفي قول لا يبطل كسائر الدعاوى، ورد بما مر من الجبلة هنا، وقيل: لا يبطل بتكذيب فاسق، ويرد بما مر أيضا إذ الجبلة لا فرق فيها بين الفاسق وغيره، ولو عين كل غير معين الآخر من غير تعرض لتكذيب صاحبه أقسم كل الخمسين على ما عينه وأخذ حصته. انتهى (١) ٣ - وقال ابن قدامة: السادس أن يشهد بالقتل عبيد ونساء فهذا فيه عن أحمد روايتان: أحدهما: أنه لوث؛ لأنه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه، فأشبه العداوة، والثاني: ليس بلوث؛ لأنها شهادة مردودة، فلم تكن لوثا، كما لو شهد به الكفار، وإن شهد به فساق أو صبيان فهل يكون لوثا؟ على وجهين: أحدهما: ليس بلوث؛ لأنه لا يتعلق بشهادتهم حكم، فلا يثبت اللوث بها، كشهادة الأطفال والمجانين، والثاني: يثبت بها اللوث؛ لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي، فأشبه شهادة النساء والعبيد، وقول الصبيان معتبر في الإذن في دخول الدار، وقبول الهدية ونحوها، وهذا مذهب الشافعي، ويعتبر أن يجيء الصبيان متفرقين؛ لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب، فهذه الوجوه قد ذكر عن أحمد أنها لوث؛ لأنها يغلب على الظن صدق المدعي أشبه العداوة. وروي أن هذا ليس بلوث، وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام؛ لأن اللوث إنما يثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل، ولا يجوز القياس؛ لأن الحكم ثبت بالمظنة، ولا يجوز القياس في المظان؛ لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه، والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم، والظنون تختلف ولا تأتلف، وتتخبط ولا تنضبط، وتختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص، فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته بتعديها، ولأنه يعتبر في التعدية به والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضى، ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها، فعلى هذه الرواية حكم هذه الصورة حكم غيرها مما لا لوث فيه (٢) * * *

стр. 1860

الصورة الثالثة: شهادة عدلين بجرح وعدل بالقتل ١ - قال الأبي "ع": الصورة الثالثة شهادة عدلين بجرح وحيي بعده حياة بينة ثم مات بعده قبل أن يفيق منه، قال مالك وأصحابه والليث: ذلك لوث، واختلف عندنا في شهادة العدل الواحد هل هي لوث؟ والأصح الأول، وأنه لا بد من شاهدين، ولم ير الشافعي والحنفية في هذا قسامة، ورأوا فيه القصاص إن ثبت بشاهدين، قلت: قال ابن الحارث: إلا أن يكون ما شهد به العدلان من الجرح قد أنفذ مقاتله، فإن أنفذها فلا قسامة فيه وهو كمقتول، والمشهور في شهادة الواحد أنها لوث، نص على ذلك في المدونة، وفي العتبية: لا قسامة فيه. واختلف في شهادة الواحد على إقرار القاتل بالقتل، فقال أشهب: فيه قسامة، وفي الموازية لا قسامة فيه (١) ٢ - وقال النووي والرملي: وشهادة العدل الواحد -أي إخباره ولو قبل الدعوة بأن فلانا قتله- لوث؛ لأنه يفيد الظن، وشهادته بأن أحد هذين قتله لوث في حقهما، كما علم مما مر في أول الباب، فيعين الولي أحدهما أو كليهما ويقسمه (٢). ٣ - وقال ابن قدامة: فصل: وإن شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين لم تثبت هذه الشهادة ولم يكن لوثا عند أحد علمائنا، قوله: وإن شهد رجلان أن هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين، أو شهد أحدهما أن هذا قتله بسكين لم تثبت الشهادة ولم يكن لوثا، هذا قول القاضي واختياره، والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد أحدهما بقتله والآخر بالإقرار بقتله أنه يثبت القتل، واختار أبو بكر ثبوت القتل ها هنا، وفيما إذا شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين؛ لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته، وقال الشافعي: هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين، وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث؛ لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد. ولنا أنها شهادة مردودة؛ للاختلاف فيها فلم يكن لوثا كالصورة الأولى (٣)

стр. 1861

الصورة الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل أو عليه أثره ١ - قال الأبي " ع ": الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل وعليه أثر كالتلطخ بالدم وشبهه، فروى ابن وهب وقاله ابن عبد الحكم هو لوث، وقال الشافعي نحوه، قال: ذلك إذا لم يوجد هناك أحد، ولا به أثر سبع، قال: ومنه إذا وجد في بيت أو صحراء وليس هناك سواهم، وتفرقوا عن قتيل، وهذا كله شبهة توجب القسامة، قلت: رواية ابن وهب ذكرها ابن الجلاب كأنها المذهب، قال: وإن وجد قتيل وبقربه رجل وبيده آلة القتل أو عليه شيء من دم القتيل أو عليه أثر القتل فذلك لوث، يقسم معه. . (١) قال ابن قدامة: الرابع: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله، مثل أن يرى رجلا هاربا يحتمل أنه القاتل، أو سبعا يحتمل ذلك فيه (٢) * * *

стр. 1862

الصورة الخامسة: قتيل الصفين ١ - قال الأبي "ع": الخامسة: قتيل الصفين، تقتتل الفئتان فيوجد بينهما قتيل لا يدرى من قتله، ففيه عندنا روايتان: الأولى: للأولياء أن يقسموا على من يعينونه منها، أو على من يدعي عليه الميت -كان منهما أو من غيرهما- بالقسامة، قال الشافعي: وقال: عقله على الفئة المنازعة، وإن عينوا رجلا ففيه القسامة.

стр. 1863

قلت: الرواية الثانية في المدونة، قال فيها: ولا قسامة في قتيل الصفين، لكن اختلف، فقيل: معنى قوله: لا قسامة إذا عينه الأولياء، وأما إذا عينه المقتول ففيه القسامة، وقيل: لا قسامة عينه المقتول أو الأولياء، وعلى الأول حمل المدونة الأكثر، ووجه ابن عات رواية القسامة بأن وجوده بينهما يغلب على الظن أن قتله لم يخرج عنهما، وذلك لوث، ووجه الرواية الأخرى بأن القسامة لا تكون إلا مع لوث في مشار إليه معين، فإن اللوث إذا تعلق بواحد معين أثر في القسامة، أما إذا تعلق بجماعة على أن القاتل واحد منهم غير معين فلا يؤثر (١) ٢ - وقال الشافعي: إذا اقتتل القوم فانجلوا عن قتيل، فادعى أولياؤه على أحد بعينه، أو على طائفة بعينها، أو قالوا: قد قتلته إحدى الطائفتين، ولا يدرى أيتهما قتلته، قيل لهم: إن جئتم بما يوجب القسامة على إحدى الطائفتين أو بعضهم أو واحد بعينه أو أكثر قيل لكم: اقسموا على واحد، فإن لم تأتوا بذلك فلا عقل ولا قود، ومن شئتم أن نحلفه لكم على قتله أحلفناه، ومن أحلفناه أبرأناه، وهكذا إن كان جريحا ثم مات؛ ادعى على أحد أو لم يدع عليه، إذا لم أقبل دعواه فيما هو أقل من الدم لم أقبلها في الدم، وما أعرف أصلا ولا فرعا لقول من قال: تجب القسامة بدعوى الميت، ما القسامة التي قضى فيها رسول الله ﷺ في عبد الله بن سهل إلا على خلاف ما قال فيها دعوى ولا لوث من بينة ٣ - وقال ابن قدامة: الثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه، ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي؛ لأن الأصل عدم ذلك إلا أن يثبت بينته (٢). وقال ابن قدامة: الخامس: أن يقتتل فئتان فيتفرقوا عن قتيل من إحداها: فاللوث على الأخرى، ذكره القاضي، فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل، هذا هو قول الشافعي. وروي عن أحمد أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان، إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول مالك، وقال ابن أبي ليلى: على الفريقين جميعا؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه، فاستوى الجميع فيه، وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم، وجرح بعضهم: فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح، وإن كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شيء؟ على وجهين ذكرهما ابن حامد (٣)

стр. 1864

الصورة السادسة: قتيل الزحام ١ - قال الأبي "ع": الصورة السادسة: قتيل الزحام قال مالك: دمه هدر، وقال الشافعي: فيه القسامة والدية، وقال الثوري وإسحاق: عقله في بيت المال، وعن عمر وعلي مثله، وقال الحسن والزهري: عقله على من حضر، قلت: الذي حكى أبو عمر عن الشافعي إنما هو لا شيء فيه كقول مالك (١) وقال الباجي نقلا عن الموازية: وذلك أنه لا تتعلق التهمة بمعين ولا معينين (٢) ٢ - وقال النووي والرملي: أو تفرق عنه جمع محصور يتصور اجتماعهم على قتله، وإن لم يكونوا أعداءه، في نحو دار أو زحام على الكعبة أو بئر، وإلا فلا قسامة حتى يعين منهم محصورين، فيمكن من الدعوى والقسامة، ولا بد من وجود أثر قتل، وإن قل، وإلا فلا قسامة، وكذا في سائر الصور، خلافا للأسنوي (٣). قال ابن قدامة: الثالث أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد منهم قتيل، فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث، فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: فديته في بيت المال، وهذا قول إسحاق، وروي ذلك عن عمر وعلي، فإن سعيدا روى في سننه عن إبراهيم قال: قتل رجل في زحام الناس بعرفة، فجاء أهله إلى عمر، فقال: بينتكم على من قتله، فقال علي: يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال. قال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام: ينظر من كان بينه وبينه شيء في حياته يعني عداوة يؤخذون، فلم يجعل الحضور لوثا، وإنما جعل اللوث العداوة. وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام: ديته على من حضر؛ لأن قتله حصل منهم، وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه لا يعلم له قاتل، ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه رجل وجد قتيلا لم يعرف قاتله، فكتب إليهم: إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها إلا في الدار الآخرة وهذا منها (٤). * * *

стр. 1865

الصورة السابعة: وجود قتيل في محلة ١ - قال شمس الدين السرخسي -رحمه الله تعالى-: وإذا وجد الرجل قتيلا في محلة قوم فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية، بلغنا هذا عن رسول الله ﷺ وفي هذا أحاديث مشهورة: منها: حديث سهل بن أبي حثمة «أن عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة خرجوا في التجارة إلى خيبر، وتفرقوا بحوائجهم، فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر، يتشحط في دمه، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ ليخبروه، فأراد عبد الرحمن - وهو أخو القتيل- أن يتكلم فقال ﵊: " الكبر الكبر " فتكلم أحد عميه حويصة ومحيصة وهو الأكبر منهما، وأخبره بذلك قال: " ومن قتله؟ " قالوا: ومن يقتله سوى اليهود! قال: " أتبرئكم اليهود بأيمانها " فقالوا: " لا نرضى بأيمان قوم كفار لا يبالون ما حلفوا عليه قال ﵇: " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم " فقالوا: كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد، فكره رسول الله ﷺ أن يطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة (١)». وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب: أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية فقررها رسول الله ﷺ في قتيل من الأنصار وجد في حي ليهود، وذكر الحديث إلى أن قال: فألزم رسول الله ﷺ اليهود الدية والقسامة. وفي رواية فكتب إليهم: «إما أن يدوه أو يؤذنوا بحرب من الله ورسوله (٢)». وذكر الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل خيبر: "أن هذا قتيل وجد بين أظهركم فما الذي يخرجه عنكم "؟ فكتبوا إليه أن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل فأنزل الله على موسى ﵇ أمرا فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك فكتب إليهم: إن الله أراني أن أختار منكم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية " قالوا: لقد قضيت فينا بالناموس، يعني الوحي». وروى حنيف عن زياد بن أبي مريم قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان، فقال: " اختر من شيوخهم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا " قال: وليس لي من أخي إلا هذا، قال: " نعم ومائة من الإبل (٣)».

стр. 1866

وفي الحديث: أن رجلا وجد بين وادعة وأرحب وكان إلى وادعة أقرب فقضى عليهم عمر ﵁ بالقسامة والدية، فقال الحارث بن الأصبغ الوادعي: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا تدفع عن أموالنا، ولا أموالنا تدفع عن أيماننا، فقال: حقنتم دماءكم بأيمانكم، وأغرمتم الدية لوجود القتيل بين أظهركم. فهذه الآثار تدل على ثبوت حكم القسامة والدية في القتيل الموجود في المحلة على أهلها، ونوع من المعنى يدل عليه أيضا؛ وهو أن الظاهر أن القاتل منهم؛ لأن الإنسان قلما يأتي من محلة إلى محلة ليقتل مختارا فيها، وإنما تمكن القاتل منهم من هذا الفعل بقوتهم ونصرتهم، فكانوا كالعاقلة، فأوجب الشرع الدية عليهم صيانة لدم المقتول عن الهدر، وأوجب القسامة عليهم لرجاء أن يظهر القاتل بهذه الطريق فيتخلص غير الجاني إذا ظهر الجاني، ولهذا يستحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم على أهل كل محلة حفظ محلتهم عن مثل هذه الفتنة؛ لأن التدبير في محلتهم إليهم، فإنما وقعت هذه الحادثة لتفريط كان منهم في الحفظ حين تغافلوا عن الأخذ على أيدي السفهاء منهم ومن غيرهم، فأوجب الشرع القسامة والدية عليهم لذلك، ووجوب القسامة والدية على أهل المحلة مذهب علمائنا. اهـ (١). ٢ - قال الأبي "ع": الصورة السابعة: القتيل يوجد بمحلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم، فقال مالك والشافعي: دمه هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة قوم ليلطخهم به، قال الشافعي: إلا أن يكون مثل قضية الأنصار الذي حكم فيها رسول الله ﷺ للعداوة الظاهرة بين الأنصار واليهود، وخيبر مختصة باليهود ليس فيها غيرهم، وخرج عبد الله بعد العصر فوجد مقتولا قبل الليل، وقال أحمد نحوه، وتأوله النسائي على مذهب مالك. وذهب أبو حنيفة ومعظم الكوفيين إلى أن للقتيل يوجد في القرية والمحلة: القسامة، ولا سبب عندهم من الوجوه السبعة للقسامة سواه؛ لأنها الصورة التي حكم فيها رسول الله ﷺ فيحلف خمسون رجلا خمسين يمينا ويستحقون الدية على ما تقدم من مذهبهم في العمل بها، وذلك إذا وجد القتيل وبه أثر، وإلا فلا قسامة فيه، وإن وجد القتيل في مسجد أهل المحلة فالدية في بيت المال إذا ادعوا بذلك على أهل المحلة. وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة وإن لم يكن فيه أثر على ما تقدم من مذهب، وقال داود: لا قسامة إلا في العمد دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة والمدينة وهم أعداء المقتول، قلت: في المدونة: وإن وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم لا يدرى من قتله فدمه هدر، ولا دية في بيت المال ولا في غيره. ابن يونس: يريد إن لم يوجد معه أحد، وإن وجد معه رجل عليه أثر قتله قتل به مع القسامة، ابن رشد: ولو وقع مثل قضية الأنصاري في زماننا الواجب الحكم به، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره (٢) وقال ابن حزم: واعترض المالكيون ومن لا يرى القسامة في هذا بأن قالوا: والقتيل قد يقتل ثم يحمله قاتله فيلقيه على باب إنسان، أو في دار قوم. فجوابنا -وبالله تعالى التوفيق-: أن هذا ممكن ولكن لا يعترض على حكم الله تعالى، وحكم رسول الله ﵇ بأنه يمكن أمر كذا، وبيقين يدري كل مسلم أنه قد يمكن أن يكذب الشاهد، ويكذب الحالف، ويكذب المدعي

стр. 1867

أن فلانا قتله هذا أمر لا يقدر أحد على دفعه، ومضى إلى أن أيد ذلك بقصة عبد الله بن سهل. (١). ٣ - وقال النووي والرملي: واللوث قرينة حالية أو مقالية مؤيدة تصدق المدعي بأن توقع في القلب صدقه في دعواه، ولا بد من ثبوت هذه القرينة، إذ القرائن لم تنحصر فيما ذكره وجد قتيل أو بعضه وتحقق موته في محلة منفصلة عن بلد كبير أو في قرية صغيرة لأعدائه أو أعداء قبيلته دينا أو دنيا حيث كانت العداوة تحمله على الانتقام بالقتل ولم يساكنهم غيره كما صححه في الروضة وهو المعتمد، والمراد بغيرهم من لم تعلم صداقته للقتيل، ولا كونه من أهله، أي ولا عداوة بينهما، كما هو واضح، وإلا فاللوث موجود فلا تمتنع القسامة، قاله ابن أبي عصرون وغيره وهو ظاهر. قال الأسنوي تبعا لابن الرفعة: ويدل له قصة خيبر، فإن إخوة القتيل كانوا معه، ومن ذلك شرعت القسامة، قال العمراني وغيره: ولو لم يدخل ذلك المكان غير أهله لم تعتبر العداوة، قال الأذرعي: ويشبه اشتراط ألا يكون هنا طريق جادة كثيرة الطارقين، وخرج بالصغيرة الكبيرة، فلا لوث، بل وجد فيها قتيل فيما يظهر إذ المراد بها من أهله غير محصورين، وعند انتفاء حصرهم لا تتحقق العداوة بينهم فتنتفي القرينة (٢) ٤ - وقال ابن قدامة: واختلفت الرواية فيه -أي في اللوث المشترط في القسامة - فروي عنه أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين أهل العدل وما بين الشرطة واللصوص، كل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله. نقل مهنا عن أحمد فيمن وجد قتيلا في المسجد الحرام ينظر من بينه وبينه في حياته شيء -يعني ضغنا- يؤخذون به، ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة، إلا أنه قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل فاللوث على الطائفة الأخرى، ولا لوث على طائفة القتيل، إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو، نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها، وكلام الخرقي يدل عليه أيضا. واشترط القاضي ألا يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم، وهذا مذهب الشافعي؛ لأن الأنصاري قتل في خيبر، ولم يكن فيها إلا اليهود، وجميعهم أعداء؛ لأنه متى اختلط بهم غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير. ثم ناقض القاضي قوله، فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل: إن كان في القوم من بينهم وبينه عداوة وأمكن أن يكون هو قتله لكونه بقربه فهو لوث، فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو، ولنا أن النبي ﷺ لم يسأل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أم لا، مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها؛ لأنها كانت أملاكا للمسلمين يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم منها وعمارتها، والاطلاع عليها، والامتيار منها، ويبعد أن تكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها. وقول الأنصار ليس لنا بخيبر عدو إلا يهود يدل على أنه قد كان بها غيرهم من ليس بعدو، ولأن اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد، وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله، فلأن يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى.

стр. 1868

وما ذكره من الاحتمال لا ينفي اللوث، فإن اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه، ولا ينافيه الاحتمال، ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيج إلى الأيمان، ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة؛ لأنه يحتمل أن القاتل غيره، ولا على الجماعة؛ لأنه يحتمل ألا يشترك الجميع في قتله. والرواية الثانية عن أحمد: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي، وذلك من وجوه إحداها: العداوة المذكورة (١) وسنذكر البقية موزعة في مواضعها. * * *

стр. 1869

تحرير محل النزاع في اللوث مع بيان منشأ الخلاف اتفق من يقولون بالقسامة على أنها لا تثبت بمجرد دعوى أولياء الدم، واتفقوا على أنها تثبت بالدعوى إذا اقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بمقتضاها، ثم اختلفوا في الصور التي تتحقق فيها هذه الشبهة، ومنشأ الخلاف في ذلك اختلافهم في تطبيق ضابط هذه الشبهة المسماة لوثا على هذه الصور، فمن رآها متحققة في صورة من الصور السبع المذكورة أو نحوها أثبت بها القسامة، ومن لم يجد في نفسه غلبة الظن توجب الحكم بها في صورة لم يثبت الحكم بها في تلك الصورة. اهـ ابن حجر بتصرف (١)

стр. 1870

الرابع: هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا أو يجوز أن يكون أكثر لو منبهما مع ذكر الدليل والمناقشة لقد سبق الكلام على معنى اللوث وخلاف العلماء في صوره، وكان مما تقدم أن القسامة عند الحنفية لا تكون إلا في صورة واحدة من الصور التي سبق الكلام عليها وهي الواقعة بين

стр. 1871

الأنصار واليهود في خيبر، وتقدم النقل عنهم في هذه الصورة مستوفيا أدلتهم من السنة والآثار، ومما تقدم يتبين أن أبا حنيفة ﵀ يرى أن الدعوى في القتل تكون على مبهم، فتركنا إعادة ذلك النقل اكتفاء بما سبق ذكره، ومعلوم أن هذا الرأي يخالف قوله ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم (١)». وأما المذاهب الثلاثة ففيما يلي تفصيل أقوالهم، وما استدلوا إليه، ومعلوم أن الأصل في هذا الباب هو قصة خيبر، وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته (٢)». ١ - قال مالك: " وإذا كانت القسامة لم تكن إلا على رجل واحد ولم يقتل غيره ولم نعلم قسامة كانت قط إلا على رجل واحد، قال الباجي: هذا قول مالك وأكثر أصحابه، وقال أشهب: إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على جميعهم، ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في القسامة، كان ذلك لقول الميت: دمي عند فلان، أو فلان، أو لشهادة شاهد على القتل، أو شاهدين على الضرب ثم عاش أياما. وجه قول مالك: أنه لا يقتل في القسامة إلا واحد، فلا معنى للقسامة على غيره. ووجه قول أشهب: أن القتيل إذا ادعى قتل جماعة له فيجب أن تكون القسامة على قدر ذلك؛ لأن الأيمان لا تكون إلا موافقة للدعوى (٣) وقال الباجي في الكلام على من يستحق القتل بالقسامة، قال: وإذا قلنا لا يقتل إلا واحد فهل يقسم على واحد أو على جماعة؟ ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك: لا يقسم إلا على واحد، سواء ثبتت القسامة بدعوى الميت أو بلوث، أو بينة على القتل، أو بينة على الضرب ثم عاش أياما، وقال أشهب: إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على أكثر أو على جميعهم، ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في قسامتهم، وجه القول الأول أن القسامة فائدتها القصاص من المدعى عليه القتل، فلا معنى للقسامة على من لا يقتل، ولا تؤثر فيه القسامة حكما. ووجه القول الثاني أن القسامة إنما هي على قدر الدعوى محققة لها، ولا يجوز أن يكون في بعضه، فإذا وجب لهم القصاص بالقسامة المطابقة لدعواهم كان لهم حينئذ تعيين من يقتص منه؛ لأن القسامة قد تناولته. وقال سحنون فيما جاء في القسامة على الجماعة في العموم قال: قلت أرأيت إن ادعوا الدم على جماعة رجال ونساء، قال: قال مالك: إذا ادعوا الدم على جماعة أقسموا على واحد منهم وقتلوا إذا كان لهم لوث من بينة، أو تكلم بذلك المقتول، أو قامت البينة على أنهم ضربوه ثم عاش بعد ذلك ثم مات، قلت: فللورثة أن يقسموا على أيهم شاءوا ويقتلوه؟ قال: نعم؛ عند مالك، قلت: فإن ادعوا الخطأ وجاءوا بلوث من بينة على جماعة أقسم الورثة عليهم كلهم بالله الذي لا إله إلا هو أنهم قتلوه ثم تفرق الدية على قبائلهم في ثلاث سنين؟ قال: نعم؛ وكذلك سألت مالكا فقال لي مثلما قلت، وقال لي مالك: ولا يشبه هذا العمد (٤). وقال ابن رشد:

стр. 1872

واختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة هل يقتل بها أكثر من واحد؟ فقال مالك: لا تكون القسامة إلا على واحد وبه قال أحمد بن حنبل، وقال أشهب: يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الأولياء، وهو ضعيف، وقال المغيرة المخزومي: كل من أقسم عليه قتل، وقال مالك والليث: إذا شهد اثنان عدلان أن إنسانا ضرب آخر وبقي المضروب أياما بعد الضرب ثم مات أقسم أولياء المضروب أنه مات من ذلك الضرب وقيد به، وهذا كله ضعيف (١). قال الشافعي في باب القسامة: ولهم - أي ولاة الدم - إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم (٢). وقال أيضا في اختلاف المدعى عليه في الدم قال: فإن ادعى أولياؤه " أي القتيل" على أهل المحلة لم يحلف لهم منهم إلا من أثبتوا بعينه فقالوا: نحن ندعي أنه قتله، فإن أثبتوهم كلهم وادعوا عليهم، وهم مائة أو أكثر، وفيهم نساء ورجال وعبيد، مسلمون كلهم، أو مشركون كلهم، أو فيهم مسلم ومشرك، أحلفوا كلهم يمينا يمينا؛ لأنهم يزيدون على خمسين. وإن كانوا أقل من خمسين ردت الأيمان عليهم، فإن كانوا خمسة وعشرين حلفوا يمينين يمينين، وإن كانوا ثلاثين حلفوا يمينين يمينين؛ لأن على كل واحد منهم يمينا وكسر يمين ومن كان عليه كسر يمين حلف يمينا تامة، وليس الأحرار المسلمون أحق بالأيمان من العبيد، ولا العبيد من الأحرار، ولا الرجال من النساء، ولا النساء من الرجال، كل بالغ فيها سواء. وإن كان فيهم صبي ادعوا عليه لم يحلف، وإذا بلغ حلف، فإن مات قبل البلوغ فلا شيء عليه، ولا يحلف واحد منهم إلا واحدا ادعوا عليه بنفسه، فإذا حلفوا برئوا. وقال الشافعي: بيان ما يحلف عليه في القسامة قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: وينبغي للحاكم أن يسأل من وجبت له القسامة: من صاحبك؟ فإذا قال: فلان، قال: فلان وحده؟ فإن قال: نعم، قال عمدا أو خطأ؟ فإن قال: عمدا، سأله: ما العمد؟ فإن وصف ما يجب بمثله قصاص، ولو قامت بينة أحلفه على ذلك، وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه القصاص وإنما يكون فيه العقل أحلفه على ذلك بعد إثباته، وإن قال: قتله فلان ونفر معه لم يحلفه حتى يسمي النفر، فإن قال: لا أعرفهم وأنا أحلف على هذا أنه فيمن قتله لم يحلفه حتى يسمي عدد النفر معه، فإن كانوا ثلاثة أحلفه على الذي أثبته وكان له عليه ثلث الدية، أو على عاقلته، وإن كانوا أربعة نفر فربعها، وإن لم يثبت عددهم لم يحلف؛ لأنه لا يدري كم يلزم هذا الذي يثبت ولا عاقلته من الدية لو حلف عليه. ولو عجل الحاكم فأحلفه قبل أن يسأله عن هذا كان عليه أن يعيد عليه اليمين إذا أثبت كم عدد من قتل معه، ولو عجل الحاكم فأحلفه لقتل فلان فلانا ولم يقل عمدا ولا خطأ أعاد عليه عدد ما يلزمه من الأيمان؛ لأن حكم الدية في العمد أنها في ماله، وفي الخطأ أنها على عاقلته، ولو عجله فأحلفه لقتله مع غيره عمدا ولم يقل قتله وحده أعاد عليه اليمين لقتله وحده، ولو عجل فأحلفه لقتله من غيره ولم يسم عدد الذين قتلوه معه أعاد عليه الأيمان إذا عرف العدد. ولو أحلفه لقتله وثلاثة معه ولم يسمهم قضى عليه بربع الدية، أو على عاقلته، فإن جاء بواحد من الثلاثة فقال: قد أثبت هذا أحلفه أيضا عليه عدة ما يلزمه من الأيمان، فإن كان هذا الوارث وحده أحلفه خمسين يمينا لقتله مع هؤلاء الثلاثة، فإن كان يرث النصف فنصف الأيمان، ولم تعد عليه الأيمان الأولى، ثم كلما أثبت

стр. 1873

واحدا معه أعاد عليه ما يلزمه من الأيمان، كما يبتدئ استحلافه على واحد لو كانت دعواه عليه منفردة، وإن كان له وارثان فأغفل الحاكم بعض ما وصفت أنه عليه أن يحلفه عليه وأحلفه مغفلا خمسين يمينا، ثم جاء الوارث الآخر فحلف خمسا وعشرين يمينا أعاد على الأول خمسا وعشرين يمينا؛ لأنها هي التي تلزمه مع الوارث معه، وإنما أحلفه أولا خمسا وعشرين يمينا؛ لأنه لا يستحق نصيبه من الدية إلا بها إذا لم تتم أيمان الورثة معه خمسين يمينا (١). ٣ - قال ابن قدامة: ذكر الخرقي من شروط القسامة أن تكون الدعوى عمدا، فوجب القصاص إذا ثبت القتل، وأن تكون الدعوى على واحد، وقال غيره: ليس بشرط، لكن إن كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين، ويستحقون دمه، وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية (٢). وقال في حاشية المقنع: قوله: وأن تكون الدعوى على واحد إذا كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين يستحقون دمه وهذا بلا نزاع، قال الشارح: لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يستحق بها قتل جماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة، وقول أبي ثور نحو هذا. ولنا قوله ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (٣)» فخص بها الواحد. ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه وتبقى على الأصل. وأما إن كانت الدعوى خطأ أو شبه عمد فقال في الإنصاف: فالصحيح من المذهب والروايتين ليس لهم قسامة ولا تشرع على أكثر من واحد، وعليه جماهير الأصحاب، منهم الخرقي والقاضي وجماعة من أصحابه كالشريف وأبي الخطاب والشيرازي وابن البنا وابن عقيل وغيرهم، وجزم به في الوجيز والمنور ومنتخب الآدمي وغيرهم، وقدمه في المحرر والنظم والحاوي الصغير والفروع وغيرهم. وعنه لهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية، وهو الذي قاله المصنف هنا، وجزم به في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة، وقدمه في الرعايتين، وظاهر كلام المصنف هنا أن غير الخرقي ما قال ذلك، وتابعه الشارح وابن منجا، وليس الأمر كذلك، فقد ذكرنا عن غير الخرقي من اختار ذلك. انتهى. قلت: والذي جزم به في الإقناع أن لهم القسامة في الخطأ كالعمد؛ لأن الخطأ أحد القتلين أشبه العمد، ويقسمون على واحد معين كالعمد، وهو معنى ما جزم به في الإنصاف (٤)

стр. 1874

الخامس: ذكر خلاف العلماء فيمن توجه إليه أيمان القسامة أولا من مدع ومدعى عليه ومستند كل مع المناقشة اختلف أهل العلم القائلون بالقسامة فيمن توجه إليه أيمان القسامة ابتداء. فذهبت طائفة منهم إلى أنه يبدأ بالمدعين فتوجه إليهم الأيمان. قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا والذي سمعت ممن أرضى في القسامة والذي اجتمعت عليه الأمة في القديم والحديث أنه يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون (١) وقال ابن رشد: قال الشافعي وأحمد وداود بن علي وغيرهم: يبدأ المدعون (٢). وجاء في المقنع وحاشيته: ويبدأ بأيمان المدعين فيحلفون خمسين يمينا، هذا المذهب، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرئوا، وهذا قول يحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، والليث، ومالك، والشافعي (٣). واستدلوا لذلك بالسنة، والإجماع، والاستصحاب، والنظر، والقياس. أما السنة: فروى الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، «عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما، فتفرقا في حوائجهما فأتي محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير، أو عين، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر ذلك لهم، فأقبل هو وأخوه حويصة، وهو أكبر منه، وعبد الله بن سهل؛ أخو المقتول، فذهب محيصة يتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول الله ﷺ لمحيصة " كبر كبر " يريد السن فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله ﷺ : " إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب " فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك فكتبوا إليه: إنا والله ما قتلناه فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم " فقالوا: لا، قال: " فتحلف يهود؟ " قالوا:

стр. 1875

ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله ﷺ من عنده، فبعث إليه بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء (١)». وعورض هذا الحديث أولا بما روى أبو داود عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عبد الرحمن بن بجيد بن قبطي أحد بني حارثة، قال محمد بن إبراهيم وايم الله ما كان سهل بأعلم منه، ولكنه كان أسن منه، قال رسول الله ﷺ : «احلفوا على ما لا علم لكم به، ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الأنصار " أنه وجد بين أبياتكم قتيل فدوه " فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول الله ﷺ (٢)». وقد أجاب ابن قدامة ﵀ عن ذلك فقال: ولنا حديث سهل، وهو صحيح متفق عليه، ورواه مالك في موطئه، وعمل به، وما عارضه من الحديث لا يصح لوجوه: أحدها: أنه نفي فلا يرد به قول المثبت. والثاني: أن سهلا من أصحاب رسول الله ﷺ - شاهد القصة وعرفها، حتى أنه قال ركضتني ناقة من تلك الإبل، والأخرى يقول برأيه وظنه من غير أن يرويه عن أحد، ولا حضر القصة. والثالث: أن حديثنا مخرج في الصحيحين متفق عليه، وحديثهم بخلافه. الرابع: أنهم لا يعملون بحديثهم ولا حديثنا، فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه فيه (٣) وعورض حديث سهل ثانيا بما جاء في البخاري من رواية سعيد بن عبيد: فقال لهم: «"تأتون بالبينة على قتله " قالوا: ما لنا بينة، قال: " فيحلفون " قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة (٤)». وما جاء في البخاري من رواية أبي قلابة، وفيه قال: «" أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه " فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون، قال: " أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم " قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده (٥)». وأجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض بعد ذكره لمجموعة من الروايات فيها تقديم تحليف المدعين، قال: كذا في رواية سعيد بن عبيد لم يذكر عرض الأيمان على المدعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولا، وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظه الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم (٦) وقال أيضا: وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد المذكورة في حديث الباب بقول أهل الحديث: إنه وهم من رواية من أسقط من السياق تبرئة المدعين

стр. 1876

باليمين؛ لكونه لم يذكر فيهم رد اليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها، وهي تقضى على من لم يعرفها، نقله ابن حجر عن القاضي عياض (١) وما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة " (٢)». قال ابن حجر في الكلام على سند هذا الحديث: قوله روى أنه ﷺ قال: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة (٣)» الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر من حديث مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده به قال أبو عمر: إسناده لين، وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عمرو مرسلا، وعبد الرزاق أحفظ من مسلم بن خالد وأوثق، ورواه ابن عدي والدارقطني من حديث عثمان بن محمد عن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة وهو ضعيف أيضا، وقال البخاري: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، فهذه علة أخرى (٤). أما الإجماع: فقال البيهقي: وأصح ما روي في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث سهل ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال: قتل رجل من الأنصار " وهو سكران " رجلا آخر من الأنصار من بني النجار في عهد معاوية، ولم يكن على ذلك شهادة إلا لطيخ وشبهته، قال فاجتمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول، ثم يسلم إليهم فيقتلوه، قال خارجة بن زيد: فركبنا إلى معاوية وقصصنا عليه القصة، فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص، فذكر الحديث، وفيه فقال سعيد: أنا منفذ كتاب أمير المؤمنين، فاغدوا على بركة الله، فغدونا عليه، فأسلمه إلينا سعيد بعد أن حلفنا عليه خمسين يمينا. وفي بعض طرقه "وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله ﷺ ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول، ويقتلوا ويستحيوا، فحلفوا خمسين يمينا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله ﷺ قضى بالقسامة". انتهى بواسطة ابن القيم (٥) وأما الاستصحاب: فقد نقل الأبي عن القاضي عياض أن القسامة أصل في نفسها، شرعت لحياة الناس، وليرتدع المعتدي، والدعاوى في الأموال على سننها، فكل أصل صحيح في نفسه يتبع، ولا تطرح سنة بسنة (٦) وقد سبق ذكر هذا دليلا ونوقش هناك، فاكتفي به عن إعادة مناقشته خشية الإطالة.

стр. 1877

وأما النظر: فقال الأبي نقلا عن القاضي عياض: القسامة إنما تكون مع الشبهة القوية على القتل، ومع الشبهة صارت اليمين له (١). وأما القياس: فقال ابن قدامة: ولأنها أيمان مكررة فيبدأ فيها بأيمان المدعين كاللعان (٢) ويمكن أن يقال: بأن هذا قياس مع النص، وهو ما ورد من الأدلة دالا على البدء بالمدعى عليهم بالأيمان المتعارضة، ومن جهة الترجيح فلا نطيل الكلام بإعادتها. وذهبت طائفة أخرى من أهل العلم إلى أنه يبدأ أولا بالمدعى عليهم فتوجه إليهم الأيمان. قال الأبي نقلا عن الإمام مالك ﵀: وقال الكوفيون وكثير من البصريين والمدنيين، ويروى عن عمر أن المبدأ المدعى عليهم (٣) ثم قال: قلت: واختلف هؤلاء فقال بعضهم: إن حلفوا برئوا، وقال بعضهم: يحلفون وتكون الدية عليهم. وقال ابن قدامة، وقال الحسن: يستحلف المدعى عليهم أولا خمسين يمينا ويبرءون وإن أبوا أن يحلفوا استحلف خمسون من المدعين أن: حقنا قبلكم ثم يعطون الدية (٤) وقال أيضا: وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل بالله ما قتلناه ولا علمنا قاتلا، ويغرمون الدية (٥) وقد استدل أصحاب هذا القول بالسنة، والأثر، والقياس: أما السنة: فمن ذلك ما أخرجه البخاري بالسند المتصل قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد، عن بشير بن سيار -الحديث إلى أن قال- فقال لهم: «" تأتون بالبينة على من قتله " قالوا: ما لنا بينة قال: " فيحلفون " قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة (٦)»، وفي رواية أبي قلابة قال: «أترضون نفل خمسين من اليهود ما

стр. 1878

قتلوه؟ " فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون، قال: "أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ " قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده (١)». ويمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين: الأول: الجمع، وسبق ذكر ذلك في مناقشة الدليل الأول للقائلين بأنه يبدأ بالمدعين. الثاني: قال القاضي عياض: وما احتج به الآخرون من رواية من روى أنه بدأ بالمدعى عليهم. قال المحدثون: هي وهم من راويها (٢) ويمكن أن يناقش هذان الجوابان بما ذكره ابن رشد من أن الذين يرون البدء بالمدعى عليهم بالأيمان قالوا: وأحاديثنا هذه أولى من التي تروى فيها تبدئة المدعين بالأيمان؛ لأن الأصل شاهد لأحاديثنا من أن اليمين على المدعى عليه (٣). ويناقش الجواب الثاني بما ذكره ابن رشد من أن الأحاديث المتعارضة في ذلك مشهورة (٤) ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بقول الحطاب: الرواية الصحيحة المستفيضة أنه إنما بدأ فيه بالمدعين (٥) ومنها ما رواه أبو داود في سننه قال: حدثنا الحسن بن محمد الصباح الزعفراني، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار، «زعم أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا واحدهم قتيلا، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، فقالوا ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، فانطلقنا إلى النبي ﷺ قال: فقال لهم: " تأتون بالبينة على من قتل هذا؟ " قالوا: ما لنا بينة قال: " فيحلفون لكم؟ " قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة (٦)». ورد هذا الحديث بقول النسائي لا نعلم أحدا تابع سعيد بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار، وبقول مسلم: رواية سعيد بن عبيد غلط، ويحيى بن سعيد أحفظ منه. وقال ابن القيم: والصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدعين، فلما لم يحلفوا ثنى باليهود، وهذا هو المحفوظ في هذه القصة، وما سواها وهم (٧) ويقول الخطابي في المعالم: في الحديث حجة لمن رأى أن اليمين على المدعى عليهم، إلا أن أسانيد الأحاديث المتقدمة أحسن اتصالا وأصح متونا.

стр. 1879

وقد روى ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه بدأ في اليمين بالمدعين سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج، وسويد بن النعمان (١) هذا ويمكن أن تجرى فيه المناقشة التي مضت في الدليل الأول. ومنها ما رواه أبو داود في سننه قال: حدثنا الحسن بن علي بن راشد، أنبأنا هشيم، عن أبي حيان التيمي، أخبرنا عباية بن رفاعة، «عن رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له فقال: " لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ " قالوا: يا رسول الله لم يكن ثم أحد من المسلمين، إنما هم اليهود، وقد يجترئون " يجترون " على أعظم من هذا، قال: " فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم "، "فاستحلفهم" فأبوا، فوداه النبي ﷺ من عنده (٢)». ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأمرين: أحدهما: ما مضى من المناقشة من جهة المتن والدرجة. الثاني: أن هذا الحديث من سنن الحسن بن علي بن راشد، وقد رمي بشيء من التدليس، قاله ابن حجر (٣) ويجاب عن المناقشة الثانية بأنه جاء في السند: وأخبرنا هشيم، فزالت تهمة التدليس بذلك، وقد حسن ابن التركماني إسناده فقال: ومنها ما أخرج أبو داود بسند حسن عن رافع بن خديج، وساق الحديث (٤) ومنها ما رواه أبو داود في سننه قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني أخبرنا "حدثني " محمد -يعني ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عبد الرحمن بن بجيد قال: إن سهلا، وإن أوهم الحديث «أن رسول الله ﷺ كتب إلى اليهود: " أنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه " فكتبوا يحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلناه وما علمنا له قاتلا. قال: فوداه رسول الله ﷺ من عنده مائة ناقة (٥)». ورد هذا الحديث أولا بقول المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام فيه، وبقول الإمام الشافعي: فقال قائل: ما منعك أن تأخذ بحديث ابن بجيد؟ قلت: لا أعلم ابن بجيد سمع من النبي ﷺ وإن لم يكن سمع منه، فهو مرسل فلسنا وإياك نثبت المرسل، وقد علمت سهلا صحب النبي ﷺ وسمع منه، وساق الحديث سياقا لا يثبت به الإثبات، فأخذت به كما وصفت. انتهى بواسطة المنذري. وفي الإصابة في ترجمة عبد الرحمن بن بجيد: قال أبو بكر بن أبي داود: له صحبة، وقال ابن أبي حاتم: روى عن النبي ﷺ وعن جدته، وقال ابن حبان: يقال له صحبة، ثم ذكره في

стр. 1880

ثقات التابعين، وقال البغوي: لا أدري له صحبة أم لا. وقال ابن عمر: أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه فيما أحسب، وفي صحبته نظر؛ لأنه روى، فمنهم من يقول إن حديثه مرسل، وكان يذكر بالعلم. انتهى (١). ويجاب ثانيا بما أجيب به عن الحديث الأول من هذه الأدلة. ومنها ما رواه أبو داود في سننه قال: حدثنا الحسن بن علي، أخبرنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، «عن رجال من الأنصار أن رسول الله ﷺ قال لليهود وبدأ بهم: " يحلف منكم خمسون رجلا " فأبوا، فقال للأنصار: " استحقوا (٢)»، فقالوا نحلف على الغيب يا رسول الله! فجعلها رسول الله ﷺ دية على يهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم). ورد هذا الحديث بقول المنذري: قال بعضهم: وهذا حديث ضعيف لا يلتفت إليه، وقد قيل للإمام الشافعي ﵁ ما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب؟ فقال: مرسل، والقتيل أنصاري، والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذ كان كل ثقة، وكل عندنا بنعمة الله ثقة، قال البيهقي ﵁: وأظنه أراد بحديث الزهري ما روى عنه معمر عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار، وذكر هذا الحديث (٣) وقال ابن القيم: وهذا الحديث له علة وهي أن معمرا انفرد به عن الزهري، وخالفه ابن جريج وغيره، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد بعينه عن أبي سلمة وسليمان عن رجال من أصحاب النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى فيها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود، ذكره البيهقي. وفي قول الشافعي: إن حديث ابن شهاب مرسل - نظر، والرجال من الأنصار لا يمتنع أن يكونوا صحابة، فإن أبا سلمة وسليمان كل منهما من التابعين قد لقي جماعة من الصحابة، إلا أن الحديث غير مجزوم باتصاله؛ لاحتمال كون الأنصاريين من التابعين (٤). وأجيب عن هذا بقول ابن رشد عند ذكره لهذا الحديث بسنده هذا قال: وهو حديث صحيح الإسناد؛ لأنه رواه الثقات عن الزهري عن أبي سلمة (٥).

стр. 1881

ويناقش بما سبق من أن جميع الروايات التي فيها البدء بالمدعى عليهم قال المحدثون: هي وهم من راويها. ومنها ما رواه مسلم في صحيحه: «ولكن اليمين على المدعى عليه (١)» وفي لفظ: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (٢)» رواه الشافعي في مسنده. وقد أجاب ابن قدامة عن الاستدلال بهذا الحديث فقال: " اليمين على المدعى عليه " لم ترد به هذه القصة؛ لأنه يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم، وهنا قد أعطوا بدعواهم، على أن حديثنا أخص منه، فيجب تقديمه، ثم هو حجة عليهم؛ لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا يمين منهم، وقد رواه ابن عبد البر بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة (٣)» وهذه الزيادة يتعين العمل بها؛ لأن الزيادة من الثقة مقبولة (٤) وأجاب الخطابي أيضا فقال: وأما عن الحديثين الآخرين - حديث «شاهداك أو يمينه (٥)»، «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر (٦)» - فإن القسامة أصل في نفسها، شرع الحكم بها لتعذر إقامة البينة حينئذ؛ لأن القاتل في الغالب إنما يقصد الخلوة والغيلة، بخلاف سائر الحقوق. وأيضا فإنها لم تخرج عن ذلك الأصل، لأنه إنما كان القول قول المدعى عليه في تلك الحقوق لقوة جنبته بشهادة الأصل، وهو أن الأصل براءة الذمة، وهذا المعنى موجود هنا، فإنا لم نجعل القول قول المدعي إلا لقوة جنبته باللوث الذي يشهد بصدقه، فقد أهملنا ذلك الأصل ولم نطرحه بالكلية (٧). وأما الأثر: فقال ابن رشد: واحتج هؤلاء القوم على مالك بما روي عن ابن شهاب الزهري عن سليمان بن يسار وعراك بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للجهني الذي ادعى دم وليه على رجل من بني سعد، وكان أجرى فرسه فوطئ على إصبع الجهني فنزي فيها فمات، فقال عمر للذي ادعى عليهم: أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها؟ فأبوا أن يحلفوا وتحرجوا، فقال للمدعين: احلفوا، فأبوا، فقضى عليهم بشطر الدية (٨) ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه أثر، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تقدم المدعين، فلا تعارض الأحاديث الصحيحة بالآثار. وهناك آثار لا تخلو من مقال تركنا ذكرها اختصارا، ومن أراد الرجوع إليها فعليه بمراجعة: نصب الراية، والدراية، وتلخيص الحبير، وشرح ابن القيم لسنن أبي داود.

стр. 1882

وأما القياس: فقال ابن الهمام: ولأن اليمين حجة في الدفع لا الاستحقاق، وحاجة الولي إلى الاستحقاق، ولهذا لا يستحق بيمينه المال المبتذل، فأولى ألا يستحق النفس المحرمة (١). ويمكن أن يجاب عن هذا القياس أولا بأنه قياس مع الفارق، وقد بين ذلك الإمام مالك ﵀ فقال: " وإنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس، وإنما يتلمس الخلوة، قال: فلو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت فيه البينة ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق هلكت الدماء، واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون فيها ليكف الناس عن القتل، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك بقول المقتول (٢). وثانيا: أنه قياس مع النص، والقياس مع النص لا يصح، والنص ما ورد من الأدلة الصحيحة على البدء بالمدعين.

стр. 1883

السادس: ذكر خلاف العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة، ومستند كل مع المناقشة، وهل ترد الأيمان إذا نقص العدد أو لا ١ - من يحلف من المدعين اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من رأى أن الوارث هو الذي يقسم، ومنهم من رأى أن العصبة هم الذين يقسمون، فمن القائلين بأن الورثة هم الذين يقسمون الإمام الشافعي ﵀ وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀ وفيما يلي ذكر بعض ما قالوه في ذلك مع الأدلة والمناقشة. وقال الشافعي -رحمه الله تعالى- تحت ترجمة: " من يقسم فيه ويقسم عليه " قال: يحلف في القسامة الوارث البالغ غير المغلوب على عقله من كان منهم مسلما أو كافرا، عدلا أو غير عدل، ومحجور عليه، والقسامة في المسلمين على المشركين، والمشركين على المسلمين، والمشركين فيما بينهم مثلها على المسلمين لا تختلف. لأن كلا: ولي دمه ووارث دية المقتول وماله، إلا أنا لا نقبل شهادة مشرك على مسلم، ولا نستدل بقوله بحال؛ لأن من حكم الإسلام إبطال أخذ الحقوق بشهادة المشركين.

стр. 1884

وقال الشافعي أيضا تحت ترجمة " الورثة يقسمون ": وإذا قتل الرجل فوجبت فيه القسامة لم يكن لأحد أن يقسم عليه إلا أن يكون وارثا، كان قتله عمدا أو خطأ، وذلك أنه لا تملك النفس بالقسامة إلا دية المقتول، ولا يملك دية المقتول إلا وارث، فلا يجوز أن يقسم على ما لا يستحق إلا من له المال بنفسه، أو من جعل الله تعالى له المال من الورثة. وقال الشافعي: لو وجبت في رجل القسامة وعليه دين وله وصايا فامتنع الورثة من القسامة فسأل أهل الدين أو الموصى لهم أن يقسموا لم يكن ذلك لهم، وذلك أنهم ليسوا المجني عليه الذي وجب له على الجانين المال، ولا الورثة الذين أقامهم الله تعالى مقام الميت في ماله بقدر ما فرض له منه. وقال الشافعي: ولو ترك القتيل وارثين فأقسم أحدهما فاستحق به نصف الدية أخذها الغرماء من يده، فإن فضل منها فضل أخذ أهل الوصايا ثلثها من يده ولم يكن لهم أن يقسموا ويأخذوا النصف الآخر، فإن أقسم الوارث الآخر أخذ الغرماء من يده ما في يده حتى يستوفوا ديونهم، وإن استوفوا أخذ أهل الوصايا الثلث مما في يده، وإن كان للغرماء مائة دينار فاستوفوها من نصف الدية الذي وجب للذي أقسم أولا ثم أقسم الآخر رجع الأول على الآخر بخمسين دينارا، ولا يرجع عليه في الوصايا؛ لأن أهل الوصايا إنما يأخذون منه ثلث ما في يده لا كله كما يأخذه الغرماء. قال الشافعي: ولا يقسم ذو قرابة ليس بوارث، ولا ولي يتيم من ولد الميت حتى يبلغ اليتيم، فإن مات اليتيم قام ورثته في ذلك مقامه، وإن طلب ذو قرابة وهو غير وارث القتيل أن يقسم جميع القسامة لم يكن ذلك له، فإن مات ابن القتيل أو زوجة له أو أم أو جدة فورثه ذو القرابة كان له أن يقسم؛ لأنه صار وارثا. وقد أورد الشافعي ﵀ اعتراضا على تخصيصه الوارث وأجاب عنه. قال الشافعي: فإن قال قائل ففي حديث ابن أبي ليلى ذكر أخي المقتول ورجلين معه أن النبي ﷺ قال لهم: «تحلفون وتستحقون (١)» فكيف لا يحلف الوارث؟ قلت: قد يمكن أن يكون قال ذلك لوارث المقتول هو وغيره، ويمكن أن يكون قال ذلك لوارثه وحده تحلفون لواحد، وقال ذلك لجماعتهم، يعني به يحلف الورثة إن كان مع أخيه الذي حكى أنه حضر النبي ﷺ وارث غيره، أو كان أخوه غير وارث له، وهو يعني بذلك الورثة. فإن قال قائل: ما الدلالة على هذا؟ فإن جميع حكم الله وسنن رسول الله ﷺ فيما سوى القسامة أن يمين المرء لا تكون إلا فيما يدفع بها الرجل عن نفسه، كما يدفع قاذف امرأته الحد عن نفسه،

стр. 1885

وينفي بها الولد، وكما يدفع بها الحق عن نفسه والحد من غيره، وفيما يأخذ بها الرجل مع شاهد ويدعي المال فينكل المدعى عليه وترد عليه اليمين فيأخذ بيمينه ونكول صاحبه بما ادعى عليه، لا أن الرجل يحلف فيبرئ غيره، ولا يحلف فيملك غيره بيمينه شيئا، فلما لم يكن في الحديث بيان أن النبي ﷺ قضى بها لغير وارث ويستحق بها الوارث لم يجز فيها -والله أعلم- إلا أن تكون في معاني ما حكم الله من الأيمان، ثم رسوله ﷺ ثم المسلمون من أنه لا يملك أحد بيمين غيره شيئا. قال الشافعي: -رحمه الله تعالى-: ولا يجب على أحد حق في القسامة حتى تكمل أيمان الورثة خمسين يمينا، وسواء كثر الورثة أو قلوا، وإذا مات الميت وترك وارثا واحدا أقسم خمسين يمينا، واستحق الدية، وإن ترك وارثين أو أكثر فكان أحدهما صغيرا أو غائبا أو مغلوبا على عقله أو حاضرا بالغا فلم يحلف فأراد أحدهما اليمين لم يحبس على غائب ولا صغير، ولم يبطل حقه من ميراثه من دمه بامتناع غيره من اليمين ولا إكذابه دعوى أخيه ولا صغره، وقيل للذي يريد اليمين: أنت لا تستوجب شيئا من الدية على المدعى عليهم ولا على عواقلهم إلا بخمسين يمينا، فإن شئت أن تعجل فتحلف خمسين يمينا وتأخذ نصيبك من الميراث لا يزاد عليه قبلت منك، وإن امتنعت فدع هذا حتى يحضر معك وارث تقبل يمينه خمسين يمينا، أو ورثته فتكمل أيمانكم خمسين يمينا، كل رجل منكم بقدر ما يجب عليه من الأيمان أو أكثر. ولا يجوز أن يزاد على وارث في الأيمان على قدر حصته من الميراث إلا في موضعين: أحدهما: ما وصفت من أن يغيب وارث أو يصغر أو ينكل فيريد أحد الورثة اليمين، فلا يأخذ حقه إلا بكمال خمسين يمينا، فيزاد عليه في الأيمان في هذا الموضع، ولا يجبر على الأيمان، أو يدع الميت ثلاث بنين فتكون حصة كل واحد منهم سبعة عشر يمينا إلا ثلث يمين، فلا يجوز في اليمين كسر، ولا يجوز أن يحلف واحد ستة عشر يمينا، وعليه ثلث ويحلف آخر سبعة عشر ولا سبعة عشر زيادة (١)، ويحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا، فيكون عليهم زيادة يمين بينهم، وهكذا من وقع عليه أو له كسر يمين جبرها. وإن لم يدع القتيل وارثا إلا ابنه وأباه أو أخاه أجزأه أن يحلف خمسين يمينا؛ لأنه مالك المال كله، وكل من ملك شيئا حلف عليه، وهكذا لو لم يدع إلا ابنته وهي مولاته حلفت خمسين يمينا وأخذت الكل: النصف بالنسب، والنصف بالولاء، وهكذا لو لم يدع إلا زوجته وهي مولاته. وإذا ترك أكثر من خمسين وارثا سواء في ميراثه كأنهم بنون معا أو إخوة معا أو عصبة في (٢) الفقد إليه سواء حلف كل واحد منهم يمينا وإن جازوا خمسين أضعافا؛ لأنه لا يأخذ أحد مالا بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه بلا يمين منه، ولا يملك أحد بيمين غيره شيئا، ولو كانت فيهم زوجة فورثت الربع أو الثمن حلفت ربع الأيمان ثلاثة عشر يمينا، ويزاد عليها كسر يمين، أو ثمن الأيمان سبعة أيمان يزاد عليها كسر يمين، كما وصفت من أنه لا يجوز إذا كان على وارث كسر يمين إلا أن يأتي بيمين تامة (٣).

стр. 1886

٢ - قال ابن قدامة: والرواية الثانية لا يقسم إلا الوارث، وتعرض الأيمان على ورثة المقتول دون غيرهم على حسب مواريثهم، هذا ظاهر قول الخرقي، واختيار أبي حامد، وقول الشافعي، فعلى هذه الرواية تقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر إرثهم، فإن انقسمت من غير كسر مثل أن يخلف المقتول ابنين أو أخا وزوجا، حلف كل واحد منهم خمسا وعشرين يمينا، وإن كانوا ثلاثة بنين وجدا وأخوين جبر الكسر عليهم فحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا، لأن تكميل الخمسين واجب ولا يمكن تبعيض اليمين، ولا حمل بعضهم لها عن بعض فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم، وإن خلف أخا من أب وأخا من أم فعلى الأخ من الأم سدس الأيمان، ثم يجبر الكسر فيكون عليه تسع أيمان وعلى الأخ من الأب اثنان وأربعون، وهذا أحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينا سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه؛ لأن ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى، وعن مالك أنه قال: ينظر إلى من عليه أكثر اليمين فيجبر عليه ويسقط الآخر. ولنا على أن الخمسين تقسم بينهم قول النبي ﷺ للأنصار «تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم (١)». وأكثر ما روي عنه في الأيمان خمسون، ولو حلف كل واحد خمسين لكانت مائة ومائتين وهذا خلاف النص، ولأنها حجة للمدعين فلم تزد على ما يشرع في حق الواحد كالبينة. ويفارق اليمين على المدعى عليه فإنها ليست حجة للمدعي، ولأنها لم يمكن قسمتها فكملت في حق كل واحد لكونها لا تتبعض وما لا يتبعض يكمل كالطلاق والعتاق. وما ذكره مالك لا يصح؛ لأنه إسقاط لليمين عمن عليه بعضها، فلم يجز كما لو تساوى الكسران بأن يكون على كل واحد من الاثنين نصفها، أو على كل واحد من الثلاثة ثلثها، وبالقياس على من عليه أكثرها، ولأن اليمين في سائر الدعاوى تكمل في حق كل واحد ويستوي من له في المدعي كثير وقليل كذا ها هنا، ولأنه يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه، فلم يجز ذلك كاليمين الكاملة وكالجزء الأكثر (٢). ٣ - قال الخرقي: وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا إذا كان المقتول يقتل به المدعى عليه إذا ثبت عليه القتل؛ لأن القسامة توجب القود، إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية.

стр. 1887

قال ابن قدامة: أما إذا كان المقتول مسلما حرا فليس فيه اختلاف سواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا، فإن الأصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فاتهم اليهود بقتله، فأمر النبي ﷺ بالقسامة. وأما إن كان المقتول كافرا أو عبدا وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله وهو المماثل له في حاله ففيه القسامة، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي. وقال الزهري والثوري ومالك والأوزاعي: لا قسامة في العبد، فإنه مال، فلم تجب القسامة فيه، كقتل البهيمة، ولنا أنه قتل موجب للقصاص، فأوجب القسامة كقتل الحر. وفارق البهيمة فإنها لا قصاص فيها، ويقسم على العبد سيده؛ لأنه المستحق لدمه. وأم الولد، والمدبر، والمكاتب، والمعلق عتقه بصفة؛ كالقن؛ لأن الرق ثابت فيهم، وإن كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافرا، أو الحر يقتل عبدا، فلا قسامة فيه، وفي ظاهر قول الخرقي وهو قول مالك؛ لأن القسامة إنما تكون فيما يوجب القود. وقال القاضي: فيها القسامة، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة، فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم، ولأن ما كان حجة في قتل الحر المسلم كان حجة في قتل العبد الكافر كالبينة، ولنا أنه قتل لا يوجب القصاص فأشبه قتل البهيمة، ولا يلزم شرعها فيما يوجب القصاص شرعها مع عدمه، بدليل أن العبد إذا اتهم بقتل سيده شرعت القسامة إذا كان القتل موجبا للقصاص، ذكره القاضي؛ لأنه لا يجوز قتله قبل ذلك، ولو لم يكن موجبا للقصاص لم تشرع القسامة (١). ومن القائلين بأن العصبة هم الذين يحلفون: الإمام مالك ﵀ وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وفيما يلي ذكر بعض ما قالوا في ذلك: قال مالك: ﵀ والقسامة تصير إلى عصبة المقتول، وهم ولاة الدم الذين يقسمون عليه، والذين يقتل بقسامتهم، وقال مالك أيضا: يحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا (٢). وقال الباجي: قوله: " يحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا " يحتمل أن يريد إن كان الولاة أكثر من خمسين حلف منهم خمسون، فيكون "من" للتبعيض، ويحتمل أن يريد به: يحلف من هذا الجنس خمسون، فتكون "من" للجنس إذا كان ولاة الدم خمسين فلا خلاف أن جميعهم يحلف، وإن كانوا أكثر من خمسين فقد حكى القاضي أبو محمد في ذلك روايتين:

стр. 1888

إحداهما: يحلف منهم خمسون خمسين يمينا. والرواية الثانية: يحلف جميعهم، والذي ذكر ابن عبدوس، وابن المواز من رواية ابن القاسم، وابن وهب عن مالك: يحلف من الولاة خمسون، وقال المغيرة وأشهب وعبد الملك: وإن كانوا أكثر من خمسين وهم في العقد سواء ففي الموازية كالإخوة وغيرهم، فليس عليهم أن يحلف منهم إلا خمسون، وهذا المشهور من المذهب في كتب المغاربة من المالكيين، وإنما اختلفوا إذا كان الأولياء خمسين فأرادوا أن يحلف منهم رجلان خمسين يمينا، ففي المجموعة عن عبد الملك: لا يجزئهم ذلك وهو كالنكول. وقال ابن المواز: ذهب ابن القاسم إلى أن يمين رجلين منهم خمسين يمينا يجزئ وينوب عمن بقي، قال محمد: وقول ابن القاسم صواب؛ لأن أهل القسامة تجزئ أيمان بعضهم عن بعض، ولو لم يجز ذلك ولم يقل أشهب إن كانوا ثلاثة يحلفون يمينا يمينا ثم يحلف عشرون منهم عشرون يمينا، ولو كانوا مائة متساوين أجزأ يمين خمسين، قال: وأما إذا تشاح الأولياء ولم يرضوا أن يحمل بعضهم عن بعض فلا بد من قول أشهب، وبه قال ابن القاسم. فرع: وهذا إن كان إمساك من أمسك عن اليمين يحمل ذلك عنه، وأما إن امتنع عن اليمين فتسقط الدية، قاله ابن القاسم (١). قال الباجي: مسألة: ولا يحلف في القسامة على قتل العمد أقل من اثنين قاله مالك في المجموعة، والموازية، قال ابن القاسم كأنه من ناحية الشهادة؛ إذ لا يقتل بأقل من شاهدين، قال أشهب وقد جعل الله لكل شهادة رجل في الزنا يمينا من الزوج في التعانه. قال عبد الملك: ألا ترى أنه لا يحلف النساء في العمد لأنهن لا يشهدن فيه، وإنما عرضها النبي ﷺ على جماعة، والجماعة اثنان فصاعدا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٢). وأصل هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه «قال للحارثيين " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٣)»، وإنما كان ولي الدم رجلا واحدا وهو عبد الرحمن بن سهل أخو المقتول عبد الله بن سهل وإنما كان حويصة ومحيصة ابني عم، فلما علق النبي ﷺ الأيمان بجماعتهم ولم يقصرها على ولي الدم كان الظاهر أنها لا تثبت إلا في حكم الجماعة، وأقل الجماعة اثنان، وقد نص عليه ابن الماجشون واحتج عليه بآية الميراث ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٤) ولا خلاف أن الأخوين يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس، كما يفعل الثلاثة الإخوة ولا يحجبها الأخ الواحد لأن اسم الإخوة لا يتناوله. فرق: والفرق بين ولاة القتيل لا يقسم منهم أقل من اثنين، ويقسم من جنبة القاتل واحد، وهو القاتل أن جنبة القاتل إذا عدم منها اثنان وبطلت القسامة في جنبته فرجعت في جنبة القاتل فإن لم يكن معه من يحلف معه من جهتهم كان للطالب بالدم ما يرجع إليه وهو أيمان القاتل وأولياؤه، ولو لم يقبل من القاتل، وقد يعدم أولياء

стр. 1889

يحلفون معه لم يكن له ما يرجع إليه في تبرئة نفسه (١). قال الباجي: مسألة: فإن كان ولاة الدم اثنين حلف كل رجل منهم خمسا وعشرين يمينا، وليس لأحدهما أن يتحمل عن صاحبه شيئا من الأيمان، قال ابن المواز عن ابن القاسم: ووجه ذلك أنه لا يجوز أن يحلف أحد في العمد أكثر من خمس وعشرين يمينا، قال ابن المواز عن ابن الماجشون: ولهما أن يستعينا بمن أمكنهما من العصبة، ويبدأ بيمين الأقرب فالأقرب، يحلفون بقدر عددهم مع المعينين، فإن حلف الأولياء أكثر مما ينوبهم في العدد مع المعينين جاز ذلك، وإن حلف المعينون أكثر لم يجز ذلك. ووجه ذلك عندي أنه نوع من النكول. وأما إذا تساووا على حسب العدد، أو كانت أيمان الولاة أكثر فإنها على وجه العون للولاة، ولو حلف أحد الوليين خمسا وعشرين ثم استعان الآخر بأربعة وعشرين من العصبة لم يجزه أن يحلف إلا ثلاثة عشر يمينا؛ لأن المعينين تتوجه معونتهم إليه وإلى صاحبه، كما لو حلفوا قبل أن يحلف الولي الأول. قال الباجي: مسألة: فإن كان ولي الدم واحدا جاز له أن يستعين من العصبة بواحد وأكثر من ذلك ما بينه وبين خمسين رجلا. والأصل في ذلك ما روى أبو قلابة «أن رسول الله ﷺ قال للحارثيين اللذين ادعيا على اليهود: " أتحلفون وتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم (٢)» فكان الظاهر أن هذا العدد لا يزاد عليه؛ لأن عدد الأنصار كان أكثر من ذلك، وتكون الأيمان بينهم على ما تقدم من التفسير. وقال مالك: القسامة في قتل الخطأ يقسم الذين يدعون الدم ويستحقون بقسامتهم يحلفون خمسين يمينا تكون على قسم مواريثهم من الدية، فإن كان في الأيمان كسور إذا قسمت بينهم نظر إلى الذي يكون عليه أكثر تلك الأيمان إذا قسمت فيجبر عليه تلك اليمين. قال الباجي: وهذا على ما قال إن ولاة الدم الذين يدعون الدم يقسمون في قتل الخطأ مع الشاهد على القتل. قال أشهب: وكذلك إن قال: دمي عند فلان قتلني خطأ. وقال عبد الملك: ويؤخذ في ذلك بشهادة النساء فيمن علم الناس بموته، وقال ابن المواز: اختلف قول مالك في القسامة على قول القتيل في الخطأ. وقال عيسى بن دينار: أخبرني من أثق به أن قول مالك في الغريم: لا يقسم في الخطأ بقول الميت، ثم رجع فقال: يقسم مع قوله. قال القاضي أبو محمد: وجه القول الأول أنه يتهم أن يريد غنى ولده وحرمة الدم أعظم. ووجه القول الذي رجع إليه أنه معنى يوجب القسامة في العمد فأوجبها في الخطأ كالشاهد العدل. " فرع " فإذا قلنا إنه يقسم مع قول القتيل فإنه يقسم مع قول المسخوط والرجال والنساء ما لم يكن صغيرا

стр. 1890

أو عبدا أو ذميا (١). قال الباجي: وقوله: "يحلفون خمسين يمينا" علق ذلك بالعدد؛ لأنها قسامة في دم، فاختصت بالخمسين كالعمد، ولهذا المعنى يبدأ فيها المدعون، وتكون الأيمان على الورثة إن كانوا يحيطون بالميراث على قدر مواريثهم، فإن كان في الأيمان كسر فالقسامة على أكثرهم حظا منها، قاله مالك في المجموعة. قال عبد الملك: لا ينظر إلى كثرة ما عليه من الأيمان، وإنما ينظر إلى أكثر تلك اليمين، قال ابن القاسم: فإن كان على أحدهم نصفها وعلى الآخر ثلثها وعلى الآخر سدسها جبرت على صاحب النصف، وإن كان الوارث لا يحيط بالميراث فإنه لا يأخذ حصة من الدية حتى يحلف خمسين يمينا (٢). قال مالك: فإن لم يكن للمقتول ورثة إلا النساء فإنهن يحلفن ويأخذن الدية، فإن لم يكن له وارث إلا رجل واحد حلف خمسين يمينا وأخذ الدية، وإنما يكون ذلك في قتل الخطأ ولا يكون في قتل العمد (٣). قال الباجي: وهذا على ما قال أن حكم القسامة في قتل الخطأ غير حكمها في قتل العمد؛ لأنها لما اختصت القسامة في الخطأ بالمال كان ذلك للورثة رجالا كانوا أو نساء قل عددهم أو كثر، ولا يحلف في ذلك إلا وارث، وأما قتل العمد فإن مقتضاه القصاص، وإنما يقوم به العصبة من الرجال؛ فلذلك تعلقت الأيمان بهم دون النساء. قال الأبي "ع": والأيمان في القسامة خمسون لا ينقص منها؛ لنص الحديث، يحلفها في الخطأ الورثة، فإذا لم تكن إلا امرأة لم تأخذ فرضها حتى تحلف الخمسين، وكذلك إن لم تكن الورثة إلا نساء فإنهن لا يأخذن فرضهن حتى يحلفن الخمسين يمينا، وإن كانت الورثة جماعة وزعت الأيمان على قدر المواريث. قال الأبي: قلت: وإنما وزعت كذلك لأن الأيمان هي السبب في حصول الدية، فتوزع كما توزع الدية، فإن انكسرت منها يمين أو أكثر فإن استوت الأجزاء أكملت اليمين على كل واحد من المنكسر عليهم، وإن اختلفت كما لو كان الوارث ابنا وابنة فالمشهور أنه إنما تكمل اليمين على صاحب الجزء الأكبر، وقيل: تكمل على كل واحد من المنكسر عليهم (٤). قال الأبي "ع": فإن لم يحضر من الورثة إلا واحد وغاب الباقون لم يأخذ الحاضر نصيبه حتى يحلف الخمسين يمينا، فإذا قدم الغائب لم يأخذ حظه من الميراث حتى يحلف نصيبه من الأيمان، ولا يكتفى بحلف الحاضر (٥).

стр. 1891

قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد، فيمن تجب عليه أيمان القسامة؛ فروي أنه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث، خمسون رجلا، كل واحد منهم يمينا واحدة. وهذا قول لمالك، فعلى هذا، يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه، فإن لم يبلغوا خمسين، تمموا من سائر العصبة، يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب من قبيلته التي ينتسب إليها، ويعرف كيفية نسبه من المقتول. فأما من عرف أنه من القبيلة، ولم يعرف وجه النسب، لم يقسم؛ مثل أن يكون الرجل قرشيا والمقتول قرشيا، ولا يعرف كيفية نسبه منه، فلا يقسم؛ لأننا نعلم أن الناس كلهم من آدم ونوح، وكلهم يرجعون إلى أب واحد، ولو قتل من لا يعرف نسبه، لم يقسم عنه سائر الناس، فإن لم يوجد من نسبه خمسون، ردت الأيمان عليهم، وقسمت بينهم، فإن انكسرت عليهم جبر كسرها عليهم حتى تبلغ خمسين (١). جاء في حاشية المقنع: قوله: "وعنه يحلف من العصبة. . . إلخ" هذا قول لمالك، ونصره جماعة من الأصحاب منهم الشريف وأبو الخطاب والشيرازي وابن البناء (٢). من يحلف من المدعى عليهم، إذا لم يحلف المدعون حلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا، هذا في المذاهب الثلاثة، ويوافقهم المذهب الحنفي في أنه يحلف خمسون رجلا خمسين يمينا، وهذا إذا أمكن عند الجميع، وإذا لم يمكن فسيأتي بيانه في رد الأيمان، وقد بسط الكاساني ﵀ الكلام على تحليف المدعى عليهم مع بيان خلاف أئمة المذهب الحنفي وفي مقدمتهم أبو حنيفة ﵀ فذكرنا كلامه مفصلا. قال الكاساني: وأما بيان سبب وجوب القسامة والدية فنقول: سبب وجوبهما هو التقصير في النصرة وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل ممن وجب عليه النصرة والحفظ؛ لأنه إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ صار مقصرا بترك الحفظ الواجب فيؤاخذ بالتقصير زجرا عن ذلك وحملا على تحصيل الواجب، وكل من كان أخص بالنصرة والحفظ كان أولى بتحمل القسامة والدية. لأنه أولى بالحفظ فكان التقصير منه أبلغ. ولأنه إذا اختص بالموضع ملكا أو يدا بالتصرف كانت منفعته له، فكانت النصرة عليه؛ إذ الخراج بالضمان على لسان رسول الله ﷺ . وقال ﵎: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣). ولأن القتيل إذا وجد في موضع اختص به واحد أو جماعة إما بالملك أو باليد، وهو التصرف فيه، فيتهمون

стр. 1892

أنهم قتلوه، فالشرع ألزمهم القسامة دفعا للتهمة، والدية لوجود القتيل بين أظهرهم، وإلى هذا المعنى أشار سيدنا عمر -رضي الله تعالى عنه- حينما قيل: أنبذل أموالنا وأيماننا؟ فقال: أما أيمانكم فلحقن دمائكم، وأما أموالكم فلوجود القتيل بين أظهركم، وإذا عرف هذا فنقول: القتيل إذا وجد في المحلة فالقسامة والدية على أهل المحلة للأحاديث وإجماع الصحابة ﵃ على ما ذكرنا. ولأن حفظ المحلة عليهم، ونفع ولاية التصرف في المحلة عائد إليهم، وهم المتهمون في قتله؛ فكانت القسامة والدية عليهم. وكذا إذا وجد في مسجد المحلة أو في طريق المحلة؛ لما قلنا فيحلف منهم خمسون، فإن لم يكمل العدد خمسين رجلا تكرر الأيمان عليهم حتى تكمل خمسين يمينا. لما روي عن سيدنا عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه حلف رجال القسامة فكانوا تسعة وأربعين رجلا، فأخذ منهم واحدا، وكرر عليه اليمين حتى كملت خمسين يمينا. وكان ذلك بمحضر الصحابة ﵃ ولم ينقل أنه خالفه أحد؛ فيكون إجماعا. ولأن هذه الأيمان حق ولي القتيل، فله أن يستوفيها ممن يمكن استيفاؤها منه، فإن أمكن الاستيفاء من عدد الرجال الخمسين استوفى، وإن لم يمكن يستوفي عدد الأيمان التي هي حقه، وإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر اليمين على بعضهم ليس له ذلك، كذا ذكر محمد ﵀ لأن موضوع هذه الأيمان على عدد الخمسين في الأصل لا على واحد، وإنما التكرار على واحد لضرورة نقصان العدد، ولا ضرورة عند الكمال. وإن كان في المحلة قبائل شتى، فإن كان فيها أهل الخطة والمشترون فالقسامة والدية على أهل الخطة ما بقي منهم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة. وقال أبو يوسف ﵀: عليهم وعلى المشترين جميعا. وجه قوله: أن الوجوب على أهل الخطة باعتبار الملك، والملك ثابت للمشترين؛ ولهذا إذا لم يكن من أهل الخطة أحد كانت القسامة على المشترين. وجه قولهما: أن أهل الخطة أصول في الملك؛ لأن ابتداء الملك ثبت لهم، وإنما انتقل عنهم إلى المشترين، فكانوا أخص بنصرة المحلة وحفظها من المشترين، فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم، وكان المشتري بينهم كالأجنبي، فما بقي واحد منهم لا ينتقل إلى المشتري. وقيل: إن أبا حنيفة بنى الجواب على ما شاهد بالكوفة، وكان تدبير أمر المحلة فيها إلى أهل الخطة، وأبو يوسف رأى التدبير إلى الأشراف من أهل المحلة؛ كانوا من أهل الخطة أو لا، فبنى الجواب على ذلك، فعلى هذا لم يكن بينهما خلاف في الحقيقة؛ لأن كل واحد منهما عول على معنى الحفظ والنصرة.

стр. 1893

فإن فقد أهل الخطة. وكان في المحلة ملاك وسكان فالدية على الملاك لا على السكان عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: عليهم جميعا. له ما «روي أن رسول الله ﵊ أوجب القسامة على أهل خيبر، وكانوا سكانا، (١)» ولأن للساكن اختصاصا بالدار يدا، كما أن للمالك اختصاصا بها ملكا، ويد الخصوص تكفي لوجوب القسامة. وجه قولهما: أن المالك أخص بحفظ الموضع ونصرته من السكان؛ لأن اختصاصه اختصاص ملك، وأنه أقوى من اختصاص اليد. ألا يرى أن السكان يسكنون زمانا ثم ينتقلون. وأما إيجاب القسامة على يهود خيبر فممنوع؛ لأنهم كانوا سكانا، بل كانوا ملاكا، فإنه روي أنه ﵊ أقرهم على أملاكهم ووضع الجزية على رءوسهم، وما كان يؤخذ منهم كان يؤخذ على وجه الجزية لا على سبيل الأجرة. ولو وجد قتيل في سفينة فإن لم يكن معهم ركاب فالقسامة والدية على أرباب السفينة، وعلى من يمدها ممن يملكها أو لا يملكها، وإن كان معهم فيها ركاب فعليهم جميعا، وهذا في الظاهر يؤيد قول أبي يوسف في إيجابه القسامة والدية على الملاك والسكان جميعا. وأبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- يفرقان بين السفينة والمحلة؛ لأن السفينة تنقل وتحول من مكان إلى مكان فتعتبر فيها اليد دون الملك كالدابة إذا وجد عليها قتيل، بخلاف الدار فإنها لا تحتمل النقل والتحويل، فيعتبر فيها الملك والتحويل ما أمكن لا اليد. وكذا العجلة حكمها حكم السفينة؛ لأنها تنقل وتحول، ولو وجد القتيل معه رجل يحمله على ظهره فعليه القسامة والدية؛ لأن القتيل في يده. ولو وجد جريح معه به رمق يحمله حتى أتى به أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لا يضمن عند أبي يوسف. وقال أبو يوسف: وفي قياس قول أبي حنيفة ﵁ يضمن. وجه القياس: أن الحامل قد ثبتت يده عليه مجروحا فإذا مات من الجرح فكأنه مات في يده، وهذا تفريع على من جرح في قبيلة فتحامل إلى قبيلة أخرى فمات فيهم، وقد ذكرناه فيما تقدم. وكذلك إذا كان على دابة، ولها سائق أو قائد أو عليها راكب فعليه القسامة والدية؛ لأنه في يده، وإن اجتمع السائق والقائد والراكب فعليهم جميعا؛ لأن القتيل في أيديهم، فصار كأنه وجد في دارهم. وإن وجد على دابة لا سائق لها ولا قائد ولا راكب عليها، فإن كان ذلك الموضع ملكا لأحد فالقسامة والدية على المالك، وإن كان لا مالك له فعلى أقرب المواضع إليه من حيث يسمع الصوت من الأمصار والقرى، وإن كان بحيث لا يسمع فهو هدر لما قلنا فيما تقدم. فإن وجدت الدابة في محلة فعلى أهل تلك المحلة. وكذلك إذا وجد في فلاة من الأرض أنه ينظر إن كان ذلك المكان الذي وجد فيه ملكا لإنسان فالقسامة

стр. 1894

والدية عليه، وإن لم يكن له مالك فعلى أقرب المواضع إليه من الأمصار والقرى، إذا كانت بحيث يبلغ الصوت منها إليه، فإن كان بحيث لا يبلغ فهو هدر لما قلنا، وذكر في الأصل في قتيل وجد بين قريتين أنه يضاف إلى أقربهما. لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ «أمر بأن يوزع بين قريتين في قتيل وجد بينهما (١)». وكذا روي عن سيدنا عمر ﵁ في قتيل وجد بين وادعة وأرحب، وكتب إليه عامله بذلك، فكتب إليه سيدنا عمر ﵁ أن قس بين القريتين فأيهما كان أقرب فألزمهم، فوجد القتيل إلى وادعة أقرب فألزموا القسامة والدية، وذلك كله محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ الصوت إلى الموضع الذي وجد فيه القتيل، كذا ذكر محمد في الأصل، حكاه الكرخي ﵀ والفقه ما ذكرنا فيما تقدم. وكذا إذا وجد بين سكتين فالقسامة والدية على أقربهما، فإن وجد في المعسكر في فلاة من الأرض، فإن كانت الأرض التي وجد فيها لها أرباب فالقسامة والدية على أرباب الأرض؛ لأنهم أخص بنصرة الموضع وحفظه، فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم، وهذا على أصلهما؛ لأن المعسكر كالسكان، والقسامة على الملاك لا على السكان على أصلهما، فأما على أصل أبي يوسف ﵀ فالقسامة والدية عليهم جميعا، وإن يكن في ملك أحد بأن وجد في خباء أو فسطاط فعلى من يسكن الخباء والفسطاط، وعلى عواقلهم القسامة والدية. لأن صاحب الخيمة خص بموضع الخيمة من أهل العسكر بمنزلة صاحب الدار مع أهل المحلة، ثم القسامة على صاحب الدار إذا وجد فيها قتيل لا على أهل المحلة، كذا هاهنا. وإن وجد خارجا من الفسطاط والخباء فعلى أقرب الأخبية والفساطيط منهم القسامة والدية، كذا ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن الأقرب أولى بإيجاب القسامة والدية؛ لما ذكرنا. وعن أبي حنيفة ﵁ إذا وجد بين الخيام فالقسامة والدية على جماعتهم، كالقتيل يوجد في المحلة جعل الخيام المحمولة كالمحلة على هذه الرواية، هذا إذا لم يكن العسكر لقوا عدوا، فإن كانوا قد لقوا عدوا فقاتلوا فلا قسامة، ولا دية في قتيل يوجد بين أظهرهم. لأنهم إذا لقوا عدوا وقاتلوا فالظاهر أن العدو قتله لا المسلمون؛ إذ المسلمون لا يقتل بعضهم بعضا. ولو وجد قتيل في أرض رجل إلى جانب قرية ليس صاحب الأرض من أهل القرية فالقسامة والدية على صاحب الأرض لا على أهل القرية؛ لأن صاحب الأرض أخص بنصرة أرضه وحفظها من أهل القرية، فكان أولى بإيجاب القسامة والدية عليه، كصاحب الدار مع أهل المحلة. . . . . ولو وجد قتيل في دار إنسان، وصاحب الدار من أهل القسامة فالقسامة والدية على صاحب الدار، وعلى عاقلته، كذا ذكر في الأصل، ولم يفصل بين ما إذا كانت العاقلة حضورا أو غيبا، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب -رحمهما الله- أن القسامة على رب الدار وعلى عاقلته حضورا كانوا أو غيبا.

стр. 1895

وقال أبو يوسف ﵀: لا قسامة على العاقلة، هكذا ذكر فيه. وقال الكرخي ﵀: إن كانت العاقلة حضورا في المصر دخلوا في القسامة، وإن كانت غائبة فالقسامة على صاحب الدار تكرر عليه الأيمان، والدية عليه وعلى عاقلته. أما دخول العاقلة في القسامة، إذا كانوا حضورا فهو قولهما، وظاهر قول أبي يوسف: لا قسامة على العاقلة يقتضي أن لا يدخلوا في القسامة. وجه قول زفر ﵀: أنه لما لزمتهم الدية لزمتهم القسامة، كأهل المحلة، ولأبي يوسف أن صاحب الدار أخص بالنصرة وبالولاية والتهمة فلا تشاركه العاقلة كما لا يشارك أهل المحلة غيرهم. ووجه قولهما: أن العاقلة إذا كانوا حضورا يلزمهم حفظ الدار ونصرتها كما يلزم صاحب الدار. وكذا يتهمون بالقتل كما يتهم صاحب الدار، فقد شاركوا في سبب وجوب القسامة، فيشاركونه في القسامة أيضا، وبهذا يقع الفرق بين حال الحضور والغيبة على ما ذكره الكرخي ﵀. لأن معنى التهمة ظاهر الانتفاء من الغيب. وكذا معنى النصرة؛ لأنه لا يلحق ذلك الموضع نصرة من جهتهم إلا أنه تجب عليهم الدية؛ لأن وجوب الدية على العاقلة لا يتعلق بالتهمة؛ فإنهم يتحملون عن القاتل المعين، إذا كان صبيا أو مجنونا أو خاطئا، وسواء كانت الدار فيها ساكن أو كانت مفرغة مغلقة فوجد فيها قتيل فعلى رب الدار وعلى عاقلته القسامة والدية. أما على أصل أبي حنيفة ومحمد ﵄ فظاهر؛ لأنهما يعتبران الملك دون السكنى؛ فكان وجود السكنى فيها والعدم بمنزلة واحدة. وأما أبو يوسف ﵀ فإنما يوجب على الساكن لاختصاصه بالدار يدا، ولم يوجد ها هنا، وسواء كان الملك الذي وجد فيه القتيل خاصا أو مشتركا فالقسامة والدية على أرباب الملك؛ لما قلنا، وسواء اتفق قدر أنصباء الشركاء أو اختلف فالقسامة والدية بينهم بالسوية، حتى لو كانت الدار بين رجلين لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث فالقسامة عليهما وعلى عاقلتهما نصفان، ويعتبر في ذلك عدد الرءوس لا قدر الأنصباء كما في الشفعة؛ لأن حفظ الدار واجب على كل واحد منهما، والحفظ لا يختلف؛ ولهذا تساويا في استحقاق الشفعة؛ لأن الاستحقاق لدفع ضرر الدخيل، وإنه لا يختلف باختلاف قدر الملك، وذكر في الجامع الصغير فيمن باع دارا وجد فيها قتيل قبل أن يقبضها المشتري: أن القسامة والدية على البائع، إذا لم يكن في البيع خيار، فإن كان فيه خيار فعلى من الدار في يده في قول أبي حنيفة. وعند أبي يوسف ومحمد: الدية على مالك الدار إن لم يكن في البيع خيار، فإن كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له. وعند زفر ﵀ الدية على المشتري إلا أن يكون للبائع خيار، فتكون الدية عليه. وجه قول زفر: أن الملك للمشتري إذا لم يكن فيه خيار. وكذا إذا كان الخيار للمشتري؛ لأن خيار المشتري
следующие страницы →