← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعقيدتهم، فلن ينصاعوا إلى أي شعارات أو كلمات رنانة " (١). * * * وكما يشير سماحة الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ في خطابه العميق إلى علماء المسلمين ومفكريهم فيقول إن. " للجهاد مراتب. . فتارة يكون بالسيف والسنان وتارة باللسان والبيان. والجهاد عن طريق الكتابة والإقناع والدعوة له تأثير كبير وخاصة في زمننا الذي بدأ كثير من الناس فيه يبعدون عن العاطفة ويبحثون عن الحقيقة ويتلمسون ما يقنع عقولهم ". . ثم يتحدث عما يحتاجه العلاج فيقول إنه " يتطلب حشد جميع الطاقات العلمية الصالحة. .! " " فبحشد الطاقات العلمية التي أشرنا إليها يتبين " للمعاندين " و " المغرضين " صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان " ولهذا يقول سماحة الشيخ محمد بن عودة الأمين العام لهيئة كبار العلماء في كلمته الدقيقة وهو يجيب على ذلك التساؤل الملح: " هل الأمة الإسلامية تحتاج اليوم إلى مزيد من الكلام المقروء والمسموع عبر وسائل الأعلام؟ فيجيب: " الحق ان الداعية اليوم - هو كأي مؤمن ضالته الحكمة أينما وجدها فهو أحق بها - بحاجة إلى النوعين من الاتصال المباشر لأنهما اليوم جانبان متكاملان يدعم كل منهما الآخر. إذا استعمال هذا السلاح - أعني أجهزة الاعلام - مهم في معركتنا وأهم من ذلك أن نستعمل هذا السلاح بكل مقدرة وحنكة وذكاء. " ويقول في موقع آخر " ليس من الحكمة في شيء أن يهملها الداعي ويترك للأعداء فرصة الانفراد بالاستفادة بها ". * * * وينطلق الدعاة .. حاملين مشكاة النبوة لا تأخذهم في الله لومة لائم .. كما يقول فضيلة رئيس التحرير الشيخ عثمان الصالح ومن "المملكة العربية السعودية" ومن أقداسها ينطلق كل مصلح ويجاهد كل مناد للسلام والإسلام وما زالت

стр. 37

ولن تزال هذه الدولة بقيادتها الرائدة وآمالها الصائبة ونظراتها لسانا وسيفا. . " كما اتخذ الدعاة " من هذه الأسرة الكريمة - الأسرة السعودية - سيوفا تحمي هذه الغاية وعرينا يتحصنون فيه لحراسة الحق ونصره. . ". وهكذا كان الأمر حينما فكرنا إصدار " مجلتكم البحوث الإسلامية " في عصر تتصارع فيه أجهزة الإعلام على عقل الإنسان وروحه. وهكذا اقتضى أمر النزول إلى حلبة الصراع دفاعا عن الإسلام وكلمة الله إلى خلقه. . حتى تكون هي العليا وهكذا كان ميلاد " الخطة " أو قل " فكرة الخطة " لهذه المجلة. نرجو أن تتكامل ملامحها خلال الأعداد المقبلة من خلال جهد نبذله فنخلص في بذله ما وسعنا الجهد. " وشورى " نسعى إليها ونتلمس حكمتها أنى وجدناها. . " وتخصص " نطالب أصحابه بالكتابة إلينا ونحن ندرك ما يحتاجه التخصص من بحث متفان يتطلب جهدا ومراجعة وإخلاصا ومشغلة. . تلك أمور لا نغفلها ولا نبخل عليها ولا تخرج عن دائرة اهتماماتنا المتصلة. ثم نحن نأتي بالأبحاث فنعرضها ثم نخرجها في ثوب يليق بالعصر الذي نعيشه. .

стр. 38

مجلة البحوث الإسلامية وفي البحث الأول من العدد الأول من مجلتكم تعرضنا " للدين والتدين " وهو أمر غرسه الله في فطرة الإنسان منذ وجد آدمي على أرضنا. . وهي باقية فينا ما شاء الله لنا أن تبقى على هذه الأرض. . ثم هي في " أنسالنا " حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (١) هذه بداية منطقية. . بدأنا بها. فما من جماعة بشرية على مدى التاريخ الطويل. . وعلى خلاف بينها كان في بداوة أم حضارة وتخلف أو ارتقاء إلا عرفت الدين. فهناك من عبد " الشمس ". . . . . . . . . . . . . . . وذاك من عبد " القمر ". . . . . . . . . . . . . . . ووجد من عبد " النار " بل عرفت البشرية من عبد " الشجر " و " البقر ". . و " الثور ". .!!

стр. 39

وقبل هذا. . وبعده. .! عبد الناس الناس حتى لقد قالها فرعون يوما: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (١) وقال لوزيره هامان: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (٢)؟ " ثم علمت العقول من بعد أن هذه كلها " مخلوقات ". لا تملك لهم " ضرا " ولا " نفعا " ولا " موتا " ولا " حياة " ولا نشورا. ومع ذلك فإن العقول التي وصلت بفطرتها إلى الله، لا تستطيع أن تستقل استقلالا تاما بمعرفة الله لهذا اقتضت حكمته تعالى أن يرسل للناس رسلا مبشرين ومنذرين. فكان هؤلاء بالنسبة لأممهم بمنزلة العقول من الأشخاص. ولكن على أي صورة بدأت العقيدة الدينية؟ وهل بدأت الديانات السماوية واستمرت تنزل ديانة إثر ديانة على نمط واحد ثم انتهت وهي على هذا النمط دون تغير ولا تطور؟ أم أنها بدأت على نمط خاص ثم تطورت إلى أنماط مختلفة، ثم انتهت بنمط آخر هو نسيج وحده؟ ثم. . . لماذا اتحدت الشرائع السماوية في أصولها واختلف في فروعها؟ ثم. . . لم كانت رسالة محمد ﷺ للناس كافة، بل وللإنس والجن جميعا؟ وما موقف البشر من الديانات ومدى تمسكهم بها؟ وهنا يقدم لنا فضيلة الشيخ محمد حسين الذهبي إجاباته باسترسال منطقي مركز وأسلوب علمي يتماشى مع إيقاع العقل خطوة بخطوة. . في بحثه عن الدين والتدين. * * * وإذا تأملنا ما أصاب حياتنا البشرية سواء في تاريخها المتناهي قدما أم في تاريخها الحديث من شرور عظمى في اجتماعها أو اقتصادها أو طريقة حكمها أم في حروبها الضارية الفتاكة. إذا تأملنا كل ذلك فأحسنا تأمله فلا بد أنا رادوه لعدم تطبيق شريعة الله في خلق الله فالله أدرى بخلقه وما يصلح لهم. وما من مصيبة تحيق بالناس إلا وهم قد وضعوا بذرتها فأنزلت عليهم حجارة من سجيل وما جرى في حياة الناس من شر ثم استوى فاستغلظ إلا لأنهم ابتعدوا عن تحكيم شريعته. تلك عمومية لا بد من استقرارها وإقرارها في الأنفس. . ثم تأتي من بعد كل التفاصيل على مهل. ولذلك يؤكد فضيلة الشيخ مناع القطان في بحثه القيم " وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية " ما حدده الإسلام

стр. 40

من أن غاية الإنسان في الحياة تتضح من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم. . كالحياة. . . . . . والسمع. . . . . . والبصر. . . . . . وكما يعرف الإمام الجليل ابن تيمية العبادة فيقول " العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ". إنها الإذعان لله. بينما يعني الخضوع لأي سلطة أخرى خضوعا للطاغوت. وبهذا يكون " الحكم " بغير ما أنزل الله طاغوتا. . ويكون " الحاكم " الذي يحكم بغير ما أنزل الله طاغوتا. . ويكون الخضوع لهذا الحاكم أو لذلك الحكم " عبادة للطاغوت. . * * * ولا يغرب عن البال أن فهم أمور ديننا يرتبط ارتباطا وثيقا بحسن فهم اللغة العربية فقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم بلسان عربي مبين. . وكان الحديث النبوي بأفصح بيان عربي. من هنا تفهم خطورة المحافظة على اللغة العربية. . ومن هنا أيضا تفهم كل المحاولات التي تبذل من أنصار " العامية " للقفز على سور اللغة الإستراتيجي يريدونها خطوة. .! يعقبها خطوات لهدم هذا الدين وتفريق اللسان العربي الواحد ألسنة شتى. وحاشا لله أن يصلوا لأغراضهم ولهذا فإن النشاط المعادي للإسلام عمد إلى الترويج للهجات العامية لتصبح لغة التأليف والكتابة وخاصة في وسائل المخاطبة الحديثة التي توجه للملايين من جماهير المسلمين. في الصحافة والإذاعة والتليفيزيون وهذا النشاط المعادي إنما " يعمل لهدم اللغة العربية بحسبانها لسان الدين الإسلامي " كما يقول الأستاذ الفاضل أحمد محمد جمال كما أن هؤلاء الأعداء كانوا يفهمون " حقيقة التلازم القوي بين انتشار الإسلام بالعربية وانتشار العربية بالإسلام ". ولقد عدد الكاتب في بحثه خمسة عشر محاولة بين مستشرق ومن سماهم بحق من " العرب المستغربة " للقضاء على " لغة القرآن " و " لغة السنة النبوية ". * * *

стр. 41

ومن نفس المنطق اللغوي نقرأ بحث الأستاذ الدكتور مصطفى الزرقا في التفرقة بين أسلوب القرآن الكريم وأسلوب الحديث النبوي. وهو يتحدث عن هذا التمايز فيقول: إنه إذا كان من المسلم به لدى أهل البصر الأدبي أنه يتعذر على الشخص الواحد أن يكون له أسلوبان في بيانه يختلفان اختلافا كبيرا فإن ذلك يرد على زعم بعض الأجانب الذين يدعون أن القرآن هو مجموعة من تأليف النبي ﵊. * * * ولقد أنزل الله هذا الكتاب الكريم على قلب نبيه. . فهل أنزله ليكون كتابا للجدل والمناقشة؟ أم جاء ليكون هدى للناس كافة. . يعيشون به نماذج تمشي على الأرض تسكب في جنباتها العدالة والبر والتقوى. لقد جاء القرآن ليتمثل الناس آياته أخلاقا عملية وفي الحديث عن السيدة عائشة أنها سئلت عن خلق النبي ﷺ فقالت «كان خلقه القرآن (١)». رواه مسلم. كما في تفسير القرطبي للآية الكريمة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) وإذن فالقضية قضية أتباع واتباع. . أناس يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وبلغة العصر يعيشون في المعامل والجامعات وفي المزارع والمصانع. . ويسلكون في شئون العلوم والإدارة وفي السلم والحرب وفي المالية والاقتصاد بأخلاق القرآن وتعاليم القرآن. من هنا تأتي أهمية التراجم: وكعب بن مالك هذا الذي نقدمه أو قل الذي يقدمه لنا الدكتور محمد محمد خليفة قد أسلم في عهد رسول الله ﷺ . وافتدى الإسلام بسيفه قبل قلمه. . فمنذ التقى بالرسول ﷺ وعرفه به العباس قائلا: هذا كعب بن مالك!! فقال الرسول ﷺ : الشاعر!؟ منذ ذلك التاريخ وكعب مع حركة المد الإسلامي حتى وفاته. . ولكن شاعرنا هذا بطل السيف والقلم لما جرت به الحياة كما تجري بالناس وقعت الدنيا في قلبه. .! وكان أن تخلف عن غزوة تبوك. . وهو إذا تخلف كان بارزا. . بارزا في صدقه. . يقول: - ما تخلفت عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ غير أني كنت قد تخلفت في غزوة بدر، وكانت غزوة لم يعاتب رسول الله ﷺ أحدا تخلف عنها، وتخلفت في تبوك و " كنت قويا ميسورا! "

стр. 42

فانظر - وإنا لنتأمل معك - كيف يكون النموذج الصادق مع نفسه ومجتمعه. إنه لا يتسربل برداء الإسلام ثم يزيد من إحكام مظاهره حول نفسه كلما بعد عن تطبيقه في نفسه وسلوكه. .!؟ ولقد استمعت إلى حواره مع رسول الله ﷺ فكأني أشهد مجلسهما بعد عودته ﷺ من غزوة تبوك يقول: يا رسول الله. . لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بضرر ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب لترضين عني وليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو عقباي من الله ". وإننا لنتلفت من حولنا، ونتأمل ما يجري في عالمنا فنزداد يقينا - نعتقد أنكم تشاركوننا فيه - بأن المجتمع العالمي لا يمكن أن تصلح حاله إلا بمثل هذه التربية تغوص وتستقر في أعماق الضمائر. * * * ثم تنتقل بنا الرؤيا إلى درة من الدرر التي صاغها الإسلام في عقده الفريد. " مسلمة بن عبد الملك ". جندي. . قائد جيش. . تربى وروى الحديث عن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين. . فإذا اقترن اسمه باسمه عمر. . فكيف تظنون سيرته بعد ذلك؟ ظل أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي الدمشقي يحمل سلاحه أكثر من خمسين عاما يصون به حرمات المسلمين. وكان كما يقول الدكتور أحمد الشرباصي نقلا عن ابن كثير " كان في زمانه نظير خالد بن الوليد في أيامه، وحينما أوصى عبد الملك بن مروان أولاده وفيهم مسلمة قال عنه " يا بني أخوكم مسلمة، نابكم الذي تفترون عنه، ومجنكم الذي تستجنون به، أصدروا عن رأيه ". وقبل أن نعد المعارك التي دخلها وهي كثيرة لا بد لنا أن نتأمل حقيقة الصلة التي ربطت بينه وبين الخليفة الراشد فقد كانت السبب الجوهري في تكوينه على هذا المنوال. حتى آخر لقاء بينه وبين عمر ﵁ على فراش موته. * * * وتمر الأيام. . يداولها الله بين الناس فيتلقى منهم من شاء له الله الهداية من مرورها وتداولها ما شاء من الحكمة. . ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)! وكان من فضله علينا ألا يعامل هذه الأمة

стр. 43

كما عامل اليهود حين قست قلوبهم. . إذ حملوا التوراة ثم لم يحملوها. .؟ فيرسل الله من يذكر هذه الأمة بدينها. . ففي بلدة العينية ومن بيت علم محافظ ولد الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب عام ١١١٥ هـ ١٧٠٣ ميلادية حتى إذا شب نهل المعرفة وطلب العلم في الحجاز والعراق. ويشب فيلقى ما يلقى من عنت واضطهاد وهو يصلح ما أفسده تقادم العهد على شريعة السماء. ويضيق عليه وتصادر حريته حتى ينزح بعد سلسلة الاضطهادات إلى بلدة الدرعية عاصمة ملك آل سعود (شمال الرياض) ويتعاقد مع أميرها محمد بن سعود على نشر تعاليمه التي هي في الواقع تعاليم الإسلام الصحيح وكانت النتيجة المنطقية لهذا التحالف بين السيف والكتاب أن اتسع نطاق الإصلاح تحت ظلال العلم الأخضر الذي يحمل شعار الإسلام وكلمته. وإذ يتوفى المصلح سنة ١٢٠٦ هـ - ١٧٨٧ م تستمر الدعوة على يد ذريته من بعده بأفضل شريعة جاءت من السماء. ويشاء الله سبحانه إذ يتوفى رأس الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود أن يظل سيف الله مسلولا بيد أبنائه من بعده يناصرون به الحركة الإصلاحية الدينية. ويعاضدون خلفاء المصلح حتى الوقت الحاضر. رافعين رايات الإسلام في زمن يتطلع فيه أكثر من سبعمائة مليون مسلم إلى مكانتهم في عالم تجتاحه الردة والإلحاد والأنشطة المعادية للإسلام. * * * وقبل أن تقوم المجلة بعرض مجموعة الفتاوي القيمة الصادرة عن هيئة كبار العلماء في ثلاثة أقسام رئيسية. * في العبادات. * في الاقتصاد. * في الفنون والآداب. فإننا نعرض للبحث القيم الذي قام به وأعده الأستاذ عبد العزيز الربيعة المدرس بكلية اللغة العربية حول المفتي في الشريعة الإسلامية. " ذلك المنصب العظيم، الذي يتصدى صاحبه لتوضيح ما يغمض على العامة من أمور دينهم، ويرشدهم إلى المناهج المستقيمة، التي في سلوكهم لها فلاحهم ونجاحهم، ولهذا سموا أولي الأمر، وأمر الناس بطاعتهم. . . ولكي يتبعهم الناس فإنه ينبغي أن يتحلوا بحسن السيرة والورع والعفة عن كل ما يخدش الكرامة وأن يكون المفتي كما يقول الإمام القرافي (﵀). . . " قليل الطمع. . كثير الورع. . فما أفلح مستكثر من الدنيا، ومعظم أهلها وحطامها ".

стр. 44

بل إنه ينبغي له أن يتجاوز صفاء الجوهر إلى حسن المظهر وجمال الزي الذي يتناسب مع الوضع الشرعي إذ الخلق مجبولة على تعظيم الصورة الظاهرة. .! ورحم الله عمر بن الخطاب إذ يقول: " أحب إلي أن أنظر القارئ أبيض الثياب. . أي ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق. . أما من ناحية التطبيق فمن البديهي أن يبدأ المفتي بنفسه في كل خير يفتي به فذلك أدعى لقبول أقواله لدى سامعيه. وليس أدل على أهمية موضوع المفتي من قول الأستاذ عبد العزيز الربيعة: " كان الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية في أفرادها، ومن يتصدر للفتيا في دين الله، سبب قوي جعلني أفكر في موضوع هذا البحث. . . كما كان لبعض جوانبه أثر في نفس أقوى من الجوانب الأخرى، تلك هي ما يتصل بالأسس الأصيلة التي ينبغي عليها تكوين المفتي، والمطالب الهامة التي ينبغي أن يتصف بها ويترسمها في حياته العامة. . " * * * وبهذا يكون قد آن الأوان لنقدم لك مجموعة الفتاوي الهامة التي تقدمها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية وهي ثلاثة رتبناها على النحو التالي. البحث الأول في العبادات: عن حكم السعي فوق سقف المسعى. والبحث الثاني في الاقتصاد: عن حكم الأوراق النقدية. والبحث الثالث في الفنون والآداب: ويتناول حكم تمثيل الصحابة في فيلم أو مسرحية. * * * والسعي فوق سقف المسعى يأخذ حكمه من الآتي: إذا كان حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص فيمكن أن يقال تبعا لذلك أن السعي فوق الطابق الذي جعل سقفا لأرض المسعى له حكم السعي على أرض المسعى. ويستفاد من رواية أم سلمة حين اشتكت لرسول الله ﷺ فقال لها: «طوفي وأنت راكبة (١)» وغير ذلك من الأدلة التي ساقها البحث. فإنه إذا جاز للحاج أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكبا لعذر باتفاق. بل إذا جاز لغير المعذور أن يسعى راكبا وإن كان المشي له أفضل وفيها خلاف إن كان يجزئه وعليه شيء أو لا شيء عليه فمن باب أولى القول بجواز السعي فوق سقف المسعى. . وهكذا يستطرد البحث في سرد الأدلة على جواز السعي على هذه الصورة.

стр. 45

وأما البحث الثاني فيتناول ما قيل من أقوال فقهية في حقيقة الأوراق النقدية من حيث اعتبارها أسنادا أو عروضا أو فلوسا أو بدلا عن ذهب أو فضة أو نقدا مستقلا وما يترتب على ذلك من أحكام شرعية. كما استمعت هيئة كبار العلماء إلى آراء بعض المتخصصين في النقد والعلوم الاقتصادية. وقد انتهت الهيئة بأكثريتها من ذلك إلى القول بأن الورق النقدي يعتبر نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان. ويترتب على ذلك أحكام هامة انتهى إليها البحث وعلى سبيل المثال فإننا نذكر منها: - ١ - جريان الربا بنوعيه فيها كما يجري في الذهب والفضة وما يترتب على ذلك من أحكام. ٢ - وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة وكانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها. * * * إذ ننتهي من ذلك البحث القيم فإننا ننتقل لبحث كثر فيه الجدل وتناولته أجهزة الإعلام وتداوله الناس في مجالسهم. . عن حكم تمثيل الصحابة في شكل رواية أو مسرحية أو فيلم سينمائي. فيتعرض البحث لمكانة أصحاب رسول الله ﷺ . ويتحدث عن مشاهدة التمثيل. وحال محترفي التمثيل. وأغراض التمثيل والمؤلفات التاريخية كما يتعرض لفتاوي الشيخ رشيد رضا ﵀. وقرار رابطة العالم الإسلامي. وحكم اشتغال المرأة المسلمة بالتمثيل ثم تطرق إلى السؤال: هل يمكن تمثيل الأنبياء؟ كما ورد في البحث فتوى لجنة الفتوى بالأزهر الشريف عن حكم تمثيل الشخصيات الإسلامية. وتبتدي أهمية البحث لما له من اتصال يومي عملي بمصالح ملايين المسلمين في مواجهة " الغزو الإعلامي المنظم للنفسية الإسلامية ". . الأمر الذي دعا أحد الديبلوماسيين المصريين وكان قد شاهد بعض الأفلام المصرية في أندونيسيا إلى القول لقد " كان لتفاهتها أسوأ الأثر في نفوس الذين شاهدوها لدرجة اضطرت معها سفارتنا هناك إلى التدخل والنصح باتباع سياسة معينة في هذا الشأن ". ويقول الأستاذ محمد علي ناصف (١) " إن بعض الأفلام الدينية التي رخصنا بصنعها ولا تزال تعرض حتى الآن لا يرغب أعداء المسلمين في أكثر من الحصول على حق توزيعها. . فقد نلنا من شخصية خالد بن الوليد في هذا الفيلم ما عجز عن نيله الروم والفرس. . .!! ". بل لقد بلغ الأمر أن المخرج سيسيل دي ميل كان يبحث عن ممثل يسند إليه القيام بتسجيل " صوت الله " باللغة

стр. 46

العربية في الطبعة التي ستوزع من فيلم الوصايا العشر في البلاد الإسلامية. . .؟؟ * * * فإذا انتهينا من ذلك فإننا نقدم موضوعا للأستاذ عبد الفتاح الحلو عن تراجم الفقهاء. . يعقبه كتاب العدد عن الفقيه الإمام أبو داود. . فعن طريق معرفة حياة الفقيه الخاصة والعلمية وما لقيه في حياته من يسر أو عسر، وأساتذته الذين درس عليهم، ورحلاته. . . إلخ. عن طريق كل ذلك كما جاء في موضوع تراجم الفقهاء. . تتاح لنا الرؤية الصحيحة لعلم الفقيه، كما تكشف في نفس الوقت المصدر الأصلي لكل قول في المسائل الفقهية التي ندرسها، كما أن هذه الكتب تعرض فيما تعرض مثلا عليا عاش عليها الفقهاء، وسلوكا رائعا في مواجهة من يريدون طمس الحق، أو تزوير العدالة وفي تقديم مثل هذه التراجم - وهو ما حدث في كتاب العدد الذي قام به فضيلة الشيخ محمد الصباغ خير قيام ما ينشئ الأجيال على أسس راسخة قوية لا تستغني أمة تريد البقاء عنها. * * * ورغبة من المجلة في تسجيل أهم الأحداث العلمية في المملكة حتى يتسنى للعلماء المسلمين خارج المملكة أن يطلعوا عليها وأن يتصلوا بمصادرها الأصلية إن شاءوا دراسة كاملة لها. فقد حرصنا أن نقدم موجزا عن ثلاثة مؤتمرات: ١) المؤتمر العربي لشئون المخدرات وقد انعقد في الفترة من ٢٥ - ٣٠ شوال بالرياض. ٢) مؤتمر رسالة الجامعة من ٢ - ١١ - ١٣٩٤ إلى ٥ - ١١ - ١٣٩٤هـ. ٣) المؤتمر الاقتصادي العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي وينعقد في شهر ربيع الأول ١٣٩٥ بجامعة الملك عبد العزيز. ويكفي للدلالة على النهضة العلمية التي تضطرم بها جنبات المملكة في عهد جلالة الملك فيصل ﵀. إن مؤتمر المخدرات قد اشترك فيه ست وعشرون دولة وأربع عشرة منظمة عربية ودولية وثماني جامعات عربية ومركز للأبحاث عدا سبع جامعات من المملكة وحدها وقد استضافته المملكة رغم أنه " لا تزال ظاهرة استعمال

стр. 47

المخدرات لدينا محدودة بفضل ما تتمتع به المملكة من وضع اجتماعي مستقر ومن تطبيق للشريعة الإسلامية السمحة ". كما صرح بذلك صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز نائب وزير الداخلية في حفل افتتاح مؤتمر المخدرات. أما مؤتمر رسالة الجامعة فقد اشترك فيه ٢٤٩ عضوا من أساتذة الجامعات والباحثين وكبار الموظفين في مختلف وزارات الدولة وأجهزتها وبفضل الإخلاص والتنظيم العلمي فقد بحثت موضوعات على جانب كبير من الأهمية واستطاع المؤتمرون أن يخرجوا بمائة وست وثلاثين توصية سوف يكون لها أثرها العميق في تطوير رسالة الجامعة وفي تقدم المملكة العربية السعودية في ظل رائدها القائد الإسلامي المحنك جلالة الملك فيصل ﵀. أما المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي فيكفي للدلالة على أهميته أنه يعتبر المؤتمر الأول من نوعه في العالم. وأنه يقوم بعبء رسالة من أجل الرسالات وفي مقر الرسالة الأول ومبعثها في مكة المكرمة نسأل الله التوفيق. ونسأله أن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. التحرير

стр. 48

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (١)

стр. 49

محمد حسين الذهبي (١) الدين والتدين مفهوم الدين لفظ الدين يطلق في اللغة العربية على معان متعددة: فيطلق تارة ويراد منه الجزاء، ومنه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) أي يوم الجزاء، وهو يوم القيامة. ويطلق تارة ثانية ويراد منه الحكم والسلطان، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٣) أي في حكمه وسلطانه. ويطلق ثالثة ويراد منه العادة والشأن، ومنه قول الشاعر: تقول وقد ذرأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني؟

стр. 50

أي شأنه وشأني. ويطلق رابعة ويراد منه الطاعة والانقياد، يقال: دان له دينا وديانة: أي خضع، وذل، وأطاع. ويطلق خامسة ويراد منه ما يتدين به الإنسان، يقال: دان بكذا، أي اتخذه دينا وتعبد به (١). وكلامنا في هذا البحث عن الدين بالمعنى الأخير، وهو ما يتدين به الإنسان، ولا شك أنه بهذا المعنى يدخل في مفهومه المعنى الذي قبله مباشرة، وهو الخضوع والذل والطاعة؛ لأن من دان بدين يخضع لتعاليمه، وينقاد لها، ولا يحيد عنها، كما أنه ليس بعيدا عن سائر المعاني الأخرى؛ لأنها كلها تدور حول معنى واحد، هو الانقياد والخضوع لسلطان معين. أما الدين في نظر علماء الأديان، فقد عرفه بعضهم بأنه: " وضع إلهي سائق لذوي العقول - باختيارهم إياه - إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وهذا يشمل العقائد والأعمال " (٢). ومعنى هذا، أن لفظ الدين عند هؤلاء، لا يتناول إلا الأديان السماوية: كاليهودية والمسيحية والإسلام، أما غيرها من الأديان التي اصطلح عليها بعض الناس دون أن يكون لها صلة بالسماء، فليست دينا في نظرهم. ويرى فريق آخر من العلماء: أن الدين هو " عبارة عن الإيمان والعبادة مهما كانا، فإيمان الوثنيين دين. أو هو عبارة عن الإيمان بقوة أو قوات سائدة تحكم الأرض، وعن عبادة تلك القوة أو القوات، فيقال: دين حق، ودين باطل " (٣). ومعنى هذا: أن الدين عند هؤلاء يشمل الأديان السماوية وغيرها من الأديان التي هي من صنع البشر، ولا تمت إلى الله بسبب، وقد يشهد لهذا، أن الله سمى الديانات غير الحقة دينا فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (٤)، وقال: فيما أمر به نبيه محمدا ﷺ أن يقوله لكفار قريش: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾ (٥). والواقع أنه لا خلاف بين الفريقين: فالفريق الأول نظر نظرة خاصة، والفريق الثاني نظر نظرة عامة، ونحن في بحثنا عن الدين والتدين كظاهرة اجتماعية لا نقصد المعنى الخاص، لا موسعا بحيث يشمل الأديان السماوية كلها، ولا مضيقا بحيث يقتصر على الإسلام وحده، وإنما نقصد المعنى العام الذي يشمل الأديان كلها: سماويها وأرضيها.

стр. 51

مفهوم التدين أما التدين، فهو التمسك بعقيدة معينة، يلتزمها الإنسان في سلوكه، فلا يؤمن إلا بها، ولا يخضع إلا لها، ولا يأخذ إلا بتعاليمها، ولا يحيد عن سننها وهديها. ويتفاوت الناس في ذلك قوة وضعفا، حتى إذا ما بلغ الضعف غايته، عد ذلك خروجا عن الدين وتمردا عليه. الدين والتدين كظاهرة اجتماعية: وظاهرة الدين والتدين، وجدت في المجتمعات الإنسانية من أول وجود الإنسان، وبقيت إلى يومنا هذا، وستبقى بعد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وإذا أردنا أن نعرف كيف بدأت هذه الظاهرة؟ وكيف تطورت؟ وإلى أي وضع انتهت؟ فلست أجد خيرا - في هذا الباب - من كلمة أنقلها عن رسالة التوحيد، للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، لتنير أمامنا الطريق لمعرفة هذا كله، ولتكون ركيزة نعتمد عليها في تجلية هذا الموضوع وتوضيحه. قال ﵀ " كل إنسان - مهما علا فكره وقوي عقله، أو ضعفت فطنته وانحطت فطرته - يجد من نفسه أنه مغلوب لقوة أرفع من قوته وقوة من أنس منه الغلبة عليه مما حوله، وأنه محكوم بإرادة تصرفه وتصرف ما هو فيه من العوالم في وجوه قد لا تعرفها معرفة العارفين، ولا تتطرق إليها إرادة المختارين، تشعر كل نفس أنها مسوقة لمعرفة تلك القوة العظمى، فتطلبها من حسها تارة، ومن عقلها أخرى، ولا سبيل لها إلا الطريق التي حددت لنوعها، وهي طريق النظر، فذهب كل في طلبها وراء رائد الفكر: فمنهم من تأولها ببعض الحيوانات، لكثرة نفعها، أو شدة ضررها، ومنهم من تمثلت له في بعض الكواكب لظهور أثرها، ومنهم من حجبته الأشجار والأحجار لاعتبارات له فيها، ومنهم من تبدت له آثار قوى مختلفة في أنواع متفرقة تتماثل في أفراد كل نوع، وتتخالف بتخالف الأنواع، فجعل لكل نوع إلها ". " ولكن كلما رق الوجدان، ولطفت الأذهان، ونفذت البصائر، ارتفع الفكر وجلت النتائج، فوصل من بلغ به علمه المنازل من ذلك إلى معرفة هذه القدرة الباهرة، واهتدى إلى أنها قدرة واجب الوجود، غير أن من أسرار الجبروت ما غمض عليه فلم يسلم من الخبط فيه، ثم لم يكن له من الميزة الفائقة في قومه ما يحملهم على الاهتداء بهديه، فبقي الخلاف ذائعا، والرشد ضائعا ". " اتفق الناس في الإذعان لما فاق قدرهم، وعلا متناول استطاعتهم، لكنهم اختلفوا في فهم ما تلجئهم الفطرة إلى الإذعان له اختلافا كان أشد أثرا في التقاطع بينهم، وإثارة أعاصير الشقاق فيهم، مع اختلافهم في فهم النافع والضار لغلبة الشهوات عليهم ".

стр. 52

إن كان الإنسان قد فطر على أن يعيش في جملة، ولم يمنح من تلك الفطرة ما منحه النحل وبعض أفراد النمل - مثلا - من الإلهام الهادي إلى ما يلزم لذلك، وإنما ترك إلى فكره يتصرف به على نحو ما سبق، كما فطر على الشعور بقاهر تنساق نفسه بالرغم عنها إلى معرفته، ولم يفض عليه - مع ذلك الشعور - عرفانه بذات ذلك القاهر ولا صفاته، وإنما ألقي به في مطارح النظر تحمله الأفكار في مجاريها، وترمي به إلى حيث يدري ولا يدري، وفي كل ذلك الويل على جامعته، والخطر على وجوده ". " أفهل مني هذا النوع بالنقص، ورزئ بالقصور عن مثل ما بلغه أضعف الحيوانات وأحطها في منازل الوجود؟ نعم هو كذلك، لولا ما أتاه الصانع الحكيم من ناحية ضعفه ". " الإنسان عجيب في شأنه: يصعد بقوة عقله إلى أعلا مراتب الملكوت، ويطاول بفكره أرفع معالم الجبروت، ويسامي بقوته ما يعظم أن يسامي من قوى الكون الأعظم، ثم يصغر ويتضاءل إلى أدنى درك من الاستكانة والخضوع متى عرض له أمر ما لم يعرف سببه ولم يدرك منشأه، ذلك لسر عرفه المستبصرون، واستشعرته نفوس الناس أجمعين ". " من ذلك الضعف قيد إلى هداه، ومن تلك الضعة أخذ بيده إلى شرف سعادته. . فأقام (الله) (١) له من بين أفراده مرشدين هادين، وميزهم من بينها بخصائص في أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم، وأيد ذلك - زيادة في الإقناع - بآيات باهرات، تملك النفوس، وتأخذ الطريق على سوابق العقول، فيستخذي الطامح، ويذل الجامح، ويصطدم بها عقل العاقل، فيرجع إلى رشده، وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن غيه، يطرقون القلوب بقوارع من أمر الله، ويدهشون المدارك ببواهر من آياته، فيحيطون العقول بما لا مندوحة عن الأذهان له، ويستوي في الركون لما يجيئون به المالك والمملوك، والسلطان والصعلوك، والعاقل والجاهل، والمفضول والفاضل، فيكون الإذعان لهم أشبه بالاضطراري منه بالاختياري النظري، يعلمونهم ما شاء الله أن يصلح به معاشهم ومعادهم، وما أراد أن يعلموه من شؤون ذاته وكمال صفاته، وأولئك هم الأنبياء والمرسلون (٢). * * *

стр. 53

معنى هذا باختصار أولا: أن ظاهرة الدين والتدين ظاهرة عامة تشترك فيها كل الجماعات البشرية على مدى تاريخها الطويل،

стр. 54

وعلى اختلاف ما بينها من بداوة وحضارة، وتخلف وارتقاء. ثانيا: أن مبعث هذه الظاهرة، إحساس كل فرد في جماعة بأن هناك قدرة أو قدرا تتصرف فيه وفيما حوله تصرفا يلفت النظر ويبهر العقل، فيستشعر من نفسه ميلا قويا لمعرفة مصدر هذه القدرة التي لها عليه وعلى غيره هذا الأثر العجيب. ثالثا: أن العقول حينما تبحث عن الحقيقة دون أن يكون لها مدد من السماء، لا يمكن أن تتفق على شيء واحد تؤمن به وتخضع له، وإنما تتشعب بها السبل، فإذا هي مختلفة في ذلك اختلافا كبيرا: هناك عقول مشت على فطرتها فوصلت إلى معرفة الله، وهناك عقول مشت على غير فطرتها فنظرت نظرة ساذجة إلى ما حولها من مصادر القوة والتأثير فيها أو فيما يحيط بها، فإذا بجماعة تعبد الشمس وأخرى تعبد القمر، وثالثة تعبد النار، ورابعة تعبد الشجر، وخامسة تعبد البقر. . وغير هؤلاء كثيرون يعبدون آلهة شتى، وكلها مخلوقات لله، لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا. رابعا: أن هذه العقول التي وصلت بفطرتها إلى الحقيقة الحقة وهي الله، لا تستطيع - مهما سمت وارتقت - أن تستقل استقلالا تاما بمعرفة كل ما يتصل بالله، وما غيبه عنها من عالم الآخرة التي نوقن أنه نهاية المطاف بعد هذه الحياة الدنيا، كما أنها لا تستقل بمعرفة الخير والشر، وما يجب أن يلتزم به الإنسان في حياته الدنيا: من عبادات، ومعاملات، وأخلاق، حتى لا يضل ولا يشقى. خامسا: لما تقدم، اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعباده، أن يرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، يدعونهم إلى الدين الحق، وإلى الطريق المستقيم. هؤلاء الرسل بالنسبة لأممهم - كما يقول الأستاذ الإمام - بمنزلة العقول من الأشخاص (١)، وأزيد على هذا فأقول: إنها العقول الهادية التي لا تضل، والواعية التي لا تغفل، لأنها عقول أعدها الله وهيأها لتخليص البشرية من أباطيلها وأوهامها، وإنقاذها من شرورها وآثامها، وهدايتها إلى ما فيه خيرها وسعادتها. * * * ولكن على أية صورة بدأت العقيدة الدينية؟ هل بدأت ساذجة فكانت خرافة ووثنية؟ أو بدأت واعية مدركة للحقيقة الإلهية؟ لقد افترق الباحثون في تاريخ الأديان في ذلك إلى فريقين:

стр. 55

* فريق منهم " يذهب إلى أن الدين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، وأن الإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج نحو الكمال في علومه وصناعته. هذه النظرية نادى بها أنصار مذهب (التطور التقدمي أو التصاعدي) الذي ساد في أوربا في القرن التاسع عشر في أكثر من فرع من فروع العلوم، وحاول تطبيقه على تاريخ الأديان عدد من العلماء (١) ". * وفريق آخر " يقرر بالطرق العلمية بطلان هذا المذهب، ويثبت بالعكس أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر، مستدلا بأنها لم تنفك عنها أمة من الأمم في القديم والحديث، فتكون الوثنيات إن هي إلا أعراض طارئة، أو أمراض متطفلة بجانب هذه العقيدة العالمية الخالدة. وهذه هي نظرية (فطرية التوحيد وأصالته) التي انتصر لها جمهور من علماء الأجناس، وعلماء الإنسان، وعلم النفس (٢) ". ولا نريد أن نطيل بذكر مناقشة هذا المذهب أو ذاك، فقد تولى هذه المناقشة أستاذنا الفاضل المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (الدين) ص١٠٣ - ١٠٨ بأسلوب شيق ومنطق بارع. وكلمة الفصل في هذا الموضوع هي قوله في نهاية المطاف: " هكذا عجزت وسائل العلوم أن تقدم لنا بيانا شافيا يطمئن إليه القلب عن ديانة الإنسان الأول. أما من أحب أن يسترشد بنصوص الكتب السماوية، فإنه سوف يجد فيها ما يشد أزر القائلين بأولية العقيدة الإلهية الصحيحة، لا في الغريزة فحسب ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٣) بل في التطور الزماني كذلك، فهذه النصوص تنادي بأن الناس بدأوا حياتهم مستقيمين على الحق، مؤتلفين عليه، وأن الانحراف والاختلاف إنما جاء عرضا طارئا بعد ذلك ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ (٤)، وأن استمرار هذا الاختلاف واتساع شقته إنما كان بتأثير الوراثة، وتلقين كل جيل عقيدته للناشئين فيه «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (٥)» إلى ذلك كله فإن الكتب السماوية متفقة على أن الجماعة الإنسانية الأولى لم تترك وشأنها، تستلهم غرائزها وحدها بغير مرشد ومذكر، بل تعهدتها السماء بنور الوحي من أول يوم، فكان أبو البشر هو أول الأفذاذ الملهمين، وأول المؤمنين الموحدين، وأول المتضرعين الأوابين (٦). * * *

стр. 56

وإذا كانت النتيجة هي أن الديانات السماوية هي الأصل، وأن لها السبق في الوجود الديني، وأن ما اعتراها من شوب أو خلل وما زاحمها من ديانات وضعية باطلة، إنما هو محض شذوذ وانحراف صدر عن فئات ضالة مضلة. . إذا كانت النتيجة هي هذا، فلنا أن نتساءل: هل بدأت هذه الديانات السماوية واستمرت تتنزل ديانة إثر ديانة على نمط واحد، ثم انتهت وهي على هذا النمط دون تغير ولا تطور؟ أو أنها بدأت على نمط خاص، ثم تطورت إلى أنماط مختلفة، ثم انتهت بنمط آخر هو نسيج وحده؟ الواقع أن الأديان السماوية كلها جاءت متفقة ومختلفة: متفقة في أصولها، مختلفة في فروعها، كلها يتفق على الجوهر والحقيقة. . على أصول العقيدة، وأصول الشريعة: فهي جميعا تدعو إلى الإيمان بالله وحده، والإيمان بكل ما جاء عنه، والأخذ بكل ما يصل بالإنسان إلى الخير ويباعد بينه وبين الشر. والقرآن الكريم يصرح بوحدة الديانات السماوية كلها في الأصل والجوهر، فيقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١). أما فروع الشرائع وتفاصيلها، وسورها وطقوسها، فتختلف فيها الديانات السماوية اختلافا ظاهرا. فمثلا فريضة الصلاة، جاءت بها كل الشرائع السماوية، ولكنها تختلف صورها من شريعة إلى شريعة: فهي في الشريعة الإسلامية قيام، وقراءة، وركوع، وسجود على كيفية معروفة، وفي الشريعة المسيحية ترانيم وتراتيل تتلى على هيئة خاصة. ومثلا فريضة الصيام: جاءت بها كل الشرائع السماوية، كما يصرح بذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (٢)، ولكنها تختلف صورتها من شريعة إلى شريعة، فالصوم في الشريعة الإسلامية: إمساك عن الطعام والشراب والنساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وفي الشريعة المسيحية: إمساك عن أكل كل ذي روح من الحيوان وما يتولد منه في وقت معين. . . . وهكذا تختلف الشرائع السماوية في أمور كثيرة كلها فرعية غير أصلية وذلك في الحقيقة - كما أوضحناه - اختلاف في الأسلوب والمنهج لا في الجوهر والهدف، وقد جاء ذلك صريحا في قوله تعالى:

стр. 57

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١). أما لماذا اتحدت الشرائع السماوية في أصولها واختلفت في فروعها؟ فذلك لأن الأصول ثابتة لا تتغير بحال من الأحوال، فالله - سبحانه - هو الله بذاته وصفاته لا يتغير ولا يتحول أبدا، والرسل - في كل أمة - هم الرسل بما يجب لهم وما يجوز في حقهم، والكتب المنزلة - على مدى تاريخ الرسالات - هي الكتب المنزلة بما لها من قداسة وتعظيم، وكل ما جاء عن الله حق ثابت، وصدق لا ينقض، وأصول الأخلاق، والعبادات، والمعاملات، أدب متبع وطاعة ملتزمة، ولا يحيد عن ذلك إلا ضال هالك. أما الفروع: فهي التي يعتريها التغير والتبديل، ويتناولها التعديل والتطوير، لأنها ليست أكثر من تطبيق للأصول في صور شتى، ولا بد لهذه الصور أن تختلف تبعا لاختلاف أحوال المكلفين واستعدادهم، وما يحيط بهم من عوامل وظروف كثيرا ما يكون لها دخل في التكاليف: فما يصلح لزمان قد لا يصلح لزمان آخر، وما يلائم طبيعة قوم قد لا يلائم طبيعة قوم آخرين. وإذا نحن تتبعنا الأطوار التي مرت بها البشرية في مراحلها المختلفة، نجد أنها أشبه ما تكون بالأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته، فهو يبدأ بمرحلة الطفولة، ثم يتدرج في مراحل أخرى، ينمو فيها جسمه وعقله حتى يصل إلى مرحلة الرجولة الكاملة والنضج التام. والبشرية في أول مراحلها بدأت كالطفل: فيها ما فيه من الضعف وعدم الاحتمال، فكان لا بد لها في هذه المرحلة من غذاء روحي يتناسب مع طبيعتها وقدرتها على تقبل هذا الغذاء وهضمه، ثم هي بعد ذلك تمر - متدرجة في مراتب الكمال - بمراحل متتابعة كل مرحلة تزيد فيها عن سابقتها نموا وقدرة وتقبلا، وهي في كل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى نوع من الغذاء الروحي يتناسب مع ما هي عليه من درجة النمو والقدرة والتقبل. . . وأخيرا تبلغ البشرية تمام نضجها وغاية رشدها فتحتاج في هذه المرحلة الأخيرة إلى غذاء روحي يلائمها كما ونضجا. هذا الغذاء الروحي الذي أمد الله به البشرية في أطوارها ومراحلها المختلفة هو الدين، وحملة هذا الدين إلى البشرية هم الأنبياء والمرسلون، ومجموعة هذه الرسل - كما صورهم الرسول محمد ﷺ في حديث له - بناة بيت واحد يؤسس سابقهم للاحقهم، ويشيد لاحقهم على أساس سابقهم (٢) ". . صورهم الرسول ﷺ بهذا في حديث له فقال: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (٣)».

стр. 58

ومعنى هذا: أن الديانات السماوية تكون في مجموعها صرحا واحدا، اشترك الأنبياء جميعا في بنائه، فما من نبي بعث إلا وقد وضع فيه لبنة، حتى إذا شارف البنيان النهاية ولم يبق منه إلا موضع لبنة بها يتم صلاحه ويكمل حسنه، بعث الله نبيه محمدا ﷺ مبشرا بالإسلام وداعيا له، فكان ﵊ بما جاء به من الدين الإسلامي - اللبنة المتممة للبناء، المكملة لحسنه وجماله، وبه أتم الله صرح الديانات التي تعاقبت جيلا بعد جيل. * * * وهكذا شاءت حكمة الله تعالى أن يرسل نبيه محمدا ﷺ بدين أعلى ما يكون هداية وإرشادا، وأسمى ما يكون تشريعا وتبصيرا، وختم الله برسالة محمد ﷺ الرسالات، وجعلها للناس كافة ولم تكن لقومه خاصة. ولكن لم كانت رسالة محمد هي خاتم الرسالات؟ ولم كانت للناس كافة ولم تكن لقومه خاصة؟. . نجيب على ذلك فنقول: أما لم كانت رسالة محمد ﷺ خاتم الرسالات؟ فذلك أمر بدهي وطبعي، فما دمنا قد عرفنا أن الإسلام قد بلغ الغاية في هدايته وتشريعه، ضرورة أنه جاء لإسعاد البشرية في أرقى مراحلها وأوج كمالها، فأي شئ يرجى للبشرية بعد ذلك؟. . . أي شئ يرجى لها بعد الكمال الذي لا كمال بعده؟. . . لا شيء إلا أن تمشي البشرية معتصمة به إلى نهايتها إذ ليس بعد الكمال غاية، ولا بعد بلوغ المنتهى نهاية، والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (١). وفي تقرير أن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين يقول الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين﴾ (٢). ويقول ﵊: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي (٣)». وأما لم كانت رسالة محمد ﷺ للناس كافة، بل وللإنس والجن جميعا؟ فذلك لعدة أمور:

стр. 59

أولا: أن الإسلام جاء دينا وسطا بين غيره من الأديان السماوية، فيه من كل دين أيسره وأحسنه، وأكثره ملائمة وتمشيا مع الطبائع المختلفة لبني الإنسان، فمثلا عقوبة القتل العمد في الشريعة اليهودية القصاص ولا بد، وفي الشريعة المسيحية العفو، وأكاد أقول ولا بد، فجاءت شريعة الإسلام تخير ولي الدم بين القصاص والعفو، وكان هذا أمرا وسطا، يتمشى مع الطبائع المختلفة: فمن طبائع الناس طبائع لا يشفي غلها إلا القصاص، ومنها طبائع هينة لينة، تميل إلى التسامح وتأخذ بالعفو، وفي شريعة الإسلام ما يساير طبيعة هؤلاء وأولئك. ومثلا: الزواج، أطلقته الشريعة اليهودية، ولم تقيده التوراة بعدد معين من النساء، وقصرته الشريعة المسيحية على امرأة واحدة، لأن الأصل فيها هو التبتل، فإذا كان ولا بد فزوجة واحدة تكفي. أما الشريعة الإسلامية، فقد جاءت بتشريع وسط بين هذا وذاك، تشريع يرضي رغبة من يريد التعدد، ولكن بحدود وقيود، فأباحت له أن يجمع بين أربع زوجات ولا يزيد، بشرط أن يعدل بينهن ولا يجور، وقصرت من لا يأمن على نفسه الجور على زوجة واحدة فقط. ولقد يشهد لوسطية الإسلام في تشريعه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١) وقوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ (٢) مع ما استقر في العقول من أن خير الأمور أوسطها. ثانيا: أن البشرية - كما قلنا - قد بلغت رشدها فأصبحت تقاد بالعقل وحده، ولم يعد ينفع معها مجرد الخوارق والقوارع الملجئة أو شبه الملجئة، فجاء الإسلام دينا منطقيا، رفع من قيمة العقل، وأعطى للإنسان الحرية التامة في التأمل والتدبر في كل ما يكلف به، فلا يؤمن بعقيدة يدعى إليها إلا بعد ترو واقتناع، ولا يتبع تشريعا يشرع له إلا بعد نظر يهديه إلى سلامة التشريع واستناده إلى المنطق السليم والدليل القويم، ثم هو بعد ذلك يذم التقليد وينعي على المقلدين لآبائهم وأحبارهم ورهبانهم، فيقول عز من قائل:

стр. 60

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١) ويقول عن بعض أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ (٢) ولا يعني باتخاذهم أربابا إلا طاعتهم طاعة عمياء والتسليم لهم في كل ما يأمرونهم به ويوجهونهم إليه، فكأنهم - في نظرهم - آلهة تأمر فتطاع، لأنها تصيب دائما ولا تخطئ. وليس من شك في أن دينا هذا شأنه وذلك منهجه، يصلح لكل جيل وقبيل من لدن نزوله وإلى أن تقوم الساعة. ثالثا: أن الدين الإسلامي دين واسع الأفق، وفيه من المرونة واليسر ما يجعله صالحا لكل الجامعات الإنسانية على اختلاف ألوانها، وأجناسها وبيئتها، وظروفها " فهو يتسع للحرية الفكرية العاقلة، ولا يقف - فيما وراء عقائده الأصلية وأصول تشريعه - على لون واحد من التفكير، أو منهج واحد من التشريع، وهو بتلك الحرية يساير جميع أنواع الثقافات الصحية، والحضارات النافعة، التي يتفتق عنها العقل البشري في صلاح البشرية وتقدمها مهما ارتقى العقل ونمت الحياة " (٣). وعلى الجملة فالإسلام - كما يقول أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة - " دين العقل، فما من أمر جاء به إلا كان موافقا للعقل يدركه ويصدقه. . سئل أعرابي: لماذا آمنت بمحمد؟ فقال: ما رأيت محمدا يقول في أمر: افعل، والعقل يقول: لا تفعل، وما رأيت محمدا يقول في أمر: لا تفعل، والعقل يقول: افعل. . . وإن النظم التي سنها الإسلام لا تزال برونقها وصفائها أعدل من كل ما اهتدى إليه العقل البشري من نظم، سواء أكان ذلك في نظام الحكم، أم في نظام المال، أم في نظام الأسرة. . . فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يصلح لحكم الإنسانية، وفيه علاج أدوائها (٤) ". ومما يشهد للدين الإسلامي بأنه دين عام للثقلين جميعا قوله تعالى مخاطبا نبيه محمدا ﵊: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٦). وقوله على لسان نبيه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ﴾ (٧).

стр. 61

هذا، ولا ينبغي أن يفهم بحال من الأحوال، أن قولنا عن الإسلام: إنه أرقى الأديان السماوية وأسماها، وأكملها وأوفاها، وأن تشريعاته وتوجيهاته قد بلغت القمة التي لم تبلغها شريعة من قبل، فيه انتقاص لغيره من الشرائع السماوية، معاذ الله أن يكون ذلك قصدنا، فليس مؤمنا ولا مسلما من ينتقص شريعة سماوية أنزلها الله على رسول من رسله، الله تعالى: يخاطب أمة محمد ﷺ بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ويقول مثنيا على رسوله محمد ﷺ وعلى من اتبعه من المؤمنين: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). والذي يجب أن يفهم: هو أن كل شريعة من الشرائع السماوية تعتبر في وقتها - بالنسبة لأتباعها - في منتهى الكمال؛ لأنه لا يصدر عن الله تعالى إلا الكمال المطلق، ولأن كل شريعة - كما قلنا - جاءت مطابقة لحاجات المخاطبين بها، ولو أنها انحطت عن مستواها، لعد ذلك قصورا فيها، لأنها تكون دون الحاجة، كما أنها لو ارتفعت إلى مستوى شريعة تجيء بعدها لعد ذلك مجافيا للحكمة والصواب، لأنها تكون فوق الحاجة، والحكمة كل الحكمة هو الملاءمة بين احتياجات كل أمة وما يشرع لها، كما يلائم الطبيب الماهر بين علة المريض وما يصف له من دواء. * * *

стр. 62

موقف البشر من الديانات ومدى تمسكهم بها وبعد فما هو موقف البشر من الديانات، وما مبلغ تمسكهم بها؟ هل استجابت كل أمة لرسولها؟ وهل وقف أتباع كل دين عند حدوده والتزموا بتعاليمه التي دعا إليها، وتشريعاته التي نص عليها؟ أو أنهم ارتكسوا في حمأة الغي والضلال، ونكصوا على أعقابهم عائدين إلى نزعات أهوائهم ونزوات شهواتهم؟ الواقع: أن البشر أمام هذه الديانات فرق شتى: ففريق لزم الجادة فاتخذ دينه الذي هداه الله إليه سبيله في الحياة، لا يحيد عنه ولا يميل، فسعد وشق طريقه إلى ما فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة.

стр. 63

وفريق ثان آمن بدينه الذي أرشده الله إليه، ولكنه رغم إيمانه به انحرف عنه في سلوكه ظاهرا وباطنا، وجاهر بالمخالفة، وبارز الله بالمعصية في غير مبالاة ولا حياء، فشقي في حياته الدنيا، وعرض نفسه لسخط الله وعقابه. وفريق ثالث آمن بدينه الذي ارتضى الله له، ولكنه نافق واتخذ التدين شعارا زائفا يموه به على العامة، ويخدع به من ينطلي عليهم زوره وبهتانه، وقد تنبأ رسول الله ﷺ بهذا الصنف من المنافقين، وبين مآلهم وعاقبة أمرهم فقال. «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون - أي يطلبون - الدنيا بالدين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله . أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران (١)». وفريق رابع جحد الأديان كلها، وزعم أنها جميعا أوهام وأباطيل مستحدثة، يقول أستاذنا المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (الدين) ص ٧٣ وما بعدها: " ذهب بعض كتاب القرن الثامن عشر الذين مهدوا للثورة الفرنسية إلى أن الديانات والقوانين ما هي إلا منظمات مستحدثة، وأعراض طارئة على البشرية، حتى قال (فولتير): إن الإنسانية لا بد أن تكون قد عاشت قرونا متطاولة في حياة مادية خالصة، قوامها الحرث، والنحت، والبناء، والحدادة، والنجارة. . . قبل أن تفكر في مسائل الديانات والروحانيات، بل قال: إن فكرة التأليه إنما اخترعها دهاة ماكرون، من الكهنة، والقساوسة الذين لقوا من يصدقهم من الحمقى والسخفاء ". ثم بين ﵀ أن هذه النظرة الساخرة إلى الأديان ليست مبتكرة، وإنما هي ترديد لصدى مجون قديم كان يتفكه به أهل السفسطة من اليونان، وكانوا يروجونه فيما روجوه من المغالطات والتشكيكات. ثم قال: " إنه لم ينقض القرن الثامن عشر حتى ظهر خطأ هذه المزاعم: حيث كثرت الرحلات إلى خارج أوربا، واكتشفت العوائد، والعقائد، والأساطير المختلفة، وتبين من مقارنتها أن فكرة التدين

стр. 64

فكرة مشاعة لم تخل عنها أمة من الأمم في القديم والحديث، رغم تفاوتهم في مدارج الرقي ودركات الهمجية ". ثم قال: ". . . ولسنا ننكر أن تكون هناك عقيدة معينة قد استحدثت في عصر ما، أو أن يكون ثمة وضع خاص من أوضاع العبادات قد جاء مجلوبا مصنوعا، فذلك سائغ في العقل، بل واقع بالفعل، أما فكرة التدين في جوهرها، فليس هناك دليل واحد على أنها تأخرت عن نشأة الإنسان ". . . . وأخيرا هناك فريق خامس. هو فريق العلمانيين الماديين، الذين لم يستطيعوا أن ينكروا أن هناك ديانات عريقة في القدم، ولكنهم زعموا - زورا وبهتانا - أنها شاخت بمرور الزمن، ولم تعد صالحة في وقت بلغت البشرية فيه ما بلغت من تقدم في العلم ورقي في الحضارة. يقول أصحاب هذا المذهب وعلى رأسهم (أوجست كونت): " إن العقلية الإنسانية قد مرت بأدوار ثلاثة: دور الفلسفة الدينية، ثم دور الفلسفة التجريدية، ثم دور الفلسفة الواقعية، وهذا الدور - في نظره - هو آخر الأطوار وأسماها، فبعد أن كان الناس يعللون الظواهر الكونية بقوة أو قوى إرادية خارجة عنها، انتقلوا إلى تفسيرها بمعان عامة، وخصائص طبيعية كامنة فيها، كقوة النمو، والمرونة، والحيوية. . . إلخ، ثم انتهوا إلى رفض كل تفسير خارجي أو داخلي، واكتفوا بتسجيل الحوادث كما هي، ومعرفة ما بينها من ترابط وجودي، بقطع النظر عن أسبابها وغاياتها، وعلى هذا يكون دور التفكير الديني يمثل الحال البدائية التي تلهت بها الإنسانية في مرحلة طفولتها، فلما شبت عن الطوق خلعتها لتستبدل بها ثوبا وسطا في دور مراهقتها، حتى إذا بلغت أشدها، واكتمل رشدها أخذت حلتها الأخيرة من العلوم التجريبية " (١). ويعلق على هذا المذهب أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز فيقول: " نقطة الخطأ البارزة في هذا المذهب التطوري، هي أن أنصاره جعلوا منه قانونا يستوعب التاريخ كله في شوط واحد، قطعت الإنسانية ثلثيه بالفعل، ونفضت أو كادت تنفض يدها منهما إلى غير رجعة، فلن تعود إليهما إلا أن يعود الكهل إلى طفولته وشبابه " (٢). ثم يمضي في مناقشة هذا المذهب مبينا أن الأدوار الثلاثة المذكورة " لا تمثل أدوارا تاريخية متعاقبة، بل تصور نزعات وتيارات متعاصرة في كل الشعوب، وليست كلها دائما على درجة واحدة من الازدهار أو الخمول في شعب ما، ولكنها تتقلب بها الأقدار بين بؤسى ونعمى، ونحوس وسعود (٣) ".

стр. 65

مستحيل أن تزول الديانات وتتلاشى ظاهرة التدين أمام تيار المادية كل ما يقوله الماديون من أن الديانات سوف تزول، وأن ظاهرة التدين سوف تتلاشى أمام تيار المادية الجارف، وإعصار العلم العاصف، ليس إلا وهما باطلا وخيالا صوره لهم خداع الغرور العلمي الذي غطى على كثير من العقول. قال العلماء الماديون ما قالوا في تقرير هذه الفكرة الحمقاء وتبريرها، ونقول لهم: أي دليل مادي أو عقلي أمكنكم أن تقيموه على صحة ما تدعون؟ ليس هناك إلى اليوم دليل واحد يؤيد ما تقولون من أن العلم والدين نقيضان لا يجتمعان فلا بد أن يزول الثاني بوجود الأول، بل على العكس من ذلك قامت أدلة كثيرة مادية وعقلية على أن الدين يساير العلم ولا يناقضه. بل كلما تقدم العلم خطوة كان الدين عندها، وكلما كشف العلم عن سر من أسرار الكون، كلما برزت حقيقة الألوهية المبدعة جلية واضحة، وازداد العقلاء المتدينون إيمانا فوق إيمانهم، بل وكثيرا ما رجع المفتونون بالعلم والمادة عن فتونهم فآمنوا بأن للكون مبدعا يجب أن تتعلق به القلوب وتذل له الجباه. ولقد أشار القرآن في وضوح إلى أنه لا تنافي بين العلم والدين، بل نراه في أكثر من آية يوقظ العقول من رقدتها، وينبه القلوب من غفلتها ويصيح بالناس في لهجة الآمر الصارم أو المنكر اللائم ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (٢) ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٣). ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤). وأخيرا يفتح أمامها كتاب الكون بما حواه من أسرار العلم وعجائب المعرفة التي لا يزال يظهر منها كل يوم جديد وغريب فيقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (٥). ولقد أنصف بعض علماء الغرب وفلاسفتهم فأكدوا أن هذه النظرية القائلة باضمحلال الدين والتدين أمام تقدم العلم، نظرية باطلة، وقرروا أن العلم يخدم الدين ويدعمه، يقول الدكتور (ماكس نوردوه) عن الديانات: " أنها ستبقى ما بقيت الإنسانية، وستتطور بتطورها، وستتجاوب دائما مع درجة الثقافة العقلية التي تبلغها الجماعة (٦) ". ويقول (آرنست رينان): " إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل حرية استعمال

стр. 66

العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية (١) ". ويعلق المرحوم الأستاذ محمد فريد وجدي على قول رينان السابق فيقول: " نعم مستحيل أن تتلاشى فطرة التدين في الإنسان، لأنها أشرف ميول النفس، وأكرم عواطفها،. . . ففطرة التدين ستلازم الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به القبح والجمال، وروية يجيلها في الكون والكائنات، وستزداد فيه هذه الفطرة حياة وقوة على نسبة علو مداركه، وسمو معارفه (٢) ". . . . وبعد فقد انتهى المبشرون بالمذهب المادي إلى الحقيقة الناصعة، وقعدوا يلهثون بعد ما أتعبوا أنفسهم في تدعيم مذهبهم والترويج له، وإذا بهم يرون أنفسهم وعلومهم لا شيء أمام هذا المذهب المحجب بحجب كثيفة وكثيرة، فلا يكاد العلم يرفع لهم حجابا إلا ويجدون من ورائه حجبا، ولا ينفك البحث يصل بهم إلى حقيقة إلا ويلمحون من وراء الغيب حقائق أخرى وأعظم. . . وأخيرا يستسلمون أخيرا لمن هو وراء هذه الحجب والمغيبات، يديرها بعلمه وعلى مقتضى حكمته. نعم رأينا زعماء هذا المذهب المادي يستسلمون أخيرا لواهب الوجود، ويلوذون برواق الدين هربا من ماديتهم المتخبطة، وعلمانيتهم المحيرة، فهذا (كونت) الذي كان يتنبأ بأن فناء الديانات سيكون هو النهاية الحتمية لتقدم العلوم، قد عاد في آخر أمره متصوفا عجيبا، وكلل حياته بوضع ديانة جديدة طبعها على غرار النظام الكنسي للديانة الكاثوليكية: في عقائدها، وطقوسها، وأعيادها، وطبقات قساوستها، رواية كاملة أعاد فصولها ولم يغير إلا أشخاصها " (٣). " وهذا سبنسر، ينتهي بأن يقول عن المجهول: (إنه تلك القوة التي لا تخضع لشيء في العقول، بل هي مبدأ كل معقول، وهي المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود). . أليس هذا المجهول هو بعينه موضوع الديانات، يجيئنا الآن باسم آخر على لسان العلم؟ " (٤).

стр. 67

أثر الدين في حياة الفرد والمجتمع . قلنا فيما تقدم: أن نزعة الدين في النفوس نزعة فطرية، ونقول الآن: إن ما فطرت عليه النفوس لا يمكن لها بسهولة أن تنفك عنه، ولو انفكت عنه لكان معنى ذلك أنها انتكست وتردت إلى مستوى الحيوان الأعجم الذي لا يملك عقلا ولا نظرا ولا بصيرة.

стр. 68

وإذا كنا نرى أناسا قد انحرفوا عن الدين، فليس معنى ذلك أنهم انسلخوا من فطرتهم، وإنما هو مجرد ضعف طارئ أمام مغريات المال أو الجسد تارة، ونزعات العقل تارة أخرى، ووساوس الوهم تارة ثالثة، ثم لا يلبث أن يزول هذا العرض الطارئ عن جوهر الفطرة فإذا بها نقية طاهرة على نحو ما فطر الله الناس عليها. ولقد نعلم أن القرآن الكريم أشار في أكثر من آية إلى أصالة هذه الفطرة في جميع بني الإنسان وأن ما طرأ عليها ليس إلا انحرافا، لا يلبثون أن يرجعوا عنه عندما تكتنفهم الخطوب، وتنزل بهم الكروب، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (١) ". ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٣). معنى ذلك أن الدين يحقق الكمال الإنساني للبشرية، فإذا هي حادت عنه، أو تنكرت له فقد حادت عن الكمال إلى النقص، وتنكرت لما هو مصدر خيرها ومورد سعادتها. نعم إن الدين يحقق الكمال ويوفر الخير والسعادة للبشرية كلها أفرادا وجماعات، ونوضح ذلك فيما يلي: أما بالنسبة للفرد. ١ - فالدين عنصر ضروري لتكميل القوة النظرية في الإنسان، فهو يخرج بالعقل والفكر عن سجن الماديات والمحسوسات إلى مجال الغيب الفسيح الذي يجد العقل فيه متعته ولذته من غير حدود ولا قيود، وبهذا تتسع مدارك الإنسان ويتفتح عقله على معارف شتى تشق أمامه الطريق إلى ما فيه خيره وسعادته. ٢ - والدين عنصر ضروري لتكميل الوجدان، حيث يدعو إلى تعلق المخلوق بالخالق، وعرفان ماله عليه من فضل ومنه، ومراقبته في السر لاعتقاده أنه يراه، وبهذا تقوى عند الإنسان عاطفة الحب، والشكر، والإخلاص، والحياء، والأمل، وغيرها من العواطف التي قد لا تجد لها في دنيا الناس معينا يغذيها وينميها. وبهذا تسمو عاطفة الإنسان نحو الخير دائما، فيستقيم على الجادة، ويمضي في حياته طاهر القلب نقي الوجدان.

стр. 69

٣ - والدين عنصر ضروري لقوة الإرادة عند الإنسان، فهو يمدها بأعظم البواعث والدوافع لعمل الواجب، ويحصنها بأقوى الوسائل لدفع اليأس ومقاومة القنوط، وبهذا يمضي الإنسان في طريقه إلى ما تطمح له نفسه من أماني وآمال وهو لا يلوي على شيء. إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا وأما بالنسبة للمجتمع. ١ - فالدين بما حواه من هداية إلهية وتشريعات سماوية، يكفل للمجتمع الإنساني كل عوامل السعادة والأمن والاستقرار، ولا يكون ذلك أبدا عن تشريع وضعي وضعه فرد أو جماعة لأمة معينة؛ ذلك لأن الإنسان مهما سما فكره ونضج عقله لا يمكن أن يحيط خبرا بكل ما يوفر للإنسانية سعادتها وأمنها واستقرارها، لأنه - لاعتبارات وملابسات شتى- قد يرى الحسن قبيحا، والقبيح حسنا، وقد يظن النافع ضارا، والضار نافعا، وقد يشرع على وفق ميوله وهواه دون مراعاة للمصلحة العامة، وينتهي به الأمر إلى تشريع يقوض ولا ينظم، ويدمر ولا يعمر، ومن وراء ذلك ضياعه وضياع الجماعة التي يعيش بينها. والله الذي خلق الإنسان، وركب فيه طبائعه ونوازعه، وآماله وآلامه، وإيثاره وأثرته، ورغباته وشهوته، هو الخبير بكل علله وأدوائه، والعليم بوسائل شفائه، وناجع دوائه، فهو وحده الذي يقدر أن يضع للجماعات الإنسانية من الشرائع والقوانين ما يحقق لها أسباب السعادة، ويوفر لها عوامل العزة والمنعة، ويهيئ لها كل وسائل الأمن والاستقرار، وذلك يكون في نطاق دين يدعوها إليه على لسان رسول منها، ويتعبدها به على أنه الدين الحق الذي لا يحيد عنه إلا هالك. ٢ - والدين بعد ذلك هو السلطان المهيمن على نفوس المؤمنين به، يحملهم على الأخذ بتعاليمه، ويدفعهم إلى القيام بما سنه لهم من تشريع وتنظيم، ويدفعهم إلى التحلي بالفضائل، ويحول بينهم وبين ارتكاب الرذائل، وليس هناك وراء الدين شيء يهيمن على النفوس، فلا العقوبات المادية تغني، ولا سلطان الحاكمين يجدي، وحرمة النظم والقوانين أيا كانت لا يكفلها شيء من ذلك، وإنما يكفلها ويرعاها شيء واحد هو الضمير الديني الذي ينبع من قرارة النفوس المؤمنة التي تراقب الله في سرها وعلنها. ٣ - والدين يجعل الجماعة الإنسانية على قلب رجل واحد، يجمعهم على الخير والبر، ويؤلف بين قلوبهم حتى يكونوا إخوة متحابين متناصحين، متعاونين، متكافلين، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

стр. 70

هذه الأخوة الدينية هي الأخوة الشاملة الكاملة، التي تجمع بين أجناس شتى: تباعدت أوطانهم، وتباينت لغاتهم، وتعددت ألوانهم. . . أما الأخوة التي تقوم على وحدة الوطن أو وحدة اللغة، أو وحدة اللون أو الجنس فتلك أخوة ضئيلة هزيلة، بل هي في الواقع محض عصبية وعنجهية، ومجرد تكاتف على الأثرة والأنانية وحب الذات وكراهية الغير!!.

стр. 71

الخلاصة والخلاصة: " أن الدين - كما يقول أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز - " يضع للإنسانية المنهج السوي الذي يجب أن يسير عليه الفرد والجماعة، ويضفي عليه صبغة القدسية، بحيث يصبح سلوك هذا المنهج ضربا من ضروب الدين، وبابا من أبواب القربات والعبادات، فضلا عن كونه تحقيقا لمبدأ العدالة، وتلبية لداعي الفطرة السليمة ". " وليست قوانين الجماعات، ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة، تحترم فيها الحقوق، وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل، فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط، أو السجن، أو العقوبة المادية، لا يلبث أن يهمله عن اطمئنان إلى أنه سيفلت من طائلة القانون ". " ومن الخطأ البين أن نظن أن في نشر العلوم والثقافات وحدها ضمانا للسلام والرخاء، وعوضا عن التربية والتهذيب الخلقي، ذلك أن العلم سلاح ذو حدين: يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير، ولا بد في حسن استخدامه من رقيب أخلاقي، يوجهه لخير الإنسانية وعمارة الأرض، لا إلى نشر الشر والفساد، ذلكم الرقيب هو العقيدة والإيمان ". " غير أن الإيمان على ضربين: إيمان بقيمة الفضيلة، وكرامة الإنسانية، وما إلى ذلك من المعاني المجردة، التي تستحيي النفوس العالية من مخالفة دواعيها ولو أعفيت من التبعات الخارجية والأجزية المادية. وإيمان بذات علوية رقيبة على السرائر، يستمد القانون سلطانه الأدبي من أمرها ونهيها، وتلتهب المشاعر بالحياء منها، أو بمحبتها، أو بخشيتها، ولا ريب أن هذا الضرب هو أقوى الضربين سلطانا على النفس الإنسانية، وهو أشدهما مقاومة لأعاصير الهوى وتقلبات العواصف وأسرعهما نفاذا في قلوب الخاصة والعامة ". " من أجل ذلك كان هذا الدين خير ضمان لقيام التعاون بين الناس على قواعد العدالة والنصفة، وكان ذلك ضرورة اجتماعية، كما هو فطرة إنسانية (١) ".

стр. 72

لا إله إلا الله محمد رسول الله

стр. 73

مناع خليل القطان وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في شئون الحياة كلها لقد وردت آيات كثيرة في وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في كل شأن من شئون الحياة البشرية وهي نصوص قطعية صريحة لا مجال للرأي فيها. واقترنت هذه الآيات ببيان المبادئ والأسس التي تقتضي التحاكم إلى شرع الله، واعتبار هذا من مقتضيات عقيدة الإيمان، كما اقترنت ببيان بواعث الخروج عن تحكيم الشريعة الإسلامية. أولا: المبادئ والأسس التي تقتضي التحاكم إلى شرع الله . تحقيق معنى العبودية لله تعالى. حدد الإسلام غاية الإنسان في الحياة بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وإذا عرفنا معنى العبادة في اللغة أمكننا أن ندرك تمام الإدراك أن حياة المسلم لا ينبغي أن تخرج عن معنى العبودية بحال من الأحوال.

стр. 74

فالعبادة معناها: الخضوع والتذلل والاستكانة وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة - طاعة كان للمعبود أو غير طاعة - وكل طاعة لله على وجه الخضوع والتذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والسمع والبصر والعقل، وأي نوع من أنواع العبادة مهما كان في نظر الإنسان يسيرا فإنه لا يستحقه إلا من كان له أعلى جنس من النعمة، فذلك لا يستحق العبادة إلا الله. قال الراغب: العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الأفضال. وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) وذكر الطبري عند تأويل قوله تعالى في استكبار فرعون وملائه على موسى وهارون ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ (٢) يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون بأمرهم ويدينون لهم. والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له، وذكر عند تأويل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣) أي اتخذتهم عبيدا لك. ويعرف ابن تيمية العبادة فيقول: (العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة). فمقتضى العبادة على هذا أن يذعن العبد لله إذعانا كاملا في كل ما يأتي وما يذر في ذلة وخضوع، وأن يجعل حياته كلها رهن أوامر الله ونواهيه، وهي دعوة الأنبياء والمرسلين. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤) ويذكر القرآن الكريم في مقابل هذا الانقياد لله الانقياد للطاغوت ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥) وهذه المقابلة تعني أن الخضوع لأي سلطة أخرى خضوع للطاغوت، سواء كان هذا الخضوع للأهواء والشهوات، أم لقوة أرضية أخرى، عاقلة كانت كبني الإنسان ممن يعطون لأنفسهم صفة التشريع لأمتهم، أو غير عاقلة كاتخاذ الأصنام والأوثان. وهذا ما فسر به الطبري كلمة الطاغوت حيث يقول بعد أن ذكر طائفة من أقوال العلماء (والصواب من القول عندي أن كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة من عبده له إنسانا كان ذلك المعبود. أو شيطانا أو وثنا أو صنما أو كائنا ما كان من شيء. وبهذا يكون " الحكم " بغير ما أنزل الله طاغوتا. . . ويكون " الحاكم " الذي يحكم بغير ما أنزل الله كذلك طاغوتا. . . ويكون " الخضوع " لهذا الحاكم أو لذلك الحكم عبادة للطاغوت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٦)

стр. 75

التسخير الكوني والتسخير الشرعي: الانقياد لله تسخيرا طوعا أو كرها في كائنات الله يقتضي انقياد الناس لدينه حتى يتم التناسق بين الخلائق في الكون كله. إنك إذا نظرت إلى كائنات الله في السماء من شمس وقمر ونجوم وما أودعه الله في قوى العالم السماوي وجدتها تسير على سنن الله المحكمة. لا يختل توازنها، ولا يعتريها اضطراب، تؤدي وظائفها في الحياة على نهج دقيق يدهش العقول، وتخر لعظمته الجباه صاغرة إكبارا للخالق المدبر، ذلك لأنها مسخرة بأمر الله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (٢) ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣) وإذا نظرت إلى الأرض وما عليها من كائنات مختلفة الخلق سوى الإنسان كالنبات والطير والأنعام والدواب واليابس والماء والسهول والجبال وما في العالم الأرضي من قوى متنوعة، وجدت هذه العوالم كلها تسير على سنن الله المحكمة كذلك، مسخرة لأداء وظائفها في عمارة الأرض والانتفاع بخيراتها، بما يشهد لله الخالق بالكمال والإجلال. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (٥) ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦) وهذا الإنسان إذا استثنينا أعماله الاختيارية وجدناه كذلك خاضعا لله تسخيرا في جهازه العصبي وجهازه التنفسي، وحركته الدموية، وأفعاله الاضطرارية بالقيام بوظائفه العضوية قياما ينطق بالعبودية لله. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٧) ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (٨) ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٩) وما كان للعالم السماوي، أو العالم الأرضي، أو الجانب الاضطراري في الإنسان أن يخرج عن سنة الله في إرادته الكونية.
следующие страницы →