← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

نهر عواش ويسير إلى الملك ويقاتله في جبرجي، فإذا ظفر به وفتح البلاد فنحن نسلم له جميع خيولنا وسلاحنا، ومن أراد منا الإسلام يسلم، ومن أراد أن يكون مع النصارى فيخلى على دينه ويدفع الجزية، ونشترط له إن أراد منا ملك الحبشة معونة على الإمام لا نعينه ولا نصل إليه، وإذا ارتفع الإمام من بلدنا لا نغزو إلى بلد المسلمين ولا نضر أحدا بل نجلس في بيوتنا، وتم الصلح على ذلك. وانطلق المسلمون إلى جبرجي، ففزع الملك وترك جبرجي وذهب إلى " ورب " فأحرق المسلمون بيته، فقال له بطارقته: هؤلاء هم المسلمون قد تجاوزا نهر عواش وأحرقوا بيتك الذي في " جبرجي " فخاف وجزع وسار من أرض " ورب " إلى أرض " الداموت " وقال باكيا على " ورب " هذه بلدة مليحة إنها بلاد البر والشعير والعنب والفواكه - ولم يكن في الحبشة مثلها، ولا تحمل الملك وجيوشه إلا هي، وحزن بطريقه الأكبر وسن سجد على أرض ورب وكتب إلى الإمام يتوعده يقول: أما بعد أنتم المسلمون ونحن النصارى، وقد كنا نسير إلى بلادكم نخربها ونحرقها والآن فقد أدالكم الله علينا، والنصر لا يدوم كل يوم، والآن يكفيك ما فعلت وارجع إلى بلادك، وأنت تقول في نفسك وتحدثها أنك هزمت الملك في " صمبر كوري " وتقول فعلت في (أنطوكية) وفعلت في (زري)، وقتلت جيوش الملك والآن لا تغتر بنفسك، وجيوش الملك عادها حالها، ومعه الآن جيوش كثيرة ما قد رأيتها من قبل وما سمعت بها، والآن ارجع إلى بلدك مع غنيمتك وذهبك، فإن أبيت ذلك فالميعاد بيننا وبينك يوم السبت، فأنا أول قتلت أخاك الجراد أيون بن الجراد إبراهيم، وهو أكبر منك سنا، وهزمت جيشه، وفعلت مرارا، ولا تظن أني مثل من لقيت قبل ذلك من البطارقة أنا وسن سجد. فرد عليه الإمام قائلا: لا تخوفنا بعبيد الملك فنحن نعرفهم، فإن كنت أنت كما تزعم وترى أننا في بلادنا وفي أرضك فقاتل عن بلادك وأرضك، أما ما ذكرت أنك تقاتلنا يوم السبت فقد أعلمنا مشايخنا أن قتلك يوم السبت، ولا شك في ذلك إن شاء الله، ونحن تابعوك أينما كنت ونتبع سيدك الملك أينما كان، وأما ما ذكرت أنك تأمرنا بالرجوع فذلك شيء لا نراه، وأما القتال فهو بغيتنا ومرادنا ولا لقينا من يحاربنا،

стр. 5777

فإن كنت رجلا فقاتلنا عن نعمة الملك، وأما هذه البلاد التي ملكناها فلا نتركها بل نملك الحبشة بأسرها إن شاء الله تعالى. فلما وصل الكتاب إلى وسن سجد جزع وداخله الخوف وأرسل كتابا آخر للإمام يقول فيه: ما تكلمت بكلامي أول إلا خيفة من الملك والبطارقة، والآن أنا ضعيف عن قتالك، ولكن الملك والبطارقة يقولون لي قاتل المسلمين، لأجل ذلك تكلمت، وقد أعلمني الرهبان أني داخل تحت يدك فإذا دخلت ارحمني. ولا يطول الحال بوسن سجد حتى يقصده جيش الإمام، وفي موقعة شديدة المراس قرب جبل بوسات تنتصر جيوش الإسلام بعد أن ضويقت وتقهقرت مرات على يد وسن سجد وجيشه، ويحمل الجراد عابد بن راجح عليه، وكذلك يحمل وسن سجد على عابد، ويشتمه بالشتائم المقذعة ولكن الجراد عابد يعاجله بضربات من سيفه فيسقطه عن فرسه وهو يقول: لا تقتلني أنا وسن سجد، ونادى عابد بأعلى صوته لقد سقط وسن سجد رئيس الكفرة؛ فضج المسلمون بالصياح والتكبير فلما سمع المشركون أن رئيسهم قد قتل انهزموا شر هزيمة وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون. وحينما سمع الملك بمقتل وسن سجد حزن حزنا شديدا وانهار تماما، وصار لا يدري أين يذهب أو يستقر فكل مكان ينزل به لا يفتأ حتى يعلم بقصد الإمام إليه فيغادره إلى مكان آخر، وأخيرا قرر أن يعود إلى بيت أمحره، يقول المؤلف: وأما ملك الحبشة فإنه كان في أرض وج، ونوى المقام بها حتى ينتهي زمن المطر، فلما وصله خبر قتل وسن سجد وهزيمة جيشه حزن حزنا شديدا، وجمع بطارقته وحجابه وخواصه وقال لهم: الآن ماذا نفعل؟ وما تشيرون به علي؟ وأي أرض تسعنا؟ ثم تشاوروا فقال لهم: إني أريد أن نسير إلى بيت آبائنا وأجدادنا وأصل مملكتنا ونجلس هناك، ونمسك الأبواب ونقاتل المسلمين، ونخلي لهم هذه البلاد التي فتحوها، ونموت في بيت أمحره، وسار من أرض وج تحت المطر الشديد مدة شهر حتى وصل إلى بيت أمحره. ويصف المؤلف بيت أمحره فيقول: هي أرض واسعة كبيرة الأرزاق والجبال محيطة بها، وهي بين الجبال ولها طرق وأبواب في الجبال، وكل طريق عليه أبواب

стр. 5778

وحراس من أرض أباوين إلى أرض عنقوت وإلى بحر حيق والجبال تدور عليها مسيرة عشرين يوما، ولها خمسة أبواب، باب من طريق ولقى، وباب من طريق أخي فج، وباب من طريق منز، وباب من طريق ميات من أرض جدم، وباب من بلد واصل يحرسه بجيشه. ويقصده الإمام أحمد بجيوشه بعد أن يمهد كثيرا من البلاد في طريقه ويستولي على المدد المرسل لجيوش الملك، ويقرر الإمام صعود جبل واصل من المنطقة التي يتولى حراستها الملك وجيشه، وينتصر الإمام في وقعة باب واصل، وكان ذلك في يوم الجمعة ١٦ من ربيع الأول سنة ٩٣٨ هـ ويقول المؤلف: لما انهزم المشركون من باب واصل قصدوا إلى خيمة الملك والتجئوا عندها وبعضهم هربوا على وجوههم، وخرج الملك من خيمته وركب فرسه مع حجابه وكانوا نحو أربعمائة فارس يحفون به، وحمل عليهم المسلمون حملة رجل واحد وتقاتلوا حتى ألقى الله الرعب في قلب جيوش الكفرة فولوا الأدبار، وتبعهم المسلمون يقتلون وحمل الإمام والسيف في يده اليسرى فنظر إليه ملك الحبشة وعرفه بعلامة في فرسه وبسيفه في يده اليسرى وقال لأصحابه: جاءكم الشيطان بنفسه، فصاح عسكر الحبشة على الإمام يقولون: سحرتنا سحرتنا، ودخل الإمام وسطهم وفوق جمعهم وصدقهم بالضرب فانهزموا إلى الجبل فلم يجدوا طريقا، فصاح عليهم الإمام: اتركوا خيولكم وانجوا بأنفسكم فقد أدركناكم، ففزعوا وداخلهم الخوف وتركوا خيولهم وطلعوا الجبل، ومن رعبهم كانوا يسقطون من الجبل فيقتلهم المسلمون، وغنم أصحاب الإمام خيولهم بلباسها من الجوخ القرمزي. وأما ملك الحبشة فإنه سار على وجهه ومعه خمس جنائب تقاد بين يديه وقصد إلى طريق العنبا، أما أصحاب الإمام فقد غنموا من الذهب والفضة والخيول والبغال والحرير، ومن ثياب الملك ومن فرش الديباج وأسروا الفائقات من النساء، من نساء البطارقة وأولادهم وغيرهم ما يعد بالألوف واستولوا على قبة الملك وفيها سرير الملك وسلاحه، وأمر الإمام أصحابه فمزقوا الخيمة إربا إربا. وسار الإمام من باب واصل إلى بيت أمحره مسكن أهل الكتاب والقسس والرهبان، ودار الملك التي ينصب فيها الملوك وقصد إلى الكنائس وأسند خرابها إلى

стр. 5779

بعض قواده إلا كنيسة مكان الثلاثي أي الثلاث آلهة بلغتهم، فإنه قصدها بنفسه ودخلها ومعه خواصه، فلما رآها كادت تخطف الأبصار، فهي مزينة بصفائح الذهب والفضة وفيها فصوص من اللؤلؤ والمرجان وكان عرضها مائة ذراع، وطولها كذلك، وارتفاعها مائة وخمسين ذراعا، ولها مصراع من خشب، طوله عشرة أذرع وعرضه أربعة أذرع، وقد فرشوا فوقه صفائح الذهب والفضة، ومن فوق الذهب جعلوا فصوصا من كل لون وأسقفها وأصحانها ملبسة بصفائح الذهب وتصاوير من الذهب، فتعجبوا من شغلها، وصاح المسلمون الذين لم يدخلوا يقولون للإمام: افتح الباب حتى ندخلها ونتفرج عليها، ففتح لهم وأدخلهم وازدحم المسلمون، وقال لهم الإمام كل من أخذ شيئا فهو له إلا الصحاف، فاشتغلوا فيها بألف قدوم وهم يخلعون الذهب والفصوص التي في الكنيسة من العصر إلى وقت العشاء، وكل قد أخذ حاجته من الذهب واستغنوا غنى لا فقر معه، واحترق في الكنيسة أكثر من ثلثها من الذهب، وبات الإمام بجنب الكنيسة وطلب من كان معه من العرب فقال لهم: هل يكون في الروم أو في الهند أو في غيره مثل هذا البيت وتصاويره؟!. وجلس الإمام وأصحابه في بيوت الملك ببيت أمحره، وانطلقت جيوش المسلمين تفتح وتغنم، ولم يصادفهم بأس إلا في موقعة العنبا التي يتربى فيها أولاد الملوك، فقد هزم جيش الجراد أحموشه وأسر وقتل أورعى عثمان وغيره من القادة، وكانت هذه الهزيمة يوم الأربعاء ١٤ من ربيع الآخر سنة ٩٣٨ هـ ولم تفت في عضد المسلمين بل ظلوا ينتصرون بعدها في أرض العنقوت، وجزيرة بحر حيق، وجيته، وعندورة، وأرم، ودير برهان، وكساية، وأرض الماية، والجنز، والجافات، وزميت. ويحدثنا المؤلف عن أرض هدية التي دخلها السلطان ويقول: صاحبها رجل مسلم وكان يعطي الجزية للملك، ويعطي له في كل سنة بنتا من بنات المسلمين ينصرها، ويحكم عليهم منذ آبائهم الأقدمين ألا يلبس أحدهم عدة الحرب ولا يمسك سيفا ولا يركب فرسا بسرج ولكن على متن ظهره، ويخرب مساجد المسلمين ويرسلون له الفتاة على سرير بعد أن يغسلوها ويكفنوها بثوب أبيض ويصلون عليها صلاة الجنازة ويعتبرونها في عداد الأموات، فلامهم السلطان وقال لهم: لا خوف عليهم بعد الآن وانضموا إلى صفوفه.

стр. 5780

ويقول المؤلف: إن جيوش المسلمين اجتمعت في دير برهان، وقال لهم الإمام: الحمد لله فقد فتح علينا الحبشة كلها ولم يبق إلا التجري، وبقي مدر، والقوجام، أي ما بقي إلا هذه البلاد، فإما أن نسير إليها أو نجلس هنا، ما تشيرون بارك الله فيكم؟. فاتفق الرأي على أن يطاردوا الملك حيثما كان، وفتح الإمام أرض التجري، ثم سار إلى بقي مدر في رمضان سنة ٩٤١ هـ وهزم في طريقه جيوش الحبشة وقتل البطارقة، ثم دخل بلاد سمنين وكانت للفلاشا يهود الحبشة، فخلصهم من ظلم البطارقة وفرض عليهم الجزية، وفتح بقي مدر، ونزل ببلاد الدنبية وسار إلى بلاد النوبة وأرض القجام. وختم المؤلف هذا القدر من الكتاب بفتح الإمام لجزيرة قليلة المجاورة لأرض النوبة ومطاردة النصارى بها واستقباله لبعض الأشراف المسلمين من بلاد الدنبية وإصلاحه بينهم وإقطاعهم أرضا إلى أطراف النوبة، ويحمد الله على دين الإسلام الذي أظهره على الدين كله. وبهذا يتم الجزء الأول من هذا الكتاب، أما الجزء الثاني فلا نعرف عنه شيئا ولكن يغلب على الظن أنه تناول فيه بقية أخبار الإمام أحمد بن إبراهيم إلى أن استعان الأحباش بالبرتغاليين للوقوف في وجه تلك الفتوح واغتيالهم للإمام أحمد، يقول صاحب الجواهر الحسان الشيخ أحمد الحنفي القنائي الأزهري: في سنة ٩٤٨ من الهجرة تقريبا: دخل جيش برتغالي إلى هذه البلاد بدعوى المحافظة على موازنتها ومنع مسلمي قبائل الجالا من مضايقة ملكها (ص ١٧) ولكنه لم يحدثنا بمثل حديث عرب فقيه، بل ولا حدثنا، أي مؤلف بمثل حديثه. إن كل مسلم عربي أو غير عربي يشعر بأن صليبية الحبشة عادت سيرتها الأولى، ومن المحزن أننا نسمع عن تلك الغارات التي تضن بالطائرات على إخواننا المسلمين، ونسمع عن معاونة الدول الشيوعية لسفاحي الحبشة بالسلاح والعتاد بل وبالرجال، وإذا صدق ما يقال من أن بعض الدول الإسلامية تعين السفاحين بصورة ما من المعونات فتلك لعمري مصيبة المصائب وعار الدهر وخزي الأبد.

стр. 5781

متى أن إخواننا المسلمين في إريتريا وأوجادين يلقون منا العون والمساعدة، ولنعلنها صريحة أننا إلى جانب إخواننا في الصومال وإرتيريا وأنه لن يثنينا عن معاونتهم أي حائل مهما عظم، حتى نعز الإسلام وأهله في تلك البلاد وحتى لا نقول كما قال رينيه باسيه: إن فتوحات أحمد جران كانت آخر الفتوحات الإسلامية لأقاليم الحبشة التي وعتها عقول الغرب والشرق.

стр. 5782

محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري . فارس نبي الله (١) اللواء الركن محمود شيت خطاب (٢) نسبه وأيامه الأولى: هو محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو، وهو النبيت بن مالك من الأوس (٣)، حليف بني عبد الأشهل (٤) من الأوس (٥) أيضا. وأمه: أم سهم، واسمها خليدة بنت أبي عبيد بن وهب بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب، من الخزرج (٦). يكنى: أبا عبد الرحمن، وقيل: بل يكنى: أبا عبد الله، (٧) ويبدو أنه كان يكنى أبا عبد الرحمن وهو ولده الأكبر، فمات عبد الرحمن فأصبح يكنى أبا عبد الله، وهذه هي عادة العرب قديما وحديثا، يكنون باسم ولدهم الأكبر، فإذا مات يكنون باسم الذي يليه في الكبر.

стр. 5783

أسلم محمد بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، (١) وهو ممن سمي في الجاهلية محمدا، (٢) لما كان يبلغهم أنه يبعث في العرب نبي يقال له: محمد، (٣) وكان أهل الأديان السابقة ومنها من كان في المدينة يتحدثون بقرب ظهور نبي من العرب، مما يدل على استعداده واستعداد أهله لاعتناق الدين الجديد. وقد آخى النبي ﷺ بعد الهجرة بين محمد بن مسلمة، وأبي عبيدة بن الجراح (٤). ولما بدأ الجهاد العملي بين المسلمين من جهة والمشركين ويهود من جهة أخرى، شهد محمد بدرا والمشاهد كلها (٥) مع رسول الله ﷺ عدا غزوة تبوك، فإن رسول الله ﷺ استخلفه على المدينة حين خرج إلى تبوك، (٦) ولكنه شارك بماله في هذه الغزوة إذ حمل إلى النبي ﷺ مالا، (٧) وهو ما تيسر لديه يومئذ مشاركا في جيش العسرة. وسنلمس بوضوح مبلغ جهاده وجهوده في الغزوات والسرايا وشيكا.

стр. 5784

في الغزوات ١ - وشهد محمد بن مسلمة غزوة بني قينقاع من يهود، ويبدو أنه أبلى فيها بلاء حسنا فكرمه النبي ﷺ ووهب له درعا من دروعهم، (١) كما أنه تولى إجلاءهم وقبض أموالهم (٢). ٢ - وكان له مواقف مشرفة في غزوة " أحد "، فقد ولاه النبي ﷺ الحرس، فكان يطوف حول العسكر وفي العسكر، في خمسين رجلا، (٣) وكان فيمن ثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ حين ولى الناس، (٤) فقد ثبت النبي ﷺ في نفر صبروا معه، أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار، منهم محمد بن مسلمة (٥) قال محمد بن مسلمة: " سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول الله ﷺ يقول يومئذ: إلي يا فلان! إلي يا فلان! أنا رسول الله! فما عرج منهما واحد عليه ومضيا "، (٦) فقد كان الموقف عصيبا إلى أبعد الحدود. وبعد أن عاد المسلمون إلى المدينة ليلا بعد يوم أحد، خرج محمد بن مسلمة يطلب من النساء ماء، وكن قد جئن أربع عشرة امرأة، منهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ يحملن الطعام والشراب على ظهورهن ويستقين الجرحى ويداوينهم، (٧) وهكذا لم يقتصر نشاط محمد بن مسلمة على القتال، بل امتد نشاطه إلى القضايا الإدارية أيضا، فقد أشرف على العملية الإدارية التي نهض بها نساء المسلمين، فلما لم يجد عندهم ماء، وكان النبي ﷺ قد عطش يومئذ عطشا شديدا، ذهب ابن مسلمة

стр. 5785

إلى قناة وأخذ سقاءه حتى استقى من حسي، فأتى بماء عذب، فشرب رسول الله ﷺ ودعا لمحمد بن مسلمة بخير (١). ٣ - وفي غزوة بني النضير من يهود، التي كان سببها المباشر محاولة يهود الغدر بالنبي ﷺ ، وكان يومئذ في زيارتهم لمعاونته في تحمل ديتين لرجلين قتلهما أحد المسلمين (٢) ورجع النبي ﷺ من بني النضير إلى المدينة، وتبعه أصحابه، فأرسل إلى محمد بن مسلمة يدعوه، فقال أبو بكر الصديق: " يا رسول الله! قمت ولم نشعر "، فقال رسول الله ﷺ : «همت يهود بالغدر بي». وجاء محمد بن مسلمة، فقال: «اذهب إلى يهود بني النضير، فقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلده». ولما جاءهم ابن مسلمة قال لهم: «إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم ليقول لكم: قد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي. . ويقول: اخرجوا من بلدي، فقد أجلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه "، قالوا: "يا محمد! ما كنا نرى أن يأتي بذلك رجل من الأوس!! (٣)» وكان الأوس حلفاء بني النضير. وحاصرهم النبي ﷺ خمسة عشر يوما، فأجلاهم رسول الله ﷺ ، وولي إخراجهم محمد بن مسلمة (٤) كما ولي قبض أموالهم وسلاحهم (٥). ولم يكن تكليف محمد بن مسلمة بتبليغ بني النضير بالجلاء، وتوليته إجلاءهم وإخراجهم من ديارهم وقبض أموالهم وسلاحهم، إلا لأنه من الأوس حلفاء بني

стр. 5786

النضير، فأثبت محمد بن مسلمة أن ولاءه للإسلام وحده لا لأعداء الإسلام حتى ولو كانوا من حلفائه المقربين إلى قومه، وبذلك حلت مثل الإسلام مكان تقاليد الجاهلية، وكان ما فعله محمد بن مسلمة اختبارا عمليا لإيمانه العميق بالمثل الإسلامية الجديدة وتخليه نهائيا عن تقاليد الجاهلية البالية. ٤ - وفي غزوة " دومة الجندل "، تفرق المشركون، فنزل رسول الله ﷺ بساحتهم، فلم يجد بها أحدا، فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها حتى غابوا عنه يوما ثم رجعوا إليه، ولم يصادفوا منهم أحدا، إلا أن محمد بن مسلمة أخذ رجلا منهم، فأتى به النبي ﷺ فسأله عن أصحابه فقال: " هربوا أمس حيث سمعوا بأنك قد أخذت نعمهم " فعرض عليه رسول ﷺ الإسلام أياما، فأسلم الرجل، فرجع النبي ﷺ إلى المدينة (١). ٥ - وشهد محمد بن مسلمة الخندق، (٢) فأقبل خالد بن الوليد في ليلة من ليالي تلك الغزوة في مائة فارس، أقبلوا حتى وقفوا وجاه قبة النبي ﷺ ، فأنذر محمد بن مسلمة قائد حرس النبي ﷺ عباد بن بشر، وأقبل خالد في ثلاثة نفر هو رابعهم، فقال: " هذه قبة محمد! ارموا. . ارموا. " فقاومهم محمد بن مسلمة، حتى وقف ومن معه من المسلمين على شفير الخندق، وخالد ومن معه بشفير الخندق من الجانب الآخر، حتى ردهم المسلمون ولم ينالوا خيرا (٣) وذكر محمد بن مسلمة أنه كان مع قسم من المسلمين حول قبة رسول الله ﷺ يحرسونه، إذ وافت أفراس على (سلع)، فبصر بهم عباد بن بشر، فأخبرهم بهم، فمضى إلى الخيل، وعباد قائم على باب قبة النبي ﷺ ، آخذا بقائم السيف ينتظر عودة محمد بن مسلمة إلى موضعه

стр. 5787

في حراسة قبة النبي ﷺ ، ثم يقول ابن مسلمة: " كان ليلنا بالخندق نهارا، حتى فرجه الله "، (١) يريد أنهم يسهرون الليل كله خوفا من مباغتة قريش لهم، وحرصا على سلامة النبي ﷺ والمسلمين.

стр. 5788

٦ - بني قريظة - وفي غزوة بني قريظة من يهود، كان محمد بن مسلمة أحد فرسان المسلمين، (١) وقد ذكر أن المسلمين حاصروهم قبل الفجر، وجعلوا يدنون من الحصن ويرمونهم عن كثب، ولزموا حصونهم لا يفارقونها حتى حل المساء، والنبي ﷺ يحضهم على الجهاد والصبر. وبات المسلمون حول حصون يهود حتى تركوا قتال المسلمين وطلبوا أن يفاوضوا النبي ﷺ ، فوافق النبي ﷺ على المفاوضة، فأنزلوا نباش بن قبس أحدهم، فكلم رسول الله ﷺ ساعة، وقال: " يا محمد انزل على ما نزلت عليه بنو النضير: لك الأموال والسلاح، وتحقق دماءنا ونخرج من بلادكم بالنساء والذراري، ولنا ما حملت الإبل إلا السلاح "، فأبى رسول الله ﷺ ، فقالوا: " ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل " فقال: رسول الله ﷺ : لا، إلا أن تنزلوا على حكمي (٢). واشتد حصار المسلمين لبني قريظة، «وكان محمد بن مسلمة على حرس النبي ﷺ ، فمر بالحرس عمرو بن سعدى الذي لم يشايع بني قومه من يهود على نقضهم عهودهم، فقال ابن مسلمة: " من هذا؟ " فقال: " عمرو بن سعدى " فقال ابن مسلمة: " مر! اللهم لا تحرمني من إقالة عثرات الكرام "، فخلى سبيله، وخرج حتى أتى مسجد رسول الله ﷺ ، فبات به حتى أصبح، فلما أصبح غدا فلم يدر أين هو حتى الساعة، فسئل رسول الله ﷺ عنه فقال: " ذلك رجل نجاه الله بوفائه (٣)».

стр. 5789

ولما جهدهم الحصار، نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بأسراهم، فكتفوا رباطا، وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة (١). ووصف محمد بن مسلمة الموقف الراهن فقال: «وتنحى رسول الله ﷺ ، ودنت الأوس إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! حلفاؤنا دون الخزرج، وقد رأيت ما صنعت ببني قينقاع بالأمس، حلفاء ابن أبي: ونصبت له ثلاثمائة حاسر وأربعمائة ذراع، وقد ندم حلفاؤنا على ما كان من نقضهم العهد، فهبهم لنا! ورسول الله ساكت لا يتكلم، حتى أكثروا عليه وألحوا ونطقت الأوس كلها، فقال رسول الله ﷺ : أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟ قالوا: بلى! قال: فذلك إلى سعد بن معاذ، وسعد يومئذ في المسجد في خيمة يداوي جرحه. وجاء سعد، فأكثر عليه الأوس. فقال: " قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم "، وأقبل إلى رسول ﷺ ، فقال: " أحكم فيهم أن يقتل من جرت عليه الموسى، وتسبى النساء والذرية، وتقسم الأموال "، فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»، (٢). فنفذ فيهم الحكم العادل (٣). وابتاع محمد بن مسلمة من السبي ثلاثة: امرأة معها أبناها، بخمسة وأربعين دينارا، وكان ذلك حقه وحق فرسه من السبي والأرض والرثة، (٤)، وكان أسهم النبي ﷺ للفارس ثلاثة أسهم: له سهم ولفرسه سهمان (٥). ٧ - وشهد محمد بن مسلمة غزوة " الحديبية "، (٦)، فكان أحد فرسان الطليعة التي قدمها رسول الله ﷺ بإمرة عباد بن بشر والمؤلفة من عشرين فارسا (٧).

стр. 5790

وكان رسول الله ﷺ يأمر أصحابه بالحديبية يتحارسون الليل، فكان ثلاثة من أصحابه يتناوبون الحراسة أحدهم محمد بن مسلمة، وكان ابن مسلمة على فرس النبي ﷺ ليلة من تلك الليالي، وعثمان بن عفان بمكة بعد، وقد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا، وأمروهم أن يطوفوا بالنبي ﷺ رجاء أن يصيبوا منهم أحدا أو يصيبوا منهم غرة، فأخذهم محمد بن مسلمة وأصحابه فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ ، وكان عثمان بمكة قد أقام بها ثلاثا يدعو قريشا، وكأن رجال من المسلمين قد دخلوا مكة بإذن رسول الله ﷺ على أهليهم، فبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان وأصحابه قد قتلوا، فذلك حين دعا إلى البيعة تحت الشجرة على الموت، وبلغ قريش حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم إلى النبي ﷺ وأصحابه حتى تراموا بالنبل والحجارة، وأسروا حينئذ من المشركين أسرى (١). وعندما عقد صلح الحديبية بين المسلمين وقريش، كان محمد بن مسلمة أحد الشهود المسلمين على عقد صلح مع جماعة من المسلمين منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم ﵃ جميعا (٢). ٨ - وشهد محمد بن مسلمة غزوة " خيبر "، (٣) «فدعاه رسول الله ﷺ وقال: انظر لنا منزلا بعيدا من حصونهم بريئا من الوباء، نأمن فيه بياتهم، فطاف ابن مسلمة حتى انتهى إلى " الرجيع "،، " ثم عاد إلى النبي ﷺ ليلا فقال: " وجدت لك منزلا "، فقال رسول الله ﷺ : على بركة الله، فلما أمسى رسول الله ﷺ تحول وأمر الناس فتحولوا إلى الرجيع (٥)».

стр. 5791

وقد شارك محمد بن مسلمة في قطع النخل الذي يحيط بحصن " النطاة " أحد حصون خيبر، فكان ينظر إلى صور (١) من كبيس (٢) ويقول: " أنا قطعت هذا الصور بيدي حتى سمعت بلالا ينادي عزمة من رسول الله ﷺ : لا يقطع النخل! فأمسكنا " (٣). وكان محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة يقاتل مع المسلمين يومئذ، وكان يوما صائفا شديد الحر، وهو أول يوم قاتل فيه رسول الله ﷺ أهل حصن النطاة وبها بدأ، فلما اشتد الحر على محمود وعليه أداته كاملة، جلس تحت حصن ناعم يبتغي فيئه، ولا يظن محمود أن فيه أحدا من المقاتلة، إنما ظن أن فيه أثاثا ومتاعا، وناعم يهودي وله حصون ذوات عدد، فكان هذا منها - فدلى عليه مرحب اليهودي رحى، فأصاب رأسه، فاستشهد في المعركة (٤). وخرج مرحب اليهودي من حصنهم، قد جمع سلاه يرتجز وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب ... يحجم عن صولتي المجرب وهو يقول: من يبارز؟ «فقال رسول الله ﷺ : من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: " أنا له يا رسول الله! أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس، فقال: فقم إليه! اللهم أعنه عليه (٥)». فلما دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عمرية (٦) من شجر العشر، (٧) فجعل أحدهما يلوذ بها (٨) من صاحبه، كلما لاذ بها منه أقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن (٩) ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه

стр. 5792

فاتقاه بدرقة (١) فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله (٢). والصحيح الذي عليه أكثر أهل السير وأهل الحديث أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه هو الذي قتل مرحبا اليهودي بخيبر (٣). وبرز أسير اليهودي، وكان رجلا أيدا، وكان إلى القصر، فجعل يصيح: " من يبارز؟ "، فبرز له محمد بن مسلمة، فاختلفا ضربات، ثم قتله محمد بن مسلمة (٤). وكان يهود خيبر في حصونهم يرمون المسلمين بالسهام، ويحاولون قتل النبي ﷺ ، فكان محمد بن مسلمة، فيمن ترس عن النبي ﷺ ، قال محمد بن مسلمة: " كنت فيمن ترس عن النبي ﷺ ، فجعلت أصيح بأصحابه: تراموا بالحجف! (٥)، ففعلوا فرمونا حتى ظننت ألا يقلعوا، فرأيت رسول الله ﷺ رمى بسهم، فما أخطأ رجلا منهم، وتبسم إلي رسول الله، ﷺ وانفرجوا ودخلوا الحصن " (٦). وحين استسلم أحد الحصون عنوة للمسلمين، دفع النبي ﷺ كنانة بن أبي الحقيق، إلى محمد بن مسلمة، فقتله بأخيه الشهيد محمود بن مسلمة (٧) الذي استشهد في تلك الغزوة، وأخذ سهمه من الأرض واشترى من غيره أيضا (٨) وكان رسول الله ﷺ لما فتح خيبر سأله يهود فقالوا: "يا محمد! نحن أرباب النخل وأهل المعرفة بها "، فساقاهم رسول الله ﷺ خيبر على شطر من التمر والزرع، وكان

стр. 5793

يزرع تحت النخل، فقال رسول الله ﷺ : أقركم على ما أقركم الله، فكانوا على عهد رسول الله ﷺ حتى توفي، وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر بن الخطاب، (١) ثم أجلي عنها يهود، وبقي محمد محافظا على ما يملك من أرض خيبر (٢). ٩ - ولما خرج رسول الله ﷺ على عمرة القضية " غزوة القضية " فانتهى إلى (ذي الحليفة)،. قدم الخيل أمامه وهي مائة فرس، واستعمل عليها محمد بن مسلمة (٣)، وسار رسول الله ﷺ يلبي والمسلمون يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى " مر الظهران "، فوجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة فقال: " هذا رسول الله ﷺ يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله ". فرأوا سلاحا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فقالوا: در والله ما أحدثنا حدثا، ونحن على كتابنا ومدننا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟! " ونزل رسول الله ﷺ مر الظهران، وقدم رسول الله ﷺ السلاح إلى بطن " يأجج " (٤). حيث ينظر إلى أنصاب الحرم «وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش، حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله ﷺ في أصحابه والهدي والسلاح قد تلاحقوا، فقالوا: " يا محمد! والله ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر! تدخل بالسلاح الحرم على قومك، وقد شرطت ألا تدخل إلا بسلاح المسافر. السيوف في القرب "، فقال رسول الله ﷺ : لا ندخلها إلا كذلك (٥)». ١٠ - وهكذا بذل محمد بن مسلمة قصارى جهوده وغاية جهاده في غزوات النبي ﷺ جنديا من جنود المسلمين، وقائدا مرءوسا من قادتهم الذين عملوا تحت راية الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام.

стр. 5794

قائد السرايا: ا - سريته إلى كعب بن الأشرف اليهودي: وكان ذلك في شهر ربيع الأول من السنة الثالثة الهجرية (٦٢٤ م). ولما اتصل بكعب بن الأشرف - وهو رجل يهودي من نبهان من طيئ وأمه من بني النضير - قتل صناديد قريش ببدر قال: " بطن الأرض خير من ظهرها ". ونهض ابن الأشرف إلى مكة، فجعل يرثي قتلى قريش، ويحرض على قتال النبي ﷺ ، ويشبب بنساء المسلمين قصدا لإيذاء أزواجهن، وكان شاعرا، ثم عاد من مكة إلى المدينة، فلم يزل يؤذي رسول الله ﷺ ويدعو إلى خلافه ويسب المسلمين حتى آذاهم أعظم الأذى، فقال رسول الله ﷺ : «من لي بابن الأشرف، فإنه يؤذي الله ورسوله والمؤمنين؟، فقال، محمد بن مسلمة: " أنا له يا رسول الله، أنا أقتله إن شاء الله " فقال: فافعل إن قدرت على ذلك (١)». ومكث محمد بن مسلمة أياما مشغول النفس بما وعد رسول الله ﷺ من نفسه في قتل ابن الأشرف، فانتدبه رسول الله ﷺ وانتدب معه سلكان بن سلامة بن وفش أبا نائلة أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وفش والحارث بن أوس بن معاذ، وهما من بني عبد الأشهل، وأبا عبس بن جبر أخا بني حارثة، (٢)، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا غير ما يعتقدون،، على سبيل جواز ذلك في الحرب. وقدموا إلى ابن الأشرف سلكان بن سلامة، فقصد له وأظهر له موافقته على

стр. 5795

الانحراف من رسول الله ﷺ وشكا إليه ضيق حالهم، وكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعاما، فيرهنوه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. ورجع سلكان إلى أصحابه، فخرجوا إلى ابن الأشرف اليهودي، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى " بقيع الغرقد " (١). في ليلة مقمرة، فأتوا كعبا، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا، فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مغولا، كان معه في ثنته (٢)، فقتله. وصاح ابن الأشرف صيحة شديدة انذعر بها أهل الحصون حواليه، فأوقدوا النيران دون جدوى. وجرح الحارث بن أوس في رجله ببعض سيوف أصحابه أو في رأسه، فنزفه الدم، وتأخر قليلا عن أصحابه، الذين سلكوا على بني أمية بن زيد إلى بني قريظة، إلى " بعاث "، إلى " حرة العريض " (٣)، فانتظروا صاحبهم الحارث هناك حتى وافاهم، فأتوا به رسول الله ﷺ في آخر الليل وهو يصلي، فأخبروه بقتل ابن الأشرف. وهكذا انتهت حياة أحد أعداء المسلمين الذي آذاهم وحرض عليهم كثيرا.

стр. 5796

٢ - سريته إلى القرطاء: خرج محمد بن مسلمة من المدينة المنورة لعشر ليال خلون من شهر المحرم على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجر رسول ﷺ في السنة السادسة الهجرية، بعثه في ثلاثين راكبا إلى القرطاء، والقرطاء بنو قرط وقريط بنو عبد الله بن أبي بكر بن

стр. 5797

كلاب، وهم بطن من بني بكر من كلاب، وكانوا ينزلون " البكرات " (١)، بناحية " ضرية "، وبين ضرية والمدينة سبع ليال. وأمر النبي ﷺ محمد بن مسلمة أن يشن على القرطاء الغارة، فسار الليل، وكمن النهار، وأغار عليهم، فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم واستاق نعما وشاء، ولم يطارد الذين هربوا من القرطاء. وانحدر محمد بن مسلمة إلى المدينة، فخمس رسول الله ﷺ ما جاء به، وأخذ أصحاب ابن مسلمة ما بقي، فعدلوا الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا، والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة، وقدم لليلة التي بقيت من المحرم (٢). وقد استطاع محمد بن مسلمة بهذه العملية السريعة الخفيفة، أن يباغت العدو مباغتة كاملة بالزمان، فانتصر عليه بسهولة ويسر انتصارا ساحقا.

стр. 5798

٣ - سريته إلى ذي القصة: بعث النبي ﷺ محمد بن مسلمة إلى " ذي القصة " (١) في شهر ربيع الآخر سنة ست من الهجرة، في عشرة نفر إلى بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة بن سعد، وهم بذي القصة، وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا على طريق " الربذة "، فورد المسلمون عليهم ليلا، فأحدق بهم القوم وهم مائة رجل، فتراموا ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوا المسلمين.

стр. 5799

ووقع محمد بن مسلمة جريحا، فضرب كعبه فلا يتحرك، وجرد المشركون المسلمين من الثياب، فمر بمحمد بن مسلمة، رجل من المسلمين، فحمله على بعيره ورد به المدينة المنورة. وبعث النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارع القوم، فلم يجدوا أحدا، ووجدوا نعما وشاء فساقه ورجع إلى المدينة (١). وقد نجا محمد بن مسلمة من الموت، لأن المشركين بعد إصابته بجروح بليغة، ظنوا أنه قد قضى نحبه كسائر أفراد سريته، ولكنه لم يكن قد مات، فنجا من الموت ليواصل خدمة الإسلام والمسلمين، من جديد.

стр. 5800

مع الخلفاء الراشدين ا - مع عمر: أ - كان محمد بن مسلمة صاحب العمال أيام عمر بن الخطاب، فكان عمر إذا شكي إليه عامل أرسل محمدا يكشف الحال، (١)، فكان يشغل منصب المفتش العام للولاة حسب المصطلحات الإدارية الحديثة. وقد أنشأ سعد بن أبي وقاص لسكناه دارا في الكوفة من نقض (٢) آجر قصر كان للأكاسرة في ضواحي مدينة " الحيرة ". وكانت الأسواق قريبة من داره، وكانت الأصوات المرتفعة تمنع سعدا الحديث، فلما أنجز بناء الدار، ادعى الناس عليه ما لم يقل، فقالوا: قال سعد: " سكن عنى الصويت " (٣).

стр. 5801

وبلغ عمر بن الخطاب ﵁ ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأن الناس يسمون داره قصر سعد! فدعا محمد بن مسلمة وأرسله إلى الكوفة وقال له: اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه، ثم ارجع عودك على بدئك " (١). وخرج محمد بن مسلمة من المدينة إلى الكوفة، فلما قدم الكوفة اشترى حطبا، ثم أتى دار سعد، فأحرق الباب (٢). وأتي سعد، فأخبر الخبر، فقال: " هذا رسول أرسل لهذا الشأن "، وبعث لينظر من هو الذي حرق باب داره، فإذا هو محمد بن مسلمة، فأراده على النزول والدخول، فأبى فعرض عليه نفقة، فلم يأخذ شيئا. وخرج سعد إلى محمد بن مسلمة، فدفع ابن مسلمة كتاب عمر إلى سعد: " بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا، يسمى: قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك ولكنه قصر الخبال، انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت "، فحلف سعد ما قال الذي قالوا!! ورجع محمد بن مسلمة من الكوفة إلى المدينة، حتى إذا دنا من المدينة نفذ زاده، فجعل يأكل قشر الشجر، فأقبل على عمر وقد مرض لسبب ذلك، فأخبره خبره كله، فقال عمر: " هلا قبلت من سعد!؟ " فقال محمد بن مسلمة: " لو أردت ذلك، كتبت لي به، أو أذنت لي فيه " فقال عمر: " إن أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه، عمل بالحزم أو قال به ". وأخبر ابن مسلمة عمر بن الخطاب ﵄ بيمين سعد، وقوله، فقال عمر: " هو أصدق ممن روى عليه وممن أبلغني "، وقد حدث ذلك سنة سبع عشرة الهجرية (٦٣٨) م.

стр. 5802

ب - اتهم نفر من بني " أسد " سعدا في دينه وصلاته وعدله!! فشكوه إلى عمر بن الخطاب ﵁، في أحرج أوقات الفتح الإسلامي، فقد اجتمعت قوى الفرس كلها في " نهاوند " وأخذ المسلمون والفرس يستعدون لخوض معركة حاسمة، خاصة وأن سعدا هو القائد العام، وهو المسئول الأول عن الفتح في الشرق. وقال عمر لأولئك النفر: " إن الدليل على ما عندكم من الشر، نهوضكم في هذا الأمر وقد استعد لكم من استعد! وايم الله، لا يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم، وإن نزلوا بكم " ثم بعث محمد بن مسلمة للتحقيق. وقدم ابن مسلمة الكوفة، فأجرى التحقيق مع سعد بن أبي وقاص علنا، ذلك أنه كان يأخذ سعدا من مسجد إلى مسجد من مساجد الكوفة، ويسأل الناس عنه وعن سيرته فيهم علنا، فيقولون: لا نعلم إلا خيرا، ولا نشتهي به بديلا. ووصل ابن مسلمة بسعد إلى الجماعة التي كانت تمالئ أصحاب الشكوى على سعد، فلم تجرؤ أن تطعن عليه أو تقول فيه سوءا. وانتهى ابن مسلمة بسعد إلى مسجد بني عبس، فقال محمد بن مسلمة: " أنشد الله رجلا يعلم حقا إلا قال "، فقال أسامة بن قتادة: " اللهم إن نشدتنا، فإنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية "، فقال سعد: " اللهم إن كان قالها كاذبا ورئاء وسمعة، فأعم بصره، وأكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن " فعمي، واجتمع عنده عشرة بنات، وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسها، فإذا عثر عليه قال: " دعوة سعد الرجل المبارك " (١).

стр. 5803

وقال سعد: " إني لأول رجل أهرق دما من المشركين. ولقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه، وما جمعهما لأحد قبلي، وقد رأيتني خمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أني لا أحسن أصلي، وأن الصيد يلهيني " (١). وخرج محمد بن مسلمة بسعد وبخصومه إلى عمر بن الخطاب ﵁، حتى قدموا عليه، فأخبره الخبر، فقال: " يا سعد! ويحك كيف تصلي؟ "، قال سعد: " أطيل الأوليين وأحذف الأخريين "، فقال عمر: " هكذا الظن بك "، ثم قال: " لولا الاحتياط لكان سبيلهم بينا " (٢). وعزل عمر سعدا سنة إحدى وعشرين للهجرة (٣) (٦٤١م) وولى عمار بن ياسر مكانه، ولم يعزل سعدا عن عجز أو خيانة، كما قال عمر، (٤) فاتهم أهل الكوفة عمار بن ياسر بالضعف وأنه لا علم له بالسياسة، فعزله عمر وهو يقول: " من عذيري من أهل الكوفة! إن استعملت عليهم القوي فجروه، وإن دليت عليهم الضعيف حقروه! " (٥). جـ - وكان عمر بن الخطاب يرسل محمد بن مسلمة إلى عماله ليأخذ شطر أموالهم لثقته به، (٦) وقد بعثه عمر إلى عمرو بن العاص عامله على مصر، فقاسمه ماله (٧). لقد كان عمر يكتب أموال عماله إذا ولاهم، ثم يقاسمهم ما زاد على ذلك، وربما أخذه منهم، فكتب إلى عمرو بن العاص: " أنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم يكن حين وليت مصر "، فكتب إليه عمرو: " إن أرضنا أرض

стр. 5804

مزدرع ومتجر، فنحن نصيب فضلا عما نحتاج إليه لنفقتنا "، فكتب إليه: " إني قد خبرت من عمال السوء ما كفى، وكتابك إلي كتاب من أقلقه الأخذ بالحق، وقد سؤت بك ظنا، وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك، فأطلعه طلعه وأخرج إليه ما يطالبك، وأعفه من الغلظة عليك، فإنه برح الخفاء "، فقاسمه ماله. وقال عمرو: " إن زمانا عاملنا فيه ابن حنتمة (١) هذه المعاملة لزمان سوء. لقد كان العاص يلبس الخز بكفاف الديباج "، فقال محمد بن مسلمة: " مه! لولا زمان ابن حنتمة، هذا الذي تكرهه، ألفيت معتقلا عنزا بفناء بيتك، يسرك غزرها، ويسوءك بكووها "، قال: " أنشدك الله أن تخبر عمر بقولي، فإن المجالس بالأمانات "، فقال: " لا أذكر شيئا مما جرى بيننا، وعمر حي " (٢). لقد كان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما يريد، بعث محمد بن مسلمة، وكان معدا لكشف الأمور المعضلة في البلاد (٣). ويمكن أن نتصور مبلغ عفة محمد بن مسلمة ونزاهته وذكائه وقوة شخصيته وثقته بنفسه والتزامه المطلق بقول الحق وإقراره، بحيث إن عمر بن الخطاب، وهو من هو أمانة وحرصا على مصلحة المسلمين يعتمد عليه اعتمادا بلا حدود في قضايا الولاة ومحاسبة المنحرفين منهم محاسبة لا هوادة فيها، كما استعمله على صدقات بني جهينة، (٤) مما يدل على أنه كان مثاليا في عفته ونزاهته، متفوقا في ذكائه وقوة شخصيته، واثقا بنفسه أعظم الثقة، ملتزما بقول الحق أشد الالتزام، وتلك ثمرة من ثمرات إيمانه العميق بعقيدته وعمله بهذه العقيدة وإخلاصه في عمله.

стр. 5805

٢ - مع عثمان: أ - تصاعد شغب قسم من الناس على ولاتهم سنة خمس وثلاثين للهجرة (٦٥٥ م) بدس عبد الله بن سبأ الذي كان يهوديا وأسلم أيام عثمان، ثم تنقل بالحجاز ثم بالبصرة ثم بالكوفة ثم بالشام يريد إضلال الناس، فلم يقدر منهم على ذلك، فأخرجه أهل الشام، فأتى مصر وأقام فيهم وقال لهم: " العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمدا يرجع "، فوضع لهم الرجعة، فقبلت منه، ثم قال هم بعد ذلك: " إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ، ووثب على وصيه وإن عثمان أخذها بغير حق، فانهضوا في هذا الأمر وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس ". وبث دعاته، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا بالسر إلى ما هو عليه رأيهم، وصاروا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيب ولاتهم، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يضعون، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلى به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس!! وأتى أهل المدينة عثمان فقالوا: " يا أمير المؤمنين! أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ " فقال: " ما جاء إلا السلامة، وأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا علي "، قالوا: " نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار، حتى يرجعوا إليك بأخبارهم ". ودعا عثمان محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام، وفرق رجالا سواهم، فرجعوا جميعا فقالوا: " ما أنكرنا شيئا أيها الناس ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم " (١).

стр. 5806

لقد كان محمد بن مسلمة موضع ثقة عثمان كما كان موضع ثقة أبي بكر الصديق وعمر الفاروق ﵃ جميعا من قبله، كما كان موضع ثقة النبي ﷺ ﷺ الكاملة فانتدبه عثمان إلى أخطر الثغور الإسلامية: الكوفة، لينقل إليه آلام الناس وآمالهم، فما وجد ابن مسلمة ولا وجد غيره من الموفدين ما كان يذيعه المغرضون، بل وجدوا الأمور تدعو إلى الاطمئنان. وخرج أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وأظهروا أنهم يريدون الحج، فلما كانوا من المدينة على ثلاث تقدموا إلى معسكرات قريبة من المدينة، ثم اقتحموا المدينة، فلما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم المدينة، خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال: " يا هؤلاء! الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فامحوا الخطأ بالصواب "، فقام محمد بن مسلمة فقال: " أنا أشهد بذلك ". وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشيا عليه، فأدخل داره (١). واستنجد عثمان بعلي بن أبي طالب ﵄، فأمر الناس بالركوب إلى معسكر أهل الفتنة الذين يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عما يكرهون، فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلا، فأتوا المصريين وكلموهم، وكان الذي يكلمهم علي ومحمد بن مسلمة، فسمعوا مقالتهما ورجعوا إلى مصر، فقال قائد المصريين (٢) لمحمد بن مسلمة: " أتوصينا بحاجة؟ "، قال: " نعم، تتقي الله، ترد من قبلك عن إمامهم، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع ". فقال: " أفعل إن شاء الله " (٣).

стр. 5807

وعاد المصريون إلى مصر ولكنهم رجعوا ثانية من الطريق إلى المدينة، كما عاد الكوفيون والبصريون، فخرج إليهم محمد بن مسلمة وسألهم عن سبب عودتهم، فأخرجوا له صحيفة في أنبوبة رصاص يأمر فيها عثمان عماله بجلد قادتهم وحلق رءوسهم ولحاهم وصلب بعضهم. ولما عاد أهل مصر أخبروا بذلك محمد بن مسلمة وقالوا له: " قد كلمنا عليا ووعدنا أن يكلمه، وكلمنا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، فقالا: " لا ندخل في أمركم "، وقالوا لمحمد بن مسلمة: ليحضر مع علي عند عثمان بعد الظهر، فوعدهم بذلك. ودخل علي ومحمد بن مسلمة على عثمان، فاستأذنا للمصريين عليه، وعنده مروان بن الحكم، فقال: " دعني أكلمهم ". فقال عثمان: " اسكت فض الله فاك! ما أنت وهذا الأمر؟ اخرج عني "، فخرج مروان. وقال علي ومحمد بن مسلمة لعثمان ما قال المصريون، فأقسم بالله ما كتبته ولا علم لي به، فقال محمد بن مسلمة: " صدق، هذا من عمل مروان ". ودخل عليه المصريون، فلم يسلموا عليه بالخلافة، وقالوا له من جملة ما قالوا: " وخرجنا من مصر ونحن نريد قتلك، فردنا علي ومحمد بن مسلمة، وضمنا لنا النزوع عن كل ما تكلمنا فيه، فرجعنا إلى بلادنا، فرأينا غلامك وكتابك وعليه خاتمك تأمر عبد الله (١) بجلدنا والمثلة بنا وطول الحبس". وحلف عثمان أنه ما كتب ولا أمر ولا علم، فقال علي ومحمد بن مسلمة: " صدق عثمان " ولكن المصريين رفضوا التراجع عن موقفهم إلا إذا استقال عثمان عن الخلافة، فإذا أبى فإنهم يقتلونه (٢) وحصر المصريون عثمان فما برحوا محاصريه حتى قتلوه (٣).

стр. 5808

لقد بذل محمد بن مسلمة قصارى جهده ليحول دون الفتنة، ووقف مواقف شجاعة مخلصة ليقول كلمة الحق أما الحشود الغاضبة، وبخاصة في مسجد النبي ﷺ ، حين صدق عثمان في روايته عن النبي ﷺ أن هذه الحشود ملعونة، فاعتدت تلك الحشود على عثمان وهو على المنبر حتى فقد وعيه وحمل إلى داره، فما سكت ابن مسلمة عن الحق ولا خشي غضبة الحشود عليه، وما قصر في نصح عثمان ولا في نصح تلك الحشود، ولكن الفتنة كانت أقوى من محاولاته ومحاولة غيره من المؤمنين الصادقين، ويبدو أن الأيدي الخفية التي لا تريد خير المسلمين هي التي كانت تحرك بمهارة تلك الحشود، فانهارت محاولات ابن مسلمة المخلصة الداعية الدائبة، وحققت الأيدي الخفية من أعداء الإسلام أهدافها في تفرقة كلمة المسلمين وإشاعة الفتنة بينهم، وأنهت حياة عثمان ﵁ فمضى مظلوما شهيدا، وتفرقت تلك الحشود إلى أمصارها لتزرع بذور الفتنة شرقا وغربا، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وتوقف الفتح الإسلامي، وأصبحت سيوف المسلمين عليهم لا على أعدائهم.

стр. 5809

- ٣ - اعتزال الفتنة الكبرى: هز مقتل عثمان بن عفان في مدينة الرسول ﷺ وهو خليفة المسلمين الشرعي، كثيرا من أصحاب النبي ﷺ ومنهم محمد بن مسلمة - هزا عنيفا، واعتبروا ما حدث فتنة من الفتن لا تبقي ولا تذر، ومن واجبهم وواجب كل مسلم ألا يشارك فيها بسيفه ولا يده ولا لسانه، وألا يدخر وسعا في إخماد أوارها ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن الخطأ أن نعتبر اعتزال محمد بن مسلمة الفتنة لأنه كان (عثمانيا) وأن نعتبر اعتزال أمثاله من كبار الصحابة، لأنهم كانوا عثمانيين، فما كان محمد بن مسلمة منتفعا من عثمان ولا من عهده ماديا ولا معنويا، ولا كان متهما بهذا الانتفاع من قريب أو بعيد، وما كان عثمان بالنسبة لمحمد بن مسلمة إلا رمزا للشرعية بالإضافة إلى مزاياه الأخرى التي لا يستطيع أن ينكرها عليه عدو ولا صديق، فإذا وقف محمد بن مسلمة إلى جانب عثمان سرا وعلنا، فقد وقف إلى جانب الشرعية دفاعا

стр. 5810

عن المثل الإسلامية وتعاليم الدين الحنيف، وخوفا من الفتنة التي تمزق صفوف المسلمين ومنعا لانتشارها المدمر، وقد حدث ما توقعه محمد بن مسلمة وتوقعه أمثاله من صحابة رسول الله ﷺ المتسمين ببعد النظر والإيمان العميق. ومن المؤكد أن موقف محمد بن مسلمة المسئول تجاه عثمان موقف ثابت مسئول لو كان الخليفة المعتدى عليه غير عثمان، فهو موقف مبدئي لا شك فيه وليس موقفا مصلحيا يتبدل بتبدل الظروف والأحوال. وأخذت الفتنة تستشري، فكانت وقعة " الجمل " بين الإمام علي بن أبي طالب وبين المعارضين لخلافته، فقتل يومئذ من المسلمين عشرة آلاف، وكان ذلك سنة ست وثلاثين للهجرة (١) (٦٥٦) م. ثم كانت معركة " صفين " بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قتل فيها من الفريقين ستون ألفا من المسلمين (٢). وهكذا تساقط المسلمون بسيوفهم، وتوقف الفتح الإسلامي نهائيا، وطمع الروم باستعادة ما فتحه المسلمون من بلادهم، فأصبح الطالب مطلوبا والمنتصر مهزوما. وما كان أمام محمد بن مسلمة إلا اعتزال الفتنة، فلم يكن مع الإمام علي بن أبي طالب ﵁، ولكنه لم يكن عليه، واعتزل معه جماعة من كبار الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب وغيرهم، (٣) فكانوا ممن اعتزل الحروب بالجمل وصفين ونحو ذلك (٤). واعتزل محمد بن مسلمة بالربذة (٥) في البادية عن المدينة وأهلها الذين فرقتهم الفتنة أيضا قال ضبيعة بن حصين الثعلبي: " كنا جلوسا مع حذيفة بن اليمان فقال: " إني لأعلم رجلا لا تنقصه الفتنة شيئا، فقلنا: من هو؟ فقال: محمد بن مسلمة

стр. 5811

الأنصاري. فلما مات حذيفة وكانت الفتنة، خرجت فيمن خرج من الناس، فأتيت أهل ماء، فإذا أنا بفسطاط مضروب متنحى تضربه الرياح، فقلت: لمن هذا الفسطاط؟ قالوا لمحمد بن مسلمة. فأتيته، فإذا هو شيخ. فقلت له: يرحمك الله! أراك رجلا من خيار المسلمين، تركت بلدك ودارك وأهلك وجيرتك، قال: " تركته كراهية الشر، ما في نفسي أن تشتمل على مصر من أمصارهم حتى تنجلي عما انجلت " (١). وقد روى محمد بن مسلمة، أن النبي ﷺ أعطاه سيفا وقال له: " قاتل به المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضا، فائت به " أحدا " فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية " (٢). وروى محمد بن مسلمة أن النبي ﷺ أعطاه سيفا فقال: «يا محمد بن مسلمة! جاهد بهذا السيف في سبيل الله، حتى إذا رأيت من المسلمين فئتين تقتتلان، فاضرب به الحجر حتى تكسره، ثم كف لسانك ويدك، حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة (٣)»، فلما قتل عثمان، وكان من أمر الناس ما كان، خرج إلى صخرة في فنائه، فضرب الصخرة بسيفه حتى كسره (٤). وذكر محمد بن مسلمة، أن رسول الله ﷺ أمره باعتزال الفتنة، (٥) فاتخذ سيفا من خشب (٦) قد نحته وصبره في الجفن معلقا بالبيت، وقال: " إنما علقته أهيب به ذاعرا " (٧). وهكذا تقاعد محمد بن مسلمة، فكسر سيفه الذي يقاتل به. حين أصبحت سيوف أكثر المسلمين تقاتل المسلمين ولا تقاتل أعداءهم، وأصبح سيفه من

стр. 5812

خشب لا يقتل مسلما، فتقاعد من كان يقال له. فارس نبي الله، (١) وما أتعبه الجهاد ولكن أتعبته الفتنة، فلم يلوث بها سيفه ولا يده ولا لسانه بدم مسلم أبدا.

стр. 5813

الإنسان: كان لمحمد بن مسلمة عشرة أبناء من الذكور، وست بنات: (١) عبد الرحمن وبه كان يكنى، وأم عيسى، وأم الحارث، وأمهم أم عمرو بنت سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل، وهي أخت سلمة بن سلامة. وعبد الله، وأم أحمد، وأمهما عمرة بنت مسعود بن أوس بن مالك بن سواد بن ظفر، وهو كعب بن الخزرج من الأوس. وسعد، وجعفر، وأم زيد، وأمهم قتيلة بنت الحصين بن ضمضم من بني مرة بن عوف بن قيس عيلان، وعمر، وأمه زهراء بنت عمار بن معمر من بني مرة ثم من بني مرة من بني خصيلة من قيس عيلان. وأنس وعمرة، وأمهما من الأطبا بطن من بطون كلب. وقيس، وزيد، ومحمد، وأمهم أم ولد. ومحمود لا عقب له، وحفصة، وأمهما أم ولد (٢). وصحب النبي ﷺ من أولاد محمد بن مسلمة: جعفر وعبد الله وسعد وعبد الرحمن وعمر (٣) خمسة ذكور. أخوه: محمود بن مسلمة، شهد أحدا والخندق وخيبر، ودلى عليه مرحب اليهودي يوم خيبر رحى فأصابه في رأسه، فهشمت البيضة رأسه، فمكث ثلاثة أيام ثم مات شهيدا (٤).

стр. 5814

وأخته: أم عميس بنت مسلمة، وهي امرأة رافع بن خديج، وهي التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (١) وهي من المبايعات لرسول الله ﷺ ، (٢) كما كانت زوج محمد بن مسلمة وهي عمرة من المبايعات (٣) أيضا، وكانت زوجه أم عمرو بنت سلامة بن وقش من المبايعات (٤) أيضا. وهكذا كان محمد بن مسلمة في بيت كله إيمان وتقوى. لقد كان من أكابر الصحابة (٥) ومن فضلائهم (٦) وسادتهم (٧) وشجعانهم، (٨) وكان موضع ثقة النبي ﷺ وثقة الخلفاء الراشدين من بعده. وصف شجاعته عباد بن بشر بن وقش الذي كان زميله في قتل اليهودي ابن الأشرف، فقال في قصيدته التي فيها: صرخت به فلم يعرض لصوتي ... وأوفى طالعا من رأس جدر (٩) فعدت فقال من هذا المنادي ... فقلت: أخوك عباد بن بشر (١٠) فعانقه ابن مسلمة المرادي (١١) ... به الكفار كالليث الهزبر (١٢) وشد بسيفه صلتا عليه ... فقطره أبو عبس بن جبر وكان الله سادسنا فأبنا ... بأنعم نعمة وأعز نصر (١٣)

стр. 5815

روى ستة عشر حديثا عن النبي ﷺ (١)، انفرد له البخاري بحديث، (٢) وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، وكان من أصحاب الفتيا من صحابة النبي ﷺ ، (٣) فكان من المحدثين الفقهاء الصحابة ﵃. وكان رجلا أسود طويلا عظيما " ضخم البدن " أصلع (٤)، أسمر شديد السمرة، (٥) وهذه هي صفة سواده، فلم يكن أسود فاحما، بل أسمر شديد السمرة، ذا جثة (٦). ولو أردنا وصف صفاته إنسانا، لأجملنا القول، بأنه يمثل تعاليم الإسلام بكل مثلها العليا تمشي بشرا على الأرض، ولعل أبرز تلك السمات أمانته المطلقة وعفته النادرة وورعه العظيم. فقد أبى أن يحل ضيفا على سعد بن أبي وقاص حين قدم الكوفة لإحراق باب قصر الإمارة، وأبى أن يقبل نفقة للطريق أو مئونة للسفر، فاضطر في سفره البعيد أن يأكل قشور الأشجار ونبات الأرض، فأصيب بالمرض والهزال. ولما اشترى جرزة حطب من نبطي كوفي ليحرق بها باب قصر الإمارة شرط على بائعها حملها، ثم جاء بها وأحرق باب القصر ورجع، وكان عمر يستعمله على الصدقة (٧). ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة (٨) أي أنه ولد قبل خمس وثلاثين سنة قبل الهجرة، لأن النبي ﷺ بقي بعد بعثته في مكة ثلاث عشرة سنة.
следующие страницы →