← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

كما لم يمتثل وصية رسول الله ﷺ حيث قال: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه (١)» قال الترمذي حسن صحيح، وقال ابن حبان صحيح وكذا الحاكم. وقوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه (٢)» متفق عليه، وقوله في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله (٣)» رواه البخاري، والآيات والأحاديث الدالة على وجوب موالاة السلف الصالح ومودتهم والذب عنهم كثيرة معلومة. وأما ما شجر بينهم فمسلك النجاة من أثاره هو الكف عنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: وأما ما شجر بينهم فالواجب الكف عنه، لأنهم إما مجتهدون مصيبون فلهم أجران، أجر اجتهادهم وأجر ما أصابوا فيه، وإما مجتهدون مخطئون فلهم أجر اجتهادهم والخطأ مغفور لهم. ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل مغمور في جنب فضائلهم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح. ومن نظر في سيرتهم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم علما يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله فرضي الله عنهم أجمعين. اهـ. فموقف كل مسلم من السلف الصالح موقف من أرشده الله فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). ولا يخفى أن ما نسب إلى كعب خاصة وأن ما نسب إلى الصحابة عامة من غفلة دعاوى عارية من العلم والبصيرة، فلا تعويل عليها بحال، كيف وقد زكاهم من يعلم السر وأخفى خالقهم تعالى ولحق رسوله ﷺ بالرفيق الأعلى وهو عنهم راض.

стр. 5847

أفبعد تزكية الله لهم قرآنا يتلى إلى أن يرث الأرض ومن عليها، ورضا رسوله ﷺ عنهم سنة ثابتة كالشمس في رابعة النهار، يجترئ على اتههامهم بنقيصة إلا جاهل مركب أو منحرف عن سبيل المؤمنين قد عرض نفسه للوعيد حيث قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وما حقيقة الطعن فيهم وحاشاهم إلا الطعن فيما وصل إلى المسلمين بعدهم من الدين الحنيف، قال أهل التحقيق: وأما كعب الأحبار وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب كوهب بن منبه فليسوا في عداد المنافقين كما زعمته الصحيفة ولا حتى في عداد الضعفاء من أصحاب الرواية ولا يقدح في عدالته هو وأمثاله إن كانوا يروون أخبارا من كتب قد دخلها التحريف والتبديل قال عنه معاوية ﵁: " إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب " فهذا القول توثيق لكعب من معاوية وثناء عليه بأنه من أصدق المحدثين، وكون بعض ما يرويه عن أهل الكتاب لا يطابق الواقع فمرجع هذا إلى تلك الكتب المنقول عنها حيث دخلها التحريف والتبديل لا إلى كعب إذ لم يتعمد الكذب، وكقول معاوية قول ابن عباس فيه، بدل من قبله فوقع في الكذب. اهـ. والتحديث عن بني إسرائيل كما درج عليه السلف الصالح لا حرج فيه لقول النبي ﷺ : «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٢)». رواه البخاري. وقال ابن حبان في كتاب الثقات تجاه كعب: " أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر به ولم يرد أنه كان كذابا ". اهـ. وقال ابن الجوزي ﵀: المعنى أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبا لا أنه يتعمد الكذب، وإلا فقد كان كعب الأحبار من خيار الأحبار. اهـ. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ " في تأويل الحديث يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها كانت من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق. اهـ.

стр. 5848

وقد عده ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، واتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه، ولذا لا يوجد له ذكر في الضعفاء. ومما تقدم ذكره يتضح أن الواجب لزوم تقوى الله والتأسي بمسلك السلف الصالح تجاه كعب وأمثاله، والكف عن مقالة السوء بلا علم ودونما مصلحة شرعية قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (١) وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢) ولا جرم فنصوص الكتاب والسنة كفيلة بتمييز الغث من السمين مما روي عن أهل الكتاب، فلا لبس والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله وسلم على من بلغ البلاغ المبين محمد بن عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه وعلى آله وصحبه.

стр. 5849

تعقيب سماحة الشيخ على ما نشر في مجلة منار الإسلام من أن الفائدة البسيطة تجوز استثناء: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيلهم، واتبع هداهم إلى يوم الدين أما بعد: - فقد اطلعت على ما نشرته (مجلة منار الإسلام) الصادرة في (أبو ظبي) عن وزارة العدل والشئون الدينية في عددها الثالث الصادر في ربيع الأول من عام ١٤٠٤ هـ السنة التاسعة عن إعلان إحدى دوائر المحكمة الاتحادية العليا في دولة الإمارات العربية المتحدة بعض المبادئ بخصوص الفوائد المصرفية، والتقاضي بشأنها أمام المحاكم، وما تضمنته من أن الفائدة البسيطة للقرض تجوز استثناء من أصل تحريم الربا إذا دعت الحاجة إليها واقتضتها المصلحة، واعتبار أن البنوك في حالتها الراهنة ووفقا لأنظمتها العالمية تتطلبها حاجة العباد ولا تتم مصالح معاشهم إلا بها، وأن المحاكم لا تملك الامتناع من القضاء بالفوائد بمقولة إن الشريعة تحرم الفائدة، وأنه ليس للقاضي في حالة الفائدة الاتفاقية إلا أن يحكم بها، وأخيرا القول بجواز الفائدة البسيطة ما دامت في حدود ١٢ % في المسائل التجارية و ٩ % في غيرها.

стр. 5850

واعتبارهم أن هذه الفوائد في تلك الحالات لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية التي تلتزم بها دولة الإمارات المسلمة. وإنني أستغرب جدا هذه الخطوة الجريئة على إعلان هذه المبادئ الغريبة التي تحمل انتهاكا لحرمات الله وتعاليم شريعته السمحة المعلومة في دين الإسلام، من نصوص القرآن الصريحة وأحاديث رسول الله ﷺ الصحيحة، وخاصة أنها أعلنت في ظل دولة إسلامية يرأسها رجل مسلم، وفي هذه البادرة الخطيرة افتراء على الإسلام وتحليل لما هو من أشد المحرمات في شريعة الله، كما أبان ذلك سماحة رئيس القضاء الشرعي في دولة الإمارات العربية في رده على هذه المبادئ وإبانته وجه الحق. ومعلوم أن الله قد حرم الربا بجميع أشكاله وألوانه في كتابه العزيز في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٦) وهذا الأسلوب الشديد يدل على أن الربا من أكبر الجرائم وأفظعها وأنه من أعظم الكبائر الموجبة لغضب الله والمسببة لحلول العقوبات العاجلة والآجلة، قال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧) وقال عليه الصلاة

стр. 5851

والسلام: «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (١)» ومعنى الموبقات: المهلكات. وقال ﷺ : «الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه (٢)» وقد صح عنه ﷺ أنه «لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء (٣)» وقال ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء (٤)» رواه مسلم. فهذه الآيات والأحاديث وغيرها تؤكد حرمة الربا قليله وكثيره. وتبين خطره على الفرد والمجتمع، وأن من تعامل به أو تعاطاه فقد أصبح محاربا لله ورسوله، وليس بين جميع أهل العلم خلاف في تحريم ذلك لصراحة النصوص فيه. وكيف يجيز المسلم الغيور على دينه، الذي يؤمن بأن هذا الإسلام العظيم جاء دينا شاملا كاملا متضمنا جلب المصالح ودرء المفاسد، صالحا للتطبيق في كل العصور والأمكنة، كيف يجيز لنفسه إباحة الربا والتعامل به. وإن هذه المبادئ التي أعلنتها إحدى دوائر المحكمة الاتحادية العليا في دولة الإمارات لتحليل ما حرمه الله ورسوله، بحجة قيام الحاجة إليها، فيها جرأة على الله، ومحادة لأحكامه وقول عليه بغير علم، وحاجة الناس إلى المصارف لا تكون إلا بسيرها على أسس من الشريعة الإسلامية، بإحلال ما أحله الله وتحريم ما حرمه فإذا كانت خلاف ذلك فهي شر وفساد، وأحكام شريعة الله ثابتة وقطعية لأنها صدرت من عزيز حكيم يعلم شئون عباده وما يصلح أحوالهم، ولا يجوز لنا تحكيم الرأي أو الهوى أو ما أشبههما في تحليل حرام أو تحريم حلال.

стр. 5852

وامتثالا لأمر الله ورسوله في وجوب التناصح بين المسلمين، وأداء لما يجب على مثلي من البيان والتحذير عما حرمه الله ورسوله، جرى تحرير هذه الكلمة الموجزة، وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، والنصح لله ولعباده والحذر من كل ما يخالف شرعه المطهر، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5853

تنبيه من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم رئيس تحرير جريدة عرب نيوز. . وفقه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: - فقد اطلعت على ترجمة ما جاء في جريدتكم عدد يوم الجمعة الموافق ٢٤/ ٢ / ١٩٨٤ م صفحة ٧ في الصفحة المخصصة للديانة جواب السؤال التالي الذي ورد لكم من س. ر خان ص. ب: ٧١٢٥ جدة وهذا نص السؤال (ما حكم الإسلام عن اللحية والشارب؟ هل يوجد عقاب معين بعد الوفاة للذي يحلق اللحية؟ هل حالق اللحية يفقد ثواب عبادته والأعمال الصالحة التي يأتي بها في حياته؟) فرأيت الجواب الذي نشرته الجريدة قاصرا وليس وافيا بالمطلوب، والجواب الصحيح أن يقال: إن إعفاء اللحية وقص الشارب أمر مفترض من الشارع ﷺ حيث قال فيما صح عنه: «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى، خالفوا المشركين (١)» متفق على صحته. وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس (٢)» وهذان الحديثان الصحيحان وما جاء في معناهما كلها تدل على وجوب إعفاء اللحية وإرخائها وعدم التعرض لها بقص أو حلق، وعلى وجوب قص الشارب ولم يرد في ذلك عقوبة معينة، ولكن الواجب على المسلم أن يمتثل أمر الله سبحانه وأمر رسوله ﷺ وأن ينتهي عما نهى الله عنه ورسوله ولو لم يرد في ذلك عقاب معين، ويجوز لولي الأمر أن يعاقب من خالف الأوامر والنواهي بما يراه من العقوبات الرادعة فيما دون عقوبات الحدود ردعا للناس عن ارتكاب محارم الله

стр. 5854

والتعدي على حدوده، وقد ثبت عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ومن مات على ذلك فهو تحت مشيئة الله كسائر المعاصي إن شاء غفر له وإن شاء سبحانه عاقبه بما يستحق على ما فعله من المعاصي، ومن جملة ذلك حلق اللحي وإطالة الشوارب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن جميع الذنوب التي دون الشرك تحت مشيئة الله سبحانه، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك مسلكهما من أهل البلاغ، وبذلك يعلم أن حلق اللحى وإطالة الشوارب وغيرهما من المعاصي التي دون الشرك لا تحبط الأعمال الصالحة ولا تبطل ثوابها، وإنما تحبط الأعمال بالشرك وأنواع الكفر الأكبر لا بالمعاصي كما قال الله سبحانه ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة. ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 5855

متى ثبتت رؤية الهلال ثبوتا شرعيا وجب العمل بها ولم يجز أن تعارض بكسوف ولا غيره الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الندوة في عددها الصادر في ٢٣/ ٨ / ١٤٠٥ هـ. نقلا عن الفلكي حبيب علوي الحسين من جزمه بأنه سيكون كسوف للشمس في ليلة الاثنين ٣٠/ ٨ / ١٤٠٥ هـ. حسب توقيت أم القرى، وأنه لا تمكن رؤية الهلال تلك الليلة بسبب الكسوف وأن أول رمضان سيكون يوم الثلاثاء. . إلخ. ونظرا إلى أن الرسول ﷺ قد علق إثبات الأهلة بالرؤية أو بإكمال العدة، وحكمه ﷺ يعم زمانه وما بعده إلى يوم القيامة؛ لأن الله بعثه إلى العالمين بشريعة كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه كما قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وهو سبحانه يعلم ما

стр. 5856

يقع من الكسوف في كل زمان ولم يخبر عباده بما يجب عليهم اعتباره وقت الكسوف من جهة إثبات الأهلة، مع أنه سبحانه أخبرهم على لسان رسوله محمد ﷺ بما يشرع لهم وقت الكسوف من صلاة وغيرها، ونظرا إلى أن قول الفلكيين إن كسوف الشمس لا يكون إلا في آخر الشهر وفي ليالي استسرار القمر ليس عليه دليل يعتمد عليه وتخالف من أجله الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقد صرح جمع من أهل العلم بأن كسوف الشمس يمكن وقوعه في غير آخر الشهر والله سبحانه على كل شيء قدير، وكون العادة الغالبة وقوعه في آخر الشهر لا يمنع وقوعه في غيره، ونظرا إلى أن بعض الناس قد يرتاب في العمل بالسنة بسبب أقوال الفلكيين، وقد يحمله ذلك على تكذيب البينة العادلة برؤية الهلال، رأيت التنبيه على هذا الأمر إيضاحا للحق وكشفا للشبهة ونظرا للشريعة المحمدية ودفاعا عن حكم الشريعة الإسلامية في هذا الأمر العظيم الذي يتعلق بجميع المسلمين. فأقول: قد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بوجوب اعتماد الرؤية في إثبات الأهلة أو إكمال العدد، وهي أحاديث مشهورة مستفيضة عن رسول الله ﷺ ، وحكمه ﷺ لا يختص بزمانه فقط بل يعم زمانه وما يأتي بعده إلى يوم القيامة؛ لأنه رسول الله إلى الجميع، وأنه سبحانه الذي أرسله إلى الناس وأمره أن يبلغهم ما شرعه لهم في إثبات هلال رمضان وغيره. وهو العالم بغيب السماوات والأرض، والعالم بما سيحدث بعد زمانه ﷺ من المراصد وغيرها. ويعلم سبحانه ما يقع من الكسوفات، ولم يثبت عن رسوله محمد ﷺ أنه قيد العمل بالرؤية بموافقة مرصد أو عدم وجود كسوف، وهو لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، لا فيما سبق من الزمان ولا فيما يأتي إلى يوم القيامة، وقد قال النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس إبهامه في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه العشر (١)» يرشد بذلك أمته ﵊ إلى أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين وتارة يكون ثلاثين، وصح عنه ﷺ ، أنه قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (٢)» ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب ولم يأذن في إثبات الشهور بذلك.

стр. 5857

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة صنفها في هذه المسألة إجماع العلماء أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة، وهو ﵀ من أعلم الناس بمسائل الإجماع والخلاف (١). والأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ كلها تدل على ما دل عليه الإجماع المذكور، ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والنظارات على رؤية الهلال ولكني أقصد منع الاعتماد عليها أو جعلها معيارا للرؤية لا تثبت إلا إذا شهدت لها المراصد بالصحة، أو بأن الهلال قد ولد فهذا كله باطل، ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي إمكان رؤيته أو عدمها، ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته لم يكن إجماعهم حجة لأنهم ليسوا معصومين بل يجوز عليهم الخطأ جميعا، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية؛ لأنهم إذا أجمعوا دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي شهد لها رسول الله ﷺ بأنها لا تزال على الحق إلى يوم القيامة، وأما الاحتجاج بالكسوف فمن أضعف الحجج؛ لأنه لا يوجد نص من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ يدل على أن الخسوف للقمر لا يقع إلا في ليالي الأبدار، وأن الكسوف للشمس لا يكون إلا أيام الاستسرار، كما يقوله بعض العلماء بل قد صرح جمع من أهل العلم بأنه يجوز أن يقع في كل وقت، وذكر غير واحد منهم أنه يمكن وقوعه في يوم عيد الفطر وعيد النحر، وهذان اليومان ليسا من أيام الأبدار ولا من أيام الاستسرار، فنقابل من قال إنه لا يقع الخسوف إلا في ليالي الأبدار وأيام الاستسرار بقول من قال: إنه يمكن وقوعه في كل وقت، وليس قول أحدهما بأولى من الآخر، وتسلم لنا الأدلة الشرعية التي ليس لها معارض، وليس في شرع الله سبحانه ولا في قدرته فيما نعلم ما يمنع وقوع الكسوف في كل وقت لأن الله له القدرة الكاملة على كل شيء وله الحكمة البالغة في جميع ما يقدره ويشرعه لعباده، وقد أخبر نبيه ﷺ ، أن كسوف الشمس وخسوف القمر آيتان من

стр. 5858

آيات الله يخوف الله بهما عباده، والعباد في أشد الحاجة إلى التخويف والإنذار من أسباب العذاب في كل وقت، وهذا المعنى نفسه من الأدلة الدالة على صحة قول من قال من العلماء بجواز وقوع الخسوف والكسوف في جميع الأوقات، والرؤية لهلال شعبان ليلة السبت هذا العام ثبتت بشهادة عدلين وحكم بثبوتها المجلس الأعلى للقضاء في المملكة العربية السعودية بهيئته الدائمة، فهي رؤية شرعية يجب الاعتماد عليها في الصوم والإفطار لموافقتها للأدلة الشرعية وبطلان ما يعارضها، وعليها يكون يوم الاثنين أول يوم من رمضان إلا أن يرى الهلال ليلة الأحد، للأحاديث السابقة ولقول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (١)» ولقوله ﷺ : «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون (٢)» أخرجه الترمذي وغيره بإسناد حسن. وأرجو أن يكون فيما ذكرته مقنع لطالب الحق وكشف للشبهة التي ذكرناها في صدر هذه الكلمة، والله سبحانه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا وإمامنا محمد وآله وصحبه. عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة

стр. 5859

حكم الحيوان المذبوح بالصعق الكهربائي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أما بعد: فقد اطلعت على الفتوى التي نشرت في جريدة المسلمون بالعدد ١٤ في ٢١/ ٨ / ١٤٠٥هـ. لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، وقد جاء فيها ما نصه: (اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظة مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه حل لنا ما داموا يعتبرون هذا حلالا مذكي. . . . . إلخ) اهـ. وأقول: هذه الفتوى فيها تفصيل مع العلم بأن الكتاب والسنة قد دلا على حل ذبيحة أهل الكتاب، وعلى تحريم ذبائح غيرهم من الكفار - قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١) فهذه الآية نص صريح في حل طعام أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وطعامهم ذبائحهم، وهي دالة بمفهومها على تحريم ذبائح غيرهم من الكفار - ويستثنى من ذلك عند أهل العلم ما علم أنه أهل به لغير الله، لأن ما أهل به لغير الله منصوص على تحريمه مطلقا، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) وأما ما ذبح على غير الوجه الشرعي كالحيوان الذي علمنا أنه مات بالصعق أو بالخنق ونحوهما فهو يعتبر من الموقوذة أو المنخنقة حسب الواقع، سواء كان ذلك من عمل أهل الكتاب أو عمل المسلمين، وما لم نعلم كيفية ذبحه فالأصل حله إذا كان من ذبائح المسلمين أو أهل الكتاب، وما صعق أو ضرب وأدرك حيا وذكي

стр. 5860

على الكيفية الشرعية فهو حلال، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (١) فدلت الآية على تحريم الموقوذة والمنخنقة، وفي حكمهما المصعوقة إذا ماتت قبل إدراك ذبحها - وهكذا التي تضرب في رأسها أو غيره فتموت قبل إدراك ذبحها يحرم أكلها للآية الكريمة المذكورة. وبما ذكرنا، يتضح ما في جواب الشيخ يوسف - وفقه الله - من الإجمال، أما كون اليهود أو النصارى يستجيزون المقتولة بالخنق أو الصعق فليس ذلك يجيز لنا أكلهما كما لو استجازه بعض المسلمين - وإنما الاعتبار بما أحله الشرع المطهر أو حرمه - وكون الآية الكريمة قد أجملت طعامهم لا يجوز أن يؤخذ من ذلك حل ما نصت الآية الأخرى على تحريمه من المنخنقة والموقوذة ونحوهما، بل يجب حمل المجمل على المبين كما هي القاعدة الشرعية المقررة في الأصول. أما حديث عائشة الذي أشار إليه الشيخ يوسف، فهو في أناس مسلمين حدثاء عهد بالإسلام، وليسوا كفارا فلا يجوز أن يحتج به على حل ذبائح الكفار التي دل الشرع على تحريمها وهذا نصه: (عن عائشة ﵂ «أن قوما قالوا للنبي ﷺ : إن قوما يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال: سموا عليه أنتم وكلوه - قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر (٢)» رواه البخاري. ولواجب النصح والبيان والتعاون على البر والتقوى جرى تحريره، وأسأل الله أن يوفقنا وفضيلة الشيخ يوسف وسائر المسلمين لإصابة الحق في القول والعمل إنه خير مسئول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5861

حديث شريف عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى (١)» رواه مسلم

стр. 5862

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (١) ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ (٢) ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ (٣) (سورة الأعلى، الآيات " ٩ - ١٠ - ١١ ")

стр. 5863

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 5864

مجلة البحوث الإسلامية الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا العدد الرابع عشر: ذو القعدة. ذو الحجة عام ١٤٠٥ هـ. محرم. صفر ١٤٠٦ هـ

стр. 5865

المحتويات الافتتاحية نصح وتذكير وتنبيه على مسائل في التعزية والختان والحلف بغير الله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ رسائل لسماحة الرئيس العام حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٥ كلمة سماحة الشيخ لحجاج بيت الله الحرام لحج عام ١٤٠٥هـ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢٩ موضوع العدد في نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في آخر اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٣٩ الطريقة التيجانية اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦٩ الفتاوى فتاوى خاصة بالصيام اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٠١ أسئلة وأجوبة في الحج مقابلة مع جريدة الجزيرة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٣١

стр. 5866

بحوث في العقيدة البدع طعن في الدين الشيخ صالح بن سعود آل علي ١٤٥ الإلحاد وعلاقته باليهود والنصارى الدكتور محمد بن سعد الشويعر ٢٠٩ مخطوطة مسند بلال بن رباح تحقيق الشيخ أبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري ٢٢٧ بحوث فقهية الاجتهاد ومدى إمكانه في هذا الزمان الدكتور صالح بن فوزان الفوزان ٢٤٥ حكم بيع العينة الدكتور عبد الله بن محمد الطريقي ٢٦١ تحريم الرشوة الشيخ يوسف البرقاوي ٢٩٧ ردود وتنبيهات تعقيب لسماحة الشيخ على ما نشر في مجلة البلاغ حول تفسير قوله تعالى ﴿استوى على العرش﴾ سماحة الرئيس العام ٣١٧ وجوب استعمال الماء عند القدرة عليه في الطهارتين وتحريم التيمم في هذه الحال سماحة الرئيس العام ٣٢١ علم الحساب لا يعتمد عليه في إثبات الصوم والفطر سماحة الرئيس العام ٣٢٣ بيان ما يلزم المحدة على زوجها من الأحكام سماحة الرئيس العام ٣٢٥

стр. 5867

صفحة فارغة

стр. 5868

الافتتاحية نصح- وتذكير- وتنبيه على مسائل التعزية- والختان- والحلف بغير الله من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه ويطلع عليه من إخواني المسلمين، وفقني الله وإياهم إلى فعل الطاعات وجنبني وإياهم البدع والمنكرات. . . . . . . . آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: - فإن الداعي لكتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير والتنبيه على مسائل في التعزية والختان والحلف بغير الله مخالفة للشرع قد وقع فيها بعض الناس ولا ينبغي السكوت عنها بل يجب التنبيه والتحذير منها فأقول وبالله التوفيق: ١ - ما يتعلق بالتعزية: - على كل مسلم أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه فهو بقضاء الله وقدره وعليه أن يصبر ويحتسب وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى ويتعزى بعزائه ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة لينال ما وعد به الصابرين في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣) وروى مسلم في صحيحه عن أم سلمة

стр. 5869

رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها (١)» وليحذر المصاب أن يتكلم بشيء يحبط أجره ويسخط ربه مما يشبه التظلم والتسخط فهو عدل لا يجور وله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى وله في ذلك الحكمة البالغة وهو الفعال لما يريد. ومن عارض في هذا أو مانعه فإنما يعترض على قضاء الله وقدره الذي هو عين المصلحة والحكمة وأساس العدل والصلاح. ولا يدعو على نفسه لأن النبي ﷺ قال لما مات أبو سلمة: «لا تدعو على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون (٢)» ويحتسب ثواب الله ويحمده. وتعزية المصاب بالميت مستحبة لما روي عن ابن مسعود ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من عزى مصابا فله مثل أجره (٣)» والمقصود منها تسلية أهل المصيبة في مصيبتهم ومواساتهم وجبرهم، ولا بأس بالبكاء على الميت لأن النبي ﷺ فعله لما مات ابنه إبراهيم وبعض بناته ﷺ . أما الندب والنياحة ولطم الخد وشق الجيب وخمش الوجه ونتف الشعر والدعاء بالويل والثبور وما أشبهها فكل ذلك محرم لما روى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية (٤)» وعن أبي موسى ﵁ «أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة (٥)»، وذلك لأن هذه الأشياء وما أشبهها فيها إظهار للجزع والتسخط وعدم الرضاء والتسليم. والصالقة: هي التي ترفع

стр. 5870

صوتها عند المصيبة، والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة هي التي تشق ثوبها عند المصيبة. ويستحب إصلاح طعام لأهل الميت يبعث به إليهم إعانة لهم وجبرا لقلوبهم فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم لما روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ قال: «لما جاء نعي جعفر قال رسول الله ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد أتاهم ما يشغلهم (١)» وروي عن عبد الله بن أبي بكر ﵄ أنه قال: فما زالت السنة فينا حتى تركها من تركها. أما صنع أهل البيت الطعام للناس؛ سواء أكان ذلك من مال الورثة أم من ثلث الميت أو من شخص يفد عليهم فهذا لا يجوز؛ لأنه خلاف السنة ومن عمل الجاهلية؛ لأن في ذلك زيادة تعب لهم على مصيبتهم، وشغلا إلى شغلهم. وروى أحمد وابن ماجه بإسناد جيد عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد الدفن من النياحة. وأما الإحداد فيحرم إحداد فوق ثلاثة أيام على ميت غير زوج فيلزم زوجته الإحداد مدة العدة فقط؛ لقوله ﵊: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (٢)». أما إحداد النساء سنة كاملة فهذا مخالف للشريعة الإسلامية السمحة، وهو من عادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام، وحذر منها فالواجب إنكاره والتواصي بتركه، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا من تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها على أكمل الوجوه. فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية

стр. 5871

يبالغون فيها أعظم مبالغة وتمكث المرأة سنة في أضيق بيت وأوحشه لا تمس طيبا ولا تدهن ولا تغتسل إلى غير ذلك مما هو تسخط على الرب وأقداره. فأبطل الله بحكمته سنة الجاهلية وأبدلنا بها الصبر والحمد. ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تتقاضاه الطباع سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك وهو ثلاثة أيام تجد بها نوع راحة وتقضي بها وطرا من الحزن، وما زاد عن ذلك فمفسدة راجحة فمنع منه والمقصود أنه أباح لهن الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة بالشهور. وأما الحامل فإذا انقضى حملها سقط وجوب الإحداد لأنه يستمر إلى حين الوضع. اهـ كلامه ﵀. أما عمل الحفل: بعد خروج المرأة من العدة فهو بدعة إذا اشتمل على ما حرم الله من نياحة وعويل وندب ونحوها. ولم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ﵃ ولا عن السلف الصالح إقامة حفل للميت مطلقا لا عند وفاته ولا بعد أسبوع أو أربعين يوما أو سنة من وفاته بل ذلك بدعة وعادة قبيحة. فيجب البعد عن مثل هذه الأشياء وإنكارها والتوبة إلى الله منها وتجنبها لما فيها من الابتداع في الدين ومشابهة المشركين وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي. وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم (١)». وثبت عنه أيضا ﵊ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)» إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على النهي عن التشبه بالمشركين وعن الابتداع في الدين والله أعلم.

стр. 5872

٢ - الختان: - أما الختان فهو من سنن الفطرة ومن شعار المسلمين لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الفطرة خمس: - الختان- والاستحداد وقص الشارب- وتقليم الأظفار- ونتف الإبط (١)» فبدأ ﷺ بالختان وأخبر أنه من سنن الفطرة. والختان الشرعي: - هو قطع القلفة الساترة لحشفة الذكر فقط. أما من يسلخ الجلد الذي يحيط بالذكر أو يسلخ الذكر كله كما في بعض البلدان المتوحشة ويزعمون جهلا منهم أن هذا هو الختان المشروع وما هو إلا تشريع من الشيطان زينه للجهال وتعذيب للمختون ومخالفة للسنة المحمدية والشريعة الإسلامية التي جاءت باليسر والسهولة والمحافظة على النفس وهو محرم لعدة وجوه منها: ١ - أن السنة وردت بقطع القلفة الساترة لحشفة الذكر فقط. ٢ - أن هذا تعذيب للنفس وتمثيل بها وقد «نهى رسول الله ﷺ عن المثلة (٢)» وعن صبر البهائم والعبث بها أو تقطيع أطرافها فالتعذيب لبني آدم من باب أولى وهو أشد إثما. ٣ - أن هذا مخالف للإحسان والرفق الذي حث عليه رسول الله ﷺ في قوله: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء (٣)» الحديث. ٤ - أن هذا قد يؤدي إلى السراية وموت المختون وذلك لا يجوز لقوله

стр. 5873

تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) وقوله سبحانه ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢) ولهذا نص العلماء على أنه لا يجب الختان الشرعي على الكبير إذا خيف عليه من ذلك. أما التجمع رجالا ونساء في يوم معلوم لحضور الختان وإيقاف الولد متكشفا أمامهم فهذا حرام لما فيه من كشف العورة التي أمر الدين الإسلامي بسترها ونهى عن كشفها. وهكذا الاختلاط بين الرجال والنساء بهذه المناسبة لا يجوز لما فيه من الفتنة ومخالفة الشرع المطهر.

стр. 5874

الحلف بغير الله: - لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته على ما شاء منها ولا يجوز لمخلوق كائنا من كان أن يحلف ويقسم بغيره جل وعلا. فإن الله شرع لعباده المؤمنين أن تكون أيمانهم به أو بصفة من صفاته وهذا خلاف ما كان يفعله المشركون في الجاهلية فقد كانوا يحلفون بغيره من المخلوقات كالكعبة والشرف والنبي والملائكة والمشايخ والملوك والعظماء والآباء والسيوف وغير ذلك مما يحلف به كثير من الجهلة بأمور الدين فهذه الأيمان كلها لا تجوز بإجماع أهل العلم لقوله ﷺ «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (١)» وقوله ﷺ «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله (٢)» رواه البخاري. ولمسلم: «فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت (٣)» وفي حديث آخر: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون (٤)».

стр. 5875

وقوله ﷺ «من حلف بالأمانة فليس منا (١)» وقال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على المسلمين أن يحفظوا أيمانهم وألا يحلفوا إلا بالله وحده أو صفة من صفاته وأن يحذروا الحلف بغير الله كائنا من كان للأحاديث السابقة. نسأل الله أن يوفق المسلمين لما يرضيه وأن يمنحهم الفقه في دينه وأن يعيذنا وإياهم من مضلات الفتن ومن شرور النفس وسيئات العمل إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5876

صفحة فارغة

стр. 5877

حكم السفور والحجاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين سلك الله بي وبهم سبيل الاستقامة وأعاذني وإياهم من أسباب الخزي والندامة، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فلا يخفى عليكم أيها المسلمون ما عمت به البلوى في كثير من البلدان من تبرج الكثير من النساء وسفورهن وعدم تحجبهن من الرجال وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبداءها، ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة ومن أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وقلة الحياء وعموم الفساد. فاتقوا الله أيها المسلمون وخذوا على أيدي سفهائكم وامنعوا نساءكم مما حرم الله عليهن وألزموهن التحجب والتستر واحذروا غضب الله سبحانه وعظيم عقوبته فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (١)» وقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٢) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣).

стр. 5878

وفي المسند وغيره عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ تلا هذه الآية ثم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم (١)» وصح عن النبي ﷺ أنه قال «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢)» وقد أمر الله سبحانه في كتابه الكريم بتحجب النساء ولزومهن البيوت وحذر من التبرج والخضوع بالقول للرجال صيانة لهن عن الفساد وتحذيرا لهن من أسباب الفتنة فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٣) ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٤) الآية. نهى سبحانه في هذه الآيات نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين وهن من خير النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال وهو تليين القول وترقيقه لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا ويظن أنهن يوافقنه على ذلك وأمر بلزومهن البيوت ونهاهن عن تبرج الجاهلية وهو إظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق ونحو ذلك من الزينة لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا، وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن فغيرهن أولى وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة، عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن. ويدل على عموم الحكم لهن

стр. 5879

ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي ﷺ وغيرهن وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ (٢) فهذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن منهم وقد أوضح الله سبحانه في هذه الآية أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء وأبعد عن الفاحشة وأسبابها وأشار سبحانه إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة وأن التحجب طهارة وسلامة. فيا معشر المسلمين تأدبوا بتأديب الله وامتثلوا أمر الله وألزموا نساءكم بالتحجب الذي هو سبب الطهارة ووسيلة النجاة والسلامة. وقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٣) ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما. أمر الله سبحانه جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك حتى يعرفن بالعفة فلا يفتتن ولا يفتن غيرهن فيؤذيهن. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة. وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٤) فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه

стр. 5880

اليسرى. . . ثم أخبر الله سبحانه أنه غفور رحيم عما سلف من التقصير في ذلك قبل النهي والتحذير منه سبحانه. وقال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) يخبر سبحانه أن القواعد من النساء - وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا- لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن إذا كن غير متبرجات بزينة فعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها وغير ذلك من زينتها، وأن عليها جناحا في ذلك ولو كانت عجوزا؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة، ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزا فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت؟ لا شك أن إثمها أعظم، والجناح عليها أشد والفتنة بها أكبر، وشرط سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح وما ذاك- والله أعلم إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج بالزينة طمعا في الأزواج فنهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها صيانة لها ولغيرها من الفتنة. ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف، وأوضح أنه خير لهن، وإن لم يتبرجن. يظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب، ولو من العجائز وأنه خير لهن من وضع الثياب، فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خير للشابات من باب أولى وأبعد لهن عن أسباب الفتنة. وقال تعالى:

стр. 5881

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون﴾ (١) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار وحفظ الفروج وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة وغض البصر من أسباب السلامة من ذلك، ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة. وإطلاق البصر والفرج من أعظم أسباب العطب والعذاب في الدنيا والآخرة. نسأل الله العافية من ذلك. وأخبر أنه خبير بما يصنعه الناس وأنه لا يخفى عليه خافية، وفي ذلك تحذير للمؤمنين من ركوب ما حرم الله عليهم، والإعراض عما شرع الله لهم، وتذكير لهم بأن الله سبحانه يراهم ويعلم

стр. 5882

أفعالهم الطيبة وغيرها كما قال تعالى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (٢). فالواجب على العبد أن يحذر ربه وأن يستحي منه أن يراه على معصيته أو يفقده من طاعته التي أوجب عليه ثم قال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٣) فأمر المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج، كما أمر المؤمنين بذلك صيانة لهن من أسباب الفتنة، وتحريضا لهن على أسباب العفة والسلامة، ثم قال سبحانه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤) قال ابن مسعود ﵁: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٥) يعني بذلك ما ظهر من اللباس فإن ذلك معفو عنه، ومراده بذلك ﵁ الملابس التي ليس فيها تبرج وفتنة. وأما ما يروى عن ابن عباس ﵄ أنه فسر ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٦) بالوجه والكفين فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب. وأما بعد ذلك فقد أوجب الله عليهن ستر الجميع كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها. ويدل على أن ابن عباس أراد بذلك ما رواه علي بن أبي طلحة عنه أن قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة. وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن

стр. 5883

تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق. وهو الحق الذي لا ريب فيه. وأما ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ﵂: «أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله! وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه (١)». فهو حديث ضعيف الإسناد لا يصح عن النبي ﷺ لأنه من رواية خالد بن دريك عن عائشة وهو لم يسمع منها فهو منقطع، ولهذا قال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث هذا مرسل، خالد لم يدرك عائشة. . . ولأن في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف لا يحتج بروايته. . وفيه علة أخرى ثالثة وهي: عنعنة قتادة عن خالد بن دريك وهو مدلس. ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة، وقد تقدم قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٢) ولم يستثن شيئا، وهي آية محكمة فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها والحكم فيها عام في نساء النبي ﷺ وغيرهن من نساء المؤمنين. وتقدم في سورة النور ما يرشد إلى ذلك وهو ما ذكره الله سبحانه في حق القواعد وتحريم وضعهن الثياب إلا بشرطين: أحدهما: كونهن لا يرجون النكاح. والثاني: عدم التبرج بالزينة. وسبق الكلام على ذلك وأن الآية المذكورة حجة ظاهرة وبرهان قاطع على تحريم سفور النساء وتبرجهن بالزينة. ولا يخفى ما وقع فيه النساء اليوم من التوسع في التبرج وإبداء المحاسن فوجب سد الذرائع وحسم الوسائل المفضية إلى الفساد وظهور الفواحش. ومن أعظم أسباب الفساد: خلوة الرجال بالنساء وسفرهم بهن من دون

стр. 5884

محرم. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم (١)» وقال ﷺ «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما (٢)» وقال ﷺ : «لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون زوجا أو ذا محرم (٣)» رواه مسلم في صحيحه. فاتقوا الله أيها المسلمون وخذوا على أيدي نسائكم، وامنعوهن مما حرم الله عليهن من السفور والتبرج، وإظهار المحاسن. والتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى وسائر الكفرة ومن تشبه بهم، واعلموا أن السكوت عنهن مشاركة لهن في الإثم وتعرض لغضب الله وعموم عقابه، عافانا الله وإياكم من شر ذلك. ومن أعظم الواجبات تحذير الرجال من الخلوة بالنساء والدخول عليهن والسفر بهن بدون محرم، لأن ذلك من وسائل الفتنة والفساد، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (٤)» وقال ﷺ : «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (٥)» وقال ﵊: «رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة (٦)». وقال ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد؛ نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، ورجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس (٧)» وهذا تحذير شديد من التبرج والسفور ولبس الرقيق والقصير من الثياب، والميل عن الحق والعفة، وإمالة الناس إلى الباطل، وتحذير شديد من ظلم النفس والتعدى عليهم، ووعيد لمن فعل ذلك بحرمان دخول الجنة. نسأل الله العافية من ذلك.

стр. 5885

ومن أعظم الفساد تشبه الكثير من النساء بنساء الكفار من اليهود والنصارى، ومن تشبه بهم في لبس القصير والرقيق من الثياب وإبداء الشعور والمحاسن. وقد قال ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم (١)» ومعلوم ما يترتب على هذا التشبه وهذه الملابس القصيرة التي تجعل المرأة شبه عارية من الفساد والفتنة ورقة الدين، وقلة الحياء. فالواجب الحذر من ذلك غاية الحذر، ومنع النساء منه، والشدة في ذلك لأن عاقبته وخيمة وفساده عظيم، ولا يجوز التساهل في ذلك مع البنات الصغار لأن تربيتهن عليه يفضي إلى اعتيادهن له وكراهتهن لما سواه إذا كبرن، فيقع بذلك الفساد والمحذور والفتنة المخوفة التي وقع فيها الكبيرات من النساء. فاتقوا الله عباد الله واحذروا ما حرم الله عليكم وتعاونوا على البر والتقوى وتواصوا بالحق والصبر عليه. واعلموا أن الله سبحانه سائلكم عن ذلك ومجازيكم على أعمالكم، وهو سبحانه مع الصابرين، ومع المتقين والمحسنين، فاصبروا وصابروا واتقوا الله وأحسنوا إن الله يحب المحسنين. ولا ريب أن الواجب على ولاة الأمور من الأمراء والقضاة والعلماء ورؤساء الهيئات وأعضاء الهيئات أكبر من الواجب على غيرهم، والخطر عليهم أشد والفتنة في سكوت من سكت منهم عظيمة، ولكن ليس إنكار المنكر خاصا بهم، بل الواجب على جميع المسلمين ولا سيما أعيانهم وكبارهم، وبالأخص أولياء النساء وأزواجهن، إنكار المنكر والغلظة فيه والشدة على من تساهل في ذلك، لعل الله سبحانه يرفع عنا ما نزل من البلاء ويهدينا ونساءنا إلى سواء السبيل. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون
следующие страницы →