طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد فهم مني وأنا منهم (١)» وذلك أن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه. وكأنه أخوه أو ابنه أو قريبه أو يتيمه أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبا أو وجوبا وإنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتسديد فهو على ذلك واحد منهم، فإذا صار كذلك لم يقدر على الاحتجان لنفسه دون غيره ممن هو مثله، بل ممن أمر بالقيام عليه كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الانفراد بالقوت دون أولاده، فعلى هذا الترتيب كان الأشعريون ﵃، فقال ﵊: «فهم مني وأنا منهم (٢)» لأنه ﵊ كان في هذا المعنى الإمام الأعظم وفي الشفقة الأب الأكبر إذ كان لا يستبد بشيء دون أمته، وفي مسلم عن أبي سعيد قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له (٣)» قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل " وفي الحديث أيضا أن في المال حقا سوى الزكاة ومشروعية الزكاة والإقراض والحرية والمنحة، وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى وجميعه جار على أصل مكارم الأخلاق وهو لا يقضي استبدادا، وعلى هذه الطريقة لا يلحق العامل ضرر إلا بمقدار ما يلحق الجميع أو أقل، ولا يكون موقعا على نفسه ضررا ناجزا، وإنما هو متوقع أو قليل يحتمله في دفع بعض الضرر عن غيره، وهو نظر من يعد المسلمين كلهم شيئا واحدا على مقتضى قوله ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا (٤)» وقوله «المؤمنون كالجسد الواحد إذا
стр. 5917
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (١)» وقوله: «المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه (٢)» وسائر ما في المعنى من الأحاديث، إذ لا يكون شد المؤمن للمؤمن على التمام إلا بهذا المعنى وأسبابه وكذلك لا يكونون كالجسد الواحد إلا إذا كان النفع واردا عليهم على السواء كل أحد بما يليق به كما أن كل عضو من الجسد يأخذ من الغذاء بمقداره قسمة عدل لا يزيد ولا ينقص، فلو أخذ بعض الأعضاء أكثر مما يحتاج إليه أو أقل لخرج عن اعتداله، وأصل هذا من الكتاب ما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض وما أمروا به من اجتماع الكلمة والأخوة وترك الفرقة وهو كثير إذ لا يستقيم ذلك إلا بهذه الأشياء وأشباهها مما يرجع إليها.
والوجه الثاني: الإيثار على النفس، وهو أعرق في إسقاط الحظوظ، وذلك أن يترك حظه لحظ غيره اعتمادا على صحة اليقين وإصابة لعين التوكل وتحملا للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله، وهو من محامد الأخلاق وزكيات الأعمال، وهو ثابت من فعل رسول الله ﷺ ، ومن خلقه المرضي، وقد «كان ﵊ أجود الناس بالخير وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة (٣)». وقالت له خديجة: «إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق (٤)» «وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منه» «وجاءه رجل فسأله فقال: ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه، فقال له عمر ﵁: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي ﷺ ذلك. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم النبي ﷺ
стр. 5918
وعرف البشر في وجهه وقال: بهذا أموت» ذكره الترمذي. وقال أنس: «كان النبي ﷺ لا يدخر شيئا لغد (١)» وهذا كثير. وهكذا كان الصحابة. وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢) وما جاء في الصحيح في قوله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٣) وما روي عن عائشة وهو مذكور في باب الأسباب من كتاب الأحكام عند الكلام على مسألة العول على إسقاط الحظوظ وهو ضربان: إيثار بالملك من المال وبالزوجة بفراقها لتحل للمؤثر كما في حديث المؤاخاة المذكور في الصحيح، وإيثار بالنفس كما في الصحيح: «أن أبا طلحة ترس على النبي ﷺ يوم أحد وكان النبي ﷺ يتطلع ليرى القوم فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ووقى بيده رسول الله ﷺ فشلت (٤)» وهو معلوم من فعله ﵊ إذ كان في غزوة أقرب الناس إلى العدو، ولقد «فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا قد سبقهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول لن تراعوا (٥)» وهذا فعل من آثر بنفسه، وحديث علي بن أبي طالب في مبيته على فراش رسول الله ﷺ إذ عزم الكفار على قتله مشهور وفي المثل الشائع: والجود بالنفس أقصى غاية الجود. ومن الصوفية من يعرف المحبة بأنها الإيثار، ويدل على ذلك قول امرأة العزيز في يوسف ﵇ ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٦)
стр. 5919
فآثرته بالبراءة على نفسها. قال النووي: أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس بخلاف القربات فإن الحق فيها لله، وهذا مع ما قبله على مراتب والناس في ذلك مختلفون باختلاف أحوالهم في الاتصاف بأوصاف التوكل المحض واليقين التام، وقد ورد «أن النبي ﷺ قبل من أبي بكر جميع ماله ومن عمر النصف، ورد أبا لبابة وكعب بن مالك إلى الثلث»، قال ابن العربي: لقصورهما عن درجتي أبي بكر وعمر وهذا ما قال.
وتحصل أن الإيثار هنا مبني على إسقاط الحظوظ العاجلة فتحمل المضرة اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه إذا لم يخل بمقصد شرعي، فإن أخل بمقصد شرعي فلا يعد ذلك إسقاطا للحظ ولا هو محمود شرعا. أما أنه ليس بمحمود شرعا فلأن إسقاط الحظوظ إما لمجرد أمر الآمر وإما لأمر آخر أو لغير شيء. فكونه لغير شيء عبث لا يقع من العقلاء، وكونه لأمر الآمر يضاد كونه مخلا بمقصد شرعي؛ لأن الإخلال بذلك ليس بأمر الآمر، إذا لم يكن كذلك فهو مخالف له ومخالفة أمر الآمر ضد الموافقة له، فثبت أنه لأمر ثالث وهو الحظ، وقد مر بيان الحصر فيما تقدم من مسألة إسقاط الحظوظ. هذا تمام الكلام في القسم الرابع ومنه يعرف حكم الأقسام الثلاثة المتقدمة بالنسبة إلى إسقاط الحظوظ. انتهى المقصود منه.
стр. 5920
٢ - ضابط المثلة الممنوعة
نذكر فيما يلي بيان معنى المثلة، وما تيسر من الآيات والأحاديث فيها مع كلام بعض العلماء عليها، لنستخلص من ذلك ما يجوز من المثلة وما يمتنع، فنقول:
أولا: في القاموس: مثل قام منتصبا كمثل بالضم مثولا. . وبفلان مثلا ومثلة بالضم نكل كمثل تمثيلا وهي المثلة بضم الثاء وسكونها ج مثولات ومثلات). اهـ المقصود منه.
وفي المفردات في غريب القران للراغب الأصفهاني:
والمثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره، وذلك كالنكال، وجمعه مثلات ومثلات وقد قرئ: (من قبلهم المثلات، والمثلات) بإسكان الثاء على التخفيف نحو عضد وعضد وقد أمثل السلطان فلانا إذا نكل به) اهـ المقصود منه.
ثانيا: وفي تفسير ابن جرير قوله تعالى ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ (١) يقول تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ (٢) يا محمد مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية فيقولون اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها
стр. 5921
من عقوبات الله وعظيم بلائه فمن بين أمة مسخت قردة وأخرى خنازير، ومن بين أمة أهلكت بالرجفة وأخرى بالخسف وذلك هو المثلات التي قال الله جل ثناؤه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ (١) والمثلات العقوبات المنكلات، والواحدة منها مثلة بفتح الميم وضم الثاء ثم تجمع المثلات كما واحد الصدقات صدقة ثم تجمع صدقات، وذكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعا من المثلات فالواحدة على لغتهم منها مثلة، ثم تجمع مثلات كغرفة وغرفات، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء فإذا أردت أنك أقصصته من غيره قلت أمثلته من صاحبه أمثله إمثالا وذلك إذا قصصته منه) اهـ.
وفي تفسير الكشاف للزمخشري قوله تعالى ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ (٢) أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما بالهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا، والمثلة العقوبة بوزن السمرة والمثلة، لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة " وجزاء سيئة سيئة مثلها. ويقال: أمثلت للرجل من صاحبه أقصصته منه، والمثال القصاص " ثم ذكر قراءات في المثلات " ولغات فيها أغنى عنها ما تقدم.
وروى البخاري عن مسلم عن قتادة عن أنس ﵁ (٣): «أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ﷺ وتكلموا بالإسلام فقالوا يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله
стр. 5922
عليه وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا الذود فبلغ النبي ﷺ فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم (١)» قال قتادة: وبلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك «كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (٢)».
وفي الصحيح عن بريدة بن الحصيب عن النبي ﷺ في حديثه الطويل أنه قال: «لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا (٣)». .
وروى النسائي عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمثلوا بالبهائم (٤)».
وروى النسائي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من إنسان يقتل عصفورة فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها يرمى به (٥)».
ثالثا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (٦).
فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد قال عمران بن حصين ﵄:
ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد
стр. 5923
القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم مثل ما فعلوا، والترك أفضل كما قال الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (١) ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٢) قيل إنها نزلت «لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد ﵃ فقال النبي ﷺ : لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا» أنزل الله هذه الآية- وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة مثل قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٣) وقوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤) وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية- فقال النبي ﷺ بل نصبر وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أو في حاجة نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا ثم يقول: اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا (٥)» اهـ.
стр. 5924
الخلاصة
أولا: المثلة كل ما كان فيه تشويه للخلق من سمل عين أو فقئها أو بقر بطن أو قطع عضو وأمثال ذلك سواء كان ذلك قصاصا أم مجرد نكاية وعقوبة، شفاء لغل وحقد أم عبثا ولهوا.
ثانيا: ما كان منها قصاصا فهو جائز وتركه أولى لقوله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (١) وقوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) الآيات.
وما كان منها في حي لمصلحته فهو جائز وقد يجب وقد يمنع حسب اختلاف الأحوال، ولمصلحة غيره فهو محل نظر واجتهاد، وما كان منها في ميت لمصلحته أو لحق غيره أو لمضطر فهو محل نظر واجتهاد، يعلم تفصيله مما تقدم في بحث " التشريع والقرنية " وما كان منها عبثا ولهوا أو لمجرد شفاء غليل فهو محرم.
стр. 5925
٣ - مدى ملك الإنسان التصرف في نفسه أو في عضو من أعضائه
سبق في الموضوع الأول من هذا البحث ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب تكريم المسلم ومن في حكمه حيا وميتا والمحافظة على حرمته في نفسه وأعضائه وبشرته فلا يجوز الخروج عن مقتضى هذه الأدلة إلا بدليل يبيح لنا الاستثناء مما دلت عليه.
وسبق في الموضوع الثاني ما قرر العلماء من أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أعلاهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما، تقليلا للضرر وتخفيفا للمشقة والحرج، وإذا تعارضت مصلحة ومفسدة، قدم الأرجح منهما وعند تساويهما، يرجح جانب الخطر تقديما لدرء المفسدة على جلب المصلحة.
وسبق في الموضوع الثالث ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم واقتضت شق بطنه أو جثته أو قطع عضو من أعضائه حيا أو ميتا وليس منه أخذ عين أو قرنيتها من إنسان لزرعها في إنسان آخر تحقيقا لمصلحته مع الإضرار بمن أخذت منه فعلى من يدعي جواز ذلك أن يأتي بدليل يرخص فيه ليمكن استثناؤه من عموم الأدلة الدالة على حرمة المسلم ووجوب المحافظة على نفسه وأعضائه ووجوب مراعاة ذلك.
ونورد هنا نقلا عن الحنابلة من كتاب المغني له صلة بالموضوع.
стр. 5926
قال أبو محمد بن قدامة ﵁ مسألة (١) " قال " ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة، وبهذا قال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وقال مالك إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر وشرب اللبن وإن خاف أن تقطع يده ولا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما: يأكل الطعام، وهو قول عبد الله بن دينار لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه. ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه والعدول إلى المنصوص عليه أولى ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق ولأن حق الآدمي تلزمه غرامة وحق الله لا عوض له.
(فصل) إذا وجد المضطر من يطعمه ويسقيه لم يحل له الامتناع من الأكل والشرب ولا العدول إلى أكل الميتة إلا أن يخاف أن يسمه فيه أو يكون الطعام الذي يطعمه مما يضر ويخاف أن يهلكه أو يمرضه.
(فصل) فإن لم يجد المضطر شيئا لم يبح له أكل بعض أعضائه وقال بعض أصحاب الشافعي: له ذلك لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو كما لو وقعت فيه الأكلة.
ولنا أن أكله من نفسه ربما قتله فيكون قاتلا نفسه ولا يتيقن حصول البقاء من أكله، أما قطع الأكلة (٢) فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو فأبيح
стр. 5927
له إبعاده ودفع ضرره المتوجه منه بتركه كما أبيح قتل الصائل عليه ولم يبح له قتله ليأكله.
(فصل) وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعا ولا إتلاف عضو منه مسلما كان أو كافرا لأنه مثلة فلا يجوز أن يبقى نفسه بإتلافه وهذا لا خلاف فيه. وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له قتله وأكله لأن قتله مباح وهكذا قال أصحاب الشافعي؛ لأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع وإن وجده ميتا أبيح أكله؛ لأن أكله مباح بعد قتله فكذلك بعد موته وإن وجد معصوما ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا.
وقال الشافعي وبعض الحنفية: يباح وهو أولى، لأن حرمة الحي أعظم. وقال أبو بكر بن داود: أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء واحتج أصحابنا بقول النبي ﷺ : «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي (١)» واختار أبو الخطاب أن له أكله وقال لا حجة في الحديث هاهنا لأن الأكل من اللحم لا من العظم والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها بدليل اختلافها في الضمان والقصاص ووجود صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت.
" مسألة ": قال " فإن لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه أخذه قهرا ليحيي به نفسه وأعطاه ثمنه إلا أن يكون بصاحبه مثل ضرورته " وجملته أنه إذا اضطر فلم يجد إلا طعاما لغيره نظرنا فإن كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به ولم يجز لأحد أخذه منه لأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة وإن أخذه منه أحد فمات لزمه ضمانه لأنه قتله بغير حق وإن لم يكن صاحبه مضطرا إليه لزمه بذله للمضطر
стр. 5928
لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه في إنجائه من الغرق والحريق، فإن لم يفعل فللمضطر أخذه منه؛ لأنه مستحق له دون مالكه، فجاز له أخذه كغير ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر؛ لأنه ظالم بقتاله فأشبه الصائل إلا أن يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لإمكان الوصول إليه دونها، فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله فذكر القاضي أن له قتاله والأولى أن لا يجوز له ذلك لإمكان الوصول إليه بدونها وإن اشتراه بأكثر من ثمن مثله لم يلزمه إلا ثمن مثله؛ لأنه صار مستحقا له بقيمته ويلزمه عوضه في كل موضع أخذه، فإن كان معه في الحال وإلا لزمه في ذمته، ولا يباح للمضطر من مال أخيه إلا ما يباح من الميتة " اهـ المقصود منه.
стр. 5929
مجمل ما ذكره ابن قدامة ﵀ في المغني
١ - أبيح للمضطر ما كان محرما عليه من أكل زرع غيره أو ثمره أو شرب لبن أنعامه بلا إذنه إبقاء على نفسه، أو أكل الميتة إبقاء على يده حتى لا تقطع فيما لو أكل من الثمر ولم يصدق في دعوى اضطراره، وفي هذا دلالة على وجوب حفظ النفس والعضو وتحريم بذلها لغيره عند هؤلاء.
٢ - لا يحل لمضطر أن يمتنع عن طعام أو شراب بذل إليه بعوض أو بغير عوض، وفي هذا دلالة على أن بذل نفسه أو عضو منها أو تفويت شيء من ذلك ليس إليه، بل يجب عليه المحافظة على ذلك ما استطاع.
٣ - في أكل المضطر بعض أعضائه خلاف، قيل: يمنع خشية أن يفضي إلى قتله، وقيل: يجوز ارتكابا لأخف الضررين.
٤ - ليس للمضطر أن يقتل محقون الدم مطلقا أو يقطع عضوا من أعضائه لسد حاجته أو حفظ نفسه إجماعا، وإن وجده ميتا ففي جواز أكله منه إيثارا لحق الحي، ومنعه منه محافظة على حرمة الميت قولان.
٥ - من اضطر إلى طعام ووجده عند مستغن عنه وجب عليه أخذه ولو بعوض، فإن أبي صاحبه وهو مضطر إليه أيضا وجب تركه له، وإن كان مستغنيا عنه وجب أخذه منه كرها ولو بقتال، وفي وجوب العوض عليه خلاف، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه
стр. 5930
وإن قتل صاحب الطعام فهو هدر لأنه ظالم، وفي هذا دلالة على وجوب حفظ الإنسان نفسه وأعضاءه وإثمه بتفويت ذلك.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن سليمان المنيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5931
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
قرار رقم ٦٢ في ٢٥/ ١٠ / ١٣٩٨هـ.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه / وبعد. . ففي الدورة الثالثة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف في النصف الأخير من شهر شوال عام ١٣٩٨ هـ. اطلع المجلس على بحث نقل القرنية من عين إنسان إلى آخر الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بناء على اقتراح سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في كتابه رقم ٤٥٧٢/ ٢ / ١ د واطلع على ما ذكره جماعة من المتخصصين في أمراض العيون وعلاجها عن نجاح هذه العملية، وأن النجاح يتراوح بين ٥٠% و ٩٥% تبعا لاختلاف الظروف والأحوال.
وبعد الدراسة والمناقشة، وتبادل وجهات النظر قرر المجلس بالأكثرية ما يلي: أولا: جواز نقل قرنية عين من إنسان بعد التأكد من موته وزرعها في عين إنسان مسلم مضطر إليها، وغلب على الظن نجاح عملية
стр. 5932
زرعها ما لم يمنع أولياؤه، وذلك بناء على قاعدة تحقيق أعلى المصلحتين وارتكاب أخف الضررين وإيثار مصلحة الحي على مصلحة الميت، فإنه يرجى للحي الإبصار بعد عدمه والانتفاع بذلك في نفسه ونفع الأمة به، ولا يفوت على الميت الذي أخذت قرنية عينه شيء، فإن عينه إلى الدمار والتحول إلى رفات، وليس في أخذ قرنية عينه مثالة ظاهرة، فإن عينه قد أغمضت، وطبق جفناها أعلاهما على الأسفل.
ثانيا: جواز نقل قرنية سليمة من عين قرر طبيا نزعها من إنسان لتوقع خطر عليه من بقائها، وزرعها في عين مسلم آخر مضطر إليها، فإن نزعها إنما كان محافظة على صحة صاحبها أصالة، ولا ضرر يلحقه من نقلها إلى غيره، وفي زرعها في عين آخر منفعة له، فكان ذلك مقتضى الشرع، وموجب الإنسانية.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم،،،
هيئة كبار العلماء.
стр. 5933
التجانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: فبناء على ما اقترحه سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من كتابة مختصر عن الطريقة التجانية وإدراجه في أعمال الدورة العاشرة لمجلس هيئة كبار العلماء - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يلي: ا- كلمة عن أحمد التيجاني منشئ هذه الطريقة وعن مصدرها.
٢ - نبذ من عقيدته وعقيدة أتباعه.
٣ - حكم الشريعة فيمن يعتقد هذه العقيدة.
стр. 5934
صفحة فارغة
стр. 5935
الموضوع الأول
كلمة عن أحمد بن محمد التجاني
وعن مصدر الطريقة التجانية
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد التجاني، ولد عام ١١٥٠ من الهجرة بقرية عين ماضي التي وفد إليها جده محمد، فاستوطن بها وتزوج من قبيلة فيها تدعى تجاني أو تجانا، فكانت أخوالا لأولاده وإليها نسبوا. نشأ أبو العباس بهذه القرية وحفظ بها القرآن ورحل في طلب العلم إلى بلاد عدة، وتأثر في أسفاره بمن التقى به من مشايخ الطرق الصوفية، وأخذ الطريق عن عدة منهم ثم انتهت به رحلاته إلى أبي صيفون، وهناك زعم أنه قد جاءه الفتح وأنه لقي النبي ﷺ يقظة لا مناما، وأنه أذن له في تربية الخلق على العموم والإطلاق وأخذ عنه الطريقة الصوفية مشافهة، وأمره أن يترك كل طريق أخذه عن مشايخ الطرق الصوفية اكتفاء بما أخذ عنه ﷺ مشافهة وعين له النبي ﷺ الورد الذي يلقنه مريديه وهو الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ وذلك سنة ١١٩٦ من الهجرة وكمل له الورد بسورة الإخلاص على رأس المائة، ولذا سميت الطريقة الأحمدية والمحمدية كما سميت التجانية نسبة إلى القبيلة التي صاهرها جده محمد فنسبوا إليها.
وزعم أحمد التجاني بعد شهرته أنه شريف ينتهي نسبه إلى
стр. 5936
الحسن بن علي بن أبي طالب، ولم يشأ أن يعول في إثبات ذلك على وثائق مكتوبة ولا على أخبار الأعيان والآحاد، بل زعم أنه رأى النبي ﷺ يقظة وسأله عن نسبه فأجابه بقوله: أنت ولدي حقا وكررها ثلاث مرات ثم قال له: نسبك إلى الحسن صحيح. اهـ ملخصا من الباب الأول من جواهر المعاني لعلي حرازم (١) ومن الفصل الثامن والعشرين (٢) من كتاب الرماح لعمر بن سعيد الفوتي.
هذا وإنه لم يثبت عن الخلفاء الراشدين ولا سائر الصحابة ﵃ أن أحدا منهم وهم خير الخلق بعد الأنبياء ادعى أنه رأى النبي ﷺ يقظة، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن التشريع قد أكمل في حياته ﷺ وأن الله قد أكمل للأمة دينها وأتم عليها نعمته قبل أن يتوفى رسوله ﷺ إليه، قال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣)، فلا شك أن ما زعمه أحمد التجاني لنفسه من رؤية النبي - صلى الله وسلم - يقظة وأنه أخذ عنه الطريقة التجانية يقظة مشافهة. وأنه عين له الأوراد التي يذكر الله بها ويصلي على رسوله بها، لا شك أن هذا من البهتان والضلال المبين.
стр. 5937
الموضوع الثاني
نبذ من عقيدته وعقيدة أتباعه
نظرا إلى أن الدواعي التي دعت إلى إعداد بحث عن الطريقة التجانية ليعرض على هيئة كبار العلماء في الدورة العاشرة، لا تعني مناقشة رؤساء هذه الطريقة ولا الرد عليهم وبيان الصواب لهم، إنما تعني ذكر نقول من كتبهم تتجلى فيها عقائدهم، ويمكن بعد الاطلاع عليها الحكم من خلالها عليهم بما تقتضيه هذه النقول.
لهذا اقتصرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على مجموعة من النقول من بعض كتبهم دون استقصاء نتبين منها عقائدهم ويسهل الحكم بمقتضاها عليهم، ولم تضف إليها من عندها إلا إشارات خفيفة، وفيما يلي ذكر نقول من كتاب " جواهر المعاني وبلوغ الأماني " لعلي حرازم، وكتاب " رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم " لمعمر بن سعيد الفوتي: قال علي حرازم (١): اعلم أن سيدنا ﵁ سئل عن حقيقة الشيخ الواصل وما هو، فأجاب أما ما هو حقيقة الشيخ الواصل فهو الذي رفعت له جميع الحجب عن كمال النظر في الحضرة الإلهية نظرا عينيا وتحقيقا يقينيا، فإن الأمر أوله محاضرة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر كثيف، ثم مكاشفة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر رقيق، ثم مشاهدة وهو تجلي الحقائق بلا حجاب لكن مع خصوصية، ثم معاينة وهو
стр. 5938
مطالعة الحقائق بلا حجاب ولا خصوصية ولا بقاء للغير، والغيرية عينا وأثرا وهو مقام السحق والمحق والدك وفناء الفناء، فليس في هذا إلا معاينة الحق في الحق للحق بالحق (فلم يبق إلا الله لا شئ غيره، فما ثم موصول وما ثم واصل).
ثم حياة وهي تمييز المراتب بمعرفة جميع خصوصياتها ومقتضياتها ولوازمها وما تستحقه من كل شيء ومن أي حضرة كل مرتبة منها، ولماذا وجدت وماذا يراد منها وما يؤول إليه أمرها، وهو مقام إحاطة العبد بعينه ومعرفته بجميع خصوصياته وأسراره ومعرفة ما هي الحضرة الإلهية وما هي عليه من العظمة والجلال والنعوت العلية والكمال معرفة ذوقية ومعاينة يقينية، وصاحب هذه المرتبة هو الذي تشق إليه المهامة في طلبه، لكن مع هذه الصفة فيه كمال إذن الحق له إذنا خاصا في هداية عبيده وتوليته عليهم بإشاردهم إلى الحضرة الإلهية، فهذا هو الذي يستحق أن يطلب وهو المراد بقوله ﷺ لأبى جحيفة «سل العلماء وخالط الحكماء واصحب الكبراء» وصاحب هذه المرتبة هو المعبر عنه بالكبير، ومتى عثر المريد على من هذه صفته فلازم في حقه أن يلقي نفسه بين يديه كالميت بين يدي غاسله لا اختيار له ولا إرادة ولا عطاء له ولا إفادة؛ وليجعل همته منه تخليصه من البلية التي أغرق فيها إلى كمال الصفاء بمطالعة الحضرة الإلهية بالإعراض عن كل ما سواها، ولينزه نفسه عن جميع الاختيارات - والمرادات مما سوى هذا. ومتى أشار عليه بفعل أوامر فليحذر من سؤاله بلم وكيف وعلام ولأي شيء، فإنه باب المقت والطرد، وليعتقد أن الشيخ أعرف بمصالحه منه وأي مدرجة أدرجه فيها فإنه يجري به في ذلك على ما هو لله بالله بما فيها إخراجه عن ظلمة نفسه وهواها. . .) إلخ.
стр. 5939
ومن أمثلة غلو أتباع أحمد بن محمد التجاني فيه ما قاله علي حرزام ونصه (١) واعلم رحمك الله أني لا أستوفي ما لسيدنا وشيخنا ومولانا أحمد التجاني ﵁ من المآثر والآيات والمناقب والكرامات أبد الآبدين ودهر الداهرين؛ لأني كلما تذكرت فضيلة وجدت فضيلة أخرى، وكلما تذكرت آية رأيت أكبر من أختها إلى هلم جرا. . . إلى أن قال: لأن مآثر هذا الشيخ لا تحصى ومناقبه لا تستقصى فقد شاعت بها الأخبار حيث سار الليل والنهار وليس يوجد لها حد ولا مقدار، وإنما نورد صبابة منها وشظية من عدها فقد يكل عنها القرطاس والقلم، ويعيا في طلبها اليد والقدم. . . إلخ.
وبعد أن أثنى على من نقل عنهم في كتابه جواهر المعاني قال: " جعلنا الله وإياكم من المنخرطين في سلكه ومن المحسوبين في حزبه وممن عرف قدره وقدر محبه بجاه محمد وآله وصحبه، فإن من تشبث بأذيالهم بلغ المأمول وكان فيما يرومه قريب الوصول، فابسط أيها المحب يد الضراعة عن ذكرهم وقف متذللا عند بابهم وقل بلسان الافتقار إليهم إرحم عبيدك الضعيف وإن كان بها على الجور والتطفيف فقد قال تعالى على لسان رسوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم». . إلى أن قال: " وحاشا لمن تعلق بأذيالهم أن يهملوه أو تحيز لجنابهم أن يتركوه، فإن طفيلي ساحتهم لا يرد، وعن بابهم لا يصد، ولله در قائلهم: هم
سادتي هم راحتي هم منيتي ... أهل الصفا حازوا المعالي الفاخرة
حاشا لمن قد حبهم أوزارهم ... أن يهملوه سادتي في الآخرة
وقال أيضا: " والفرق بين من يغلبه الحال لضعفه ومن يغلبه لقوة
стр. 5940
الوارد عليه أن الذي يغلبه لضعفه علامته ألا يمد غيره، وقصاراه على نفسه والذي يغلبه الحال لقوته علامته أن يمد غيره، وأقوى من ذلك أن يسلبه ما أعطاه، وذلك هو الكامل الذي يعطي ويسترد، وكل شيء بقضاء وقدر، وقد شاهدناه غير ما مرة فعل ذلك مع بعض الإخوان لسوء أدبهم ولموجب آخر. . . إلخ.
هذا وإن ما اشتملت عليه هذه الكلمات من الغلو الفاحش والشرك الفاضح لغني عن البيان، وقد تجاوز به قائله حدا لا يقبل معه تأويل، ولا ينفع معه اعتذار، اللهم إلا إذا قيل إنه صدر من قائله في حال سلب فيها عقله، وصار إلى حال لا يحمده عليها، ولكن معظموه لا يرون ذلك ولا يقبلونه بل يرونه محمدة له وكرامة.
ثم ذكر عن أحمد التجاني أن كلامه يحوم حول الفناء ووحدة الوجود وأن شعور الولي بوجود نفسه يعتبر شركا.
وقال في وصفه أحمد التجاني (١) وحديثه عنه " وكثيرا ما يقرر هذا المعنى ويدل عليه، ويرشد بحاله ومقاله إليه، وينشد بحاله على سبيل التمثيل - أنا معي بدر الكمال، حيث يميل قلبي يميل، وذلك بأنه قد محا السوى فلا يشاهد مع الله غيرا، ولا يرى لسواه نفعا ولا ضرا، بل يشاهد الفعل من الله وأنه هو المتصرف والدال بفعله عليه والمتعرف، وأن أفعاله كلها مصحوبة بالحكمة، محفوفة بالرحمة، ويرى الخلق كالأواني المسخرة في يد غيره ويعد شهود الإنسان نفسه اثنينية ويتمثل بلسان حاله ويقول:
إذا قلت ما أذنبت قالت مجيبة ... وجودك ذنب لا يقاس به ذنب.
стр. 5941
وعلى هذا المعنى صارت حالته فلا ترى أفعاله وأقواله وتصريحاته وتلويحاته تحوم إلا على الفناء في الله والغيبة فيه عما سواه. . . إلى أن قال في وصفه (ص ٦٣) يحيي القلوب ويبرئ من العيوب يغني بنظرة ويوصل إلى الحضرة إذا توجه أغنى وأقنى وبلغ المنى، يتصرف في أطوار القلوب بإذن علام الغيوب. . . إلخ. اهـ.
وهذا لون آخر من شدة غلو الشيخ في نفسه وغلو أصحابه فيه انتهى به وبهم إلى دعوى الفناء الممقوت والقول بوحدة الوجود، إن ذلك لإلحاد في الدين وبهتان وكفر مبين.
ثم زعم أن شيخه يعلم الغيب فقال (١) " ومن كماله ﵁ نفوذ بصيرته الربانية وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب وفي غيرها من إظهار مضمرات، وإخبار بمغيبات، وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات، فيعرف أحوال قلوب الأصحاب وتحول حالهم وإبدال أعراضهم وانتقال أغراضهم وحالة إقبالهم وإعراضهم وسائر عللهم وأمراضهم، ويعرف ما هم عليه ظاهرا وباطنا وما زاد وما نقص وبين ذلك في بعض الأحيان وتارة يستره رفقا بهم من الاختبار والامتحان، واتفقت لغير واحد معهد في ذلك قضايا غير ما مرة.
وقال في حصول شيخه على اسم الله الأعظم وفي تقدير ثوابه (٢) " وأما ثواب الاسم الأعظم فقد قال سيدنا ﵁ أعطيت من اسم الله العظيم الأعظم صيغا عديدة وعلمني كيفية أستخرج بها ما
стр. 5942
أصيبت تراكيبه وأخبره ﷺ بما فيه من الفضل العظيم الذي لا حد له ولا حصر، وأخبره صلى الله بخواصه العظام وكيفية الدعاء به وكيفية سلوكه وهذا الأمر لم يبلغ لنا أحد أنه بلغه غير سيدنا ﵁؛ لأنه قال ﵁ أعطاني سيد الوجود ﷺ الاسم الأعظم الخاص بسيدنا علي كرم الله وجهه بعد أن أعطاني الاسم الأعظم الخاص بمقامه هو ﷺ ، وقال الشيخ ﵁ قال سيد الوجود ﷺ هذا - الاسم الخاص بسيدنا علي لا يعطى إلا لمن سبق عند الله في الأزل أنه يصير قطبا، ثم قال ﵁ ثم قلت لسيد الوجود ﷺ ائذن لي في جمع أسراره وجمع ما احتوى عليه ففعل ﷺ ، وأما ما أخبره به ﷺ عن ثواب الاسم الأعظم الكبير الذي هو مقام قطب الأقطاب، فقال الشيخ ﵁ حاكيا ما أخبره به سيد الوجود ﷺ : فإنه يحصل لتاليه في كل مرة سبعون ألف مقام في الجنة في كل مقام سبعون ألفا من كل شيء في الجنة، كائن من الحور والقصور والأنهار إلى غاية ما هو مخلوق في الجنة ما عدا الحور وأنهار العسل، فله في كل مقام سبعون حوراء، وسبعون نهرا من العسل، وكل ما خرج من فهمه هبطت عليه أربعة من الملائكة المقربين فكتبوه من فيه وصعدوا به إلى الله تعالى وأروه له فيقول الجليل ﷻ اكتبوه من أهل السعادة واكتبوا مقامه في عليين في جوار سيدنا محمد ﷺ هذا في كل لفظة من ذكره، وله في كل مرة ثواب جميع ما ذكر الله به على ألسنة جميع خلقه في سائر عوالمه وله في كل مرة ثواب ما سبح به ربنا على لسان كل مخلوق من أول خلق آدم إلى آخره. . . إلى كثير من هذا الخرص والتخمين والرجم بالغيب في تقدير
стр. 5943
الثواب بالآلاف المؤلفة إلى أن قال علي حرازم " ومما أملاه علينا ﵁ قال " لو اجتمع جميع ما تلته الأمة من القرآن من بعثته ﷺ إلى النفخ في الصور لفظا لفظا فردا فردا في القرآن ما بلغ لفظة واحدة من الاسم الأعظم، وهذا كله بالنسبة للاسم كنقطة في البحر المحيط، وهذا مما لا علم لأحد به واستأثر الله به خلقه وكشفه لمن شاء من عباده، وقال ﵁ إن الاسم الأعظم هو الخاص بالذات لا غيره وهو اسم الإحاطة ولا يتحقق بجميع ما فيه إلا واحد في الدهر وهو الفرد الجامع هذا هو الاسم الباطن، وأما الاسم الأعظم الظاهر فهو اسم الرتبة الجامع لمرتبة الألوهية من أوصاف الإله ومألوهيته وتحته مرتبة أسماء التشتيت، ومن هذه الأسماء فيوض الأولياء فمن تحقق بوصف كان فيضه بحسب ذلك الاسم. ومن هذا كانت مقاماتهم مختلفة وأحوالهم كذلك وجميع فيوض المرتبة بعض من فيوض اسم الذات الأكبر. وقال ﵁ إذا ذكر الذاكر الاسم الكبير يخلق الله من ذكره ملائكة كثيرة لا يحصي عددهم إلا الله، ولكل واحد من الألسنة بعدد جميع الملائكة المخلوقين من ذكر الاسم ويستغفرون في كل طرفة عين للذاكر، أي كل واحد يستغفر في كل طرفة عين بعدد جميع ألسنته، وهكذا إلى يوم القيامة، ثم قال ﵁ سألت سيد الوجود ﷺ عن فضل المسبعات العشر، وأن من ذكرها مرة لم تكتب عليه ذنوب سنة، فقال لي ﷺ فضل جميع الأذكار وسر جميع الأذكار في الاسم الكبير، فقال الشيخ ﵁ علمت أنه أراد ﷺ جميع خواص الأذكار وفضائلها منطوية في الاسم الكبير، ثم قال ﵁ يكتب لذاكر الاسم بكل ملك خلقه الله في العالم فضل عشرين من ليلة القدر ويكتب له بكل دعاء كبير وصغير ستة وثلاثون
стр. 5944
ألف ألف مرة بكل مرة من ذكر هذا الاسم الشريف، وقال ﵁ فمن قدر أن ذاكرا ذكر جميع أسماء الله في جميع اللغات تساوي نصف مرة من ذكر الاسم من ذكر كل عارف (١). اهـ.
وذكر عمر بن سعيد الفوتي في كتاب الرماح (٢) أن الأولياء يرون رسول الله ﷺ يقظة وأنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير في أقطار الأرض في الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل عنه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله أن يراه عبد رفع عنه الحجاب فيراه على هيئته التي كان هو عليها " ثم ذكر في هذا الفصل كثيرا من النقول عن جماعة من الصوفية فيها حكايات عن رؤية الأولياء للرسول ﷺ يقظة، وذكر في هذا الفصل كثيرا من الغرائب والمنكرات حول مجالس الأنبياء والأقطاب في المسجد الحرام عند الكعبة بأجسادهم وتصرفهم بأنفسهم ووكلائهم في الخلق، وذكر فيه أيضا أن الأنبياء والأولياء لا يبقون في قبورهم بعد الوفاة إلا زمانا محدودا يتفاوت حسب تفاوت درجاتهم ومراتبهم، ثم ختم الفصل بقوله: إذا نظرت وتحققت بجميع ما تقدم من أول الفصل إلى هنا ظهر لك ظهورا لا غبار عليه أن اجتماع القطب المكتوم والبرزخ المختوم شيخنا أحمد بن محمد التجاني سقانا الله تعالى من بحره بأعظم الأواني، ورزقنا جواره في دار التهاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به بسيدنا رسول الله ﷺ يقظة لا مناما وأخذه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به عن سيدنا جده رسول الله - صلى الله عليه
стр. 5945
وسلم مشافهة منه إليه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وأعاد علينا من بركاته دنيا وبرزخا وأخرى. وحضور النبي ﷺ ومعه الخلفاء الأربعة ﵃ بأجسادهم وأرواحهم قراءة جوهرة الكمال وعند أي مجلس خير أو أي مكان شاءوا، ولا ينكره إلا الطلبة الجهلة الأغبياء والحسدة المردة الأشقياء لا مهدي إلا من هداه الله تعالى ".
وقد غلا عمر بن سعيد الفوتي في تعظيم شيخه أحمد بن محمد التجاني، فزعم أنه خاتم الأولياء وسيد العارفين وأنه لا يتلقن واحد من الأولياء فيضا من نبي الله إلا عن طريقه من حيث لا يشعر به ذلك الولي قال:
الفصل السادس والثلاثون في ذكر فضل شيخنا ﵁ وأرضاه وعنا به، وبيان أنه هو خاتم الأولياء وسيد العارفين وإمام الصديقين وممد الأقطاب والأغواث، وأنه هو القطب المكتوم والبرزخ المختوم الذي هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء بحيث لا يتلقن واحد من الأولياء من كبر شأنه ومن صغر فيضا من حضرة نبي إلا بواسطته رضي الله تعالى عنه من حيث لا يشعر به ذلك الولي. . . . (١).
إن هذه الكلمات ناطقة بالشرك الصريح والكذب المكشوف والغلو الممقوت، فقد جعل شيخه أعلى مرتبة من الصحابة وسائر القرون الثلاثة من شهد لهم الرسول ﷺ بأنهم خير القرون بله من سواهم من الصالحين، ثم ذكر ما نصه (٢) أن بعض من لم يكن له في العلم ولا في نفحات أهل الله من خلاق قد يورد علينا إيرادين أولهما: أنه
стр. 5946
يقول إن الشيخ ﵁ وأرضاه وعنا به إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود تتلقاها ذوات الأنبياء، وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي، ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، ويدخل في جميع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - فيكون أفضل من جميع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وذلك باطل. وكذا قوله ﵁ وأرضاه وعنا به ولا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وكذلك قوله ﵁ وأرضاه وعنا به إذا جمع الله تعالى خلقه في الموقف ينادي مناد بأعلى صوته يسمعه كل من بالموقف يا أهل المحشر هذا إمامكم الذي كان مددكم منه. وكذا " قوله ﵁ وأرضاه وعنا به روحه ﷺ وروحي هكذا مشيرا بإصبعه السبابة والوسطى، روحه ﷺ تمد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد، وكذا قوله ﵁ وأرضاه وعنا به قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور، وكذا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أن مقامنا عند الله في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يقاربه من كبر شأنه ولا من صغر، وأن جميع الأولياء من الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا، وكذا قوله ﵁ وأرضاه وعنا به أعمار الناس كلها ذهبت مجانا إلا أعمار أصحاب الفاتح لما أغلق فقد فازوا بالربح دنيا وأخرى ولا يشغل بها عمره إلا السعيد.
وذكر علي حرازم عن أحمد بن محمد التجاني في سياق الكلام على المفاضلة بين تلاوة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه، أن تلاوة القرآن أفضل من حيث إنه كلام الله، ومن حيث ما دل عليه من العلوم
стр. 5947
والمعارف والآداب. . . ثم قال ما نصه (١). (إن هاتين الحيثيتين لا يبلغ فضل القرآن فيهما إلا عارف بالله قد انكشفت له بحار الحقائق فهو أبدا يسبح في لججها، فصاحب هذه المرتبة هو الذي يكون القرآن في حقه أفضل من جميع الأذكار والكلام؛ لحوز الفضيلتين لكونه يسمعه من الذات المقدسة سماعا صريحا لا في كل وقت، وإنما ذلك في استغراقه وفنائه في الله تعالى. والمرتبة الثانية في القرآن دون هذه وهي من عرف معاني القرآن ظاهرا وألقى سمعه عند تلاوته كأنه يسمعه من الله يقصه عليه، ويتلوه عليه مع وفائه بالحدود فهذا أيضا لاحق بالمرتبة الأولى إلا أنه دونها. والمرتبة الثالثة رجل لا يعلم شيئا من معانيه ليس إلا سرد حروفه ولا يعلم ما تدل عليه من العلوم والمعارف، فهذا إن كان مهتديا كسائر الأعاجم الذين لا يعلمون معاني العربية إلا أنه يعتقد أنه كلام الله ويلقي سمعه عند تلاوته معتقدا أن الله يتلو عليه تلاوة لا يعلم معناها، فهذا لاحق في الفضل بالمرتبتين إلا أنه منحط عنهما بكثير كثير. والمرتبة الرابعة رجل يتلو القرآن سواء علم معانيه أو لم يعلم إلا أنه متجرئ على معصية الله غير متوقف عن شيء منها فهذا لا يكون القرآن في حقه أفضل، بل كلما ازداد تلاوة ازداد ذنبا وتعاظم عليه يشهد له قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ (٢) إلى قوله ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٣) وقوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٤) إلى قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥). . . ثم قال ما نصه " فمثل هذا لا يكون القرآن في حقه أفضل من الصلاة على النبي ﷺ . وصاحب المرتبة
стр. 5948
الرابعة: الصلاة على النبي ﷺ في حقه أفضل من القرآن، وبعد أن بين ذلك قال ما نصه: " فإذا عرف ذلك بان للعارف به أن ما في طريق العامة غطاء غطى الله به أسرار القرآن وتركت أسرار القرآن ومذاقات أهل الخصوص من وراء أطوار الحس والعقل المدركان في أمر العامة، فيجب كتمه على كل من علمه إذ لم يرد إظهاره إلا للخاصة العليا من خلقه. قيل: إن أبا يزيد باسطه الحق في بعض مباسطته قال له: يا عبد السوء لو أخبرت الناس بمساويك لرجموك بالحجارة، فقال له وعزتك لو أخبرت الناس بما كشفت لي من سعة رحمتك لما عبدك أحد، فقال له: لا تفعل فسكت. انتهى ما أملاه علينا شيخنا أبو العباس التجاني، ثم ذكر علي حرازم ما زعمه أحمد التجاني من مباسطة الرب لأبي يزيد مرة أخرى في الجواهر ص١٨٣.
стр. 5949
وقال علي حرازم (١) وسألته ﵁ قوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (٢) ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ (٣) الآية (فأجاب) ﵁ بقوله معنى البحرين بحر الألوهية، وبحر الوجود المطلق وبحر الخليقة، وهو الذي وقع عليه كن وهو البرزخ بينهما ﷺ ، لولا برزخيته ﷺ لاحترق بحر الخليقة كله من هيبة جلال الذات. قال سيدنا ﵁ بحر الخليقة بحر الأسماء والصفات فما ترى ذرة في الكون إلا وعليها اسم أو صفة من صفات الله، وبحر الألوهية هو بحر الذات المطلقة التي لا تكيف ولا تقع العبارة عنها. يلتقيان لشدة القرب الواقع بينهما، قال ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٤)، ولا يختلطان لا تختلط الألوهية بالخليقة ولا
стр. 5950
الخليقة بالألوهية فكل منهما لا يبغي على الآخر للحاجز الذي بينهما، وهي البرزخية العظمى التي هي مقامه ﷺ ، فالوجود كله عائش بدوام بقائه تحت حجابيته ﷺ استتارا به عن سبحات الجلال التي لو تبدت بلا حجاب لاحترق الوجود كله وصار محض العدم في أسرع من طرفة عين، فالألوهية قائمة في حدودها، والخليقة قائمة في حدودها كل منها يلتقيان ولا يختلطان للبرزخية التي بينهما لا يبغيان، أعني لا يختلط أحدهما على الآخر. انتهى ما أملاه علينا ﵁ من حفظه ولفظه.
(وسألته ﵁ عن دائرته ﷺ (فأجاب) ﵁ بقوله هي دائرة السعادة التي وقع عليها قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). . قال البوصيري ﵁ " ولن ترى من ولي غير منتصر " البيت. كل من لم ينتصر بالنبي ﷺ لا حظ له في ولاية الله وهو معنى قول الشيخ ﵁ لن ترى من ولي. . . . إلخ. اهـ.
هذه طامة أخرى طامة التلاعب بآيات القرآن وتحريفها عن مواضعها، وتأويل لها بما لا تدل عليه في لغة العرب، بل بما تمجه العقول السليمة ويسخر منه أولوا الألباب.
ذكر عمر بن سعيد الفوتي أن الشيخ أحمد التجاني قال ذات ليلة في مجلسه (٢). أين السيد محمد الغالي فجعل أصحابه ينادون أين السيد محمد الغالي على عادة الناس مع الكبير إذا نادى أحد، فلما حضر بين يدي الشيخ قال ﵁ وأرضاه وعنا به: قدماي هاتان على رقبة كل ولي
стр. 5951
لله تعالى، وقال سيدي محمد الغالي وكان لا يخافه؛ لأنه من أكابر أحبابه وأمرائهم: يا سيدي أنت في الصحو والبقاء أو في السكر والفناء، فقال ﵁ وأرضاه وعنا به: أنا في الصحو والبقاء وكمال العقل ولله الحمد. وقال: قلت ما تقول بقول سيدي عبد القادر ﵁ قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى، فقال صدق ﵁ يعني أهل عصره، وأما أنا فأقول قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور، قال فقلت له يا سيدي فكيف تقول إذا قال أحد بعدك مثل ما قلت، فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به: لا يقوله أحد بعدي، قال: فقلت يا سيدي قد حجرت على الله تعالى واسعا ألم يكن الله تعالى قادرا على أن يفتح على ولي، فيعطيه من الفيوضات والتجليات والمنح والمقامات والمعارف والعلوم والأسرار والترقيات والأحوال أكثر مما أعطاك؟ فقال ﵁ وأرضاه وعنا به: بلى قادر على ذلك وأكثر منه، لكن لا يفعله لأنه لم يرده، ألم يكن قادرا على أن ينبيء أحدا ويرسله إلى الخلق ويعطيه أكثر مما أعطى محمدا ﷺ ؟ قال: قلت بلى لكنه تعالى لا يفعله لأنه ما أراده في الأزل، فقال ﵁ وأرضاه وعنا به: هذا مثل ذلك ما أراده في الأزل ولم يسبق به علمه تعالى، فإن قلت ما صورة برزخية القطب المكتوم المعبر عنه عند العارفين والصديقين وأفراد الأحباب وجواهر الأقطاب، بجواهر الجواهر، وبرزخ البرازخ والأكابر، (فالجواب) والله تعالى الموفق بمنه للصواب اعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن الحضرات المستفيضة سبع: الأولى، حضرة الحقيقة الأحمدية وهي في جواهر المعاني غيب من غيوب الله تعالى فلم يطلع أحد على ما فيها من المعارف والعلوم والأسرار والفيوضات والتجليات والأحوال العلية والأخلاق الذكية فما
стр. 5952
ذاق منها أحد شيئا ولا جميع الرسل والنبيين اختص ﷺ وحده بمقامه إلى أن قال: فما نال أحد منها شيئا اختص بها ﷺ لكمال عزها وغاية علوها، والثانية: حضرة الحقيقة المحمدية فمنها كما في جواهر المعاني كل مدارك النبيين والمرسلين وجميع الملائكة والمقربين وجميع الأقطاب والصديقين، وجميع الأولياء والعارفين إلى أن قال: وكل ما أدركه جميع الموجودات من العلوم والمعارف والفيوضات والتجليات والترقيات والأحوال، والمقامات والأخلاق إنما هو كله من فيض حقيقته المحمدية، والثالثة: الحضرة التي فيها حضرات سادتنا الأنبياء على اختلاف أذواقهم ومراتبهم وأهل هذه الحضرة هم الذين يتلقون كل ما فاض وبرز من حضرة الحقيقة المحمدية، كما قال شيخنا ﵁ وأرضاه وعنا به مشيرا إلى أهل هذه الحضرة بقوله: إن الفيوض التي تفيض من ذات الوجود ﷺ تتلقاها ذوات الأنبياء، وبقوله ﵁ وأرضاه وعنا به: روحه ﷺ تمد الرسل والأنبياء، إلا أن لخاتم الأولياء مشربا من النبي ﷺ مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا اطلاع له عليه كما سيأتي الآن قريبا إن شاء الله تعالى، والرابعة: حضرة خاتم الأولياء الذي يتلقى جميع ما فاض به من ذوات الأنبياء؛ لأنه ﵁ وأرضاه وعنا به هو برزخ البرازخ كما قال ﵁ وأرضاه وعنا به مشيرا إلى هذه الحضرة بقوله: إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود ﷺ تتلقاها ذوات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي، ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلي مشافهة لا يعلمها إلا الله بلا واسطة، وبقوله أنا سيد الأولياء كما كان صلى
стр. 5953
الله عليه وسلم سيد الأنبياء، وبقوله ﵁ وأرضاه وعنا به لا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وبقوله ﵁ وأرضاه وعنا به: إذا جمع الله تعالى خلقه في الموقف ينادي مناد بأعلى صوته حتى يسمع كل من في الموقف يا أهل المحشر هذا إمامكم الذي كان مددكم منه، بقوله ﵁ وأرضاه وعنا به مشيرا بإصبعيه السبابة والوسطى روحي وروحه ﷺ هكذا، روحه ﷺ تمد الرسل والأنبياء، وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد. وبقوله ﵁ وأرضاه وعنا به: إن القطب المكتوم هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء فكل ولي لله تعالى من كبر شأنه ومن صغر لا يتلقى فيضا من حضرة نبي إلا بواسطته رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به من حيث لا يشعر به. ومدده الخاص به إنما يتلقاه منه ﷺ ، ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه به؛ لأن له مشربا معهم منه ﷺ . والخامسة: حضرة أهل طريقته الخاصة بهم، وإلى هذه الحضرة أشار الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به بقوله: ولو اطلع أكابر الأقطاب على ما أعد الله لأهل هذه الطريقة لبكوا وقالوا يا ربنا ما أعطيتنا شيئا، بقوله ﵁ وأرضاه وعنا به: لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الكبار ماعدا أصحاب رسول الله ﷺ ، وبقوله ﵁ وأرضاه وعنا به: كل الطرائق تدخل عليها طريقتنا فتبطلها، وطابعنا يركب على كل طابع لا يحمل طابعنا غيره، وبقوله ﵁ وأرضاه وعنا به: من ترك وردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله تعالى على جميع الطرق آمنه الله تعالى في الدنيا والآخرة فلا يخاف من
стр. 5954
شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو الأموات، وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به المصائب دنيا وأخرى ولا يفلح أبدا، " قلت " وهذه لأنه قد ثبت أول هذا الفصل أن صاحبها ﵁ وأرضاه وعنا به هو الختم الممد الذي يستمد منه من سواه من الأولياء والعارفين. . . والصديقين والأغوات، ومن ترك المستمد ورجع إلى الممد فلا لوم عليه ولا خوف، بخلاف من ترك الممد ورجع إلى المستمد بقوله ﵁ وأرضاه وعنا به: وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب، ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي، ووراء ذلك مما ذكر لي فيهم وضمنه ﷺ أمر لا يحل لي ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الآخرة، " قلت " ووجه تقديم حضرة أهل طريقته على الحضرة التي فيها حضرات الشيوخ الذين هم أهل الطرق من سادتنا الأولياء ﵃ ظاهر؛ لأن أهل طريقته هم أول من يفيض عليهم ما يستمده من الحضرة المحمدية ومن حضرات سادتنا الأنبياء عليهم من الله تعالى أفضل الصلاة وأتم السلام، ومن هنا صار جميع أهل طريقته أعلى مرتبة عند الله تعالى في الآخرة من أكابر الأقطاب وإن كان بعضهم في الظاهر من جملة العوام المحجوبين. كما سيأتي بيانه في آخر هذا الفصل وفي الفصل الثامن والثلاثين إن شاء الله تعالى، أعني الصادقون منهم، وأما الكاذبون فما توجه الكلام إليهم. والسادسة: الحضرة التي فيها حضرات سادتنا الأولياء رضي الله تعالى عن جميعهم، وهي مستمدة من حضرة خاتمهم الأكبر جميع ما نالوا، وإليها يشير قول شيخنا أحمد ﵁ وأرضاه وعنا به كما في جواهر المعاني؛ لقوله فلكل شيخ من أهل
стр. 5955
الله تعالى حضرة لا يشاركه فيها أحد.
السابعة: الحضرة التي فيها حضرات تلامذيهم: اهـ.
إن ما تقدم في الإعداد من بدع التجانية قليل من كثير مما ذكره علي حرازم في كتابه " جواهر المعاني وغاية الأماني " وما ذكره عمر بن سعيد الفوتي في كتابه " رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم "، وهما من أوسع كتب التجانية وأوثقها في نظر أهل هذه الطريقة.
إن ما ذكر في الإعداد إنما هو نماذج لأنواع من بدع التجانية تتجلى فيها عقائدهم، وتكفي لمن عرضها على أصول الشريعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن يحكم على كل من يعتقد هذه العقائد المبتدعة المنكرة.
ونلخص فيما يلي جملة من عقائدهم التي تضمنها البحث:
١ - غلو أحمد بن محمد التجاني مؤسس الطريقة، وغلو أتباعه فيه غلوا جاوز الحد حتى أضفى على نفسه خصائص الرسالة، بل صفات الربوبية والإلهية وتبعه في ذلك مريدوه.
٢ - إيمانه بالفناء ووحدة الوجود وزعمه ذلك لنفسه، بل زعم أنه في الذروة العليا من ذلك وصدقه فيه مريدوه فآمنوا به واعتقدوه.
٣ - زعمه رؤية النبي ﷺ يقظة، وتلقين النبي ﷺ إياه الطريقة التجانية وتلقينه وردها يقظة، والإذن له يقظة في تربية الخلق وتلقينهم هذا الورد واعتقاد مريديه وأتباعه ذلك.
٤ - تصريحه بأن المدد يفيض من الله على النبي ﷺ أولا ثم يفيض منه على الأنبياء، ثم يفيض من الأنبياء عليه، ثم منه يتفرق على جميع الخلق من آدم إلى النفخ في الصور ويزعم أنه