← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

﴿قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ قوله : ﴿قال هَلْ علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه﴾ معنى قوله ﴿هل علمتم ما فعلتم﴾ أي قد علمتم , كقوله تعالى ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ أي قد أتى. قال ابن إسحاق: ذكر لنا أنهم لما قالوا ﴿مسّنا وأهلنا الضر﴾ رحمهم ورقَّ لهم , فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ وعَدَّدَ عليهم ما صنعوا بهما. ﴿إذ أنتم جاهلون﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني جهل الصغر. الثاني: جهل المعاصي. الثالث: الجهل بعواقب أفعالهم. فحينئذ عرفوه. ﴿قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي﴾ وحكى الضحاك في قراءة عبد الله: وهذا أخي وبيني وبينه قربى ﴿قد مَنّ الله علينا﴾ يعني بالسلامة ثم بالكرامة , ويحتمل بالإجتماع بعد طول الفرقة. ﴿إنه مَنْ يتّق ويصبرْ﴾ فيه قولان: أحدهما: يتقي الزنى ويصبر على العزوبة , قاله إبراهيم.

стр. 1717

الثاني: يتقي الله تعالى ويصبر على بلواه. وهو محتمل. ﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ فيه قولان: أحدهما: في الدنيا. الثاني: في الآخرة. قوله : ﴿قالوا تالله آثرك اللهُ علينا﴾ مأخوذ من الإيثار , وهو إرادة تفضيل أحد النفسين على الآخر , قال الشاعر: (والله أسماك سُمًّا مباركاً ... آثرك الله به إيثارَكاً) ﴿وإن كنا لخاطئين﴾ أي فيما صنعوا بيوسف , وفيه قولان: أحدهما: آثمين. الثاني: مخطئين. والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن الخاطئ آثم. فإن قيل: فقد كانوا عند فعلهم ذلك به صغاراً ترفع عنهم الخطايا. قيل لما كبروا واستداموا إخفاء ما صنعوا صاروا حينئذ خاطئين. قوله : ﴿قال لا تثريب عليكم﴾ فيه قولان أربعة تأويلات: أحدها: لا تغيير عليكم , وهو قول سفيان ابن عيينة. الثاني: لا تأنيب فيما صنعتم , قاله ابن إسحاق. الثالث: لا إباء عليكم في قولكم , قاله مجاهد. الرابع: لا عقاب عليكم وقال الشاعر: (فعفوت عنهم عفو غير مثربٍ ... وتركتهم لعقاب يومٍ سرمد) ﴿اليوم يغفر الله لكم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لتوبتهم بالاعتراف والندم. الثاني: لإحلاله لهم بالعفو عنهم. ﴿وهو أرحم الراحمين﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: في صنعه بي حين جعلني ملكاً.

стр. 1718

الثاني: في عفوه عنكم عما تقدم من ذنبكم.

стр. 1719

﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ قوله : ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً﴾ وفيه وجهان: أحدهما: مستبصراً بأمري لأنه إذا شم ريح القميص عرفني. الثاني: بصيراً من العمى فذاك من أحد الآيات الثلاث في قميص يوسف بعد الدم الكذب وقدّه من دُبُره. وفيه وجه آخر لأنه قميص إبراهيم أنزل عليه من الجنة لما أُلقي في النار , فصار لإسحاق ثم ليعقوب , ثم ليوسف فخلص به من الجب وحازه حتى ألقاه أخوه على وجه أبيه فارتد بصيراً , ولم يعلم بما سبق من سلامة إبراهيم من النار ويوسف من الجب أن يعقوب يرجع به بصيراً. قال الحسن: لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره ... وكان الذي حمل قميصه يهوذا بن يعقوب , قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته فأنا الآن أحمل قميصك لأسرّه وليعود إليه بصره فحمله , حكاه السدي. ﴿وأتوني بأهلكم أجمعين﴾ لتتخذوا مِصرَ داراً. قال مسروق فكانوا ثلاثة وتسعين بين رجل وامرأة. قوله : ﴿ولمّا فصلت العير﴾ أي خرجت من مصر منطلقة إلى الشام. ﴿قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها أمارات شاهدة وعلامات قوي ظنه بها , فكانت هي الريح التي

стр. 1720

وجدها ليوسف، مأخوذ من قولهم تنسمت رائحة كذا وكذا إذا قرب منك ما ظننت أنه سيكون. والقول الثاني: وهو قول الجمهور أنه شم ريح يوسف التي عرفها. قال جعفر بن محمد ﵁: وهي ريح الصبا. ثم اعتذر فقال: ﴿لولا أن تفندّون﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: لولا أن تسفهون , قاله ابن عباس ومجاهد , ومنه قول النابغة الذبياني: (إلا سليمان إذ قال المليكُ له ... قم في البرية فا جددها عن الفنَد) أي عن السفة. الثاني: معناه لولا أن تكذبون , قاله سعيد بن جبير والضحاك , ومنه قول الشاعر: (هل في افتخار الكريم من أود ... أم هل لقول الصديق من فند) أي من كذب. الثالث: لولا أن تضعّفون , قاله ابن إسحاق. والتفنيد: تضعيف الرأي , ومنه قول الشاعر: (يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمري بمردود) وكان قول هذا لأولاد بنيه , لغيبة بنيه عنه , فدل هذا على أن الجدَّ أبٌ. الرابع: لولا أن تلوموني , قاله ابن بحر. ومنه قول جرير: (يا عاذليَّ دعا الملامة واقصِرا ... طال الهوى وأطلْتُما التفنيدا) واختلفوا في المسافة التي وجد ريح قميصه منها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وجدها من مسافة عشرة أيام. قاله أبو الهذيل.

стр. 1721

الثاني: من مسيرة ثمانية أيام , قاله ابن عباس. الثالث: من مسيرة ستة أيام , قاله مجاهد. وكان يعقوب بأرض كنعان ويوسف بمصر وبينهما ثمانون فرسخاً , قاله قتادة. قوله : ﴿قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أي في خطئك القديم , قاله ابن عباس وابن زيد. الثاني: في جنونك القديم , قاله سعيد بن جبير. قال الحسن: وهذا عقوق. الثالث: في محبتك القديمة , قاله قتادة وسفيان. الرابع: في شقائك القديم , قاله مقاتل , ومنه قول لبيد: (تمنى أن تلاقي آل سلمى ... بحطمة والمنى طرف الضِّلال) وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: بنوه , ولم يقصدوا بذلك ذماً فيأثموا. والثاني: بنو نبيه وكانوا صغاراً.

стр. 1722

﴿فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ قوله : ﴿فلما أن جاء البشير﴾ وفي قولان: أحدهما: شمعون , قاله الضحاك. الثاني: يهوذا. سمي بذلك لأنه أتاه ببشارة. ﴿ألقاه على وجهه﴾ يعني ألقى قميص يوسف على وجه يعقوب. ﴿فارتدَّ بصيراً﴾ أي رجع بصيراً , وفيه وجهان: أحدهما: بصيراً بخبر يوسف. الثاني: بصيراً من العمى. ﴿قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إني أعلم من صحة رؤيا يوسف ما لا تعلمون.

стр. 1723

الثاني: إني أعلم من قول ملك الموت أنه لم يقبض روح يوسف ما لا تعلمون. الثالث: إني أعلم من بلوى الأنبياء بالمحن ونزول العراج ونيل الثواب ما لا تعلمون. قوله : ﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا﴾ وإنما سألوه ذلك لأمرين: أحدهما: أنهم أدخلوا عليه من آلام الحزن ما لا يسقط المأثم عنه إلا بإجلاله. الثاني: أنه نبيُّ تجاب دعوته ويعطى مسألته , فروى ابن وهب عن الليث بن سعد أن يعقوب وإخوة يوسف قاموا عشرين سنة يطلبون التوبة فيما فعل إخوة يوسف بيوسف لا يقبل ذلك منهم حتى لقي جبريل يعقوب فعلمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين لا تخيب رجائي , ويا غوث المؤمنين أغثني , ويا عَوْن المؤمنين أعني , ويا مجيب التّوابين تُبْ عليَّ فاستجيب لهم. فإن قيل قد تقدمت المغفرة لهم بقول يوسف من قبل ﴿لا تثريب عليكم﴾ الآية , فلمَ سألوا أباهم أن يستغفر لهم؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: لأن لفظ يوسف عن مستقبل صار وعداً , ولم يكن عن ماض فيكون خبراً. الثاني: أن ما تقدم من يوسف كان مغفرة في حقه , ثم سألوا أباهم أن يستغفر لهم في حق نفسه. الثالث: أنهم علموا نبوة أبيهم فوثقوا بإجابته , ولم يعلموا نبوة أخيهم فلم يثقوا بإجابته. قوله : ﴿قال سوف أستغفر لكم ربي﴾ وفي تأخيره الاستغفار لهم وجهان: أحدهما: أنه أخره دفعاً عن العجيل ووعداً من بعد , فلذلك قال عطاء: طلب

стр. 1724

الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ , ألا ترى إلى قول يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ وإلى قول يعقوب: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾. الثاني: أنه أخّره انتظاراً لوقت الإجابة وتوقعاً لزمان الطلب. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: عند صلاة الليل , قاله عمرو بن قيس. الثاني: إلى السحَر , قاله ابن مسعود وابن عمر. روى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجار). الثالث: إلى ليلة الجمعة قاله ابن عباس ورواه عن النبي ﷺ مرفوعاً. وإنما سألوه عن الاستغفار لهم وإن كان المستحق في ذنوبهم التوبة منها دون الاستغفار لهم ثلاثة أمور: أحدها: للتبرك بدعائه واستغفاره. الثاني: طلباً لاستعطافه ورضاه. الثالث: لحذرهم من البلوى والامتحان في الدنيا.

стр. 1725

﴿فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم﴾ قوله : ﴿فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه﴾ اختلف في إجتماع يوسف مع أبويه وأهله , فحكى الكلبي والسدي أن يوسف خرج عن مصر وركب معه أهلها , وقيل خرج الملك الأكبر معه واستقبل يعقوب , قال الكلبي على يوم من مصر , وكان القصر على ضحوة من مصر , فلما دنا يعقوب متوكئاً على ابنه يهوذا يمشي , فلما نظر إلى الخيل والناس قال: يا يهوذا أهذا فرعون؟ قال: لا , هذا ابنك يوسف , فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان عني , فأجابه يوسف: ﴿وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾ فيه وجهان: أحدهما: آمنين من فرعون , قاله أبو العالية. الثاني: آمنين من القحط والجدب , قاله السدي. وقال ابن جريج: كان اجتماعهم بمصر بعد دخولهم عليه فيها على ظاهر اللفظ , فعلى هذا يكون معنى قوله ﴿ادخلوا مصر﴾ استوطنوا مصر. وفي قوله: ﴿إن شاء الله﴾ وجهان: أحدهما: أن يعود إلى استيطان مصر , وتقديره استوطنوا مصر إن شاء الله. الثاني: أنه راجع إلى قول يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله آمنين إنه هو الغفور الرحيم , ويكون اللفظ مؤخراً , وهو قول ابن جريج.

стр. 1726

فحكى ابن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنساناً من رجل وامرأة , وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً. قوله : ﴿ورفع أبويه على العرش﴾ قال مجاهد وقتادة: وفي أبويه قولان: أحدهما: أنهما أبوه وخالته راحيل , وكان أبوه قد تزوجها بعد أمه فسميت أُماً , وكانت أمه قد ماتت في نفاس أخيه بنيامين , قاله وهب والسدي. الثاني: أنهما أبوه وأمه وكانت باقيه إلى دخول مصر , قاله الحسن وابن إسحاق. ﴿وخرّوا له سجداً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم سجدوا ليوسف تعظيماً له , قال قتادة: وكان السجود تحية من قبلكم وأعطى الله تعالى هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقال الحسن: بل أمرهم الله تعالى بالسجود له لتأويل الرؤيا. وقال محمد بن إسحاق: سجد له أبواه وإخوته الأحد عشر. والقول الثاني: أنهم سجدوا لله , قاله ابن عباس , وكان يوسف في جهة القبلة فاستقبلوه بسجود , وكان سجودهم شكراً , ويكون معنى قوله ﴿وخروا﴾ أي سقطوا , كما قال تعالى ﴿فخرّ عليهم السقف مِنْ فوقهم﴾ أي سقط. والقول الثالث: أن السجود ها هنا الخضوع والتذلل , ويكون معنى قوله تعالى ﴿خروا﴾ أي بدروا. ﴿وقال يا أبَتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً﴾ واختلف العلماء فيما بين رؤياه وتأويلها على خمسة أقاويل: أحدها: أنه كان بيهما ثمانون سنة , قاله الحسن وقتادة. الثاني: كان بينهما أربعون سنة , قاله سليمان. الثالث: ست وثلاثون سنة , قاله سعيد بن جبير.

стр. 1727

الرابع: اثنتان وعشرون سنة. والخامس: أنه كان بينهما ثماني عشرة سنة , قاله ابن إسحاق. فإن قيل: فإن رؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة فهلاّ وثق بها يعقوب وتسلى؟ ولم ﴿قال يا بُني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً﴾ وما يضر الكيد مع سابق القضاء؟ قيل عن هذا جوابان: أحدهما: أنه رآها وهو صبي فجاز أن تخالف رؤيا الأنبياء المرسلين. الثاني: أنه حزن لطول المدة في معاناة البلوى وخاف كيد الإخوة في تعجيل الأذى. ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو﴾ فإن قيل فلم اقتصر من ذكر ما بُلي به على شكر إخراجه من السجن دون الجب وكانت حاله في الجب أخطر؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه كان في السجن مع الخوف من المعرة ما لم يكن في الجب فكان ما في نفسه من بلواه أعظم فلذلك خصه بالذكر والشكر. الثاني: أنه قال ذلك شكراً لله على نقله من البلوى إلى النعماء , وهو إنما انتقل إلى الملك من السجن لا من الجب , فصار أخص بالذكر والشكر إذ صار بخروجه من السجن ملكاً , وبخروجه من الجب عبداً. الثالث: أنه لما عفا عن إخوته بقوله ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ أعرض عن ذكر الجب لما فيه من التعريض بالتوبيخ وتأول بعض أصحاب الخواطر قوله: ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن﴾ أي من سجن السخط إلى فضاء الرضا. وفي قوله: ﴿وجاء بكم من البدو﴾ ثلاثة أقاويل:

стр. 1728

أحدها: أنهم كانوا في بادية بأرض كنعان أهل مواشٍ وخيام , وهذا قول قتادة. الثاني: أنه كان قد نزل (بدا) وبنى تحت جبلها مسجداً ومنها قصد , حكاه الضحاك عن ابن عباس. قال جميل: (وأنتِ التي حَبَبْتِ شغباً إلى بَدَا ... إليّ وأوطاني بلادٌ سِواهما) يقال بدا يبدو إذا نزل (بدا) فلذلك قال: وجاء بكم من البدو وإن كانوا سكان المدن. الثالث: لأنهم جاءُوا في البادية وكانوا سكان مدن , ويكون بمعنى في. واختلف من قال بهذا في البلد الذي كانوا يسكنونه على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنهم كانوا من أهل فلسطين , قاله علي بن أبي طلحة. الثاني: من ناحية حران من أرض الجزيرة , ولعله قول الحسن. الثالث: من الأولاج من ناحية الشعب , حكاه ابن إسحاق. ﴿من بَعْدِ أن نَزَغَ الشيطانُ بيني وبين إخوتي﴾ وفي نزغه وجهان: أحدهما: أنه إيقاع الحسد , قاله ابن عباس. الثاني: معناه حرّش وأفسد , قاله ابن قتيبة. ﴿إن ربي لطيف لما يشاء﴾ قال قتادة: لطيف بيوسف بإخراجه من السجن , وجاء بأهله من البدو , ونزع عن يوسف نزغ الشيطان.

стр. 1729

﴿رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾ قوله : ﴿رب قد آتيتني من الملك﴾ فيه أربعة أقاويل:

стр. 1730

أحدها: أن الملك هو احتياج حساده إليه , قاله ابن عطاء. الثاني: أراد تصديق الرؤيا التي رآها. الثالث: أنه الرضا بالقضاء والقناعة بالعطاء. الرابع: أنه أراد مُلْك الأرض وهو الأشهر. وإنما قال من الملك لأنه كان على مصر من قبل فرعون. ﴿وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾ فيه وجهان: أحدهما: عبارة الرؤيا. قاله مجاهد. الثاني: الإخبار عن حوادث الزمان , حكاه ابن عيسى. ﴿فاطر السموات والأرض﴾ أي خالقهما. ﴿أنت وليّي في الدنيا والآخرة﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مولاي. الثاني: ناصري. ﴿توفني مسلماً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني مخلصاً للطاعة , قاله الضحاك. الثاني: على ملة الإسلام. حكى الحسن أن البشير لما أتى يعقوب قال له يعقوب ﵇: على أي دين خلفت يوسف؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة. ﴿وألحقني بالصالحين﴾ فيه قولان: أحدهما: بأهل الجنة , قاله عكرمة. الثاني: بآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب , قاله الضحاك. قال قتادة والسدي: فكان يوسف أول نبي تمنى الموت. وقال محمد بن إسحاق: مكث يعقوب بأرض مصر سبع عشرة سنة. وقال ابن

стр. 1731

عباس مات يعقوب بأرض مصر وحمل إلى أرض كنعان فدفن هناك. ودفن يوسف بأرض مصر ولم يزل بها حتى استخرج موسى عظامه وحملها فدفنها إلى جنب يعقوب ﵈.

стр. 1732

﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين﴾

стр. 1733

﴿ذلك من أنباء الغيب﴾ يعني هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من أمر يوسف من أخبار الغيب. ﴿نوحيه إليك﴾ أي نعلمك بوحي منا إليك. ﴿وما كنت لديهم﴾ أي إخوة يوسف. ﴿إذ أجمعوا أمرهم﴾ في إلقاء يوسف في الجب. ﴿وهم يمكرون﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بيوسف في إلقائه في غيابة الجب. الثاني: يعقوب حين جاؤوا على قميصه بدم كذب.

стр. 1734

﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون﴾ قوله : ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه قول المشركين الله ربنا وآلهتنا ترزقنا , قاله مجاهد. الثاني: أنه في المنافقين يؤمنون في الظاهر رياء وهم في الباطن كافرون بالله تعالى , قاله الحسن. الثالث: هو أن يشبه الله تعالى بخلقه , قاله السدي. الرابع: أنه يشرك في طاعته كقول الرجل لولا الله وفلان لهلك فلان , وهذا قول أبي جعفر. الخامس: أنهم كانوا يؤمنون بالله تعالى ويكفرون بمحمد ﷺ , فلا يصح إيمانهم حكاه ابن الأنباري.

стр. 1735

﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ قوله : ﴿قل هذه سبيلي﴾ فيها تأويلان:

стр. 1736

أحدهما: هذه دعوتي، قاله ابن عباس. الثاني: هذه سنتي، قاله عبد الرحمن بن زيد. والمراد بها تأويلان: أحدهما: الإخلاص لله تعالى بالتوحيد. الثاني: التسليم لأمره فيما قضاه. ﴿أدْعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبَعَني﴾ فيه تأويلان: أحدهما: على هدى , قاله قتادة. الثاني: على حق , وهو قول عبد الرحمن بن زيد. وذكر بعض أصحاب الخواطر تأويلاً (ثالثاً) أي أبلغ الرسالة ولا أملك الهداية.

стр. 1737

﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون﴾ قوله : ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى﴾ قال قتادة: من أهل الأمصار دون البوادي لأنهم أعلم وأحلم. وقال الحسن: لم يبعث الله تعالى نبياً من أهل البادية قط , ولا من النساء , ولا من الجن. ﴿ولدار الآخرة خير﴾ يعني بالدار الجنة , وبالآخرة القيامة , فسمى الجنة داراً وإن كانت النار داراً لأن الجنة وطن اختيار , والنار مسكن اضطرار.

стр. 1738

﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾

стр. 1739

قوله : ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ فيه وجهان: أحدهما: من قولهم أن يصدقوهم، قاله ابن عباس. الثاني: أن يعذب قومهم، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: استيأسوا من النصر. ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ في ﴿كذبوا﴾ قراءتان: أحدهما: بضم الكاف وكسر الذال وتشديدها، قرأ بها الحرميّان وأبو عمرو وابن عامر، وفي تأويلها وجهان: أحدهما: يعني أن قومهم ظنوا أن الرسل قد كذّبوهم، حكاه ابن عيسى. والقراءة الثانية ﴿كُذِبوا﴾ بضم الكاف وتخفيف الذال، قرأ بها الكوفيون، وفي تأويلها وجهان: أحدهما: فظن اتباع الرسل أنهم قد كذبوا فيما ذكروه لهم. الثاني: فظن الرسل أن ابتاعهم قد كذبوا فيما أظهروه من الإيمان بهم. ﴿جاءهم نصرنا﴾ فيه وجهان: أحدهما: جاء الرسل نصر الله تعالى قاله مجاهد. الثاني: جاء قومهم عذاب الله تعالى , وهو قول ابن عباس. ﴿فنجي من نشاءُ﴾ قيل الأنبياء ومَن آمن معهم. ﴿ولا يُرَدُّ بأسُنا عن القومِ المجرمين﴾ يعني عذابنا إذا نزل بهم. ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ قوله : ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ يعني في قصص

стр. 1740

يوسف وإخوته اعتبار لذوي العقول بأن من نقل يوسف من الجب والسجن وعن الذل والرق إلى أن جعله ملكاً مطاعاً ونبياً مبعوثاً، فهو على نصر رسوله وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه قادر، وإنما الإمهال إنذار وإعذار. ﴿ما كان حديثاً يفتري﴾ أن يختلف ويتخرّص، وفيه وجهان: أحدهما: يعني القرآن، قاله قتادة. الثاني: ما تقدم من القصص، قاله ابن إسحاق. ﴿ولكن تصديق الذي بين يديه﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدَّق لما قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى، وهذا تأويل من زعم أنه القرآن. الثاني: يعني ولكن يصدّقه ما قبله من كتب الله تعالى، وهذا قول من زعم أنه القصص. ﴿وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ والله أعلم. تمت سورة يوسف بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.

стр. 1741

سورة الرعد مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية في قول الكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس مدنية إلا آيتين منها وهما قوله تعالى: ﴿ولو أن قرآناً سيرتت به الجبال﴾ إلى آخرهما. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 1742

﴿المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ قوله : ﴿المر تلك آيات الكتاب﴾ وفي الكتاب ثلاثة أقاويل: أحدها: الزبور , وهو قول مطر. الثاني: التوراة والإنجيل , قاله مجاهد. الثالث: القرآن , قال قتادة. فعلى هذا التأويل يكون معنى قوله ﴿تلك آيات الكتاب﴾ أي هذه آيات الكتاب. ﴿والذي أنزل إليك من ربك الحق﴾ يعني القرآن. ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ يعني بالقرآن أنه منزل بالحق. وفي المراد ب ﴿أكثر الناس﴾ قولان: أحدهما: أكثر اليهود والنصارى , لأن أكثرهم لم يسلم. الثاني: أكثر الناس في زمان رسول الله ﷺ .

стр. 1743

﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾ قوله : ﴿الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني بِعُمد لا ترونها , قاله ابن عباس. الثاني: أنها مرفوعة بغير عمد , قاله قتادة وإياس بن معاوية. وفي رفع السماء وجهان: أحدهما: رفع قدرهاا وإجلال خطرها , لأن السماء أشرف من الأرض. الثاني: سمكها حتى علت على الأرض.

стр. 1744

﴿وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ قوله : ﴿وهو الذي مَدّ الأرض﴾ أي بسطها للاستقرار عليها , رداً على من زعم أنها مستديرة كالكرة. ﴿وجعل فيها رواسي﴾ أي جبالاً , واحدها راسية , لأن الأرض ترسو بها , أي تثبت. قال جميل:

стр. 1745

(أُحبُّهُ والذي أرسى قواعده ... حُبًّا إذا ظهرت آياتُه بطنا) قال عطاء: أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس. ﴿وأنهاراً﴾ وفيها من منافع الخلق شرب الحيوان ونبات الأرض ومغيض الأمطار ومسالك الفلك. ﴿ومِنْ كُلِّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين﴾ أحد الزوجين ذكر وأنثى كفحول النخل وإناثها , كذلك كل النبات وإن خفي. والزوج الآخر حلو وحامض , أو عذب ومالح , أو أبيض وأسود , أو أحمر وأصفر , فإن كل جنس من الثمار ذو نوعين , فصار كل ثمر ذي نوعين زوجين , وهي أربعة أنواع. ﴿يغشي الليل النهار﴾ معناه يغشي ظلمةَ الليل ضوءَ النهار , ويغشي ضوء النهار ظلمة الليل. قوله : ﴿وفي الأرض قطعٌ متجاورات﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المتجاورات المدن وما كان عامراً , وغير المتجاورات الصحارى وما كان غير عامر. الثاني: أي متجاورات في المدى , مختلفات في التفاضل. وفيه وجهان: أحدهما: أن يتصل ما يكون نباته مراً. الثاني: أن تتصل المعذبة التي تنبت بالسبخة التي لا تنبت , قاله ابن عباس. ﴿وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الصنوان المجتمع , وغير الصنوان المفترق , قاله ابن جرير. قال الشاعر: (العلم والحلم خُلّتا كرَمٍ ... للمرءِ زين إذا هما اجتمعا) (صنوانٍ لا يستتم حسنها ... إلا بجمع ذا وذاك معا)

стр. 1746

الثاني: أن الصنوان النخلات يكون أصلها واحداً , وغير صنوان أن تكون أصولها شتى , قاله ابن عباس والبراء بن عازب. الثالث: أن الصنوان الأشكال , وغير الصنوان المختلف , قاله بعض المتأخرين. الرابع: أن الصنوان الفسيل يقطع من أمهاته , وهو معروف , وغير الصنوان ما ينبت من النوى , وهو غير معروف حتى يعرف , وأصل النخل الغريب من هذا , قاله علي بن عيسى. ﴿يسقى بماءٍ واحدٍ ونُفَضّلُ بعْضَها على بعضٍ في الأكل﴾ فبعضه حلو , وبعضه حامض , وبعضه أصفر , وبعضه أحمر , وبعضه قليل , وبعضه كثير. ﴿إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن في اختلاف ذلك اعتبار يدل ذوي العقول على عظيم القدرة , وهو معنى قول الضحاك. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لبني آدم , أصلهم واحد وهم مختلفون في الخير والشر والإيمان والكفر كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد , قاله الحسن.

стр. 1747

﴿وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ قوله : ﴿وإن تعجب فعجَبٌ قولهم﴾ الآية. معناه وإن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك فأعجبُ منه تكذيبهم بالبعث. والله تعالى لا يتعجب ولا يجوز

стр. 1748

عليه التعجب , لأنه تغير النفس بما تخفى أسبابه , وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون.

стр. 1749

﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب﴾ قوله : ﴿ويستعجلونَكَ بالسيئة قَبْل الحسنة﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني بالعقوبة قبل العافية , قاله قتادة. الثاني: بالشر قبل الخير , وهو قول رواه سعيد بن بشير. الثالث: بالكفر قبل الإجابة. رواه القاسم بن يحيى. ويحتمل رابعاً: بالقتال قبل الاسترشاد. ﴿وقد خلت من قبلهم المثلاتُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الأمثال التي ضربها الله تعالى لهم , قاله مجاهد. الثاني: أنها العقوبات التي مثل الله تعالى بها الأمم الماضية , قاله ابن عباس. الثالث: أنها العقوبات المستأصلة التي لا تبقى معها باقية كعقوبات عاد وثمود حكاه ابن الأنباري والمثلات: جمع مثُلة. ﴿وإن ربك لذو مغفرةٍ للناس على ظُلمِهم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يغفر لهم ظلمهم السالف بتوبتهم في الآنف , قاله القاسم بن يحيى. الثاني: يغفر لهم بعفوه عن تعجيل العذاب مع ظلمهم بتعجيل المعصية. الثالث: يغفر لهم بالإنظار توقعاً للتوبة. ﴿وإنّ ربّك لشديد العقاب﴾ فروى سعيد ابن المسيب أن النبي ﷺ قال عند نزول هذه الآية: لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش , ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد. (

стр. 1750

﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ قوله : ﴿ ... إنما أنت منذر﴾ يعني النبي ﷺ نذير لأمته ﴿ولكل قومٍ هادٍ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: أنه الله تعالى , قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. الثاني: ولكل قومٍ هادٍ أي نبي يهديهم , قاله مجاهد وقتادة. الثالث: ولكل قوم هاد معناه ولكل قوم قادة وهداة , قاله أبو صالح. الرابع: ولكل قوم هاد , أي دعاة , قاله الحسن. الخامس: معناه ولكل قوم عمل , قاله أبو العالية. السادس: معناه ولكل قوم سابق بعلم يسبقهم إلى الهدى , حكاه ابن عيسى.

стр. 1751

﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ قوله : ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾ قال ابن أبي نجيح يعلم أذكر هو أم أنثى. ويحتمل وجهاً آخر: يعلم أصالح هو أَم طالح. ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ بالسقط الناقص ﴿وما تزداد﴾ بالولد التام , قاله ابن عباس والحسن. الثاني: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ بالوضع لأقل من تسعة أشهر , ﴿وما تزداد﴾ بالوضع لأكثر من تسعة أشهر , قاله سعيد بن جبير والضحاك. وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين وولدتني وق خرجت سني. الثالث: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ بانقطاع الحيض في الحمل ﴿ما تزداد﴾ بدم النفاس بعد الوضع. قال مكحول: جعل الله تعالى دم الحيض غذاء للحمل. الرابع: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ بظهور الحيض من أيام على الحمل , وفي ذلك

стр. 1752

نقص في الولد ﴿وما تزداد﴾ في مقابلة أيام الحيض من أيام الحمل , لأنها كلما حاضت على حملها يوماً ازدادت في طهرها يوماً حتى يستكمل حملها تسعة أشهر طهراً , قال عكرمة وقتادة. الخامس: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ من ولدته قبل ﴿وما تزداد﴾ من تلده من بعد , حكاه السدي وقتادة. ﴿وكُلُّ شيءٍ عنده بمقدار﴾ فيه وجهان: أحدهما: في الرزق والأجل , قاله قتادة. الثاني: فيما تغيض الأرحام وما تزداد , قاله الضحاك. ويحتمل ثالثاً: أن كل شيء عنده من ثواب وعقاب بمقدار الطاعة والمعصية.

стр. 1753

﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ قوله تعالى: ﴿سواءٌ منكم مَن أسَرَّ القول ومَن جَهَرَ به﴾ إسرار القول: ما حدّث به نفسه , والجهر ما حَدّث به غيره. والمراد بذلك أنه تعالى يعلم ما أسره الإنسان من خير وشر. ﴿ومَن هو مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعلم من استخفى بعمله في ظلمة الليل , ومن أظهره في ضوء النهار. الثاني: يرى ما أخفته ظلمة الليل كما يرى ما أظهره ضوء النهار , بخلاف المخلوقين الذين يخفي عليهم الليل أحوال أهلهم. قال الشاعر: (وليلٍ يقول الناسُ في ظلُماتِه ... سَواءٌ صحيحات العُيون وعورها) والسارب: هو المنصرف الذاهب , مأخوذ من السُّروب في المرعى , وهو

стр. 1754

بالعشي , والسروج بالغداة , قال قيس بن الخطيم: (أنَّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب) قوله : ﴿له معقبات مِن بين يديه ومن خَلْفِه﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم حراس الأمراء يتعاقبون الحرس , قاله ابن عباس وعكرمة. الثاني: أنه ما يتعاقب من أوامر الله وقضائه في عباده , قاله عبد الرحمن بن زيد. الثالث: أنهم الملائكة , إذا صعدت ملائكة النهار أعقبتها ملائكة الليل , وإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار , قاله مجاهد وقتادة. قال الحسن: وهم أربعة أملاك: اثنان بالنهار , واثنان بالليل , يجتمعون عند صلاة الفجر. وفي قوله تعالى: ﴿من بين يديه ومن خلفه﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: من أمامه وورائه , وهذا قول من زعم أن المعقبات حراس الأمراء. الثاني: الماضي والمستقبل , وهذا قول من زعم أن المعقبات ما يتعاقب من أمر الله تعالى وقضائه. الثالث: من هُداه وضلالِه , وهذا قول من زعم أن المعقبات الملائكة. ﴿يحفظونَه من أمر الله﴾ تأويله يختلف بحسب اختلاف المعقبات , فإن قيل بالقول الأول أنهم حراس الأمراء ففي قوله ﴿يحفظونه﴾ أي عند نفسه من أمر الله ولا راد لأمره ولا دافع لقضائه , قاله ابن عباس وعكرمة. الثاني: أن في الكلام حرف نفي محذوفاً وتقديره: لا يحفظونه من أمر الله. وإن قيل بالقول الثاني , إن المعقبات ما يتعاقب من أمر الله وقضائه , ففي تأويل قوله تعالى ﴿يحفظونه من أمر الله﴾ وجهان: أحدهما: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجله , قاله الضحاك.

стр. 1755

الثاني: يحفظونه من الجن والهوام المؤذية ما لم يأت قدر , قاله أبو مالك وكعب الأحبار. وإن قيل بالقول الثالث: وهو الأشبه: أن المعقبات الملائكة ففيما أريد بحفظهم له وجهان: أحدهما: يحفظون حسناته وسيئاته بأمر الله. الثاني: يحفظون نفسه. فعلى هذا في تأويل قوله تعالى ﴿يحفظونه من أمر الله﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: يحفظونه بأمر الله , قاله مجاهد. الثاني: يحفظونه من أمر الله حتى يأتي أمر الله , وهو محكي عن ابن عباس. الثالث: أنه على التقديم والتأخير وتقديره: له معقبات من أمر الله تعالى يحفظونه من بين يديه ومن خلفه , قاله إبراهيم. وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنها عامة في جميع الخلق , وهو قول الجمهور. الثاني: أنها خاصة نزلت في رسول الله ﷺ حين أزمع عامر بن الطفيل وأريد بن ربيعة أخو لبيد على قتل رسول الله ﷺ فمنعه الله منهما وأنزل هذه الآية فيه , قاله ابن زيد. ﴿إنَّ الله لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيِّرُوا ما بأنفسِهم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله لا يغير ما بقوم من نعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم من معصية. الثاني: لا يغير ما بهم من نعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة. ﴿وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مرد له﴾ فيه وجهان:
следующие страницы →