← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الثاني: يهدي الله لدلائل هدايته من يشاء من أهل طاعته. الثالث: يهدي الله لنبوته من يشاء من عباده. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ الآية. وفيما ضربت هذه الآية مثلاً فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها مثل ضربه الله للمؤمن في وضوح الحق له. الثاني: أنها مثل ضربه الله لطاعته فسى الطاعة نوراً لتجاوزها عن محلها. الثالث: ما حكاه ابن عباس أن اليهود قالوا: يا محمد كيف يخلص نور الله من دون السماء فضرب الله ذلك مثلاً لنوره.

стр. 2557

﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ في هذه البيوت قولان: أحدهما: أنها المساجد , قاله ابن عباس , والحسن , ومجاهد. الثاني: أنها سائر البيوت , قاله عكرمة. ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ أربعة أوجه: أحدها: أن تُبْنَى , قاله مجاهد كقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ أي يبني. الثاني: أنها تطهر من الأنجاس والمعاصي , حكاه ابن عيسى. الثالث: أن تعظم , قاله الحسن. الرابع: أن ترفع فيها الحوائج إلى الله.

стр. 2558

﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: يتلى فيها كتابه , قاله ابن عباس. الثاني: تذكر فيها أسماؤه الحسنى , قاله ابن جرير. الثالث: توحيده بأن لا إله غيره , قاله الكلبي. وفيما يعود إليه ذكر البيوت التي أذن الله أن ترفع قولان: أحدهما: إلى ما تقدم من قوله: كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله. الثاني: إلى ما بعده من قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ وفي هذا التسبيح قولان: أحدهما: أنه تنزيه الله. الثاني: أنه الصلاة , قاله ابن عباس والضحاك. ﴿بالْغَدُوِّ وَالآصَالِ﴾ الغدو جمع غَدوة والآصال جمع أصيل وهي العشاء. ﴿رِجالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: التجار هم الجلاب المسافرون , والباعة هم المقيمون. ﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن ذكره بأسمائه الحسنى. الثاني: عن الأذان , قاله يحيى بن سلام. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبِ وَالأبْصَارُ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: يعني تقلبها على حجر جهنم. الثاني: تقلب أحوالها بأن تلفحها النار ثم تنضجها وتحرقها. الثالث: أن تقلب القلوب وجيبها , وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال. الرابع: أن تقلب القلوب بلوغها الحناجر , وتقلب الأبصار الزّرَق بعد الكحل، والعمى بعد البصر.

стр. 2559

الخامس: أن الكافر بعد البعث ينقلب قلبه على الكفر إلى الإيمان وينقلب بصره عما كان يراه غياً فيراه رشداً. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ فذكر الجزاء على الحسنات ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازى عليها لأمرين: أحدهما: أنه ترغيب فاقتصر على ذكر الرغبة. الثاني: أنه يكون في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر فكانت صغائرهم مغفورة. ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها. الثاني: ما يتفضل به من غير جزاء. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: بغير جزاء بل يسديه تفضلاً. الثاني: غير مقدر بالكفاية حتى يزيد عليها. الثالث: غير قليل ولا مضيق. الرابع: غير ممنون به. وقيل لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله ﷺ ببناء مسجد قباء فحضر عبد الله بن رواحة فقال: يا رسول الله قد أفلح من بنى المساجدا؟ قال: (نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ) قال , وصلى فيها قائماً وقاعداً قال: (نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةِ) قال: ولم يبت لله إلا ساجداً؟ قال: (نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ. كُفّ عَنِ السَّجْعِ فَمَا أُعْطِيَ عَبْدٌ شَيئاً شَرّاً مِن طَلَاقَةِ لِسَانِهِ).

стр. 2560

﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات

стр. 2561

بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أََعَمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بقِيعَةٍ﴾ أما السراب فهو الذي يخيل لمن رآه في الفلاة كأنه الماء الجاري قال الشاعر: (فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهُمْ ... كَلَمْعِ سَرَابٍ بِالْفَلَا مُتَأَلِّق) والآل كالسراب إلا أنه يرتفع عن الأرض في وقت الضحى حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء , وقيل: إن السراب بعد الزوال والآل قبل الزوال والرقراق بعد العصر وأما القيعة فجمع قاع مثل جيرة وجار , والقاع ما انبسط من الأرض واستوى. ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ يعني العطشان يحسب السراب ماءً. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ وهذا مثل ضربه الله للكافر يعول على ثواب عمله فإذا قدم على الله وجد ثواب عمله بالكفر حابطاً. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وجد أمر الله عند حشره. الثاني: وجد الله عند عرضه. ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ووجد الله عند عمله فجازاه على كفره. والثاني: وجد الله عند وعيده فوفى بعذابه ويكون الحساب على الوجهين معاً محمولاً على العمل , كما قال امرؤ القيس: (فوّلَّى مُدْبِراً وَأيْقَنَ ... أنَّه لَاقِى الْحِسَابَا) ﴿وَاللَّهُ سَرِيع الْحِسَابِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لأن حسابه آت وكل آت سريع.

стр. 2562

الثاني: لأنه يحاسب جميع الخلق في وقت سريع. قيل إن هذه الآية نزلت في شيبة بن ربيعة وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين فكفر في الإِسلام. قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ الظلمات: ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل. وفي قوله لجيّ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه البحر الواسع الذي لا يرى ساحله , حكاه ابن عيسى. الثاني: أنه البحر الكثير الموج , قاله الكلبي. الثالث: أنه البحر العميق , وهذا قول قتادة , ولجة البحر وسطه , ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (مَنْ رَكِبَ البَحْرَ إِذَا الْتَجَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) يعني إذا توسطه. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يغشاه موج من فوق الموج ريح , من فوق الريح سحاب فيجمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب. الثاني: معناه يغشاه موج من بعده فيكون المعنى الموج بعضه يتبع بعضاً حتى كأنه بعضه فوق بعض وهذا أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب , ومن فوق هذا الموج سحاب وهو أعظم للخوف من وجهين: أحدهما: أنه قد يغطي النجوم التي يهتدى بها. الثاني: الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ يحتمل وجهين:

стр. 2563

أحدهما: أن يريد الظلمات التي بدأ بذكرها وهي ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل. الثاني: يعني بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض. ﴿إِذَا أخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه أنه رآها بعد أن كاد لا يراها , حكاه ابن عيسى. الثاني: لم يرها ولم يكد , قاله الزجاج , وهو معنى قول الحسن. وفي قوله لم يكد وجهان: أحدهما: لم يطمع أن يراها. الثاني: لم يرها ويكاد صلة زائدة في الكلام. ﴿ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهَ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ومن لم يجعل الله له سبيلاً إلى النجاة في الآخرة فما له من سبيل إليها حكاه ابن عيسى. الثاني: ومن لم يهده الله للإِسلام لم يهتد إليه , قاله الزجاج. وقال بعض أصحاب الخواطر وجهاً ثالثاً: ومن لم يجعل الله نوراً له في وقت القسمة فما له من نور في وقت الخلقة. ويحتمل رابعاً: ومن لم يجعل الله له قبولاً في القلوب لم تقبله القلوب. وهذا المثل ضربه الله للكافر , فالظمات ظلمة الشرك وظلمة الليل وظلمة المعاصي , والبحر اللجي قلب الكافر , يغشاه من فوقه عذاب الدنيا , فوقه عذاب الآخرة.

стр. 2564

﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير﴾

стр. 2565

قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَآفَاتٍ﴾ أي مصطفة الأجنحة في الهواء. ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الصلاة للإِنسان والتسبيح لما سواه من سائر الخلق , قاله مجاهد. الثاني: أن هذا في الطير وإن ضرب أجنحتها صلاة وأن أصواتها تسبيح , حكاه النقاش. الثالث: أن للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود , قاله سفيان. ثم فيه قولان: أحدهما: أن كل واحد منهم قد علم صلاته وتسبيحه. الثاني: أن الله قد علم صلاته وتسبيحه.

стр. 2566

﴿ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ قوله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحَاباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ينزله قليلاً بعد قليل , ومنه البضاعة المزجاة لقلتها. الثاني: أنه يسوقه إلى حيث شاء ومنه زجا الخراج إذا انساق إلى أهله قال النابغة: (إِنِّي أتَيْتُكَ من أَهْلِي ومنْ وَطَنِي ... أُزْجِي حُشَاشَةَ نَفْسٍ ما بِها رَمَقٌ) ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي يجمعه ثم يفرقه عند انتشائه ليقوى ويتصل.

стр. 2567

﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ أي يركب بعضه بعضاً. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الودق البرق يخرج من خلال السحاب قال الشاعر: (أثرن عجاجة وخرجن منها ... خروج الودق من خلَلَ السحاب) وهذا قول أبي الأشهب: الثاني: أنه المطر يخرج من خلال السحاب , وهو قول الجمهور , ومنه قول الشاعر: (فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل أبقالها) ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن في السماء جبال برد فينزل من تلك الجبال ما يشاء فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء. الثاني: أنه ينزل من السماء برداً يكون كالجبال. الثالث: أن السماء السحاب , سماه لعلوه , والجبال صفة السحاب أيضاً سمي جبالاً لعِظمه فينزل منه برداً يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فتكون إصابته نقمة وصرفه نعمة. ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: صوت برقه. الثاني: ضوء برقه , قاله يحيى بن سلام ومنه قول الشماخ. (وما كادت إذا رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إلاّ البصير) الثالث: لمعان برقه , قاله قتادة والصوت حادث عن اللمعان كما قال امرؤ القيس:

стр. 2568

(يضي سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المفتل) فيكون البرق دليلاً على تكاثف السحاب , ونذيراً بقوة المطر , ومحذراً من نزول الصواعق. قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ فيه ثلاث أوجه: أحدها: هو أن يأتي بالليل بعد النهار ويأتي بالنهار بعد الليل , حكاه ابن عيسى. الثاني: أن ينقص من الليل ما يزيد من النهار وينقص من النهار ما يزيد في الليل , حكاه يحيى بن سلام. الثالث: أنه يغير النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس أخرى , ويغير الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة , حكاه النقاش. ويحتمل رابعاً: أن يقلبها باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر.

стр. 2569

﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن أصل الخلق من ماء ثم قلب إلى النار فخلق منها الجن , وإلى النور فخلق منها الملائكة، وإلى الطين فخلق منه من خلق وما خلق، حكاه ابن عيسى. الثاني: أنه خالق كل دابة من ماء النطفة، قاله السدي. ﴿فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحية والحوت. ﴿وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رَجْلَينِ﴾ الإِنسان والطير. ﴿وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالمواشي والخيل , ولم يذكر ما يمشي،

стр. 2570

ولم يذكر ما يمشى على أكثر من أربع لأنه كالذي يمشي على أربع لأنه يعتمد في المشي على أربع.

стр. 2571

﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ هذه الآية نزلت في بشر , رجلٌ من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى النبي ﷺ ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف لأن الحق إذا كان متوجهاً على المنافق إلى غير رسول الله ﷺ ليسقط عنه , وإذا كان له حاكم إليه ليستوفيه منه فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في المغيرة بن وائل من بني أمية كان بينه وبين علي كرم الله وجهه خصومة في ماء وأرض فامتنع المغيرة أن يحاكم علياً إلى رسول الله ﷺ وقال: إنه يبغضني , فنزلت هذه الآية. ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدهما: طائعين , حكاه ابن عيسى. الثاني: خاضعين , حكاه النقاش. الثالث: مسرعين , قاله مجاهد.

стр. 2572

الرابع: مقرنين , قاله الأخفش وفيها دليل على أن من دعي إلى حاكم فعليه الإِجابة ويحرج إن تأخر. وقد روى أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ دُعِيَ إِلَى حَاكِمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ). ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: شرك , قاله الحسن. الثاني: نفاق , قاله قتادة.

стр. 2573

﴿أَمِ ارْتَابُواْ﴾ أي شكوا ويحتمل وجهين: أحدهما: في عدل رسول الله ﷺ . الثاني: في نبوته.

стр. 2574

﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ قوله تعالى: ﴿قُل لَاّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: طاعة صادقة خير من أيمان كاذبة. الثاني: قد عرف نفاقكم في الطاعة فلا تتجملوا بالأيمان الكاذبة. قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي أعرضوا عن الرسول. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ أي عليه ما حمل من إبلاغكم , وعليكم ما حملتم من طاعته. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن عليه ما حمل من فرض جهادكم , وعليكم ما حملتم من وزر عباده. ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ يعني إلى الحق. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولَِ إِلَاّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يعني بالقول لمن أطاع وبالسيف لمن عصى.

стр. 2575

﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر

стр. 2576

بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعِمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ليَسَتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني أرض مكة , لأن المهاجرين سألوا الله ذلك , قاله النقاش. والثاني: بلاد العرب والعجم , قاله ابن عيسى. روى سليم بن عامر عن المقدام بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ بَيْتُ حَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإِسْلَامِ بِعزٍّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلٍّ ذَلِيلٍ , إما يعزهم فيجعلهم من أهلها , وإما يذلهم فيدينون لها). ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما يعني بني إسرائيل في أرض الشام. الثاني: داود وسليمان. ﴿وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ يعني دين الإِسلام وتمكينه أن يظهره على كل دين. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِم أَمْناً﴾ لأنهم كانوا مطلوبين فطلبوا , ومقهورين فقهروا.

стр. 2577

﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: لا يعبدون إلهاً غيري , حكاه النقاش. الثاني: لا يراءون بعبادتي أحداً. الثالث: لا يخافون غيري , قاله ابن عباس. الرابع: لا يحبون غيري , قاله مجاهد. قال الضحاك: هذه الآية في الخلفاء الأربعة: أبو بكر , وعمر , وعثمان , وعلي ﵃ وهم الأئمة المهديون , وقد قال النبي ﷺ : (الخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثونَ سَنَةً).

стр. 2578

﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم﴾ قوله تعالى: ﴿لَيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيَمَانُكُم﴾ فيهم قولان:

стр. 2579

أحدهما: أنهم النساء يستأذنَّ في هذه الأوقات خاصة ويستأذن الرجال في جميع الأوقات , قاله ابن عمر. الثاني: أنهم العبيد والإِماء. وفي المعنى بالاستئذان ثلاثة أقاويل: أحدها: العبد دون الأمة يستأذن على سيده في هذه الأوقات الثلاثة , قاله ابن عمر , ومجاهد. الثاني: أنها الإِماء لأن العبد يجب أن يستأذن أبداً في هذه الأوقات وغيرها , قاله ابن عباس. الثالث: أنه على عمومه في العبد والأمة , قاله أبو عبد الرحمن السلمي. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُم﴾ هم الصغار الأحرار فمن كان منهم غير مميز لا يصف ما رأى فليس من أهل الاستئذان ومن كان مميزاً يصف ما رأى ويحكي ما شاهد فهو المعني بالاستئذان. ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثَيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَآءِ﴾ وهذه الساعات الثلاث هي أوقات الاستئذان من تقدم ذكره ولا يلزمهم الاستئذان في غيرها من الأوقات , فذكر الوقت الأول وهو من قبل صلاة الفجر وهو من بعد الاستيقاظ من النوم إلى صلاة الصبح , ثم ذكر الوقت الثاني فقال: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ﴾ وهو وقت الخلوة لنومة القائلة , ثم ذكر الوقت الثالث فقال: ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعَشَآءِ﴾ يعني الآخرة وقد تسميها العامة العتمة وسميت العشاء لأن ظلام وقتها يعشي البصر. وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوات الرجل مع أهله ولأنه ربما بدا فيها عند خلوته ما يكره أن يرى من جسده , فقد روي أن عمر بن الخطاب كان في منزله وقت القائلة فأنفذ إليه رسول الله ﷺ بصبي من أولاد الأنصار يقال له مدلج فدخل على عمر بغير إذن وكان نائماً فاستيقظ عمر بسرعة فانكشف شيء من جسده فنظر إليه الغلام فحزن عمر فقال: وددت لو أن الله بفضله نهى أبناءنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذننا ثم انطلق إلى النبي ﷺ فوجد هذه الآية قد أنزلت فخرَّ ساجداً [شكراً لله].

стр. 2580

﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ يعني هذه الساعات الثلاث هي أوقات العورات فصارت من عورات الزمان فجرت مجرى عورات الأبدان فلذلك خصت بالإِذن. ﴿لَيْسَ عَلَيْكَمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جَنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني ليس عليكم يا أهل البيوت جناح في تبذلكم في هذه الأوقات. الثاني: ليس عليكم جناح في منعهم في هذه الأوقات. ولا على المملوكين والصغار جناح في ترك الاستئذان فيما سوى هذه الأوقات. ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكَم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني أنهم طوّافون عليكم للخدمة لكم فلم ينلهم حرج في دخول منازلكم , والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج. ثم أوجب على من بلغ من الصبيان الاستئذان إذا احتلموا وبلغوا لأنهم صاروا بالبلوغ في حكم الرجال فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُم الحُلُمَ فَلْيَسْتَأَذِنُواْ كَمَا اسْتَأَْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ يعني الرجال. قوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ والقواعد جمع قاعدة وهن اللاتي قعدن بالكبر عن الحيض والحمل ولا يحضن ولا يلدن. قال ابن قتيبة: بل سمين بذلك لأنهن بعد الكبر يكثر منهن القعود. وقال زمعة: لا تراد , فتقعد عن الاستمتاع بها والأول أشبه. قال الشاعر: (فلو أن ما في بطنه بين نسوة ... حبلن ولو كان القواعد عقراً) وقوله: ﴿الَّلاتِي لَا يَرْجُونَ نَكَاحاً﴾ أي أنهن لأجل الكبر لا يردن الرجال ولا يريدهن الرجال. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جَنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ فيه قولان: أحدهما: جلبابها وهو الرداء الذي فوق خمارها فتضعه عنها إذا سترها باقي ثيابها قاله ابن مسعود وابن جبير. الثاني: خمارها ورداؤها , قاله جابر بن زيد.

стр. 2581

﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ﴾ والتبرج أن تظهر من زينتها ما يستدعي النظر إليها فإنه في القواعد وغيرهن محظور. وإنما خص القواعد بوضع الجلباب لانصراف النفوس عنهن ما لم يبد شيء من عوراتهن. والشابات المشتهيات يمنعن من وضع الجلباب أو الخمار ويؤمرن بلبس أكثف الجلابيب لئلا تصفهن ثيابهن. وقد روى مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لِلزَّوْجِ مَا تَحْتَ الدِّرْعِ , وَلِلإِبْنِ وَالأَخِ مَا فَوقَ الدِّرْعِ , وَلِغَيْرِ ذِي مُحْرِمٍ أَرْبَعَةُ أَثْوَابٍ: دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَجِلْبَابٍ وَإِزَارٍ). ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ يعني إن يستعفف القواعد عن وضع ثيابهن ويلزمن لبس جلابيبهن خير لهن من وضعها وإن سقط الحرج عنهن فيه.

стр. 2582

﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾ قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن الأنصار كانوا يتحرجون أن يؤاكلوا هؤلاء إذا دعوا إلى الطعام فيقولون: الأعمى لا يبصر أطيب الطعام , والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام،

стр. 2583

والمريض يضعف عن مشاركة الصحيح في الطعام. وكانوا يقولون: طعامهم مفرد ويرون أنه أفضل من أن يكونوا شركاء , فأنزل الله هذه الآية فيهم ورفع الحرج عنهم في مؤاكلتهم , قاله ابن عباس , والضحاك , والكلبي. الثاني: أنه ليس على هؤلاء من أهل الزمانة حرج أن يأكلوا من بيوت من سمى الله بعد هذا من أهاليهم , قاله مجاهد. الثالث: أنه كان المذكورون من أهل الزمانة يخلفون الأنصار في منازلهم إذا خرجواْ بجهاد وكانوا يتحرجون أن يأكلوا منها فرخص الله لهم في الأكل من بيوت من استخلفوهم فيها , قاله الزهري. الرابع: أنها نزلت في إسقاط الجهاد عمن ذكروا من أهل الزمانة. الخامس: ليس على من ذكر من أهل الزمانة حرج إذا دُعِي إلى وليمة أن يأخذ معه قائده , وهذا قول عبد الكريم. ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من أموال عيالكم وأزواجكم لأنهم في بيته. الثاني: من بيوت أولادكم فنسب بيوت الأولاد إلى بيوت أنفسهم لقوله ﷺ : (أَنتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ) ولذلك لم يذكر الله بيوت الأبناء حين ذكر بيوت الآباء والأقارب اكتفاء بهذا الذكر. الثالث: يعني بها البيوت التي هم ساكنوها خدمة لأهلها واتصالاً بأربابها كالأهل والخدم. ﴿أَوْ بُيُوتِءَابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ فأباح الأكل من بيوت هؤلاء لمكان النسب من غير استئذانهم في الأكل إذا كان الطعام

стр. 2584

مبذولاً، فإن كان محروزاً دونهم لم يكن لهم هتك حرزه. ولا يجوز أن يتجاوزوا الأكل إلى الادخار، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محروز عنهم إلا بإذن منهم ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عَنَى به وكيل الرجل وَقيِّمه في ضيعته يجوز له أن يأكل مما يقوم عليه من ثمار ضيعته , قاله ابن عباس. الثاني: أنه أراد منزل الرجل نفسه يأكل مما ادخره , قاله قتادة. الثالث: أنه عنى به أكل السيد من منزل عبده وماله لأن مال العبد لسيده , حكاه ابن عيسى. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه يأكل من بيت صديقه في الوليمة دون غيرها. الثاني: أنه يأكل من منزل صديقه في الوليمة وغيرها إذا كان الطعام حاضراً غير محرز. قال ابن عباس: الصديق أكثر من الوالدين , ألا ترى أن الجهنميين لم يستغيثوا بالآباء ولا الأمهات وإنما قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي الصَّدِيقِ البَارِّ عِوَضَاً عَنِ الرَّحِمِ المَذْمُومَةِ) والمراد بالصديق الأصدقاء وهو واحد يعبر به عن الجميع , قال جرير: (دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا. ... . بأسهم أعداءٍ وهن صديقُ) وفي الصديق قولان: أحدهما: أنه الذي صدقك عن مودته. الثاني: أنه الذي يوافق باطنه باطنك كما وافق ظاهره ظاهرك. ثم اختلفوا في نسخ ما تقدم ذكره بعد ثبوت حكمه على قولين: أحدهما: أنه على ثبوته لم ينسخ شيء منه , قاله قتادة.

стр. 2585

الثاني: أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلَاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ الآية. ويقول النبي ﷺ : (لا يحل مَالُ امْرِىءْ مُسْلِمٍ إلَاّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ) قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنها نزلت في بني كنانة كان رجل منهم يرى أن مُحرَّماً عليه أن يأكل وحده في الجاهلية حتى أن الرجل ليسوق الزود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه , فأنزل فيهم هذه الآية , قاله قتادة وابن جريج. الثاني: أنها نزلت في قوم من العرب كان الرجل منهم إذا نزل به ضيف تحرج أن يتركه يأكل وحده حتى يأكل معه , فنزل ذلك فيهم , قال أبو صالح. الثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعاً ويعتقدون أنه ذنب ويأكل كل واحد منهم منفرداً , فنزل ذلك فيهم , حكاه النقاش. الرابع: أنها نزلت في قوم مسافرين اشتركوا في أزوادهم فكان إذا تأخر أحدهم أمسك الباقون عن الأكل حتى يحضر , فنزل ذلك فيهم ترخيصاً للأكل جماعة وفرادى. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً﴾ فيها قولان:

стр. 2586

: أحدهما: أنه المساجد. الثاني: أنها جميع البيوت. ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: يعني إذا دخلتم بيوت أنفسكم فسلموا على أهاليكم وعيالكم , قاله جابر. الثاني: إذا دخلتم المساجد فسلموا على من فيها , وهذا قول ابن عباس. الثالث: إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم , قاله الحسن. الرابع: إذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أهل دينكم , قاله السدي. الخامس: إذا دخلتم بيوتاً فارغة فسلموا على أنفسكم وهو أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين , قاله ابن عمر , وإبراهيم , وأبو مالك , وقيل: سلامه على نفسه أن يقول: السلام علينا من ربنا تحية من عند الله. وإذا سلم الواحد من الجماعة أجزأ عن جميعهم , فإذا دخل الرجل مسجداً ذا جمع كثير سلم يسمع نفسه , وإذا كان ذا جمع قليل أسمعهم أو بعضهم. قال الحسن: كان النساء يسلمن على الرجال ولا يسلم الرجال على النساء , وكان ابن عمر يسلم على النساء , ولو قيل لا يسلم أحد الفريقين على الآخر كان أولى لأن السلام مواصلة. ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني أن السلام اسم من أسماء الله تعالى. الثاني: أن التحية بالسلام من أوامر الله. الثالث: أن الرد عليه إذا سلم دعاء له عند الله. الرابع: أن الملائكة ترد عليه فيكون ثواباً من عند الله. ﴿مُبَارَكَةً﴾ فيها وجهان: أحدهما: لما فيها من الثواب الجزيل.

стр. 2587

الثاني: لما يرجى من ثواب الدعاء. ﴿طَيِّبَةً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لما فيها من طيب العيش بالتواصل. الثاني: لما فيها من طيب الذكر والشأن.

стр. 2588

﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ قوله تعالى: ﴿ ... . وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الأمر الجامع الجمعة والعيدان والاستسقاء وكل شيء يَكون فيه الخطبة , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه الجهاد , قاله زيد بن أسلم. الثالث: طاعة الله , قاله مجاهد. ﴿لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ﴾ أي لم ينصرفوا عنه حتى يستأذنوا رسول الله ﷺ فيه. ﴿فَإِذَا اسْتَئذَنُوكَ لبَعْضِ شَأْنِهِمْ ... .﴾ الآية. وهذا بحسب ما يرى من أعذارهم ونياتهم وروي أن هذا نزل في عمر بن الخطاب ﵁ كان مع النبي صلى الله عليهم وسلم في غزاة بتوك فاستأذنه في الرجوع إلى أهله فقال: (انْطَلِقْ فَوَاللَّهِ مَا أَنتَ بِمُنَافِقٍ وَلَا مُرْتَابٍ) وكان المنافقون إذا استأذنوا نظر إليهم ولم يأذن لهم فكان بعضهم يقول لبعض: محمدٌ يزعم أنه بُعِث بالعدل وهكذا يصنع بنا. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ يعني لمن أذن له من المؤمنين ليزول عنه باستغفاره ملامة الانصراف قال قتادة: وهذه الآية ناسخة قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَدِنتَ لَهُم﴾ الآية.

стр. 2589

﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾ قوله تعالى: ﴿لَاّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً﴾ الآية. فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه نهي من الله عن التعرض لدعاء رسول الله ﷺ بإسخاطه لأن دعاءه يوجب العقوبة وليس كدعاء غيره , قاله ابن عباس. الثاني: أنه نهي من الله عن دعاء رسول الله بالغلظة والجفاء وَلْيَدْعُ بالخضوع والتذلل: يا رسول الله , يا نبي الله , قاله مجاهد , وقتادة. الثالث: أنه نهي من الله عن الإِبطاء عند أمره والتأخر عند استدعائه لهم إلى الجهاد ولا يتأخرون كما يتأخر بعضهم عن إجابة بعض , حكاه ابن عيسى. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم المنافقون كانوا يتسلّلُون عن صلاة الجمعة لواذاً أي يلوذ بعضهم ببعض ينضم إليه استتاراً من رسول الله ﷺ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة فنزل ذلك فيهم , حكاه النقاش. الثاني: أنهم كانوا يتسللون في الجهاد رجوعاً عنه يلوذ بعضهم ببعض لواذاً فنزل ذلك فيهم , قاله مجاهد. وقال الحسن معنى قوله: ﴿لِوَاذاً﴾ أي فراراً من الجهاد , ومنه قول حسان ابن ثابت:

стр. 2590

(وقريش تجول منكم لواذاً ... لم تحافظ وخفّ منها الحلوم) ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يخالفون عن أمر الله , قاله يحيى بن سلام. الثاني: عن أمر رسول الله ﷺ , قاله قتادة. ومعنى قوله: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي يعرضون عن أمره , وقال الأخفش: ﴿عَنْ﴾ في هذا الموضع زائدة ومعنى الكلام فليحذر الذين يخالفون أمره , وسواء كان ما أمرهم به من أمور الدين أو الدنيا. ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: كفر، قاله السدي. الثاني: عقوبة , قاله ابن كامل. الثالث: بلية تُظْهِرُ ما في قلوبهم من النفاق , حكاه ابن عيسى. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: القتل في الدنيا , قاله يحيى بن سلام. الثاني: عذاب بجهنم في الآخرة.

стр. 2591

سورة الفرقان مكية كلها قال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي: ﴿والذين لا يدعون﴾ إلى قوله: ﴿غفورا رحيما﴾. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 2592

﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا﴾ قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ... .﴾ في تبارك ثلاثة أوجه: أحدها: تفاعل مع البركة , قاله ابن عباس. الثاني: أنه الذي يجيىء البركة من قِبَلِهِ , قاله الحسن. الثالث: خالق البركة: قاله إبراهيم. وفي البركة ثلاثة أقاويل: أحدها: العلو. الثاني: الزيادة.

стр. 2593

الثالث: العظمة. فيكون تأويله على الوجه الأول: تعالى , وعلى الوجه الثاني تزايد , وعلى الوجه الثالث: تعاظم. و ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هو القرآن وقيل إنه اسم لكل كتاب منزل كما قال تعالى: ﴿وَإِذءَاتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفَرْقَانَ﴾ وفي تسميته فرقاناً وجهان: أحدهما: لأنه فرق بين الحق والباطل. الثاني: لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام , حكاه النقاش. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ يعني محمداً ﷺ , وقرأ ابن الزبير ﴿عَلَى عِبَادِهِ﴾ بالجمع. ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمينَ نَذِيراً﴾ فيه قولان: أحدهما: ليكون محمد نذيراً , قاله قتادة , وابن زيد. الثاني: ليكون الفرقان , حكاه ابن عيسى. والنذر: المحذر من الهلاك , ومنه قول الشاعر: (فلما تلاقينا وقد كان منذر. ... . نذيراً فلم يقبل نصيحة ذي النذر) والمراد بالعالمين هنا الإِنس والجن لأن النبي صلى الله عليه قد كان رسولاً إليهما ونذيراً لهما وأنه خاتم الأنبياء , ولم يكن غيره عامّ الرسالة إلا نوحاً فإنه عم برسالته جميع الإِنس بعد الطوفان لأنه بدأ به الخلق , واختلف في عموم رسالته قبل الطوفان على قولين: أحدهما: عامة لعموم العقاب بالطوفان على مخالفته في الرسالة. الثاني: خاصة بقومه لأنه ما تجاوزهم بدعائه.

стр. 2594

﴿وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما﴾

стр. 2595

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني مشركي قريش , وقال ابن عباس: القائل منهم ذلك النضر بن الحارث. ﴿إِن هذَآ﴾ يعني القرآن. ﴿إِلَاّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ أي كذب اختلقه. ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌءَاخَرُونَ﴾ وفيمن زعموا أنه أعانه عليه أربعة أقاويل: أحدها: قوم من اليهود , قاله مجاهد. الثاني: عبد الله الحضرمي، قاله الحسن. الثالث: عدّاس غلام عتبة، قاله الكلبي. والرابع: أبو فكيهة الرومي , قاله الضحاك.
следующие страницы →