Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ روى قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: (أَوَّلُ نَبِيٍ أُرْسِلَ نُوْحٌ) قال قتادة: وبعث من الجزيرة. ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن هذا مبلغ عمره كله. قال قتادة: لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة ودعاهم ثلاثمائة سنة ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة. فإن قيل فلم قال ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ ولم يقل تسعمائة وخمسين عاماً فعنه جوابان: أحدهما: أن المقصود به تكثير العدد فكان ذكر الألف أفخم في اللفظ وأكثر في العدد. الثاني: ما روي أنه أعطي من العمر ألف سنة فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده فلما حضرته الوفاة راجع في استكمال الألف فذكر الله ذلك تنبيهاً على أن النقيصة كانت من جهته , فهذا قول. والقول الثاني: أنه بعث لأربعين سنة من عمره ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وعاش بعد الطوفان ستين عاماً فكان مبلغ عمره ألف سنة وخمسين سنة , قاله ابن عباس. الثالث: أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وعاش بعد ذلك سبعين سنة فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين سنة , قاله كعب الأحبار. والقول الرابع: أنه بعث وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة ولبث في قومه داعياً ألف سنة إلا خمسين عاماً وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين عاماً فكان مبلغ عمره ألف سنة وستمائة وخمسين سنة. قاله عون بن أبي شداد. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الطوفان المطر , قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة والسدي. الثاني: أن الطوفان الغرق , قاله الضحاك. الثالث: أنه الموت , روته عائشة عن النبي ﷺ ومنه قول الشاعر:
٨٩ (أفناهم طوفان موت جارفٍ﴾ ٩
وقيل إن الطوفان كلُّ عامّ من الأذى. وحكى إسماعيل بن عبد الله أن الطوفان كان في نيسان.
стр. 2837
﴿وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين أو لم يروا كيف
стр. 2838
يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم﴾ قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: يعذب من يشاء بالانقطاع إلى الدنيا , ويرحم من يشاء بالإعراض عنها. الثاني: يعذب من يشاء بالحرص , ويرحم من يشاء بالقناعة. الثالث: يعذب من يشاء بسوء الخلق , ويرحم من يشاء بحسن الخلق. الرابع: يعذب من يشاء ببغض الناس له , ويرحم من يشاء بحبهم له. الخامس: يعذب من يشاء بمتابعة البدعة , ويرحم من يشاء بملازمة السنة.
стр. 2839
﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾
стр. 2840
قوله تعالى: ﴿فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ قال ابن إسحاق: آمن لوط بإبراهيم وكان ابن أخيه وآمنت به سارة وكانت بنت عمه. ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ يعني مهاجر عن الظالمين. وفيما هاجر إليه قولان: أحدهما: أنه هاجر إلى حرّان , قاله كعب الأحبار. الثاني: أنه هاجر من كوثي وهو من سواد الكوفة إلى أرض الشام , قاله قتادة. قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: الذكر الحسن , قاله ابن عباس. الثاني: رضا أهل الأديان , قاله قتادة. الثالث: النية الصالحة التي اكتسب بها الأجر في الآخرة , قاله الحسن. الرابع: لسان صدق , قاله عكرمة. الخامس: ما أوتي في الدنيا من الأجر , رواه ابن برزة. السادس: الولد الصالح , حكاه ابن عيسى وقاله الكلبي حتى أن أكثر الأنبياء من ولده. ويحتمل سابعاً: أنه بقاء الصلاة عند قبره وليس ذلك لغيره من الأنبياء.
стр. 2841
﴿ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين قال رب انصرني على القوم المفسدين﴾ قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ أي تنكحون الرجال. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 2842
أحدها: أنه قطع الطريق على المسافر , قاله ابن زيد. الثاني: أنهم بإتيان الفاحشة من الرجال قطعوا الناس عن الأسفار حذراً من فعلهم الخبيث , حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه قطع النسل للعدول عن النساء إلى الرجال , قال وهب: استغنواْ عن النساء بالرجال. ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيِكُمُ الْمُنكَرَ﴾ أي في مجالسكم المنكر فيه أربعة أوجه: أحدها: هو أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم , قالته عائشة ﵂. الثاني: أنهم كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه روته أم هانىء عن النبي ﷺ . الثالث: أنهم كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم , رواه منصور عن مجاهد. الرابع: هو الصفير ولعب الحمام والجلاهق والسحاق وحل أزرار القيان في المجلس , رواه الحاكم عن مجاهد.
стр. 2843
﴿ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون
стр. 2844
ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ يعني آلهة من الأصنام والأوثان عبدوها. ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ يعني أنهم عبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً كبيت العنكبوت الذي لا يدفع شيئاً وهو من أبلغ الأمثال فيهم. ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ لأنه يستر الإبصار ولا يدفع الأيدي , وقد حكي عن يزيد بن ميسرة أن العنكبوت شيطان مسخها الله.
стр. 2845
وقال عطاء: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود , ومرة على النبي ﷺ . وجمع العنكبوت عناكب وتصغيره عنيكب.
стр. 2846
﴿خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون﴾ قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن وهذا خطاب للنبي ﷺ أن يتلو ما أنزل منه على أمته. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه القرآن , قاله ابن عمر. الثاني: أنه الصلاة المفروضة. قاله ابن عباس. الثالث: أن الصلاة هنا هي الدعاء ومعناه قم بالدعاء إلى أمر الله , قاله ابن بحر. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ الفحشاء الزنى والمنكر الشرك , قاله ابن عباس. ثم فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها , قاله الكلبي وابن زيد وحماد بن أبي سليمان. الثاني: تنهى عن الفحشاء والمنكر قبلها وبعدها روى طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (مَن لَّمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمنكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلَاّ بُعْداً)
стр. 2847
الثالث: إن ما تدعوهم إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله ابن زيد. ﴿وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فيه سبعة تأويلات:: أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه , قاله ابن عباس. الثاني: ولذكر الله أفضل من كل شيء , قاله سلمان. الثالث: ولذكر الله في الصلاة التي أنت فيها أكبر مما نهتك عنه الصلاة من الفحشاء والمنكر , قاله عبد الله بن عون. الرابع: ولذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة , قاله أبو مالك. الخامس: ولذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم. السادس: أكبر من قيامكم بطاعته. السابع: أكبر من أن يبقي على صاحبه عقاب الفحشاء والمنكر.
стр. 2848
﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلأَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
стр. 2849
أحدها: أن ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قول لا إله إلا الله , قاله ابن عباس. الثاني: الكف عنهم عند بذل الجزية منهم وقتالهم إن أبوا , قاله مجاهد. الثالث: أنهم إن قالوا شراً فقولوا لهم خيراً , رواه ابن أبي نجيح. ويحتمل تأويلاً رابعاً: وهو أن يحتج لشريعة الإٍسلام ولا يذم ما تقدمها من الشرائع. ﴿إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمُ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل الحرب , قاله مجاهد. الثاني: من منع الجزية منهم , رواه خصيف. الثالث: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم , قاله ابن زيد. الرابع: ظلموا في جدالهم فأغلظوا لهم , قاله ابن عيسى. واختلف في نسخ ذلك على قولين: أحدهما: أنها منسوخة؛ قاله قتادة. الثاني: أنها ثابتة. ﴿وَقُولُواْءَآمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلِيْكُمْ﴾ الآية , فروى سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأُون التوراة بالعبرانية فيفسرونها بالعربية لأهل الإٍسلام فقال رسول الله ﷺ : (لَا تُصَدِّقُواْ أَهْلَ الكِتابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُم ﴿وَقُولُواْءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿مُسْلِمُونَ﴾) أي مخلصون وفيه قولان: أحدهما: أنه يقوله لأهل الكتاب، قاله مجاهد. الثاني: يقوله لمن آمن، قاله السدي.
стр. 2850
﴿وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن﴾ قبل القرآن كتاباً من كتب الله المنزلة ولا تخطه أي تكتبه بيمينك فتعلم ما أنزل الله فيه حتى يشكوا في إخبارك عنه إنه من وحي الله سبحانه إليك وهو معنى قول يحيى بن سلام. الثاني: أنه كان أهل الكتاب يجدونه في كتبهم أن محمداً لا يخط بيمينه ولا يقرأ كتاباً فنزل ذلك فيهم ليدلهم على صحة نبوته , وهو معنى قول مجاهد. ﴿إِذَاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم مشركو قريش , قاله مجاهد. الثاني: مشركو العرب أن يقولوا لو كان يقرأ قد تعلمه من غيره , قاله قتادة. الثالث: أنهم المكذبون من اليهود , قاله السدي. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه النبي ﷺ في كونه أمياً لا يكتب ولا يقرأ ﴿ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ من أهل الكتاب لأنه منعوت في كتبهم بهذه الصفة , قاله الضحاك. الثاني: أنه القرآن ﴿ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ وهم النبي ﷺ والمؤمنون به , قاله الحسن. قال الحسن: أعطيت هذه الأمة الحفظ وكان من قبلها لا يقرأُون كتابهم إلا نظراً فإذا طبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيين. وقال كعب في صفة هذه الأمة: إنهم حلماء علماء كأنهم في الفقه أنبياء.
стр. 2851
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَا إِلَاّ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: المشركون.
стр. 2852
﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِءَايَاتٌ مِّن رَّبِهِ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أنهم كانواْ يسألونه آيات يقترحونها عليه كما كان يفعله مشركو قريش أن يجعل الصفا ذهباً وأن يجري بمكة نهراً. الثاني: أنهم سألوه مثل آيات الأنبياء قبله كما جاء صالح بالناقة وموسى بالعصا وعيسى بإحياء الموتى. ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ﴾ أي أن الله هو الذي يعطي ما يشاء من الآيات لمن يشاء من الأنبياء بحسب ما يرى من المصلحة ولذلك لم تتفق آيات الأنبياء كلها وإنما جاء كل نبي بنوع منها. ﴿وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ يعني أن النبي ﷺ مندوب للإنذار والبيان لا لما يقترح عليه من الآيات وإنما يلزم أن يأتي بما يشهد بصدقه من المعجزات وقد فعل الله ذلك فأجابهم به فقال. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن يتلى عليهم وفيه وجهان: أحدهما: أولم يكفهم من الآيات التي سألوها أنا أنزلنا عليك الكتاب آية لك ودليلاً على صدقك لما فيه من الإعجاز في نظمه وصدق خبره وصحة وعده؟ الثاني: أنه محمول على ما رواه عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال: أتي
стр. 2853
النبي ﷺ بكتاب في كتف فقال: كفى بقوم حمقاً أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم فأنزل الله ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكَتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني استنقاذهم من الضلال , وبالذكرى إرشادهم إلى الحق. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي يريدون الإيمان ولا يقصدون العناد. قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شِهِيداً﴾ يعني شهيداً بالصدق والإبلاغ , وعليكم بالتكذيب والعناد. ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وهذا احتجاج عليهم في صحة شهادته عليهم لأنهم قد أقرواْ بعلمه فلزمهم أن يقرواْ بشهادته. ﴿وَالَّذِينَءَامَنُواْ بِالْبَاطِلِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بإبليس , قاله يحيى بن سلام. الثاني: بعبادة الأَوثان والأصنام , قاله ابن شجرة. ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لتكذيبهم برسله وجحدهم لكتبه. الثاني: بما أشركوه معه من الآلهة وأضافوه إليه من الأولاد والأنداد. ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: خسروا أنفسهم بإهلاكها , قاله علي بن عيسى. الثاني: خسروا في الآخرة نعيم الجنة بعذاب النار , قاله يحيى بن سلام.
стр. 2854
﴿ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ فيه وجهان:
стр. 2855
أحدهما: أن استعجالهم له شدة عنادهم لنبيه. الثاني: أنه استهزاؤهم بقولهم: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِن عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه يوم القيامة , قاله ابن جبير. الثاني: أجل الحياة إلى حين الموت وأجل الموت إلى حين البعث إليه بين أجلين من الله , قاله قتادة. الثالث: أنه النفخة الأولى , قاله يحيى بن سلام. ﴿لَّجَآءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ يعني الذي استعجلوه. ﴿وَلَيِأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي فجأة. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ لا يعلمون بنزوله بهم. روى نعيم بن عبد الله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ قَدْ رَفَعَ أَْكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ تَصِلُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ).
стр. 2856
﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون﴾
стр. 2857
قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَءَآمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أي جانبوا أهل المعاصي بالخروج من أرضهم , قاله ابن جبير وعطاء. الثاني: اطلبوا أولياء الله إذا ظهروا بالخروج إليهم , قاله أبو العالية. الثالث: جاهدوا أعداء الله بالقتال لهم , قاله مجاهد. الرابع: إن رحمتي واسعة لكم , قاله مطرف بن عبد الله. الخامس: إن رزقي واسع لكم , وهو مروي عن مطرف أيضاً. ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبدُونِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فارهبون , قاله بلال بن سعد. الثاني: فاعبدون بالهجرة إلى المدينة , قاله السدي. الثالث: فاعبدون بألا تطيعوا أحداً في معصيتي , قاله علي بن عيسى. قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: يعني أن كل حي ميت. الثاني: أنها تجد كربه وشدته , وفي إعلامهم بذلك وإن كانوا يعلمونه وجهان: أحدهما: إرهاباً بالموت ليقلعوا عن المعاصي. الثاني: ليعلمهم أن أنبياء الله وإن اختصوا بكرامته وتفردوا برسالته فحلول الموت بهم كحلوله بغيرهم حتى لا يضلوا بموت من مات منهم , وروى جعفر
стр. 2858
الصادق عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب قال لما توّفي رسول الله ﷺ جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته , ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمُوتِ﴾ , إن في الله عزاء من كل مصيبة , وخَلَفاً من كل هالك ودركاً من كل فائت؛ فبالله فثقوا , وإياه فارجوا , فإن المصاب من حُرِمَ الثواب. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ يريد البعث في القيامة بعد الموت في الدنيا. قوله تعالى: ﴿ ... لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿لَنُثَوِّيَنَّهُم﴾ بالثاء من الثواء وهو طول المقام وقرأ الباقون بالباء ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾ معناه لنسكننهم أعالي البيوت. وإنما خصهم بالغرف لأمرين: أحدهما: أن الغرف لا تستقر إلا فوق البيوت فصار فيها جمع بين أمرين. الثاني: لأنها أنزه من البيوت لإشرافها وألذ سكنى منها لرياحها وجفافها. وقد روى أبو مالك الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: (إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفاً يُرَى ظَاهِرُهَا مِن بَاطِنِها , وَبَاطِنُها مِن ظَاهِرِهَا , أَعدَّهَا اللَّهُ لِمَن أَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَطَابَ الكَلَامَ وَتَابَعَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَقَامَ باللِّيلِ وَالنَّاسُ نِيامٌ). قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لَاّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ فيه أربعة أقاويل:
стр. 2859
أحدها: معناه تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاً , قاله مجاهد. الثاني: تأكل لوقتها ولا تدخر لغدها , قاله الحسن. الثالث: يأتيها من غير طلب. الرابع: أنه النبي ﷺ يكل ولا يدخر , حكاه النقاش. قال ابن عباس: الدواب هو كل ما دب من الحيوان. وكله لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا ابن آدم والنمل والفأر. ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي يسوي بين الحريص المتوكل في رزقه وبين الراغب القانع وبين الجلود والعاجز حتى لا يغتر الجلْد أنه رزق بجلده ولا يتصور العاجز أنه ممنوع بعجزه. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية لما أُذن لرسول الله ﷺ في الهجرة وأمر المسلمين بها خافوا الضيعة والجوع فقال قوم نهاجر إلى بلد ليس فيها معاش فنزلت هذه الآية فهاجرواْ.
стр. 2860
﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قال الضحاك: الحياة الدائمة وقال أبو عبيدة: الحيوان والحياة واحد.
стр. 2861
﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾
стр. 2862
قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماًءَآمِناً﴾ قال عبد الرحمن بن زيد: هي مكة وهم قريش أمنهم الله بها. ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قال الضحاك: يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً فأذكرهم الله بهذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أفبالشرك , قاله قتادة. الثاني: بإبليس , قاله يحيى بن سلام. ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: بعافية الله , قاله ابن عباس. الثاني: بعطاء الله وإحسانه , قاله ابن شجرة. الثالث: ما جاء به النبي ﷺ من الهدى , قاله يحيى بن سلام. الرابع: بإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف , حكاه النقاش , وهذا تعجب وإنكار خرج مخرج الاستفهام. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ بأن جعل لله شريكاً أو ولداً. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بالتوحيد , قاله السدي. الثاني: بالقرآن , قاله يحيى بن سلام. الثالث: بمحمد ﷺ , قاله ابن شجرة. ﴿مَثْوًى ... ﴾ أي مستقراً. قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: قاتلوا المشركين طائعين لنا. الثاني: جاهدوا أنفسهم في هواها خوفاً منا. الثالث: اجتهدوا في العمل بالطاعة والكف عن المعصية رغبة في ثوابنا وحذراً من عقابنا. الرابع: جاهدوا أنفسهم في التوبة من ذنوبهم.
стр. 2863
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني الطريق إلى الجنة , قاله السدي. الثاني: نوفقهم لدين الحق , حكاه النقاش. الثالث: معناه الذين يعملون بما يعلمون يهديهم لما لا يعلمون , قاله عباس أبو أحمد. الرابع: معناه لنخلصنّ نياتهم وصدقاتهم وصلواتهم وصيامهم , قاله يوسف بن أسباط. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي في العون لهم , الله أعلم.
стр. 2864
سورة الروم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2865
﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾ قوله تعالى: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ الآية. روى ابن جبير عن ابن عباس قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب , وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثان. قال ابن شهاب: فغلبت فارس الروم فسر بذلك المشركون وقالوا للمسلمين إنكم تزعمون أنكم ستغلبوننا لأنكم أهل كتاب , وقد غلبت فارس الروم والروم أهل كتاب. وقيل: إنه كان آخر فتوح كسرى أبرويز فتح فيه القسطنطينية حتى بنى فيها بيت النار فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فساءه فأنزل الله هاتين الآيتين فلما قال: ﴿وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيْغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ سر بذلك المسلمون وبادر أبو
стр. 2866
بكر ﵁ إلى مشركي قريش فأخبرهم بما أنزل عليهم وأن الروم ستغلب الفرس. قال قتادة: فاقتمر أبو بكر والمشركون على ذلك , وذلك قبل تحريم القمار مدة اختلف الناس فيها على ثلاثة أقاويل: أحدها: مدة ثلاث سنين تظهر الروم فيها على فارس , قاله السدي. الثاني: خمس سنين , قاله قتادة. الثالث: سبع سنين , قاله الفراء. وكان الذي تولى ذلك من المسلمين أبو بكر ﵁ , واختلف في الذي تولاه من المشركين مع أبي بكر على قولين: أحدهما: أنه أبو سفيان بن حرب , قاله السدي. الثاني: أنه أُبي بن خلف , قاله قتادة. وحكىالنقاش أن أبا بكر لما أراد الهجرة مع النبي ﷺ عَلِق به أبي بن خلف وقال: اعطني كفيلاً بالخطر إن غلبت فكفله ابنه عبد الرحمن. واختلف في قدر العوض المبذول على قولين: أحدهما: أربع قلائص , قاله عامر. الثاني: خمس قلائص , قاله قتادة. فلما علم رسول الله ﷺ أن أبا بكر لهم هذه المدة أنكرها وقال: (مَا حَمَلَكَ عَلَىَ مَا فَعَلْتَ؟) قال: ثقة بالله وبرسوله , قال: (فَكَم البِضْعُ) قال: ما بلغ بين الثلاث والعشر فقال له النبي ﷺ : (زِدْهُم فِي الخَطَرِ فِي وَزِدْ الأَجَلِ) فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين فصارت القلائص ستاً على القول الأول , وسبعاً على الثاني , وصار الأجل خمساً على القول الأول , وسبعاً على الثاني: وتسعاً على الثالث. واختلف في الاستزاده والزيادة على قولين: أحدهما: أنها كانت بعد انقضاء الأجل الأول قبل ظهور الغلبة، قاله عامر.
стр. 2867
الثاني: أنها كانت قبل انقضاء الأجل الأول , قاله ابن شهاب , فأظفر الله الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني تصديقاً لخبره في التقدير ولرسوله ﷺ في التنزيل. واختلف في السنة التي غلبت الروم أهل فارس على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عام بدر ظهر الروم على فارس فيه وظهر المسلمون على قريش فيه , قاله أبو سعيد , قال: فكان يوم بدر. الثاني: أن ظهور فارس على الروم كان قبل الهجرة بسنتين , وظهور المسلمين على قريش كان في عام بدر بعد الهجرة بسنتين , ولعله قول عكرمة. الثالث: عام الحديبية ظهرت الروم على فارس وكان ظهور المسملين على المشركين في الفتح بعد مدة الحديبية , قاله عبيد الله بن عبد الله. فأما قوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ ففيه قولان: أحدهما: في أدنى أرض فارس؛ حكاه النقاش. الثاني: في أدنى أرض الروم , وهو قول الجمهور وفي أدنى أرض الروم أربعة أقاويل: أحدها: أطراف الشام , قاله ابن عباس. الثاني: الجزيرة وهي أقرب أرض الروم إلى فارس , قاله مجاهد. الثالث: الأردن وفلسطين , قاله السدي. الرابع: أذرعات الشام وكانت بها الوقعة , قاله يحيى بن سلام. وقرأ أبو عمرو وحده: ﴿غَلَبَتِ﴾ بالفتح أي ظهرت فقيل له علام غلبت؟ فقال: في أدنى ريف الشام. قوله تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وهو ما بين الثلاث إلى العشر وهذا نص عن الرسول ﷺ . وقال بعض أهل اللغة هو ما بين العقدين من الواحد إلى العشرة فيكون من الثاني إلى التاسع. وأما النيف ففيه قولان: أحدهما: ما بين الواحد والتسعة , قاله ابن زيد. الثاني: ما بين الواحد والثلاثة , وهو قول الجمهور.
стр. 2868
﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من قبل أن تغلب الروم ومن بعد ما غلبت. الثاني: من قبل غلبة دولة فارس على الروم ومن بعد غلبة دولة الروم على فارس. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه الخبر الذي ورد على رسول الله ﷺ يوم الحديبية بهلاك كسرى ففرح ومن معه فكان هذا يوم فرحهم بنصر الله لضعف الفرس وقوة العرب. الثاني: يعني به نصر الروم على فارس. وفي فرحهم بذلك ثلاثة أوجه: أحدها: تصديق خبر الله وخبر رسول الله ﷺ . الثاني: لأنهم أهل كتاب مثلهم. الثالث: لأنه مقدمة لنصرهم على المشركين. ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ يعني من أوليائه لأن نصره مختص بغلبة أوليائه لأعدائه فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصر وإنما هو ابتلاء. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في نقمته ﴿الرَّحِيمُ﴾ لأهل طاعته. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعلمون أمر معايشهم متى يزرعون ومتى يحصدون وكيف يغرسون وكيف يبنون , قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقال الضحاك: هو بنيان قصورها وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها فهذا ظاهر الحياة الدنيا.
стр. 2869
الثاني: يعلمون ما ألقته الشياطين لهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع من سماء الدنيا , قاله ابن جبير. ويحتمل ثالثاً: أن ظاهر الحياة الدنيا العمل لها , وباطنها عمل الآخرة. ﴿وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عما أعده الله في الآخرة من ثواب عن طاعته وعقاب على معصيته. الثاني: عما أمرهم الله به من طاعة وألزمهم إياه.
стр. 2870
﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون﴾ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها: بالعدل. الثاني: بالحكمة. الثالث: إلا ما استحق عليهم الطاعة والشكر. والرابع: قاله الفراء , معناه إلا للحق يعني الثواب والعقاب. ﴿وَأَجَلِ مُّسَمًّى﴾ فيه وجهان: أحدهما: قيام الساعة , قاله ابن عباس. الثاني: وهو محتمل أنه أجل كل مخلوق على ما قدر له. فدل ذل على أمرين: أحدهما: دل به على الفناء وعلى أن لكل مخلوق أجلاً. الثاني: نبه على ثواب المحسن وعقاب المسيء.
стр. 2871
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَآءُواْ﴾ قال ابن عباس: كفرواْ. ﴿السُّوأَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: جهنم , قاله السدي. الثاني: العذاب في الدنيا والآخرة , قاله الحسن. وفي الفرق بين الإساءة والسوء وجهان: أحدهما: أن الإساءة إنفاق العمر في الباطل , والسوء إنفاق رزقه في المعاصي. الثاني: أن الإِساءَة فعل المسيء والسوء الفعل مما يسوء. ﴿أَن كَذَّبُواْ﴾ لأن كذبواْ. ﴿بِئَايَاتِ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بمحمد ﷺ والقرآن , قاله الكلبي. الثاني: بالعذاب أن ينزل بهم , قاله مقاتل. الثالث: بمعجزات الرسل , قاله الضحاك. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي بالآيات.
стр. 2872
﴿الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون﴾ قوله تعالى: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ فيه ستة أوجه: أحدها: أنه الفضيحة، قاله مجاهد. الثاني: الاكتئاب، قاله ابن أبي نجيح. الثالث: الإياس، قاله ابن عباس.
стр. 2873
الرابع: الهلاك، قاله السدي. الخامس: الندامة، قاله ابن قتيبة. السادس: الحيرة , قال العجاج:
(يا صاح هل تعرف رسْماً مكرساً ... قال نعم أعرفه وأبلسَا)
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في الجزاء بالثواب والعقاب. الثاني: في المكان بالجنة والنار. قوله تعالى: ﴿ ... فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يَحْبَرُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يمكرون , قاله ابن عباس. الثاني: ينعمون , قاله مجاهد وقتادة. الثالث: يتلذذون بالسماع والغناء , قاله يحيى بن أبي كثير. الرابع: يفرحون , قاله السدي. والحبرة عند العرب السرور والفرح قال العجاج:
(فالحمد لله الذي أعطى الحبر ... موالي الحي إن المولى يَسَر)
فأما الروضة فهي البستان المتناهي منظراً وطيباً ولم يكن عند العرب أحسن منظراً ولا أطيب منها ريحاً قال الأعشى:
(ما روضة من رياض الحزن معشبةٌ ... خضراء جاد عليها مسبل هطل)
(يضحك الشمس منها كوكب شَرِقٌ ... مؤزر بعميم النبت مكتهل)
(يوماً بأطيب منها نشر رائحةٍ ... ولا بأحسن منها إذا دنا الأُصُل)
قوله تعالى: ﴿فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: مدخلون، قاله يحيى بن سلام.
стр. 2874
الثاني: نازلون ومنه قوله: ﴿إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] و [المائدة: ١٠٦] أي نزل به. الثالث: مقيمون , قاله ابن شجرة. الرابع: معذبون. الخامس: مجموعون , ومعاني هذه التأويلات متقاربة.
стр. 2875
﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون﴾ قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وفي تسمية الصلاة بالتسبيح وجهان: أحدهما: لما تضمنتها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود. الثاني: مأخوذ من السبحة , والسبحة الصلاة , ومنه قول النبي ﷺ (تَكُونُ لَكُم سَبْحَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ) أي صلاة. وقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ أي صلاة المغرب والعشاء , قاله ابن عباس وابن جبير والضحاك. ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح في قولهم أيضاً. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ﴾ فيه قولان: أحدهما: الحمد لله على نعمه وآلائه. الثاني: الصلاة لاختصاصها بقراءة الحمد في الفاتحة. ﴿وَعَشِّياً﴾ يعني صلاة العصر. ﴿وَحِينَ تَظْهِرُونَ﴾ يعني صلاة الظهر وإنما خص صلاة الليل باسم التسبيح وصلاة النهار باسم الحمد لأن الإنسان في النهار متقلب في أحوال توجب حمد الله عليها , وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله من الأسواء فيها فلذلك صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل.
следующие страницы →