Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون﴾ قوله : ﴿وامتازوا اليوم أيُّها المجرمون﴾ فيه وجهان: أحدهما: قاله الكلبي , لأن المؤمنين والكفار يحشرون مع رسلهم فلذلك يؤمرون بالامتياز. الثاني: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض , فيمتاز اليهود فرقة , والنصارى فرقة , والمجوس فرقة , والصابئون فرقة , وعبدة الأوثان فرقة , قاله الضحاك. فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الامتياز عند الوقوف. الثاني: عند الانكفاء إلى النار.
стр. 3187
قال دواد بن الجراح: فيمتاز المسلمون من المجرمين إلا صاحب الهوى فيكون مع المجرمين. قوله : ﴿ولقد أَضَلَّ منكم جبلاً كثيراً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: جموعاً كثيرة , قاله قتادة. الثاني: أمماً كثيرة , قاله الكلبي. الثالث: خلقاً كثيراً , قاله مجاهد ومطرف. وحكى الضحاك أن الجِبِلّ الواحد عشرة آلاف , والكثير ما لا يحصيه إلاّ الله تعالى.
стр. 3188
﴿هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون﴾ قوله : ﴿اليوم نختم على أفواههم﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منعها من الكلام هو الختم عليها. الثاني: أن يكون ختماً يوضع عليها فيرى ويمنع من الكلام. وفي سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم قالوا ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ فختم الله تعالىعلى أفواههم حتى نطقت جوارحهم , قاله أبو موسى الأشعري. الثاني: لِيَعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم , قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الإلزام من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز وإن كان يوماً لا يحتاج فيه إلى الإعجاز. الرابع: ليعلم أن أعضاءه التي كانت لهم أعواناً في حق نفسه صارت عليه شهوداً في حق ربه.
стр. 3189
﴿وتُكلِّمنا أيديهم وتشهدُ أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ وفي كلامها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يظهر منها سِمة تقوم [مقام] كلامها كما قال الشاعر:
(وقد قالت العينان سمعاً وطاعة ... وحَدَّرنا كالدر لما يثَقّبِ)
الثاني: أن الموكلين بها يشهدون عليها. الثالث: أن الله تعالى يخلق فيها ما يتهيأ معه الكلام منها. روى الشعبي عن أنس أن النبي ﷺ قال: (يقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بُعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل). فإن قيل فلم قال ﴿وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ فجعل ما كان من اليد. كلاماً , وما كان من الرجل شهادة؟ قيل لأن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة , وقول الحاضر على غيره شهادة , وقول الفاعل على نفسه إقرار , فلذلك عبّر عما صدر من الأيدي بالقول , وعما صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روى شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى). فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي في الشطر الأعلى من جسده، وأقرب أعضاء الشطر الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها، وتقدمت اليسرى لأن الشهوة في
стр. 3190
ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها , فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. قوله : ﴿ولو نشاءُ لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصِّراطَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لأعمينا أبصار المشركين في الدنيا فضلوا عن الطريق فلا يبصرون عقوبة لهم , قاله قتادة. الثاني: لأعمينا قلوبهم فضلوا عن الحق فلم يهتدوا إليه , قاله ابن عباس. قال الأخفش وابن قتيبة: المطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق مأخوذ من طمس الريح الأثر. ﴿ولو نشاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: لأقعدناهم على أرجلهم , قاله الحسن وقتادة. الثاني: لأهلكناهم في مساكنهم , قاله ابن عباس. الثالث: لغيّرنا خلْقهم فلا ينقلبون , قاله السدي. ﴿فما استطاعوا مُضِيّاً ولا يرجعون﴾ فيه وجهان: أحدهما: فما استطاعوا لو فعلنا ذلك بهم أن يتقدموا ولا يتأخروا , قاله قتادة. الثاني: فما استطاعوا مُضِيّاً في الدنيا , ولا رجوعاً فيها , قاله أبو صالح.
стр. 3191
﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾ قوله : ﴿ومَن نعمِّره ننكِّسهُ في الخَلْق﴾ في قوله ﴿نعمره﴾ قولان: أحدهما: بلوغ ثمانين سنة، قاله سفيان. الثاني: هو الهرم، قاله قتادة. وفي قوله تعالى ﴿ننكِّسْه﴾ تأويلان: أحدهما: نردُّه في الضعف إلى حال الضعف فلا يعلم شيئاً، قاله يحيى بن سلام.
стр. 3192
الثاني: نغير سمعه وبصره وقوته، قاله قتادة. و ﴿في الخلق﴾ وجهان: أحدهما: جميع الخلق ويكون معناه: ومن عمرناه من الخلق نكسناه في الخلق. والوجه الثاني: أنه عنى خلقه، ويكون معنى الكلام: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار مكان القوة الضعف , ومكان الشباب الهرم , ومكان الزيادة النقصان. ﴿أفلا تعقلون﴾ أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. قوله : ﴿وما علّمْناه الشِّعر وما ينبغي له﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي ليس الذي علمناه من القرآن شعراً. الثاني: أي لم نعلم رسولنا أن يقول الشعر. ﴿وما ينبغي له﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وما ينبغي له أن يقول شعراً. الثاني: وما ينبغي لنا أن نعلمه شعراً. ﴿إنْ هو لا ذكر وقرآن مُبين﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إنْ علّمناه إلا ذكراً وقرآناً مبيناً. الثاني: إنْ هذا الذي يتلوه عليكم إلا ذكر وقرآن مبين. قوله : ﴿لينذر من كان حَيّاً﴾ فيه قولان: أحدهما: لتنذر يا محمد من كان حياً , وهذا تأويل من قرأ بالتاء. الثاني: لينذر القرآن من كان حياً , وهو تأويل من قرأ بالياء. وفي ﴿مَن كان حَيّاً﴾ ها هنا أربعة تأويلات: أحدها: من كان غافلاً، قاله الضحاك. الثاني: من كان حي القلب حي البصر، قاله قتادة. الثالث: من كان مؤمناً، قاله يحيى بن سلام.
стр. 3193
الرابع: من كان مهتدياً , قاله السدي. ﴿ويحِقَّ القَوْل على الكافرين﴾ معناه: ويجب العذاب على الكافرين.
стр. 3194
﴿أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون﴾ قوله عز جل: ﴿أو لم يروا أَنا خلقنا لهم مما عَمِلتْ أيدينا أنعاماً﴾ فيه وجهان: أحدهما يعني بقوتنا: قاله الحسن كقوله تعالى ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧] أي بقوة. الثاني: يعني من فعلنا وعملنا من غير أن نكله إلى غيرنا , قاله السدي. والأنعام: الإبل والبقر والغنم. ﴿فهم لها مالكون﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ضابطون , قاله قتادة , ومنه قول الشاعر:
(أصبحت لا أحمل السِّلاح ولا ... أملِك رأس البعير إن نَفَرا)
الثاني: مطبقون رواه معمر. الثالث: مقتنون وهو معنى قول ابن عيسى. قوله : ﴿وذللناها لهم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وطيبناها لهم؛ قاله ابن عيسى.
стр. 3195
الثاني: سخرناها لهم , قاله ابن زيد. الثالث: ملكناها لهم. ﴿فمنها ركوبُهم﴾ والركوب بالضم مصدر ركب يركب ركوباً , والركوب بالفتح الدابة التي تصلح أن تركب. ﴿ومنها يأكلون﴾ يعني لحوم المأكول منها. ﴿ولهم فيها منافع﴾ قال قتادة: هي لبس أصوافها. ﴿ومشارب﴾ يعني شرب ألبانها ﴿أفلا يشكرون﴾ يعني رب هذه النعمة بتوحيده وطاعته.
стр. 3196
﴿واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ قوله : ﴿ ... وهم لهم جندٌ محضرون﴾ يعني أن المشركين لأوثانهم جند , وفي الجند ها هنا وجهان: أحدهما: شيعة , قاله ابن جريج. الثاني: أعوان. ﴿محضرون﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: محضرون عند الحساب , قاله مجاهد. الثاني: محضرون في النار , قاله الحسن. الثالث: محضرون للدفع عنهم والمنع منهم , قاله حميد. قال قتادة: يغضبون لآلهتهم , وآلهتهم لا تنصرهم.
стр. 3197
﴿أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها
стр. 3198
أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾ قوله : ﴿أو لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نفطةٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها نزلت في أبيّ بن خلف الجمحي أتى النبي ﷺ يجادله في بعث الموتى، قاله عكرمة ومجاهد والسدي. الثاني: أنها نزلت في العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاء ففته بيده ثم قال لرسول اللَّه ﷺ : أيحيي اللَّه هذا بعدما أرمّ؟ فقال رسول الله ﷺ (نعم ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم) فنزلت هذه الآيات فيه، قاله ابن عباس. ﴿فإذا هو خصيمٌ مبينٌ﴾ أي مجادل في الخصومة مبين للحجة، يريد بذلك أنه صار بعد أن لم يكن شيئاً خصيماً مبيناً , فاحتمل ذلك أمرين: أحدهما: أن ينبهه بذلك على نعمه عليه. الثاني: أن يدله بذلك على إحياء الموتى كما ابتدأه بعد أن لم يكن شيئاً. قوله : ﴿وضَرب لنا مثلاً ونَسي خلقه﴾ وهو من قدمنا ذكره ويحتمل وجهين: أحدهما: أي ترك خلقه أن يستدل به. الثاني: سها عن الاعتبار به. ﴿قال مَن يُحْيِ العظَامَ وهي رَميمٌ﴾ استبعاداً أن يعود خلقاً جديداً. فأمر الله نبيه ﷺ أن يجيبه بما فيه دليل لأولي الألباب. ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مَرَّة﴾ أي من قدر عل إنشائها أول مرة من غير شيءٍ فهو قادرعلى إعادتها في النشأة الثانية من شيء. ﴿وهو بكل خَلقٍ عليم﴾ أي كيف يبدىء وكيف يعيد.
стр. 3199
قوله : ﴿الذي جَعَلَ لكم مِنَ الشجر الأخضر ناراً﴾ الآية أي الذي جعل النار المحرقة في الشجر الرطب المَطفي وجمع بينهما مع ما فيهما من المضادة , لأن النار تأكل الحطب , وأقدركم على استخراجها هو القادر على إعادة الموتى وجمع الرفات. ويحتمل ذلك منه وجهين: أحدهما: أن ينبه الله تعالى بذلك على قدرته التي لا يعجزها شيء. الثاني: أن يدل بها على إحياء الموتى كما أحييت النار بالإذكاء. قال الكلبي: كل الشجر يقدح منه النار إلا العناب. وحكى أبو جعفر السمرقندي عن أحمد بن معاذ النحوي في قوله تعالى ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر﴾ يعني به إبراهيم , ﴿ناراً﴾ أي نوراً يعني محمداً ﷺ . ﴿فإذا أنتم منه توقِدون﴾ أي تقتبسون الدين.
стр. 3200
﴿أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون﴾ قوله : ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه أن يأمر فيوجد. الثاني: ما قاله قتادة أنه ليس شيء أخف في الكلام من ﴿كن﴾ ولا أهون على لسان العرب من ذلك، فجعله الله تعالى مثلاُ لأمره في السرعة. ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كلِّ شيءٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: خزائن كل شيء. الثاني: ملك كل شيء إلا أن فيه مبالغة.
стр. 3201
﴿وإليه ترجعون﴾ يعني يوم القيامة , فيجازي المحسن ويعاقب المسيء. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل شيءٍ قلْباً وإنَّ قلْبَ القرآن يس , ومن قرأها في ليلة أعطي يُسْر تلك الليلة , ومن قرأها في يوم أعطي يُسْرَ ذلك اليوم , وإنّ أهل الجنة يرفع عنهم القرآن فلا يقرأون منه شيئاً إلا طه ويس).
стр. 3202
سورة الصافات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3203
﴿و الصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق﴾ قوله : ﴿والصافات صفّاً﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الملائكة , قاله ابن مسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. الثاني: أنهم عبّاد السماء , قاله الضحاك ورواه عن ابن عباس. الثالث: أنهم جماعة المؤمنين إذا قاموا في صفوفهم للصلاة , حكاه النقاش لقوله تعالى ﴿صفّاً كأنهم بنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤]. ويحتمل رابعاً: أنها صفوف المجاهدين في قتال المشركين. واختلف من قال الصافات الملائكة في تسميتها بذلك على ثلاثة أقاويل: أحدها: لأنها صفوف في السماء , قاله مسروق وقتادة. الثاني: لأنها تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله ﵎ بما يريد , حكاه ابن عيسى. الثالث: لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم , قاله الحسن. قوله : ﴿فالزاجرات زجراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
стр. 3204
أحدها: الملائكة , قاله ابن مسعود ومسروق وقتادة وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد. الثاني: آيات القرآن , قاله الربيع. الثالث: الأمر والنهي الذي نهى الله تعالى به عباده عن المعاصي , حكاه النقاش. ويحتمل رابعاً: أنها قتل المشركين وسبيهم. واختلف من قال إن الزاجرات الملائكة في تسميتها بذلك على قولين: أحدهما: لأنها تزجر السحاب , قاله السدي. الثاني: لأنها تزجر عن المعاصي قاله ابن عيسى. قوله : ﴿فالتاليات ذكراً﴾ أي فالقارئات كتاباً , وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الملائكة تقرأ كتب الله تعالى , قاله ابن مسعود والحسن وسعيد بن جبير والسدي. الثاني: ما يتلى في القرآن من أخبار الأمم السالفة , قاله قتادة. الثالث: الأنبياء يتلون الذكر على قومهم , قاله ابن عيسى. قوله : ﴿إنَّ إلهكم لواحد﴾ كل هذا قَسَم أن الإِله واحد , وقيل إن القسم بالله تعالى على تقدير ورب الصافات ولكن أضمره تعظيماً لذكره. ثم وصف الإله الواحد فقال: ﴿رب السموات والأرض وما بينهما﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خالق السموات والأرض وما بينهما , قاله ابن إسحاق. الثاني: مالك السموات والأرض وما بينهما. الثالث: مدبر السموات والأرض وما بينهما. ﴿ورب المشارق﴾ فيه وجهان: الأول: قال قتادة: ثلاثمائة وستون مشرقاً، والمغارب مثل ذلك، تطلع الشمس كل يوم من مشرق، وتغرب في مغرب، قاله السدي. الثاني: أنها مائة وثمانون مشرقاً تطلع كل يوم في مطلع حتى تنتهي إلى آخرها ثم تعود في تلك المطالع حتى تعود إلى أولها , حكاه يحيى بن سلام، ولا يذكر
стр. 3205
المغارب لأن المشارق تدل عليها، وخص المشارق بالذكر لأن الشروق قبل الغروب.
стр. 3206
﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ قوله : ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينةٍ الكواكب﴾ يحتمل تخصيص سماء الدنيا بالذكر وجهين: أحدهما: لاختصاصها بالدنيا. الثاني: لاختصاصها بالمشاهدة , وقوله بزينة الكواكب لأن من الكواكب ما خلق للزينة , ومنها ما خلق لغير الزينة. حكى عقبة بن زياد عن قتادة قال: خلقت النجوم لثلاث: رجوماً للشياطين ونوراً يهتدى به , وزينة لسماء الدنيا. ﴿وحفظاً مِن كُلِّ شيطان مارِدٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني من الكواكب حفظاً من كل شيطان , قاله السدي. الثاني: أن الله سبحانه حفظ السماء من كل شيطان مارد، قاله قتادة. وفي المارد ثلاثة أوجه: أحدها: الممتنع، قاله ابن بحر. الثاني: العاتي مأخوذ من التمرد وهو العتو. الثالث: أنه المتجرد من الخير، من قولهم شجرة مرداء، إذا تجردت من الورق. قوله : ﴿لا يسمعون إلى الملإِ الأعلى﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم منعوا بها أن يسمعوا أو يتسمعوا، قاله قتادة. الثاني: أنهم يتسمعون ولا يسمعون , قاله ابن عباس. وفي الملإ الأعلى قولان: أحدهما: السماء الدنيا، قاله قتادة.
стр. 3207
الثاني: الملائكة , قاله السدي. ﴿ويُقذفون من كل جانب﴾ قال مجاهد: يرمون من كل مكان من جوانبهم , وقيل من جوانب السماء. ﴿دُحوراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: قذفاً في النار , قاله قتادة. الثاني: طرداً بالشهب , وهو معنى قول مجاهد. قال ابن عيسى: والدحور: الدفع بعنف. ﴿ولهم عذابٌ واصبٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: دائم. الثاني: أنه الذي يصل وجعه إلى القلوب , مأخوذ من الوصب. قوله : ﴿إلا من خَطِفَ الخطفَة﴾ فيه تأويلان: أحدهما: إلا من استرق السمع , قاله سعيد بن جبير , مأخوذ من الاختطاف وهو الاستلاب بسرعة , ومنه سمي الخطاف. الثاني: من وثب الوثبة , قاله علي بن عيسى. ﴿فأتبعه شهابٌ ثاقب﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الشعلة من النار. الثاني: أنه النجم. وفي الثاقب ستة أوجه: أحدها: أنه الذي يثقب , قاله زيد الرقاشي. الثاني: أنه المضيء، قاله الضحاك. الثالث: أنه الماضي، حكاه ابن عيسى. الرابع: أنه العالي، قاله الفراء. الخامس: أنه المحرق، قاله السدي. السادس: أنه المستوقد، من قولهم: اثقب زندك أي استوقد نارك، قاله زيد بن أسلم والأخفش، وأنشد قول الشاعر:
(بينما المرء شهابٌ ثاقب ... ضَرَبَ الدَّهر سناه فخمد)
стр. 3208
و ﴿إلا﴾ ها هنا بمعنى لكن عند سيبويه. وقيل: إن الشهاب يحرقهم ليندفعوا عن استراق السمع ولا يموتون منه.
стр. 3209
﴿فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون﴾ قوله : ﴿فاستفتهم أهم أشد خلقاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: فسلهم قال قتادة , مأخوذ من استفتاء المفتي. الثاني: فحاجِّهم أيهم أشد خلقاً , قاله الحسن. ﴿أم مَنْ خلقنا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من السموات والأرض والجبال , قاله مجاهد. الثاني: من الملائكة , قاله سعيد بن جبير. الثالث: من الأمم الماضية فقد هلكوا وهم أشد خلقاً منهم , حكاه ابن عيسى. ﴿إنَّاخلقناهم مِن طينٍ لازبٍ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: لاصق، قاله ابن عباس منه قول علي بن أبي طالب ﵁:
(تعلم فإن الله زادك بسطة ... وأخلاق خير كلها لك لازب)
الثاني: لزج، قاله عكرمة. الثالث: لازق، قاله قتادة. والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق هو الذي قد لصق بعضه ببعض، واللازق هو الذي يلزق بما أصابه.
стр. 3210
الرابع: لازم، والعرب تقول طين لازب ولازم، وقال النابغة:
(ولا تحسبون الخير لا شر بعده ... ولا تحسبون الشر ضربة لازب)
نزلت هذه الآية في ركانة بن زيد بن هاشم بن عبد مناف وأبي الأشد ابن أسيد بن كلاب الجمحي. قوله : ﴿بل عجبت ويسخرون﴾ وفي ﴿عجبت﴾ قراءتان: إحداهما: بضم التاء , قرأ بها حمزة والكسائي , وهي قراءة ابن مسعود , ويكون التعجب مضافاً إلى الله تعالى , وإن كان لا يتعجَّبُ من شيء لأن التعجب من حدوث العلم بما لم يعلم , واللَّه تعالى عالم بالأشياء قبل كونها. وفي تأويل ذلك على هذه القراءة وجهان: أحدهما: يعني بل أنكرت حكاه النقاش. الثاني: هو قول علي بن عيسى أنهم قد حلّوا محل من يتعجب منه. والقراءة الثانية: بفتح التاء قرأ بها الباقون , وأضاف التعجب إلى رسول الله ﷺ كأنه قال: بل عجبت يا محمد , قاله قتادة. وفيما عجبت منه قولان: أحدهما: من القرآن حين أعطيه، قاله قتادة. الثاني: من الحق الذي جاءهم به فلم يقبلوه، وهو معنى قول ابن زياد. وفي قوله ﴿وتسخرون﴾ وجهان: أحدهما: من الرسول إذا دعاهم. الثاني: من القرآن إذا تلي عليهم. قوله : ﴿وإذا ذكِّروا لا يذكرون﴾ فيه وجهان: أحدهما: وإذا ذكروا بما نزل من القرآن لا ينتفعون، وهو معنى قول قتادة. والثاني: وإذا ذكروا بمن هلك من الأمم لا يبصرون، وهو معنى ما رواه سعيد.
стр. 3211
قوله : ﴿وإذا رأوا آيةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنه انشقاق القمر، قاله الضحاك. الثاني: ما شاهدوه من هلاك المكذبين , وهو محتمل. وفي قوله ﴿يستسخِرون﴾ وجهان: أحدهما: يستهزئون , قاله مجاهد. الثاني: هو أن يستدعي بعضهم من بعض السخرية بها لأن الفرق بين سخر واستسخر كالفرق بين علم واستعلم. وقيل إن ذلك في ركانة بن زيد وأبي الأشد بن كلاب. قوله : ﴿فانما هي زجرةٌ واحدةٌ﴾ أي صيحة واحدة , قاله الحسن: وهي النفخة الثانية وسميت الصيحة زجرة لأن مقصودها الزجر. ﴿فإذا هم ينظرون﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: البعث الذي كذبوا به. الثاني: ينظرون سوء أعمالهم. الثالث: ينتظرون حلول العذاب بهم , ويكون النظر بمعنى الانتظار.
стр. 3212
﴿وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾ قوله : ﴿وقالوا يا ويلنا هذا يومُ الدين﴾ الآية. فيه وجهان: أحدهما: يوم الحساب، قاله ابن عباس. الثاني: يوم الجزاء، قاله قتادة. ﴿هذا يوم الفصل﴾ الآية. فيه وجهان: أحدهما: يوم القضاء بين الخلائق، قاله يحيى. الثاني: يفصل فيه بين الحق والباطل، قاله ابن عيسى.
стр. 3213
قوله : ﴿احشروا الذين ظلموا﴾ الآية. فيه ثلاثة أوجه: أحدها: المكذبون بالرسل. الثاني: هم الشُرَط , حكاه الثوري. الثالث: هم كل من تعدى على الخالق والمخلوق. وفي ﴿وأزواجهم﴾ أربعة أوجه: أحدها: أشباههم فيحشر صاحب الزنى مع صاحب الزنى , وصاحب الخمر مع صاحب الخمر , قاله عمر بن الخطاب ﵁. الثاني: قرناؤهم , قاله ابن عباس. الثالث: أشياعهم , قاله قتادة , ومنه قول الشاعر:
(فكبا الثور في وسيل وروض ... مونق النبت شامل الأزواج)
الرابع: نساؤهم الموافقات على الكفر , رواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب ﵁. ﴿وما كانوا يعبدون من دون الله﴾ وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: إبليس , قاله ابن زياد. الثاني: الشياطين , وهو مأثور. الثالث: الأصنام , قاله قتادة وعكرمة. ﴿فاهدُوهم إلى صراط الجحيم﴾ أي طريق النار. وفي قوله تعالى: ﴿فاهدوهم﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: فدلوهم , قاله ابن. الثاني: فوجهوهم , رواه معاوية بن صالح. الثالث: فادعوهم , قاله السدي. قوله : ﴿وقفُوهم إنَّهم مسئولون﴾ أي احبسوهم عن دخول النار.
стр. 3214
﴿إنهم مسئولون﴾ فيه ستة أوجه: أحدها: عن لا إله إلا الله , قاله يحيى بن سلام. الثاني: عما دعوا إليه من بدعة , رواه أنس مرفوعاً. الثالث: عن ولاية علي بن أبي طالب ﵁ , حكاه أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري. الرابع: عن جلسائهم , قاله عثمان بن زيادة. الخامس: محاسبون , قاله ابن عباس. السادس: مسئولون. ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ على طريق التوبيخ والتقريع لهم , وفيهم ثلاثة أوجه: أحدها: لا ينصر بعضكم بعضاً , قاله يحيى بن سلام. الثاني: لا يمنع بعضكم بعضاً من دخول النار , قاله السدي. الثالث: لا يتبع بعضكم بعضاً في النار يعني العابد والمعبود , قاله قتادة. فإن قيل: فهلا كانوا مسئولين قبل قوله ﴿فاهْدوهم ... ﴾ الآية؟ قيل: لأن هذا توبيخ وتقريع فكان نوعاً من العذاب فلذلك صار بعد الأمر بالعذاب. قال مجاهد: ولا تزول من بين يدي الله تعالى قدم عبد حتى يُسأل عن خصال أربع: عمره فيهم أفناه , وجسده فيم أبلاه , وماله مم اكتسبه وفيم أنفقه , وعلمه ما عمل فيه.
стр. 3215
﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين
стр. 3216
فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين﴾ قوله : ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنه أقبل الإنس على الجن , قاله قتادة. الثاني: بعضهم على بعض , قاله ابن عباس. ويحتمل ثالثاً: أقبل الاتباع على المتبوعين. وفي ﴿يتساءلون﴾ وجهان: أحدهما: يتلاومون , قاله ابن عباس. الثاني: يتوانسون , وهذا التأويل معلول لأن التوانس راحة , ولا راحة لأهل النار. ويحتمل ثالثاً: يسأل التابع متبوعه أن يتحمل عنه عذابه. قوله : ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ وفي تأويل ذلك قولان: أحدهما: قاله الإنس للجن. قاله قتادة. الثاني: قاله الضعفاء للذين استكبروا , قاله ابن عباس. وفي قوله: ﴿تأتوننا عن اليمين﴾ ثمانية تأويلات: أحدها: تقهروننا بالقوة , قاله ابن عباس , واليمين القوة , ومنه قول الشاعر:
(اذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تَلقاها عَرابةُ باليمين)
أي بالقوة والقدرة. الثاني: يعني من قبل ميامنكم , قاله ابن خصيف. الثالث: من قبل الخير فتصدوننا عنه وتمنعوننا منه , قاله الحسن. الرابع: من حيث نأمنكم , قاله عكرمة. الخامس: من قبل الدين أنه معكم , وهو معنى قول الكلبي.
стр. 3217
السادس: من قبل النصيحة واليمين , والعرب تتيمن بما جاء عن اليمين ويجعلونه من دلائل الخير ويسمونه السانح , وتتطير بما جاء عن الشمال ويجعلونه من دلائل الشر ويسمونه البارح , وهو معنى قول عليّ بن عيسى. السابع: من قبل الحق أنه معكم , قاله مجاهد. الثامن: من قبل الأموال ترغبون فيها أنها تنال بما تدعون إليه فتتبعون عليه , وهو معنى قول الحسن.
стр. 3218
﴿إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون﴾ قوله : ﴿يُطاف عليهم بكأسٍ من مَعينٍ﴾ أي من خمر معين وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الجاري؛ قاله الضحاك. الثاني: الذي لا ينقطع , حكاه جويبر. الثالث: أنه الذي لم يعصر، قاله سعيد بن أبي عروبة. ويحتمل رابعاً: أنه الخمر بعينه الذي لم يمزج بغيره. وفي المعين من الماء خمسة أوجه: أحدها: أنه الظاهر للعين , قاله الكلبي. الثاني: ما مدّته العيون فاتصل ولم ينقطع , قاله الحسن. الثالث: أنه الشديد الجري من قولهم أمعن في كذا إذا اشتد دخوله فيه. الرابع: أنه الكثير مأخوذ من المعين وهو الشيء الكثير.
стр. 3219
الخامس: أنه المنتفع به مأخوذ من الماعون , قاله الفراء. ﴿بيضاء لذَّةٍ للشاربين﴾ يعني أن خمر الجنة بيضاء اللون , وهي في قراءة ابن مسعود صفراء. ويحتمل أن تكون بيضاء الكأس صفراء اللون فيكون اختلاف لونهما في منظرهما قال الشاعر:
(فكأن بهجتها وبهجة كأسها ... نار ونور قيّدا بوعاء.)
قوله : ﴿لا فيها غَوْلٌ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أي ليس فيها صداع، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. الثاني: ليس فيها وجع البطن، قاله مجاهد. الثالث: ليس فيها أذى، قاله الفراء وعكرمة وهذه الثلاثة متقاربة لاشتقاق الغول من الغائلة. الرابع: ليس فيها إثم، قاله الكلبي. الخامس: أنها لا تغتال عقولهم، قاله السدي وأبو عبيدة، ومنه قول الشاعر:
(وهذا من الغيلة أن ... يصرع واحد واحدا)
﴿ولا هم عنها ينزفون﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا تنزف العقل ولا تذهب الحلم بالسكر، قاله عطاء، ومنه قول الشاعر:
(لعمري لئن أنزفتم أو صحوتُم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا)
الثاني: لا يبولون , قاله ابن عباس , وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول , فذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. الثالث: أي لا تفنى مأخوذ من نزف الركية، قاله أبو عمرو بن العلاء، ومنه قول الشاعر:
стр. 3220
(دعيني لا أبا لك أن تطيقي ... لحاك الله قد أنزفت ريقي)
وقد يختلف هذا التأويل باختلاف القراءة , فقرأ حمزة والكسائي، ينزفون بكسر الزاي، وقرأ الباقون يُنزَفون بفتح الزاي، والفرق بينهما أن الفتح من نزف فهو منزوف إذا ذهب عقله بالسكر، والكسر من أنزف فهو منزوف إذا فنيت خمره , وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع عنهم التذاذ نعيمهم. قوله : ﴿وعندهم قاصِراتُ الطّرفِ عينٌ﴾ يعني بقاصرات الطرف النساء اللاتي قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم مأخوذ من قولهم: قد اقتصر على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره , قال امرؤ القيس:
(من القاصرات الطرف لو دب مُحولٌ ... من الذّرّ فوق الخد منها لأثّرا)
وفي العين وجهان: أحدهما: الحسان العيون , قاله مجاهد ومقاتل. الثاني: العظام الأعين , قاله الأخفش وقطرب. ﴿كأنهن بيضٌ مكنون﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني اللؤلؤ في صدفه , قاله ابن عباس , ومنه قول الشاعر:
(وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغوا ... ص ميزت من جوهر مكنون)
الثاني: يعني البيض المعروف في قشره، والمكنون المصون. وفي تشبيههم بالبيض المكنون أربعة أوجه: أحدها: تشبيهاً ببيض النعام يُكنّ بالريش من الغبار والريح فهو أبيض إلى الصفرة، قاله الحسن. الثاني: تشبيهاً ببطن البيض إذا لم تمسه يد، قاله سعيد بن جبير.
стр. 3221
الثالث: تشبيهاً ببياض البيض حين ينزع قشرة، قاله السدي. الرابع: تشبيهاً بالسحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض , قاله عطاء.
стр. 3222
﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ قوله : ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ يعني أهل الجنة كما يسأل أهل النار. ﴿قال قائلٌ منهم﴾ يعني من أهل الجنة. ﴿إني كان لي قرين﴾ يعني في الدنيا , وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الشيطان كان يغويه فلا يطيعه , قاله مجاهد. الثاني: شريك له كان يدعوه إلى الكفر فلا يجيبه , قاله ابن عباس. الثالث: أنهما اللذان في سورة الكهف ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين﴾ إلى آخر قصتهما , فقال المؤمن منهما في الجنة للكافر في النار. ﴿يقول أئنك لمن المصدقين﴾ يعني بالبعث. ﴿أئذا مِتْنَا وكُنَّا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون﴾ فيه تأويلان: أحدهما: لمحاسبون، قاله مجاهد وقتادة والسدي. الثاني: لمجازون، قاله ابن عباس ومحمد بن كعب من قوله: كما تدين تدان. قوله : ﴿قال هل أنتم مطلعون﴾ وهذا قول صاحب القرين للملائكة وقيل لأهل الجنة , هل أنتم مطلعون يعني في النار. يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: لاستخباره عن جواز الاطلاع.
стр. 3223
الثاني: لمعاينة القرين. ﴿فاطّلَعَ﴾ يعني في النار. ﴿فرآه﴾ يعني قرينه ﴿في سواءِ الجحيم﴾ قال ابن عباس في وسط الجحيم , وإنما سمي الوسط سواءً لاستواء المسافة فيه إلى الجوانب قال قتادة: فوالله لولا أن الله عَرّفه إياه ما كان ليعرفه , لقد تغير حبْرُهُ وسبرُه يعني حسنه وتخطيطه. قوله : ﴿قال تالله إن كِدْتَ لتُرْدين﴾ هذا قول المؤمن في الجنة لقرينه في النار , وفيه وجهان: أحدهما: لتهلكني لو أطعتك , قاله السدي. الثاني: لتباعدني من الله تعالى , قاله يحيى. ﴿ولولا نعمة ربي﴾ يعني بالإيمان ﴿لكنت من المحْضَرين﴾ يعني في النار , لأن أحضر لا يستعمل مطلقاً إلا في الشر.
стр. 3224
﴿أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد الله المخلصين﴾ قوله : ﴿أذلك خيرٌ نزلاً أم شجرة الزقوم﴾ والنُّزل العطاء الوافر ومنه إقامة الإنزال، وقيل ما يعد للضيف والعسكر. وشجرة الزقوم هي شجرة في النار يقتاتها أهل النار , مرة الثمر خشنة اللمس منتنة الريح. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي يعرفها العرب أولا؟ على قولين:
стр. 3225
أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا، ومن قال بهذا اختلفوا فيها فقال قطرب: إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر، وقال غيره بل كل نبات قاتل. القول الثاني: أنها لا تعرف في شجر الدنيا , فلما نزلت هذه الآية في شجرة الزقوم قال كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة , فقال ابن الزبعرى: الزقوم بكلام البربر: الزبد والتمر فقال أبو جهل لعنه الله: يا جارية ابغينا تمراً وزبداً ثم قال لأصحابه تزقموا هذا الذي يخوفنا به محمد يزعم أن النار تنبت الشجر , والنار تحرق الشجر. ﴿إنا جعلناها فتنة للظالمين﴾ فيه قولان: أحدهما: أن النار تحرق الشجر فكيف ينبت فيها الشجر وهذا قول أبي جهل إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه فكان هذا هو الفتنة للظالمين , قاله مجاهد. الثاني: أن شدة عذابهم بها هي الفتنة التي جعلت لهم , حكاه ابن عيسى. قوله : ﴿إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم﴾ فكان المقصود بهذا الذكر أمرين: أحدهما: وصفها لهم لاختلافهم فيها. الثاني: ليعلمهم جواز بقائها في النار لأنها تنبت من النار. قال يحيى بن سلام: وبلغني أنها في الباب السادس وانها تحيا بلهب النار كما يحيا شجركم ببرد الماء. ﴿طلعها كأنه رؤُوس الشياطين﴾ يعني بالطلع الثمر , فإن قيل فكيف شبهها برؤوس الشياطين وهم ما رأوها ولا عرفوها؟ قيل عن هذا أربعة أجوبة: أحدها: أن قبح صورتها مستقر في النفوس , وإن لم تشاهد فجاز أن ينسبها بذلك لاستقرار قبحها في نفوسهم كما قال امرؤ القيس:
(ايقتُلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونةٍ زُرقٍ كأنياب أغوال)
следующие страницы →